بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ـ[شرح الأثيوبي على أَلْفِيَّةِ السُّيوطي في الحديث]ـ
الكتاب: شرح الأثيوبي على أَلْفِيَّةِ السُّيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوَطَر بشرح نظم الدُّرَر في علم الأثر
المؤلف: محمد بن علي بن آدم بن موسى الأثيوبي الولوي
الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م
عدد الأجزاء: ٢
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(مقدمة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه الذي رفع من وقف تحت أمره ونهيه إلى أوج الكمال، ووصل من انقطع إليه بصلة فاخرة في الحال والمآل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المرسل بصحيح الأقوال والأفعال، الذي بلغ حسن حديثه مبلغ الإعجاز والكمال، وعلى آله المدرجين في سلسلة هديه التي لا انفصام لها ولا انفصال، وعلى أصحابه الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم في مرضاته تعالى، من غير ضعف ولا اعتلال، وعلى التابعين لهم السالكين طريقهم بلا قلب ولا اضطراب بل ساروا باعتدال.
أما بعد فقد كنت شرعت في شرح المنظومة المسماة نظم الدرر في علم الأثر للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الخضيري (١)، السيوطي الشافعي، المولود ليلة الأحد مستهل رجب سنة ٨٤٩ هجرية والمتوفي سحر ليلة الجمعة ١٩ جمادى الأولى سنة ٩١١ هجرية وعمره ٦١ سنة و١٠ أشهر و١٨ يوماً.
شرحاً وسطاً، غير أن الاشتغال بأشغال تعوقني (٢) عن مواصلة السير على منهجه أحوجني (٣) لصرف عنان العزم نحو اختصاره، مُسَدِّداً الأنظار
стр. 3
في ترصيف اقتصاره، تعجيلاً للمنفعة الهامة، وتحقيقاً للمسرة العامة، والله أرجو في تسهيل ما أملته من الشرحين، من غير فتور ولا شين، إنه ولى ذلك، وهادي السالك، وما توفيقي إلا باللَّهِ، عليه توكلت وإليه أنيب، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّهِ العلي العظيم.
(وسميته إسعافَ ذوي الوطر، بشرح نظم الدرر، في علم الأثر)
واللَّهَ أسأل القبول، وحسن الختام؛ إذ هما غاية ما يطلب من الهمام.
(تنبيهٌ): وإرشادٌ إلى بعض المصطلحات في هذا الشرح:
(ت): إشارة إلى تقريب التهذيب للحافظ ابن حجرٍ. المتوفي سنة ٨٥٢.
(ق): إشارة: إلى القاموس المحيط، لمجد الدين، محمد بن يعقوب، الفيروز آبادي، اللغوي، ت ٨١٧ هـ.
(تاج): إشارة إلى تاج العروس، شرحه، للعلامة السيد محمد مرتضى الزبيدي، ت ١٣٠٥ هـ.
(المصباح): هو المصباح المنير، للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقري، ت ٧٧٠ هـ.
(لسان): هو لسان العرب، للعلامة اللغوي، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرَم بن منظور، الإفريقي، المصري، ت ٧١١ هـ.
(اهـ): إشارة إلى أنه انتهى الكلام المنقول.
وإذا قلت قاله فلان، أو انتهى كلام فلان، أو قال فلان: كذا، ثم كتبت في آخره (اهـ) فالكلام منقول بنص لفظه غالباً، وإذا قلت أفاده فلان فهو مما نقل بالمعنى واللَّه أعلم.
стр. 4
قال رحمه اللَّه تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقتداء بالكتاب العزيز، واقتفاء لآثار نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، حيث بدأ بها كتبه إلى الآفاق، كما بُين ذلك في الصَّحِيحين، وغيرهما، وعملاً بخبر أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أقطع، قال النووي ﵀: هذا الحديث حسن اهـ. وصححه ابن حبان وأبو عوانة قاله البدر العيني وضعفه الحافظ ابن حجرٍ، وقد أطال الكلام عليه تاج الدين السبكي في أول طبقات الشافعية. والكلام على البسملة طويل قد أفرده بعض العلماء بتأليف مستقل.
ثم أتبع البسملة بالحمدلة لكونها من مطلوبات الابتداء فقال
١ - للهِ حَمْدِي وإلَيهِ أَسْتَنِدْ ... وما يَنوبُ فَعَلَيْهِ أَعْتَمِدْ
(للهِ) خبر مقدم لقوله (حمدي) من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ثنائي بالجميل الاختياري على وجه التبجيل والتعظيم كائن للَّه تعالى، وقدم الخبر لإفادة الحصر. (وإليه) تعالى متعلق بقوله: (أستند) أي ألتجيء في تسهيل نظم هذه الألفية، أو هو عام، وفيه إشارة إلى براعة الاستهلال: وهو ذكر الشخص في أول كلامه ما يشعر بمقصوده ويُسمَّى براعة المطلع ومقابله يسمى براعة الاختتام وبراعة المقطع (وما) موصولة
стр. 5
مبتدأ أي الذي (ينوب) أي يصيبني من العوائق عن تكميل المقصود وقوله (فعليه) تعالى وحده (أعتمد) أي ألتجئ يقال اعتمدت على الشيء اتكأت عليه، قاله في المصباح. خبر المبتدإ. والمعنى: أن الذي يصيبني من العوائق فاعتمد على الله وحده في دفعه ويحتمل كون (ما) منصوباً بنزع الخافض أي فيما ينوبني أي في دفعه والفاء على الأول دخلت في الخبر لما في المبتدإ من معنى العموم وعلى الثاني زائدة ثم إن الاستناد والاعتماد إما مترادفان أو الثاني أخص وهو الأنسب لأن الناظم قيده بما ينوبه، ثم ثلث بذكر الصلاة والسلام على النبي ﷺ ، لأنها سنة العلماء فقال
٢ - ثمَّ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدِ ... خَيْرُ صَلاةٍ وسَلامٍ سَرْمَدِ
(ثم) للترتيب الرتبي، لأن رتبتها بعد الحمد، (على نبيه) بالهمزِ، وتركه، قراءتان سبعيتان من النَّبَاءِ وهو الخبر أو النَّبْوة (١) وهي الرفعة، فعيل بمعنى فاعل، أو مفعول، لأنه مخبر عن اللَّه، أو مرفوع الرتبة، أو رافع رتبة من تبعه، وهو خبر مقدم، وقوله: (محمد) صفة أو بدل أو عطف بيان ويجوز قطعه (خير صلاة) مبتدإ مؤخر أي أفضل صلاة وهي من اللَّه الرحمة المقرونة بالتعظيم وفضائلها شهيرة في الأحاديث الصحاح، وأما فضل كتابتها فلم يصح، بل قيل بوضعه. (و) خير (سلام) أي تسليم من الآفات المنافية لغاية الكمالات، وأتى به فراراً من كراهية الإفراد لأحدهما عن الآخر، لأن الآية قرنت بينهما، وأما إفرادها في الصلاة الإبراهيمية فلتقدمه في التشهد، وخص الحافظ ﵀ الكراهة بمن جعله دَيْدَناً له لوقوع (٢) ذلك في كلام الشافعي ومسلم، والشيخ أبي إسحاق وغيرهم، قاله السخاوي (سرمد) بالجر نعت لسلام حذف مثله من صلاة قال في التاج: السرمد الدائم الذي لا ينقطع، واشتقاقه من السرد، وهو التوالي، والتعاقب، ولما كان الزمان إنما
стр. 6
يبقى بتعاقب أجزائه، وكان ذلك يسمى بالسرد، أدخلوا عليه الميم الزائدة، ليفيد المبالغة في ذلك، فوزنها فعمل. اهـ. باختصار. ثم تحدث عن منظومته فقال:
٣ - وهذهِ أَلْفيَّةٌ تَحكِى الدُّرَرْ ... منظومةٌ ضَمَّنْتُها عِلْمَ الأَثَرْ
٤ - فائِقةٌ أَلْفيَّةَ العِرَاقِي ... فِي الجَمْعِ والإِيجازِ وَاْتِّسَاقِ
٥ - واللهُ يُجْرِيْ سابِغَ الإِحْسانِ ... لِيْ وَلَهُ ولِذَوِيْ الإِيْمَانِ
(و) بعد ما تقدم فأقول: (هذه) إشارة إلى المعاني الحاضرة في الذهن، تقدمت الخطبة، أو تأخرت، وفيه احتمالات أُخر مذكورة في المطولات، وهو مبتدأ خبره قوله: (ألفية) أي أرجوزة منسوبة إلى ألف إن كانت من كامل الرجز، أو إلى ألفين إن كانت من مشطوره، ولا يرد عليه ما فيه من اللبس، لأنهم لا يبالون به في النسب قال ابن مالك:
وَعَلَمَ التَّثْنِيَةِ احْذِفْ لِلنَّسَبْ ... وَمْثلُ ذَا فِي جَمْعِ تَصْحِيحٍ وَجَبْ
(تحكى) أي تشابه (الدرر) جميع درة وهي اللؤلؤة العظيمة الكبيرة أي تشابهها في النفاسة وعزة الوجود ورفعة القيمة صفة لألفية. (منظومة) صفة كاشفة بعد صفة، أو حال، (ضمنتها) أي جعلت فيها (علم الأثر) يقال: ضمنت الشيء كذا: أي جعلته محتوياً عليه فتضمنه، أي فاشتمل عليه، واحتوى قاله في المصباح، وهو من باب جعل المدلول في الدال، أو جعل الجزء في الكل، قاله الشارح (١). وقوله: علم الأثر أي مسائله وهو من إضافة العام إلى الخاص كشجر أراك. والأثر بفتح الهمزة والثاء لغة بقية الشيء واصطلاحاً الأحاديث مرفوعة كانت أو موقوفة على المعتمد، ومنه شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي، لاشتماله عليهما وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف كما سيأتي قاله السخاوي.
стр. 7
وعلم الأثر: أي الحديث يطلق على معنيين: علم الحديث دراية، وعلم الحديث رواية، والأول هو المقصود هنا، ويُسمَّى علم مصطلح الحديث، وعلم مصطلح الأثر، وهو علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث برسول الله ﷺ ، من حيث أحوالُ نقلتِها ضبطاً وعدالة، ومن حيث كيفية السَّند اتصالاً وانقطاعاً، وغير ذلك. والجملة صفة بعد صفة لألفية أو حال منها.
(تنبيه): اشتهرت هذه الألفية باسم ألفية السيوطي في علم الحديث، وسماها الشارح الترمسي - وهو المراد عند إطلاق اسم الشارح في هذا الشرح - بمنظومة علم الأثر، والذي رأيته عن بعض المحققين نقلًا عن حسن المحاضرة للناظم أنه سماها نظم الدرر، في علم الأثر، وهذا هو الذي ينبغي اعتماده لكونه منقولًا عن المؤلف فتنبه.
(فائقة) بالرفيع أو بالنصب كمنظومة من فاق الرجل أصحابه يفوقهم فَضَلَهُم ورجَحَهُم أو غَلَبَهم قاله في المصباح. (ألفية) العراقي بالنصب مفعول به لفائقة والعراقي: هو الإمام الحافظ الأثري زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي، نسبةً إلى عراق العرب، وهو القطر الأعم، المتوفي سنة ست وثمانمائة، عن أزيد من إحدى وثمانين سنة، (في الجمع) للأنواع متعلق بفائقة. (والإيجاز) للألفاظ مع كثرة المعاني. (واتساق) أي انتظام بعضها مع بعض على وجه المناسبة، وإنما لم يفعل العراقي ذلك مسايرة لأصله مقدمةِ ابن الصلاح، فإنه أملاها شيئاً فشيئاً، ورأى إلقاءها كذلك خيراً من طلب حسن الترتيب، لأنه يحتاج إلى فراغ كثير، لجمعه ذلك من متفرقات كتب من تقدمه كتصانيف الخطيب.
(واللهُ) مبتدأ خبره قوله: (يُجري) من الإجراء بالراء، وجوز الشارح كونه من الجزاء، لكن يحتاج إلى إثبات نقله من الناظم، (سابغ الإحسان) بالنصب مفعولٌ به ليُجرِي وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الإحسان السابغ، أي التام المتسع، يقال: سبغت النعمة سبوغا
стр. 8
اتسعت، وأسبغها الله أفاضها، وأتمها، قاله في المصباح، والمراد به الجنة، (لي) متعلق بيُجْرِي، بدأ بنفسه لأنه السنة. (وله) أي للعراقي دعا له لأنه مُرشِدُه إلى هذا التأليف حيث اقتدى به (ولذوي) أي أصحاب (الإيمان) أي التصديق الجازم بكل ما عُلم مجيئه ﷺ به بالضرورة إجمالًا في الإجمالي، وتفصيلاً في التفصيلي، وعَمَّمَ بالدعاء لهم لأنه من أسباب الإجابة كما جاء في الحديث.
стр. 9
(حد الحديث وأقسامه)
أي هذا مبحث حد الحديث، ومبحث أقسامه، والحدُّ لغة المنع, واصطلاحاً ما يميز الشيءَ عما عداه، وقدَّمَ البحث عنه ليكون الشارع في الفن على بصيرة، لئلا يضل سعيه, إذ لو اندفع إليه قبل ذلك لم يَأمَنْ فواتَ المطلوب، وَضَيَاعَ الوقت في غير مرغوب، وهو ترجم لشيئين، وذكر معهما، غيرهما زيادةً في الإفادة، لأنه ذكر الموضوع والفائدة وتعريف السَّند والمتن، وغير ذلك ... وذلك واقع في كلام البلغاء نَظِيرَ حديثِ: هو " الطَّهُور ماؤه الحِل ميتته ". قال ﵀:
٦ - عِلمُ الحديثِ: ذُو قوانِينْ تُحَدْ ... يُدْرَى بِها أَحْوَالْ مَتْنٍ وَسَنَدْ
٧ - فَذَانِكَ الموضوعُ، والمقصودُ ... أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والمَردُودُ
(علم) مصطلح أهل (الحديث) مبتدأ خبره قوله (ذو) أي صاحب (قوانين) جمع قانون وهو القاعدة. (تُحَدْ) أي تُعَرَّف تلك القوانين بأنها (يدرى) أي يعرف (بها) أي بتلك القوانين (أحوال متن) للحديث من صحة، وحسن، وضعف، ورفع، ووقف، وغير ذلك، مما يأتي. (و) أحوالُ (سند) له من صفات رجاله، وكيفية التحمل، والأداء، وغير ذلك مما سيأتي أيضاً. والجملة صفة قوانين، (فذانك) أي المتن والسَّند تثنية ذا وعود الإشارة إلى المضاف إليه قليل كما عاد الضمير إليه في قوله تعالى ﴿ادْخُلُوا
стр. 10
أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أفاده بعض (١) المحققين الأعلام. وهو مبتدأ خبره قوله (الموضوع) أي موضوع علم الحديث دراية، وهو مصطلح الحديث، وموضوعُ كُل علم ما يبحثُ فيه عن عوارضه الذاتية، فموضوع علم مصطلح أهل الحديث المتن والسَّند، وأما موضوع الحديث رواية فهو ذات رسول الله ﷺ من حيث إنه رسول الله ﷺ كما قاله بعضهم.
(والمقصود) أي الفائدةُ والغاية من علم الحديث هذا، وهو مبتدأ، خبره (أن يعرف المقبول) من الحديث ليعمل به (والمردود) منه ليجتنب، لأنه إن وجدت فيه صفة القبول يؤخذ به، وإلا فلا.
وقد ذكر ﵀ من المبادئ العشرة (٢) هنا ثلاثة الحدَّ والموضوعَ والفائدة، لأنها المهم جداً. قال ﵀:
٨ - والسَّندُ: اْلإِخْبارُ عنْ طَرِيقِ ... مَتْنٍ كَاْلاِسْنادِ لَدَى فَرِيقِ
(والسَّند) المتقدم ذكره مبتدأ خبره قوله (الإخبار) بكسر الهمزة مصدراً (عن طريق متن) متعلق بالإخبار، أو بمحذوف حال من الإخبار، أي حال كونه ناشئاً عن طريق متن. والمعنى: أن السَّند هو إخبار المحدث بالحديث ذاكراً طريقه أخذاً مما ارتفع من سفح الجبل لأن المسند يرفعه إلى قائله, أو من قولهم فلان سَنَدٌ: أي معتمد سُمِّيَ به لاعتماد الحفاظ عليه في صحة الحديث وضعفه. وأما الإسناد فهو وفع الحديث إلى قائله، وهو متقارب مع السَّند في الاعتماد. وقال بعضهم هما شيء واحد وإليه أشار بقوله: (كالإسناد) خبر لمحذوف أي هو - أي السَّند - كائن كالإسناد من حيث
стр. 11
المعنى (لدى فريق) بالتنكير، وفي نسخة بالتعريف، أي عند طائفة من علماء الحديث.
٩ - وَالْمَتْنُ: ما انْتَهَى اِلَيْهِ السَّنَدُ ... مِنَ الْكَلامِ، والحديثَ قَيَّدُوا
١٠ - بِما أضيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلاً أوْ ... فِعْلاً وَتَقْرِيراً وَنَحْوَهَا حَكَوْا
(والمتن) بفتح فسكون مبتدأ خبره قوله (ما انتهى إليه السَّند) أي ما بلغ إليه السَّند من النهاية، يقال: انتهى الأمر إذا بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه، قاله في المصباح. (من الكلام) بيان لما وهو مشتق من المماتنة وهي المباعدة في الغاية لأنه غاية السَّند، أو من متنت الكبش إذا شَقَقْتَ جِلدةَ بيضته، واستخرجتها، فَكأنَّ المسِندَ استخرج المتن بسنده، أو من المُتْن بالضم وهو ما صلب وارتفع من الأرض لأن المسند يقويه بالسَّند، ويرفعه إلى قائله، أو من تَمْتِين القوسِ أي شدها بالعَصَبِ لأن المسند يقوي الحديث بسنده، (والحديثَ) مفعول مقدم لقوله: (قيدوا) , وفي نسخة حددوا، أي العلماء بقولهم (ما أضيف للنبي) أي أسند ورفع إلى النبي ﷺ ، وهو لغة ضد القديم استعمل في قليل الخبر وكثيره، لأنه يَحْدُثُ شيئاً فشيئاً، واصطلاحاً ما ذكره في النظم بقوله: ما أضيف إلى النبي ﷺ .
(قولا) كقوله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " , ونُصِبَ على الحالية، أو خبراً لكان المحذوفة أي سواء كان قولا له، أو مفعولا لفعل محذوف، أي أعني قولا. وقولُه: (أو فعلا) عطف عليه، كصلاته ﷺ على الراحلة حيث ما توجهت به، وقوله: (وتقريرا) عطف على قولاً، والواو بمعنى أو، كتقريره ﷺ خالدَ بن الوليدِ في أكله الضبَّ عنده. قوله (ونحوها) عطف على قولا، أو مفعول مقدم لقوله (حكوا) وفي نسخة رووا، أي حكى ذلك العلماء الحفَاظُ، والجملة على الأول مستأنفة أتى بها تتميماً للقافية. ومثالُ النحوِ أوصافُهُ ﷺ الخَلْقية بالفتح ككونه أبيض ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المُشَذَّب، أي المقطوع والخُلقِيَّة بضمتين ككونه لا يواجه أحداً بما
стр. 12
يكْرَهُ، ومنه هَمُّه ﷺ كهمه تنكيس ردائه في الاستسقاء، ودخول مكة من الحديبية، ومعاقبة المتخلفين عن الجماعة بالإحراق.
١١ - وَقِيلَ: لا يَخْتَصُّ بِالمَرْفُوعِ ... بَلْ جَاءَ لِلمَوْقُوفِ وَالمَقْطُوعِ
١٢ - فَهْوَ عَلَى هَذَا مُرادِفُ الْخَبَرْ ... وَشَهَّرُوا رَدْفَ الْحَدِيثِ الأَثَرْ
(وقيل) أي قال بعض علماء هذا الفن (لا يختص) الحديث (بالمرفوع) إلى النبي ﷺ (بل) يعمه وغيره, فإنه (جاء) إطلاقه (للموقوف) أي على الموقوف وهو ما أضيف إلى الصحابي قولا له أو نحوه كما يأتي في محله.
(والمقطوعِ) هو ما أضيف إلى التابعي كذلك (فهو) الفاء فصيحية وهو مبتدأ أي الحديث (على هذا) جار ومجرور حال منه أي حال كونه جاريا على هذا القول الثاني، أو متعلق بما بعده وقوله: (مرادف الخبر) خبر المبتدإ أي مترادف معه. وفي القاموس مع شرحه المترادف: أن تكون أسماء لشيء واحد وهي مولدة، ومشتقة من تراكب الأشياء اهـ.
والمعنى أن الحديث والخبَر على هذا القول بمعنى واحد (وشهَّروا) أي عَدَّ العلماءُ مشهورا (ردف) بالفتح، أي ترادف (الحديث والأثر) أي إتيان كل منهما بمعنى الآخر وكذا الخبر، وفي نسخة وشهَّروا شمول هذين الأثر، والمعنى واحد، وهذا القول هو المختار، وقيل: الخبر ما يروى عن النبي ﷺ ، والأثر عن الصحابة، قيل: والتابعين، ومن بعدهم، وقيل: غيرُ ذلك. (تنبيه) ما ذكر في هذه الأبيات السبعة من زيادات الناظم على العراقي إلا الشطر الأخير.
١٣ - وَالأَكْثَرُونَ قَسَّمُوا هَذِيْ السُّنَنْ ... إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ
(والأكثرون) مبتدأ خبره قوله (قسموا) أَي نوعوا (هذي) اسم إشارة للمؤنث أشار به إلى ما هو معلوم حاضر في ذهن كل أحد. (السنن) جمع سنة بالضم فيهما، وهي لغة الطريقة، واصطلاحاً بمعنى الحديث المتقدم
стр. 13
تعريفه (إلى صحيح وضعيف وحسن) متعلق بقسموا، والمعنى: أن أكثر أهل الحديث قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام صحيح، وضعيف، وحسن.
وانما قيد بالأكثر الذي زاده على العراقي تنكيتاً على من أطلقه، لأن فيه خلافاً فإن بعضهم قال: الحديث صحيح وضعيف فقط، والحسن مندرج في أنواع الصَّحِيح.
وأدرج الضَّعِيف في السنن تغليباً، وإلا فهو لايسمى بسنة، وقدمه على الحسن للضرورة أو لمراعات المقابلة بينه وبين الصَّحِيح، أو لملاحظة صنع الأكثرين. ثم ذكر القسم الأول بقوله:
стр. 14
(الصَّحِيح)
أي هذا مبحثه وهو الأول من أنواع علوم الحديث وهو لغة ضِدُّ السقيم وقدمه لشرفه.
١٤ - حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِهِ ... بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطٍ عَنْ مِثْلِهِ
(حد الصَّحِيح) اصطلاحاً (مسند) أي حديث مرفوع إلى قائله (بوصله) أي مع وصل سنده، أو بسبب وصله، فخرج به المنقطع, والمعضل، والمرسل، والمعلق، على تفصيل يأتي، (بِنَقْلِ عَدْلٍ) أي مع نقل عدل، أو بسبب نقله، وهو: من له مَلَكَة تحمله على ملازمة التقوى, والمرؤة، وخرج به ما في سنده ضعيف، أو مجهول، (ضابط) أي حازم ضَبْطَ صدرٍ، وهو اثبات ما سمعه حتى يتمكن من استحضاره متى شاء حتى يؤديه، وضبط كتاب وهو صونه عن تطرق الخلل إليه من حين سماعه إلى وقت أدائه. والمراد تمامُ الضبط لئلا يدخل في التعريف الحسن لذاته, وخرج به ما في سنده راوٍ مُغَفلٌ كثيرُ الخطأ في روايته، وإن عُرِفَ بالصدق, والعدالة. وقوله: (عن مثله) أي عن العدل الضابط تصريح بما فهم مما قبله توضيحا.
وحاصل معنى البيت أن حد الصَّحِيح هو الحديث الذي اتصل إسناده مع عدالة ناقله وضبطه.
стр. 15
١٥ - ولَمْ يَكُنْ شَذَّ وَلا مُعَلَّلا ... والحُكْمُ بِالصَّحَةِوَالضَّعْفِ عَلَى
١٦ - ظاهِرِهِ، لاالقَطْعِ، إِلاَّ مَاحَوَى ... كِتابُ مُسلِمٍ أَوِ الجُعْفِي سِوَى
١٧ - ما انْتَقَدُوا فَابْنُ الصَّلاحِ رَجَّحَا ... قَطْعًا بِهِ، وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا
١٨ - والنَّوَوِيْ رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ ... ظَنًّا بِهِ، وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبِ
(ولم يكن) الحديث المذكور (شَذَّ) فعل ماض خبر يكن وقوله (ولا معللا) عطف على الخبر، والجملة عطف على خبر المبتدإ والمعنى: أن الحديث المذكور غير شاذ، وهو ما يخالف فيه الثقة من هو أرجح منه، ولا معللٌ، وهو ما ظاهره الصحة، وبعد التفتيش اطلع على علة قادحة فيه فخرج الشَّاذ، والمعلل، والحاصل أن شروط الحديث الصَّحِيح خمسة: اتصال السَّند، وعدالة الناقل، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، فإذا حصلت هذه الشروط حكمنا له بالصحة، وها هنا فوائد مهمة ذكرتها في الشرح الكبير ثم إن هذا الحكم على الظاهر لا على نفس الأمر، كما ذكره بقوله (والحكم) مبتدأ (بالصحة) متعلق به أي وكذا بالحسن (والضعف) بالفتح والضم (على ظاهره) جار ومجرور خبر المبتدإ، أي حكم المحدثين على الحديث بالصحة والضعف وكذا الحسن فيما يظهر لهم عملا بظاهر الإسناد، حيث اجتمعت فيه الشروط. (لا القطع) مجرور عطفاً على ظاهِرهِ أي ليس الحكم على القطع في نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، والصدق والإصابة على الكاذب، ومن هو كثير الخطأ.
وحاصل المعنى: أنه إذا قيل هذا الحديث صحيح فمعناه أنه اتصل سنده مع باقي الشروط المذكورة فيجب العمل به عملاً بظاهر الإسناد وكذا الحسن، وإذا قيل هذا حديث ضعيف فمعناه أنه لم يصح سنده على الشروط المذكورة فلا يعمل به وليس المراد أنه كذلك في نفس الأمر.
وهذا هو الصَّحِيح عند أكثر أهل العلم وقيل: إن خبر الواحد يوجب العلم، ثم ذكر استثناء أحاديث الشيخين أو أحدهما بقوله:
(إلا ما) أي الحديث الذي (حوى) أي جمعه يقال حويت الشيء
стр. 16
أحويه حواية بالفتح، واحتويت عليه إذا ضممته واستوليت عليه اهـ المصباح. (كتاب) بالرفع فاعل حوى الإمامِ الحافظ الحجةِ أبي الحسين (مسلم) بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد سنة أربع ومائتين, وتوفي في الخامس والعشرين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين، وقدم مسلماً مع أن عادتهم تقديم البخاري لجلالته، للنظم، (أو) بمعنى الواو, أي وكتاب الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه (الجعفي) بضم الجيم وسكون العين، وخفف الياء هنا للوزن نسبة إلى يمان الجعفي وَالِي بُخَارَى ونسب إليه البخاري لأن المغيرة جده الأعلى أسلم على يديه فنسب إليه نِسبَةَ ولاء، ولد ﵀ يوم الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي يوم السبت غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين، عن اثنتين وستين سنة، إلا ثلاثة عشرة يوماً. وقد جمع بعضهم ميلاده وعمره وموته رامزاً في بيتين فقال من الكامل:
كَانَ البُخَارِيُّ حَافِظاً وَمُحَدِّثاً ... جَمَعَ الصَّحِيحَ مُكَّمِّلَ التَّحْرِيرِ
مِيلاَده (صِدقٌ) (١) وَمُدَّةُ عمرِهِ ... فِيهَا (حَمِيدٌ) (٢) وَانْقَضَى فيِ (نُورِ) (٣)
ثم إن هذا الاستثناء ليس على إطلاقه، بل هو لما لم ينتقد عليهما, وأما ما انتقد عليهما فأشار إليه بقوله:
(سوى ما) أي غيرَ الحديث الذي (انتقدوا) أي اعترض العلماء النُّقَّادُ على هذين الكتابين، كالدارقطني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي علي الغَسَّاني الجَيَّاني، وهي قليلة سيأتي عددها.
стр. 17
(فا) الإمام الحافظ تقى الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهْرَزُوِري، ثم الدمشقي المعروف بابن (الصلاح) لقبُ أبيه صلاح الدين. توفي ابن الصلاح ﵀ سنة إحدى وأربعين وستمائة. (رجحا) بألف الإطلاق من الترجيح يقال رجحت الشيء بالتثقيل فضَّلتُة وَقوَّيتُهُ. اهـ. المصباح. (قطعا) مفعولُ رجَّحَ، أي إفادة قطع (به) أي بما حواه الكتابان, والمعنى: أن الإمام ابن الصلاح ﵀ رجح إفادة ما في هذين الكتابين مما لم ينتقد عليهما العلم اليقيني النظريَّ المقطوع بصدقه. وهذا دون التعليقات والموقوفات والمقاطيع فسيأتي حكمها. (وكم) خبرية بمعنى كثير مبتدأ (إمام) مضاف إليه (جنحا) أي مال إليه، والألف إطلاقية. والجملة خبر (كم)، أي كثير من الأئمة مال إلى رأي ابن الصلاح، فمنهم من سبقه كالإمام محمد بن طاهر المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف، ومنهم من أتى بعده كالإمام ابن كثير، والناظم كما يأتي، وحكى ابن كثير أن الإمام ابن تيمية ﵀ حكى ذلك عن أهل الحديث، وعن السلف وجماعة من الشافعية، والحنابلة، والأشاعرة والحنفية، وغيرهم.
(والنووي) بتخفيف الياء للوزن مبتدأ وهو الإمام محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مُرِّي الحِزاميُّ الشافعي المولود سنة إحدى وثلاثين وستمائة، والمتوفى ليلة الأربعاء رابع عشر رجب سنة ست وسبعين وستمائة على المشهور، عن خمس وأربعين سنة، رحمه الله تعالى.
(رجح في التقريب) خبر المبتدإ أي قَوَّى في كتابه المسمى بالتقريب، المختصرِ من الإرشاد له المختصرِ من علوم الحديث لابن الصلاح. (ظناً) مفعول رجح أي إفادَةَ ظنِّ (به) متعلق بظن أي بما حواه الكتابان قال ﵀: خالف ابنَ الصلاح المحققون والأكثرون فقالوا يفيد الظن ما لم يتواتر قال لأن ذلك شأن الآحاد، ولا فرق في ذلك بين الشيخين وغيرهما لكن الصواب ما تقدم لابن الصلاح كما أشار إليه الناظم بقوله: (والقطع ذو تصويب) مبتدأ وخبر، أي القول بإفادة ما في هذين الكتابين القطعَ بصدقه صاحبُ صواب، يقال: صوبت قوله قلت إنه
стр. 18
صواب، والصواب ضد الخطأ أفاده في المصباح، فتصويب بمعنى صواب إطلاقاً للمسبب على السبب.
وحاصل المعنى: أن القول بالقطع وهو قول ابن الصلاح هو الصواب.
قال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عَوَّل عليه، وأرشد إليه، وقال الناظم: وهو الذي أختارُه ولا أعتقد سواه. اهـ. تدريب.
ثم إن ما ذكر من الشروط الخمسة للصحيح هو المعول عليه، وزاد عليه بعض من لا يعتد بقوله اشتراط تعدد الرواة وإلى رد ذلك أشار بقوله:
١٩ - وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ ... رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَلَطَ
(وليس شرطاً) خبر ليس مقدم على اسمها وهو (عدد) أي رواية متعدد أي ليس تعدد الرواة شرطاً في صحة الحديث بل المعتبر فيه هي الشروط الخمسة المتقدمة سواء رواه متعددون، أم لا؟ (ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ (شرط) من بابي ضرب وقتل، في صحة الحديث (روايةَ اثنين) من الرواة (فصاعداً) أي حال كونه زائداً على ذلك (غلط) بكسر اللام جواب الشرط، أو خبر المبتدإ يقال: غَلِطَ في منطقه كفَرِح أخطأ وجهَ الصواب، لكن يلزم على هذا عيب السناد، وهو وإن كان جائزاً للمولدين فالأولى جعل غلط بفتح اللام مصدراً على حذف مضاف خبر مبتدأ محذوف مع الرابط أي فهو ذو غلط، هذا في الشوطية، وأما في الموصولة فهو خبرُ مَن على حذف مضاف أيضاً أي الذي شرط في صحة الحديث رواية راويين فصاعداً ذو غلط. وهذا القول. محكي عن ابن علية، وبعض المعتزلة.
٢٠ - والوَقْفُ عَنْ حُكْمٍ لِمَتْنٍ أَوْ سَنَدْ ... بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطلَقًا أَسَدْ
(والوقف) مبتدأ أي التوقف (عن حكم) متعلق به (لمتن أو سند) متعلق بحكم (بأنه أصح) من غيره متعلق بحكم أيضاً (مطلقاً) حال من حكم أي حال كون الحكم على سبيل الإطلاق أي من غير تقييد بصحابي
стр. 19
أو بلد مثلا (أسد) خبر المبتدإ، أي أكثر سَدَاداً بالفتح وهو الصواب، ومعنى البيت: أن التوقف عن الحكم لأي متن كان أو أي سند بكونه أصح على الإطلاق هو الصواب والمختار من أقوال المحدثين، وذلك لأن تفاوت مراتب الصحة مرتب على تمكن الإسناد من شروط الصحة. وَيعِزُّ وجود أعلى درجات القبول في كل واحد من رجال الإسناد الكائنين في ترجمة واحدة، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك إذ لم يكن عندهم استقراء تام وإنما رجح كل منهم بحسب ما قَوِيَ عنده خصوصاً إسناد بلده لكثرة اعتنائه به، وخلاف الصواب ما ذكره بقوله:
٢١ - وآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا ... لِفَوقِ عَشْرٍ ضُمِّنَتْهَا الْكُتُبُ
(وآخرون) مبتدأ خبره قوله حكموا أي جماعة من المحدثين غيرُ من توقف عن الحكم (حكموا) بالأصحية على الإطلاق على بعض الأسانيد (فاضطربوا) أي اختلفوا في التعيين لاختلاف أنظارهم لأنه لم يكن عندهم الاستقراء التام وإنما رجح كل منهم بحسب ما قوي عنده وقوله: (لِفَوقِ عَشْرٍ) جار ومجرور متعلق بمحذوف نعتٍ لمصدر محذوف أي اضطراباً منتهياً لفوق عشر، أو حالٍ منه أي حال كون الاضطراب منتهياً إلى فوق عشر، أو متعلق بفعل محذوف معطوف على الفعل أي وانتهت أقوالهم لفوق عشر من الأقوال. وقوله: (ضمنتها الكتب) فعل ونائب فاعل صفة لفوق عشر، أي جُعِلَت الكتب محتوية عليها يقال: ضمنت الشيء كذا جعلته محتوياً عليه فتضمنه، أي فاشتمل عليه، واحتوى.
ثم شرع الناظم يعدد بعض تلك الأقوال بقوله:
٢٢ - فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ ... وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ
الفاء فصيحية أي إذا أردت أن تعرف بعض تلك الأقوال فأقول لك: أصح الأسانيد مطلقاً (مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو عبد الله المدني، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة
стр. 20
الأربعة، له نحو ألف حديث، ولد سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، عن ست وثمانين سنة، ودفن بالبقيع. فمالك: مبتدأ حذف خبره أي أصح الأسانيد، أو خبر لمحذوف أي أصح الأسانيد مالك إلخ.
(عن نافع) متعلق بحال محذوف أي حال كونه راوياً عن نافع العدوي، قيل اسم أبيه هرمز، أبو عبد الله المدني، أحد الأعلام، وهو غير نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المقريء، يروي عن نافع هذا، مات نافع ﵀ سنة عشرين ومائة، حال كون نافع آخذاً (عن سيده) أي مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن المكي، هاجر مع أبيه، وشهد الخندق، وبيعة الرضوان، له ألف وستمائة وثلاثون حديثاً, اتفقا على مائة وسبعين وانفرد البخاري بأحد وثمانين ومسلم بأحد وثلاثين, مات ﵁ سنة أربع وسبعين عن أربع وثمانين.
وهذا القول للبخاري ﵀، أخرجه الحاكم بسنده عنه، قال في التدريب: وهذا أمر تميل إليه النفوس، وتنجذب القلوب.
روى الخطيب بسنده عن يحيى بن بكير أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة ليس ذا (١) زعزعة عن زوبعة إنما ترفع الستر فتنظر إلى النبي ﷺ والصحابة، حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر اهـ.
(وزيد) على مالك في هذا السَّند (ما) أي الحديث الذي للإمام الأعظم أحد أئمة الأعلام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي أبي عبد الله (الشافعي) ﵀، ولد سنة خمسين ومائة وتوفي في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين عن أربع وخمسين سنة، والمعنى أنه زيد في هذا السَّند المذكور الحديث الذي رواه الشافعي عن مالك الخ.
стр. 21
لأنه أَجَلُّ من أخذ عنه هكذا زاده الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي فذكر أن أجلَّ الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر واحتج بإجماع أهل الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل منه (فأحمده) بالجر عطفاً على الشافعي والهاء ضمير راجع إلى الشافعي على حد قوله:
عَلَا زَيْدُنَا يَومَ النَقَى رَأْسَ زَيْدِكُمْ
أضافه إليه لاختصاصه بكونه أجل من أخذ عنه أي زاد الصلاح العلائي شيخ العراقي ما لأحمد عن الشافعي إلخ. لأنه أجل من أخذ عن الشافعي.
وأحمد: هو الإمام الأوحد الفقيه الحافظ الحجة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي، ولد سنة أربع وستين ومائة، وتوفي في ربيع الأول وقيل في رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة ﵀.
(تنبيه) قول الناظم فيما مَرَّ: لِمَتْن وتعبيره هنا بما مراداً بها الحديث فيه إشارة إلى أن الأصحية كما تطلق على الأسانيد تطلق على المتون أيضاً وهذا قاله تبعاً لابن الصلاح زيادة على العراقي، قال الحافظ ﵀: إن مِنْ لازِمِ قول بعضهم إن أصح الأسانيد ما رواه أحمد عن الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن يكون أصحُّ الأحاديث الحديثَ الذي رواه أحمد بهذا الإسناد فإنه لم يرو في مسنده به غيره (١) فيكون أصح الأحاديث على رأي من ذهب إلى ذلك.
٢٣ - وَابْنُ شِهابٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِهْ ... عَنْ جَدِّهِ، أَوْ سَالِمٍ عَمَّنْ نَبِهْ
стр. 22
(و) قيل أصح الأسانيد الإمام الحجة محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (ابن شهاب) ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري أبو بكر المدني له نحو ألفي حديث.
قال ﵀ ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته، مات سنة أربع وعشرين ومائة. فابنُ شهاب خبر لمحذوف أي أصح الأسانيد ابن شهاب (عن علي) حال من ابن شهاب أي حال كونه راوياً عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي الحسين زين العابدين المدني، مات سنة اثنين وتسعين وقيل غير ذلك (عن أبه) على لغة النقص كما في قوله:
بِأبِهِ اقْتَدَى عَدِي فِي اْلكَرَمْ ... وَمَنْ يُشَابِهْ أبَهُ فَمَا ظَلَمْ
وإعرابه كسابقه وأبوه هو الحسين بن علي المذكور، سبط رسول الله ﷺ وريحانته استشهد بكربلاء من أرض العراق يوم عاشوراء سنة إحدى وستين عن أربع وخمسين سنة. (عن جده) أي جد عليٍّ وهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين أبو الحسن روى عن النبي ﷺ خمسمائة وستة وثمانين حديثاً، اتفق الشيخان منها على عشرين وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، مات شهيداً من ضربة عبد الرحمن بن مُلْجِم المرادي بسيف مسموم في جبهته ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة الجمعة، فتوفي في الكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة.
وهذا القول لعبد الرزاق الصنعاني صاحب المسند وأبي بكر بن أبي شيبة صاحب المسند والمصنف كما أخرجه الحاكم بسنده عنهما (أو) لتنويع الخلاف أي أصح الأسانيد على رأي بعضهم ابن شهاب الزهري عن (سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، قال الحافظ العراقي في ألفيته:
وَفِي اْلكِبَارِ اْلفُقَهَاءُ السبْعَةُ ... خَارِجَةُ اْلقَاسِم ثُمَّ عُرْوُة
ثُمَّ سُلَيمَانُ عبَيُدُ اللهِ ... سَعِيدُ والسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
стр. 23
إِمَّا أبُو سَلَمَةٍ أوْ سَالِمُ ... أوْ فَأبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ
مات ﵀ سنة ست ومائة على الأصح. حال كونه آخِذاً (عمن نبه) أي عن شخص شريف وفطن، يقال نبه كفرح فَطِنَ والأولى هنا ضبطه كفرح لئلا يلزم عيب السناد وإن كان جائزاً للمولدين.
ويحتمل أن يكون صفة مشبهة كفطن فتكون مَنْ نكرة موصوفة بمفرد كما يقال مررت بمن معجبٍ لك. والمراد بمن نبه هو عبد الله بن عمر ﵄ وهذا القول مروي عن أحمد وإسحاق رحمهما الله.
٢٤ - أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ حَبْرِ البَشَرْ ... هُوَ ابْنُ عَباسٍ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ
(أو) لتنويع الخلاف أيضاً أي قال بعضهم أصح الأسانيد ابن شهاب الزهري (عن عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبي عبد الله الأعمى أحد الفقهاء السبعة المتقدم ذكره، مات سنة أربع وتسعين وقيل ثمان وقيل تسع حال كونه راوياً (عن حَبر البشر) أي عالم هذه الأمة بدعاء النبي ﷺ له, وفي المصباح الحِبْر أي بالكسر العالم والجمع أحبار مثل حمل وأحمال, والحَبر بالفتح لغة فيه وجمعه حبور مثل فلس وفلوس، واقتصر ثعلب على الفتح وبعضهم أنكر الكسر اهـ.
(هو) أي حبر البشر عبد الله (ابن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي له ألف وستمائة وستة وتسعون حديثاً اتفقا على خمسة وسبعين وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، مات سنة ثمان وستين بالطائف ﵀ ورضي عنه -. و (هذا) مبتدأ أي ابن عباس (عن عمر) جار ومجرور خبره, والجملة حال من حبر البشر أي حال كون الحبر راوياً عن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي أبي حفص أحد الخلفاء الراشدين له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً اتفقا على عشرة وانفرد البخاري بتسعة ومسلم بخمسة عشر، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين ودفن في أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن في الحجرة ﵁ وهذا القول منقول عن النسائي.
стр. 24
٢٥ - وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرٍو بْنِ مُرَّهْ ... عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ كَرَّهْ
وقيل أصح الأسانيد (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم الحافظ الواسطي نزيل البصرة له نحو ألفي حديث. ولد سنة ثمانين ومات سنة ستين ومائة حال كونه راوياً (عن عمرو ابن مرة) (١) بن عبد الله بن طارق بن الحارث الهمداني المرادي الجَمَلي أبي عبد الله الأعمى الكوفي أحد الأعلام له نحو مائتي حديث، مات سنة ست عشرة ومائة حال كونه راوياً (عن مرة) بن شراحيل الهمداني أبي إسماعيل الكوفي العابد مرة الطيب ومرة الخير، مات سنة ست وسبعين وقيل: غير ذلك، وقد أخطأ المحقق ابن شاكرٍ تبعاً للشارح في تعليقه هنا، وفي الباعث الحثيث حيث يقول: عن عمرو بن مرة عن أبيه مرة، والصواب أن مرة هذا ليس والداً لعمرو هذا بل هو شيخه غايته أنه اتفق اسم شيخه ووالده. راجع التاريخ (٢) الكبير للبخاري والجرح والتعديل (٣) لابن أبي حاتم، حال كونه راوياً (عن ابن قيس) هو عبد الله بن قيس بن سليمان بن حَضَّار الأشعري أبو موسى له ثلاثمائة وستون حديثاً اتفقا على خمسين وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة وعشرين، توفي سنة اثنين وأربعين: وقوله (كرة) أي مرة، يعني: أن شعبة له تارات فتارة يروي عن عمرو بن مرة إلخ. وتارة عن غيره، فإذا روى عن عمرو بن مرة عن مرة عن عبد الله بن قيس يكون أصح الأسانيد, وهذا القول رواه الخطيب في الكفاية عن وكيع قال: لا أعلم في الحديث شيئاً أحسن إسناداً من هذا.
стр. 25
٢٦ - أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهْ ... إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخٍ سَادَهْ
(أو) لتنويع الخلاف أيضاً أي قال بعضهم أصح الحديث (ما روى) أي نقل (شعبة) بن الحجاج المتقدم (عن قتادة) بن دِعامةَ السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام الحافظ المدلس توفي سنة سبع عشرة ومائة (إلى) أي عن (سعيد) بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي أبي محمد المدني الأعور، ولد سنة خمس عشرة ومات سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع (عن شيوخ سادة) وهم شيوخ سعيد لأنه من كبار التابعين، تلقى عن شيوخ كثيرين من الصحابة وكبار التابعين. وهذا منقول عن حجاج بن الشاعر وهو إنما قال أجود الأسانيد إلا أن من لازمه صحة الحديث ولذلك قال ما روى. فتفطن.
٢٧ - ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي ... عَبِيدَةٍ بِما رَوَاهُ عَنْ عَلِي
(ثم) للترتيب الذكري أي قال بعضهم أصح الأسانيد محمد (بن سيرين) الأنصاري إمام وقته، مات سنة عشر ومائة (عَنِ الْحَبْرِ) بالفتح والكسر أي العالم (الْعَلِي) بتخفيف الياء للوزن صفة الحبر أي الرفيع الشأن والذكر (عبيدة) بفتح العين والصرف للضرورة، وهو بدل من الحبر، وهو عبيدة بن عمرو السلماني، مات النبي ﷺ وهو في الطريق، مات ﵀ سنة اثنتين وسبعين وقيل ثلاث (بما) أي بالحديث الذي (رواه) أي نقله عبيدة (عن علي) بن أبي طالب ﵁ والجار والمجرور حال من عبيدة أي حال كون عبيدة مقيداً بما رواه عن علي ﵁، فهذا القول يقيد الأصحية بالمروي عن علي، فلو روى عن غيره من التابعين مثلاً لا يكون مثل هذا السَّند فتأمل.
وهذا القول منقول عن عمرو بن علي الفلاس وعلي بن المديني وسليمان بن حرب إلا أن ابن المديني شرط أن يكون الراوي عن ابن سيرين عبد الله بن عون وسليمان شرط أن يكون الرواي عنه أيوبَ السختياني والفلاس ما شرط ذلك فتدبر.
стр. 26
٢٨ - كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ ... عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ
(كذا) أي مثل ما تقدم من الأقوال في أصح الأسانيد قولُ ابن معين: أصحها سليمان (ابن مهران) بكسر فسكون الكاهلي الكوفي أبو محمد الأعمش أحد الأعلام الحفاظ والقراء، رأى أنساً ﵁، ولم يرو عنه له نحو ألف وثلاثمائة حديث، ويقال ظهر له أربعة الآف حديث، مات سنة ثمان وأربعين ومائة عن أربع وثمانين سنة، حال كونه راوياً (عن ابراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ولد سنة خمسين وقيل سنة سبع وأربعين، ومات سنة ست وتسعين، وقيل: خمس (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سَلاَمَان بن كُهَيل بن بكر بن عوف بن النَّخَع النخعي الكوفي أبي شِبْل أحد الأعلام، مخضرم، مات سنة اثنتين وستين، وقيل: إِحدى وستين، قيل: عن تسعين سنة.
(عن ابن مسعود) بن غافل بن حَبِيب بن شَمْخ (١) بن مخزوم الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي أحد السابقين الأولين، روى ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثاً اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين ومسلم بخمسة وثلاثين، وتلقن عن النبي ﷺ سبعين سورة، مات بالمدينة المنورة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة. وحذف التنوين هنا للضرورة وقوله (الحسن) صفة لابن مسعود ﵁ أي حسن الأوصاف لأنه كان يُشْبِه النبي ﷺ في هَدْيِه ودَلِّهِ وسَمْتِه كما جاء في السير.
٢٩ - وَوَلَدُ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ... عائِشَةٍ .............
(و) قيل أصحها عبد الرحمن (ولد القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق أبي محمد المدني، مات سنة ست وعشرين ومائة وقيل سنة إحدى وثلاثين ومائة (عن أبيه) القاسم المذكور أحد الفقهاء السبعة كما تقدم، له مائتا حديث، مات سنة ست ومائة، وقيل سبع، أو ثمان، أو تسع وقيل:
стр. 27
غير ذلك. (عن) عمته (عائشة) بالصرف للضرورة بنت أبي بكر الصديق ﵄ أم المؤمنين، أم عبد الله الفقيهة الربانية لها ألفان ومائتان وعشرة أحاديث اتفقا على مائة وأربعة وسبعين وانفرد البخاري بأربعة وخمسين ومسلم بثمانية وستين، توفيت سنة سبع وخمسين ودفنت بالبقيع ﵂. وهذا القول لابن معين أيضاً فله قولان وله ثالث يأتي ثم ذكر ﵀ ما احترز عنه بقوله مطلقاً فيما تقدم وهو التفصيل فقال:
............... ........... وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ
٣٠ - لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ فِي الإِسْنادِ ... بَلْ خُصَّ بِالصَّحْبِ أَوِ البِلادِ
(وقال قوم) من المحدثين، وهو الحاكم أبو عبد الله المعروف بابن البَيِّع، صاحب المستدرك على الصَّحِيحين، ومن تبعه (ذو) أي صاحب (فطن) بكسر ففتح جمع فطنة بكسر فسكون، وهي الحِذْق بالكسر، وأفرد ذو نظراً للفظ قوم، أي أصحاب حِذْق في فن الحديث (لا ينبغي التعميم) أي تعميم الحكم (في الإسناد) أي في أصحيته على الإطلاق أي لا يحكم بأنه أصح الأسانيد كلها (بل خص) أيها المحدث، أي قَيِّد الحكم على كل ترجمة منها (بالصحب) أي بصحابي تلك الترجمة بأن تقول مثلاً أصح أسانيدِ فلانٍ: فُلَانٌ إلخ. (أو) خص بـ (البلاد) بأن تقول مثلاً أصح أسانيد المدنيين: فلانٌ إلخ، ويحتمل كون خُصَّ فعلاً ماضياً مغير الصيغة أي خص الحكم إلخ.
٣١ - فَأَرْفَعُ الإِسْنادِ لِلصِّدِّيقِ مَا ... اِبْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ نَمَا
(فَأَرْفَعُ) الفاء فصيحية أي إذا عرفت أن الأحسن والأليق هو التقييد وأردت بيان ذلك فأقول لك أرفع (الإسناد) اللام للجنس أي أصح الأسانيد فهو على حذف مضاف لأن ما واقعة على الحديث كما يأتي، لأبي بكر (الصديق) واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، روى مائة واثنين وأربعين حديثاً اتفقا على ستة وانفرد البخاري
стр. 28
بأحد عشر ومسلم بحديث، توفي سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة, ودفن بالحجرة النبوية، ﵁ فقوله: أرفع مبتدأ خبر قوله: (ما) واقعة على الحديث أي الحديث الذي روى إسماعيل (بن أبي خالد) (١) البجلي الأحمسي أبو عبد الله الكوفي أحد الأعلام، له نحو ثلثمائة حديث, مات سنة ست وأربعين ومائة.
(عن قيس) بن أبي حازم (٢) البجلي الأحمسي، أبي عبد الله الكوفي مخضرم، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال: إنه اجتمع له الرواية عن العشرة (٣)، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة وتغير. (نما) أي نسبه إليه، يقال: نَمَيتُ الحديث ونَمَّيتُه بالتخفيف، والتشديد: رفعته وأبلغته، ونما الحديثُ ارتفع، والجملة صلة ما، ومعنى البيت أن أرفع وأصح أحاديث الأسانيد لأبي بكر الصديق ﵁ هو الحديث الذي رواه إسماعيل بن أبي خالد، حال كونه آخذ عن قيس بن أبي حازم أي الحديث المروي بهذا السَّند.
٣٢ - وَعُمَرٍ فَابْنَ شِهابٍ بَدِّهِ ... عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ
(وَعُمَرٍ) بالجر عطف على الصديق أي أصح الأسانيد لعمر ﵁ صرف للضرورة (فابن شهاب) بالنصب مفعول به لـ (بَدِّهِ) أمر من التبديه يقال: بدهه بأمر كمنعه استقبله به، أو بدأه، ولعل التضعيف هنا ليوافق لجدِّهِ، وفي نسخة الشرح بدئه بالهمز والجر ولا يظهر توجيهه. (عن سالم) المتقدم حال كونه راوياً (عن أبه) عبد الله بن عمر على لغة النقص
стр. 29
كما تقدم (عن جده) أىِ جد سالم وهو عمر بن الخطاب ﵁ وهذا القول للحاكم أيضاً.
٣٣ - وَأَهْلِ بَيْتِ المُصْطَفَى جَعْفَرُ عَنْ ... آبَائِهِ، إِنْ عَنْهُ رَاوٍ مَا وَهَنْ
(و) أرفع أسانيد (أهل بيت المصطفى) ﷺ : (جعفر) بمنع الصرف للوزن هو الصادق بن محمدِ الباقرِ بن علي زَيْنِ العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله، المدني، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن ثمان وستين سنة.
(عن آبائه) المذكورين أي راوياً هو عن أبيه وهو عن جده إلخ.
قال الناظم: هذه عبارة الحاكم، ووافقه من نقلها، وفيها نظر فإن الضمير في جده إن عاد إلى جعفر، فجده عَلِيٌ لم يسمع من علي بن أبي طالب، أو إلى محمد فهو لم يسمع من الحسين. اهـ تدريب.
(إن عنه راوٍ ما وهن) أي إن له يكن الراوي عن جعفر ضعيفاً, يقال: وَهَنَ يَهِن وَهْنا كوعد يعد وعداً: ضعف، أفاده في المصباح. وإنما قيده به وإن كان هذا القيد لازماً في كل ما مَرَّ لكثرة رواية الضعفاء عنه.
وحاصل معنى البيت أن أصح أسانيد أهل البيت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن أبيه عن جده عن علي إن كان الراوي عن جعفر ثقة.
٣٤ - وَلأَبِي هُرَيرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ ... سَعِيدٍ أوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
٣٥ - عَنْ أَعْرَجٍ، وَقيلَ: حَمَّادٌ بِمَا ... أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
(و) أصح الأسانيد (لأبي هريرة) الدوسي (١) ﵁ , له خمسة
стр. 30
آلاف وثلثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلائمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، ومسلم بثلاثة وتسعين، روى عنه ثمانمائة نفس ثقات، مات سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة. ﵁
(الزهري) محمد بن مسلم (عن سعيد) ابن المسيب (أو) لتنويع
الخلاف أي قال البخاري ﵀ أصح أسانيد أبي هريرة (أبو الزناد)
عبد الله بن ذكوان، الأموي ولاءً المدني، أبو عبد الرحمن، مات فَجْأة.
سنة ثلاثين ومائة، وقيل: سنة إحدى.
(حيث عن) بتشديد النون، وخفف هنا للوزن أي ظهر ووجد مرويه
(عن أعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم أبي داود المدني القارئ.
توفي سنة سبع عشرة ومائة، بالإسكندرية.
(وقيل) في أصح أسانيد أبي هريرة ﵁ (حماد) بن
زيد بن درهم الأزدي، أبو إسماعيل، الأزرق البصري، الحافظ مولى
جرير بن حازم، توفي سنة سبع وتسعين ومائة عن إحدى وثمانين سنة.
وقيل: غير ذلك.
(بما) أي بالحديث الذي (أيوب) بن أبَي تميمة واسمه كيسان السختياني العنزى، أبو بكر البصري الفقيه، له نحو ثمانمائة حديث وقيل: ألفا حديث، ولد سنة ست وستين، وقيل: ثمان وستين، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
(عن محمّدٍ) أي ابن سيرين (له) أي لأبي هريرة
(نمى) أي نسبة إليه، والمعنى: أن أصح أسانيد أبي هريرة حماد بن زيد
حال كونه مقيداً بالحديث الذي رواه أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي
هريرة ﵁، وهذا القول لابن المديني رحمه الله تعالى، ثم ذكر ما
قيد بالبلاد فقال:
٣٦ - لِمَكَّةٍ سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو، وَذَا ... عَنْ جَابِرٍ، وَلِلمَدِينَةِ خُذا
٣٧ - ابْنَ أَبِي حَكِيمَ عَنْ عَبِيدَةِ ... الحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةِ
стр. 31
(لمكة) بالصرف للوزن جار ومجرور خبر مقدم عن قوله (سفيان) أي أصح أسانيد أهل مكة المشرفة: سفيان بن عيينة، أبو محمد. الأعور, الهلالي، مولاهم، الكوفي، ولد سنة سبع ومائة، وحج سبعين حجة, ومات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة. (عن عمرو) هو ابن دينار، الجمحي، مولاهم أبو محمد المكي، الأثرم، أحد الأعلام، له خمسمائة حديث، مات سنة خمس عشرة ومائة. وقيل: في أول سنة ست عشرة. وفي التقريب سنة ست وعشرين ومائة. (وذا) الواو حالية أي عمرو (عن جابر) هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، السَّلَمِيُّ، أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، الصحابي، المشهور, له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثاً اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة، عن أربع وتسعين سنة, والمعنى: أن أصح الأسانيد لأهل مكة سفيان بن عيينة، عن عمرو حال كونه راوياً عن جابر ﵁ , (وللمدينة) المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام، متعلق بقوله (خذا) أيها الطالب الذكي والنحرير الألمعي، والألف بدل من النون الخفيفة. (ابن) بالنصب مفعول خذ (أبي حكيم) بمنع الصرف للوزن هو إسماعيل بن أبي حكيم، مولى عثمان المدني، توفي سنة ثلاثين ومائة.
(عن عبيدة) بفتح العين هو ابن سفيان بن الحارث (الحضرمي) نسبة إلى حضرموت بليدة من اليمن بقرب عدن. اهـ المصباح.
(عن أبي هريرة) ﵁ بالصرف للقافية، والمعنى: خذ أيها المحدث الأجل أصح أسانيد المدينة ابنَ أبي حكيم إلخ وهذا القول لأحمد بن صالح المصري رحمه الله تعالى.
٣٨ - وَمارَوَى مَعْمَرُ عَنْ هَمَّامَ عَنْ ... أَبِي هُرَيرَةَ أَصَحُّ لِلْيَمَنْ
(وما) مبتدأ خبره أصح، أي الحديث الذي (روى) أي نقله (معمر) بمنع الصرف للوزن ابن راشد الأزدي مولى لمولاهم عبد السلام بن عبد
стр. 32
القدوس، أبو عروة البصري، ثم اليماني، أحد الأعلام، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة. (عن همام) بمنع الصرف أيضاً للوزن ابن منبه بن كامل الأبناوي، أبي عقبة الصنعاني اليماني، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة, (عن أبي هريرة) ﵁ (أصح) الأحاديث لأهل (اليمن).
٣٩ - لِلشَّامِ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ حَسَّانَا ... عَنِ الصِّحَابِ فَائِقٌ إِتْقَانَا
(للشام) متعلق بفائق (الأوزاعي) مبتدأ خبره فائق، هو إمام أهل الشام، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو نسبة إلى أوزاع بطن من اليمن, وقيل: قرية بدمشق، ولادته ببعلبك، سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة. (عَنْ حَسَّانَا) بألف الإطلاق ابن عطية المحاربي مولاهم أبي بكر الدمشقي الفقيه بقي إلى ثلاثين ومائة.
(عن الصحاب) ﵃ بكسر الصاد جمع صاحب بمعنى الصحابي (فائق) أي راجح (إتقاناً) أي من حيث الإتقان على غيره من أسانيد الشاميين. والمعنى أَنَّ أصح أسانيد أهل الشام هو الأوزاعي عن حسان إلخ. فهو سند فائق على غيره من أسانيدهم.
٤٠ - وَغَيْرُ هَذَا مِنْ تَراجِمٍ تُعَدْ ... ضَمَّنْتُهَا شَرْحِيَ عَنْها لا تُعَدْ
(وغير هذا) بالرفع مبتدأ خبره محذوف أي ومنها غير هذاً، أو خبر لمحذوف أي مثل هذا (من تراجم) جار ومجرور حال من غير (تعد) فعل ونائب فاعل صفة لتراجم، أي معدودة عند العلماء بأنها أصح الأسانيد.
(ضمنتها شرحي) أي جعلتها ضمنه يقال: ضمنت الشيء أي جعلته محتوياً عليه فتضمنه اشتمل عليه فعلى هذا فالشرح هو المتضمن لها كقولك الدرهم: أعطيته زيداً فالشرح فاعل في المعنى، فأصله التقديم فتأخيره هنا لعدم اللبس والمراد بالشرح هو تدريب الراوي الذي جعله شرحاً لتقريب النواوي بل ولجميع كتب الفن إذ هو من أجمع ما ألف في هذا الفن, (عنها) أي لها متعلق بشرح والجملة صفة لتراجم بعد صفة أو حال منه
стр. 33
(لا تعد) أي لا تذكر هنا لضيق النظم، والجملة صفة لتراجم أيضاً، أو حال منه. والله أعلم.
(تَتِمَّة): قوله: سوى ما انتقدوا، وقوله: وكم إمام جنحا. وقوله: والقطع ذو تصويب إلى قوله: غلط، وقوله: لمتن أو, وقوله: لفوق عشر إلخ, وقوله: أو عن عبيد الله إلى قوله: عن شيوخ سادة ثلاث أبيات, وقوله: وولد القاسم، البيت، وقوله: بل خص إلى آخر الباب من زياداته على العراقي.
стр. 34
(مسألة)
أي هذا مبحثها، وهي: في الكلام على ابتداء تدوين الحديث، وفي أول من جمعه بالأبواب، وفي أول من أفرد الصَّحِيح، وفي ترتيب الصحاح، وبيان الاستخراج، وما يتبع ذلك، قال ﵀:
٤١ - أَوَّلُ جامِعِ الحديثِ والأَثَرْ ... اِبْنُ شِهابٍ آمِرًا لَهُ عُمَرْ
(أول جامع) خبر مقدم لقوله ابن شهاب، أي أسبق مُدَوِّنِ (الحديث) النبوي (والأثر) إما عطف تفسير للحديث إن قلنا بترادفهما كما هو المشهور، وإما عطف مغاير إن خص بالموقوف. (ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله المتوفي سنة أربع وعشرين ومائة.
(آمراً له) حال من ابن شهاب، وفي نسخة آمر بالرفع مبتدأ خبره عمر والجملة في محل نصب حال من ابن شهاب، أو مستأنفة، أي الآمر لابن شهاب بجمع الأحاديث (عمر) بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أحد الخلفاء الراشدين، المتوفى في رجب سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة, سوى ستة أشهر ﵀.
والمراد بالتدوين المذكور هو التدوين الرسمي بحيث يكون مجموعاً مرتباً، وإلا فقد كان يكتب في الرِّقاع والعظام من لدن رسول الله ﷺ وهَلُمَّ جَرَّا.
٤٢ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ لِلأَبْوَابِ ... جَمَاعَةٌ فِي العَصْرِ ذُو اقْتِرَابِ
٤٣ - كَابْنِ جُرَيْجٍ وَهُشَيْمٍ مَالِكِ ... وَمَعْمَرٍ وَوَلَدِ المُبَارَكِ
стр. 35
(وأول) مبتدأ (الجامع للأبواب) المتنوعة من العبادات، والمعاملات, والمغازي، وغيرها، وإنما قال الأبواب احترازاً عن جمع حديث إلى مثله في باب واحد، لتقدم ذلك على هؤلاء فقد فعله الشعبي رحمه الله تعالى.
فقال: هذا باب من الطلاق جسيم فساق أحاديث. (جماعة) خبر المبتدإِ، أي طائفة (في العصر) أي في الزمن متعلق باقتراب قدم عليه وإن كان معمول المضاف إليه لا يتقدم للضرورة وقوله (ذو اقتراب) صفة لجماعة على تأويله بجمع أي جمع صاحب تقارب في الزمن أو الجار والمجرور صفة لجماعة، وذو خبر لمحذوف أي هو ذو اقتراب، يعني أن ذلك العصر متقارب. ومعنى البيت أن أول من جمع الحديث جماعة متقاربون في الزمن. وذلك أثناء المائة الثانية فلا يدري أيهم سبق لكونهم في وقت واحد، وهم (كا) لإمام الحافظ عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي مولاهم أحد الأعلام من تابعي التابعين، المتوفى سنة خمسين ومائة، وذلك بمكة المكرمة.
(وهُشَيم) بضم الهاء وفتح الشين ابن بشير بفتح الباء أبي معاوية السلمي الواسطي من تابعي التابعين، اتفقوا على توثيقه، وجلالته، وحفظه, توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة و (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة، (ومعمر) بن رشد أبي عروة الإمام، الحافظ، اتفقوا على توثيقه وجلالته، توفي سنة ثلاث، وقيل: أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة. (و) عبد الله (ولد المبارك) بن واضح المروزي، الحنظلي، مولاهم أبي عبد الرحمن، الإمام المجمع على جلالته، وإمامته في كل شيء. قال ﵀: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، توفي ﵀ منصرفاً من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة في رمضان.
٤٤ - وَأَوَّلُ الجَامِعِ بِاقْتِصَارِ ... عَلَى الصَّحِيحِ فَقَطِ البُخَارِي
٤٥ - وَمُسْلِمٌ مِنْ بَعْدِهِ، وَالأَوَّلُ ... عَلَى الصَّوَابِ فِي الصَّحِيحِ أَفْضَلُ
стр. 36
٤٦ - وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا
(وأول الجامع) خبر مقدم أي أسبق محدث في جمع الأحاديث المسندة (باقتصار) أي مع اقتصار متعلق بالجامع أو حال من الضمير فيه أي مقتصراً (على الصَّحِيح) المجرد من الحديث، متعلق باقتصار. (فقط) أي فحسب، وقوله: (البخاري) مبتدأ مؤخر هو الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين تقدمت ترجمته ﵀.
وسبب جمعه الصَّحِيح هو ما رواه عنه إبراهيم بن مَعْقِلِ النسفي قال: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي ﷺ ؟ قال: فوقع في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصَّحِيح.
وعنه أيضاً قال: رأيت رسول الله ﷺ وكأنني واقف بين يديه وبيدي مِرْوَحَة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقال: لي: أنت تذب عنه الكذب فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحِيح، قال: وألفته في بضعة عشر سنة قاله في التدريب. (ومسلم) بن الحجاج، القشيري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين. مبتدأ خبره قوله (من بعده) أي البخاري يعني أن الإمام مسلماً جمع الصَّحِيح بعد البخاري لأنه متأخر وقتاً لأنه تلميذه وخريجه فهو آخذ عنه، ولذا قيل لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء أي في هذا الموضوع، ويحتمل أن تكون البعدية في الرتبة والدرجة يعني أن كتابه بعد كتاب البخاري رتبة والأول أولى. (والأول) أي الإمام البخاري (في) التثبت واستيفاء شروط (الصَّحِيح) من الأحاديث المسندة (أفضل) أي أزيد فضلاً من الثاني، لكونه أعلم بالفن، وأعدل رواة، وأشد اتصالًا منه, ويحتمل أن يكون المراد بالأول كتابه أي كتاب البخاري أفضل رتبة من كتاب مسلم بل هو الأولى كما يدل عليه قوله: (ومن) شرطية (يفضل) من العلماء (مسلماً) على البخاري أي كتابه على كتابه.
(فإنما ترتيبه) بالنصب مفعول لمحذوف أي فَضَّلَ، أو بالرفع خبر
стр. 37
لمحذوف أي مراده ترتيبه والجملة جواب الشرط. (وصنعه) بالصاد وفي نسخة ووضعه بالضاد. والمعنى متقارب، وهو عطف تفسير لترتيب، أو المراد بالترتيب ترتيب الأبواب، والأحاديثِ بحيث يذكر كل باب وحديث إلى جنب مناسبه، وفي مظانه، وبالصنع حسن صناعة الحديث من حيث تلخيص الطرق، والاحترازُ من تحويل الأسانيد عند الاتفاق من غير تنبيه على اختلاف ألفاظ الرواة في متن، أو إسناد، ولو في حرف واحد, فالعطف للمغايَرَهِّ (قد أحكَمَا) بالبناء للفاعلِ والألف إطلاقية، والجملة حال من مسلم أي حال كونه مُحْكِماً أي متقناً لترتيبه، وصنعه، أو للمفعول, والألف ضمير راجعة إلى الترتيب والصنع، أي حال كونهما مُحْكَمَينِ.
وحاصل معنى البيت أن من فَضُّلَ صحيح مسلم على صحيح البخاري وهو الإمام أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم وبعض شيوخ المغاربة ليس تفضيله من حيث الأصحية، وإنما هي من حيث الترتيب وجودة تلخيص الطرق بغير زيادة، ولا نقصان، وتنبيه على الرواية المصرحة بسماع المدلسين، وجمع الطرق في مكان واحد، بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فسهل تناوله بخلاف البخاري فإنه قطعها في الأبواب بسبب استنباط الأحكام منها. وأورد كثيراً منها في غير مَظِنتها.
ولما اعترضَ على الشيخين بعضُ النقاد بعضَ الأحاديث مع كون الصواب معهما أراد أن يبين ذلك فقال:
٤٧ - وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا ... فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا
(وانتقدوا) أي اعترض بعض أهل النقد كالدارقطني، وأبي علي الغساني الجياني، وأبي ذر الهروي، وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم.
(عليهما) أي البخاري ومسلم (يسيرا) أي قليلاً من أحاديثهما، وعدتها كما قال الحافظ مائتان وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين، واختص البخاري بثمانين إلا اثنين، ومسلم بمائة. (فكم) خبرية بمعنى كثيرٍ مفعولٌ
стр. 38
مقدم لقوله (ترى) بالتاء أيها الطالب، وفي نسخة بالنون أي رأينا كثيراً من العلماء المبرزين، والحفاظ المتقنين (نحوهما) أي قصدهما. وهو جمعُ الصَّحِيح مفعول مقدم لقوله (نصيرا) أي مانعا، أو معيناً من أن يتطرق إليه قدح قادح.
ومعنى البيت أن بعض الحفاظ انتقد على الشيخين بعض الأحاديث في صحيحهما إلا أن كثيراً من الحفاظ نصروا الشيخين لكون الصواب معهما، وذلك لتقدمهما على أهل عصرهما، ومن بعده من أهل هذا الفن في معرفة الصَّحِيح، والمعلل، فلا يخرجان إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فإذا اعترض عليهما معترض كان ذلك مقابلًا لتصحيحهما, وقَدْ عُلِمَ كونهما مقدمين في ذلك، فيندفع الاعتراض هذا من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل: فلأن الأحاديث المنتقدة عليهما ستة أقسام: الأول: ما يختلف فيه الرواة بالزيادة والنقص من رجال الإسناد, فإن أخرج صاحب الصَّحِيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر لأنه قد يكون سمعه بواسطة، ثم لقيه فسمعه منه، وإن لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع ضعيف والضَّعِيف لا يُعِلُّ الصَّحِيح.
الثاني: ما تختلف فيه الرواة بتغيير رجال بعض الإسناد، والجوابُ
عنه أنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك مُتَعادِلِينَ في الحفظ والعدد، أو متفاوِتينَ فيخرج الطريقة الراجحة ويعرض عن المرجوحة، أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الاختلاف غير قادح, إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف.
стр. 39
الثالث: ما تفرد به فيه بعض الرواة بزيادة لم يذكرها أكثر منه، أو أضبط، وهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقل إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض الرواة فهو مؤثر.
الرابع: ما تفرد به بعض الروٍ اة ممن ضعف وليس في الصَّحِيحين من هذا القبيل غير حديثين تَبيَّنَ أن كُلًّا مِنهما قد توبع.
الخامس: ما حكم فيه على بعض الرواة بالوهم، فمنه ما لا يؤثر قدحاً، ومنه ما يؤثر.
السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لِإمكانِ الجمع، أو الترجيح. ثم ذكر درجتهما بقوله:
٤٨ - وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا ... بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا
(وليس في الكتب) بسكون التاء جار ومجرور خبر مقدم (أصحُّ) اسم ليس مؤخراً أي أقوى وأرجح صِحَّةً (منهما) أي الصَّحِيحين (بعد القران) الكريم بنقل حركة الهمزة لغة لا ضرورة قرئ به في السبعة. (ولهذا) أي لأجل كونهما بهذه المرتبة الرفيعة متعلق بقوله (قدما) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق.
٤٩ - مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا ... لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا
٥٠ - فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا ... كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا
(مَرْوِيُّ ذَيْنِ) نائب فاعل قُدِّمَ أي الحديث الذي رواه هذان الإمامان, وهذا هو القسم الأول من أقسام الصَّحِيح السبعة، وهو الذي يُعَبِّرُ عنه أهلُ الحديث بقولهم: متفق عليه، أي اتفق البخاري ومسلم عليه، ويلزم منه اتفاق الأمة لتلقيهم له بالقبول، وقدم لاشتماله على أعلى أوصاف الصحة.
(فالبخاري) الفا آت للترتيب أي فما روى البخاري منفرداً عن مسله يلي ما تقدم وأُخِرَ لاختلاف العلماء أيهما أفضل، وهذا القسم الثاني. (فما) أي
стр. 40
الحديث الذي للإمام الحجة (مسلم) بن الحجاج، وهو الثالث. (فما حوى) أي فالحديث الذي جمع (شرطهما) أي رجال إسنادهما وهو الرابع (فشرط أول) بالنصب عطف على ما قبله أي ما جمع شرط البخاري، وهو الخامس. (فثان) عطف على أول أي شرط مسلم وهو السادس. (ثم ما) أي قدم الحديث الذي (كان على شرط فتى) من أئمة الحديث (غيرهما) بالجر صفة فتى أي غير الشيخين وهذا آخر الأقسام السبعة. وفائدة التقسيم تظهر عند التعارض.
ثم إن هذا الترتيب أغلبي وقد يتخلف كما أشار إليه قوله:
٥١ - وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا ... يِجَعْلِهِ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا
(وربما) للتقليل (يعرض) من باب ضرب يضرب، أي يظهر ويتضح (لِلْمَفُوقِ) أي المفضول لتأخر رتبته (ما) فاعل يعرض (يجعله) أي المفوق (مساوياً) للفائق (أو قدما) فعل ونائب فاعل، والألف إطلاقية عطف على مساوياً أي أو مقدماً عليه بسبب ما صاحَبَه من المرجحات كأن يتفقا على إخراج حديث غريب، ويخرج مسلم، أو غيره حديثاً مشهوراً أو مما وُصِفَتِ الترجمة بكونها أصح الأسانيد، ولما ذكر شرط الشيخين أراد أن يبين المراد به فقال:
٥٢ - وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ ... لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ
(وشرط ذين) مبتدأ أي المراد بشرط الشيخين (كون ذا الإسناد) خبر المبتدإ أي كون هذا الإسناد الذي قيل: إنه على شرطهما، أو شرط أحدهما (لديهما) أي في كتابيهما (بالجمع) حال من الضمير أي حال كونه متلبساً بالجمع يعني أن ما قيل فيه هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين معناه أن إسناده مذكور في كتابيهما معا (والإفراد) فيما قيل فيه على شرط البخاري، أو مسلم أي أنه مذكور في كتاب أحدهما.
ثم اعلم: أن الشيخين لم ينقل عنهما أنهما شرطاً في كتابيهما شرطاً