وروى ابن عدي عن أبي يوسف، قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيماء أفلس اهـ المقصود من التدريب.
مثال المشهور الصَّحِيح حديث " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من النَّاس " الحديث.
ومثال المشهور الحسن حديث " طلب العلم فريضة على كل مسلم " فقد قال الحافظ المزي إن له طرقاً يرتقي بها إلى رتبة الحسن، ومثال المشهور الضَّعِيف حديث " الأذنان من الرأس " قلت الصَّحِيح أنه صحيح كما بينته في شرح النسائي.
وأما مثال الغريب الصَّحِيح فأفراد الصَّحِيح كثيرة كحديث " السفر قطعة من العذاب ". ومثال الغريب غير الصَّحِيح فهو غالب الغرائب ثم شرع في تقسيم آخر للغريب فقال:
............... ... وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبِ
.................. ... ..................
١٩٧ - فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ، وَالثَّانِ قَدْ ... وَلا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لا سَنَدْ
(وقسم) بالبناء للمفعول (الفرد) أي المطلق الذي هو الغريب، (إلى) قسمين (غريب في متنه وسند) له معاً كالحديث الذي ينفرد برواية متنه راو واحد فقط (و) غريب في (الثاني) أي السَّند (قد) أي فحسب كأن يكون المتن معروفاً برواية جماعة من الصحابة فينفرد بها راو من حديث صحابي آخر فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب.
ومن أمثلته حديث أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه رَفَعَهُ " الكافر يأكل في سبعة أمعاء " فإنه غريب من حديث أبي موسى مع كونه معروفاً من حديث غيره، قال ابن الصلاح: من ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصَّحِيحة. قال السخاوي: يعني كأن ينفرد به من حديث شعبة بخصوصه غندر، قال: وهو الذي يقول فيه الترمذي: غريب من هذا
стр. 212
الوجه، قال ابن الصلاح: ولا أرى يعني القسم الثاني ينعكس فلا يوجد إذاً يعني فيما يصح، ما هو غريب متناً لا سنداً. اهـ. وإليه أشار بقوله (ولا نرى) بالنون والبناء للفاعل أي لا نعرف معاشر المحدثين، وفي نسخة المحقق بالتاء، أي لا تعرف أيها المحدث ولا تجد بالبحث (غريب متن) بالنصب مفعول نرى (لا سند) أي دونه يعني أنه لا يوجد حديثٌ غريبٌ متناً لا سنداً، قال ابن الصلاح إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه عنه عدد كثيرون فإنه يصير غريباً مشهوراً وغريباً متناً وغير غريب إسناداً لكن بالنظر إلى أحد طرفى الإسناد فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول ومتصف بالشهرة في طرفه الآخر كحديث " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر الغرائب التي اشتمل عليها التصانيف المشهورة اهـ.
قال العراقي بعد نقل كلام ابن الصلاح هذا ما نصه:
هكذا قال ابن الصلاح إنه لا يوجد ما هو غريب متناً لا سنداً إلا بالتأويل الذي ذكره، وقد أطلق أبو الفتح اليعمري ذكر هذا النوع في جملة أنواع الغريب من غير تقييد بآخر السَّند، فقال في شرحٍ الترمذي: الغريب على أقسام: غريب سنداً ومتناً، ومتناً لا سنداً، وسنداً لا متناً، وغريب بعض السَّند فقط، وغريب بعض المتن فقط، فالقسم الأول: واضح، والقسم الثاني: هو الذي أطلقه أبو الفتح ولم يذكر له مثالاً، والقسم الثالث: حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رَوَّاد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " الأعمال بالنية " قال الخليلي: في الإرشاد أخطأ فيه عبد المجيد وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه قال: فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة، وقال أبو الفتح اليعمري هذا إسناد غريب كله والمتن صحيح.
والقسم الرابع: مثاله حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومن رواية عباد بن منصور كلاهما عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بحديث أم زرع والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عبد الله بن عروة عن أبيه عن
стр. 213
عائشة هكذا اتفق عليه الشيخان، وكذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام عن هشام، قال أبو الفتح فهذه غرابة تخص موضعاً من السَّند، والحديث صحيح، قال العراقي: ويصلح ما ذكرناه من عند الطبراني مثالاً للقسم الخامس لأن عبد العزيز وعَبَّادا جَعَلا جميع الحديث مرفوعاً وإنما المرفوع منه قوله ﷺ " كنت لك كأبي زرع لأم زرع " فهذا غرابة بعض المتن أيضاً. اهـ كلام العراقي في شرح ألفيته.
ولما كان المشهور له إطلاق آخر غير ما مر في الأقسام وهو ما اشتهر على ألسنة النَّاس ذكره بقوله:
١٩٨ - وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ لِلَّذِي اشْتَهَرْ ... فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ
(ويطلق المشهور للذي) أي على الحديث الذي (اشتهر في الناس) أي بينهم (من غير شروط تعتبر) أي من دون أن توجد فيه الشروط المعتبرة عند المحدثين في المشهور المصطلح عليه.
والمعنى أن اسم المشهور قد يطلق على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة النَّاس سواء كانت صحيحة أم ضعيفة أم مكذوبة.
والحاصل أنه ربما يطلق على ما ليس له إلا إسناد واحد أو إسنادان أو لا إسناد له أصلًا، كعلماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، وولدت في زمن الملك العادل كسرى، وتسليم الغزالة، فقد اشتهر على الألسنة، وفي المدائح النبوية قاله السخاوي.
وقد صنف في هذا القسم الزركشي التذكرة في الأحاديث المشتهرة، والناظم كتاباً استدرك فيه ما فات الزركشي، والعلامة السخاوي المقاصد الحسنة وغيرهم.
ومن أمثلة المشهور عند أهل الحديث خاصة حديث أنس " أن رسول الله ﷺ قنت شهراً بعد الركوع يدعوا على رِعْل وذَكْواَن " أخرجه الشيخان من رواية سليمان التيمي عن أبي مِجْلَزٍ عن أنس وقد رواه عن
стр. 214
أنس غير أبي مجلز، وعن أبي مجلز غير سليمان، وعن سليمان جماعة، وهو مشهور بين أهل الحديث، وقد يستغربه غيرهم لأن الغالب على رواية التيمي عن أنس كونها بلا واسطة، ومن المشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ".
ومن المشهور عند الفقهاء " أبغض الحلال عند الله الطلاق " صححه الحاكم " من سئل عن علم فكتمه " الحديث حسنه الترمذي " لا غيبة لفاسق " حسنه بعض الحفاظ وضعفه البيهقي وغيره " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ضعفه الحفاظ.
" استاكوا عرضاً وادهنوا غبا واكتحلوا وتراً " قال ابن الصلاح بحثت عنه فلم أجد له أصلاً ولا ذكراً في شيء من كتب الحديث.
قلت قال السخاوي في المقاصد الحسنة: والجملة الثانية من أصل الحديث عند أحمد وأبي دواد والترمذي مما صححه هو وابن حبان، وقال والجملة الثالثة عند أبي دواد وغيره.
ومن المشهور عند النحاة " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه " قال العراقي وغيره لا أصل له ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث.
ومن المشهور عند الأصوليين " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسْتكْرِهُوا عليه " صححه ابن حبان، والحاكم بلفظ إن الله وضع.
ومن المشهور بين العامة " من دل على خير فله مثل أجر فاعله " أخرجه مسلم، " مدارة النَّاس صدقة " صححه ابن حبان، " البركة مع أكابركم " صححه ابن حبان والحاكم " ليس الخبر كالمعاينة " صححاه أيضا " المستشار مؤتمن " حسنه الترمذي، " العَجَلة من الشيطان " حسنه الترمذي أيضاً، " اختلاف أمتي رحمة " " نية المرء خير من عمله " " من بورك له في شيء فليلزمه " " الخير عادة "، " عَرّفوا ولا تعنفوا "، " جبلت القلوب على حب من
стр. 215
أحسن إليها "، " أمرنا أن نكلم النَّاس على قدر عقولهم "، وكلها ضعيفة، " من عرف نفسه فقد عرف ربه "، " كنت كنزاً مخفياً لا أعرف "، " الباذنجان لما أكل له، يوم صومكم يوم نحركم، من بَشَرَني بآذار بشرته بالجنة "، وكلها باطلة، لا أصل لها، ذكرها كلها في التدريب، ولما أنهى الكلام على الآحاد شرع يبين المتواتر، وهو القسم الخامس فقال:
١٩٩ - وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌ يَجِبْ ... إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ
٢٠٠ - فَالمُتَوَاتِرُ، وَقَوْمُ حَدَّدُوا ... بِعَشْرَةٍ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
٢٠١ - وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ اْوْ عِشْرِينَا ... يُحُكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا
(وما) اسم موصول مبتدأ أي الحديث الذي (رواه عدد) أي جماعة من النَّاس (جم) بفتح الجيم وتشديد الميم صفة عدد أي كثير، قال في " ق " الجم الكثير من كل شيء كالجمم محركة، والجمع جمام بالكسر، وجموم بالضم. اهـ بزيادة من التاج (يجب) عادة (إحالة اجتماعهم) وتواطئهم (على الكذب) بفتح فكسر أفصح من سكون الذال مع كسر الكاف وهو الموافق للوزن أيضاً، وجملة يجب صفة بعد صفة لعدد بمعنى أن العادة تمنع اتفاقهم على الكذب عمداً أو وقوعه منهم من غير قصد، قال السخاوي: وبالنظر لهذا خاصة يكون العدد في طبقة كثيراً وفي أخرى قليلاً إِذِ الصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد أو تزيد عليه اهـ.
والحاصل: أن الخبر الذي ورد بلا حصر عدد معين بل تكون العادة قد أحالت تواطئهم على الكذب وكذا وقوعه منهم اتفاقاً من غير قصد وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع لا أن تزيد إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى، وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد، أو المسموع لا ما ثبت بقضية العقل الصرف (١) فإذا جمع هذه
стр. 216
الشروط الأربعة، وهي عدد كثير، أحالت العادة تواطئهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مسند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه فهو (المتواتر) خبر ما، اسمُ فاعل من التواتر، وهو لغة ترادف الأشياء المتعاقبة واحداً بعد واحد بينهما فترة، ومنه قوله تعالىِ: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) أي رسولاً بعد رسول بينهما فترة، واصطلاحاً هو الذي رواه جماعة غير محصورين في عدد معين إلى آخر ما تقدم.
فإذا حصلت الشروط المذكورة استلزمت حصول العلم في الغالب، وقد يتخلف لمانع، كغباوة السامع، والمعتمد أن العلم الحاصل به هو اليقيني لا النظري.
(تنبيه): البحث عن المتواتر ليس من مباحث علم الإسناد إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه ليعمل به أو يترك والمتواتر ليس كذلك بل يجب العمل به من غير بحث عن رجاله وإن كانوا فساقاً.
ثم إن المتواتر قسم من المشهور فكل متواتر مشهور ولا عكس أفاده الحافظ.
ثم إن ما ذكر من عدم حصر المتواتر بعدد معين هو الذي عليه الجمهور وهو الأصح، ومنهم من عينه بعدد، وإليه أشار بقوله:
(وقوم حددوا) مبتدأ وخبر أي قوم من المحدثين أو من علماء أصول الحديث، أو أصول الفقه جعلوا لأقل عدده حداً (بعشرة) بسكون الشين متعلق بِـ حَدَّدُوْا وفي نسخة الشارح لعشرة باللام والمعنى متقارب.
والمعنى أن بعض العلماء عَيَّنَ أقل المتواتر بعشرة بمعنى أن الكثرة لا تنقص عنها، لا أنها لا تزيد عليها، إذ الزيادة هنا مستحسنة من باب أولى لأن العلم إذا حصل بالأقل فبالزيادة أولى وهكذا يقال في الأقوال الآتية.
وهذا القول محكي عن أبي سعيد الاصطخري قال: لأن ما دون العشرة آحاد.
стр. 217
قال الناظم مختاراً لهذا القول (وهو) أي التحديد بعشرة (لَدَيَّ) أي عندي (أجود) أي أحسن من غيره من الأقوال، وإنما اختاره لأنه أول جموع الكثرة (والقول) مبتدأ خبره جملة يحكى، وقوله (باثني عشر) يتعلق به أي القول بتحديد رواة المتواتر باثني عشر عَدَدِ نقباءِ بني إسرائيل في قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) بعثوا كما قال أهل التفسير للكنعانيين بالشام طليعة لِبَنِي إسرائيل المأمورين بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه أقل ما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك (أو عشرينًا) أي القول بتحددهم بعشرين شخصاً لقوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) وكونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ، (يحكى) بالبناء للمفعول، أي يروى عن بعض العلماء، وقوله (وأربعين) عطف على اثني عشر أي القول بتحديدهم بأربعين نفساً يحكى عن بعضهم قالوا لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) وكانوا كما قال أهل التفسير: أربعين رجلاً كملهم عمر ﵁ بدعوة النبي ﷺ ، فإخبار الله عنهم بأنهم كافوا نبيهم يستدعي إخبارهم عن أنفسهم بذلك ليطمئن قلبه، فكونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ، (أو سبعينًا) أي يحكى عن بعضهم تحديدهم بسبعين شخصاً، قالوا لأن الله تعالى قال: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا) أي للاعتذار إلى الله تعالى من عبادة العجل، ولسماعهم كلامه تعالى من أمر ونهي ليخبروا قومهم بما يسمعونه، فكونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ، وقيل أقلهم ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر، وأصحاب طالوت.
وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدم: وتمسك كل قائل بدليل جاء فيه ذكر ذلك العدد فأفاد العلم وليس بلازم أن يطرد في غيره لاحتمال الاختصاص اهـ.
(تنبيه): الأصح أنه لا يشترط في المتواتر الإسلام في راويه، ولا عدم احتواء بلد عليهم، فيجوز أن يكونوا كفاراً، ويحويهم بلد كأن يخبر
стр. 218
أهل قسطنطينية بقتل ملكهم لأن الكثرة مانعة من التواطىء على الكذب، وقيل لا يجوز ذلك لجواز تواطىء الكفار، وأهل بلد على الكذب فلا يفيد خبرهم العلم قاله مُلَّا علي قارى نقلاً عن المَحَلّي، ولما قال بعضهم بعدم وجود المتواتر، وبعضهم بعزته ذكره بقوله:
٢٠٢ - وَبَعْضُهُمْ قَدِ ادَّعَى فِيهِ الْعَدَمْ ... وَبَعْضُهُمْ عِزَّتَهُ، وَهْوَ وَهَمْ
(وبعضهم) أي بعض العلماء كابن حبان والحازمي مبتدأ خبره (قد ادعى فيه) أي المتواتر (العدم) أي كونه غير موجود في الروايات (وبعضهم) ادعى (عزته) أي قلته جداً يقال عَزُّ الشيء يعِزُّ بكسر العين في المضارع: قَلَّ بحيث لا يكاد يوجد، وهذا القائل هو ابن الصلاح حيث قال: ولا يكاد يوجد يعني المتواتر في روايتهم، وهو ما ينقله من يحصل العلم بصدقهم ضرورة عن مثلهم من أوله إلى آخره، ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يُروى من الحديث أعياه تطلبه، قال: نعم حديث " من كذب عليَّ " نراه مثالاً لذلك، وتبعه على ذلك النووي في التقريب، قال الناظم ﵀ ردًّا على القولين تبعاً للحافظ ﵀ (وهو) أي المذكور من دعوى العدم والعزة (وهم) كغلط وزناً ومعنى، يقال وَهِمَ في الحساب يوهم وهما كغلط يغلط غلطا وزناً ومعنى، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، وقد يستعمل المهموز لازماً قاله في المصباح، والجملة مستأنفة.
والمعنى: أي دعوى عدم التواتر وعزته غلط من قائله نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال، وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على الكذب، أو يحصل منهم اتفاقاً.
ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وُجودَ كثرة في الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوعَ عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث، وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطئهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقيني
стр. 219
بصحته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير قاله الحافظ رحمه الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى مقرراً للتغليط ومبيناً لوجوده في الأحاديث وجود كثرة حتى ألف فيه مؤلفاً خاصاً به:
٢٠٣ - بَلِ الصَّوابِ أَنَّهُ كَثِيرٌ ... وَفِيهِ لِي مُؤَلَّفٌ نَضِيرٌ
٢٠٤ - خَمْسٌ وَسَبْعُونَ رَوَوْا " مَنْ كَذَبَا " ... وَمِنْهُمُ الْعَشْرَةُ ثُمَّ انْتَسَبَا
٢٠٥ - لَهَا حَدِيثُ " الرَّفْعِ لِلْيَدَيْنِ " ... وَ " الْحَوْضِ " وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ "
(بل الصواب) في الحديث المتواتر (أنه) أي المتواتر (كَثِيرٌ) يوجد في الدواوين المشهورة بكثرة (وفيه) أي في خصوص المتواتر خبر مقدم، أو حال، أو متعلق بمؤلف (لي) حال من مؤلف، أو خبر مقدم له (مؤلف) أي كتاب مجموع من جملة الأحاديث المتواترة، مأخوذ من التأليف، وهو كما في التعريفات للشريف الجرجاني: جَعْلُ الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد سواء كان لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر أم لا، فعلى هذا يكون التأليف أعم من الترتيب اهـ. (نضير) أي حسن، صفة مؤلف، يقال: نَضُرَ الوجه بالضم نَضَارَة حَسُن فهو نضير قاله في المصباح.
والمعنى أنه ألف كتاباً حسناً في ذلك لم يُسْبَق إلى مثله مرتباً على الأبواب أورد فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعدا وذكر كل حديث بأسانيد من خرجه وطرقه وسماه " الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة " ثم لخصه في جزء لطيف اقتصر فيه على عزو كل طريق لمن خرجها من الأئمة وسماه " بالأزهار المتناثرة " ثم جاء بعده أبو جعفر الكتاني فاستدرك عليه في كتابه " نظم المتناثر من الحديث المتواتر " ثم لخص أبو الفضل عبد الله الصديق ما استدركه الكتاني مما هو على شرط السيوطي مع زيادات عليه في " إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة بما وقع من الزيادات في نظم المتناثر على الأزهار المتناثرة " وفيه ما زاده مرتضى الزبيدي في كتابه "لقط اللآلئ المتناثرة " قاله الأستاذ عبد الوهاب عبد اللطيف في تعليقاته على التدريب.
стр. 220
(تنبيه): كتاب الناظم المؤلف في المتواتر الصواب في اسمه ما سبق، وأخطأ في تسميته نفسه في التدريب فسمى الأصل " الأزهار المتناثرة " والمختصر قطف الأزهار، وليس كذلك، بل قطف الأزهار كتاب له آخر ألفه في أسرار التنزيل في مجلد ضخم كتب منه إلى آخر سورة براءة، وسماه قطف الأزهار في كشف الأسرار، أفاده المحقق ابن شاكرٍ، ثم ذكر أمثلة مما تواتر فقال (خمس وسبعون) من الصحابة مبتدأ خبره قوله (رووا) عن النبي ﷺ حديث (من كذبا) بألف الإطلاق (ومنهم العشرة) مبتدأ وخبر، والشين ساكنة، أي ومن جملة الخمسة والسبعين الصحابَةُ المشهود لهم بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة وسعد وسعيد وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، والمعنى أن حديث " من كذب علي متعمداً فَلْيَتَبَوَّأ مقعده من النار " رواه خمس وسبعون صحابياً، ومنهم العشرة المبشرون بالجنة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة في وقت واحد، وإلا فقد شهد ﷺ لجماعة بالجنة في أوقات مختلفة.
وقال ابن الصلاح: رواه اثنان وستون من الصحابة، وقال غيره رواه أكثر من مائة نفسٍ، وقال النووي في شرح مسلم رواه نحو مائتين قال السخاوي: ولعله سبق قلم من مائة.
قال العراقي وليس في هذا المتن بعينه ولكنه في مطلق الكذب، والخاص بهذا المتن رواية بضعةٍ وسبعين صحابياً، (ثم انتسبا) بألف الإطلاق (لها) أي للأحاديث المتواترة (حديث الرفع لليدين) فاعل انتسب، والمعنى أن الحديث الدال على مشروعية رفع اليدين في الصلاة معدود في جملة المتواتر فإنه ورد من رواية خمسين صحابياً (والحوض) بالجر عطفاً على الرفع أي انتسب حديث الحوض أيضاً فإنه ورد من رواية نيف وخمسين صحابياً (والمسح) بالجر أي حديث المسح (على الخفين) في الوضوء فإنه ورد من رواية سبعين صحابياً.
(تنبيه): قسم أهل الأصول المتواتر إلى لفظي وهو ما تواتر لفظه،
стр. 221
ومعنوي وهو أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب وقائع مختلفة تشترك في أمر يتواتر ذلك القدر المشترك، كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلاً أنه أعطى جملاً، وآخر أنه أعطى فرساً، وآخر أنه أعطى ديناراً، وهلم جَرَّا فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء لأن وجوده مشترك من جميع هذه القضايا، قال الناظم وذلك أيضاً يتأتي في الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه، كأحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه ﷺ نحو مائة حديث فيه رفع يديه في الدعاء، وقد جمعتها في جزء لكنها في قضايا مختلفة فكل قضية منها لم تتواتر والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع قاله في التدريب.
ثم بعد أن تكلم الناظم على المتواتر عاد إلى شيء يتعلق بنوع العزيز الذي سبق ذكره فقال:
٢٠٦ - وَلابْنِ حِبَّانَ: الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ ... بِحَدِّهِ السَّابِقِ، لَكِنْ لَمْ يُجِدْ
٢٠٧ - وَلِلْعَلائِيْ جَاءَ فِي الْمَأْثُورِ ... ذُو وَصْفَيِّ الْعَزِيزِ وَالْمَشْهُورِ
(ولـ) لحافظ أبي حاتم محمد (بن حبان) البستي صاحب الصَّحِيح تقدمت ترجمته، والجار والمجرور خبر مقدم لقوله: (الْعَزِيزُ مَا وُجِدْ) أي هذا الكلام، فقوله العزيز ما وجد مبتدأ وخبر في الأصل، وهو محكي لقصد لفظه، مبتدأ مؤخر، وما نافية، أي هذا الكلام كائن لابن حبان، والمعنى أن ابن حبان أنكر وجود العزيز (بحده السابق) متعلق بوجد أي بتعريفه المتقدم، وهو رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي.
والحاصل: أنه قال: إن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً فرد عليه الناظم تبعاً للحافظ في شرح النخبة بقوله (لَكِنْ لَمْ يُجِدْ) من الإجادة، يقال: أجاد الرجل إجادة إذا أتى بالجِيّد من القول أو الفعل.
والمعنى: أن ابن حبان لم يات بكلام حسن في هذا الإنكار، قال الحافظ: إن أراد يعني ابن حبان بقوله إن رواية اثنين عن اثنين إلخ، أن
стр. 222
رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً فيمكن أن يسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي من عبارة ابن حبان أنه أراد الوجه الأول فكلامه صحيح، وأما إرادة الوجه الثاني فبعيدة جداً لمنافاتها عبارته السابقة.
فالحق عندي أنه لا معنى للاعتراض عليه والترديدِ المذكور في توجيه كلامه فتأمل بإنصاف (وللـ) حافظ الفقيه العلامة صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي (العلائي) بتخفيف الياء للوزن الشافعي عالم بيت المقدس المولود في ربيع الأول سنة ٦٩٤ كان إماماً بارعاً محدثاً حافظاً متقناً جليلًا فقيهاً أصولياً نحوياً متفنِّناً في الحديث وعلومه علامة فيه عارفاً بالرجال علامة في المتون والأسانيد لم يخلف بعده مثله أخذ عنه العراقي، مات في ثالث محرم سنة ٧٦١، اهـ من طبقات الحفاظ باختصار والجار والمجرور خبر مقدم لقوله (جاء في الْمَأثُور) إلخ لأنه محكي لقصد لفظه.
والمعنى: أنه قال جاء في الحديث المأثور أي المروي عن النبي ﷺ حديث (ذو وصفي العزيز والمشهور) أي صاحب الاتصاف بهذين الوصفين يعني أن بعض الأحاديث يوصف بهما.
وَمَثَّلَهُ بحديث " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " الحديث ذكر أنه عزيز عن النبي ﷺ رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة، وهو مشهور عن أبي هريرة رواه عنه سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاوس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى أم بُرْثُن.
(تنبيه): قال المحقق ابن شاكرٍ: واعلم أن هذين البيتين من أول قوله ولابن حبان إلخ وقعا في الطبعة السابقة قبل قوله خمس وسبعون رووا من كذبا والصواب تأخيرهما إلى هذا الموضع تبعاً لنسخة الشارح، ولأن قوله
стр. 223
خمس وسبعون إلخ، أمثلة للمتواتر فالمعتمد أن تذكر عقبه ولا يفصل بينها وبينه بشيء آخر اهـ.
(تنبيه): الزيادة على العراقي قوله: رآه في البيت الثاني إلى قوله: حد تواتر، وقوله: والغالب الضعف على الغريب، وقوله: ولا ترى غريب متن إلخ، والحوض، وقوله: ولابن حبان البيتين.
ولما ذكر الغرابة في الباب السابق ذكر ما يزيلها وهو المتابع والشاهد، وما يوصل إليهما وهو الاعتبار فقال:
стр. 224
(الاعتبار والمتابعات والشواهد)
أي هذا مبحثها وهي النوع الثامن والعشرون والتاسع والعشرون والثلاثون هذا هو الظاهر من صنيعه حيث جعل الاعتبار قسيماً للآخرين وتبع في ذلك ابن الصلاح وغيره حيث قال: معرفة الاعتبار إلخ.
واعترض الحافظ على هذه العبارة فقال: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد وليس كذلك بل الاعتبار هي الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعات والشواهد وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول معرفة الاعتبار للمتابعات والشواهد اللهم إلا أن يراد شرح الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام الأئمة أفاده السخاوي.
والحاصل أن الاعتبار ليس قسيماً للتابع والشاهد بل هو هيئة التوصل إليهما كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢٠٨ - الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ ... هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ
٢٠٩ - فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ ... أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِرْ
٢١٠ - وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ ... فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ
٢١١ - وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى ... مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى
(الاعتبار) في اصطلاحهم مبتدأ خبره (سبر) بفتح السين المهملة ثم موحدة ساكنة مَصْدَر سَبرت الجُرحَ سَبْراً من باب قتل إذا تعرفت عمقه،
стр. 225
وسبرت القوم سبراً من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب إذا تأملتهم واحداً بعد واحد لتعرف عددهم أفاده في المصباح، أي اختيارُ وتتبعُ (ما) أي الحديث الذي (يرويه) بعض الرواة من الدواوين المبوبة والمسندة وغيرهما كالمعاجم والمشيخات والفوائد ليُنظَر ويعرف (هل شارك) ذلك (الراوي) الذي يظن تفرده به (سواه) فاعل شارك والراوي مفعوله مقدماً، ويجوز العكس، أي غيره (فيه) أي رواية ذلك الحديث الذي ظن أنه فرد.
والحاصل: أن الاعتبار هو أن يأتي الحافظ إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث أي تتبعها من الجوامع والمسانيد والمعاجم والمشيخات والفوائد والأجزاء ليعرف هل شاركه في رواية ذلك الحديث راو غيره أم لا (فإن يشاركه) أي ذلك الذي ظن تفرده بذلك الحديث (الذي به) متعلق بـ (ـاعتبر) بالبناء للمفعول، فالذي فاعل يشارك، ومعنى كونه معتبراً به أن يصلح أن يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به بأن كان ضعفه يسيراً بأن لا يتهم بكذب وإنما ضعفه إما بسوء حفظه أوغلطه أو نحو ذلك.
والمعنى أنه إن وجد بعد السبر والتتبع من يشارك ذلك الراوي من الرواة المعتبر بهم وهو من لم يكن شديد الضعف ومن باب أولى إذا كان ثقة (أو شيخه) بالنصب عطفاً على المفعول به أي أو يشارك الراوي المعتبر به شيخه في روايته عن شيخه، يعني أنه إذا لم يوجد من يشارك الراوي نفسه ينظر هل شارك شيخه في الرواية عن شيخه فإن وجد، وإلا فينظر هل شارك من فوقه إلى آخر السَّند كما قال:
(أو) يشارك من (فوق) من الظروف المبنية على الضم لقطعها عن الإضافة ونية معناها، والظرف صلة لمحذوف وهو جائز كما في قول حسان:
أمَنْ يَهْجُو رسولَ اللهِ منكُم ... وَيمْدَحُهُ ويَنصُرُه سَواءُ
стр. 226
أي من يمدحه إلخ، أي من فوق شيخه، وهو شيخ شيخه فصاعدا إلى آخر السَّند، وقوله: (تابع) خبر لمحذوف معٍ الرابط والجملة جواب الشرط أي فهو تابع أي ذلك المشارك يسمى تابعا.
وحاصل المعنى: أنه إذا وجد بعد الاعتبار من شارك ذلك الراوي المظنون انفراده ممن يعتبر به في الرواية عن شيخه أو كانت المشاركة لشيخه أو لمن فوقه إلى آخر السَّند فهذا يسمى تابعاً، وقوله (أُثِرْ) بالبناء للمفعول أي نقل صفة لتابع، أي هو تابع منقول عن أهل الحديث فإنهم سموه بذلك.
ثم إن كانت المتابعة للراوي نفسه فهي المتابعة التامة، وإن كانت لشيخه أو من فوقه فهي المتابعة القاصرة وكلما بعد فيه المتابع كان أنقص.
ثم إذا لم يوجد بعد السبر مشارك للراوي في رواية ذلك الحديث على الوجه المذكور ينظر هل أتى بمعناه حديث آخر فإن وجد فهو الشاهد، وإليه أشار بقوله: (وإن يكن متن) آخَرُ في الباب سواء كان عن ذلك الصحابي أو عن غيره (بمعناه) صفة متن أي بمعنى ذلك الحديث المظنونِ تفردُ الراوي به (ورد) خبر يكن، أي روي فهو (شاهد) جواب " إن "، أي يسمى شاهداً لذلك.
والمعنى: أنه إذا وجد حديث آخر بمعنى الحديث يسمى شاهداً، وفُهِمَ من هذا أن التابع مختص بما كان باللفظ سواء جاء من رواية ذلك الصحابي أم من غيره، والشاهد مختص بما كان بالمعنى كذلك، وهذا محكى عن جماعة كالبيهقي ومن وافقه، والذي رجحه الحافظ أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ ولا في الشاهد على المعنى، وإنما افتراقهما بالصحابي فقط فَكُلُّماَ جاء عن ذلك الصحابي فهو تابع سواء كان باللفظ أم بالمعنى أو عن غيره فهو شاهد كذلك أفاده السخاوي.
ثم نوضح المذكور كله بذكر مثال تبعاً للنووي ﵀ حيث قال في التقريب:
стр. 227
فمثال الاعتبار أن يروي حماد مثلاً حديثاً لا يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فينظر هل رواه ثقة غير أيوب، عن ابن سيرين فإن لم يوجد فغير ابن سيرين، عن أبي هريرة وإلا فصحابي غير أبي هريرة عن النبي ﷺ فأي ذلك وجد علم أن له أصلاً يرجع إليه وإلا فلا.
والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة، أو عن ابن سيرين غير أيوب أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين أو عن النبي ﷺ صحابي آخر فكل هذا يسمى متابعة وتقصر عن الأولى بحسب بعدها منها وتسمى المتابعة شاهداً.
والشاهدُ: أن يروي حديث آخر بمعناه ولا يسمى هذا متابعة اهـ كلام النووي.
قال الناظم: فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا والشاهد أعم وقيل هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك وقال الحافظ: قد يسمى الشاهد متابعة أيضاً والأمر سهل.
مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد ما رواه الشافعي في الأم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى ترو الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين " فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: " فإن غم عليكم فاقدروا له " لكن وجدنا للشافعي متابعاً وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي كذلك أخرجه البخاري عنه، عن مالك، وهذه متابعة تامة، ووجدنا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر " فأكملوا ثلاثين " وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ " فاقدروا ثلاثين ".
стр. 228
ووجدنا له شاهداً رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ " فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " وذلك شاهد بالمعنى قاله في التدريب.
ثم إذا لم يوجد بعد السبر لا تابع ولا شاهد فهو الفرد كما ذكره بقوله (وفاقد) مبتدأ (ذين) مفعوله أي حديث فاقد لهذين المذكورين التابع والشاهد، وقوله: (انفرد) خبر المبتدإ، أي سمي بالفرد لانفراه عن التابع والشاهد، وحكمه ما سبق في الأفراد من التفصيل، مثاله الحديث الذي رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه " أحبب حبيبك هَوْناً مَا " الحديث قال الترمذي غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه أي من وجه يثبت وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين والحسن متروك لا يصلح للمتابعات.
ثم إن ما تقدم من تسمية ما كان باللفظ تابعاً وما كان بالمعنى شاهداً هو الغالب في الاستعمال، وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس وإليه أشار بقوله (وربما) للتقليل (يدعى) بالبناء للمفعول أي يسمى الحديث (الذي) روي (بالمعنى) أي معنى الحديث الذي ظن فرديته (متابعاً) مفعول ثان ليدعى والأول هو الموصول النائب عن الفاعل، والمعنى أنه قد يسمى الحديث المروي بالمعنى متابعاً (وعكسه) أي عكس هذا الإطلاق وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ مبتدأ خبره جملة قوله (قد) للتقليل أيضاً (يعنى) بالبناء للمفعول أي يقصد بمعنى يستعمل ويطلق.
والمعنى أن عكس ما تقدم وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ قد يستعمل فلا فرق بينهما إلا بغلبة الاستعمال والأمر فيه سهل.
ثم إن المراد من التابع والشاهد هو التقوية أفاده الحافظ.
(فائدتان): الأولى: أنه لا انحصار للمتابعة والشواهد في الثقة كما
стр. 229
تقدم في قوله الذي اعتبر بل يدخل فيه رواية من لا يحتج بحديثه وحده ولكن ليس كل ضعيف يصلح لذلك ولهذا يقول الدارقطني وغيره: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به وإنما يدخلون الضعفاء في هذا لكون الاعتماد على الأصل لا عليه أفاده النووي.
وقد يكون كل من المتاج والمتابَع لا اعتماد عليهما لكن باجتماعها تحصل القوة أفاده السخاوي.
" الثانية ": أن التتبع المذكور يكون من الجوامع والمسانيد والمعاجم والمشيخات والفوائد والأجزاء كما قاله ابن الصلاح.
فالجوامع (١) هي الكتب التي جمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه كالبخاري، أو على ترتيب الحروف الهجائية كما في جامع الأصول لابن الأثير، والمسانيد ما جمع فيها مسند كل صحابي على حدة صحيحاً كان أو ضعيفاً، والمعجم ما ذكرت فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكون مرتباً على حروف الهجاء، والمشيخات بفتح الميم فسكون الشين وكسرها هي الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم الراوي وأخذ عنهم أو أجازوه وإن لم يلقهم، والأجزاء ما دون فيها حديث شخص واحد أو مادةٍ واحدة من أحاديث جماعة أفاده بعض المحققين.
ولما كان التابع والشاهد وعدمهما لا يُطَّلعَ عليه إلا بتتبع وجمع الطرق والأبواب ناسب أن يذكر بعده زيادات الثقات لأنها كذلك لا تعرف إلا بجمع الطرق والأبواب لكن الأنسب كما قال السخاوي تقديمها مع تعارض الوصل والإرسال. قال ﵀:
стр. 230
(زيادات الثقات)
أي هذا مبحثها وهو النوع الحادي والثلاثون وهو باب دقيق من أبواب التعارض والترجيح بين الأدلة وهو من البحوث الهامة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين قاله المحقق ابن شاكر.
فينبغي الاعتناء به وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة لجمعه بين الفقه والحديث مشاراً إليه به بحيث قال تلميذه ابن حبان: ما رأيت على أديم الأرض من يحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة زادها في الخبر الثقة حتى كان السنن كلها نصب عينيه، وكذا كان الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد، وأبو الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوريان وغيرهما من الأئمة كأبي نعيم (١) بن عدي الجرجاني ممن اشتهر بمعرفة زيادات الألفاظ التي تستنبط منها الأحكام الفقهية في المتون قاله السخاوي.
وقال الحافظ ﵀: والمراد بزيادات الألفاظ الفقهية الألفاظ التي يستنبط منها الأحكام الفقهية لا ما رواه الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدخل في المدرج لا في هذا وإنما نبهت على هذا وإن كان ظاهراً لأن العلامة مغلطاي استشكل ذلك على ابن الصلاح. اهـ، كلام الحافظ.
стр. 231
قال ﵀:
٢١٢ - وَفِي زِيَادَاتِ الثِّقَاتِ الْخُلْفُ جَمْ ... مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا أَوْ مَنْ أَتَمْ
٢١٣ - ثَالِثُهَا: تُقْبَلُ لا مِمَّنْ خَزَلْ ... وَقِيلَ: إِنْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ حَمَلْ
٢١٤ - بَعْضًا، أَوِ النِّسْيَانَ يَدَّعِيهِ ... تُقْبَلْ، وَإِلاَّ يُتَوَقَّفْ فِيهِ
٢١٥ - وَقِيلَ: إِنْ أَكْثَرَ حَذْفَهَا تُرَدْ ... وَقِيلَ: فِيمَا إِنْ رَوَى كُلاًّ عَدَدْ
٢١٦ - إِنْ كَانَ مَنْ يَحْذِفُهَا لا يَغْفُلُ ... عَنْ مِثْلِهَا فِي عَادَةٍ لا تُقْبَلُ
٢١٧ - وَقِيلَ: لا، إِذْ لا تُفِيدُ حُكْمَا ... وَقِيلَ: خُذْ مَا لَمْ تُغَيِّرْ نَظْمَا
٢١٨ - وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ وَهْوَالْمُعْتَمَدْ ... إِنْ خَالَفَتْ مَا لِلثِّقَاتِ فَهْيَ رَدْ
٢١٩ - أَوْ لا فَخُذْ تِلْكَ بِإِجْمَاعٍ وَضَحْ ... أَوْخَالَفَ الإِطْلاقَ فَاقْبَلْ فِي الأَصَحْ
(وفي زيادات الثقات) أي العدول الضابطين من التابعين فمن بعدهم، أي في حكم زيادات الرواة الثقات على غيرهم متعلق بقوله (الخلف) بالضم أي اختلاف العلماء من الفقهاء والمحدثين وغيرهم، وهو مبتدأ خبره قوله (جم) بفتح فتشديد، إلا أنه خفف للوزن أي كثير، ذكر البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه عشرة أقوال وزاد غيره عليها، وسيأتي تفصيلها وقوله (ممن رواه) حال من زيادة أي حال كون تلك الزيادات كائنة من نفس من روى الحديث، حال كونه (ناقصاً) بأن رواه مرة ناقصاً ومرة مع تلك الزيادات (أو من أتم) عطف على مَنْ أي أو كائنة ممن أتم الحديث أي رواه تاماً، والمعنى أن تلك الزيادة وقعت من غير من نقصها بأن رواه ثقتان أحدهما ناقصاً والآخر مع تلك الزيادة.
وحاصل المعنى: أنه إذا روى الحافظ الثقة العدل حديثاً مَّا مرتين، ووقعت في إحدى روايتيه زيادة لم يروها هو في الرواية الأخرى.
أو روى حافظان ثقتان عدلان حديثاً واحداً ووقعت في رواية أحدهما لهذا الحديث زيادة لا يرويها الآخر فقد اختلف العلماء فيها على أقوال فوق عشر ذكر بعضها في النظم: " الأول " القبول مطلقاً، أي سواء كانت في
стр. 232
اللفظ أو المعنى، تعلق بها حكم شرعي أم لا، غَيرت الحكم الثابت أم لا أوجبت نقصاً من أحكام ثبتت بخبر آخر أم لا، عُلِمَ اتحاد المجلس أم لا، كثير الساكتون عنها أم لا.
وهذا القول كما حكاه الخطيب هو الذي مشى عليه الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين والغزالي في المستصفى وجرى عليه النووي في مصنفاته وهو تصرفات مسلم في صحيحه.
وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان وصرح به أيضاً ابن عبد البر في التمهيد، فقال: إنما تقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله في الحفظ وإلا فلا، ونحوه عن الخطيب والترمذي وأبي بكر الصيرفي وقال ابن طاهر: إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه وكذا قيد ابن الصباغ في العدة القبول بأن لا يكون واحداً ومن نقص جماعة لا يجوز عليهم الوهم ومجلس الحديث واحد.
واحتج مَنْ قَبِل الزيادة مطلقاً بأن الراوي إذا كان ثقة وانفرد بالحديث من أصله كان مقبولاً فكذلك انفراده بالزيادة، وَرَدَّ هذا من لم يقبل بأنه ليس كل حديث انفرد به أي ثقة كان مقبولاً كما سبق في نوع الشَّاذ وبالفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة فإن تفرده بالحديث لا يتطرق نسبة السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظاً وأكثر عدداً فإن الظن غالب بترجيح روايتهم على روايته ومبني هذا الأمر على غلبة الظن قاله الصنعاني.
" والقول الثاني ": أنها لا تقبل مطلقاً ممن رواه ناقصاً أو غيره وهذا القول حكاه الخطيب وابن الصباغ عن قوم من أصحاب الحديث قال الحافظ والذي اختاره الخطيب لنفسه أنها مقبولة إذا كانت راويها عدلاً حافظاً ومتقناً ضابطاً قال وهذا متوسط بين المذهبين. اهـ.
стр. 233
وهذان القولان أعني الأول والثاني هما المطويان في قوله (ثالثها) أي الأقوال المفهومة من قوله الخلف وهو مبتدأ خبره قوله (تقبل) بالبناء للمفعول وتَقديرِ أن المصدرية، أي ثالث الأقوال قبول تلك الزيادة (لا) عاطفة على محذوف أي من غير من نقصها لا (ممن خزل) أي نقص يقال: خزلته خزلاً من باب قتل: قطعته كما في المصباح.
أي نقص الحديث، ومعنى الكلام أن الزيادة مقبولة من غير من روى الحديث ناقصاً ولا تقبل ممن رواه ناقصاً.
والحاصل أن هذا القول مفصل وهو أنها تقبل من غير من رواه ناقصاً من الثقات ولا تقبل إن زادها من رواه ناقصاً وهو محكى عن فرقة من الشافعية كما حكاه الخطيب. منهم أبو نصر القشيري قال بعضهم سواء كانت روايته للزيادة سابقة أو لاحقة.
ثم ذكر الرابع فقال: (وقيل) تقبل تلك الزيادة (إن في كل مجلس) متعلق بفعل محذوف يفسره قوله (حمل بعضاً) أي إن حمل من شيخه في مجلسين بأن ذكر أنه سمع ذلك الحديث مرتين مرة مع الزيادة ومرة بدونها (أو النسيان) أي نسيان تلك الزيادة في حال روايته ناقصاً وهو منصوب على الاشتغال (يدعيه) بأن أثبت السماع في مجلس واحد لكن قال كنت نسيتها (تقبل) جواب إن أي تقبل تلك الزيادة في المسألتين وكانا خبرين يعملِ بهما (وإلا) أي وإن لم يذكر السماع في مجلسين، ولم يَدَّعِ النسيانَ (يُتوَقَّفْ) جواب " إن " (فيه) أي فيما زاده، وذكر الضمير باعتبار المزيد يعني أنه يتوقف في قبول تلك الزيادة والعملِ بها للتعارض.
وهذا القول لابن الصباغ وحاصله أنه ذهب إلى أن راوي الزيادة إن كان هو راوي الحديث بدونها قبلت زيادته بأحد شرطين " الأول ": أن يذكر أنه سمع الحديث مرتين مرة معها ومرة بدونها.
والثاني: أن يذكر أن روايته الحديث بدونها وقعت منه لنسيانها فإن لم يذكر واحداً منهما تعارضت الروايتان ووجب ترجيح إحداهما بأحد المرجحات.
стр. 234
ثم ذكر القول الخامس بقوله:
(وقيل) أي قال بعض العلماء (إن) شرطية (أكثر) أي الراوي (حذفها) أي الزيادة بأن كان أكثر روايته بدون الزيادة، وقوله (ترد) جواب إن وهو يحتمل الرفعَ وهو حسن لكون الشرط فعلاً ماضياً والجزمَ وهو أحسن منه كما قال ابن مالك:
وبعدَ مَاضٍ رفعُكَ الجزا حَسَن.
وتخفف داله للوزن أي ترد تلك الزيادة، وحاصل هذا القول أن العبرة بما يرويه أكثر فإن كان مع الزيادة قبلت وإلا لم تقبل وإن تساوى الأمران قبلت وهذا القول منقول عن المحصول للإمام الرازي.
ثم أشار إلى السادس بقوله (وقيل فيما) مصدرية (إن) زائدة كما صرح ابن هشام في مغنى اللبيب بأنها تزاد بعد ما المصدرية، (روى كلا) مفعول به مقدم على الفاعل، أي كلا من الزيادة وعدمها (عدد) فاعل مؤخر، أي عدد من الرواة اثنان فأكثر، وما وصلتها في تأويل المصدر مجرور بفي، أي في رواية عدد من الرواة كلا من الزيادة وعدمها، والجار متعلق بقيل (إن) شرطية (كان من يحذفها) أي الراوي الذي يحذف تلك الزيادة (لا يغفل) من باب قعد، وحكى فيه بعضهم كفرحَ، والجملة خبر كان، والمعنى إن كان الراوي الذي يحذف الزيادة لا يذهل ولا يسهو عن مثلها متعلق بيغفل، أي مثل الزيادة (في عادة) متعلق بيغفل أيضاً، يعني أن العادة تحيل أن يغفلوا عنها لكونهم عدداً لا يتصور ذلك منهم، وقوله (لا تقبل) جواب إن، أي لا تقبل تلك الزيادة منهم، ولم يقترن الجواب بالفاء لكون النفي بلا، فإنه يجوز اقترانه بها وعدمه كما هو مقرر في محله، وهذا القول للآمدي وابن الحاجب، وحاصله أنهما ذهبا إلى أنه إن كان الراوي بدون الزيادة عدداً لا يتصور منهم عادة أن يغفلوا عنها فإنها لا تقبل سواء بلغ الرواة بدونها حد التواتر أم لا، وهذا القول محكي أيضاً عن ابن الصباغ، وقال ابن السمعاني مثله، وزاد أن يكون مما تتوفر الدواعي على نقله، واختاره في جمع الجوامع.
ثم أشار إلى السابع بقوله (وقيل لا) أي لا تقبل الزيادة (إذ)
стр. 235
ظرفية (لا تفيد) تلك الزيادة (حكما) شرعياً، يعني أنها لا تقبل وقت عدم إفادتها الحكم الشرعي، وإن أفادت قبلت، وإذ هنا للاستقبال، لأنها تَرِدُ له على الأصح بقلة، كما في قوله تعالى (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)، أفاده الخضري في حاشيته على ابن عقيل.
وهذا القول حكاه الخطيب عمن لم يُعَيِّنْهم وحاصله أنهم قائلون بقبول الزيادة إذا أفادت حكماً شرعياً، وكذا إذا كانت في اللفظ خاصة كما قال السخاوي. وإلا فلا تقبل.
ثم أشار إلى الثامن بقوله: (وقيل خذ) أي اقبل الزيادة (ما) مصدرية ظرفية لم (تُغَيِّر) الزيادة (نظماً) أي نظم الكلام والمراد إعرابه.
والمعنى أنه قال بعضهم إن الزيادة تقبل مدة عدم تغييرها الإعراب، فإن غيرت تعارضَا. وهذا القول حكاه ابن الصباغ عن المتكلمين والصفيُّ الهنديُّ عن الأكثرين، وذلك كان يُروَى في أربعين: شاةٌ، ثم في أربعين: نصفُ شاةٍ.
ثم أشار إلى التاسع بقوله (و) الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بـ (ابن الصلاح) لقب أبيه صلاح الدين، وهو مبتدأ خبره جملة (قال) في كتابه المعروف بعلوم الحديث، قال الناظم مرجحاً لقوله (وهو المعتمد) مبتدأ وخبر جملة معترضة بين القول ومقوله، أي إن ما قاله ابن الصلاح من التفصيل هو المعتمد من جميع الأقوال المتقدمة، ومقول القول جملة قوله (إن خالفت) الزيادة (ما) أي الحديث الذي (للثقات) بأن كانت منافية له (فهي) أي الزيادة (رد) بالفتح بصيغة المصدر أي ذات رد أو مردودة.
والمعنى أن الزيادة إذا وقعت مخالفة منافية لما رواه سائر الرواة فهي مردودة كما سبق في نوع الشَّاذ (أو لا) أي أو لم تخالف ما رواه الثقات (فخذ) أيها المحدث (تلك) أي الزيادة مفعول به لخذ.
стр. 236
والمعنى أنَّ الزيادة إذا لم تقع منافية لا ترد بل تكون كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تَعرّض فيه لما رواه غيره بمخالفة أصلاً، وقوله: (بإجماع) متعلق بقوله (وضح) والجملة حال من المذكور من كون هذا النوع مقبولًا، أي حال كون المذكور واضحاً بإجماع العلماء، وعبارة ابن الصلاح: وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء، قال في التدريب: أسنده إليه ليبرأ من عهدته اهـ.
وقال السخاوي: لكن عزو حكاية الاتفاق في مسألتنا ليس صريحاً في كلام الخطيب اهـ. (أو خالف) أي راوى الزيادة (الإطلاق) منصوب على المفعولية أي إطلاق غيره، بأن زاد لفظة لم يذكرها غيره، وهي مقيدة لإطلاقه، كحديث حذيفة ﵁: " جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً " تفرد أبو مالك الأشجعي فقال: " وتربتها طهوراً " وسائر الرواة لم يذكروا ذلك (فاقبل) أيها المحدث الزيادة (في الأصح) حال من القبول أي حال كون القبول كائناً في القول الأصح، ثم إن الظاهر من عبارة النظم أن التصحيح من كلام ابن الصلاح، وليس كذلك، بل هو من النووي في التقريب فتنبه لذلك.
والمعنى: أن الزيادة إذا خالفت ما للثقات من حيث الإطلاق والتقييد قبلت في الأصح لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة عن شيخه ولا يرويه عنه غيره.
والحاصل: أن ابن الصلاح قسم زيادات الثقات إلى ثلاثة أقسام.
" أحدها " ما يقع منافياً لما رواه الحفاظ فهو مردود كما مر في الشَّاذ.
" والثاني ": ما تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما روى الغير بالمخالفة أصلاً فهذا مقبول، وقد ذكر فيه اتفاق العلماء عن الخطيب.
و" الثالث ": ما يقع بين هذين المرتبتين مثل زيادة لفظ في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، ومثله بما روى مالك عن نافع عن ابن عمر " أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى
стр. 237
من المسلمين " وروى عبيد الله بن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة فأخذ بها غير واحد من الأئمة منهم الشافعي وأحمد.
قال العراقي: هذا المثال غير صحيح فقد تابع مالكاً على ذلك عمر بن نافع والضحاك بن عثمان ويونس بن يزيد وعبد الله بن عمر والمعلى بن إسماعيل وكثير بن فرقد واختلف في زيادتها على عبيد الله بن عمر وأيوب قال: والصَّحِيح في المثال حديث " جعلت لي الأرض مسجداً " الحديث فذكر ما قدمناه.
ثم قال ابن الصلاح وفي هذا القسم شبه من القسم الأول المردود من حيث إن ما رواه الجماعة عام وهذا مخصوص، وفي ذلك نوع مخالفة ومغايرة ويشبه القسم الثاني المقبول من حيث أنه لا منافاة بينهما.
قال النووي: والصَّحِيح قبول هذا الأخير فمجموع الأقوال التي ذكرها الناظم تسعة. وزيد " عاشر " وهو أنها تقبل إن غيرت الإعراب مطلقاً " وحادي عشر " وهو أنها تقبل إن كان راويها حافظاً " وثاني عشر " وهو أنها تقبل في اللفظ دون المعنى ومع ما تقدم عن ابن خزيمة وابن الصباغ تكون الأقوال أربعة عشر.
(تنبيه): قال الحافظ رحمه الله تعالى: اشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقاً من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصَّحِيح والحسن أن لا يكون شاذًّا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كابن مهدي وَيَحْيَى القطان وأحمد وابن معين وابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية بحيث يلزم من قبولها رد الرواية الأخرى اهـ.
стр. 238
(تنبيه): آخر: قال السخاوي: الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السَّند مقبولة بالإتفاق اهـ.
(تنبيه): والزيادة في هذا الباب قوله: وقيل: إن في كل مجلس إلى قوله ما لم تغير نظماً.
ولما كانت زيادة الثقات إنما تقبل على المعتمد إذا لم تكن منافية لما رواه الثقات وإلا كانت معلولة ناسب ذكر المعلول بعده فلذا قال:
стр. 239
(الْمُعَلُّ)
أي هذا مبحثه وهو النوع الثاني والثلاثون من أنواع علوم الحديث، وهو من أعل الرباعي، وهو أولى وأجود من تعبير غيره بالمعلل بلامين لأنه قياس مفعول أعل بخلاف الثاني فإنه مفعول علل.
وقد وقع في عبارة كثير من المحدثين تسميته بالمعلول كالترمذي وابن عدي والدارقطني وأبي يعلى الخليلي والحاكم وغيرهم وأنكره ابن الصلاح والنووي وقال إنه لحن، وأنكره أيضاً العراقي والحريري في درة الغَوَّاص، والأحسن أن يقال فيه معل بلام واحدة لا معلل فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء شغله به، وأكثر عبارات المحدثين في الفعل أن يقولوا أعله فلان بكذا فقياسه معل أفاده العراقي في التقييد.
قال الجامع: لكن قال في المصباح عُلَّ الإنسان بالبناء للمفعول مرض، ومنهم من يبنيه للفاعل من باب ضرب فيكون المتعدي من باب قتل فهو عليل، وأعله الله فهو معلول قيل من النوادر التي جاءت على غير قياس وليس كذلك فإنه من تداخل اللغتين، والأصل أعله الله فَعُلَّ معلول أو من عله فيكون على القياس، وجاء معل على القياس لكنه قليل الاستعمال. اهـ باختصار.
فأفاد أن قول المحدثين معلول جار على اللغة، وليس بلحن، ويؤيده أيضاً استعمال أبي إسحاق الزجاج اللغوي لفظ معلول في العروض قال ابن
стр. 240
سيده بعد نقله: فلست منها على ثقة لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته ولم يستعملا في الكلام واستغنى عنهما بأفعلت قال: وإذا قالوا جُنَّ وشلَّ فإنما يقولون جعل فيه الجنون والسل كما قالوا حُزِنَ وفُسِلَ أفاده في اللسان.
ثم إن هذا النوع من أجل أنواع علوم الحديث وأشرفها وأدقها وإنما يتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل، كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني. قال الحاكم: وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، والحجة في التعليل عندنا بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير، وقال ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي. أفادهُ في التدريب. قال ﵀:
٢٢٠ - وَعِلَّةُ الْحَدِيثِ: أَسْبَابٌ خَفَتْ ... تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهِ، حِينَ وَفَتْ
٢٢١ - مَعْ كَوْنِهِ ظَاهِرُهُ السَّلامَهْ ... فَلْيَحْدُدِ الْمُعَلَّ مَنْ قَدْ رَامَهْ
٢٢٢ - مَا رِيءَ فِيهِ عِلَّةٌ تَقْدَحُ فِي ... صِحَّتِهِ بَعْدَ سَلامَةٍ تَفِي
٢٢٣ - يُدْرِكُهَا الْحَافِظُ بِالتَّفَرِّدِ ... وَالْخُلْفِ مَعْ قَرَائِنٍ، فَيَهْتَدِي
٢٢٤ - لِلْوَهْمِ بِالإِرْسَالِ أَوْ بِالْوَقْفِ أَوْ ... تَدَاخُلٍ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ حَكَوْا
٢٢٥ - بِحَيْثُ يَقْوَى مَا يَظُنُّ، فَقَضَى ... بِضَعْفِهِ، أَوْ رَابَهُ فَأَعْرَضَا
(وعلة الحديث) أي الأشياء التي توجب كون الحديث معلاً، مبتدأ خبره قوله (أسباب) جمع سبب، لغة: ما يتوصل به إلى غيره، واصطلاحاً ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته (خفت) بفتح الخاء والفاء على لغة من قال بَقَى يَبْقى بالفتح فيهما، وهم طيء، فإنهم يفتحون ما كان معل اللام على فعل بكسر العين تخفيفاً كبَقِىَ وفَنِىَ وخَفِىَ، والجملة صفة أسباب، أي أسباب خفية غير واضحة إلا للحذاق الماهرين بِالْفَنِّ. قال الصنعاني: وكان هذا تعريف أغلبي للعلة، وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون
стр. 241
بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة، ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث اهـ.
وجملة (تقدح) أي تلك العلة، صفة ثانية لأسباب، يقال قدح فلان في فلان قدحاً من باب نفع عابه وتنقصه، أفاده في المصباح، أي تنتقص تلك العلة (في صحته) أي صحة ذلك الحديث الذي وجدت هي فيه (حين وفت) أي وجدت العلة، متعلق بتقدح، أي تقدح العلة في صحة الحديث وقت وجودها فيه (مع) بسكون العين لغة قليلة في فتحها (كونه) أي الحديث (ظاهره السلامه) مبتدأ وخبر، والجملة خبر كونه، ويحتمل أن يكون ظاهرِهِ مجروراً بَدَلَ اشتمال من الضمير والسلامة بالنصب خبر كون.
والمعنى: أن علة الحديث هي أسباب غامضة خفية قادحة في الحديث مع كون ظاهره السلامة منها وهذا تعريف العلة.
وأما تعريف الحديث المعل فأشار إليه بقوله: (فليحدد) الفاء فصيحية، واللام لام الأمر، ويحدد بالبناء للفاعل، أي يعرف الحديث (المعل) بالنصب على المفعولية، والفاعلُ قوله (من) أي الشخص الذي (قد رامه) أي قصد حده، أي معرفة حقيقته بأنه (ما) أي الحديث الذي (رىء) بكسر الراء بوزن قيل أصله رُءِيَ مغيرَ صيغةِ رَأى دخله القلب المكاني بأن قدمت اللام على العين فصار " رُي أ " ثم نقلت كسر العين إلى الفاء فصار " رِيْءَ " بكسر الراء وسكون الياء للوزن، أي اطلع (فيه) بعد التفتيش التام (علة) نائب فاعل رىء أي خفية، من العلل الآتية، في سنده، أومتنه (تقدح) أي تنتقص (في صحته) أي صحة ذلك الحديث (بعد سلامة) من تلك العلة ظاهراً، لجمعه شروط القبول الظاهرة، وقوله (تفى) من الوفاء أي تحصل وتوجد، والجملة صفة لسلامة أي بعد سلامة وافية، ووصفها بها إشارة إلى أن سلامة ذلك الحديث هو الظاهر لمن رآه حيث اجتمعت فيه الشروط إلا أنه بعد التفتيش اطلع فيه على علة.
стр. 242
وحاصل المعنى: أن المعل هو الحديث الذي ظاهره السلامة لكن اطلع فيه بعد التفتيش على علة قادحة.
ثم ذكر طريق معرفة تلك العلة بقوله (يدركها) أي العلة القادحة (الحافظ) أي الضابط المتقن ذو المعرفة التامة (بالتفرد) متعلق بيدرك أي بسبب تفرد الراوي بذلك الحديث وعدم المتابعة عليه، فإن ذلك مما يورث الشك، ولذا أنكر النبي ﷺ خبر ذى اليدين لتفرده به حتى وافقه غيره من الحاضرين عليه بعد أن سألهم النبي ﷺ أفاده بعض (١) المحقيقين (والخلف) بالجر عطفاً على ما قبله، أي وبسبب مخالفة الراوي غيره ممن هو أحفظ وأضبط وأكثر عدداً (مع) بالسكون لغة في الفتح (قرائن) بالصرف للضرورة جمع قرينة فعيلة بمعنى فاعلة لغةً مأخوذة من المقارنة، واصطلاحاً أمر يشير إلى المطلوب قاله الجرجاني في التعريفات، أي مع ضم القرائن إلى ما ذكر من التفرد والمخالفة. وحاصل المعنى أن العلة يدركها الحافظ بأحد أمرين، إما بتفرد الراوي، وإما بمخالفة غيره له مع قرائن تضم إلى ذلك، (فيهتدى) ذلك الحافظ بمجموع ذلك (للوهم) أي إلى وهم الراوي، يقال: وَهَمْتُ في الصلاة وهْماً كوعد وعداً، وَوَهمَ كوَجِلَ كلاهما بمعنى سها، أفاده في اللسان، وبعض اللغويين يقول وَهِمَ كغلط وزنا ومعنى، وَوَهَم إليه كوعد ذهب وهمه إليه وفي " ق " وَهِمَ في الحساب كوَجِلَ غَلِطَ، وفي الشيء كوَعَدَ ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره وأوهم كذا من الحساب أسقط أو وَهَم كوَعَدَ ووَرِثَ وأوْهَمَ بمعنى واحد. اهـ بزيادة من التاج، فأفاد ضبط الوَهْم بسكون الهاء.
والجار والمجرور متعلق بما قبله، واللام بمعنى إلى أي يهتدي الحافظ بسبب ما ذكر إلى وهم الراوي، (بالإرسال) في الموصول (أو بالوقف) في المرفوع (أو بتداخل بين حديثين) أي دخول حديث في
стр. 243
حديث. وقوله (حكوا) أي حكى العلماء ذلك، جملة أتى بها إشارة إلى أن هذه الأمور ذكرها العلماء في تعليل الحديث.
(بحيث يقوى) أي يغلب (ما يظن) ذلك الحافظ من كون الحديث معلا بما ذكر والجار والمجر ور يتعلق بقوله " يهتدي " أو بمحذوف نعتٍ لمصدر محذوف، أي اهتداء كائناً بحيث يقوى. (فقضى) أي حكم الحافظ (بضعفه) أي ضعف ذلك الحديث الذي وجدت فيه العلة، وإنما قال يظن لأن مبنى هذا النوع على غلبة الظن (أو رابه) عطف على يقوى أي أوقعه في الريب، وهو الشك والتردد، (فأعرضا) بألف الإطلاق، أي توقف عن القول بقبوله وعدمه احتياطاً، لتردده بين تعليله وبين عدمه، ولو كان ظن تعليله أنقص.
وحاصل معنى هذه الأبيات الثلاث أن العلة يدركها الحافظ الناقد بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك فيهتدي بذلك إلى اطلاعه على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث وغير ذلك من الأشياء القادحة كإبدال راو ضعيف بثقة بحيث غلب على ظنه ذلك فحكم بضعف ذلك الحديث أو تردد فيه فوقف عن الحكم بصحة الحديث أو وضعه احتياطاً.
قال الناظم وربما تقتصر عبارة المُعَلِّلِ عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في الدينار والدرهم، قال ابن مهدي: معرفة علل الحديث إلهام لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة وكم من شخص لا يهتدي لذلك.
وقيل له أيضاً إنك تقول للشىء هذا صحيح، وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك فقال هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأل عن ذلك أو تسلم له الأمر؟ قال بل أسلم قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة.
وسئل أبو زرعة ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته ثم تقصد ابن وَارَةَ فتسأله عنه فيذكر علته ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث فإن
стр. 244
وجدت بيننا خلافاً فاعلم أن كلًّا منا تكلم على مراده وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم ففعل الرجل ذلك فاتفقت كلمتهم فقال أشهد أنَّ هذا العلم إلهام. ذكره في التدريب.
ثم ذكر الطريق الموصل إلى معرفة علل الحديث فقال:
٢٢٦ - وَالْوَجْهُ فِي إِدْرَاكِهَا جَمْعُ الطُّرُقْ ... وَسَبْرُ أَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالْفِرَقْ
(والوجه) أي الجهة والطرق الموصلة (في إدراكها) أي إلى معرفة علة الحديث، وقوله الوجه مبتدأ خبره قوله (جمع الطرق) أي جمع أسانيد الحديث المشتملة على المتون واستقصاؤها من الجوامع والمسانيد والأجزاء (وَسَبْرُ) بفتح السين وسكون الباء، أي تتبع (أحوال الرواة) جمع راو (والفرق) جمع فرقة وهي الطائفة، والمراد هنا الرواة فالعطف للتفسير، وذلك بالنظر في اختلاف رواة ذلك الحديث ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط وهذا الذي قاله في النظم للخطيب، وعن علي بن المديني قال: الباب إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه.
ولذا قال الحافظ في شرح النخبة: وهذا الفن من أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهماً عالياً، واطلاعاً حاوياً، وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة شافية، ولم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن، وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لِمَا جعل الله فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك، ثم ذكر مواضع العلل فقال:
٢٢٧ - وَغَالِبًا وُقُوعُهَا فِي السَّنَدِ ... وَكَحَدِيثِ " الْبَسْمَلَهْ " فِي الْمُسْنَدِ
(وغالباً) حال مقدم من قوله (وقوعها) أي وجود العلة في غالب الأحوال: وهو مبتدأ خبره قوله (في السَّند) أي كائن في سند الحديث، والمعنى أن العلة إنما توجد غالباً في سند الحديث، ثم إنها قد تقدح في المتن أيضاً كالإعلال بالإرسال في الموصول أو الوقف في المرفوع، أو بغير
стр. 245
ذلك من موانع القبول وقد لا تقدح كالإعلال بوهم الراوي في اسم أحد الرجال مع ثبوت الإسناد عن الثقات على الصواب من غير رواية ذلك الراوي الذي وهم.
قال البقاعي: الكلام الضابط أن يقال الحديث لا يخلو إما أن يكون فرداً أوله أكثر من إسناد، فالأول يلزم من القدح في سنده القدح في متنه، وبالعكس، والثاني لا يلزم من القدح في أحدهما القدح في الآخر.
وقال الحافظ: إذا وقعت العلة في الإسناد فقد تقدح وقد لا تقدح وإذا قدحت فقد تخصه وقد تستلزم القدح في المتن، وكذا القول في المتن سواء فالأقسام على هذا ستة. فمثال ما وقعت فيه العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقاً ما يوجد مُدَلَّساً بالعنعنة فإن ذلك يوجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق آخر قد صرح فيه بالسماع تبين أن العلة غَيْرُ قادحةٍ.
ومثال ما وقعت فيه العلة في الإسناد ويقدح فيه دون المتن ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثَّوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " البيعان بالخيار " الحديث فهذا الإسناد متصل بنقل العدل عن العدل وهو معلل غير صحيح والمتن صحيح على كل حال، والعلة في قوله عن عمرو بن دينار إنما هو عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى بن عبيد وعدل عن عبد الله بن دينار وكلاهما ثقة، ومثال ما وقعت فيه العلة في المتن دون الإسناد ولا يقدح فيهما ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصَّحِيحين إذا أمكن رد الجميع إلى معنى واحد فإن القدح ينتفي عنها.
ومثال ما وقعت العلة في متنه، واستلزمت القدح في الإسناد: ما يرويه راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ، والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي، فَيُعَلِّل الإسناد.
ومثال ما وقعت العلة في المتن دون الإسناد ما أشار إليه الناظم بقوله (وكحديث) نفي قراءة (البسملة) في الصلاة حال كونه مروياً (في) جملة
стр. 246
(المسند) أي الحديث المرفوع المتصل إذ معنى المسند كما تقدم هو المرفوع المتصل سنده يعني أن هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ متصل سنده، وأشار الشارح إلى أن المراد بالمسند هو صحيح مسلم.
وحاصل المعنى أن العلة تقع بقلة في المتن دون الإسناد، مثاله حديث نفى قراءة البسملة في الصلاة الذي انفرد به مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: " صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في آخرها " ثم رواه من رواية الوليد عن الأوزاعي أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنساً يذكر ذلك وروى مالك في الموطأ عن حميد عن أنس قال: " صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقراء بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وزاد فيه الوليد بن مسلم عن مالك " صليت خلف رسول الله ﷺ وقد تكلم الناظم رحمه الله تعالى في علل هذا الحديث في التدريب وأطال، وملخصها أن لهذا الحديث تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع، وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صحابيه، ومخالفته لما رواه عدد التواتر، قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وقول ابن الجوزي إن الأئمة اتفقوا على صحته فيه نظر فهذا الشافعي والدراقطني والهبيهقي وابن عبد البر لا يقولون بصحته أوَلَا يقدح كلام هؤلاء في الاتفاق الذي نقله.
ثم إن الحاكم ﵀ نوع في كتابه معرفة علوم الحديث أجناس العلل فذكر ذلك بقوله:
٢٢٨ - وَنَوَّعَ الْحَاكِمُ أَجْنَاسَ الْعِلَلْ ... لِعَشْرَةٍ، كُلٌّ بِهَا يَأْتِي الْخَلَلْ
(ونوع) أي قسم (الحاكم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ
стр. 247
النيسابوري المشهور بابن البيع في كتابه معرفة علوم الحديث (أجناس العلل) أي أنواع علل الحديث التي إذا وجدت منها واحدة فيه يسمى معلاً (لعشرة) أي إلى عشرة أنواع (كل) مبتدأ خبره قوله: يأتي أي كل واحد من تلك الأنواع (بها) أي بسبب وجودها في الحديث متعلق بقوله: (يأتى الخلل) أي يوجد القدح في صحته.
وحاصل المعنى: أن الحاكم قسم أجناس العلل إلى عشرة أنواع أجملها في النظم، وتفصيلها بأمثلتها أن نقول " الأول ": أن يكون السَّند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه كحديث موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " من جلس مجلساً فكثر لغطه فقال قبل أن يقوم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك " فروي أن مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: هذا حديث مليح إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن عون بن عبد الله قولهُ (١) وهذا أولى لأنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل فقام إليه مسلم وقبل يده.
وقال الحافظ العراقي: هكذا أعل هذا الحديث بهذه الحكاية،
والغالب على الظن عدم صحتها، وأنا أَتهمُ بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم فقد تكلم فيه. وهذا الحديث قد صححه الترمذي وابن حبان والحاكم ويبعد أن البخاري يقول أنه لا يعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم أبو برزة الأسلمي ورافع بن خَدِيج وجبير بن مطعم والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وعائشة وقد بينت هذه الطرق كلها في تخريج أحاديث الإحياء للغزالي اهـ.
стр. 248
" الثاني ": أن يكون الحديث مرسلًا من وجه رواه الثقات الحفاظ ويسنده من وجه ظاهره الصحة كحديث قبيصة بن عقبة عن سفيان عن خالد الحذاء وعاصم عن أبي قلابة عن أنس مرفوعاً " أرحم أمتى أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر " الحديث قال فلو صح إسناده لأخرج في الصَّحِيح إنما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة مرسلاً.
" الثالث ": أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته كرواية المدنيين عن الكوفيين كحديث موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه مرفوعاً " إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة " قال: هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا ظن أنه من شروط الصَّحِيحين، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زَلَقوا إنما الحديث محفوظ من رواية أبي بردة عن الأغر المزنى.
" الرابع ": أن يكون محفوظاً عن صحابي ويروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته بل ولا يكون معروفاً من جهته كحديث زهير بن محمد عن عثمان بن سليمان عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ " يقرأ في المغرب بالطور " قال: أخرج العسكري وغيره هذا الحديث في الوُحْدان وهو معلول، أبو عثمان لم يسمع من النبي ﷺ ولا رآه، وعثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي سليمان.
(الخامس): أن يكون روى بالعنعنة وسقط منه رجل دل عليه طريق أخرى محفوظة كحديث يونس عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن رجال من الأنصار " أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فرمي بنجم فاستنار " الحديث قال وعلته أن يونس مع جلالته قصر به وإنما هو عن ابن عباس، حدثني رجال هكذا رواه ابن عيينة وشعيب وصالح والأوزاعي وغيرهم عن الزهري.
(السادس) أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد كحديث علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن عبد الله بن
стр. 249
بريدة عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: " قلت يارسول الله مالك أفصحنا " الحديث قال وعلته ما أسند عن علي بن خشرم حدثنا علي بن الحسين بن واقد، بلغني عن عمر فذكره.
(السابع): الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله كحديث الزهري عن سفيان الثَّوري عن حجاج بن فرافصة عن يَحْيَى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً " المؤمن غِرّ (١) كريم والفاجر خِبّ (٢) لئيم " قال: وعلته ما أسند عن محمد بن كثير حدثنا سفيان عن حجاج عن رجل عن أبي سلمة فذكره.
قال المحقق ابن شاكرٍ: قول السيوطي كحديث الزهري خطأ غريب من مثله فإن الزهري أقدم جداً من الثَّوري ولم يذكر أحد أنه روى عنه، والصواب كحديث أبي شهاب عن سفيان الثَّوري وأبو شهاب هو الحَنَّاط بالنون، واسمه عبد ربه بن نافع الكناني والحديث عنه في المستدرك للحاكم جـ ١ ص ٤٣ فاشتبه الاسم على السيوطي وظنه ابن شهاب فنقله بالمعنى وجعله الزهري وهذا من مدهشات غلط العلماء الكبار ﵏ ورضي الله عنهم - اهـ.
قلت في معرفة علوم الحديث للحاكم مذكور على الصواب حدثنا أبو شهاب عن سفيان الثَّوري.
وقال المحقق أيضاً ما معناه أن التعليل المذكور غير صحيح لأن أبا شهاب لم ينفرد عن الثَّوري بتسمية يَحْيَى بن أبي كثير.
فقد تابعه عليه عيسى بن يونس وَيَحْيَى بن الضريس وله أيضاً شاهد فرواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يَحْيَى بن أبي كثير بإسناده اهـ.
стр. 250
(الثامن): أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلتها أنه لم يسمعها منه كحديث يَحْيَى بن أبي كثير عن أنس أن النبي ﷺ " كان إذا أفطر عند أهل بيت قال أفطر عندكم الصائمون " الحديث قال فيَحْيَى رأى أنساً وظهر من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث، ثم أسند عن يَحْيَى قال حدثت عن أنس فذكره.
(التاسع): أن تكون طريق معروفة يروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق بناء على الجادة فيقع من رواه من تلك الطريق في الوَهَم كحديث المنذر بن عبد الله الحزامي عن عبد العزيز بن الماجشون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر " أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك اللهم وبحمدك " الحديث قال أخذ فيه المنذر طريق الجادة، وإنما هو من حديث عبد العزيز حدثنا عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن عبد الله بن أبي رافع عن علي.
(العاشر): أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه وموقوفاً من وجه كحديث أبي فروة يزيد بن محمد حدثنا أبي عن أبيه عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعاً " من ضحك في صلاته يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء " قال: وعلته ما أسند وكيع عن الأعمش عن أبي سفيان قال سئل جابر فذكره.
ثم قال الحاكم فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلتها مثالاً لأحاديث كثيرة معلولة ليهتدي إليها المتبحر في هذا العلم فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم اهـ معرفة علوم الحديث ص ١١٩.
ونظم الشارح الترمسي هذه الأنواع فقال بعد بيت الناظم:
أولها ما ظاهرُ الإسناد له ... صحتُهُ وباطناً من نقله
لم يُعرَفِ السماعُ ممن قد رَوَى ... ثم الذي أرسَلَ مَن حفظا حَوَى