← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 10312

شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (847 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

في آخره مثله، فأراد السامع منه رواية المتن الأول بالإسناد الثاني فقط. فالأظهر منعه، وهو قول شعبة، وأجازه سفيان الثَّوري، وابن معين إذا كان الراوي متحفظاً ضابطاً مميزاً بين الألفاظ وإلا فلا. وأما إذا قال نحوه فأجازه الثَّوري، ومنعه شعبة، وابن معين، قال الخطيب: وفرق ابن معين بين مثله ونحوه يصح على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق. وقال الحاكم: يلزم الحديثيَّ من الإتقان أن يفرق بين مثله ونحوه فلا يحلُّ أن يقول: مثله إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل نحوه إذا كان بمعناه. وقال الخطيب: وكان غير واحد من أهل العلم إذا روى مثل هذا يورد الإسناد ويقول مثل حديث قبله متنه كذا وكذا، ثم سوقه، قال: وكذلك إذا كان المحدث قد قال نحوه قال: وهذا الذي أختاره اهـ. ثم إن ما تقرر كلَّه محله إذا ساق المحدث المتن بتمامه، وأما إذا روى بعضه، ثم أحال الباقي، فأشار إلى حكمه فقال: ٥٣٤ - وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ ... " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " أَوْ " بِطُولِهِ " ٥٣٥ - فَلا تُتِمَّهُ، وَقِيلَ: جَازا ... إِنْ يَعْرِفَا، وَقِيلَ: إِنْ أَجَازا ٥٣٦ - وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ " قَالَ وَذَكَرْ ... حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا " وَائْتِ الْخَبَرْ (وإن ببعضه أتى) أي أتى الشيخ ببعض الحديث بعد سوق السَّند بتمامه. (وقوله) بالجر عطف على بعض أي أتى بقوله في آخر ما اقتصره (وذكر الحديث) مقول القول (أو) أتى بقوله: (بطوله)، أو قوله الحديث بدون وذكر (فلا تتمه) أيها السامع على هذه الكيفية، لأنه أولى بالمنع من المسألة السابقة في مثله ونحوه، فإنه إذا منع ثمة مع أنه ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فلأن يمتنع هنا، ولم يسق إلا بعض الحديث من باب أولى، وجزم بذلك جماعة: منهم الأستاذ أبو إسحاق.

стр. 527

(وقيل جازا) بألف الإطلاق، أي جاز للسامع على هذه الكيفية أن يتمه (إن يعرفا) أي المحدث والسامع الخبرَ بتمامه، وهذا القول: لأبي بكر الإسماعيلي، لكن البيان أولى. (وقيل) جاز ذلك (إن جازا) بألف الإطلاق، أي أجاز الشيخ للسامع. قلت: وهذا القول لم أجده في شيء من المراجع التي عندي، وإنما غاية ما فيها قول ابن الصلاح بعد حكايته كلام الإسماعيلي: ما نصه: وإذا جَوَّزنا ذلك فالتحقيق فيه أنه بطريق الإجازة فيما لم يذكره الشيخ إلى آخر ما يأتي في الخلاصة، وهذا لا يدل على أن هذا قول مخالف لما قبله، بل هو بيان لكلام الإسماعيلي بأنهما إذا عرفا الخبر بتمامه يجوز للسامع إتمامه، وتكون روايته بطريق الإجازة الأكيدة، ولو قال بدل هذا البيت: فَلَا تُتِمَّه وَقِيلَ جَازَا ... إِنْ يَعْرِفَا فَإِنَّهُ أجَازَا لكان أولى، أي فإن هذا الشيخ أجاز له فروايته تكون بطريق الإجازة. (وقل) أيها السامع إذا أردت الإتمام (على الأول) أي حال كونك جارياً على القول الأول، وهو المنع وجوباً، وكذا على الثاني احتياطاً (قال) الشيخ (وذكر حديثه وهو) أي نص الحديث (كذا)، أو تمامه كذا (آئت الخبر) أي اذكر الخبر بنصه بأن تسوقه بتمامه. فقوله: على الأول متعلق بقل، أو حال، ومقول قل: قال إلخ، ومقول قال: " وذكر حديثه "، وقوله: وهو كذا، ليس من تتمة مقول قال، وإنما هو من تتمة مقول قل، وقوله: آئت بالخبر بيان لقوله، وهو كذا أي سق الخبر بتمامه. وفي نسخة: " وَهْوَ كَذَا آئْتِ بِالْخَبَرْ " ومعناهما واحد. وخلاصة ما أشار إليه في هذه الأبيات الثلاثة بإيضاح: أنه إذا ذكر

стр. 528

الشيخ الإسناد وبعض المتن، ثم قال وذكر الحديث، ولم يتمه، أو قال بطوله، أو الحديث، وأضمر " وذكر " فأراد السامع عنه روايته بكماله فهو أولى بالمنع من مسألة مثله ونحوه، لأنه إذا منع هناك مع أنه قد ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر، فلأن يمنع هنا ولم يسق إلا بعض الحديث من باب أولى، وبذلك جزم قوم فمنعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني، وأجازه الإسماعيلي إذا عرف المحدث والسامع ذلك الحديث قال: والبيان أولى. وفصل ابن كثير فقال: إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو غيره جاز وإلا فلا. ثم إن من أراد الإتمام فالبيان واجب عليه على الأول، وأحوط له على الثاني، وذلك أن يقتصر على المذكور، ثم يقول: وذكر الحديث، وهو هكذا، أو تمامه كذا، ويسوقه بكماله. قال ابن الصلاح بعد أن نقل كلام الإسماعيلي: إذا جوزنا ذلك فالتحقيق فيه أنه بطريق الإجازة فيما لم يذكره الشيخ قال: لكنها إجازة أكيدة قوية من جهة عديدة فجاز لهذا مع كون أوله سماعاً إدراجُ الباقي عليه من غير إفراد بلفظ الإجازة. ثم ذكر حكم إبدال الرسول بالنبي، وعكسه، فقال: ٥٣٧ - وَجَازَ أَنْ يُبْدِلَ بِالنَّبِيِّ ... رَسُولُهُ، وَالْعَكْسُ فِي الْقَوِيِّ (وجاز أن يبدل) بالبناء للمفعول بلفظ (النبي رسوله) أي هذا اللفظ، وهو النائب عن الفاعل (والعكس) مبتدأ خبره محذوف أي جائز، أو فاعل لمحذوف أي جاز العكس، أو معطوف على فاعل جاز. (في القوي) متعلق بجاز، أو خبر لمحذوف، أي هذا كائن في القول القوي، وهو قول حماد بن سلمة، وأحمد، والخطيب في آخرين وَصَوَّبه النووي، والعراقي، وغيرهما.

стр. 529

ومقابلهُ قول ابن الصلاح إنه لا يجوز، وإن جازت الرواية بالمعنى، لاختلاف المعنى في النبي والرسول. وحاصل ما أشار إليه في هذا البيت أنه إذا وقع في الرواية " عن النبي ﷺ " فهل للسامع أن يقول: " عن رسول الله ﷺ وهكذا عكسه، قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى، فإن شرط ذلك أن لا يختلف المعنى، والمعنى في هذا مختلف، وكان أحمد إذا كان في الكتاب " النبي " فقال المحدث: " رسول الله " ضرب وكتب " رسول الله " قال الخطيب: هذا غير لازم، وإنما استحب اتباع اللفظ، وإلا فمذهبه الترخيص في ذلك، وقد سأله ابنه صالح يكون في الحديث " رسول الله " فيجعل " النبي "؟ قال: أرجو ألا يكون به بأس، وقال حماد بن سلمة لعفان وبهز لما جعلا يغيران النبي من رسول الله: أما أنتما فلا تفقهان أبداً. قال العراقي: وقول ابن الصلاح: إن المعنى في هذا مختلف لا يمنع جواز ذلك فإنه وإن اختلف معنى النبي والرسول فإنه لا يختلف المعنى في نسبة ذلك القول لقائله بأي وصف وصفه إذا كان يعرف به. وأما ما استدل به بعضهم على المنع بحديث البراء بن عازب في الصَّحِيح في الدعاء عند النوم وفيه " ونبيك الذي أرسلت " فقال يستذكرهن " وبرسولك الذي أرسلت " فقال: " لا "، " وبنبيك الذي أرسلت " فليس فيه دليل، لأن ألفاظ الأذكار توقيفية، وربما كان في اللفظ سر لا يحصل بغيره، ولعله أراد أن يجمع بين اللفظين في موضع واحد. وقال النووي: الصواب والله أعلم جوازه، لأنه لا يختلف به هنا معنى. اهـ كلام العراقي. ثم ذكر حكم السماع على نوع من الوهن، فقال: ٥٣٨ - وَسَامِعٌ بِالْوَهْنِ كَالْمُذَاكَرَهْ ... بَيَّنَ حَتْمًا ................. (وسامع) مبتدأ (بالوهن) متعلق به أي الضعف في سماعه (كالمذاكرة) خبر لمحذوف، أي وذلك كالسماع في حال المذاكرة، وقوله:

стр. 530

(بَيَّنَ) خبرُ المبتدإ (حتماً) أي وجوباً منصوب على الحال، أو مفعول مطلق. وحاصل المعنى: أنه إذا سمع من الشيخ من حفظه في حال المذاكرة بَيَّنَ وجوباً بحكاية الواقع، كأن يقول: حدثنا فلان مذاكرة أو في المذاكرة، لأنهم يتساهلون في المذاكرة، والحفظُ خَوَّان. ولأن في إغفاله نَوْعاً من التدليس، وكان غير واحد من متقدمي العلماء يفعل ذلك، وكان جماعة منهم يمنعون من أن يُحْمَلَ عنهم في المذاكرة شيء، لما ذكرناه من التساهل، وأدخل بالكاف في قوله كالمذاكرة ما وقع فيه نوع تساهل كأن سمع من غير أصل، أو كان هو أو شيخه يتحدث أو ينعس أو ينسخ في وقت الإسماع، أو كان سماعه أو سماع شيخه بقراءة لَحَّان، أومُصَحِّفٍ، أو كتابةُ التسمع بخط من فيه نظر، ونحو ذلك ففي كل هذه الأحوال بَيَّنَ لما ذكرنا. ثم إن ما ذكره من وجوب البيان هو ظاهر كلام ابن الصلاح، لكن صرح الخطيب بأنه مستحب. ثم ذكر حكم ما إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين، أو أحدُهما ثقة والآخرُ مجروح فقال: ................... ... ................ والْحَدِيثُ مَا تَرَهْ ٥٣٩ - عَنْ رَجُلَيْنِ ثِقَتَيْنِ أَوْ جُرِحْ ... إِحْدَاهُمَا (١) فَحَذْفَ وَاحِدٍ أَبِحْ (والحديث) مبتدأ (ما تره) " ما " شرطية، ولو عبر بإن لكان أوضح، أي إن تر الحديث حال كونه مروياً (عن رجلين ثقتين) كل منهما (أو جرح) بالبناء للمفعول (إحداهما) أي أحد الرجلين، لكن أنثه للوزن، وتكلف الشارح بما لا طائل تحته كما قال ابن شاكرٍ، ولو قال بدل هذا البيت: عَن ثِقَةٍ وَضِدّهِ أو وُثقَا ... فَحَذْفَ وَاحِدٍ أجزْهُ مطْلَقَاً أي سواء كان ثقة، أو مجروحاً، لكان أولى. (فحذف واحد)، مفعول

стр. 531

مقدم لقوله: " أبح " أي حذف واحد من الرجلين (أبح) أيها المحدث، والجملة جواب الشرط، والجملة خبر المبتدإ. وحاصل المعنى: أنه إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين أو أحدهما ثقة والآخر مجروح جاز حذف أحدهما. وذلك كحديث عن ثابت البناني، وأبان بن أبي عياش، عن أنس لكن الأولى ذكرهما، لاحتمال أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر، وحمل لفظ أحدهما على الآخر، وإنما لم يحرم ذلك لأن الظاهر اتفاق الروايتين، وما ذكر من الاحتمال نادر بعيد، نعم محذور الحذف في الأول أقل من الثاني. قال الخطيب: وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح من الإسناد ويذكر الثقة، ثم يقول: وآخر كناية عن المجروح، وهذا القول لا فائدة فيه. وقال بعضهم: بل فيه فائدةُ تكثيرِ الطرق التي يرجح بها عند المعارضة والإشعار بضعف المبهم. ثم ذكر حكم من أخذ عن شيخ بعض الحديث وعن آخر بعضه بقوله: ٥٤٠ - وَمَنْ رَوَى بَعْضَ حَدِيثٍ عَنْ رَجُلْ ... وَبَعْضَهُ عَنْ آخَرٍ ثُمَّ جَمَل ٥٤١ - ذَلِكَ عَنْ ذَيْنِ مُبَيِّنًا بِلا ... مَيْزٍ أَجِزْ وَحَذْفُ شَخْصٍ حُظِلا ٥٤٢ - مُجَرَّحًا يَكُونُ أَوْ مُعَدَّلا ... وَحَيْثُ جَرْحُ وَاحِدٍ لا تَقْبَلا (ومن) موصولة، أو شرطية مبتدأ (روى) أي نقل بسماع، أو غيره (بعض حديث عن رجل) متعلق بروى (وبعضه) عطف على " بعض حديث " أي بعض ذلك الحديث (عن آخر) بالصرف للضرورة عطف على " عن رجل " عطفَ معمولين على معمولي عامل واحد بعاطف واحد، وهو جائز بالاتفاق، أي عن شيخ آخر (ثم جمل) بالجيم من باب قتل، أي جمع

стр. 532

(ذلك) الحديث المسموع على هذه الكيفية (عن ذين) متعلق بحال محذوف، أي حال كونه راوياً عن هذين الرجلين (مبيناً) حال من الفاعل أيضاً، أي حال كونه مبيناً كون بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر (بلا ميز) بفتح فسكون، أي بلا تمييز لما سمعه من كل واحد منهما. والجار متعلق بمبين، أو حال، وجملة (أجز) خبرُ من، إن كانت موصولة، وجوابها إن كانت شرطية على حذف مضاف، إما من المبتدإ، أو من الرابط المقدر، أي فِعلَ من رَوَى أجزه، أو من رَوَى أجز فعله. وحاصل المعنى: أنه إذا سمع بعض حديث عن شيخ وبعضه عن آخر، فروى جملته عنهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر جاز ولو لم يبين ما سمعه من كل منهما بالتعيين. (وحذف شخص) مبتدأ، أي إسقاط واحد من هذين الرجلين وقوله: (حظلا) بالبناء للمفعول والألف إطلاقية، أي منع، خبر المبتدإ. (مجرحاً) خبر مقدم لقوله: (يكون) ذلك المحذوف (أو معدلاً) عطف على الخبر، وهمزة التسوية مقدرة، والجملة في تأويل المصدر مبتدأ حذف خبره، أي كونه مجروحاً أو معدّلاً سواء في منع حذفه، بل يجب ذكرهما مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر. وحاصل المعنى: أن حذف أحد هذين الرجلين ممنوع سواء كان مجروحاً أو ثقة، بل يجب ذكرهما جميعاً مبيناً أن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر، وكذا لا يجوز ذكرهما ساكتاً عن ذلك. (وحيث جرح واحد) منهما موجود (لا تقبلا) أيها المحدث ذلك الحديث، هكذا نسخة ابن شاكرٍ بلا الناهية، وعليها فالألف بدل من نون التوكيد، وفي نسخة الشارح لن تقبلا، فالفعل عليها مبني للمفعول، والألف للإطلاق، أي لن تقبل الرواية. والمعنى: أنه إذا كان أحدهما مجروحاً لا يحتج بذلك الحديث، لأنه ما من جزء منه إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح.

стр. 533

وحاصل معنى الأبيات الثلاثة: أنه إذا كان الحديث وارداً عن رجلين ثقتين، أو عن ثقة وضعيف، فالأولى أن يذكرهما معاً لجواز أن يكون فيه شيء لأحدهما لم يذكره الآخر، فإن اقتصر على أحدهما جاز لأن الظاهر اتفاق الروايتين، والاحتمال المذكور نادر. وأما إذا كان الحديث بعضه عن رجل وبعضه عن آخر من غير أن تميز رواية كل منهما فلا يجوز حذف أحدهما سواء كان ثقة أم مجروحاً لأن بعض المروي لم يروه من أبقاه قطعاً ويكون الحديث كله ضعيفاً إذا كان أحدهما مجروحاً لأن كل جزء من الحديث يحتمل أن يكون من رواية المجروح. وأما إذا كانا ثقتين فإنه حجة لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة. ومن أمثلته حديث الإفك في الصَّحِيح من رواية الزهري، قال: حدثني عروة، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قال: وكُلُّ قد حدثني طائفة من حديثها، ودخل حديث بعضهم في بعض، وأنا أوعى لحديث بعضهم من بعض، ثم ذكر الحديث. (تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله " وفصَّل الخطيب إن اطمأن أنها المسموع " وقوله " وما به تُعَبِّدَا " وقولها " واللغات " وقوله " ثالثها ترك كليها " وقوله " وفصلا مختلف بمستقلّ وبلا " وقوله " والترك جائزاً رأوا " وقوله " في الأصح. وابن خزيمة " البيت وقوله " الحاكم اخصص " البيت، وقوله " أو بطوله ". ولما أنهى صفة رواية الحديث أتبعها بذكر آداب المحدث لمناسبة بينهما ظاهرة، فقال:

стр. 534

(آداب المحدث) أي هذا مبحث آداب المحدث، وهو النوع الحادي والأربعون من أنواع علوم الحديث؛ والآداب جمع أدب محركة، وهو: ملكة تعصم من قامت به عما يَشِينه، وقيل: تعلم رياضة النفس، ومحاسنِ الأخلاق، وقيل: هو يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وقيل: هو استعمال ما يُحمَد قولا وفعلًا، أو الأخذ، أو الوقوف مع المستحسنات، أو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك، أفاده في التاج. والمحدث المراد به هنا: ما يشمل كُلًّا من الحافظ، والمحدث، والمسند الآتي بيانها قريباً، والمراد الآداب التي عند إرادة الرواية، ومع الطالب، وفي الرواية، والإملاء، وما يفعله المستملي، وغير ذلك مما لم يتقدم، وقُدِّمَت على آداب الطالب لكونها أشرف. ولمناسبتها لأكثر فروع صفة الرواية والأداء. ٥٤٣ - وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثْرِ ... فَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ ٥٤٤ - قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى ... نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى ٥٤٥ - مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ: شَيْخًا أَوْ حَدَثْ ... وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثّ ٥٤٦ - ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى ... أَعْلَى فِي الاِسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلا (وأشرف العلوم علم الأثر) مبتدأ وخبر، أي أفضل العلوم المدونة

стр. 535

على الإطلاق: علم الحديث، والمراد بالأثر ما يشمل المرفوع، والموقوف، أي هو من أشرفها، وعبارة ابن الصلاح: علم الحديث علم شريف، وذلك لأن وُصْلة إِلى البحث عن تصحيح أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، والذَّبِّ عن أن ينسب إليه ما لم يقله، ولأن سائر العلوم محتاجة إليه. (فصحح النية) الفاء فصيحية، أي فإذا كان الحديث من أشرف العلوم، فصحح أيها المحدث نيتك في حال التحديث، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى. (ثم) بعد تصحيحك النية (طهر قلباً) لك (من) أعراض (الدنيا) لأن تبليغ العلم من وظائف الأنبياء، فكما لا يطلبون هم أجراً على التبليغ إلا من الله تعالى، فكذلك من قام مقامهم ينبغي له الاقتداء بهم. (وزد) أيها المحدث على ما تقدم (حرصاً) أي شدة اهتمام (على نشر الحديث) لقوله ﷺ : " بلغوا عني " الحديث، وقوله: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب " رواهما الشيخان. ثم إنهم اختلفوا في السن الذي يحسن أن يتصدى للتحديث فيه، فقيل خمسون لأنها انتهاء الكهولة، ومجتمع الأشد، ولا ينكر في الأربعين لأنها حد الاستواء، ومنتهى الكمال. والصَّحِيح أنه يحدث إذا احتيج إليه في أيّ سِنٍّ كان، وإليه أشار بقوله: (ثم من) شرطية (يحتج) بالبناء للمفعول (إلى ما) أي إلى الحديث الذي ثبت (عنده) وقوله: (حدث) جواب الشرط أي تصدى للتحديث سواء كان (شيخاً) وهو من استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيب، أو من خمسين، أو إحدى وخمسين، إلى آخر عمره، أو إلى الثمانين، وله جموع كثيرة ذكرها في القاموس. (أو حدث) عطف على شيخ إلا أنه وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، وهو الحديث السن، أي الفتى. وحاصل المعنى: أن من احتيج إلى ما عنده من الحديث جلس له

стр. 536

في أي سن كان فإن كثيراً من السلف تصدوا لذلك في حداثة سنهم، ولم ينكر عليهم ذلك. (ورد) المحدث من طلب أن يحدثه بجزء أو نحوه (للأرجح) إلى الشخص الأرجح منه لكونه أعلى إسناداً منه فيه، أو متصل السماع بالنسبة إليه، أو لغير ذلك من المرجحات، حال كونه (ناصحاً) لذلك الطالب، فإن الدين النصيحة (وحث) أي حث الطالب على لزوم الأرجح. وحاصل المعنى: أنه إذا سئل المحدث بجزء، أو كتاب أن يقرأ عليه، وهو يعلم أن غيره في بلدته، أو غيرها أرجح في روايته منه بكونه أعلى منه إسناداً، أو غيره من المرجحات ينبغي له أن يدل السائل على ذلك الشخص نصيحة في العلم. (و) الإمام أبو الفتح تقي الدين محمد بن علي (بن دقيق العيد) فاعل لمحذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر أي قال أو قائل (لا ترشد) أيها المحدث من طلب منك أن تحدثه (إلى) من كان (أعلى) منك (في الإسناد) فقط (إذا ما) زائدة (جهلا) الألف للإطلاق أي إذا كان جاهلاً. وحاصل المعنى: أن ابن دقيق العيد قال: إنما ينبغي الإرشاد إلى الأرجح إذا استويا فيما عدا الصفة المرجحة وإلا بأن يكون الأعلى إسناداً عامياً والأنزل عارفاً ضابطاً فقد يتوقف في الإرشاد إليه، لأنه قد يكون في الرواية عنه ما يوجب خللًا. ثم ذكر حكم من يحدث بحضرة من هو أعلى منه فقال: ٥٤٧ - وَمَنْ يُحَدِّثْ وَهُنَاكَ أَوْلَى ... فَلَيْسَ كُرْهًا أَوْ خِلافَ الأَوْلَى ٥٤٨ - هَذَا هُوَ الأَرْجَحُ وَالصَّوَابُ ... عَهْدَ النَّبِيِّ حَدَّثَ الصِّحَابُ ٥٤٩ - وَفِي الصِّحَابِ حَدَّثَ الأَتْبْاعُ ... يَكَادُ فِيهِ أَنْ يُرَى الإِجْمَاعُ (ومن) شرطية (يُحَدِّث) أي يتصدى للتحديث (و) الحال أنَّه (هناك) أي بحضرته، أو في بلدته. وهو خبر مقدم لقوله (أولى) أي شخص أحق

стр. 537

بالتحديث منه، لسنه، أو علمه، أو علو سنده، أو غير ذلك، من المرجحات. وقوله: (فليس) اسمها ضمير يعود إلى المفهوم من " يحدث "، أي تحديثُهُ (كرهاً) أي مكروهاً، والجملة جواب " من " (أو) بمعنى الواو (خلاف الأولى) أي وليس خلاف الأولى، و (هذا) القول (هو الأرجح) لقوة دليله (والصواب) لاستقامة مُدْرَكه. ثم ذكر دليله بقوله: (عهد النبي) منصوب على الظرفية متعلق بحدَّثَ، أو منصوب بنزع الخافض، أي في زمن النبي ﷺ ، وفي بلده، (حدث)، وأفتى (الصِّحاب) بالكسر جمع صاحب كجائع، وجِيَاع، أي أن الصحاب ﵃: حدثوا في وقت رسول الله ﷺ ، وفي بلده، كما في حديث: " إن ابني كان عسيفاً " الحديث، وفيه: " فسألت أهل العلم " فقد استنبط منه العلماء أنهم كانوا يفتون في عهده، وفي بلده، وروى أن منهم الخلفاءَ الأربعةَ، وعبد َ الرحمن بن عوف، وأُبيَّ بن كعب، ومعاذَ بن جبل، وزيدَ بن ثابت ﵃، كما يأتي ذلك في قوله: وَكَانَ يُفْتِي الْخلَفَا ابْنُ عَوْفي ايْ ... عَهْدَ النَّبِي، زَيْدٌ، مُعَاذٌ، وَأُبَيْ (وفي) عهد (الصحاب حدث الأتباع) جمع تبع بمعنى تابعي، كسبب وأسباب، أي أن التابعين ﵏ حدثوا في زمن الصحابة ﵃. روى البيهقي بسند صحيح في المدخل، عن ابن عباس ﵄ أنه قال لسعيد بن جبير: حَدِّثْ قال: أحدث وأنت شاهد؟ قال: أوَليس من نعم الله عليك أن تحدث وأنا شاهد فإن أخطأتَ علمتك؟. (يكاد) أي يقرب (فيه) أي في جواز التحديث المذكور (أن يرى) بالبناء للمفعول ونائب الفاعل قوله: (الإجماع) أي إجماع العلماء، وأن وصلتها اسم يكاد، والجار والمجرور، خبرها (١) مقدماً.

стр. 538

وإِنَّما قال: يكاد لأن بعض العلماء كره ذلك. قال ابن الصلاح: لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك، وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء، وزاد بعضهم فكَرِ الروايةَ ببلد فيه من المحدثين من هو أولى منه، لسنه، أو غير ذلك. وقال ابن معين: إذا حدثت في بلد فيه مثل أبي مسهر فيجب للحيتي أن تحلق. وعنه أيضاً إن الذي يحدث بالبلدة، وفيها من هو أولى بالتحديث منه فهو أحمق. ثم ذكر أن التحديث فرض عين إذا كان في البلد محدث ليس معه غيره، وفرض كفاية إذا كانوا جماعة فقال: ٥٥٠ - وَهْوَ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا مَا انْفَرَدَا ... فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا تَعَدَّدَا (وهو) أي التحديث (على العين) أي مفروض على كل أحد (إذا ما) زائدة (انفردا) بألف إطلاق أي هو فرض عين على من انفرد في بلد بأن لا يكون فيه أهل له سواه وهو (فرض كفاية) يسقط الحرج عن الباقين بفعل البعض كما هو شأن فروض الكفاية (إذا تعددا) بألف الإطلاق، أي كثر المتأهلون له. وحاصل معنى البيت: أن التحديث فرض عين على من انفرد في بلدة، فلوا امتنع أثِمَ، وفرض كفاية إذا كانوا جماعة مشتركين في السماع، فلو امتنع بعضهم لم يأثم. ثم ذكر حكم من خاف التخليط في الحديث فقال: ٥٥١ - وَمَنْ عَلَى الْحَدِيثِ تَخْلِيطًا يَخَفْ ... لِهَرَمٍ أَوْ لِعَمًى وَالضَّعْفِ كَفّ (ومن) شرطية (على الحديث) متعلق بيخف قدم ضرورة (تخليطاً) مفعول مقدم ضرورة لـ (يخف) أي من يَخْشَ التخليط في حديثه بأن يدخل عليه ما ليس منه (لهرم) متعلق بيخف، مصدر هرِمَ من باب تَعِب

стр. 539

بمعنى: كَبِر، وضعُف (أو لعمى والضعف): أي ضعف عقله (كف) جواب الشرط أي امتنع عن التحديث. وحاصل معنى البيت: أن من خاف على حديثه التخليط ورواية ما ليس من حديثه لسبب من الأسباب، كالهرم ونحوه ترك التحديث، وذلك يختلف باختلاف النَّاس، وأما ضبط بعضهم له بثمانين فمحمول على الغالب، وإلا فمن كان ثابت العقل مجتمع الرأي فلا بأس بعدها. فقد حدث بعدها جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ثم إن من أتى من الطلبة غيرَ مخلص في الطلب لا ينبغي أن يُمَنعَ من الحديث لأنه يجُرُّه إلى الإخلاص، وإلى ذلك أشار بقوله: ٥٥٢ - وَمَنْ أَتَى حَدِّثْ وَلَوْ لَمْ تَنْصَلِحْ ... نِيَّتُهُ، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَصِحّ ٥٥٣ - فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ كِبَارٍ جِلَّهْ: ... " أَبَى عَلَيْنَا الْعِلْمُ إِلاَّ لِلَّه " (من) موصولة مفعول مقدم لحدث، أو مبتدأ خبره حدث (أتى) إليك طالباً للحديث (حدث) (ولو) وصلية (لم تنصلح نيته) بعدم إخلاصه (فإنها) أي نية ذلك الطالب (سوف تصح) فيما بعدُ فإن العلم يجره إلى الإخلاص (فقد روينا) أي نقلنا أيتُهَا العلماءُ (عن) أئمة (كبار جلة) بالكسر أي عظام سادة، ومقول القول قوله: (أبى) أي امتنع (علينا العلم) أن يكون (إلا لله) بحذف مَدّةِ الجلالة بعد اللام الثانية للضرورة. وذكر الشارح أنه لغة، وما ذكر مسنده ولا أظن صحته فتأمل. وحاصل معنى البيتين: أن من أتى إليك يطلب الحديث فحدثه سواء كان صالح النية أم لا؟ فإنه سيرزقه الله النية الصالحة فيما بعد ولأنه قد تقدم أن التأهل وقت التحمل لا يشترط. فقد رُوِيَ عن معمر وحبيب بن أبي ثابت والغزالي بألفاظ متقاربة " طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله " وعن الحسن والثَّوري طلبنا العلم للدنيا فَجَرَّنا إلى الآخرة. وعن ابن عيينة طلبنا الحديث لغير الله

стр. 540

فأعقبنا الله ما ترون. وعن ابن المبارك طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا، إلى غير ذلك. ثم بين ما يستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث فقال: ٥٥٤ - وَلِلْحَدِيثِ الْغُسْلُ وَالتَّطَهُّرُ ... وَالطِّيبُ وَالسِّوَاكُ وَالتَّبَخُّرُ ٥٥٥ - مُسَرِّحًا وَاجْلِسْ بِصَدْرٍ بِأَدَبْ ... وَهَيْئَةٍ مُتَّكِئًا عَلَى رَتَبْ ٥٥٦ - وَلا تَقُمْ لأَحَدٍ. وَمَنْ رَفَعْ ... صَوْتًا عَلَى الْحَدِيثِ فَازْبُرْهُ وَدَعْ ٥٥٧ - وَلا تُحَدِّثْ قَائِمًا أَوْ مُضْطَجِعْ ... أَوْ فِي الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى حَالٍ شَنِعْ ٥٥٨ - وَافْتَتِحِ الْمَجْلِسَ كَالتَّتْمِيمِ ... بِالْحَمْدِ وَالصَلاةِ وَالتَّسْلِيمِ ٥٥٩ - بَعْدَ قِرَاءَةٍ لآيٍ وَدُعَا ... وَلْيَكُ مُقْبِلاً عَلَيْهِموا مَعَاً ٥٦٠ - وَرَتِّلِ الْحَدِيثَ ............. ... .................... (وللحديث الغسل) مبتدأ وخبر أي يستحب للمحدث أن يغتسل غسل الجنابة عند إرادة نشر الحديث (والتطهر) من عطف العام على الخاص ليشمل الوضوء والتيمم (والطيب) أي استعماله في بدنه وثوبه فقد قال أنس ﵁: " كنا نعرف خروج رسول الله ﷺ بريح الطيب " (١) (والسواك) يطلق على التسوك وعلى الآلة وعليه يقدر مضاف أي استعماله (والتبخر) أي استعمال البخور في بدنك وثوبك، والبخور وزان رسول دخنة يتبخر بها قاله في المصباح، وقوله: (مسرحاً) حال مقدم من فاعل اجلس، قدم على العاطف ضرورة، ويحتمل كونه حالاً من فاعل " حدث " وجملة وللحديث الغسل معترضة أي حدث حال كونك مسرحاً لحيتك وكذا ممشطاً شعرك إن كان لك، لأنه ﷺ " كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته " (٢) (واجلس) أيها المحدث إذا أردت التسميع لقوم (بصدر) أي صدر المجلس وهو كما في القاموس أوَّلُه (بأدب) مع الطلبة بأن تحترمهم وتعتني بهم (وهيبة) بالباء أي إجلال للحديث، وفي نسخة ابن شاكرٍ بالهمزة أي حالة حسنة (متكئاً) أي

стр. 541

حال كونك متمكناً في جلوسك لأن الاتكاء يطلق على الجلوس متمكناً وعلى الميل في القعود معتمداً على أحد الشقين أفاده في المصباح، والمراد هنا الأول (على رتب) بفتحتين جمع رَتَبةٍ كدرَجَة ودَرَجَ وهو ما أشرف من الأرض قاله في " ق " والتاج والجار والمجرور متعلق بمتكئاً أي متمكناً على شيء مرتفع يخصك من منبر أو غيره، فقد كان مالك ﵀ يجلس على مِنَصَّة وعليه الخشوع (ولا تقم لأحد) كائناً من كان فإنه قيل بكراهته قلت: ولكن لا دليل عليه، ومسألة القيام للقادم طويلة الذيل كتبت فيها رسالة لكنها لم تطبع. (ومن) شرطية (رفع) من الحاضرين (صوتاً) له (على الحديث فازبره) جواب مَنْ، أي امنعه عن ذلك، يقال: زبره يزبره من بَابَيْ قتل وضرب: منعه ونهاه وزجره، أفاده في القاموس (ودع) التحديث إن لم يترك ذلك، أو دعه يخرج من المجلس، فقد كان مالك يفعل ذلك، ويقول: قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) فمن رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوته. (ولا تحدث قائماً) أي في حال قيامك (أو مضطجع) عطف على ما قبله منصوب وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، أي في حال اضطجاعك، افتعال من الضجوع، وهو وضع الجنب على الأرض. (أو في الطريق) يشمل المشي فيه والجلوس عليه، (أو على حال شنع) أي قبيح يقال شَنُع ككرم فهو شنيع وشَنِع بكسر النون وأشنعُ كريهٌ. اهـ " ق "، وقيل قبيح. اهـ تاج. والمراد الحالة التي تَسُوءُ خلُقَكَ كالجوع والشبع المفرطين، ونحوهما. وحاصل المعنى: أنه لا ينبغي لك أن تحدث على حالة تنافي تعظيم حديث رسول الله ﷺ من الأشياء المذكورة، فقد كره العلماء ذلك، فكان مالك يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم أو وهو مستعجل، وقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله ﷺ . وسئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدث به، فقيل له: وددت

стр. 542

أنك لم تتعن، فقال: كرهت أن أحدث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع. وسئل ابن المبارك عن حديث وهو يمشي، فقال: ليس هذا من توقير العلم. (وافتتح) أيها المحدث (المجلس) أي مجلس التحديث (كالتتميم) أي مثل تتميمك له (بالحمد) لله تعالى. وأبلغ ما ورد في ذلك خطبة الحاجة عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: " إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ .... ) إلى قوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) إلى قوله: (فَوْزًا عَظِيمًا) " رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، واللفظ لابن ماجه، وفي أخرى لأبي داود بعد قوله ورسوله: " أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً " قال الترمذي: حديث حسن. وإنما عدلت عما ذكره العلماء في هذا المحل لأن اللائق بمن يَشُحُّ بدينه، ويحرص على تحصيل مطلوبه، أن لا يعدِلَ عما صح عن نبيه ﷺ إلى غيره. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا). (والصلاة) على رسول الله ﷺ (والتسليم) عليه خروجاً من الكراهة في إفراد أحدهما من الآخر حسبما صرحت به الآية الكريمة. وأبلغ ما ورد في الصلاة عليه الصلاةُ الإبراهيمية المتفق على إخراجها في الصَّحِيحين وغيرهما وهي: " اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد

стр. 543

كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، أو السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ". (بعد قراءة) من قارئٍ حسن الصوت (لآي) جمع آية، وهي لغة العلامة، والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه، قاله في " ق "، وفي المصباح الآية من القرآن ما يحسن السكوت عليه. اهـ سميت آية لأنها علامة لانقطاع كلام من كلام، ويقال: لأنها جماعة حروف من القرآن. اهـ تاج. روى الحاكم في المستدرك عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة " (١). (و) افتتح أيضاً بـ (ـدعاء) يليق بالحال، وليكن دعاؤك بالجوامع من الدعوات: وهي الدعوات المأثورة فكلها جوامع. فقد كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سواه. فمنها، حديث أنس بن مالك ﵁ كان أكثر دعاء النبي ﷺ : " اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ " متفق عليه. ومنها ما أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم من حديث ابن عمر ﵄ قال: ما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتى يدعو بهذه الدعوات: " اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبداً ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ".

стр. 544

ومنها ما أخرجه النسائي والحاكم عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: " اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علماً ينفعني ". وزاد النسائي في رواية عن أبي هريرة: " وزدني علماً الحمد لله على كل حال وأعوذ بالله من حال أهل النار ". وإسناده حسن. وأولى ما يختم به المجلس ما رواه النسائي عن رافع بن خديج ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ بأخَرَةٍ إذا اجتمع إليه أصحابه فأراد أن ينهض قال: " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " فقال: قلنا: يا رسول الله إن هذه كلمات أحدثتهن قال: " أجل جاءني جبرائيل فقال: يا محمد هن كفارات المجلس " صححه الحاكم، وأخرجه الطبراني في المعاجم الثلاثة مختصراً بسند جيد. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه قال: " كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلس خير ومجلس ذكر إلا ختم الله له بهن كما يختم بالخاتم على الصحيفة سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " رواه أبو داود وابن حبان وصححه. (وليك) أي المحدث (مقبلاً عليهم) أي الحاضرين (معاً) أي مجتمعين أو في مكان واحد قال في المصباح تقول: خرجنا معاً أي في زمن واحد وكنا معاً أي في مكان واحد منصوب على الظرفية، وقيل على الحال أي مجتمعين، والفرق بين فعلنا معاً وفعلنا جميعا أن معاً تفيد الاجتماع حالة الفعل وجميعاً بمعنى كلنا يجوز فيها الاجتماع والافتراق. وألِفُهَا عند الخليل بدل من التنوين لأنه عنده ليس له لام، وعند يونس والأخفش كالألف في الفتى، فهي بدل من لام محذوفة اهـ. والمراد أنه يُقْبِلُ على الحاضرين جميعاً إذا أمكن فإن ذلك مستحب

стр. 545

لقول حبيب بن أبي ثابت: كانوا يحبون إذا حدث الرجل أن لا يقبل على الواحد فقط ولكن يعمهم، وعنه أيضاً إنه من السنة. (ورتل الحديث) أيها المحدث أي تمهل في قراءته ولا تعجل ولا تسردها سرداً يمنع فهم بعضه، ففي الصَّحِيحين عن عائشة أنه ﷺ : " لم يكن يسرُد الحديث كسردكم " زاد الإسماعيلي: " إنما كان حديثه فهما تفهمه القلوب " وزاد الترمذي: " ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جَلَسَ إليه " وقال: حديث حسن صحيح. وأخرج البخاري عن عُرْوَة قال: " جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة، وهي تصلي فجعل يحدث فلما قضت صلاتها قالت: ألا تعجب إلى هذا وحديثه إنَّ النبي ﷺ إنما كان يحدث حديثاً لو عدَّه العادُّ أحصاه ". ثم بيّن الكلام على الإملاء فقال: ......... وَاعْقِدْ مَجْلِسَا ... يَوْمًا بِأُسْبُوعٍ لِلاِمْلاَءِ ائْتِسَا (واعقد) أيها المحدث العارف (مجلساً) مفعول به لاعقد أي مَحَلًّا يجتمع فيه النَّاس للاستماع (يوماً) واحداً (بأسبوع) بالضم، ويقال فيها سبوع مثل قعود، سبعة أيام، وجمعه أسابيع أفاده في المصباح (لِلاِمْلاَءِ) بنقل حركة الهمزة إلى اللام ثم حذفها للضرورة من أمليتُ الكتاب على الكاتب إذا ألقَيْتهُ عليه، ويقال أمللته عليه إملالًا، فالأولَى لغة بني تميم وقيس، والثانية لغة الحجاز وبني أسد، وجاء الكتاب العزيز بهما " فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا " " وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ "، أفاده في المصباح. وفي " ق " أمله: قال له فكتب عنه. اهـ، فأفاد أن الإملاء لا يكون إلا مع الكتابة. (ائتسا) مفعول لأجله، مصدر ائتسى يأتسى بمعنى اقتدى أي اقتداء بفعل النبي ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم. وحاصل المعنى: أنه يقول: اعقد أيها المحدث يوماً من أيام الأسبوع لإملاء الحديث على الطلبة سواء كان إملاؤك من كتابك، أو حفظك، وهو

стр. 546

أشرف لا سيما وقد اختلف في التحديث من الكتاب اقتداء بفعل النبي ﷺ فإنه أملى الكتاب إلى الملوك وفي المصالحة يوم الحديبية وفي غير ذلك. وبفعل الصحابة فقد أملى واثلة بن الأسقع ﵁ الأحاديث على النَّاس وهم يكتبونها عنه رواه البيهقي وغيره. وبفعل التابعين ومن بعدهم فقد أملى شعبة وسعيد بن أبي عَرُوبَةَ وهمام ووكيع وحماد بن سلمة ومالك وابن وهب وأبو أسامة وابن علية ويزيد بن هارون وعاصم بن علي وأبو عاصم وعمرو بن مرزوق والبخاري وأبو مسلم الكجي وجعفر الفريابي والهجيمي في خلق يطول سردهم. وإنما زاد قَيْدَ يوماً بأسبوع على العراقي لما في البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يُذكِر النَّاس في كل خميس وقال: " إني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا ". وعن ابن عباس ﵁: " حَدِّثِ الناسَ كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين فإن أكثرت فثلاث مرار ". (تنبيه): الإملاء من أعلى مراتب الإسماعِ والتحملِ عند الأكثرين ولذا قال الحافظ السلفي ﵀: وَاظِبْ عَلَى كَتْبِ الأمَالِي جَاهِداً ... مِنْ ألْسُنِ الحُفَّاظِ الْفُضَلَا فَأجَلُّ أنْوَاع الْعُلُومِ بِأسْرِهَا ... مَا يَكْتُب الإنْسَانُ فِي الإمْلَا وقال السخاوي: ومن فوائده اعتناء الراوي بطرق الحديث وشواهده ومتابعته وعاضده بحيث يتقوى بها ويثبت لأجلها حكمه بالصحة إلى آخر ما ذكره. ثم بين حكم اتخاذ المستملين فقال: ٥٦١ - ثُمَّ اتَّخِذْ مُسْتَمْلِيًا مُحَصِّلا ... وَزِدْ إِذَا يَكْثُرُ جَمْعٌ وَاعْتَلَى

стр. 547

٥٦٢ - يُبَلِّغُ السَّامِعَ أَوْ يُفَهِّمُ ... وَاْسْتَنْصَتَ النَّاسَ إِذَا تَكَلَّمُوا (ثم) إذا كَثُرَ جموع النَّاس ولم يبلغهم صوتك (اتخذ) أيها المحدث وجوباً كما صرح به الخطيب (مستملياً) يتلقن منك ويبلغ الحاضرين البعيدين عنك (محصلا) اسم فاعل من التحصيل، وهو في الأصل استخراج الذهب من حجر المعدن، والمراد به هنا الماهر في التبليغ. والأصل فيه ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث رافع بن عمرو قال: " رأيت رسول الله ﷺ يخطب النَّاس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي ﵁ يعبر عنه ". وفي الصَّحِيح عن أبي جمرة قال: " كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس ". وهكذا فعله أئمة الحديث وحفاظه كمالك وشعبة ووكيع، واحترز بقوله: محصلاً عن المغفل البليد كالمستملي الذي قال لممليه وقد قال له: حدثني عِدَّة: ما نصه عدة ابن مَنْ؟ فقال له المملي: عدة ابنٌ؟ فَقَدْتُكَ. وكالآخر الذي قال لممليه، وقد قال له عن أنس قال رسول، كذا في كتابي وهو رسول الله إن شاء الله: ما نصه: قال رسول الله وشك أبو عثمان وهي كنية المملي في الله، فقال له المملي: كذبتَ يا عدو الله ما شككتُ في الله قط. (وزد) أيها المحدث على المستملي الواحد (إذا يكثر جمع) أي جماعة الحاضرين بحيث لا يكفي واحد فزد بحسب الحاجة فقد كان لعاصم بن علي الذي حُزِرَ مجلسُهُ بأكثر من مائة ألف إنسان مستمليان، ولأبي مسلم الكجي الذي حُزِر بنَيِّفٍ وأربعين ألف مِحْبَرَة سوى النظارة سبعة يتلقى بعضهم عن بعض. (واعتلى) أي كان المستملي في مكان عال من كرسي ونحوه، وإلا فيقوم على قدميه كما فعل ابن علية بمجلس مالك، وآدم بن أبي إياس

стр. 548

بمجلس شعبة وغيرهم، والجملة مستأنفة (يبلغ) المستملي وجوباً ما سمعه منك ويؤديه على وجهه من غير تغيير (السامع) منه، دون المملي، لبعده ولو قال: " يبلغُ البعيد " لكان أوضح أي البعيد الذي لا يسمع كلام المملي أصلاً، والجملة حال من فاعل اعتلى. (أو يفهم) من بَلغهُ على بُعْدِ لكن لم يتفهمه فيتوصل بصوت المستملي إلى تفهمه وتحققه وقد تقدم حكم من لم يسمع إلا من المستملي عند قوله: وَجَازَ أَنْ يَرْويَ عَنْ مُمْلِيهِ ... مَا بَلَّغَ السَّامِعَ مُسْتَمْلِيهِ لِلأَقْدَمِينَ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ ... وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: هَذَا يُحْظَلُ (واستنصت الناس) أي طلب المستملي الإنصات وهو السكوت مع الاستماع من الحاضرين (إذا تكلموا) وقت الإملاء وفي نسخة: " لِكَيْمَا يَفْهَمُوا " أي ما يُمْلَى عليهم اقتداء بقوله ﷺ لجرير في حجة الوداع: " استنصت النَّاس " متفق عليه. ٥٦٣ - وَبَعْدَهُ بَسْمَلَ ثُمَّ يَحْمَدُ ... مُصَلِّيًا وَبَعْدَ ذَاكَ يُورِدُ ٥٦٤ - مَا قُلْتَ أَوْ مَنْ قُلْتَ مَعْ دُعَائِهِ ... لَهُ وَقَالَ الشَّيْخُ فِي انْتِهَائِهِ ٥٦٥ - " حَدَّثَنَا " وَيُورِدُ الإِسْنَادَا ... مُتَرْجِمًا شُيُوخَهُ الأَفْرَادَا ٥٦٦ - وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ ... أَوْ حِرْفَةٍ لا بَأْسَ إِنْ لَمْ يَعِبِ (وبعده) أي بعد استناصتهم (بسمل) أي قال المستملي: بسم الله الرحمن الرحيم وهذا أول شيء يقوله، قاله السخاوي. (ثم) بعد البسملة (يحمد) الله تعالى بالمحامد المأثورة كما قدمنا (مصلياً) على النبي ﷺ أي ومسلماً لما قدمنا. والأولى: أن يصلي بالصلاة الإبراهيمية على اختلاف ألفاظها فإنه لا يعادلها شيء غيرها مما ذكروا أيا كان كما قاله النووي.

стр. 549

(وبعد ذاك) كله (يورد) المستملي أي يذكر قوله: (ما قلت) أي شيء ذكرت من الأحاديث (أو من قلت) أي أي شخص ذكرت من الشيوخ قيل، ولا يقول من حدثك، أو من سمعت فإنه لا يدري بأي لفظة يبتدئ لكن قال ابن دقيق العيد: والأحسن أن يقول من حدثك أو من أخبرك إن لم يقدم ذكر أحد إلا أن يكون الأول عادة للسلف مستمرة فالإتباع أولى ذكره السخاوي. (مع) بسكون العين لغة في الفتح (دعائه) أي دعاء المستملي للملي رافعاً لصوته قائلاً رحمك الله أو أصلحك الله أو غفر الله لك وما أشبهه. قال يَحْيىَ بنُ أكثَم: نِلتُ القضاء وقضاء القضاة والوزارة وكذا وكذا فما سررت بشيء مثل قول المستملي من ذكرتَ رحمك الله؟. (وقال الشيخ) المملي (في انتهائه) أي انتهاء المستملي مما يقوله، ومقول قال: (حدثنا) شيخنا العلامة المتقن فلان ابن فلان. (ويورد الإسنادا) بألف الإطلاق أي يذكر الإسناد بتمامه حال كونه (مترجماً شيوخه) بضم الشين وتكسر جمع شيخ أي مبيناً أحوالهم وصفاتهم بما هم أهله كما فعل جماعة من السلف كقول أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين عوف بن مسلم وكقول مسروق: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة. وكقول عطاء: حدثني سيد الفقهاء أيوب وكقول وكيع: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث. (تنبيه): كلما مر ذِكْرُ النبي ﷺ صَلَّى عليه وسلَّم، ويرفع صوته، وإذا ذكر صحابياً ترضى عليه، فإن كان ابن صحابي قال ﵄، وكذا يترحم على الأئمة. (الأفراد) جمع فرد بدل من شيوخه أي مترجماً أفراد شيوخه بأن يترجِم لكل شيخ بترجمة مستقلة ليتميز تمامَ تَمَيًّزٍ، ويحتمل أن يكون صفة شُيُوخهُ وقيده به لئلا يدخل فيه الشيوخ الذين في الإسناد كلهم فإن ذكر

стр. 550

ترجمة غير شيوخه الذين تلقى منهم مشروط بالفصل بيعني ونحوها كما تقدم في قوله: وَلا تَزِدْ فِي نَسَبٍ أَوْ وَصْفِ مَنْ ... فَوْقَ شُيُوخٍ عَنْهُمو مَا لَمْ يُبَنْ بِنَحْوِ يَعْنِي، البيت والله أعلم. (وذكره) أي ذكر المملي شيوخه من إضافة المصدر إلى فاعله وهو المناسب للسابق واللاحق ويحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى مفعوله أي ذكر الشيخ وهو مبتدأ خبره قوله: لا بأس. (بالوصف) أي صفة النقص بدلالة قوله: إن لم يعجب كالأعمش (أو باللقب) كغندر (أو حرفة) كالخياط (لا بأس) به وإن كره ذلك (إن لم يعب) أي إن لم يقصد عيبه به بل أراد تعريفه لكونه معروفاً بها. وحرمه بعضهم مطلقاً والأولى كما قال البلقيني: إنه إن وجد طريقاً إلى العدول عن الوصف فهو أولى وإلا فلا كراهة. ٥٦٧ - وَاْرْوِ فِي الاِمْلا عَنْ شُيُوخٍ عُدِّلُوا ... عَنْ كُلِّ شَيْخٍ أَثَرٌ وَيَجْعَلُ ٥٦٨ - أَرْجَحَهُمْ مُقَدَّمًا وَحَرِّرِ ... وَعَالِيًا قَصِيرَ مَتْنٍ اخْتَرِ ٥٦٩ - ثُمَّ أَبِنْ عُلُوَّهُ وَصِحَّتَهْ ... وَضَبْطَهُ وَمُشْكِلاً وَعِلَّتَهْ (وَارو) أيها المحدث الذي يريد الإملاء (في الإملا) بالنقل والقصر للضرورة أي ارو في حال إملائك الحديث استحباباً (عن شيوخ) كثيرين ولا تقتصر على شيخ واحد، إذ التعدد أكثر فائدة، قيل: مَثَلُ الذي يروي عن شيخ واحد كرجل له امرأة واحدة، فإذا حاضت بَقِي. (عُدِّلُوا) أي وصفوا بالعدالة فلا ترو إلا عن ثقة من شيوخك دون كذاب أو فاسق أو مبتدع، قال ابن مهدي: لا يكون الرجل إماماً، وهو يحدث عن كل أحد (عَنْ كُلِّ شَيْخٍ) بدل من الجار والمجرور قبله (أثراً) مفعولُ ارْوِ، وفي نسخة ابن شاكرٍ " أثر " بالرفع، وعليه فالجار والمجرور خبر مقدم عليه، والمعنى أنه يقول حدث في ذلك المجلس عن كل شيخ من شيوخك حديثاً واحداً ولا تزد عليه فإنه أعم للفائدة.

стр. 551

و (يجعل) المملي، ولو قال: وتجعل بالتاء، لكان أولى (أرجحهم) بعلو سنده، أو كونه أحفظ، أو أسن أو غير ذلك مفعول أول (مقدماً) بصيغة اسم المفعول أي متقدماً على غيره مفعول ثان (وحرر) ما تمليه أي قَوِّمْه، قال في المختار: تحرير الكتاب وغيره تقويمُهُ اهـ. (وعالياً) أي سنداً عالياً مفعول مقدم لاختر، لما في العلو من الفضل (قصير متن) لما فيه من مزيد الفائدة (اختر) أيها المحدث المملي والأولى كونه في الفقه والترغيب قال علي بن حُجْر: وَظِيفَتُنَا مِائَةٌ لِلْغَرِيـ ... ـبِ فِي كُلِّ يَوْم سِوَى مَا يُعَادُ شَرِيكِيَّةٌ أوْ هُشيْمِيَّةٌ ... أحَادِيثُ فِقْهٍ قِصَارٌ جِيَادُ (ثم) بعد أن أمليت (أبن) أي أظهر للسامعين (علوه) أي علو إسناده (وصحته) إن كان صحيحاً، أي وحسنه، وضعفه (وضبطه ومشكلاً) في الأسماء والألفاظ وكذا أظْهِر غامض المعنى وتفسير الغريب (وعلته) إن كانت فيه علة. ثم ذكَرَ ما لا ينبغي للمملي أن يمليه فقال: ٥٧٠ - وَاْجْتَنِبِ الْمُشْكِلَ كَالصِّفَاتِ ... وَرُخَصًا مَعَ الْمُشَاجَرَاتِ (واجتنب) أي ابتعد في إملائك (المشكل) أي ذكر المشكل من الأحاديث (كالصفات) أي كأحاديث الصفات لما لا يؤمن على السامعين من الخطأ والوهم، والوقوع في التشبيه والتجسيم، فقد قال علي ﵁: " حدثوا النَّاس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " رواه البخاري، وروى البيهقي في الشعب عن المقدام بن معدي كربِ عن رسول الله ﷺ قال: " إذا حدثتم النَّاس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يغرب أو يشق عليهم ". وقال ابن مسعود ﵁:، ما أنت بِمُحَدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة " رواه مسلم. (و) اجتنب أيضاً كما قال الخطيب (رخصا) جمع رخصة وهي السهولة، أي ذكر أحاديثها للعوام لما يخشى عليهم من تتبعها وترك العزائم

стр. 552

(مع المشاجرات) من الشَّجْرِ يقال: شجر الأمر بينهم شجراً من باب قتل اضطرب، واشتجروا تنازعوا، وتشاجروا بالرماح تطاعنوا قاله في المصباح. والمراد هنا التشاجر الذي وقع بين الصحابة لئلا يقع السامعون في بعض الصحابة. وكذلك اجتنب الإسرائيليات. ثم بيّن ما ينبغي أن يلقيه المملي فقال: ٥٧١ - وَالزَّهُدُ مَعْ مَكَارِمِ الأَخْلاقِ ... أَوْلَى فِي الاِمْلاءِ بِالاِتِّفَاقِ (والزهد) مبتدأ أي الحديث الدال والباعث على الإعراض عن الدنيا (مع مكارم الأخلاق) أي مع الأحاديث الدالة على مكارم الأخلاق، من الكرم والعطف ولين الجانب وإنجاز الوعد والتواضع والصبر ونحوها (أولى) خبر المبتدإ، أي أحق بالذكر من غيرهما (في) مجلس (الإملاء) بنقل حركة الهمزة للوزن، وذلك (بالاتفاق) بين أهل العلم، لأن هذه الأمور هي التي يحتاج إلى سماعها خصوصاً العوام، فإن غالبهم بمعزل عن التخلق بها. وأما ما تقدم فإنما يحتاج إليه الخواص الذين يميزون بين ما هو حق فيتبعونه، وما هو باطل فيجتنبونه. ثم ذكر كيفية ختم الإملاء فقال: ٥٧٢ - وَاْخْتِمْهُ بِالإِنْشَادِ وَالنَّوَادِرِ ... ................... (واختمه) أي مجلس الإملاء (بالإنشاء) أي قراءة الأشعار المباحة المرققة (والنوادر) المستحسنة وكونها مناسبة لما أملاه من الأحاديث أولى، ويذكرها بأسانيدها فعادة الأئمة من المحدثين جارية بذلك، وقد استدل الخطيب بما رواه عن علي قال: " روحوا القلوب وابتغوا لها طُرَفَ الحكمة "، وكان الزهري يقول لأصحابه: هاتوا من أشعاركم هاتوا من أحاديثكم فإن الأذن مجاجة والقلب حمض. ثم ذكر حكم استعانة المملي بالحافظ المتقن إذا كان هو قاصراً أو مشتغلاً بما هو أهم فقال:

стр. 553

............... ... وَمُتْقِنٌ خَرَّجَهُ لِلْقَاصِرِ ٥٧٣ - أَوْ حَافِظٍ بِمَا يُهِمُّ يُشْغَلُ ... ................... (ومتقن) مبتدأ، أي حافظ متقن خبره قوله: (خرجه)، أي الحديث الذي يريد إملاءه قبل يوم مجلسه (للقاصر) أي المملي القاصر عن التخريج لقصور معرفته بالحديث وعلله واختلاف وجوهه. (أو حافظ) بالجر عطفاً على القاصر أي خرجه لحافظ قادر على التخريج إلا أنه (بما) أي بشيء، أو بالذي متعلق بيشغل (يهم) بفتح الياء من باب قتل، أو بضمها رباعياً، يقال: هَمَّه الأمر وأهمه إذا أقلقه وحَزَنَه (يشغل) بالبناء للمفعول، يقال: شغلت بالأمر بالبناء للمفعول تلهيت به أفاده في المصباح. وحاصل المعنى: أنه إذا قصر المحدث عن تخريج الإملاء، أو كان مشغولاً بأعمال تهمه كالإفتاء والتأليف فلا بأس أن يستعين على ذلك ببعض الحفاظ المتقنين كما فعله جماعة من الشيوخ. ثم ذكر المقابلة بعد الإملاء بقوله: .................... ... وَقَابِلِ الإِمْلاءَ حِينَ يَكْمُلُ (وقابل) أيها المحدث (الإملاء) أي المملَى بفتح اللام (حين يكمل) إملاؤه، فإن المقابلة واجبة كما تقدم لإصلاح ما فسد منه بزيع القلم وطغيانه، وفيه حديث زيد بن ثابت ﵁ وقد تقدم. (تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله " وأشرف العلوم علم الأثر " وقوله " ابن دقيق العيد " البيت. وقوله " هذا هو الأرجح والصواب " إلى قوله " إذا تعددا " وقوله " فقد رَوينَا " البيت، وقوله " والسواك والتبخر " وقوله " متكئاً على رَتَب " وقوله " أو مضطجع " وقوله " أو على حال " وقوله " بعد قراءة لآي " وقوله " يوماً بأسبوع " وقوله " علوه وصحته " البيت، وقوله " كالصفات " إلى قوله " بالاتفاق " وقوله " أو حافظ بما يهم يشغل ".

стр. 554

مسألة في تعريف الحافظ والمحدث والمسند وغيرها . ٥٧٤ - وَذَا الْحَدِيثِ وَصَفُوا، فَاْخْتَصَّا ... بِحَافِظٍ كَذَا الْخَطِيبُ نَصَّا (وذا الحديث) أي صاحب الحديث مفعول مقدم لقوله: (وصفوا) بالبناء للفاعل، أي أهل الحديث، وفي نسخة الشارح وذو بالواو فهو مبتدأ، ووصفوا خبره بتقدير رابط، أي وصف أهل الحديث صاحبَ الحديث، أو صاحبُ الحديث وصفوه. ثم بيّن ما وصف به فقال: (فاختصا) بالبناء للفاعل، أو المفعول لأنه يلزم ويتعدى فإذا كان متعدياً يبنى للمفعول، وفي نسخة الشارح فخصا بالبناء للمفعول (بحافظ) متعلق بما قبله، أي بهذا الوصف وهو اسم فاعل من حفظ الشيء إذا منعه من الضياع والتلف (كذا) أي مثل هذا التنصيص (الخطيب) أبو بكر الحافظ أحمد بن علي بن ثابت البغدادي (نصا) بألف الإطلاق، أي عَيَّن اختصاص صاحب الحديث بالحافظ، ثم ذكر كلام الخطيب فقال: ٥٧٥ - وَهْوَ الَّذِي إِلَيْهِ التَّصْحِيحِ ... يُرْجَعُ وَالتَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ (وهو) أي الحافظ في اصطلاح المحدثين (الذي إليه) متعلق بيرجع (في التصحيح) أي تصحيح الحديث متعلق بيرجع أيضاً (يرجع) بالبناء

стр. 555

للمفعول (والتعديل) عطف على التصحيح، أي الحكم بعدالة الرواة (والتجريح) أي الحكم بجرحهم. ٥٧٦ - أَنْ يَحْفَظَ السُّنَّةَ مَا صَحَّ وَمَا ... يَدْرِي الأَسَانِيدَ وَمَا قَدْ وَهِمَا ٥٧٧ - فِيهِ الرُّوَاةُ زَائِدًا أَوْ مُدْرَجَا ... وَمَا بِهِ الإِعْلالُ فِيهَا نَهَجَا (أن) مصدرية (يحفظ) صاحب الحديث (السنة) النبوية، وكذا الآثار المروية، وأن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بالباء السببية، والجار والمجرور متعلق بيرجع أي يرجع إليه بسبب حفظه السنة إلخ (ما صح) بدل مما قبله، أي الذي صح منها يعني: بحفظه صحيح الأحاديث (وما) عطف على السنة أي يحفظ ما (يدري) به (الأسانيد) من علم الرجال (و) يحفظ أيضاً (ما قد وهم) كغلط وزنا ومعنى (فيه الرواة زائداً) حال مما أي حال كونه زائداً (أو مدرجاً) في المتن، أو في الإسناد (و) يحفظ أيضاً (ما به الإعلال فيها) أي الأسانيد (نَهَجَا) أي بَانَ يقال: نَهَجَ الطريقُ يَنهَجُ بفتحتين نهوجاً، وَضَحَ واستبانَ وأنهج بالألف مثله، ونهجته أنهجه أوضحته، يستعملان لازمين ومتعددين، قاله في المصباح. قلت: والمناسب هنا اللزوم أي يحفظ الشيء الذي اتضح به الإعلال في الأسانيد يعني: أنه يعرف علم علل الأحاديث. ٥٧٨ - يَدْرِي اصْطِلاحَ الْقَوْمِ وَالتَّمَيُّزَا ... بَيْنَ مَرَاتِبِ الرِّجَالِ مَيَّزَا ٥٧٩ - فِي ثِقَةٍ وَالضَّعْفِ وَالطِّبَاقِ ... كَذَا الْخَطِيبُ حَدَّ لِلإِطْلاقِ (يدري) أي يعرف معرفة تامة والجملة حال من فاعل يحفظ (اصطلاح القوم) أي مصطلحات المحدثين التي تضمنتها كتبهم كهذه، وأصلها، وابن الصلاح. (و) يدري أيضاً (التميزا) أي التفاوت التى (بين مراتب الرجال) فإنها تتفاوت، وفي نسخة والتمييز بياءين، أي يدري التمييز بين مراتبهم، وقوله: (ميزا) حال من فاعل يدري أي حال كونه ميزا لذلك، وضابطاً له، وقوله:

стр. 556

(في ثقة والضعف) متعلق بالتمييز، أي يدري التمييز بين مراتبهم في صفة الثقة والضعف، لأن صفة الثقة والضعف متفاوتة كما مر في باب ألفاظ التعديل والتجريح. فالمراد بالثقة هنا معناها المصدري، يقال: وثقت به أثق بالكسر فيهما وثوقاً إذا ائتمنته، ويقال: هو وهي وهم وهنَّ ثقة، لأنه مصدر، وقد يجمع في الذكور والإناث فيقال: ثقات أفاده في المصباح. (والطباق) أي يدري أيضاً تباين طبقاتهم، فالطباق بالكسر جمع طبقة وهو كما يأتي في الأصل عبارة عن القوم المتشابهين، وفي الاصطلاح قوم تقاربوا في السن والإسناد، أو في الإسناد فقط، يعنى: أن هذا الحافظ يعرف تفاوت مراتبهم في الطبقات إذ يتفق اسمان في اللفظ فيظن أحدُهما الآخرَ فيتميز ذلك بمعرفة طبقاتهما. (كذا) أي مثل هذا التعريف مفعول مطلق لحَدِّ. (الخطيب) أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، مبتدأ خبره جملة (حد) أي عَرَّفَ ذا الحديثِ (للإطلاق) أي لأجل أن يطلق عليه اسم الحافظ. ثم ذكر تعريف الحافظ المزي للحافظ فقال: ٥٨٠ - وَصَرَّحَ الْمِزِّيُّ أَنْ يَكُونَ مَا ... يَفُوتُهُ أَقَلَّ مِمَّا عَلِمَا (وصرح) أي بَيَّن من التصريح، يقال: صرح بما في نفسه أخلصه للمعنى المراد، أو أذهب عنه احتمالات المجاز والتأويل، أفاده في المصباح. (الْمِزِّيُّ) الإمام الحافظ الأوحد محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد ِ الرحمن بن يوسف القضَاعي ثم الكلبي الشافعي ولد بحلب سنة ٦٥٤ هـ ومات يوم السبت ١٢ صفر سنة ٧٤٢ هـ عن ٨٨ سنة. والمزي: بكسر الميم نسبة إلى مِزَّةَ قرية كبيرة غَنَّاءُ في وسط بساتين دمشق.

стр. 557

يعني: أن الحافظ المزي بَيَّنَ في تعريف الحافظ بـ (أن يكون ما يفوته) من الرجال وتراجمهم وأحوالهم وبلدانهم (أقل) خبر يكون (مما علما) بالبناء للفاعل والألف للإطلاق، أي من الذي علمه من ذلك. يعني: أنه قال لما سأله تلميذه الحافظ السبكي عن حد الحافظ أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب. ولما أنهى الكلام على الحافظ شرع يبين المحدث فقال: ٥٨١ - وَدُونَهُ مُحَدِّثٌ أَنْ تُبْصِرَهْ ... مِنْ ذَاكَ يَحْوِي جُمَلاً مُسْتَكْثَرَهْ (ودونه) أي الحافظ في الرتبة خبر مقدم لقوله: (محدث) أي المحدث في اصطلاحهم دون الحافظ رتبة، ثم بيّن تعريفه بقوله: (أن) مصدرية (تبصره) أي تعرفه (من ذاك) الذي تقدم في تعريف الحافظ متعلق بـ (يحوي) أي يجمع يقال: حويت الشيء أحويه حَوَايَة، واحتويت عليه: إذا ضممته واستوليت عليه قاله في المصباح (جملاً) وفي نسخة جملة مفعول به ليحوي (مستكثرة) أي معدودة بأنها كثيرة. يعني: أن المحدث من يجمع جملاً كثيرة من صفات الحافظ إن لم يجمعها كلها. ثم بيّن المسند وهو دون المحدث فقال: ٥٨٢ - وَمَنْ عَلَى سَمَاعِهِ الْمُجَرَّدِ ... مُقْتَصِرٌ لا عِلْمَ سِمْ بِالْمُسْنِدِ (ومن) مفعول مقدم، أو مبتدأ أي الذي أو شخص (على سماعه) (المجرد) عن معرفة ما ذكر في الحافظ والمحدث، والجار متعلق بـ (مُقْتَصِرٌ) خبر لمحذوف أي هو، والجملة صفة، أو صلة لمن أي الذي أو شخص هو مقتصر على السماع المجرد، وقوله: (لا علم) تصريح بما علم من قوله المجرد إيضاحاً، أي لا علم له بتلك الأمور المشترطة قبلُ، والجملة حال مِنْ مَنْ (سم) أمر من وسم الشيء يسم كوعد يعد إذا جعل له علامة (بالمسند) بكسر النون متعلق بسم.

стр. 558

يعني: أن من كان مقتصراً على السماع المجرد اجعل المُسنِدَ علامة له يعرف بها. فالمسند هو الذي يقتصر على سماع الأحاديث وإسماعها من غير معرفة بعلومها أو إتقان لها. ثم ذكر أعلى الكل وهو أمير المؤمنين في الحديث فقال: ٥٨٣ - وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَقَّبُوا ... ذَوِي الْحَدِيثِ قِدَمًا ذَا مَنْقَبُ (وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) متعلق بـ (لقبوا) أي العلماء أي سموا (ذوي الحديث) أي أصحاب الحديث (قدما) بكسر ففتح كعنب هو ضد الحديث. اهـ " ق " أي في قديم الزمان، وفي نسخة المحقق: " أئمة الحديث قدماً نسبوا " وعليها فلا بد من تسكين الدال للوزن. (ذا) أي هذا اللقب (منقب) بفتحتين أي مفخر لهم. وحاصل معنى البيت: أن العلماء لقبوا أصحاب الحديث في قديم الزمان بأمير المؤمنين في الحديث وهو لقب شريف يُفتَخَرُ به، ولهذا لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر الذين هم أئمة هذا الشأن والمرجع إليهم فيه، كشعبة بن الحجاج وسفيان الثَّوري وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل والبخاري والدارقطني في المتأخرين، وكالحافظ ابن حجر. وهو مأخوذ من حديث رواه الطبراني وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: رسول الله ﷺ : " اللهم ارحم خلفائي " قلنا: يا رسول الله: ومن خلفاؤك، قال: " الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي وسنتي " (١). (تَتِمَّة): هذه المسألة من زيادات الناظم على العراقي. ولما أنهى الكلام على آداب المحدث وتوابعه أتبعه بآداب طالب الحديث فقال:

стр. 559

(آداب طالب الحديث) أي هذا مبحثه وهو النوع الثاني والأربعون من أنواع علوم الحديث وقد تقدمت جملة من آدابه فيما قبلُ لاشتراكهما فيها، والمذكور هنا هو الذي يختص به الطالب غالباً. ٥٨٤ - وَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ اسْتَعْمِلِ ... مَكَارِمَ الأَخْلاقِ ثُمَّ حَصِّلِ (وصحح) أيها الطالب للحديث (النية) في طلبه لأن الإخلاص شرط فيِ القبول فلا ينبغي أن تطلبه لغرض دنيوي لحديث: " من تعلم علماً مما يُبتَغى بِهِ وجة الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يَجِد عَرْفَ الجنة يوم القيامة " رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، والحاكم. (ثم) بعد تصحيح النية (استعمل) أي لازم وحقق (مكارم الأخلاق) أي الأخلاق الطيبة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، قال في " ق " المَكْرُمُ والمَكْرمَة بضم رائهما والأكرومة بالضم: فعل الكرم، وأرض مَكْرُمَة وكَرَم محركة كريمة طيبة اهـ. قلت: والمناسب هنا هو المعنى الثاني. والأخلاق جمع خلق بضمتين السجية أفاده في المصباح. وحاصل المعنى: أنه لا بد لطالب الحديث أن يتخلق بالأخلاق الحسان ليتناسب فعله مع ما يطلبه، إذ الحديث باعث إليها، وحاث عليها،

стр. 560

قال أبو عاصم النبيل: " من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى الأمور فيجب أن يكون خير النَّاس ". (ثم) بعد أن تَخَلَّقْتَ بها (حصل) أي اطلب حصول علم الحديث، وعَبَّرَ بالتحصيل الذي هو كما قال ابن فارس: استخراج الذهب من حَجَرِ المعدن، إشارةً إلى أنه لا بدّ لطالب العلم من جِدٍّ واجتهاد، قال الله تعالى لنبيه موسى ﵊ لما أعطاه الألواح: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) الآية. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " احرص على ما ينفعك واستعن باللهِ ولا تعجز " وقال يَحْيَى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم. ٥٨٥ - مِنْ أَهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي ... ثُمَّ البِلادَ ارْحَلْ وَلا تَسَهَّلِ ٥٨٦ - فِي الْحَمْلِ، وَاعْمَلْ بِالَّذِي تَرْوِيهِ ... وَالشَّيْخَ بَجِّلْ لا تُطِلْ عَلَيْهِ (من أهل مصرك) متعلق بحصل أي تَطَلبْهُ من أهل بلدك (العلي) صفة لأهلِ، أي الرفيع سنداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره (فالعلي)، أي إذا انتهيت من الأعلى فاطلبه ممن دونه عُلُوًّا. وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يبدأ بالسماع من أرجح شيوخ بلده إسناداً وعلماً وشهرة وديناً وغيره إلى أن يفرغ منهم يبدأ بأفرادهم، فمن تفرد بشيء أخذه عنه أوَّلاً ولا يرحل عن بلده قبل ذلك، إذا المقصود من الرحيل هو العلو، ولقاء الحفاظ، فحيث حصلا في البلد لا فائدة في الارتحال. (ثم) إذا أتقنت ما في بلدك (البلاد) الأخرى منصوب بنزع الخافض متعلق بـ (ـارحل) أي انتقل لطلب الحديث من بلدك إلى البلاد الأخرى، فإنه من عادة الحفاظ المبَرِّزِينَ، والأصل فيه قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) الآية. وقصة موسى ﵇ في لقاء الخضر.

стр. 561

وحديث مسلم: " ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله تعالى له به طريقاً إلى الجنة "، " ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنَيْس ﵃ مسيرة شهر في حديث واحد ". ورحل عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر في حديث واحد إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار. (ولا تسهل) بحذف إحدى التاءين أي لا تتساهل (في الحمل) أي حمل الحديث بحيث تخل بما عليك فيه فإن المتساهل مردود كما تقدم في قوله: مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأدَى ... كَنَومٍ اوْ كَتَرْكِ أصْلِهِ آرْدَدَا (واعمل) أيها الطالب (بالذي ترويه) من أحاديث العبادات والآداب والفضائل لأن الله تعالى ذم أهل الكتاب بقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ): قال مالك بن مغول ﵀: تركوا العمل به، ولحديث مرسل: قال رجل: يا رسول الله ما ينفي عني حجة العلم قال: " العمل " ولأنه سبب الحفظ، قال وكيع ﵀: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به. (والشيخ) بالنصب مفعول مقدم لـ (بجل) أي عظمه واحترمه لحديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ". رواه أحمد وغيره وفي الحديث: " تواضعوا لمن تعلمون منه ". رواه البيهقي مرفوعاً من حديث أبي هريرة وضعفه، وقال: الصَّحِيح وقفه على عمر ﵁. ولأنه كما تقدم خليفة النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم). فينبغي احترام خليفته (لا تطل عليه) أي لا تمله بإطالة الجلوس لأن ذلك يغير الأفهام ويفسد الأخلاق ويحيل الطباع ويخشى على فاعل ذلك أن يحرم من الانتفاع وقال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.

стр. 562

٥٨٧ - وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ ... وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاْكْتُبِ ٥٨٨ - لِلْعِالِ وِالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ ... لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ (ولا يعوقنك) أي لا يمنعك والنون الخفيفة للتوكيد (الحيا) بالقصر للضرورة (عن طلب) ما تحتاج إليه (و) لا يمنعك (الكبر) أي العظمة، فقد ذكر البخاري عن مجاهد، قال: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، وقال عمر بن الخطاب ﵁: من رَقَّ وجهُهُ رَقَّ علمُهُ. أي من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال. وقالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. وعن الأصمعي قال: من لم يتحمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبداً. قال بعضهم: وَمَنْ لَمْ يَذُقْ ذُلَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً ... تَجَرَّعَ كَأسَ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ ... فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أرْبَعَاً لِوَفَاتِهِ (وابذل) أي أعط لغيرك بمعنى علمهم وجوباً (ما تفاد) بالبناء للمفعول أي ما أفادك شيوخك، إذ بركة الحديث كما قال مالك: إفادة النَّاس بعضهم بعضاً وعن ابن المبارك والثَّوري نحوه. وعن ابن المبارك: من بَخِلَ بالعلم ابتُلِيَ بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى، أو يتبع السلطان. (واكتب) أيها الطالب عمن لقيته (للعال) بحذف الياء للوزن أي الحديث العالي سنداً واللام زائدة لأنَّ كتب متعد (والنازل) منه، ويحتمل أن يراد بالعالي والنازل الشخص أي اكتب الحديث عن الشخص العالي سنداً والنازل سنداً، فاللام بمعنى عن، ومفعول اكتب محذوف أي الحديث. وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يكتب الحديث ونحوه عالياً ونازلاً عن شيخه أو رفيقه أو من دونه في الرواية أو الدراية أو السن أو في

стр. 563

الجميع فإن ذلك عادة السلف الصالح ﵏، والأصل فيه قراءة النبي ﷺ على أبي بن كعب سورة (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ). (لاستبصار) متعلق باكتب أي اكتب ذلك لطلب البصيرة وهي العلم والخبرة أي لتكون خبيراً بفنون الحديث (لا كثرة الشيوخ) أي لا تكتب لتكثير عدد شيوخك (لافتخار) أي لأجل أن تفتخر به على أقرانك فتقول: كتبت عن كذا وكذا شيخاً فإنه لا طائل تحته إلا أن يكون قصدك به تكثير طرق الحديث وجمع أطرافه فحينئذ لا بأس عليك، بل هو أمر مستحسن، فَعَلَهُ الأئمة الحفاظ كالثَّوري وابن المبارك وأبي داود الطيالسي والبخاري وغيرهم. ٥٨٩ - وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ ... بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ ٥٩٠ - فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ ... ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ (ومن) شرطية مفعول مقدم أو مبتدأ (يفدك) أيها الطالب (العلم) أيَّ عِلْمٍ كان (لا تؤخر) لا ناهية، والفعل مجزوم كسر للوزن، والجملة جواب الشرط بتقدير الفاء، وهو الخبر للمبتدإ على بعض الأقوال، والرابط محذوف مع مضاف أي فلا تؤخر فائدته، أو المضاف مقدر قبل من أي وفائدة من يفدك إلخ. وحاصل المعنى: أن من يفدك فائدة فلا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا (بل خذ) ها واكتبها، لأنه ربما تفوتك بموته أو سفره أو غير ذلك (ومهما) اسم شرط مبتدأ (ترو عنه) أي إذا أردت الرواية عن ذلك المفيد (فانظر) أي ابحث هل هو ممن تحل الرواية عنه أم لا. وحاصل المعنى: أنك إذا أردت رواية ما كتبت فتحقق لئلا تروي عمن ليس أهلاً للرواية عنه فتدخل في حديث رواه مسلم وغيره: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " ثم أكَّدَ ما ذكره بكلام منقول عن الإمام أبي حاتم وغيره بقوله:

стр. 564

(فقد رووا) أي لأن العلماء نقلوا عن الحافظ أبي حاتم الرازي، وكذا عن ابن معين كما قال السخاوي ما حاصله: (إذا كتبت قمش) أي اجمع من ههنا ومن ههنا، وهو من القَمْش بالفتح، وهو جمع القُمَاش بالضم وهو ما على وجه الأرض من فتَات الأشياء حتى يقال لرذالة النَّاس: قماش، وما أعطاني إلا قماشاً، أي أرْدَأ مَا وَجَدَه، أفاده في " ق ". والمراد به هنا كتابة كل ما سمع من غير بحث هل هو صحيح أوغير صحيح. (ثم إذا رويته) أي إذا أردت رواية ما كتبته (ففتش) أي ابحث بشدة، لتميز الصَّحِيح فترويه، وغير الصَّحِيح فترميه، ثم ذكر إتمام السماع والانتخاب إن احتاج إليه فقال: ٥٩١ - وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ ... وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ ٥٩٢ - فَلْيَنْتَخِبْ عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ ... وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ (وتمم) أيها الطالب (الكتاب) بالنصب أو الجزء (في السماع) أي في حال سماعك من شيخك، وكذا كتابته، ولا تنتخب منه فربما تحتاج إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه فتندم. (وإن يكن للانتخاب) متعلق بـ (ـداع) فاعل يكن لأنها تامة بمعنى يحصل، أي إن يحصل للطالب داع، أي سبب موجب للانتخاب، أي اختيار بعض ما عند الشيخ من كون الشيخ عسراً في الرواية، أو كونه أو الطالب وارداً غير مقيم ولا يتسع الوقت للاستيعاب، وضيق يد الطالب، أو اتسع مسموعه بحيث يكون كتابة الكل كالتكرار فلا بأس بالانتخاب. فإذا كان لا بدّ من الانتخاب (فلينتخب) الطالب (عاليه) أي عالي ذلك الكتاب، أو الشيخ دون ما يجده عند غيره هذا إذا كان الطالب عارفاً بالانتخاب، وإلا فليستعن بغيره من المتأهلين كما أشار إليه بقوله:

стр. 565

(وقاصر) مبتدأ سوغه عمله في المقدر أي عن أهلية الانتخاب (أعانه) على الانتخاب (من استعد) فاعلُ أعانَ، أي من تأهل لذلك بكونه حافظاً عارفاً بكيفية الانتخاب. وحاصل معنى البيت: أنه إن احتاج إلى الانتخاب للأسباب المذكورة انتخب بنفسه عواليه وما لا يجده عند غيره، فإن قصر عنه لقلة معرفته استعان بحافظ متأهل لذلك، فقد كان الأئمة أبو زرعة، والنسائي، وإبراهيم بن أرومة الأصبهاني، وهبة الله بن الحسن، والدارقطني، وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وغيرهم ينتخبون على الشيوخ، والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم. ثم ذكر عادة الحفاظ من تعليمهم في أصل الشيخ على ما انتخبوه مع بعض فوائده، فقال: ٥٩٣ - وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ لِلْمُقَابَلَهْ ... أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ (وعلموا) أي وضع المنتخبون علامة (في الأصل) أي المنتخب منه وهو كتاب الشيخ على ما انتخبوه (للمقابلة) متعلق بعلموا أي لأجل أن يقابلوا ما كتبوه من المنتخب به (أو لـ) أجل (ذهاب فرعه) أي فَقْدِ فرعِهِ المنتخب (فعاد) أي رجع ذلك المنتخِبُ (له) أي إلى المحل الذي وضع عليه العلامة، فقوله عاد عطف على ذهاب (١) أي فعَودِهِ إلى ذلك الأصل لأجل فقد المنتخب. وحاصل معنى البيت: أن عادتهم جرت بوضع العلامة في أصل الشيخ على ما انتخبوه، وذلك لفوائد، ذَكَرَ منها فائدتين، وهما تَيَسُّر معارضة ما انتخبوه، أو احتمال فقد ذلك المنتخب، فيعود للكتابة مرة ثانية من ذلك الأصل، وزاد غيره أو ليمسك الشيخ أصله بيده، أو ليحدث من الأصل بذلك المُعلَم.
следующие страницы →