← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 10312

شرح الأثيوبي على ألفية السيوطي في الحديث = إسعاف ذوي الوطر بشرح نظم الدرر في علم الأثر

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (847 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٤٦ - وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وَصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا (وأول الجامع) خبر مقدم أي أسبق محدث في جمع الأحاديث المسندة (باقتصار) أي مع اقتصار متعلق بالجامع أو حال من الضمير فيه أي مقتصراً (على الصَّحِيح) المجرد من الحديث، متعلق باقتصار. (فقط) أي فحسب، وقوله: (البخاري) مبتدأ مؤخر هو الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، المتوفى سنة ست وخمسين ومائتين تقدمت ترجمته ﵀. وسبب جمعه الصَّحِيح هو ما رواه عنه إبراهيم بن مَعْقِلِ النسفي قال: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي ﷺ ؟ قال: فوقع في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصَّحِيح. وعنه أيضاً قال: رأيت رسول الله ﷺ وكأنني واقف بين يديه وبيدي مِرْوَحَة أذب عنه فسألت بعض المعبرين فقال: لي: أنت تذب عنه الكذب فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصَّحِيح، قال: وألفته في بضعة عشر سنة قاله في التدريب. (ومسلم) بن الحجاج، القشيري، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين. مبتدأ خبره قوله (من بعده) أي البخاري يعني أن الإمام مسلماً جمع الصَّحِيح بعد البخاري لأنه متأخر وقتاً لأنه تلميذه وخريجه فهو آخذ عنه، ولذا قيل لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء أي في هذا الموضوع، ويحتمل أن تكون البعدية في الرتبة والدرجة يعني أن كتابه بعد كتاب البخاري رتبة والأول أولى. (والأول) أي الإمام البخاري (في) التثبت واستيفاء شروط (الصَّحِيح) من الأحاديث المسندة (أفضل) أي أزيد فضلاً من الثاني، لكونه أعلم بالفن، وأعدل رواة، وأشد اتصالًا منه, ويحتمل أن يكون المراد بالأول كتابه أي كتاب البخاري أفضل رتبة من كتاب مسلم بل هو الأولى كما يدل عليه قوله: (ومن) شرطية (يفضل) من العلماء (مسلماً) على البخاري أي كتابه على كتابه. (فإنما ترتيبه) بالنصب مفعول لمحذوف أي فَضَّلَ، أو بالرفع خبر

стр. 37

لمحذوف أي مراده ترتيبه والجملة جواب الشرط. (وصنعه) بالصاد وفي نسخة ووضعه بالضاد. والمعنى متقارب، وهو عطف تفسير لترتيب، أو المراد بالترتيب ترتيب الأبواب، والأحاديثِ بحيث يذكر كل باب وحديث إلى جنب مناسبه، وفي مظانه، وبالصنع حسن صناعة الحديث من حيث تلخيص الطرق، والاحترازُ من تحويل الأسانيد عند الاتفاق من غير تنبيه على اختلاف ألفاظ الرواة في متن، أو إسناد، ولو في حرف واحد, فالعطف للمغايَرَهِّ (قد أحكَمَا) بالبناء للفاعلِ والألف إطلاقية، والجملة حال من مسلم أي حال كونه مُحْكِماً أي متقناً لترتيبه، وصنعه، أو للمفعول, والألف ضمير راجعة إلى الترتيب والصنع، أي حال كونهما مُحْكَمَينِ. وحاصل معنى البيت أن من فَضُّلَ صحيح مسلم على صحيح البخاري وهو الإمام أبو علي النيسابوري شيخ الحاكم وبعض شيوخ المغاربة ليس تفضيله من حيث الأصحية، وإنما هي من حيث الترتيب وجودة تلخيص الطرق بغير زيادة، ولا نقصان، وتنبيه على الرواية المصرحة بسماع المدلسين، وجمع الطرق في مكان واحد، بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فسهل تناوله بخلاف البخاري فإنه قطعها في الأبواب بسبب استنباط الأحكام منها. وأورد كثيراً منها في غير مَظِنتها. ولما اعترضَ على الشيخين بعضُ النقاد بعضَ الأحاديث مع كون الصواب معهما أراد أن يبين ذلك فقال: ٤٧ - وَانْتَقَدُوا عَلَيْهِمَا يَسِيرَا ... فَكَمْ تَرَى نَحْوَهُمَا نَصِيرَا (وانتقدوا) أي اعترض بعض أهل النقد كالدارقطني، وأبي علي الغساني الجياني، وأبي ذر الهروي، وأبي مسعود الدمشقي، وغيرهم. (عليهما) أي البخاري ومسلم (يسيرا) أي قليلاً من أحاديثهما، وعدتها كما قال الحافظ مائتان وعشرة أحاديث، اشتركا في اثنين وثلاثين، واختص البخاري بثمانين إلا اثنين، ومسلم بمائة. (فكم) خبرية بمعنى كثيرٍ مفعولٌ

стр. 38

مقدم لقوله (ترى) بالتاء أيها الطالب، وفي نسخة بالنون أي رأينا كثيراً من العلماء المبرزين، والحفاظ المتقنين (نحوهما) أي قصدهما. وهو جمعُ الصَّحِيح مفعول مقدم لقوله (نصيرا) أي مانعا، أو معيناً من أن يتطرق إليه قدح قادح. ومعنى البيت أن بعض الحفاظ انتقد على الشيخين بعض الأحاديث في صحيحهما إلا أن كثيراً من الحفاظ نصروا الشيخين لكون الصواب معهما، وذلك لتقدمهما على أهل عصرهما، ومن بعده من أهل هذا الفن في معرفة الصَّحِيح، والمعلل، فلا يخرجان إلا ما لا علة له، أو له علة غير مؤثرة عندهما، فإذا اعترض عليهما معترض كان ذلك مقابلًا لتصحيحهما, وقَدْ عُلِمَ كونهما مقدمين في ذلك، فيندفع الاعتراض هذا من حيث الجملة. وأما من حيث التفصيل: فلأن الأحاديث المنتقدة عليهما ستة أقسام: الأول: ما يختلف فيه الرواة بالزيادة والنقص من رجال الإسناد, فإن أخرج صاحب الصَّحِيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر لأنه قد يكون سمعه بواسطة، ثم لقيه فسمعه منه، وإن لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع ضعيف والضَّعِيف لا يُعِلُّ الصَّحِيح. الثاني: ما تختلف فيه الرواة بتغيير رجال بعض الإسناد، والجوابُ عنه أنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك مُتَعادِلِينَ في الحفظ والعدد، أو متفاوِتينَ فيخرج الطريقة الراجحة ويعرض عن المرجوحة، أو يشير إليها فالتعليل بجميع ذلك لمجرد الاختلاف غير قادح, إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف.

стр. 39

الثالث: ما تفرد به فيه بعض الرواة بزيادة لم يذكرها أكثر منه، أو أضبط، وهذا لا يؤثر التعليل به إلا إذا كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، وإلا فهي كالحديث المستقل إلا إن وضح بالدليل القوي أنها مدرجة من كلام بعض الرواة فهو مؤثر. الرابع: ما تفرد به بعض الروٍ اة ممن ضعف وليس في الصَّحِيحين من هذا القبيل غير حديثين تَبيَّنَ أن كُلًّا مِنهما قد توبع. الخامس: ما حكم فيه على بعض الرواة بالوهم، فمنه ما لا يؤثر قدحاً، ومنه ما يؤثر. السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح لِإمكانِ الجمع، أو الترجيح. ثم ذكر درجتهما بقوله: ٤٨ - وَلَيْسَ فِي الْكُتْبِ أَصَحُّ مِنْهُمَا ... بَعْدَ الْقُرَانِ وَلِهَذَا قُدِّمَا (وليس في الكتب) بسكون التاء جار ومجرور خبر مقدم (أصحُّ) اسم ليس مؤخراً أي أقوى وأرجح صِحَّةً (منهما) أي الصَّحِيحين (بعد القران) الكريم بنقل حركة الهمزة لغة لا ضرورة قرئ به في السبعة. (ولهذا) أي لأجل كونهما بهذه المرتبة الرفيعة متعلق بقوله (قدما) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق. ٤٩ - مَرْوِيُّ ذَيْنِ، فَالبُخَارِيِّ، فَمَا ... لِمُسْلِمٍ، فَمَا حَوَى شَرْطَهُمَا ٥٠ - فَشَرْطَ أَوَّلٍ، فَثَانٍ، ثُمَّ مَا ... كانَ عَلَى شَرْطِ فَتًى غَيْرِهِمَا (مَرْوِيُّ ذَيْنِ) نائب فاعل قُدِّمَ أي الحديث الذي رواه هذان الإمامان, وهذا هو القسم الأول من أقسام الصَّحِيح السبعة، وهو الذي يُعَبِّرُ عنه أهلُ الحديث بقولهم: متفق عليه، أي اتفق البخاري ومسلم عليه، ويلزم منه اتفاق الأمة لتلقيهم له بالقبول، وقدم لاشتماله على أعلى أوصاف الصحة. (فالبخاري) الفا آت للترتيب أي فما روى البخاري منفرداً عن مسله يلي ما تقدم وأُخِرَ لاختلاف العلماء أيهما أفضل، وهذا القسم الثاني. (فما) أي

стр. 40

الحديث الذي للإمام الحجة (مسلم) بن الحجاج، وهو الثالث. (فما حوى) أي فالحديث الذي جمع (شرطهما) أي رجال إسنادهما وهو الرابع (فشرط أول) بالنصب عطف على ما قبله أي ما جمع شرط البخاري، وهو الخامس. (فثان) عطف على أول أي شرط مسلم وهو السادس. (ثم ما) أي قدم الحديث الذي (كان على شرط فتى) من أئمة الحديث (غيرهما) بالجر صفة فتى أي غير الشيخين وهذا آخر الأقسام السبعة. وفائدة التقسيم تظهر عند التعارض. ثم إن هذا الترتيب أغلبي وقد يتخلف كما أشار إليه قوله: ٥١ - وَرُبَّمَا يَعْرِضَ لِلْمَفُوقِ مَا ... يِجَعْلِهِ مُسَاوِيًا أَوْ قُدِّمَا (وربما) للتقليل (يعرض) من باب ضرب يضرب، أي يظهر ويتضح (لِلْمَفُوقِ) أي المفضول لتأخر رتبته (ما) فاعل يعرض (يجعله) أي المفوق (مساوياً) للفائق (أو قدما) فعل ونائب فاعل، والألف إطلاقية عطف على مساوياً أي أو مقدماً عليه بسبب ما صاحَبَه من المرجحات كأن يتفقا على إخراج حديث غريب، ويخرج مسلم، أو غيره حديثاً مشهوراً أو مما وُصِفَتِ الترجمة بكونها أصح الأسانيد، ولما ذكر شرط الشيخين أراد أن يبين المراد به فقال: ٥٢ - وَشَرْطُ ذَيْنِ كَوْنُ ذَا الإِسْنَادِ ... لَدَيْهِمَا بِالجَمْعِ وَالإِفْرَادِ (وشرط ذين) مبتدأ أي المراد بشرط الشيخين (كون ذا الإسناد) خبر المبتدإ أي كون هذا الإسناد الذي قيل: إنه على شرطهما، أو شرط أحدهما (لديهما) أي في كتابيهما (بالجمع) حال من الضمير أي حال كونه متلبساً بالجمع يعني أن ما قيل فيه هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين معناه أن إسناده مذكور في كتابيهما معا (والإفراد) فيما قيل فيه على شرط البخاري، أو مسلم أي أنه مذكور في كتاب أحدهما. ثم اعلم: أن الشيخين لم ينقل عنهما أنهما شرطاً في كتابيهما شرطاً

стр. 41

معيناً، وإنما حصل هذا من تتبع العلماء الباحثين لأساليبهما، وطريقتهما, ولذا اختلفوا فيه لاختلاف أفهامهم على أقوال، استوفيتها في الشرح الكبير. ٥٣ - وَعِدَّةُ الأَوَّلِ بِالتَّحْرِيرِ ... أَلْفَانِ وَالرُّبْعُ بِلا تَكْرِيرِ ٥٤ - وَمُسْلِمٍ أَرْبَعَةُ الآلافِ ... وَفِيهِمَا التَّكْرَارُ جَمًّا وَافِ (وعدة) أحاديث (الأول) أي صحيح البخاري والمراد الأحاديث المسندة، وهو مبتدأ خبره ألفان (بالتحرير) أي على ما حرره إمام المتقنين في المتأخرين الحافظ ابن حجرٍ في كتابه فتح الباري ومقدمته المسمى بهدي الساري (ألفان والربع) أي ربع الألفين وهو خمسمائة أي وزيادة ثلاثة عشر، هذا هو الذي ذكره في الفتح في باب كفران العشير جـ ١ ص ١٠٥ وتبعه الناظم في التدريب والذي ذكره في الهدي يخالف هذا حيث قال: ص ٥٠١ ما نصه: فجميع ما في صحيح البخاري من المتون الموصولة بلا تكرير على التحرير ألفا حديث وستمائة حديث وحديثان، ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع المذكور ١٥٩ حديثاً، فجميع ذلك ٢٧٩١ حديثا وقال قبل ذلك بأربعة أوراق ص ٤٩٣ ما نصه: فجملة ما في الكتاب من التعاليق ٣٤١ حديثا وأكثرها مكرر في الكتاب أصول متونه وليس فيه من المتون التي لم تخرج في الكتاب ولو من طريق آخر إلا ١٦٠ حديثا وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ٣٤١ حديثا فجميع ما في الكتاب على هذا بالمكرر ٩٠٨٢ حديثا وهذه العدة خارجة من الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم, وقوله (بلا تكرير) خبر لمحذوف أي هذا من دون عد المكرر أو حال من المذكور أي حال كون ما ذكر بدون ذكر المكرر. وأما مع المكرر فجملته كما قال الحافظ أيضاً من غير المعلقات والمتابعات تسعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً، وهذا يخالف ما مر قريباً من أنه مع المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً. وهذا يحتاج إلى تحرير دقيق. والله أعلم. (وَمُسْلِمٍ) بالجر عطف

стр. 42

على الأول وبالرفع إقامةً للمضاف إليه مُقامَ المضاف أي وعدة أحاديث صحيح مسلم (أربعة الألاف) بإدخال " أل " على آلاف، وهو لغة لا ضرورة (وفيهما) أي الصَّحِيحين متعلق بواف أو خبر مقدم عن قوله (التكرار) أي تكرار الحديث الواحد مرتين فصاعداً لفائدة إسنادية، أو متنية (جما) حال منه أي حال كون التكرار كثيراً، والْجَمُّ: الشيء الكثير كالجميم (واف) أي كثير, يقال: وَفَى الشيءُ تم، وكَثر، فهو وَفِي ووافٍ أفاده في القاموس، وهو خبر على الأول، أو خبر بعد خبر على الثاني، والمعنى أن التكرار في الكتابين كثير جداً، وقد علمت عدة المكررات في البخاري، وأما في صحيح مسلم فقد قال العراقي: إنه يزيد على البخاري لكثرة طرقه، قال: وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة إنه اثنا عشر ألفاً، وقال الميانجي: ثمانية آلاف. ٥٥ - مِنَ الصَّحِيحِ فَوَّتَا كَثِيرِا ... وَقَالَ نَجْلُ أَخْرَمٍ: يَسِيرًا ٥٦ - مُرَادُهُ أَعَلَى الصَّحِيحِ فَاحْمِلِ ... أَخْذًا مِنَ الحَاكِمِ أَيْ فِي المَدْخَلِ (من الصَّحِيح) متعلق بِفَوَّتَا أي الحديث الصَّحِيح (فَوَّتَا) بتشديد الواو فعل ماض من التفويت، والألف ضمير البخاري ومسلم أي تركا (كثيرا) أي شيئاً أو تفويتاً كثيراً، والمعنى أن البخاري ومسلماً رحمهما الله تعالى تركا تخريج أحاديث كثيرة من الأحاديث الصحاح، فلم يذكراها في كتابيهما, وذلك لأنهما لم يستوعبا ذكر الصَّحِيح، ولا التزاماه، ولذا قال الحاكم في خطبة مستدركه: ولم يَحْكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجه اهـ. هذا. ولما قال أبو عبد الله ابن الأخرم: لم يفتهما إلا اليسير ذكره بقوله: (وقال) الحافظ أبو عبد الله (نجل أخرم) بالصرف للضرورة أي ولد الأخرم بالخاء المعجمة، والراء المهملة، هو محمد بن يعقوب بن الأخرم الشيباني المعروف أبوه بابن الكرماني، ويقال له أيضاً الأخرم إجراء للقب

стр. 43

أبيه عليه، المتوفى سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وهو شيخ أبي عبد الله الحاكم (يسيرا) أي ترك الشيخان قليلاً من الأحاديث الصحاح، ورُدَّ عليه بقول البخاري: وما تركت من الصحاح أكثر، وبقول ابن الصلاح إن المستدرك على الصَّحِيحين للحاكم كتاب كبير يشتمل مما فاتهما على شيء كثير، وإن كان في بعضها مقال إلا أنه يصفو له من الصَّحِيح كثير، ولكن أجاب عنه الناظم بقوله (مراده) مبتدأ أي مقصود ابن الأخرم في قوله لم يفتهما إلا القليل (أعلى الصَّحِيح) خبر المبتدإ أي الحديث الذي في الدرجة العليا من الصحة فكأنه قال لم يفتهما من أصح الصَّحِيح إلا القليل، وهذا كلام لا غبار عليه، ومَحْمِل لا يتطرق الاعتراض إليه، فإذا كان وجهاً حسناً (فاحمل) عليه أيها الطالب الماهر والمحقق الباهر، مراد ابن الأخرم تنجو من اللوم، وتسلم. (أخذاً) حال من الفاعل أي حال كونك آخذ هذا الجواب، أو مفعول لأجله أي لأخذك (من) كلام (الحاكم) أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويهْ بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البَيِّع، المتوفى سنة خمس وأربعمائة. (أي) تفسيرية (في) كتابه المسمى (بالمدخل) إلى كتاب الإكليل، والمعنى أن مراد ابن الأخرم ﵀ في قوله: ما فاتهما إلا القليل هو أصح الصَّحِيح لأن الصَّحِيح مراتب، وهذا الجواب مأخوذ من تقسيم الحافظ أبي عبد الله الحاكم للحديث الصَّحِيح في كتابه المدخل إلى عشرة أقسام، فذكر منها في القسم الأول الذي هو الدرجة الأولى اختيار الشيخين إلى آخر الأقسام المذكورة في الشرح فتبيَّنَّا أن ما فاتهما من هذا النوع قليل، لا كثير, فحصل الجواب وللَّه الحمد. ولما قال النووي: إنه لم يفت الأصول الخمسة من الحديث إلا القليل، ذكره مع تقريره عليه، فقال: ٥٧ - النَّوَوِيْ: لَمْ يَفُتِ الخَمْسَةَ مِنْ ... مَا صَحَّ إِلاَّ النَّزْرُ فاقْبَلْهُ وَدِنْ (النووي) مبتدأ خبره محذوف أي قائل، أو فاعل لفعل محذوف، أي قال النووي (لم يفت) الأصول (الخمسة) أي الصَّحِيحين وسنن أبي داود

стр. 44

والترمذي والنسائي (مما صح) أي من الحديث الذي صح (إلا النزر) أي الشيء القليل. والمعنى أن الإمام النووي رحمه الله تعالى قال: إنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، قال الناظم ﵀: مقرراً لقوله وراضياً له (فاقبله) أيها الطالب الذكي والراغب الألمعي لكونه صواباً (ودِنْ) بالكسر فعل أمر من دانه يدينه بمعنى أطاعه أو جازاه، أي أطعه في هذا القول، ولا تعترض عليه، أو جازه بالشكر، والدعاء له، لكونه أفادك علما. ولما كان يتوجه على قوله اعتراض بقول البخاري ﵀: أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح فإنه يدل على كثرة ما فات الأصول الخمسة من الصَّحِيح لقلة أحاديثهما أجاب عنه الناظم بقوله: ٥٨ - وَاحْمِلْ مَقَالَ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفٍ ... أَحْوِي عَلَى مُكَرَّرٍ وَوَقْفٍ (واحمل) أيها الطالب الراغب (مقال) أي قول الإمام البخاري, وهو مضاف إلى الجملة بعده (عشر) بالنصب مفعول مقدم لأحوي مضاف إلى (ألف ألف) أي مائة ألف وإنما عبر به لضرورة النظم (أحوي) أي أحفظ، مضارع حَوَى الشيء يَحوِيه حَوَاية، واحتوى عليه إذا ضمه واستولى عليه، أفاده في المصباح. (على مكرر) متعلق باحمل أي على الحديث الذي يتكرر إسناده (ووقف) عطف على مكرر أي موقوف على الصحابة والتابعين. ومعنى البيت أنه يحمل قول البخاري أحفظ مائة ألف حديث صحيح على المكررات فربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين, وهكذا الموقوفات على الصحابة والتابعين, فإنه يطلق عليها لفظ الحديث على رأي بعض المحدثين كما تقدم، وذلك لأن الأحاديث الصحاح التي بين أظهُرِنَا بل وغير الصحاح لو تتبعت من المسانيد والجوامع والسنن

стр. 45

والأجزاء وغيرها لَمَا بَلَغَتْ مائة ألف حديث بلا تكرار بل ولا خمسين ألفاً, ويبعد كل البعد أن يكون رجل واحد حفظ ما فات الأمة جَمِيعَهُ فإنه إنما حفظه من أصول مشايخه، وهي موجودة، أفاده في التدريب، ثم ذكر ما يعرف به الحديث الصَّحِيح الزائد على الصَّحِيحين فقال: ٥٩ - وَخُذْهُ حَيْثُ حَافِظٌ عَلَيْهِ نَصْ ... وَمِنْ مُصَنَّفٍ بِجَمْعِهِ يُخَصْ ٦٠ - كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَيتْلُو مُسْلِمَا ... وَأَوْلِهِ البُسْتِيَّ ثُمَّ الحَاكِمَا (وخذه) أي الحديث الصَّحِيح الزائد عليهما (حيث حافظ) من حفاظ الحديث النبوي (عليه) أي على صحته (نص) أي عينه، وأوضحه، كأبي داود والترمذي والدارقطني، وغيرهم. (و) خذه أيضاً (من) كتاب (مصنف) بفتح النون (بجمعه) أي جمع الصَّحِيح متعلق بـ (يخص) أي الكتب التي تختص بجمع الصَّحِيح الذي لم يختلط بغيره. ومعنى البيت أنك إذا أردت أن تعرف الصَّحِيح الزائد على الصَّحِيحين فسبيله أن ينص عليه إمام من أئمة الحديث، أو يوجد في كتاب يختص بجمعه لا يخلط الصَّحِيح بغيره كالسنن الأربع فلا يكفي وجوده فيها لكونها تجمع الصَّحِيح وغيره، وتلك الكتب المختصة بجمعه (كـ) صحيح الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن إسحاق (ابن خزيمة) بن المغيرة السلمي النيسابوري، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، حدث عنه الشيخان في غير صحيحهما، وتوفي ﵀ سنة إحدى عشرة وثلثماثة، وهو ابن تسع وثمانين سنة. (ويتلو) أي صحيحُهُ في الرتبة (مسلما) أي صحيحه (وأوله) أي أتبع صحيح ابن خزيمة في الرتبة (البستي) أي صحيحه، وهو بضم الباء نسبة إلى بست بلد بسجستان، وهو الحافظ أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي، المتوفى في شوال سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وهو في عشر الثمانين وإنما قدم عليه ابن خزيمة لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول: إن صح الخبر، أو إن ثبت كذا، ونحو ذلك، بخلاف ابن حبان, فإنه ربما

стр. 46

يخرج عن المجهولين، لا سيما، ومذهبه إدراج الحسن في الصَّحِيح، كما قال الحاكم (ثم) أَوْلِ البستي في الرتبة (الحاكما) بألف الإطلاق أي كتابه المسمى بالمستدرك, فإنه ﵀ اعتنى بضبط الزائد على الصَّحِيحين مما هو على شرطهما، أو شرط أحدهما؛ أو صحيح، وإن لم يوجد شرط أحدهما، مُعَبِرًّا عن الأول بقوله: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو مسلم، وعن الثاني بقوله هذا حديث صحيح الإسناد. ولما كان كتابه مع ذلك وقع فيه تساهل كثير نبه عليه بقوله: ٦١ - وَكَمْ بِهِ تَسَاهُلٌ حَتَى وَرَدْ ... فِيهِ مَناكِرُ وَمَوْضُوعٌ يُرَدْ (وكم) أي كثير (به) أي في كتابه (تساهل) أي تغافل في التصحيح, قال الحافظ: وإنما وقع له ذلك لأنه سَوَّدَ الكتاب ليُنَقّحه فأعجلته المنية, وقد وَجَدْتُ في قريب الجزء الثاني من تجزئةٍ ستَّةٍ من المستدرك إلى هنا انتهى إملاء الحاكم ثم قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة، فمن أكبر أصحابه وأكثر النَّاس ملازمة له البيهقي، وهو إذا ساق عنه في غَيرِ المُمْلَى شيئاً لا يذكره إلا بالإجازة، قال: والتساهل في القدر المُمْلَى قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده اهـ. وقيل: إنه حصل له تغير في آخر عمره، وأصابته غفلة أثناءَ تأليفه المستدرك. (حتى ورد) غاية لتساهله في التصحيح (فيه) أي المستدرك (مناكر) أي واهيات لا تصح (وموضوع) أي مكذوب (يرد) أي مردود صفة للموضوع، وقد لخص الحافظ الذهبي مستدركه، وتعقب كثيرا منه بالضعف، والنكارة، وجمع جزءاً فيه الأحاديث التي فيه وهي موضوعة، فذكر نحو مائة حديث. ثم ذَكَرَ ما قاله الإمام ابن الصلاح في شأن ما تفرد الحاكم بتصحيحه فقال: ٦٢ - وَابْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَا ... فَحَسَنٌ إِلاَّ لِضَعْفٍ فَارْدُدَا ٦٣ - جَرْيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا ... فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْهِ جَنَحَا

стр. 47

(و) الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان (ابن الصلاح قال) في شأن الحاكم (ما) أي الحديث الذي (تفردا) بألف الإطلاق، أي الحاكم بتصحيحه لا بتخريجه فقط من غير تصريح بصحته إذ لا يعتمد عليه (فـ) هو حديث (حسن) للعمل به، والاحتجاج، فقوله: وابن الصلاح مبتدأ خبره جملة قال، وما موصولة، أو نكرة موصوفة مبتدأ وتفرد صلة، أو صفة، والفاء داخلة في خبر ما لما فيها من معنى العموم وقوله حسن خبر ما, والجملة مقول القول، ثم استثنى ابن الصلاح من ذلك ما إذا ظهرت فيه علة توجب ضعفه كما أشار إليه بقوله: (إلا لضعف) أي إلا أن يظهر ضعفه فإذا كان كذلك (فارددا) بألف مبدلة من نون التوكيد الخفيفة، وإنما قال ذلك (جريا) أي لأجل جريه (على) رأي (امتناع أن يصححا) وكذا أن يُحَسَّنَ أو يُضَعَّف (في عصرنا) المتأخر لضعف أهلية أهل هذه الأزمان وقوله (كما إليه) أي إلى هذا الرأي (جنحا) بألف الإطلاق أي مال ابن الصلاح واعتمده مؤكد لما قبله. والمعنى أن ابن الصلاح إنما حكم بكون ما تفرد بتصحيحه الحاكم حَسَناً، لأجل كونه جارياً على منع الاستقلال بإدراك الصَّحِيح، وكذا الحسن، والضَّعِيف، كما تفيده عبارة التدريب في هذه الأعصار المتأخرة لضعف أهلها عن ذلك، ثم أشار الناظم إلى رد رأي ابن الصلاح هذا بقوله: ٦٤ - وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ وَهْوَ الأَبَرْ ... فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ (وغيره) أي غير ابن الصلاح كالإمام النووي (جوزه) أي التصحيح وكذا التحسين، والتضعيف، كما تقدم لمن تمكنت، وقويت معرفته, (وهو) أي القول هذا (الأَبَرْ) أي الأحسن والأرجح، وهو الذي عليه عمل أهل الحديث من المعاصرين لابن الصلاح، ومن بعدهم، فقد صححوا أحاديث لم يَجْرِ لمن تقدمهم فيها تصحيح، كأبي الحسن بن القطان، والحافظ ضياء الدين المقدسي، والحافظ شرف الدين الدمياطي، والحافظ تقي الدين السبكي ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهليةَ ذلك منهم إلا أن منهم من لا يقبل

стр. 48

ذلك منهم، وكذلك المتقدمون ربما صحح بعضهم شيئاً فأنِكرَ ذلك عليه. (فاحكم) أي فإذا كان كذلك فاحكم أيها المتأهل لذلك في الحديث، بالاطلاع على ما فيه من الخفايا في القديم والحديث، (هنا) أي فيما انفرد بتصحيحه الحاكم (بما له أدى النظر) أي بالحكم الذي أدى إليه نظرك واجتهادك من الصحة، أو الحسن، أو الضعف. ومعنى البيت أن غير ابن الصلاح من الأئمة جوزوا التصحيح وكذا التحسين والتضعيف لمن تاهل لذلك وهذا القول هو الأرجح فإذا أدى اجتهادك إلى التصحيح أو غيره فيما انفرد بتصحيحه الحاكم فاحكم به. (تَتِمَّة) قوله " حتى ورد فيه مناكير وموضوع يرد "، وقوله " جرياً على " وقوله " وهو الأبر ". من زياداته. ولما نسب بعضُهم ابنَ حبان إلى التساهل أيضاً وليس ذلك بصحيح فَنَّدَهُ بقوله: ٦٥ - مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ ... بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَّى بِهِ (ما) نافية (ساهل) أي غافل الإمام الحافظ محمد بن حبان (البُسْتِيُّ) بضم فسكون نسبة إلى بلد بسجستان، في التصحيح (في كتابه) الأنواع والتقاسيم خلافاً لمن حكم عليه بذلك (بل شرطه) أي البستي (خف) بصيغة الماضي أي قل من شرط غيره من الأئمة (وقد وفي) البُسْتِيُّ (به) أي بما اشترطه، وغايته أن يسمي الحسن صحيحا، وذلك أنه يُخْرِج في كتابه المذكور ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هناك إرسال، ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح, ولا تعديل، وكل من شيخه، والراوي عنه، ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة، وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله، ولذا ربما اعتَرَض عليه في ذلك من لم يعرف حاله، ولا اعتراض عليه, إذ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، بخلاف الحاكم إذ شرط أن يخرج عن رواة خرَّج لمثلهم

стр. 49

الشيخان في كتابيهما اجتماعاً وانفرداً، ثم يترك هذا الشرط، فاتجه الإعتراض عليه. (تَتِمَّة) هذا البيت من زياداته، ثم تكلم على الكتب المستخرجة على الصَّحِيحين فقال: ٦٦ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِأَنْ ... يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنْ ٦٧ - لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَا ... مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدَا (واستخرجوا) أي العلماء (على الصَّحِيحين) صحيح البخاري ومسلم وكذا غيرهما، وإنما اقتصر عليهما نظراً إلى كثرته وشهرته، وإلا فقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داود، وأبو على الطُّوسي على الترمذي، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة، وأملى الحافظ العراقي على المستدرك مستخرجاً لم يكمل، وقيل: إنما اقتصر عليهما لأن كلامه سابقاً ولاحقاً في الصَّحِيح، ثم بَيَّنَ معنى الاستخراج فقال: (بأن يروي) الباء للتصوير، والجار والمجرور خبر لمحذوف أي ذلك بأن يروي إلخ أي يذكر المستخرج (أحاديث كتاب) وإنما نكره وإن كان الأولى كونه مُعَرَّفاً ليفيد أن هذا الحكم غير مختص بهذين الكتابين كما تقدم. (حيث عن) بتشديد النون، وخففت هنا للوزن: أي ظهر المذكور من الأحاديث، وإنما ذكَّره لتأويله بالمذكور (لا) عاطفة على محذوف متعلق بعَنَّ أي من طريق نفسه لا (من طريق من) أي الشخص الذي (إليه عمدا) أي قصده لاستخراج أحاديثه، فَمَنْ واقعة على صاحب الكتاب، والألف للإطلاق، ويقال: عَمَدْتُ للشيء عمداً من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدت، وتعمدته قصدت إليه أيضاً، قاله في المصباح، والضمير عائد إلى الرواي أي المستخرج حال كونه (مجتمعاً) مع صاحب الكتاب في الإسناد (في شيخه) أي مع شيخ صاحب الكتاب وهو البخاري، أو مسلم في

стр. 50

مثالنا، ويُسمَّى هذا النوع موافقة، لأنه وافق المستخرج بالكسر صاحب الكتاب في شيخه. (فصاعداً) أي فما فوق الشيخ، كشيخ الشيخ، حتى يصل إلى الصحابي، ويُسمَّى هذا النوع عالياً بدرجة، أو أكثر على حسب العلو، فإذا اجتمع مثلًا مع صاحب الكتاب في شيخ شيخه، كان عالياً بدرجة، وفي الثاني بدرجتين، وهكذا. ومعنى البيت أن العلماء عملوا المستخرجات على الصَّحِيحين, والاستخراج أن يأتي المحدث إلى كتاب من كتب الحديث، فيخرج أحاديثه بأسانيدَ لنفسه، لا بأسانيد صاحب الكتاب، بشرط أن يجتمع معه في شيخه، أو من فوقه، قال الحافظ: وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعدَ حتى يفقِدَ سنداً يوصله إلى الأقرب إلا لعذر، من عُلُوٍّ أو زيادةٍ مهمة اهـ. ثم إن المستخرجات لم يُلتَزَم فيها موافقة الصَّحِيحين في الألفاظ, وإليه أشار بقوله: ٦٨ - فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنًى، وَفِي ... لَفْظٍ كَثِيرًا، فَاجْتَنِبْ أَنْ تُضِفِ ٦٩ - إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا ... بِذَلِكَ الأَصْلَ وَمَا أَجَادَا (فربما تفاوتت) المستخرجات والمستخرج عليه (معنى) أي في المعنى وهذا قليل، (وفي لفظ كثيراً) أي تفاوتت في لفظ اختلافاً كثيرا, لأنهم يَرْوُونَها باِلألفاظ التي وقعت لهم من شيوخهم، والجار والمجرور عطف على " مَعْنَى " لأنه منصوب بنزع الخافض، ولا يقال: إنه غير قياسي لأن ذلك إذا لم يدل عليه دليل، وهنا دل عليه وجودها في المعطوف، ثم إن رُبَّ هنا مستعملة في التقليل والتكثير استعمالاً للمشترك في معنييه, فبالنسبة إلى المعنى للتقليل، وبالنسبة إلى اللفظ للتكثير، ويحتمل كونها للتقليل فقط، وفي لفظ متعلق بمحذوف أي وتفاوتت في لفظ كثيراً، فيكون عطف جملة على جملة، وأفاد العلامة الصنعاني أن في عباراتهم

стр. 51

مسامحة (١) إن حصل تفاوت، أو باعتبار من ينتهي إليه الإسناد من شيوخه إلى الصحابي الذي ذكر حديثه في الصَّحِيحين (فاجتنب) أيها المحدث (أن تضف) أي تنسب (إليهما) أي الصَّحِيحين، و " أن " يحتمل أن تكون مصدرية و " تضف " صلتها منصوب إلا أنه استعمله مجزوماَ فحذف عين فعله للضرورة (٢) وهو مفعول اجتنب، ويحتمل أن تكون شرطية ومفعول اجتنب محذوف أي اجتنب الغلط، وجوابها دل عليه السابق. والمعنى اجتنب الإضافة إلى الصَّحِيحين، أو اجتنب الغلط في الإضافة إليهما، بأن تنقل حديثاً من المستخرجات وتقول: هو كذا فيهما, أو في أحدهما، لأنه يكون كذباً إلا أن تقابله بهما، أو يقول المستخرج: أخرجاه بلفظه، (ومن) شرطية، أو موصولة (عزا) من المحدثين كالبيهقي في السنن والمعرفة وغيرهما، والبغوي في شرح السنة (إليهما) إلى الصَّحِيحين، أو أحدهما قائلاً رواه البخاري، أو مسلم مع أنه قد وقع في بعضه تفاوت في المعنى، أو في اللفظ (أرادا) جواب من، أو خبرها, والألف للإطلاق (بذلك) أي العَزو المذكور (الأصل) مفعول أراد، أي أصل الحديث الذي أورده دون اللفظ (وما أجادا) بألف الأطلاق، أي ما أحسن في صنيعه هذا، لإيقاعه في اللبس من لايعرف اصطلاحه. (تنبيهان): الأول: قال في التدريب: ولابن دقيق العيد في ذلك تفصيل حسن, وهو أنك إذا كنت في مقام الرواية فلك العزو، ولو خالف، لأنه عُرِف أن أجل قصد المحدث السَّند، والعثور على أصل الحديث، دون ما إذا كنت

стр. 52

في مقام الاحتجاج، فمن روى في المعاجم والمشيخات ونحوها فلا حرج عليه في الإطلاق بخلاف من أورد ذلك في الكتب المبوبة ولا سيما إن كان الصالح للترجمة قطعة زائدة على ما في الصَّحِيح. (الثاني): إنما منع العزو إلى الصَّحِيحين، أو أحدهما في المستخرجات فقط، وأما المختصرات فيجوز فيها ذلك لأن أصحابها نقلوا فيها ألفاظهما من غير زيادة، ولا تغيير، وكذا الجمع بين الصَّحِيحين لعبد الحق، لا الحميدي إذ فيه زيادة ألفاظ وتتمات بلا تمييز. ولَمَّا ذكر المستخرجات وحُكمَ العزو إلى الصَّحِيحين لمن نقل عنها: شرع يذكر فوائدها، وهي كثيرة أوصلها الحافظ إلى عشرة، فذكر منها هنا ثمانية بقوله: ٧٠ - وَاحْكُمْ بِصِحَّةٍ لِمَا يَزِيدُ ... فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفِيدُ ٧١ - وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَتَبْيِينَ الَّذِي ... أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاَع ذِي ٧٢ - تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطٍ وَكُلُّ مَا ... أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا الأول: صحة الزيادة وإليه أشار بقوله: (واحكم) أيها المحدث (بصحة لما يزيد) في المستخرجات من ألفاظ، أو تتمات، أو شرح لبعض ألفاظ الحديث، أو نحوِ ذلك، لأنها خارجة من مخرج الصَّحِيح، فلذا يشترط أن يكون رجال السَّند فيها على شرط من خَرَّجَ عليه صاحب الصَّحِيح. والثاني العلو وأشار إليه بقوله: (فهو) أي المستخرَجُ المفهومُ من قوله: واستخرجوا مبتدأ (مع العلو) متعلق بيفيد، أي علو الإسناد (ذا) أي المذكور من الصحة مفعول مقدم ليفيد، وجملة (يفيد) خبر المبتدإ. والمعنى أن المستخرَجَ يفيد الحكم بصحة الزيادة مع إفادته العلو, إذ قد تكون الرواية المستخرجة أعلى إسناداً، مثاله أن أبا نعيم لو روى حديثاً عن عبد الرزاق من طريق البخاري، أو مسلم لم يصل إليه إلا بأربعة، ولو رواه عن طريق الطبراني عن الدَّبَرِي عنه وصل باثنين وعلى

стр. 53

هذين الفائدتين اقتصر ابن الصلاح، وتبعه العراقي، إلا أنه أشار إلى أكثر منهما بقوله " من فائدته " (١). الثالث ما أشار إليه بقوله: (وكثرة الطرق) بالنصب عطف على ذا, والطرق: جمع طريق بسكون الراء للتخفيف، أي يفيد أيضاً كثرة الأسانيد، بأن يُضَمَّ المستخرِج بالكسر شخصاً آخر فأكثر مع الذي حدث عنه مصنف الصَّحِيح، وربما ساق له طُرُقاً أخرى إلى الصحابي بعد فراغه من استخراجه، كما يصنع أبو عوانة فيحصل قوة الحديث المستخرَجِ، والمستخرَجِ عليه، فإذا تعارضت الأحاديث رجح أكثرها طرقاً. الرابع: ما أشار إليه بقوله: (وتبيين) بالنصب أيضاً (الذي أبهم) يعني تبيين المستخرج بالكسر الروايَ الذي أبهمه صاحب الصَّحِيح، كحدثنا فلان، أو رجل، أو فلان، وغيره، أو غير واحد، فيعينه المستخرج. والخامس: ما ذكره بقوله: (أو) تبيين الذي (أهمل) في الصَّحِيح, كحدثني محمد، من غير ذكر ما يميزه عن غيره من المُحَمَّدِينَ، وكان في مشايخه محمدون، فيميزه المستخرج أيضاً. والسادس: ما أشار إليه بقوله: (أو سماع) بالنصب عطفاً على ذا أيضاً، أو بالجر عطفاً على الذي، أي تبيين سماعَ (ذِي تدليس) أي مدلس كأن يروى في الصَّحِيح عن مدلس بالعنعنة، فيبين المستخرج تصريحه بالسماع. والسابع: ما أشار إليه بقوله: (أو مختلط) عطف على الذي، أي تبيين رواية مختلط بكونها قبل اختلاطه، وذلك كأن يروي صاحب الصَّحِيح عن مختلط أي فاسد العقل بسبب الهرم، أو المرض، أو آفة، بعد أن كان حافظاً، ولم يبين هل سماع ذلك الحديث منه قبل اختلاطه، أو بعده, فيبينه المستخرج، إمَّا تصريحاً، أو بأن يرويه عنه عن طريق مَن لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، ويحتمل العطفَ على ذي أي وتبيين سماع مختلط

стр. 54

لكن باعتبار إضافة المصدر إلى مفعوله أي سماع الراوي عن مختلط والأول أولى، وهذه الفائدة، والتي قبلها، فائدتان، جليلتان، وإن كنا لا نتوقف فيما روي في الصَّحِيح من ذلك غير مُبَيَّن، ونقول: لو لم يطلع مصنفه على أنه روى قبل الاختلاط، وأن المدلس سمع لم يخرجه. والثامن: ما أشار إليه بقوله: (وكل ما) أي الذي، أو شيءٍ، وما واقعة على علة (أعل) به حديث (في الصَّحِيح) أي صحيح البخاري، أو مسلم (منه) أي مما أعل به متعلق بما بعده (سلما) بألف الإطلاق, والضمير راجع إلى المستخرَج المفهومِ من السياق، ويحتمل أن تكون ما واقعةً على حديث، والمعنى وكل حديث أُعلَّ أي حصلت فيه علة في الصَّحِيح سلم المستخرج منه، أي من ذلك المعل بسبب زوال تلك العلة, لأن المستخرج لا يذكر ذلك الحديث مع علته، بل يذكره بحيث لا توجد فيه تلك (١) العلة، والمعنى على كِلَا التقديرين واحدة. فجملة ما ذكره الناظم من الفوائد ثمانية. ويزاد عليه تاسع، وهو: عدالة من أخرج له فيه لأن المُخَرِّج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يخرج إلا عن ثقة عنده. وعاشر: وهو ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في كتاب مسلم كثير جداً فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة، ويحيل باقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده, فتارة يقول: مثله فيحمل على أنه نظيره، وتارة يقول نحوه، أو معناه, فيحمل على أن فيهما مخالفة بالزيادة والنقصان كما سيأتي البحث عنه, وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى. (تَتِمَّة) قوله: وما أجادا، وكثرة الطرق إلى آخر البيتين من زياداته.

стр. 55

(خاتمة) نسأل الله حسنها، أي هذا مبحث خاتمة يُخْتَمُ بها بحثُ الصَّحِيح يُذكر فيها كيفية نقلِ الحديث من الكتب المصنفة للعمل به، أو الاحتجاج به، لذي مذهب، قال ﵀: ٧٣ - لأَِخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنِّفٍ يَجِبْ ... عَرْضٌ عَلَى أَصْلٍ، وَعِدَةٍ نُدِبْ ٧٤ - وَمَنْ لِنَقْلٍ فِي الحَدِيثِ شَرَطَا ... رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا غُلِّطَا (لأَِخْذِ مَتْنٍ) أي حديث، متعلق بيجب، زاد ابن الصلاح لِمَنْ ساغ له ذلك، وهو العالم بشرط العمل، وكيفيةِ الاستدلال به، (من مصنف) بفتح النون أي من كتاب من الكتب المعتمدة كالبخاري، ومسلم، وأبي عوانة, وابن خزيمة، وابن حبان، مما اشتهر وصح لَيَعْمَل، أو يَحتَجَّ به لذي مذهب، (يجب عرض) فعل وفاعل، أي تجب مقابلة ذلك المصنف (على أصل) واحد محَقَّقٍ، معتمد، متعلق بعَرْضٍ (وعدة) بالجر بحرف جر محذوف لدلالة ما قبله عليه متعلق بندب، ويحتمل الرفع، على أنه مبتدأ سوغه كونه صفة لمحذوف، أي نسخٌ عِدَّة أي متعددة، أو موصوفاً بمحذوف، أي عدة من النسخ (ندب) فعل ونائب فاعل خبر على الثاني. ومعنى البيت أن من أراد الاحتجاج، أو العمل بحديث من كتاب من الكتب المعتمدة، وجب عليه أن يقابله على أصل واحد محقق معتمد، واستحب أن يقابله على أصول متعددة بروايات متنوعة فيما تكثر فيه الروايات

стр. 56

كالفربري، والنسفي، وحماد بن شاكر، وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري, أو أصول متعددة فيما مداره على رواية واحدة كأكثر الكتب، وقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة يتنزل منزلة التواتر، والاستفاضة، أفاده السخاوي. ولما كان من المحدثين من شدد في الرواية حتى قال: من وجد حديثاً في كتاب صحيح لا يجوز أن يرويه لأنه لم يسمعه، وهذا القول غلط أشار الناظم إلى تفنيده بقوله (ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ (لنقل) متعلق بشرط (في الحديث) صفة لنقل أي كائن في الحديث (شرطا) بألف الإطلاق (رواية) أي نقلاً عن الشيوخ (ولو) كان النقل على أقل وجوه الروايات بأن يكون (مجازاً) بالضم من الإجازة (غُلِّطَا) بالبناء للمفعول، وتشديد اللام، أي نسب قولُه هذا إلى الغلط، جواب الشرط، أو خبر المبتدإ. ومعنى البيت أن من شرط لرواية الحديث النقلَ عن الشيخ ولو بالإجازة غُلِّطَ في قوله هذا، وهذا المشترط هو بعض المحدثين، ومنهم أبو بكر محمد بن خير بن عمر الأموي (١) الإشبيلي، خال أبي القاسم السهيلي صاحب روض الأنف، قال في بَرْنَامَجِهِ (٢): اتفق العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول الله ﷺ : كذا حتى يكون ذلك القول مروياً. ولو على أقل وجوه الروايات، لحديث " من كَذَب عَلَيَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " وقد تعقب الزركشي ذلك، فقال: نقل الإجماع عجيب، وإنما حكي ذلك عن بعض المحدثين، ثم هو معارض بنقل ابن بَرْهَانَ إجماع الفقهاء على الجواز، قال في الأوسط: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا صح عنده النسخة جاز العمل بها، إن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني الإجماع على جواز النقل من

стр. 57

الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السَّند إلى مصنفيها، وذلك شامل لكتب الحديث والفقه، وقال إِلْكِيَا (١) الهَرَّاسِيّ (٢) الطبري في تعليقه: مَنْ وجد حديثاً في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به. وقال: قوم من أصحاب الحديث لا يجوز له أن يرويه لأنه لم يسمعه، وهذا غلط، وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين, وقال: هم عُصْبَة لا مبالات بهم في حقائق الأصول، يعني المقتصرين على السماع لا أئمة الحديث، ونَصَّ الشافعي ﵀ في الرسالة على أنه يجوز أن يحدث بالخبر وإن لم يعلم أنه سمعه، فظهر بطلان ادعاء الإجماع، والاستدلال بالحديث المذكور على المنع فاسد، لأنه ليس فيه اشتراط ذلك وإنما فيه تحريم القول بنسبة الحديث إليه حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على روايته بل يكفي في ذلك علمه بوجوده في كتب من خرج الصَّحِيح، أو كونه نص على صحته إمام، وعلى ذلك عَمَلُ الناس. ولما أنهي الكلام على القسم الأول وهو الصَّحِيح شرح يبين الثاني فقال:

стр. 58

(الحسن) أي هذا مبحثه، وهو النوع الثاني من أنواع علوم الحديث قدمه، على الضَّعِيف لاشتراكه مع الصَّحِيح في الحجية، وهو لغة ما تشتهيه النفس, وتميل إليه، ولما كان بالنظر لقسيميه تتجاذبه الصحة والضعف: اختلف تعبير الأئمة في تعريفه اصطلاحاً على أقوال، اختار الناظم منها ما ذكره بقوله: ٧٥ - المُرْتَضَى فِي حَدِّهِ مَا اتَّصَلا ... بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا ٧٦ - شَذَّ وَلا عُلِّلَ وَلْيُرَتَّبِ ... مَرَاتِبًا والاِحْتِجَاجِ يَجْتَبِي ٧٧ - اَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ ... فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرْقٍ أُخْرَى يَنْمِي ٧٨ - إِلَى الصَّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا ... يَرْقَى إِلَى الحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا ٧٩ - ضَعْفًا لِسُوءِ الحِفْظِ أَوْ إِرْسَالٍ أْوْ ... تَدْلِيسٍ أْوْ جَهَالَةٍ إِذَا رَأَوْا ٨٠ - مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا ... كَانَ لِفِسْقٍ اْوْ يُرَى مُتَّهَمَا ٨١ - يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالتَّعَدُّدِ ... بَلْ رُبَّمَا يَصِيرُ كَالَّذِي بُدِي (المرتضى) أي القول المرضي من الأقوال التي ذكرت (في حده) أي تعريف الحسن ما قاله شيخ الإسلام تقي الدين الشُّمُنِّيُّ - بضم الشين وتشديد النون - وهو (ما اتصلا) بألف الإطلاق، أي خبر متصل سنده بلا سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سَمِعَ ذلك المرويَّ عن شيخه (بنقل عدل) أي مع عدالة الناقل بالمعنى السابق في الصَّحِيح، متعلق بما قبله (قل ضبطه) فعل وفاعل صفة لعدل، أي قليل الضبط صدراً أو كتابة، ولكنه

стр. 59

مرتفع عن حال من يعد تفرده منكراً (ولا شذ) أي وليس حديثاً شاذًّا (ولا علل) بالبناء للمفعول، أي وليس معللا بعلة قادحة، فخرج الصَّحِيح, والضَّعِيف. والجملة حال من ما. ثم ذكر أن الحسن مراتب كالصَّحِيح فقال: (وليرتب) بالبناء للمفعول أي الحسن (مراتبا) صرف للضرورة، فأعلى مراتبه كما قال الذهبي: بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وابن إسحاق عن التيمي، وأمثالُ ذلك مما قيل فيه إنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصَّحِيح، ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه وتضعيفه كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة, وحجاج بن أرطأة، ونحوهم. ثم ذكر حكمه فقال: (والاحتجاج) بالنصب مفعول مقدم، أي جَعْلَ الحديثِ الحسنِ حجة في الأحكام وغيرها (يجتبي الفقهاء) أي يختاره الفقهاء، أي كلهم (وجل) أي معظم (أهل العلم) من المحدثين والأصوليين، فالحديث الحسن عندهم كالصَّحِيح في الحجية, وإن كان دونه في القوة، ولذا أدرجته طائفة كالحاكم وابن حبان وابن خزيمة في نوع الصَّحِيح مع اعترافهم أنه دونه، واحترز بقوله: وجُلُّ إلخ عن طائفة تمنع الاحتجاج به كأبي حاتم الرازي، ونسب أيضاً إلى البخاري، واختاره أبو بكر بن العربي في عارضته، وهذا النوع المُعَرَّفُ من الحسن هو المسمى بالحسن لذاته، وهو يرتقي إلى درجة الصَّحِيح بسبب تعدد طرقه, كما أشار إليه بقوله: (فإن أتى) الخبر الحسن الذي كان روايه قاصِراً عن درجة الحافظ الضابط مشهوراً بالصدق والستر (من طرق) بسكون الراء جمع طريق (أخرى) أي من جهة أخرى ولو واحدةً (يَنمِي) كيرمي مضارع نَمَىٍ بمعنى: ارتفع يقال نمى الحديث: ارتفع، ونميته مخففاً يستعمَل لازماً ومتعدياً، ونمَّيته بالتشديد إذا عزوته، أفاده في القاموس، والمناسب هنا اللزوم أي يرتفع من درجة الحسن (إلى) درجة (الصَّحِيح) لكن لما كان الصَّحِيح له قسمان صحيح لذاته وصحيح لغيره والحسن إنما يرتفع إلى الصَّحِيح لغيره بين ذلك بأي التفسيرية فقال: (أي لغيره) أي الصَّحِيح

стр. 60

لغيره، وهو تعدد الطرق، وإنما ارتفع لقوته بالمتابعة وزوال ما كنا نخشاه من جهة سوء الحفظ ومثاله: حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " فمحمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة لكن لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن فلما انضم إلى ذلك كونه روى من أوجه أُخَرَ حكمنا بصحته، والمتابعةُ في هذا الحديث ليست لمحمد، عن أبي سلمة، بل لأبي سلمة عن أبي هريرة فقد رواه عنه أيضاً الأعرج وسعيد المقبري وأبوه وغيرهم. (كما يرقى) بسبب المتابعة (إلى) درجة ذي (الحسن) ويُسمَّى الحسن لغيره: الحديثُ (الذي قد وُسِمَا) بالبناء للمفعول وألف الإطلاق، أي عُلِّمَ (ضعفاً) بالضم والفتح أي بضعف منصوب بنزع الخافض أي شهر بكونه ضعيفا (لـ) أجل (سوء الحفظ) من راويه الصدوق فإذا جاء من وجه آخر زال ضعفه وعلمنا به أنه قد حفظه، ولم يختل ضبطه، فصار الحديث حسناً لغيره، كحديث الترمذي وحسنه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزرة تزوجت على نعلين فقال رسول الله ﷺ : " أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجاز " قال الترمذي: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد، فعاصم ضعيف لسوء حفظه وقد حسَّن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه (أو) وُسِم بضعفه لأجل (إرسال) أي كان ضعفه لوجود إرسال في سنده، فإذا جاء من وجه آخر فإنه يزول ضعفه, ويكون حسناً لغيره: ومثاله يأتي في بحث المرسل. (أو) كان ضعفه لأجل (تدليس) من راويه: مثاله ماْ رواه الترمذي وحسنه من طريق هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب مرفوعاً " إن حقاً على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب " فهشيم موصوف بالتدليس لكن لما تابعه عند الترمذي أبو يَحْيَى التيمي، وكان للمتن شواهد من حديث أبي

стр. 61

سعيد الخدري وغيره حسنه، (أو) ضُعِّفَ لأجل (جهالة) رجال الإسناد، كما زاده الحافظ فإنه يزول ضعفه بتعدد طرقه، (إذا) ظرف ليرقى (رأوا) أي المحدثون (مجيئه) أي الحديث الذي وسم بالضعف لسبب من الأسباب المذكورة، (من جهة أخرى) متعلق بمجيء. وحاصل المعنى أن الحديث الذي عرف ضعفه لسوء حفظ راويه أو إرسَاله أو تدليسه أو جهالته يرتقي إلى درجة الحسن لغيره إذا جاء من جهة أخرى، ولو كان من وجه واحد, وهذا النوع هو المسمى بالحسن لغيره. فاتضح بذلك أن المقبول من الحديث ينقسم أربعة أقسام: صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره. ثم إن ما ذكر من أن الضَّعِيف يرتقي إلى درجة الحسن مشروط بعدم شدة ضعفه، وإلا فلا يرتقي إليه فلا يرتقي عن الإنكار، كما أشار إليه بقوله: (وما كان) أي الحديث الذي كان ضعفه (لفسق) في راويه (أو يرى) بالبناء للمجهول أي يظن راويه (متهماً) بالكذب (يَرقَى) خبر ما (عن الإنكار) أي كونه منكراً، أو لا أصل له (بالتعدد) متعلق بيرقى أي بسبب تعدد طرقه. وحاصل المعنى: أن ما كان ضعفه لفسق راويه, أو تهمته بكذب يرتقي عن كونه منكراً، ولا يرتقي إلى درجة الحسن لقوة ضعفه، وتقاعد هذا الجابر عن جبره، ومقاومته. ومثاله حديث: " من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء "، وفي لفظ " بعثه الله فقيهاً عالماً " , قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعفه, وإن كثرت طرقه لكن لو وجد بعد ذلك طريق آخر فيه ضعف قرب محتمل يرتقى إليه أيضاً كما أشار إليه بقوله: (بل ربما) كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، والسيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل (يصير) بمجموع ذلك (كَالَّذِي بُدِي) أي كالحسن الذي بدئ به الباب، لكن يسمى أيضاً حسناً لغيره، وها هنا اعتراض للعلامة أحمد محمد شاكر على الناظم في تعليقه فانظره.

стр. 62

(تَتِمَّة): قوله وليرتّب مراتباً وقوله أو إرسال أو تدليس أو جهالة وقوله يرتقي عن الإنكار من زياداته. ثم ذكر ﵀ مظان الحسن فقال: ٨٢ - وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ ... لِلدَّارَقُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّاتِ الحَسَنْ (والكتب الأربع) التي هي السنن الأربع للأئمة الأربعة: أبي داود, والترمذي، والنسائي وابن ماجه. (ثُمَّتَ) بمعنى الواو لأنه لا ترتيب يراد هنا بل المراد كونها مظان الحسن، ويحتمل أن يراد الترتيب أيضاً بالنسبة إلى كثرة الحسن في الكتب الأربع وقلته في الدارقطني (السنن) بالضم جمع سنة، وهي الطريقة. وسيأتي تفسيرها اصطلاحاً (لـ) لإمام شيخ الإسلام حافظ الزمان، أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي (الدارقطني) بفتح الراء وضم القاف وسكون الطاء نسبة إلى دارقطن محلة ببغداد كبيرة, ولد ﵀ سنة ست وثلاثمائة، سمع عن البغوي وابن أبي داود، وابن صاعد، وخلائق، وحدث عنه الحاكم وأبو حامد الإسفرايني، وتَمَّام الرازي، وخلائق، كان أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع، وإماماً في القراءة والنحو، ونسب إلى التشيع. قال الذهبي: ما أبعده من التشيع، توفي ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن تسع وسبعين سنة. (من مظنات الحسن) جار ومجرور خبر المبتدإ، جمع مظنة بكسر الظاء فيهما, وهي مَفْعِلة من الظن، قال المطرزي: المظنة العِلمُ من ظن: بمعنى علم, وقال في المصباح: وقد يستعمل الظن بمعنى اليقين ومنه المظنة بكسر الظاء للمَعْلَم، وهو حيث يعلم الشيء أفاده الصنعاني. وحاصل المعنى: أن هذه الكتب من مواضع وجود الحديث الحسن ومعادنه. (تَتِمَّة): هذا البيت من زياداته.

стр. 63

ولما بين أن الكتب الأربع من مظان الحسن شرع يبين شروطهم فيها على الترتيب مقدماً أبا داود لأن شرطه أشد من شروط غيره على ما قيل: فقال: ٨٣ - قَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ ... ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ ٨٤ - وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا ... فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا ٨٥ - مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلا صَحَّ حَسَنْ ... لَدَيْهِ مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ (قال) الإمام الحافظ الحجة (أبو داود) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السجستاني، ولد سنة اثنتين ومائتين، سمع أبا عمر الضرير، ومسلم بن ابراهيم، والقعنبي، وعبد الله بن رجاء، وأبا داود الطيالسي، وخلقاً كثيراً وحدث عنه الترمذي، والنسائي, وكتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث العتيرة، وأراه كتابه فاستحسنه, توفي بالبصرة في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، عن ثلاث وسبعين سنة. (عن كتابه) أي مبيناً عن شأن كتابه السنن الشهير الذي قال هو عنه: كتبت عن النبي ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها هذا السنن فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وسنن أبي داود عهد الإسلام، وقال النووي: ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناءُ به، وبمعرفته المعرفةَ التامةَ، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يُحتَجُّ بها فيه، مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه اهـ. أي قال في ذكر شأن كتابه ما: معناه: (ذكرت) فيه (ما صح) أي الحديث الصَّحِيح (وما يشابه) أي يشابه الصَّحِيح، ونصه: كما قال السخاوي نقلًا عن تاريخ الخطيب البغدادي من طريق ابن داسة عنه ذكرت في كتابي الصَّحِيح وما يشبهه ويقاربه. قال السخاوي والواو هنا للتقسيم، أو لغيره من أنواع العطف المقتضي للمغايرة، ولا شك فيها هنا فما يشبه الشيء وما يقاربه ليس به، ولذا قيل: إن الذي يشبهه هو الحسن، والذي يقاربه الصالح، ولزم منه جعل الصالح قسماً

стр. 64

آخر اهـ. وقال أبو داود أيضاً: (وما) أي الحديث الذي (به) أي فيه (وهن) بالفتح كالوعد، أي ضُعْفٌ شديد، فالتنوين للتعظيم. (أقل) أي أُبَيِّنُ وَهْنَهُ، وجزمه للضرورة، والجملة خبر ما (وحيث لا) أذكر فيه شيئاً فهو (صالح) للاحتجاج به، كما قال العراقي، أو صالح للأعم من ذلك كما ذكره الحافظ احتمالاً. وحاصل ما ذكره أبو داود عن كتابه أنه يقول ذكرت في كتابي الصَّحِيح وما يشبهه وما يقاربه، وإذا كان فيه حديث فيه ضعف شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح. (تنبيه): قال الحافظ السخاوي: وتردد شيخي - يعني الحافظ ابن حجر - في محل هذا البيان أهو عقيب كل حديث على حدة، ولو تكرر ذلك الإسناد بعينه، أو يكتفي بالكلام على وهن إسناد مثلا، فإذا عاد لم يبينه اكتفاء بما تقدم، ويكون كأنه قد بينه؟ وقال: هذا الثاني أقرب عندي, قال السخاوي. على أنه لا مانع من أن يكون سكوته هنا لوجود متابع أو شاهد. قال شيخنا: وقد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض، ولا سيما رواية أبي الحسن ابن العبد، فإن فيها من كلام أبي داود شيئاً زائداً على رواية اللؤلؤي اهـ. وكذا قال ابن كثير وزاد قوله: ولأبي عبيد الآجري أسئلة عن أبي داود في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه. اهـ باختصار. فعلى هذا يتعين ملاحظة ما وقع في غيرها مصرحاً به بالضعف الشديد مما سكت عليه في السنن لا مطلق الضعف وكذا ينبغي عدم المبادرة لنسبة السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم. أفاده السخاوي في فتح المغيث. (فا) لإمام أبو عَمْرو (بن الصلاح) ﵀ (جعلا) بألف الإطلاق (ما) أي الحديث الذي (لم يضعفه) أبو داود في سننه (ولا صح) عند غيره من المعتمدين الذين يميزون بين الصَّحِيح والحسن (حسن) مفعول ثان لجعل, وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة (لديه) أي عند أبي داود (مع) بسكون

стр. 65

العين لغة في فتحها (جواز) أي احتمال (أنه) أي ما سكت هو عليه (وهن) بفتح الواو والهاء، يحتمل أن يكون مصدراً أي ذو وهن وأن يكون فعلاً ماضياً، يقال: وهن كوَعَدَ وَوَرِثَ وكَرُمَ وَوَجِلَ في العمل. وَهْنَاً بفتح فسكون ويحرك ضعف، أفاده في " ق " وشرحه، أي مع احتمال ضعفه عند غيره، ونص عبارة ابن الصلاح بعد ذكر ما قاله أبو داود: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقا وليس في أحد الصَّحِيحين ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصَّحِيح والحسن عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود وقد يكون في ذلك ما ليس بحسنٍ عند غيره ولا مندرجٍ فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق إلى آخر كلامه. (تَتِمَّة): قوله: مع جواز أنه وهن، من زياداته. ولما اعترض على ابن الصلاح الحافظ أبو بكر بن رشيد (١) في قوله هذا قائلًا: ليس يلزم من ذلك كونه حسناً عند أبي داود إذ يكون صحيحاً عنده، واستحسنه أبو الفتح اليعمري أشار الناظم إليه مع الجواب عنه بقوله: ٨٦ - فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ ... قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ (فإن يقل) بالبناء للمفعول، أي فإن قال قائل معترضاً على ابن الصلاح كما أبداه ابن رُشيد المذكور (قد يبلغ) ما سكت عنه أبو داود (الصحة له) أي لأبي داود أي عنده، وإن لم يكن صحيحاً عند غيره فكيف يقتصر ابن الصلاح على الحكم بحسنه فقط (قلنا) جواباً عن اعتراف (احتياطاً) أي لأجل احتياطه (حسناً قد جَعَله) ابن الصلاح إذ الصالح للاحتجاج لا يخرج عن الصَّحِيح والحسن، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص وحينئذ فالاحتياط الاقتصار على الحسن. وحاصل الجواب: أن ابن الصلاح إنما ذكر ما نعرف به الحديث الذي سكت عنه أبو داود، لأنه يحتمل أن يكون صحيحاً، وأن يكون حسناً

стр. 66

عنده، كما يحتمل أن يكون ضعيفاً عند غيره فالأولى أن يحمل على أنه حسن عنده، ولا يرتقي إِلى درجة الصحة، وإن جاز أن يبلغها، لأنه الأحوط. ولما اعترض عليه أيضاً ابن سيد النَّاس (١) بأمر آخر أشار إليه مع الجواب عنه بقوله: ٨٧ - فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ: لا ... يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا ٨٨ - فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّقِ ... وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي ٨٩ - هَلاَّ قَضَى فِي الطَّبَقَاتِ الثَّانِيَهْ ... بِالحُسْنِ مِثْلَ مَاقَضَى فِي المَاضِيَهْ ٩٠ - أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ ... مَاصَحًّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الحُسْنِ يُحَطْ (فإن يقل) بالبناء للمفعول أيضاً أي إن قال قائل معترضاً عليه كما أبداه ابن سيد النَّاس اليعمري (فمسلم) صاحب الصَّحِيح (يقول) في مقدمة صحيحه ما معناه: (لا يجمع جملة) الحديث (الصَّحِيح) أي كل ما صح عن رسول الله ﷺ (النبلا) بضم ففتح جمع نبيل من النُّبْل بالضم وهو الذكاء والنجابة كما في القاموس، أي الأئمة الأذكياء الذين بلغوا الغاية في الحفظ والإتقان، كمالكٍ وشعبة والسفيانين. (فاحتاج) الإمام مسلم (أن ينزل) أي إلى النزول (لْمُصَدَّقِ) بفتح الدال أي لتخريج أحاديث الرجل المنسوب إلى الصدق، كليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وغيرهم لما يشمل الكل من اسم العدالة والصدق (وإن يكن) ذلك المُصَدَّق (في حفظه) وإتقانه للحديث متعلق بقوله: (لا يرتقي) إلى درجة أولئك النبلاء، وحاصل معنى البيتين أن الإمام مسلماً ﵀ ذكر في مقدمة صحيحه ما معناه أنه لما كان النبلاء المتقنون لا يستوعبون كل الأحاديث الصحاح مع أنه يريد الاستكثار من الصَّحِيح ولا يبلغ ذلك ما أراده اقتضى ذلك أن ينزل

стр. 67

إلى ذكر أحاديث رجال ليسوا في الإتقان مثل الأولين وإن كان اسم العدالة والصدق يشملهم فقال المعترض: (هلا قضى) ابن الصلاح (في) بمعنى على أي على أحاديث (الطبقات الثانية) وهي التي لا ترتقي في الحفظ إلى درجة النبلاء (بالحسن) متعلق بقضى (مثل ما قضى) ما مصدرية. أو موصولة أي مثل قضائه أو الذي قضاه (في الماضية) أي على الحالة الماضية وهي التي سكت عنها أبو داود. وحاصل كلام المعترض أن عمل أبي داود شبيه بعمل مسلم فهلا ألزم الشيخ ابن الصلاح مسلماً من ذلك ما ألزمه أبا داود لاتحاد معنى كلامهما فأجاب عنه الناظم وفاقاً للحافظ العراقي، فقال: (أجب) أيها المحدث الطالب للتخلص من المعضلات وحَلِّ ما حَلَّ من المشكلات (بأن مسلماً) ﵀ (فيه) أي في كتابه متعلق بقوله (شرط) أي التزم تخريج (ما صح) من الحديث (فامنع) أيها النحرير، الطالب للتحرير (أن) بالفتح مصدرية (لذي الحسن) أي لدرجة حديث صاحب الحسن متعلق بقوله (يحط) بالبناء للمفعول، من الحط يقال: حط الرَّجُلَ وغيره من باب قتل أنزله من علو إلى سفل، كما في المصباح، وأن وصلتها في تأويل المصدر مفعول امنع أي امنع حَطَّ حديثه إلى درجة الحديث الحسن، لقصوره عن الصَّحِيح، وهو شَرَطَ أن لا يخرج إلا الصَّحِيح، بخلاف أبي داود فإنه لم يشترط ذلك فصح حمل كلامه عليه. وحاصل الجواب أن مسلماً التزم في كتابه تخريج الصَّحِيح فقط، فليس لنا أن نحكم على حديث خرجه أنه حسن عنده لقصور الحسن عن الصَّحِيح، بخلاف أبي داود فإنه لم يلتزم ذلك وقال: ما سَكَتُّ عنه فهو صالح، والصالح يجوز أن يكون صحيحاً، وأن يكون حسناً عند من يرى الحسن مرتبة متوسطة بين الصَّحِيح والضَّعِيف، ولم ينقل لنا عنه أنه يقول بذلك، أو يرى ما ليس بضعيف صحيحاً، فكان الأولى بل الصواب أن لا

стр. 68

يرتفع ما سكت عنه إلى الصحة حتى يُعلَم أن رأيه هو الثاني، ويحتاج إلى نقل. أفاده العراقي. (تَتِمَّة): هذا البيت من زياداته ثم ذكر اعتراضاً وَارِداً على الإمام البغوي في كتابه مصابيح السنة، والجواب عنه فقال: ٩١ - فِإِنْ يُقَلْ: فِي السُّنَنِ الصِّحَاحُ مَعْ ... ضَعِيفِهَا وَالبَغَوِيُّ قَدْ جَمَعْ ٩٢ - مَصَابِحًا وَجَعَلَ الحِسَانَ مَا ... فِي سُنَنٍ قُلْنَا: اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى (فإن يقل) بالبناء للمجهول أي قال قائل اعتراضاً على صنع البغوي (في السنن) الأربع وأشباهها (الصحاح) بكسر الصاد جمع صحيح أي الأحاديث الصَّحِيحة وكذا الحسان (مع ضعيفها) أي الأحاديثِ بل وفيها المنكر أيضاً (والبغوي) هو الحافظ محيي السنة الفقيه المجتهد أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفَرَّاء، نسبة إلى صنعة أبيه لأنه كان يعمل الفِرَاءَ ويبيعها، توفي البغوي بمدينة مرو الروذ، في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة. والبغوي نسبة إلى بلد من بلاد خُرَاسان بين مرو وهراة، يقال له بغاوبغشور قاله في اللباب. (قد جمع) كتاباً في الحديث سماه (مصابحاً) بحذف الياء تخفيفاً لأنه جمع مصباح وهو السراج، واسمُ الكتاب الكاملُ مصابيح السنة (و) قَسَّمَ أحاديثه إلى صحاح وحسان (فجعل) الصحاح ما في الصَّحِيحين أو أحدهما، وجعل (الحسان ما) أي الأحاديث التي (في سنن) لأبي داود والترمذي وأشباههما، فاعْتُرِضَ عليه في ذلك، قال ابن الصلاح هذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك، وقال النووي إنه ليس بصواب لما تقرر من اشتمال السنن على الصَّحِيح والحسن والضَّعِيف والمنكر، قال الناظم تبعاً لغيره في الجواب (قلنا) مجيبين عن هذا الاعتراض إن هذا (اصْطِلاحٌ يُنْتَمَى) بالبناء للمفعول أي ينسب إليه خاصة في هذا الكتاب، قال التاج التبْريزي ولا أزال أتعجب من الشيخين يعني ابن الصلاح والنووي في اعتراضهما على البغوي، مع

стр. 69

أن المقرر أنه لا مُشَاحَّة في الاصطلاح، قال الناظم وكذا مشى عليه علماء العجم آخرهم شيخنا العلامة الكافيجي في مختصره. اهـ, وما اعترض به العلامة أحمد بن محمد شاكر بضعف هذا الجواب أجبت عنه في الشرح فانظره. (تَتِمَّة): هذا الشطر من زياداته. ثم أعاد الكلام على السنن فقال: ٩٣ - يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ أَقْوَى مَا وَجَدْ ... ثُمَّ الضَّعِيفَ حَيْثُ غَيْرَهُ فَقَدْ (يروي أبو داود) في سننه (أقوى ما وجد) بالبناء للفاعل أي أصح ما وجب قبوله من الأحاديث إذا وجده (ثم) يروي (الضَّعِيف) منها من قِبَلِ سوء حفظ راويه ونحو ذلك كالمجهول عيناً أو حالا، لا مطلق الضَّعِيف الذي يشمل ما كان راويه متهماً بالكذب أفاده السخاوي. (حيث غيره) أي الضَّعِيفِ (فقد) أي حيث لم يجد الأقوى المذكور. وحاصل معنى البيت أن أبا داود يروي في سننه أقوى الأحاديث ثم إذا لم يجده في الباب يخرج الحديث الضَّعِيف لأنه عنده أقوى وأحب من آراء الرجال وهو تابع في ذلك شيخه أحمد بن حنبل ولنعم ما قيل: [من الوافر] إذا جَالَتْ خُيولُ الَّنصِّ يَوْماً ... تُجَارِي فِي مَيَادِيِن الْكِفَاحِ (١) غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى ... تَطِيرُ رُؤُسهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ ثم ذكر شرط النسائي فقال: ٩٤ - وَالنَّسَئِي مَنْ لَمْ يَكُونُوا اتَّفَقُوا ... تَرْكًا لَهُ وَالآخِرُونَ ألْحَقُوا ٩٥ - بِالْخَمْسَةِ ابْنَ مَاجَةٍ، قِيلَ: وَمَنْ ... مَازَ بِهِمْ فَإِنَّ فِيهِمُو وَهَنْ (و) الإمام الحافظ الحجة أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني (النسئي) بتخفيف الياء للوزن نسبة إلى نسأ

стр. 70

كجبل مهموز كما صرح به الأسنوي وابن خَلِّكَان والسبكي وهي بلدة بخراسان أفاده المرتضى في التاج في مادة نساء وعلى هذا نظم بعضهم فقال: وَالنَّسَئِى نِسَبَة لِنَسَأٍ ... مَدِينَةٌ فِي اْلوَزْنِ مِثْلُ سَبَأٍ وقال في اللباب: النسائي بفتح النون والسين وبعد الألف همزة وياء النسب هذه النسبة إلى مدينة بخراسان يقال لها: نسا وينسب إليها نسوي اهـ. وقال في معجم البلدان: كان سبب تسميتها بهذا الإسم أن المسلمين لما وردوا خراسان قصدوها فبلغ ذلك أهلها فهربوا ولم يتخلف بها غير النساء فلما أتاها المسلمون لم يروا بها رجلاً فقالوا هؤلاء نساء والنساء لا يقاتلن فننسا أمرها الآن إلى أن يعود رجالهن، فتركوها ومضوا فسموها بذلك نساء والنسبة الصَّحِيحة إليها نسائي، وقيل نسوي أيضاً، وكان من الواجب كسر النون اهـ، قلت والموافق للوزن ما في التاج وكذا النسوي أيضاً، ولد ﵀ سنة خمس عشرة ومائتين وكان إماماً حافظاً ثبتا خرج من مصر في شهر ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، وتوفي بفلسطين يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة ودفن بالرمْلَة وفي سبب موته قصة مشهورة. كان ﵀ لا يقتصر في التخريج على المتفق على قبولهم بل يخرج حديث (من لم يكونوا) أي أئمة الحديث (اتفقوا تركا له) منصوب بنزع الخافض واللام زائدة أي على تركه، وحاصل المعنى أن الإمام النسائي يخرج أحاديث من لم يُجْمَع على تركه ومعنى ذلك كما قال الحافظ أنه يريد اجماعاً خاصاً وذلك أن كل طبقة من طبقات الرجال لا تخلو عن متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثَّوري، وشعبة أشد من الثَّوري، ومن الثانية يَحْيَى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وَيَحْيَى أشد من عبد الرحمن ومن الثالثة يَحْيَى بن معين وأحمد بن حنبل، وَيَحْيَى أشد من

стр. 71

أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري، فقال النسائي لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، زاد السخاوي فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه القطان مثلاً فإنه لا يترك لما عرف من تشدد يَحْيَى ومَنْ هُو مثله في النقد اهـ, فظهر بهذا أن ما يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي يجتنب النسائي إخراج حديثه، قاله الحافظ وزاد السخاوي بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين، حتى قال بعض الحفاظ إن شرطه في الرجال أشد من شرطهما اهـ. ثم ذكر الأصل السادس المزيد على الخمسة، فقال: (والآخرون) بكسر الخاء أي المحدثون المتأخرون عن زمان من جعل الأصول خمسة، ويحتمل أن يكون بفتح الخاء أي المحدثون غيرُ من عَدَّ الأصول خمسة، وهو مبتدأ خبره جملة (ألحقوا) بالأصول (الخمسة) الصَّحِيحين وأبي داود والترمذي والنسائي (وابن ماجه) مفعول ألحقوا، بسكون الهاء وصلاً ووقفاً ونونه هنا للضرورة، أي سُنَنَ الحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجهْ القزويني الرَّبَعِيِّ صاحب السنن والتفسير والتاريخ، ولد سنة تسع ومائتين، وتوفي لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين، عن أربع وستين سنة، وأول من ألحقه بها أبو الفضل محمد بن طاهر حيث أدرجه معها في الأطراف، وكذا في شروط الأئمة الستة ثم الحافظ عبد الغني في كتابه الكمال في أسماء الرجال، وسبب تقديم هؤلاء له على الموطأ كثرةُ زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ. ثم ذكر حكم من تفرد بهم ابن ماجه فقال: (قيل: ومن ماز بهم) أي الرواة الذين امتاز بهم ابنُ ماجه عن غيره, أي انفرد بإخراج أحاديثهم (فإن فيهمو وهن) بفتحتين أي ضَعْفاً، وهو اسم إن مؤخراً وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، ويحتمل أن تكون إِن عملت في ضمير شأن محذوف تفسره الجملة بعده، والمعنى أن من انفرد بهم ابن ماجه من الرواة فهم ضعفاءُ ولذا جرى كثير من القدماء على إضافة الموطأ أو غيره إلى الخمسة. ثم ذكر تساهل من أطلق على السنن الصحة، فقال:

стр. 72

٩٦ - تَساهَلَ الَّذِي عَلَيْهَا أَطْلَقَا ... صَحِيحَةً وَالدَّارِمِيْ وَالْمُنْتَقَى (تساهل الذي) أي المحدث الذي (عليها) أي السنن كلها، أو بعضها وجعل الشارح الضمير لابن ماجه، وليس كذلك لأنه ما أطلق عليها بانفرادها أحد أنها صحيحة (أطلقا) بألف الإطلاق (صحيحة) أي هذه الصيغة، كالحاكم والخطيب، حيث أطلقا الصحة على الترمذي، وابن السكن على كتاب أبي داود والنسائي، والحاكم على أبي داود، وجماعة منهم أبو علي النيسابوري وأبو أحمد بن مهدي، والدارقطني، والخطيب، على كتاب النسائي حتى شذ بعض المغاربة ففضله على كتاب البخاري، بل ذكر أبو طاهر السلفي اتفاق علماء المشرق والمغرب على صحة الكتب الخمسة، فكل هذا تساهل صريح، لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفاً، أو منكراً ونحو ذلك من أوصاف الضعف، (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصحة على كتاب الحافظ أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن (الدارمي) نسبة إلى دارم بن مالك بطنٍ كبيرٍ من تميم، ولد سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين، له مسند كبير ثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري وفيه من المقطوع، والمعضل، والمنقطع، والمرسل، قال الحافظ: ليس دون السنن في الرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير، وبالغ بعضهم فسماه صحيحاً، ولم أر له سلفاً في تسميته، وأما تسميته بالمسند: فلكون أحاديثه مسندة، أي في الغالب، وهو مرتب على الأبواب اهـ. (و) كذا تساهل من أطلق اسم الصَّحِيح على كتاب الإمام الحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري المجاور بمكة، كان من العلماء المتقنين المجودين، توفي سنة سبع وثلاثمائة المسمى (بالمنتقى) في الأحكام، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة هو كالمستخرج على صحيح ابن خزيمة في مجلد لطيف، وأحاديثه تبلغ نحو الثمانمائة وتتبعت فلم ينفرد عن الشيخين منها إلا بيسير، وله شرح يسمى بالمرتقى في شرح المنتقى، لأبي عمرو الأندلسي اهـ.

стр. 73

ويحتمل عطف قوله والدارمي والمنتقى على قوله ابن ماجه، أي ألحق بعض المتأخرين بالأصول الخمسة مسند الدارمي، والمنتقى، وهو الذي ذكره الشارح الترمسي لكن الأول أوضح. (فائدة): قال العلامة السخاوي: ما حاصله: كتاب النسائي أقلها بعد الصَّحِيحين حديثا ضعيفاً، ولذا قال ابن رُشَيد إنه أبدعُ الكتب المصنفة في السنن تصنيفاً، وأحسنها ترصيفاً، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم، مع حظ كثير من بيان العلل، بل قال بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر إنه أشرف المصنفات كُلِّها، وما وضع في الإسلام مثله. ويقاربه كتاب أبي داود، بل قال الخطابي إنه لم يصنف في علم الدين مثله، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصَّحِيحين ويقاربه كتاب الترمذي، بل كان أبو إسماعيل الهروي، يقول هو عندي أنفع من كتابي البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وهو يصل إلى الفائدة منه كل أحد من الناس. وأما سنن ابن ماجه فإنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقةِ الأحاديث مما حُكمَ عليها بالبطلان، أو السقوطِ أو النكارة اهـ، كلام السخاوي. ولما أنهى الكلام على السنن شرع يبين درجة المسانيد فقال: ٩٧ - وَدُونَهَا مَسَانِدٌ وَالْمُعْتَلِيْ ... مِنْهَا الَّذِي لأَِحْمَدٍ وَالحَنْظَلِيْ (ودونها) أي الأصول الخمسة وما ألحق بها في الرتبة، أي الصحة كما قال العراقي، أو رتبة الاحتجاج الذي هو أصل بقية الْمُبَوِّبِينَ كما قاله السخاوي. (مساند) جمع مسند لأن مُفْعَلا يجمع على مفاعل، قال الصنعاني: والمعروف في التصريف جمع مُفْعَل على مفاعل ولكن شاع جمعه مع الياء اهـ. قلت: لكن في القاموس قال: المسند من الحديث ما أسند إلى قائله جمعه مساند ومسانيد اهـ.

стр. 74

فأفاد أنه يجمع بلا ياء أيضاً، وصرف للوزن، وسيأتي تفسيره، وإنما كانت دون السنن لأن شأن المسند أن يذكر فيه ما ورد عن ذلك الصحابي جميعُه، فيجمع الضَّعِيف وغيره، بخلافها، فإن مصنفيها لا يوردون إلا ما يصلح للاحتجاج به من الحديث المقبول. ولكن قال الحافظ السخاوي ما حاصله: اعترض بعضهم على ابن الصلاح في تفضيل السنن على مسند أحمد الذي هو أكثر هذه المسانيد مطلقاً، وأحسنها سياقاً، متمسكاً بكونه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به، كما دل عليه عدم استيعاب ما عنده من أحاديث الصحابة فيه، وإنما انتقاه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث إلى أن قال: وبالجملة فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، مما الأمر فيه أشد، أو بحديث من المسانيد واحدٌ (١) إذ جميع ذلك لم يشتَرِط من جمعَهُ الصحةَ ولا الحسنَ خاصة. وهذا المحتج إن كان متأهلاً لمعرفة الصَّحِيح من غيره فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال سنده وحال رواته، كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المساند حتى يحيط علماً بذلك، وإن كان غير متأهل لذلك فسبيله أن ينظر في كتب الحديث فإن وجد أحداً من الأئمة صححه، أو حسنه، فله أن يقلده، وإن لم يجد ذلك فلا يُقْدِمْ على الاحتجاج به، فيكونَ كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر اهـ. ثم إن المسانيد كثيرة: كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند أحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي بكر البزار، وأبي القاسم البغوي، وغيرهم، ومِنْ أوسعها مسندُ بَقِيِّ - بوزن علي - بن مخلد، ومسند الحافظ الحسن بن محمد الماسَرْجِسِي، قال الذهبي فرغ منه مهذباً معللًا في ثلاثة آلاف جزء، وهذه المسانيد هي التي يذكر فيها طرق الأحاديث، وما لها من المتابعات والشواهد التي اختصرها أهل الصحاح، تسهيلًا للطالبين، وهي

стр. 75

متفاوتة الرتبة كما أشار إليه بقوله: (والمعتلي) مبتدأ، أي المسند العالي رتبةً (منها) من تلك المسانيد، متعلق بما قبله (الذي) خبر المبتدإ، أي المسند الذي للإمام الحجة أبي عبد الله (أحمد) صرف للضرورة ابن محمد بن حنبل الشيباني، تقدمت ترجمته ومسنده هذا قال الهيثمي: أصَحُّ صحيحاً من غيره، وقال ابن كثير: لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته، وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جداً، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصَّحِيحين قريباً من مائتين، وقال الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة: عدة أحاديث المسند أربعون ألفاً بالمكرر، وألف الحافظ في الذب عن الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وعدتها أربعة وعشرون حديثاً، كتاباً سماه القول المسدد، في الذب عن المسند، وذيل الناظم ما فاته من الأحاديث المذكورة بجزء سماه الذيل الممهد، مع الذب عنها، وعدتها أربعة عشر حديثاً، وقال الحافظ في تعجيل المنفعة في رجال الأربعة: ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث " عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة زحفاً " قال والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهواً، أو ضرب وكُتِبَ من تحت الضرب. (و) المسند الذي للحافظ الحجة أبي يعقوب إِسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن مطرف المعروف بابن راهويه التميمي. (الحَنظلي) المروزي النيسابوري نزيلها وعالمها، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين, عن سبع وسبعين سنة، أملى المسند والتفسير من حفظه، ما كان يحدث إلا من حفظه، وكان يحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب، ومسنده هذا في ست مجلدات. قال أبو زرعة: يخرج فيه أمثل ما ورد عن ذلك الصحابي, وسئل لم قيل له ابن راهويه فقال إن أبي ولد في الطريق، فقالت المراوزة راهويه، يعني أنه ولد في الطريق. (خاتمة): لما ذكر الناظم هنا السنن والمسانيد، أحببت أن أُبَيِّنَ
следующие страницы →