وحديث مسلم: " ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهّل الله تعالى له به طريقاً إلى الجنة "، " ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنَيْس ﵃ مسيرة شهر في حديث واحد ".
ورحل عقبة بن عامر إلى مسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر في حديث واحد إلى غير ذلك من الأحاديث والآثار.
(ولا تسهل) بحذف إحدى التاءين أي لا تتساهل (في الحمل) أي حمل الحديث بحيث تخل بما عليك فيه فإن المتساهل مردود كما تقدم في قوله:
مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأدَى ... كَنَومٍ اوْ كَتَرْكِ أصْلِهِ آرْدَدَا
(واعمل) أيها الطالب (بالذي ترويه) من أحاديث العبادات والآداب والفضائل لأن الله تعالى ذم أهل الكتاب بقوله: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ): قال مالك بن مغول ﵀: تركوا العمل به، ولحديث مرسل: قال رجل: يا رسول الله ما ينفي عني حجة العلم قال: " العمل " ولأنه سبب الحفظ، قال وكيع ﵀: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به.
(والشيخ) بالنصب مفعول مقدم لـ (بجل) أي عظمه واحترمه لحديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه ". رواه أحمد وغيره وفي الحديث: " تواضعوا لمن تعلمون منه ". رواه البيهقي مرفوعاً من حديث أبي هريرة وضعفه، وقال: الصَّحِيح وقفه على عمر ﵁.
ولأنه كما تقدم خليفة النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم). فينبغي احترام خليفته (لا تطل عليه) أي لا تمله بإطالة الجلوس لأن ذلك يغير الأفهام ويفسد الأخلاق ويحيل الطباع ويخشى على فاعل ذلك أن يحرم من الانتفاع وقال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
стр. 562
٥٨٧ - وَلا يَعُوقَنْكَ الْحَيَا عَنْ طَلَبِ ... وَالْكِبْرُ، وَابْذُلْ مَا تُفَادُ وَاْكْتُبِ
٥٨٨ - لِلْعِالِ وِالنَّازِلِ لاِسْتِبْصَارِ ... لا كَثْرَةِ الشُّيُوخِ لاِفْتِخَارِ
(ولا يعوقنك) أي لا يمنعك والنون الخفيفة للتوكيد (الحيا) بالقصر للضرورة (عن طلب) ما تحتاج إليه (و) لا يمنعك (الكبر) أي العظمة، فقد ذكر البخاري عن مجاهد، قال: لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر، وقال عمر بن الخطاب ﵁: من رَقَّ وجهُهُ رَقَّ علمُهُ. أي من رق وجهه عند السؤال، رق علمه عند الرجال. وقالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
وعن الأصمعي قال: من لم يتحمل ذُلَّ التعلم ساعة بقي في ذُلِّ الجهل أبداً. قال بعضهم:
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ ذُلَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً ... تَجَرَّعَ كَأسَ الْجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِهِ ... فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أرْبَعَاً لِوَفَاتِهِ
(وابذل) أي أعط لغيرك بمعنى علمهم وجوباً (ما تفاد) بالبناء للمفعول أي ما أفادك شيوخك، إذ بركة الحديث كما قال مالك: إفادة النَّاس بعضهم بعضاً وعن ابن المبارك والثَّوري نحوه.
وعن ابن المبارك: من بَخِلَ بالعلم ابتُلِيَ بثلاث إما أن يموت فيذهب علمه، أو ينسى، أو يتبع السلطان.
(واكتب) أيها الطالب عمن لقيته (للعال) بحذف الياء للوزن أي الحديث العالي سنداً واللام زائدة لأنَّ كتب متعد (والنازل) منه، ويحتمل أن يراد بالعالي والنازل الشخص أي اكتب الحديث عن الشخص العالي سنداً والنازل سنداً، فاللام بمعنى عن، ومفعول اكتب محذوف أي الحديث.
وحاصل المعنى: أنه ينبغي للطالب أن يكتب الحديث ونحوه عالياً ونازلاً عن شيخه أو رفيقه أو من دونه في الرواية أو الدراية أو السن أو في
стр. 563
الجميع فإن ذلك عادة السلف الصالح ﵏، والأصل فيه قراءة النبي ﷺ على أبي بن كعب سورة (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ).
(لاستبصار) متعلق باكتب أي اكتب ذلك لطلب البصيرة وهي العلم والخبرة أي لتكون خبيراً بفنون الحديث (لا كثرة الشيوخ) أي لا تكتب لتكثير عدد شيوخك (لافتخار) أي لأجل أن تفتخر به على أقرانك فتقول: كتبت عن كذا وكذا شيخاً فإنه لا طائل تحته إلا أن يكون قصدك به تكثير طرق الحديث وجمع أطرافه فحينئذ لا بأس عليك، بل هو أمر مستحسن، فَعَلَهُ الأئمة الحفاظ كالثَّوري وابن المبارك وأبي داود الطيالسي والبخاري وغيرهم.
٥٨٩ - وَمَنْ يُفِدْكَ الْعِلْمَ لا تُؤَخِّرِ ... بَلْ خُذْ وَمَهْمَا تَرْوِ عَنْهُ فَانْظُرِ
٥٩٠ - فَقَدْ رَوَوْا: إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشِ ... ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
(ومن) شرطية مفعول مقدم أو مبتدأ (يفدك) أيها الطالب (العلم) أيَّ عِلْمٍ كان (لا تؤخر) لا ناهية، والفعل مجزوم كسر للوزن، والجملة جواب الشرط بتقدير الفاء، وهو الخبر للمبتدإ على بعض الأقوال، والرابط محذوف مع مضاف أي فلا تؤخر فائدته، أو المضاف مقدر قبل من أي وفائدة من يفدك إلخ.
وحاصل المعنى: أن من يفدك فائدة فلا تؤخرها حتى تنظر هل هو أهل للأخذ عنه أم لا (بل خذ) ها واكتبها، لأنه ربما تفوتك بموته أو سفره أو غير ذلك (ومهما) اسم شرط مبتدأ (ترو عنه) أي إذا أردت الرواية عن ذلك المفيد (فانظر) أي ابحث هل هو ممن تحل الرواية عنه أم لا.
وحاصل المعنى: أنك إذا أردت رواية ما كتبت فتحقق لئلا تروي عمن ليس أهلاً للرواية عنه فتدخل في حديث رواه مسلم وغيره: " كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع " ثم أكَّدَ ما ذكره بكلام منقول عن الإمام أبي حاتم وغيره بقوله:
стр. 564
(فقد رووا) أي لأن العلماء نقلوا عن الحافظ أبي حاتم الرازي، وكذا عن ابن معين كما قال السخاوي ما حاصله:
(إذا كتبت قمش) أي اجمع من ههنا ومن ههنا، وهو من القَمْش بالفتح، وهو جمع القُمَاش بالضم وهو ما على وجه الأرض من فتَات الأشياء حتى يقال لرذالة النَّاس: قماش، وما أعطاني إلا قماشاً، أي أرْدَأ مَا وَجَدَه، أفاده في " ق ".
والمراد به هنا كتابة كل ما سمع من غير بحث هل هو صحيح أوغير صحيح.
(ثم إذا رويته) أي إذا أردت رواية ما كتبته (ففتش) أي ابحث بشدة، لتميز الصَّحِيح فترويه، وغير الصَّحِيح فترميه، ثم ذكر إتمام السماع والانتخاب إن احتاج إليه فقال:
٥٩١ - وَتَمِّمِ الْكِتَابَ فِي السَّمَاعِ ... وَإِنْ يَكُنْ لِلاِنْتِخَابِ دَاعِ
٥٩٢ - فَلْيَنْتَخِبْ عَالِيَهُ وَمَا انْفَرَدْ ... وَقَاصِرٌ أَعَانَهُ مَنِ اسْتَعَدّ
(وتمم) أيها الطالب (الكتاب) بالنصب أو الجزء (في السماع) أي في حال سماعك من شيخك، وكذا كتابته، ولا تنتخب منه فربما تحتاج إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه فتندم.
(وإن يكن للانتخاب) متعلق بـ (ـداع) فاعل يكن لأنها تامة بمعنى يحصل، أي إن يحصل للطالب داع، أي سبب موجب للانتخاب، أي اختيار بعض ما عند الشيخ من كون الشيخ عسراً في الرواية، أو كونه أو الطالب وارداً غير مقيم ولا يتسع الوقت للاستيعاب، وضيق يد الطالب، أو اتسع مسموعه بحيث يكون كتابة الكل كالتكرار فلا بأس بالانتخاب.
فإذا كان لا بدّ من الانتخاب (فلينتخب) الطالب (عاليه) أي عالي ذلك الكتاب، أو الشيخ دون ما يجده عند غيره هذا إذا كان الطالب عارفاً بالانتخاب، وإلا فليستعن بغيره من المتأهلين كما أشار إليه بقوله:
стр. 565
(وقاصر) مبتدأ سوغه عمله في المقدر أي عن أهلية الانتخاب (أعانه) على الانتخاب (من استعد) فاعلُ أعانَ، أي من تأهل لذلك بكونه حافظاً عارفاً بكيفية الانتخاب.
وحاصل معنى البيت: أنه إن احتاج إلى الانتخاب للأسباب المذكورة انتخب بنفسه عواليه وما لا يجده عند غيره، فإن قصر عنه لقلة معرفته استعان بحافظ متأهل لذلك، فقد كان الأئمة أبو زرعة، والنسائي، وإبراهيم بن أرومة الأصبهاني، وهبة الله بن الحسن، والدارقطني، وأبو الفتح ابن أبي الفوارس، وغيرهم ينتخبون على الشيوخ، والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم.
ثم ذكر عادة الحفاظ من تعليمهم في أصل الشيخ على ما انتخبوه مع بعض فوائده، فقال:
٥٩٣ - وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ لِلْمُقَابَلَهْ ... أَوْ لِذَهَابِ فَرْعِهِ فَعَادَلَهْ
(وعلموا) أي وضع المنتخبون علامة (في الأصل) أي المنتخب منه وهو كتاب الشيخ على ما انتخبوه (للمقابلة) متعلق بعلموا أي لأجل أن يقابلوا ما كتبوه من المنتخب به (أو لـ) أجل (ذهاب فرعه) أي فَقْدِ فرعِهِ المنتخب (فعاد) أي رجع ذلك المنتخِبُ (له) أي إلى المحل الذي وضع عليه العلامة، فقوله عاد عطف على ذهاب (١) أي فعَودِهِ إلى ذلك الأصل لأجل فقد المنتخب.
وحاصل معنى البيت: أن عادتهم جرت بوضع العلامة في أصل الشيخ على ما انتخبوه، وذلك لفوائد، ذَكَرَ منها فائدتين، وهما تَيَسُّر معارضة ما انتخبوه، أو احتمال فقد ذلك المنتخب، فيعود للكتابة مرة ثانية من ذلك الأصل، وزاد غيره أو ليمسك الشيخ أصله بيده، أو ليحدث من الأصل بذلك المُعلَم.
стр. 566
(تنبيه): لم يذكر الناظم ﵀ كيفية العلامة وذكرها العراقي مع الاختلاف فقال:
وَعَلَّمُوا فِي الأصْلِ إمَّا خَطَّا ... أوْ هَمْزَتَيْنِ أوْ بِصَادٍ أوْطَا
والمعنى: أنهم اخِتلفوا في اختيار العلامة ولكن لا حرج في ذلك فكان الدارقطني يعلم بخط عريض بالحمرة في الحاشية اليسرى، وكان اللالكائي يعلِّم على أول إسناد الحديث بخط صغير بالحمرة، وهذا الذي استقر عليه عمل أكثر المتأخرين.
وكان أبو الفضل علي بن الحسن الفلكي يعلم بصورة همزتين بحبر في الحاشية اليمنى، وكان أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي يعلم صاداً ممدودة بحبر في الحاشية اليمنى أيضاً، وكان أبو محمد الخَلَّال يعلم طاء ممدودة كذلك، وكان محمد بن طلحة النعالي يعلم بحاءين إحداهما إلى جنب الأخرى كذلك، ذكره العراقي في شرح الألفية.
ثم ذكر ﵀ ما يحث الطالب على تفهم ما يرويه فقال:
٥٩٤ - وَسَامِعُ الْحَدِيثِ بِاقْتِصَارِ ... عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ
٥٩٥ - فَلْيَتَعَرَّفْ ضَعْفَهُ وَصِحَّتَهْ ... وَفِقْهَهُ وَنَحْوَهُ وَلُغَتَهْ
٥٩٦ - وَمَا بِهِ مِنْ مُشْكِلٍ وَأَسْمَا ... رِجَالِهِ وَمَا حَوَاهُ عِلْمَا
(وسامع الحديث) مبتدأ وكذا كاتبه (باقتصار) أي مع اقتصار (عن فهمه) ولو قال بدل هذا البيت:
وَسَامِعُ الْحَدِيثِ مَعْ قُصُورٍ ... عَنْ فَهْمِهِ كَمَثَلِ الْحَمِيرِ
لكان أولى لأن الاقتصار معناه عدم المجاوزة يقال: اقتصر عليه لم يجاوزه قاله في " ق " فيكون المعنى عليه باقتصار على فهمه وتكون عن بمعنى على، يعني: أنه فَهِمَ المقصودَ ولم يجاوزه وهذا خلاف المعنى المقصود هنا إذا المقصود هنا أنه لم يفهم المقصود من الحديث أصلاً،
стр. 567
فالمناسب مادة قَصَرَ عن كذا لا اقتصر على كذا، يقال: قَصَرَ عن الأمر قصوراً واقصَر وقَصَّر وَتَقَاصَرَ انتهى وعنه عجز قاله في " ق ".
وحاصل المعنى: أن من اقتصر على سماع الحديث وقَصَرَ عن فهم ما في سنده ومتنه (كمثل الحمار) خبر المبتدإ أي كصفة الحمار الذي هو أبلد الحيوان وبئس المثل.
وقد مثل الله تعالى بهذا المثلِ اليهودَ الذين لم يعملوا بما في التوراة حيث قال: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) الآية.
فلا ينبغي لسامع الحديث أن يقتصر عليه لإتعابه نفسه من غير أن يظفر بطائل ولا حصول في تعداد أهل الحديث، قال بعض الأدباء:
إِنَّ الَّذِي يَرْوِي وَلَكِنَّهُ ... يَجْهَل مَا يَرْوِي وَمَا يَكْتُبُ
كَصَخْرَةٍ تَنْبَعُ أمْوَاهُهَا ... تَسْقِي الأرَاضِي وَهْيَ لَا تَشْرَبُ
فإذا كان الأمر كما وصفنا.
(فليتعرف) من التعرف مبالغة في المعرفة، أي ليعرف سامع الحديث معرفة بالغة (ضعفه) أي ضعف ذلك الحديث إن كان ضعيفاً (وصحته) إن كان صحيحاً وكذا حسنه (وفقهه) أي ما فيه من الأحكام (ونحوه) أي ما يحتاج إليه الحديثي من النحو، وهو لغة القصد، واصطلاحاً هو علم بأصول مستنبطة من كلام العرب يعرف بها أحكام الكلمات العربية حَالَ إفرادها كالإعلال والحذف والإدغام والإبدال، وحالَ تركيبها كالإعراب والبناء وما يتبعهما من بيان شروطٍ لِنَحْو النواسخ فهو يعم الصرف.
(ولغته) أي ما يحتاج إليه الحديثي من علم اللغة، وهو لغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم أفاده في " ق "، وفي اصطلاح أهل الشرع عبارة عما حفظ من كلام العرب الخُلَّص، ونُقِلَ عنهم من الألفاظ الدالة على المعاني أفاده الشارح.
стр. 568
(و) ليتعرف أيضاً (ما به) أي الذي استقر فيه (من مشكل) من الأسانيد والمتون، فهو من عطف العام على الخاص (وأسما) بالقصر للوزن أي وليتعرف أيضاً أسماء (رجاله) وكذا ألقابهم وكناهم وأنسابهم وليتعرف أيضاً جميع (ما حواه) الحديث (علماً) أي من حيث العلم إذ الحديث يتضمن علوماً جمة فلا بدّ للطالب أن يتعرفها، قال الحافظ أبو شامة: علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني: حفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، إلى أن قال، والثالث: جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان إلى آخر كلامه إلا أن الحافظ تعقبه في بعض كلامه فانظره.
٥٩٧ - وَاْقْرَأْ كِتَابًا تَدْرِي مِنْهُ الاِصْطِلاحْ ... كَهَذِهِ وَأَصْلِهَا وَابْنِ الصَّلاحْ
(واقرأ) أيها الطالب لتحقيق علوم الحديث (كتاباً) من كتب المصطلح (تدري منه الاصطلاح) لغة: مطلقُ الاتفاق، وعرفاً اتفاق طائفة على أمر مخصوص بينهم متى أطلق انصرف إليه، ثم صار عَلَماً بالغلبة عند العلماء على هذا الفن الذي نحن بصدده قاله الشارح.
ثم ذكر بعض ما يحتاج إليه من كتب المصطلحات، فقال: (كهذه) الألفية التي هي أجمع ما ألف من المنظومات فيه.
(وكأصلها) الذي هو ألفية الحافظ العراقي ﵀، فإنه أصل لهذه، لأنه اقتدى به وحذا حذوه، وزاد عليه، (و) كمقدمة الحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بـ (ـابن الصلاح) الشهرزوري المتوفى سنة ٦٤٣ عن ٦٦ سنة، فإنها من أنفع ما ألف في هذا الفن، لجمعها ما تفرق في غيرها من كتب الخطيب وغيره.
ثم ذكر ما ينبغي المسارعة إلى سماعه من كُتُبِ الحديث فقال:
٥٩٨ - وَقَدِّمِ الصِّحَاحِ ثُمَّ السُّنَنَا ... ثُمَّ الْمَسَانِيدَ وَمَا لا يُغْتَنَى
(وقدم) أيها الطالب في السماع والضبط والمعرفة (الصحاح) بالكسر
стр. 569
جمع صحيح وهي التي التزم مؤلفها أن يخرج الأحاديث الصَّحِيحة فقط كالبخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم إلا أنه وقع له تساهل كثير كما مر في قوله:
وَكَمْ بهِ تَسَاهُلٌ حَتَّى وَرَد ... فِيهِ مَنَاكِرٌ وَمَوْضُوعٌ يُرَد
(ثم) قدم بعدها (السنن) المُرَاعَى فيها الاتصال غالباً، والأولى البداة بسنن أبي داود لكثرة أحاديث الأحكام فيها، ثم بسنن النسائي لتتمرن في كيفية المشي في العلل، ثم سنن الترمذي لاعتنائه بالإشارة لما في الباب من الأحاديث وبيانِهِ لحكم ما يورد من الصحة والحسن وغيرهما هكذا رتبه السخاوي وهو الذي تقتضيه عبارة ابن الصلاح والعراقي.
ثم بعدها السنن الكبرى للحافظ البيهقي لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام بل لا يعرف مثله في بابه.
وكذا اعتَنِ بسماع صحيح ابن خزيمة لكنه لم يوجد تامًّا، وصحيح ابن حبان، وصحيح أبي عوانة، ومسند الدارمي، وسنن الشافعي مع مسنده، وهو على الأبواب والسنن الكبرى للنسائي لما اشتملت عليه من الزيادات على تلك، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارقطني، وشرح معاني الآثار للطحاوي، هكذا قال السخاوي.
(تنبيه): السنن ما ألف على أحاديث الأحكام من كتاب الطهارة إلى آخر كتاب يذكر على ترتيب الفقه كالسنن المذكورة.
(ثم) قدم بعدها (المسانيد) أي سماعها وهي جمع مسند ما ألف على تراجم الصحابة ﵃ بحيث يوافق حروف الهجاء، أو السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب، كمسند الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد والحميدي وغيرهم.
(و) اقرأ أيضاً (ما) أي كتباً (لا يغتنى) بالبناء للمجهول، أي يستغني عنها، وأهمها الموطأ لمالك، ثم سائر الكتب المصنفة في الأحكام، ككتاب
стр. 570
ابن جريجٍ، وابن أبي عروبة، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهم.
ومما لا يستغنى عنه كتب العلل ككتاب أحمد والدارقطني، وابن أبي حاتم، وغيرهم.
ومنها كتب التواريخ كالتاريخ الكبير للبخاري وابن أبي خيثمة وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ومنها كتب ضبط الأسماء ككتاب ابن ماكولا وغيره.
ومنها كتب شرح الغريب، ومن أنفعها النهاية لابن الأثير.
٥٩٩ - وَاحْفَظْهُ مُتْقِنًا وَذَاكِرْ ...... ... ......................
(واحفظه) أي الحديث وما يتعلق به حال كونك (متقناً) له أي محكماً لتحقيقه فهو حال مؤكد، قال ابن مهدي: الحفظ الإتقان فلا يمر عليك اسم مشكل، أو كلمة غريبة إلا بحثت عنها وأودعتها قلبك.
وليكن ذلك بالتدريج قليلًا قليلاً مع الأيام والليالي فذلك أحرى بأن تتمتع بمحفوظاتك، وألزم نفسك ما تطيقه لقوله ﷺ : " خذوا من العمل ما تطيقون ". وعن الزهري من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان.
وعن الثَّوري: كنت آتي الأعمش ومنصوراً فأسمع أربعة أحاديث أو خمسة، ثم انصرف كراهية أن تكثر وتفلت.
(و) بعد حفظك على هذا المنوال (ذاكر) أيها الطالب للتحقيق بمحفوظاتك الطلبة ونحوهم فإن لم تجد من تذاكر فذاكر مع نفسك وكرره على قلبك لأنه يثبت محفوظك.
والأصل في هذا معارضة جبريل مع النبي ﷺ القرآن في كل رمضان. وقال علي ﵁: تذاكروا هذا الحديث وإن لا تفعلوا يَدْرُس.
стр. 571
وقال ابن مسعود ﵁: تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.
ونحوه عن أبي سعيد الخدري وابن عباس.
وقال الخليل بن أحمد ذاكر بعلمك تَذْكُرْ ما عندك وتستَفِدْ ما ليس عندك.
وقال إبراهيم النخعي: من سره أن يحفظ الحديث فليحدث به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه. وقيل: حفظ سطرين، خير من كتابة ورقتين، وخير منهما مذاكرة اثنين. ولبعضهم:
مَنْ حَازَ الْعِلْمَ وَذَاكَرَهُ ... صَلُحَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتُهْ
فَأدِمْ لِلْعِلْمِ مُذَاكَرَة ... فَحَيَاةُ الْعِلْمِ مُذَاكَرَتُهْ
ثم استثنى مما تقدم من وجوب إفادة غيره ما ذكره بقوله:
............. وَرَأَوْا ... جَوَازَ كَتْمٍ عَنْ خِلافِ الأَهْلِ أَوْ
٦٠٠ - مَنْ يُنْكِرُ الصَّوَابَ إِنْ يُذَكَّرِ ... ...............
(ورأوا) أي العلماء (جواز الكتم) أي كتم العلم: الحديثِ وغيرِهِ (عن خلاف) أي غير (الأهل) أي أهل العلم، والمعنى أن العلماء جوزوا كتم العلم عمن ليس بأهله فإن هذا ليس داخلًا في قوله ﷺ : " من كتم علماً " الحديث.
وأخرج ابن ماجه عن أنس ﵁ مرفوعاً: " طلب العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب ".
وضعفه النووي بحفص بن سليمان وحسنه المزي لتعدد طرقه، ووافقه السيوطي. (أو) عن (من) موصولة (ينكر) في نسخة يدع، أي يترك (الصواب إن) شرطية (يذكر) بالبناء للمفعول مجزوم بإن وكسر للوزن، أي يُلَقَّن، والجواب دل عليه السابق أي ينكر، والمعنى: أنهم جوزوا كتمه أيضاً عمن لا يقبل الصواب إذا أُرشِدَ إليه.
стр. 572
وعلى ذلك يحمل ما نقل عن الأئمة من الكتم، قال بعضهم: ليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق ولله در القائل:
فَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمَاً أضَاعَهُ ... وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ
وقال الخليل لأبي عبيدة لا تردن على معجب فيستفيدَ منك علماً ويتخذَك عدوًّا.
ثم ذكر ما يتمهر به الطالب في فن الحديث وهو التأليف فقال:
.................. ... ثُمَّ إِذَا أَهَّلَتْ صَنِّفْ تَمْهَرِ
٦٠١ - وَيُبْقِ ذِكْرًا مَا لَهُ مِنْ غَايَهْ ... ..............
(ثم إذا) أتقنت طلبه على الوجه الذي تقدم و (أهلت) بالبناء للمفعول يقال: أهله لذلك تأهيلاً، وآهله بالمد: رآه أهلاً ومستحقاً، أو جعله أهلاً لذلك. اهـ " ق " و " تاج " أي إذا صُيِّرْتَ مستحقاً، ومتعلقه محذوف أي للتصنيف.
فـ (ـصنف) في علم الحديث والتصنيف أخص من التأليف لأنه جَعْلُ كلِّ صنف على حِدَةٍ بخلافه فإنه مطلق الضم فهو أعم ممن التصنيف ومن التخريج، وهو إخراج المحدث الأحاديث من بطون الكتب وسياقها من مروياته أو مرويات شيخه أو أقرانه، ومن الانتقاء وهو التقاط ما يحتاج إليه من الكتب، ولكن يستعمل كل منها مكان الآخر، أفاده السخاوي ﵀. (تمهر) مجزوم بالطلب، كسر للوزن، أي تصير ماهراً في علم الحديث، ويقال: مهر في العلم وغيره يمهر بفتح الهاء فيهما مهوراً ومَهَارَة فهو ماهر، أي حاذق، عالم بذلك، قاله في المصباح.
والمعنى: أنك إذا تأهلت للتصنيف صَنِّف لأنك تتمهر به، قال الخطيب في جامعه: قلما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبينُ الخفيَّ من فوائده إلا مَنْ جَمَعَ متفرقة وألف متشتته وضم بعضه
стр. 573
إلى بعض واشتغل بتصنيف أبوابه وَتَرْتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البنان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس.
(ويبق) من الإبقاء، والفاعل ضمير يعود إلى التصنيف المفهوم من صنف، أي يخلد (ذكراً) بالكسر أي عَلَاءً وَشَرَفاً (ما) نافية أي ليس (له) أي لذلك الذكر (من غاية) أي نهاية ينتهي إليها، والجملة صفة ذكرا.
والمعنى أن التصنيف يخلد شرفك بين العلماء المحصلين إلى آخر
الدهر فهو ولدك المخلد، ومُكسِبُك الثوابَ المؤبد، والأصل فيه قوله ﷺ :
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له ".
وقال الشاعر:
يَمُوتُ قَوْم فَيُحْصيِ الْعِلْمُ ذِكْرَهًمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أمْوَاتًاً بِأموَاتٍ
وقال الحسن بن علي البصري:
الْعِلْمُ أفْضَلُ شَيْءٍ أنْتَ كَاسِبُه ... فَكُنْ لَهُ طَالِباً مَا عِشْتَ مُكْتَسِباً
وَالْجَاهِلُ الْحَيُّ مَيْتٌ حِينَ تَنْسُبُهُ ... وَالْعَالِمُ الْمَيْتُ حَيٌّ كُلَّمَا نُسِبَا
وقال أبو الفتح البستيي:
يَقُولونَ ذِكْر الْمَرْ يَبْقَى بِنَسْلِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكنْ نَسْلُ
فَقُلْتُ لَهُمْ نَسْلِي بدَائِعُ حِكْمَتِي ... فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فَإنَّا بذَا نَسْلُو
وقال الخطيب: وينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبه ويجمع له همه ويصرف إليه شغله ويقطع به وقته، وقد كان بعض شيوخنا يقول: من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ، وليأخذ قلم التخريج.
стр. 574
ثم ذكر حكمه فقال:
............... ... وَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَهْ
(وإنه) أي التصنيف المفهوم من صنف (فرض) أي مفروض (على) سبيل (الكفاية) قد صرح به العلماء، وكذا غيره من العلوم الشرعية لكن إنما يجب على المكلف الحر غير البليد القادر على الانقطاع له لوجود ما يكفيه لمعاشه هكذا ذكر بعضهم.
ثم إن للعلماء في التصنيف طريقتين ذكرهما بقوله:
٦٠٢ - فَبَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بِالأَبْوَابِ ... وَقَوْمٌ الْمُسْنَدَ لِلصِّحَابِ
٦٠٣ - يَبْدَأُ بِالأَسْبَقِ أَوْ بِالأَقْرَبِ ... إِلَى النَّبِيْ أَوِ الْحُرُوفَ يَجْتَبِي
٦٠٤ - وَخَيْرُهُ مُعَلَّلٌ، وَقَدْ رَأَوْا ... أَنْ يَجْمَعَ الأَطْرَافَ أَوْ شُيُوخًا اْوْ
٦٠٥ - أَبْوَابًا اْوْ تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقَا ... وَاحْذَرْ مِنَ الإِخْرَاجِ قَبْلَ الإِنْتِقَا
(فبعضهم) مبتدأ أي بعض العلماء الذين تَصدَّوا للتصنيف، وخبره قوله (يجمع) أي يؤلف ما يريده (بالأبواب) الفقهية وغيرها أي على الأبواب، أو الباء زائدة، فيجمع كل ما ورد في حكم إثباتاً أو نفياً في باب فباب بحيث يتميز ما يدخل في الجهاد مثلاً عما يتعلق بالصيام، ثم منهم من تقيد بالصَّحِيح فقط، كالشيخين ومنهم من لم يتقيد به كباقي الستة.
(وقوم) عطف على بعض، أو على الضمير في يجمع أي ويجمع قوم منهم (المسند) عطف على الجار والمجرور، لأنه فى محل نصب عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وتقدم غير مرة (للصحاب) بالكسر جمع صاحب، والمراد به الصحابي فيفرد ما لهم من الأحاديث واحداً فواحداً، وإن اختلفت أنواعها، كمسند الإمام أحمد وغيره، والقصد منها تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، وليستنبط منه الحكم في الجملة. ثم إن ترتيبهم مختلف، فمنهم من يرتب على السابقين في الإسلام، وإليه أشار بقوله: فمنهم من يرتب على السابقين في الإسلام، وإليه أشار بقوله:
(يبدأ) الضمير يرجع إلى قوم أفرده باعتبار لفظه، والجملة حال من
стр. 575
قوم، أي حال كونه بادئاً (بالأسبق) في الإسلام، فيقدم العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم المهاجرين بينها وبين الفتح، ثم مسلمة الفتح، ثم أصاغر الأسنان، كالسائب بن يزيد، وأبي الطفيل، ثم بالنساء مقدماً أمهات المؤمنين، قال الخطيب: وهي أحبُّ إلينا، وقال ابن الصلاح: إنها أحسن، ومنهم من يرتب على القبائل، وإليه أشار بقوله:
(أو) يبدأ (بالأقرب) منهم (إلى النبي) بتخفيف الياء للوزن ﷺ نسباً، فيقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب. ومنهم من يرتب على حروف المعجم، وإليه أشار بقوله:
(أو الحروف) المعجمة مفعول مقدم لـ (ـيجتبي) أي يختارها على ما تقدم ليرتب عليها أسماء الصحابة، بأن يجعل أبي بن كعب وأسامة في الهمزة كما فعل الطبراني في معجمه الكبير ثم الضياء في مختاراته التي لم تكمل وهذا أسهل تناولًا.
ثم ذكر أحسن أنواع التصنيف فقال:
(وخيره) مبتدأ أي أحسن التصنيف في الطريقتين المتقدمين أو غيرهما (معلل) خبر المبتدإ، أي أحسن المصنف ما ذكر فيه علل الحديث سواء كان على الأبواب كما فعل ابن أبي حاتم أو المسانيد كما فعل يعقوب بن شيبة ولم يتم.
وذلك بأن يجمع في كل متن طرقه واختلاف الرواة فيه بحيث يتضح إرسال ما يكون متصلاً أو وقف ما يكون مرفوعاً أو غير ذلك.
وإنما كان أحسن من غيره لأن علم علل الحديث أجل أنواع علم الحديث حتى قال ابن مهدي: لأن أعرف علة حديث عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليست عندي. ثم ذكر الأطراف بقوله:
(وقد رأوا) أي ذهب أهل الحديث إلى (أن يجمع) المصنف (الأطراف) جمع طرف بفتح الراء أي طرف الحديث الدال على بقيته
стр. 576
ويجمع أسانيده، إما مستوعباً أو مقيداً بكتب مخصوصة كما فعل أبو العباس أحمد بن ثابت في أطراف الخمسة، والمزي في أطراف الكتب الستة والحافظ في الكتب العشرة.
ثم إنه يجوز في الأطراف الاكتفاء ببعض الحديث وإن لم يفد.
(أو) يجمع (شيوخاً) بضم الشين وتكسر جمع شيخ أي أحاديث شيوخ كل شيخ بانفراده كما فعل الإسماعيلي في حديث الأعمش، والنسائي في حديث فضيل بن عياض، والطبراني في محمد بن جحادة قال عثمان الدارمي: يقال: من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: الثَّوري، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين.
قال السخاوي: وهذا غير جمع الراوي شيوخ نفسه كالطبراني في معجمه الأوسط المرتب على حروف المعجم في شيوخه، وكذا له المعجم الصغير لكنه يقتصر غالباً على حديث في كل شيخ اهـ.
(أو) يجمع (أبواباً) من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام وغيرها فيفردها بالتأليف بحيث يصير ذلك الباب كتاباً مفرداً، كرؤية الله والإخلاص والطهور والقراءة خلف الإمام ورفع اليدين وغيرها.
(أو) يجمع (تراجماً) جمع ترجمة، أي أسانيد معينة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، وسهيل ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
(أو) يجمع (طرقاً) جمع طريق أي سند، أي يجمع أسانيد كثيرة لحديث واحد، كطرق حديث قبض العلم، وطرق حديث: " طَلَبُ العلم فريضة " وطرق حديث: " من كذّب عليّ ".
(واحذر) أيها المصنف (من الإخراج) أي إخراج مصنفك إلى الناس (قبل الانتقا) أي تهذيبه وتحريره وتكرير نظرك فيه ولا يضرك فيه كثرة
стр. 577
اللَّحَاق، فقد قال الشافعي ﵁: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة، وقال بعضهم: لا يضيء الكتاب حتى يظلم.
ثم ذكر اختلاف العلماء في قراءة الحديث هل يثاب فيها بمجردها أم لا؟ فقال:
٦٠٦ - وَهَلْ يُثَابُ قَارِئُ الآثَارِ ... كَقَارِئِ الْقُرْآنِ: خُلْفٌ جَارِي
(وهل يثاب) ويؤجر (قارئ الآثار) أي الأحاديث النبوية، وبالأولى الموقوفات، وكذا سامعها من غير قصد الحفظ ونحوه (كقارئ القرآن) أي كما يثاب قارئ القرآن من حيث أصلُ الثوابِ، وإلا فثواب القرآن بكل حرف بخلاف غيره (خلف) بالضم أي اختلاف، مبتدأ سوغه كونه موصوفاً بمحذوف، أي بين العلماء وقوله: (جاري) خبره.
وحاصل معنى البيت: أنه جرى اختلاف بين العلماء في أن قارئ الحديث مجرداً يثاب كقارئ القرآن أولا؟
فقال الشيخ أبو إسحاق: إن قراءة متونها لا يتعلق بها ثواب خاص لجواز روايتها بالمعنى، واستظهره ابن العماد الأقفهسي، قال: وإذا كانت قراءته المجردة لا ثواب فيها لم يكن في استماعه المجرد ثواب بالأولى.
وقال بعضهم: بالثواب على ذلك واستوجهه المحقق ابن حجر الهيتمي قال: لأن سماعها لا يخلو من فائدة، ولو لم يكن إلا عود بركته على القارئ والمستمع.
وقلنا: مجرداً لأنه لو قصد بقراءته أو سماعه الحفظ وتعلم الأحكام والصلاة على النبي ﷺ واتصال السَّند لا خلاف في ثوابه.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: ثم استعمل مكارم الأخلاق.
وقوله: ومن يفدك العلم .... البيت. وقوله: عاليه وما انفرد به.
وقوله: للمقابلة أو لذهاب فرعه فعادله. وقوله: فليتعرف ضعفه وصحته إلى
стр. 578
آخر البيتين وقوله: كهذه. وقوله: ورأوا جواز كتم عن خلاف الأهل أو من يدع الصواب إن يذكر. وقوله: وإنه فرض على الكفاية. وقوله: يبدأ بالأسبق: البيت. وقوله: الأطراف. وقوله: وهل يثاب قارئ الآثار البيت.
ولما أنهى الكلام على آداب طالب الحديث أتبعه بذكر العالي والنازل تنشيطاً له إلى طلب العلو.
والمناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر في السابق من جملة آداب الطالب طلب العلو حيث قال:
ثُمَّ حَصِّلِ مِنْ أهْلِ مِصْرِكَ الْعَلِيِّ فَالْعَلِي
قال رحمه الله تعالى:
стр. 579
(العالي والنازل)
أي هذا مبحث أقسام العالي والنازل من السَّند، وبيان أفضلهما وما يلتحق بذلك من بيان الموافقة والبدل والمصافحة والمساواة وهما من صفات الإسناد فقط.
وهو النوع الثالث والأربعون من أنواع علوم الحديث. قال رحمه الله تعالى:
٦٠٧ - قَدْ خُصَّتِ الأُمَّةُ بِالإِسْنَادِ ... وَهْوَ مِنَ الدِّينِ بِلا تَرْدَادِ
(قد خصت) بالبناء للمفعول (الأمة) المحمدية (بالإسناد) المتصل إلى نبيها ﷺ .
والمعنى: أن الله تعالى اختص هذه الأمة بإسناد الأحاديث إلى النبي ﷺ من بين سائر الأمم.
قال محمد بن حاتم بن المظفر: إن الله أكرم هذه الأمة وشَرّفها وفَضَّلها بالإسناد وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد إنما هو صحف في أيدهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهُم فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات (وهو) أي الإسناد (من) جملة أمور (الدين) وسنة بالغة من سننه المؤكدة (بلا ترداد) أي من غير تردد وشك في ذلك، وفي صحيح
стр. 580
مسلم قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
وقال سفيان الثَّوري: الإسناد سلاح المؤمن، وقال سفيان بن عيينة:
حدَّثَ الزهريُّ يوماً بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم.
٦٠٨ - وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ، وَمَنْ ... يُفَضِّلُِ النُّزُولَ عَنْهُ مَا فَطَنْ
(وطلب العلو) مبتدأ خبره قوله: (سنة) نبوية وقيل: سلفية، والأول: أولى أي طلب الإنسان علو الإسناد الذي هو قلة الوسائط في السَّند، أو في السماع، أو الوفاة كما يأتي سنة مأثورة عن النبي ﷺ فيه حديث أنس ﵁ في مجيء ضمام بن ثعلبة إلى النبي ﷺ ، يسمع منه مشافهة ما سلف سماعه له من رسوله إليهم إذ لو كان العلو غير مستحب لأنكر عليه ﷺ سؤاله عما أخبر به رسوله عنه وترك اقتصاره على إخباره له.
وقد رحل فيه العلماء قديماً وحديثاً إلى الأقطار البعيدة طلباً للعلو.
(ومن) شرطية أو موصولة (يفضل) مجزوم إن كانت شرطية وتحرك لامها بالكسرة لالتقاء الساكنين، أو مرفوع إن كانت موصولة، أي الذي يفضل (النزول) ضد العلو (عنه) أي عن العلو، وهو بعض أهل النظر محتجاً له بأن الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في معرفة أحوال الرواة فيكثر الثواب فيه (ما) نافية (فطن) كفرح ونصر وكرم فطناً مثلثة وبالتحريك وبضمتين وفطونة وفطانة وفطانية حَذِقَ أفاده في " ق " والأنسبُ هنا كونه كنصر لئلا يلزم عيب السناد، وإن كان مغتفراً للمولدين. والجملة جواب من بتقدير الفاء أو خبرها.
وحاصل المعنى: أن من فضل النزول على العلو فما فهم المقصود من العلو إذ المقصود منه الصحة إذ قلةُ الوسائط يُقِلُّ الخلل وكثرتها بالعكس.
стр. 581
وما علل به من كثرة الثواب لكثرة التعب في معرفة أحوال الرواة غير سديد إذ التعب ليس مقصوداً لذاته بل المقصود من الرواية هو الصحة، وهي في قلة الوسائط أتم منها في كثرتهم.
وشبهه العراقي بمن يقصد المسجد للجماعة فيسلك الطريق البعيدة لتكثير الخُطَا رغبة في كثرة الأجر، وإن أداه سلوكها إلى فوت الجماعة التي هي المقصود.
٦٠٩ - وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً كَمَا رَأَوْا: ... قُرْبٌ إِلَى النَّبِيِّ أَوْ إِمَامٍ اْوْ
٦١٠ - بِنِسْبَةٍ إِلَى كِتَابٍ مُعْتَمَدْ ... يُنْزَلُ لَوْ ذَا مِنْ طَرِيقِهِ وَرَدْ
(وقسموه) أي قسم العلماءُ العلوَّ، وأول من قسمه أبو الفضل ابن طاهر وتبعه ابن الصلاح وغيره (خمسة) بالنصب مفعول مطلق على النيابة أي تقسيماً خمسة لكن بين كلامَي المذكورَينِ اختلاف في ماهية بعضها، وقوله (كما رأوا) الكاف للتعليل أي إنما قسموه خمسة لما استبان لهم مما يقتضي ذلك، ثم هي ترجع إلى علو مسافة، وهي قلة الوسائط، وهي الثلاثةُ الأوَلُ، وإلى علو صفة، وهما الأخيران، أشار إلى الأول وهو العلو المطلق بقوله: (قرب) خبر لمحذوف أي أولها قرب المحدث (إلى النبي) ﷺ من حيث العدد.
يعني: أن أول الأقسام ويسمى علواً مطلقاً هو القرب من النبي ﷺ بالنظر لسائر الأسانيد، أو لإسناد آخر، فأكثر لذلك الحديث بعينه، وهذا العلو هو الأفضل إن صح إسناده وإلا فلا اعتبار به.
وأشار إلى الثاني، وهو العلو النسبي بقوله: (أو) قرب إلى (إمام) من أئمة الحديث ذي صفات علية من حفظ وفقه وضبط، كالأعمش وابن جريجٍ والأوزاعي وشعبة والثَّوري مع صحة الإسناد إليه أيضاً، وإن كثر العدد بعده إلى النبي ﷺ .
وأشار إلى الثالث، وهو علو نسبي أيضاً بقوله: (أو) قرب مقيد (بنسبة
стр. 582
إلى) رواية (كتاب معتمد) كالكتب الستة ونحوها من الكتب المعتبرة، وسماه ابن دقيق علو التنزيل.
(ينزل) بالبناء للمفعول أي ينسب إلى النزول أو للفاعل أي ينزل الراوي (لوذا) أي هذا الحديث (من طريقه) أي طريق ذلك الكتاب متعلق متعلق بـ (ـورد) أي نُقِلَ.
وحاصل المعنى: أننا لو روينا الحديث من طريق كتاب من تلك الكتب يقع أنزل مما لو رويناه من غير طريقها، قال العراقي: وقد يكون عالياً مطلقاً أيضاً كحديث ابن مسعود مرفوعاً: " يوم كلم الله موسى ﵇ كان عليه جبة صوف " (١) الحديث رواه الترمذي عن علي بن حُجْر عن خَلَفِ بن خليفة فلو رويناه من طريق الترمذي وقع بيننا وبين خلف تسعة فإذا رويناه من جزء ابن عرفة وقع بيننا وبينه سبعة بعلو درجتين، فهذا مع كونه علواً بالنسبة فهو أيضاً علو مطلق، ولا يقع اليوم لأحد هذا الحديث أعلى من هذا اهـ.
ثم إن هذا النوع هو النوع تقع فيه الموافقات والأبْدَال والمساواة والمصافحات وإليه أشار بقوله:
٦١١ - فَإِنْ يَصِلْ لِشَيْخِهِ مُوَافَقَهْ ... أَوْ شَيْخِ شَيْخٍ: بَدَلٌ، أَوْ وَافَقَهْ
٦١٢ - فِي عَدَدٍ فَهْوَ الْمُسَاوَاةُ، وَإِنْ ... فَرْدًا يَزِدْ مُصَافَحَاتٌ فَاْسْتَبِنْ
(فإن يصل) الراوي (لشيخه) أي شيخ صاحب الكتاب كشيخ أحد الأئمة الستة مثلاً (موافقة) خبر لمحذوف مع الرابطة والجملة جواب إن، أي فهو موافقة.
وحاصل المعنى: أن الراوي إذا روى حديثاً في أحد الكتب المذكورة بسند نفسه من غير طريقها بحيث يجتمع مع صاحب الكتاب في شيخه مع علو هذا الطريق الذي رواه منه على ما لو رواه من طريق صاحب الكتاب
стр. 583
فهذا يسمى موافقة لاتفاقه مع صاحب الكتاب في شيخه، مثاله: حديث رواه البخاري عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد عن أنس مرفوعاً: " كتاب الله القصاص " فإذا رويناه من جزء الأنصاري تقع موافقة للبخاري في شيخه مع علو بدرجة.
(أو) يصل إلى (شيخ شيخ) لأحد الأئمة الستة مثلاً مع وجود العلو أيضاً (بدل) بفتحتين خبر لمحذوف أي فهو بدل أي يسمى به.
وحاصل المعنى: أنه إذا كانت الموافقة لشيخ شيخ أحد الأئمة الستة فهذا يسمى بدلاً.
مثاله: حديث ابن مسعود الذي مر آنفاً، وسمى بدلاً لوقوعه من طريق راو بَدَلَ الراوي الذي روى عنه أحد الستة.
وقد يسمونه موافقة مقييدة فيقال: هو موافقة في شيخ شيخ الترمذي مثلاً.
(تنبيه): تقييد الموافقة والبدل بالعلو هو الذي ذكره ابن الصلاح قال: ولو لم يكن ذلك عالياً فهو أيضاً موافقة وبدل لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم الالتفات إليه. قال العراقي: وفي كلام غيره إطلاق ذلك مع عدم العلو فإن علا قالوا موافقة عالية، وبدل عال. اهـ باختصار.
(أو وافقه) أي وافق الراوي صاحب الكتاب (في عدد) أي عدد إسنادهما (فهو) أي الوفاق المذكور (المساواة) أي يسمى بها.
وحاصل المعنى: أنه إذا كان بين الراوي وبين الصحابي أو مَن قَبْلَ الصحابي إلى شيخ أحد الستة كما بين أحد الستة وبين ذلك الصحابي أو من قبله على ما ذكر أو يكون بينه وبين النبي ﷺ كما بين أحد الأئمة الستة وبين النبي ﷺ من العدد فهو المساواة، وهي مفقودة الآن، إلا بأن يكون عدد ما بين الراوي الآن وبين النبي ﷺ كعدد ما بين الستة وبين النبي ﷺ قاله العراقي.
قال السخاوي: والمساواة بالنسبة لأصحاب الكتب الستة ومن في
стр. 584
طبقتهم مفقودة الآن، نعم يقع لنا ذلك مع مَنْ بَعْدَهم كالبيهقي والبغوي في شرح السنة ونحوهما، بل قد وقعت لي المساواة مع بعض أصحاب الستة في مطلق العدد لا في متن متحد، وذلك أنه وقع بيني وبين النبي ﷺ في بعض الأحاديث عشرة رواة، وكذا وقع للترمذي والنسائي حديث عشاري. اهـ باختصار.
(وإن فرداً) أي راوياً واحداً (يزد) صاحب الكتاب (مصافحات) خبر لمحذوف مع الرابطة، أي فهو مصافحات، وإنما جمعه لأنه يكون له، أو لشيخه، أو شيخ شيخه.
وحاصل المعنى: إنه إن زاد أحد الستة مثلاً راوياً واحداً على الراوي الذي وقع له ذلك الحديث سمى مصافحة بمعنى أن الراوي كأنه لقي أحد الأئمة الستة وصافحه بذلك، ومع كونه مصافحة له فهو مساواة لشيخه، فإن كانت المساواة لشيخ شيخه كانت المصافحة لشيخه، أو لشيخ شيخ شيخه كانت المصافحة لشيخ شيخه، وسمى مصافحة لجريان العادة غالبا بها بين المتلاقيين (فاستبن) أي اطلب بيان الأمر واتضاحه على الوجه الذي بيناه.
ولما أنهى الكلام على علو المساوفة شرع يذكر علو الصفة، وهما النوعان الأخيران فذكر الأول وهو القسم الرابع فقال:
٦١٣ - وَقِدَمُ الْوَفَاةِ أَوْ خَمْسِينَا ... عَامًا تَقَضَّتْ أَوْ سِوَى عِشْرِينَا
(وقدم) خبر لمحذوف أي رابعها قدم الوفاة بكسر ففتح، أي تقدم موت الراوي عن شيخ على وفاة راو آخر عن ذلك الشيخ.
مثاله: من سمع سنن أبي داود على الزكي عبد العظيم أعلى ممن سمعه على النجيب الحراني، ومن سمعه على النجيب أعلى ممن سمعه على ابن خطيب المِزَّة، والفخر ابن البخاري، وإن اشترك الأربعة في رواية الكتاب عن شيخ واحد، وهو ابن طبرزد لتقدم وفاة الزكي على النجيب، ووفاة النجيب على من بعده، قال القاضي زكريا:
وقضية ذلك أنه يكون أعلى إسناداً سواء تقدم سماعه، أو اقترن، أو
стр. 585
تأخر، لأن متقدم الوفاة يعز وجود الرواة عنه بالنظر لمتأخر الوفاة فيُرغَبُ في تحصيل مرويه لكن الأخذ بالقضية المذكورة محله في غير تأخر السماع له أخذاً مما يأتي في القسم الخامس.
ثم هذا في العلو المفاد من تقدم الوفاة مع الالتفات لنسبة شيخ إلى شيخ، أما العلو لا مع الالتفات لشيخ آخر فقد اختلف في وقته وإليه أشار بقوله:
(أو خمسينا) عطف على الوفاة أي تقدم خمسين (عاماً تقضت) بالضاد المعجمة أي انصرمت. اهـ " ق " وفي نسخة المحقق بالصاد المهملة أي بلغت نهايتها، وهو قريب من معنى الأول، أي مضت تلك الخمسون من وقت وفاة الشيخ.
وحاصل المعنى: أن الذي تقدم كان بالنسبة لوفاة الراوي مع راو آخر، وأما العلو الذي يستفاد من مجرد وفاة الشيخ لا مع الالتفات لأمر آخر: فقد اختلفوا فيه، فقيل: مُضِيُّ خمسين سنة من تاريخ وفاة الشيخ، وهذا قول الحافظ ابن جوصي، قال: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو.
(أو سوى) أي إلا (عشرينا) سنة أي من الخمسين، يعني: ثلاثين سنة من وفاة الشيخ، وهذا للحافظ ابن منده، قال: إذا مر على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال.
قال ابن الصلاح: وهذا أوسع من الأول.
ثم ذكر ثاني أقسام علو الصفة وهو خامس الأقسام فقال:
٦١٤ - وَقِدَمُ السَّمَاعِ ............ ... ....................
(وَقِدَمُ السَّمَاعِ) خبر لمحذوف أيضاً، أي وخامسها علو قدم السماع لأحد رواته بالنسبة لراو آخر اشترك معه في السماع عن شيخه، أو لراو سمع من رفيق لشيخه، وذلك بأن يكون سماع أحدهما من ستين مثلاً
стр. 586
والآخر من أربعين، ويتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى سواء تقدمت وفاته على الآخر أم لا؟.
وهذا كما نبّه عليه ابن الصلاح يقع التداخل بينه وبين القسم الذي قبله، ولذا جعلها ابن طاهر، ثم ابن دقيق العيد واحداً، وزاد العلو إلى صاحبي الصَّحِيحين، ومصنفي الكتب المشهورة، وجعله ابن طَاهِرٍ قسمين: أحدهما: العلو إلى الشيخين وأبي داود وأبي حاتم ونحوهم، والآخر: العلو إلى كتب مصنفة لأقوام كابن أبي الدنيا والخطابي.
ولما أنهى الكلام على أقسام العلو شرع يذكر ضده وهو النزول فقال:
.............. وَالنُّزُولُ ... نَقِيضُهُ فَخَمْسَةً مَجْعُولُ
(والنزول) مبتدأ خبره (نقيضه) أي ضده (فخمسة) الفاء فصيحة و " خمسة " بالنصب مفعول ثاني لقوله (مجعول) أي إذا عرفت أن النزول ضد العلوّ وأردت معرفة أقسامه، فهو مجعول خمسة، أي جُعِلَ خمسة أقسام مِثْلَه، فما من قسم إلا وضده قسم من أقسام النزول، فتفصيلها يدرك من تفصيل أقسام العلو المتقدم.
٦١٥ - وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَا لَمْ يَنْجَبِرْ ... لَكِنَّهُ عُلُوُّ مَعْنًى يَقْتَصِرْ
(وإنما يذم) بالبناء للمفعول أي إنما ذَمَّ العلماءُ النزولَ (ما) مصدرية ظرفية (لَمْ يَنْجَبِرْ) أي مدة عدم انجباره بصفة مرجحة.
والمعنى: أن العلماء ذموا النزول، قال علي بن المديني وغيره: إنه شؤم، وقال ابن معين: إنه قرحة في الوجه، فهذا إذا لم ينجبر النزول بصفة مرجحة، كزيادة الثقة في رجاله على العالي، أو كونهم أحفظ أو أضبط أو أفقه، أو كونه متصلاً بالسماع بخلاف العلو في ذلك، فهذا نزول في الظاهر، وفي المعنى أنه علوّ مختار على العلو كما أشار إليه بقوله:
(لكنه) أي هذا النزول المنجبر، والاستدراك مما يتوهم أنه لما كان
стр. 587
مختاراً على العلو يثبت له وصف العلو المطلق (علو معنى) أي من حيث المعنى (يقتصر) عليه لا يتعداه إلى الظاهر.
وحاصل المعنى: أن هذا النزول المنجبر بِمُرجّحٍ، نزول في الظاهر، علوًّ في المعنى عند المحققين كما أشار إليه السلفي حيث يقول (من بحر الخفيف):
ليسَ حُسن الحديثِ قُربَ رِجَال ... عِنْدَ أربابِ عِلْمِهِ النُّقَّادِ
بَلْ عُلُوُّ الحَدِيثِ بَينَ اولي الحِفْـ ... ـظِ وَالِإتْقَانِ صِحَّة الإسنَادِ
وَإذا مَا تَجَمَّعَا فِي حَدِيث ... فَاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أقْصَى الْمُرَادِ
ولبعضهم (من البسيط):
عِلْمُ النُّزولِ اكْتُبُوهُ فَهْوَ يَنْفَعُكُمْ ... وَتَرْكُكُمْ ذَاكُمُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ
إنَ النُّزولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبَتٍ ... أعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوِّ غَيرِ ذِي ثَبَتِ
ثم ذكر تفصيلاً للإمام الحافظ محمد بن حبان البستي صاحب الصَّحِيح وهو تفصيل حسنٌ فقال:
٦١٦ - وَلاِْبِن حِبَّانَ: إِذَا دَارَ السَّنَدْ ... مِنْ عَالِمٍ يَنْزِلُ أَوْ عَالٍ فَقَدْ
٦١٧ - فَإِنْ تَرَى لِلْمَتْنِ فَالأَعْلامُ ... وَإِنْ تَرَى الإِسْنَادَ فَالْعَوَامُ
(ولابن حبان) خبر مقدم، أي كائن للحافظ المتقن الحجة أبي حاتم محمد بن حبان البستي صاحب الصَّحِيح، وقوله: (إذا دار السَّند) إلخ مبتدأ مؤخر لقصد لفظه، أي إذا كان سند الحديث دائراً (من) بين (عالم ينزل) سنده لكثرة عدده (أو) بمعنى الواو (عال) أي رجل عال سنده لقلة عدده، وجملة (فقد) صفة لعال أي فاقد علماً، بأن كان عامِيّا (فإن ترى) أيها المحدث أي تنظر (للمتن) أي إلى متن الحديث (فالأعلام) مبتدأ خبره محذوف أي أولى، أي الفقهاء الذين هم كالأعلام أولى من العوام الذين هم أعلى سنداً، والجملة جواب إن.
стр. 588
(وإن ترى الإسناد) أي تنظر أيها المحدث إلى سند ذلك المتن وثبتت ألف " ترى " في الموضعين على حد قول الشاعر (من بحر الطويل):
وَتَضْحَكُ مِنّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ... كأنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أسِيراً يَمَانِيَاً
وهو ضرورة على قول.
(الإسناد) أي إسناد ذلك المتن (فالعوام) جمع عامة خلاف الخاصة، وخففت الميم للوزن، مبتدأ خبره محذوف، أي أولى.
وحاصل المعنى: أن ابن حبان له تفصيل حسن، وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى، وإن كان للمتن فالفقهاء، أولى، وبالجملة فالمعتبر إنما هو العلو المعنوي وهو قوة الراوي.
ولذا قال وكيع لأصحابه: الأعمش أحب إليكم عن أبي وائل عن عبد الله أم سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقالوا: الأعمش عن أبي وائل أقرب، فقال: الأعمش شيخ، وسفيان عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة فقيه عن فقيه عن فقيه.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: قد خصت الأمة البيت.
وقوله: لكنه علو معنى إلى آخر الباب.
стр. 589
(المسلسل)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الرابع والأربعون من أنواع علوم الحديث، وهو لغة المتصل، والسلسلة اتصال الشيء بعضه ببعض، ومنه سلسلة الحديد، بفتح السينين وكسرهما وهو من صفات الإسناد فقط كسابقه.
واصطلاحاً ما ذكره بقوله:
٦١٨ - هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ ... قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
٦١٩ - قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا ... لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِيمَا قُسِّمَا
(هو) أي المسلسل في اصطلاحهم (الذي إسناده) مبتدأ (رجاله) منصوب بفعل محذوف أي أعني رجاله (قد تابعوا) بحذف إحدى التاءين، أي تواردوا واحداً بعد واحد، والجملة خبر المبتدإ (في صفة) أي على صفة واحدة (أو) على (حالة) واحدة (قولية) صفة لصفة، وحذف نظيره لحالة (فعليه) عطف على ما قبله بحذف عاطف، أي أو صفة فعلية (كليهما) عطف عليه أيضاً بعاطف محذوف، أي أو كليهما أي القولية والفعلية معاً.
(لهم) حال من صفة، وما عطف عليه أي حال كون الوصف والحالة لرجال الإسناد (أو الإسناد) أي رواية الحديث فالإسناد هنا بمعنى رفع القول إلى قائله بخلافه فيما تقدم فإنه بمعنى الرجال قاله الشارح.
стр. 590
(فيما قسما) خبر لمحذوف أي هذا حاصل في تقسيم المحدثين لأنواع المسلسل.
وحاصل معنى البيتين: أن المسلسل هو الحديث الذي توارد رجال إسناده واحداً فواحداً على صفة واحدة، أو حالة واحدة سواء كانت الصفة والحالة للرواة أو للرواية، وسواء أكان ما وقع منه في الإسناد في صيغ الأداء أم متعلقاً بزمن الرواية، أو بالمكان، أوبالتاريخ، وسواء كانت صفات الرواة أو أحوالهم أقوالاً، أم أفعالًا، أم كليهما.
مثال المتسلسل بوصف الرواة القولي: المسلسل بقراءة سورة الصف ونحوه.
ومثال صفاتهم الفعلية كالمسلسل بالفقهاء وبالحفاظ وبالقراء ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بصفات الرواية كقول كل من رواته سمعت فلاناً، وحدثنا، أو أخبرنا، أو شهدت على فلان قال: شهدت على فلان ونحو ذلك.
ومثال التسلسل بأحوال الرواة القولية حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: " يا معاذ إني أحبك فقل في دبر كل صلاة " الحديث (١). فقد تسلسل لنا بقول كل راو من رواته وأنا أحبك فقل.
ومثال التسلسل بالفعلية حديث أبي هريرة ﵁ قال: " شبك بيدي أبو القاسم ﷺ وقال: " خلق الله الأرض " الحديث (٢)، فقد تسلسل لنا تشبيك كل رواته بيد من رواه عنه.
ومثال اجتماعهما حديث أنس ﵁ مرفوعاً: " لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، قال: وقبض رسول الله ﷺ على لحيته وقال: " آمنت بالقدر " (٣). فقد تسلسل لنا بقبض كل واحد من رواته على لحيته مع قوله آمنت بالقدر إلى آخره.
стр. 591
وأما ما يتعلق بزمن الرواية أو مكانها أو تاريخها فكالمسلسل بالتحمل يوم العيد، وقص الأظفار في يوم الخميس، وكالمسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم.
وكالمسلسل بكون الراوي آخر من روى عن شيخه، وبالجملة فأنواع التسلسل كثيرة لا تنحصر كما قال ابن الصلاح.
٦٢٠ - وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَمِنْ ... مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ
(وخيره الدال) مبتدأ وخبر، أي أفضل أنواع المسلسل هو الذي يدل (على الوصف) أي وصف الاتصال، فأل بدل عن المضاف إليه على رأي بعض النحاة، وإنما قدرناه الاتصال لدلالة قوله: زيادة الضبط لأن الاتصال أعلى شروط الضبط، والمعنى: أن أفضل أنواعه ما دل على الاتصال فى السماع وعدم التدليس كما في قراءة سورة الصف، قال الحافظ ﵀: هو من أصح مسلسل يُرْوَى في الدنيا، وقال الناظم: قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً بل ذكر في شرح النخبة أنه مِمَّا يفيد العلم القطعي.
(ومن) جملة (مفاده) مصدر ميمي لأفاد، أي من فائدة المسلسل، أو اسم مفعول له أيضاً أي الوصف الذي أفاده المسلسل، وهو خبر مقدم لقوله: (زيادة الضبط) أي اشتماله على زيادة ضبط الراوي، وكذا الاقتداء بالنبي ﷺ فعلاً ونحوه، وقوله: (زكن) بالبناء للمفعول، أي علم، قال: في " ق " زَكِنَه كفرح وأزكنه علمه، وفهمه وتَفرَّسه، وظنه، أو الزَّكْنُ ظن بمنزلة اليقين عندك، أو طرف من الظن اهـ. والجملة حال مما قبله، ويحتمل أن تكون خبر للمبتدإ، والجار والمجرور يتعلق بها، أي زيادةُ ضبط الراو عُلِمَ من فائدة المسلسل.
٦٢١ - وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ ... مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
٦٢٢ - كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَاَن انْتَهَى ... وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
стр. 592
(وقلما) " ما " هذه زائدة تسمى كافة لأنها كفت الفعل عن عمل الرفع في الفاعل، قال في مغني اللبيب: ما معناه: لا تَتَّصِلُ " ما " هذه إلا بثلاثة أفعال، قَلَّ، وكثُرَ وطالَ، وعلة ذلك شبههن برب، ولا يدخل حينئذ إلا على جملة فعلية صُرِّحَ بفعليتهاكقوله (من بحر الخفيف):
قَلَّمَا يَبْرَحُ اللبِيْبُ إِلَى مَا ... يُورِثُ المجدَ دَاعِياً أو مُجِيباً
وزعم بعضهم أن " ما " مع هذه الأفعال مصدرية لا كافة اهـ. وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها وهي في تأويل المصدر فاعل قَلَّ.
وقال العلامة الأمير ما معناه: وزاد بعضهم على هذه الأفعال قَصُر، وهي أفعال لا فاعل لها، كالتوكيد اللفظي، في قام قام زيد، وكان الزائدةِ اهـ.
ونظمت ذلك بقولي (من الرجز):
وَمَا تُكُفُّ طَالَ قَلَّ كَثرا ... وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا قَصُرَا
وَلاَ يَلِي الفَاعِلُ هَذِهِ كَمَا ... فِي قَامَ قَامَ إِذ مُؤكّداً سَمَا
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا مُؤوِّلَهْ ... فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ
(يسلم) أي المسلسل (في) وصف (التسلسل) لا في أصل المتن (من خلل) متعلق بيسلم أيَ عَيبِ بضعف، كمسلسل المشابكة فمتنه صحيح، والطريق بالتسلسل فيها مقال.
وحاصل المعنى: أن سلامة المسلسل من الضعف في وصف التسلسل، لا في أصل المتن قليل، وقد لا يصح وصفاً ومتناً.
(وربما) للتقليل (لم يوصل) بالبناء للمفعول أي التسلسل بأن يقع فيه انقطاع، إما في أوله أو وسطه أو آخره، ثم مَثَّلَ للمنقطع في أوله بقوله: (كأولية) أي كالحديث المسلسل بوصف الأولية، وهو قول كل راو من رواته أول حديث سمعته من شيخي، فالجار والمجرور خبرٌ لِمَحْذُوف، أي ذلك كائن كأولية (لسفيان) متعلق بانتهى، وهو الحافظ الحجة أبو محمد الأعور
стр. 593
سفيان بن عيينة الهلالي الكوفي، ثم المكي، ثقة، فقيه، ولد سنة ١٥٧ ومات سنة ١٩٨ هـ عن ٩١ سنة، (انتهى) أي انقطع تسلسله يقال: انتهى الأمر بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه. اهـ المصباح.
والجملة صفة لأولية، أي كأولية منتهية إلى سفيان.
وحاصل المعنى: أن تسلسل هذا الحديث بالأولية ما جاوز سفيان بل انقطع عنده فمن رواه مسلسلاً إلى آخره فقد وهم. والحديث ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله: " الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " فهو مسلسل بقول كل راو أول حديث سمعته من شيخي إلى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس عن مولاه ابن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ وهو حديث صحيح بشواهده كما قال السخاوي.
(وخيره) أي أفضل أنواع المسلسلات على الإطلاق مبتدأ، خبره قوله (مسلسل) أي حديث مسلسل (بالفقهاء) أي الأئمة الحفاظ المتقنين، فقد قال الحافظ: إنه مما يفيد العلم القطعي حيث لا يكون غريبا كحديث رواه أحمد عن الشافعي عن مالك مع مشاركة غيرهم لهم.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: وخيره الدال على الوصف ... البيت. وقوله: لسفيان انتهى ... البيت.
стр. 594
(غريب ألفاظ الحديث)
أي هذا مبحثه، وهو النوع الخامس والأربعون من أنواع علوم الحديث، وهو غير الغريب الذي مَرَّ في أقسام الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر لأن ذاك يرجع إلى الانفراد من جهة الرواية، وأما ما هنا فهو ما يخفى معناه من المتون لقلة استعماله بحيث يبعد فهمه، ولا يظهر إلا بالتفتيش من كتب اللغة. وهو فن مهم جدا يجب على طالب الحديث إتقانه والخوض فيه صعب، والاحتياط في تفسير الألفاظ النبوية واجب فلا يُقْدِمَنَّ عليه أحد برأيه.
٦٢٣ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ مَعْمَرُ ... وَالنَّضْرُ، قَوْلانِ، وَقَوْمٌ أَثَرُوا
٦٢٤ - وَاْبْنُ الأَثِيرِ الآنَ أَعْلَى، وَلَقَدْ ... لَخَّصْتُهُ مَعَ زَوَائِدٍَ تُعَدّ
(أول) مبتدأ، أي أسبق (من صنف) أي جمع (فيه) أي تفسير الغريب (معمر) خبر المبتدإ، ويجوز العكس، وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي المتوفى سنة ٢١٠ وقد قارب عمره ١٠٠ سنة (والنضر) بن شميل أبو الحسن المازني النحوي المتوفي أول سنة ٢٠٤ عن نحو ٨٠ سنة والواو بمعنى أو التي لتنويع الخلاف.
والمعنى: أنه اختلف في أول من صنف في غريب ألفاظ الحديث هل هو معمر بن المثنى أو النضر بن شميل؟
стр. 595
(قولان) خبر لمحذوف أي هذان قولان للعلماء، جزم الحاكم في علومه بالثاني، وإليه مال السخاوي، وغيره بالأول.
وكتاباهما مع جلالتهما صغيران لجريان العادة بذلك في المبتدئ بما لم يُسبَق إليه، والعلمُ إذا ذاك أكثر فًشُوًّا من نقيضه وأكبرهما كتاب أولهما.
وممن صنف أيضاً الأصمعي عبد الملك بن قريب المتوفى سنة ٢١٣ عن نحو ٨٨ سنة وهؤلاء متعاصرون (وقوم) من العلماء ممن جاء بعدهما (أثروا) أي نقلوا عن هذين الإمامين، وزادوا عليهما، يقال: أثرت الحديث أثْراً من باب قتل نقلته. اهـ مصباح.
فجاء أبو عبيد القاسم بن سَلَّام المتوفى سنة ٢١٤ عن ٦٧ سنة فجمع كتابه فصار هو القدوة في هذا الشأن فإنه أفنى فيه عمره، حتى لقد قال: إني جمعت كتابي هذا في أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من الأفواه فأضعها في موضعها فكان خلاصة عمري.
(وابن الأثير) مبتدأ على حذف مضاف أي كتابه المسمى بالنهاية (الآن) منصوب على الظرفية متعلق بما بعده أي في الوقت الحاضر (أعلى) خبر المبتدإ، أي أفضل من غيره، والمعنى: أن كتاب العلامة أبي السعادات مبارك ابن أبي الكرم المعروف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٠٦ أعلى، وأوسع كتاب أُلف في هذا الفن لجمعه كلام من تقدمه ممن ألف في هذا الموضوع.
قال الناظم ﵀: (ولقد لخصته) أي اختصرته، قال في التاج مستدركاً على " ق " ومما يستدرك عليه التلخيص: التقريب والاختصار يقال: لخصت القول، أي اقتصرت فيه، واختصرت منه ما يحتاج إليه، وهو ملخص، ويقال: هذا ملخص ما قالوه، أي حاصله، وما يؤول إليه. اهـ.
والمعنى: أنه اختصر ما في النهاية لابن الأثير، وقربه بأوجز عبارة (مع زوائد) أي حال كون الملخص المفهوم من لخصت مع أشياء مزيدة عليه، وجملة (تعد) صفة لزوائد، أي معدودة، يعني: أنها قليلة بالنسبة إلى
стр. 596
الأصل. وسَمَّى كتابه الملخص " الدر النثير " ويوجد في هامش الأصل في بعض طبعاته، وكذا لخصه محمد بن المتقي الهندي، والسيد عيسى بن محمد الصفوقي، في قريب من نصف حجمه.
ثم حث الطالب على الاعتناء بالغريب وعدم الخوض بالظن، ولا تقليد غير أهله فقال:
٦٢٥ - فَاْعْنَ بِهِ، وَلا تَخُضْ بِالظَّنِّ ... وَلا تُقَلِّدْ غَيْرَ أَهْلِ الْفَنِّ
٦٢٦ - وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ اوْ ... عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوْا
(فَاْعْنَ بِهِ) أمر من عَنَيت به عِناية من باب رمى إذا اشْتَغَلْتَ به، والأكثر فيه عُنِيَ بالبناء للمفعول،. اهـ مصباح بتغيير.
أي اجتهد أيها الطالب في معرفة غريب الحديث تحفظاً وتدبراً فإنه مهم، يقبح جهله بأهل الحديث خاصة، ثم بأهل العلم عامة.
(ولا تخض) أي لا تدخل فيه، يقال: خاض في الأمر خوضاً دخل فيه، قاله في المصباح. (بالظن) أي متلبساً به فإنه أمر ليس بالهَيِّنِ، والخائض فيه حقيق بالتحري، جدير بالتوقي.
وقد قال أحمد ﵀ مع جلالته في العلم لَمّا سئل عن حرف منه: اسألوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول رسول الله ﷺ بالظن فأخطئَ، وقال شعبة في لفظةٍ: خذوها عن الأصمعي فإنه أعلم بهذا مِنا.
(ولا تقلد) أي لا تتبع في معرفته أحداً (غير أهل الفن) الماهرينْ به إن وجدتهم، وإلا فكتبهم لأنَّ من لم يكن من أهله أخطأ في تصرفه، وإذا كان الأصمعي مع جلالته يقول: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ، ولكن العرب تزعم أن السَّقَبَ اللزيقُ فكيف بغيره ممن لا يعرف بالفن؟ أم كيف بما يُرَى من ذلك بهوامش الكتب مما يجهل كاتبه؟ بل شَرَطَ بعضهم فيمن يقلد اطلاعه على أكثر استعمالات ألفاظ الشارع حقيقة ومجازاً، فقال: ولا
стр. 597
يجوز حمل الألفاظ الغريبة من الشارع على ما وجد في أصل كلام العرب، بل لا بد من تتبع كلام الشارع، والمعرفة بأنه ليس مراد الشارع من هذه الألفاظ إلا ما في لغة العرب، وأما إذا وجد في كلام الشارع قرائن بأن مراده من هذه الألفاظ معان اخترعها هو فيحمل عليها، ولا يحمل على الموضوعات اللغوية كما هو في أكثر الألفاظ الواردة في كلام الشارع.
انتهى. وهذا هو المسمى عند الأصوليين بالحقيقة الشرعية. قاله السخاوي.
(وخيره) مبتدأ أي أحسن ما فسر به الغريب (ما) موصولة خبر المبتدإ أي التفسير الذي (جاء) أي ورد مبيناً (من طريق) أخرى، كالدخ بضم الدال، وحكى فتحها، الوارد في القصة المشهورة لابن صياد، فإنه جاء مفسراً في رواية أخرى بأنه الدخان، ووهم من فسره بالجماع.
(أو) جاء (عن الصحابي) راوي ذلك الحديث (أو) عن (راو) آخر غير الصحابي، والواو بمعنى أو، وقوله: (قد حكوا) جملة مستأنفة، أي حكى العلماء أن هذه الوجوه كلها من خير ما فسر به الغريب.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب: قوله: وابن الأثير الآن البيت ....
وقوله: أو عن الصحابي وراو قد حكوا.
стр. 598
(المُصَحَّفُ وَالمُحَرَّفُ)
الواقعان في المشتبه من السَّند والمتن، أي هذا مبحثهما، وهما النوع السادس والأربعون والسابع والأربعون، ولكونهما تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها كانا فنًّا مهماً لا ينهض بأعبائهما إلا الحفاظ الحذاق، كالدارقطني وأبي أحمد العسكري كما أشار إليه بقوله:
٦٢٧ - وَالْعَسْكَرِيْ صَنَّفَ فِي التَّصْحِيفِ ... وَالدَّارَقُطْنِيْ أَيَّمَا تَصْنِيفِ
(والعسكري صنف) مبتدأ وخبر، أي الإمام اللغوي الحجة أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفى في صفر سنة ٢٨٣، (في) فن (التصحيف) والتحريف وشَرْحِ ما يقع فيه، وهو من أنفس الكتب وأكثرها فائدة كما قاله ابن شاكر.
وقال السخاوي: له عدة كتب أكبرها لسائر ما يقع فيه التصحيف من الأسماء والألفاظ غير مقتصر على الحديث، ثم أفرد منه كتاباً يتعلق بأهل الأدب وهو ما يقع فيه التصحيف من ألفاظ اللغة والشعر وأسماء الشعراء أو الفرسان، وأخبار العرب وأيامها، ووقائعها، وأماكنها، وأنسابها.
ثم آخر فيما يختص بالمحدثين من ذلك غير متقيد بما وقع فيه التصحيف فقط بل ذكر فيه ما هو معرض لذلك، وفي بعض المحكي مما وقع لبعض المحدثين ما يكاد اللبيب يضحك منه. اهـ.
стр. 599
(والدارقطني) عطف على الضمير في صنف هو الإمام الحافظ نَسِيج وحده، وقَرِيع دهره في صناعة الحديث، ومعرفة رجاله، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي المتوفى سنة ٣٨٥ عن ٧٩ سنة، منسوب إلى دارقطن محلة ببغداد.
وقوله: (أيما تصنيف) بالنصب وما زائدة صفة لمحذوف أي تصنيفاً كاملًا في بابه، قال ابن هشام في المغني في أثناء تعداد معاني أي: والرابع أن تكون دالة على معنى الكمال فتقع صفة للنكرة نحو زيد رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي كامل في صفات الرجال، وحالاً للمعرفة كمررت بعبد الله أيَّ رجل اهـ.
والمعنى: أنه صنف في هذا الفن كتاباً مفيداً جِدًّا قال الناظم: أورد فيه كل تصحيف وقع للعلماء حتى في القرآن، من ذلك: ما رواه عن عثمان بن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير جعل السفينة في رحل أخيه، فقيل له: إنما جعل السقاية فقال أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم.
وقرأ أيضاً (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) قالها ألف لام ميم، يعني: كأول البقرة، قال الذهبي: لعله سبق في لسانه وإلا فقطعاً أنه يحفظ سورة الفيل.
وقرأ أيضاً فضرب لهم بِسِنَّورٍ لَهُ نَابُ فردوا عليه فقال: قراءة حمزة عندنا بدعة، قال الذهبي: فكأنه كان صاحب دعابة ولعله تاب وأناب.
ثم بيّن معنى التصحيف والتحريف فقال:
٦٢٨ - فَمَا يُغَيَّرْ نُقْطُهُ مُصَحَّفُ ... أَوْ شَكْلُهُ لا أَحْرُفٌ مُحَرَّفُ
(فما) الفاء فصيحية، وما شرطية لجَزْمِ الفعل بعدها، مبتدأ (يغير) بالبناء للمفعول (نقطه) نائب فاعله، وهو بضم ففتح جمع نقطة كغرفة وغرف، إلا أنه خففه بتسكين القاف للوزن، أي أيُّ حَرْفٍ غُيِّرَت نُقْطَةٌ من نُقَطِهِ (مصحف) خبر لمحذوف مع الرابِطِ، أي فهو مصحف بصيغة اسم المفعول.
стр. 600
(أو شكله) بالرفع عطف على نقطه، أي أو غير شكله أي حركاته، يقال: شَكَلْت الكتاب شَكْلًا من باب قتل أعلمته بعلامات الإعراب، قاله في المصباح. (لا أحرف) أي ليست الأحرف منه مغيرة (محرف) أي فهو محرف.
وحاصل معنى البيت: أن ما كان فيه تغيير حرف أو حروف بتغيير النقط مع بقاء صورة الخط يسمى تصحيفاً، وما كان فيه ذلك في الشكل يسمى خريفاً، وستأتي أمثلة كل منهما وهكذا قسمه الحافظ ﵀.
ثم ذكر أقسامه فقال:
٦٢٩ - فَقَدْ يَكُونُ سَنَدًا وَمَتْنَا ... وَسَامِعًا وَظَاهِرًا وَمَعْنَى
(فقد يكون) أي المذكور من التصحيف والتحريف (سنداً) أي فيه (ومتناً) أي فيه ويكون أيضاً (سامعاً): أي خَطَأ سَمْعِ سَامِعِ، وذلك بأن يكون الاسم واللقب، أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخَرَ ولَقَبِهِ، أو اسم آخر واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلًا ونقطاً فيشتبه على السامع فيغيره (و) يكون أيضاً (ظاهراً) يعني: لفظاً بدليل ما بعده (و) يكون (معنى) أي من جهة المعنى، قال المحقق: لكنه ليس من التصحيف على الحقيقة بل هو من باب الخطأ في الفهم.
ثم ذكر أمثلة هذه الأقسام بالترتيب فقال:
٦٣٠ - فَأَوَّلٌ: " مُرَاجِمٌ " صَحَّفَهُ ... يَحْيَى " مُزَاحِمًا " فَمَا أَنْصَفَهُ
(فأول) الفاء فصيحية أي إذا أردت أمثلة هذه الأقسام، فأقول لك: (أَوَّلٌ) منها وهو مبتدأ على حذف مضاف أي مثال أول، وهو التصحيف في السَّند (مراجم) بضم الميم فراء فجيم والد العَوَّام، وابنُهُ هذا يروي عن أبي عثمان النَّهْدِيّ وروى عنه شعبة.
(صحفه) أي مراجماً هذا (يَحْيَى) بن معين بن عَوْن الإمام الجليل، إمام الجرح والتعديل المتوفى سنة ٢٣٣ فجعله (مزاحماً) بالزاي والحاء