في بعض (عن ابن عبد البر) خبر لمحذوف أي هذا محكي عن الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله، المشهور بابن عبد البر، فإنه عقد لذلك باباً في كتابه " جامع بيان العلم وفضله "، حيث قال: الصَّحِيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته، وصحت في العلم إمامته، وبه عنايته لم يُلْتَفَت إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة تصح بها جَرْحته على طريق الشهادات الخ.
٩٤٢ - وَرُبَّمَا رُدَّ كَلامُ الْجَارِحِ ... إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَاكَ بِأَمْرٍ وَاضِحِ
(وربما رد كلام الجارح) فعل ونائب فاعل، يعني: أنه قد يرد كلام الجارح فيمن جرحه.
(إذ) تعليلية أي لأجل أنه (لم يكن ذاك) الجرح، أو ظرفية متعلقة بِردَّ أي وقت عدم كونه (بأمر واضح) فيه أي مُفَسَّرٍ. وحاصل معنى البيت: أنه لوجود المتشدد، ومقابله، ربما يرد كلام الجارح إذا لم يكن مفسراً بأمر يتضح فيه الجرح، كالنسائي في أحمد بن صالح المصري الحافظ، فإنه اتفق الحفاظ على توثيقه، وأن النسائي متحامل عليه، وسببه أنه كان لا يحدث أحداً حتى يسأل عنه فجاءه النسائي وقد صحب قوماً من أصحاب الحديث ليسوا هناك، فأبى أحمد أن يأذن له، فَعَمَدَ النسائي إلى جمع أحاديث قد غلط فيها أحمد بن صالح فَشَنَّع فيها، ولكن لم يضره ذلك، وبالجملة فهو على ما قيل:
وَعَينُ الرضى عن كُل عَيْبٍ كَلِيلَة ... كما أنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدِي المَسَاوِيَا
٩٤٣ - الذَّهَبِيْ: مَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى ... تَوْثِيقِ مَجْرُوحٍ وَجَرْحِ مَنْ عَلا
(الذهبي) بتخفيف الياء للوزن فاعل لمحذوف أي قال الذهبي، أو مبتدأ خبره محذوف أي قائل، وهو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ومقول القول قوله: (ما اجتمع اثنان) أي رجلان من علماء هذا الشأن (على توثيق) شخص (مجروح) من الضعفاء (و) لا
стр. 807
على (جرح) أي تضعيف (من علا) أي شخص ارتفع قدره بكونه ثقة، والمعنى أن الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، قال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة.
ومعنى هذا الكلام كما قال بعض المحققين: أنه لم يقع الاتفاق من العلماء على توثيق ضعيف، بل إذا وثقه بعضهم ضعفه غيره كما لم يقع الاتفاق من العلماء على تضعيف ثقة فإذا ضعفه بعضهم وثقه غيره، فلم يتفقوا على خلاف الواقع في جرح راوٍ أو تعديله، ولفظ اثنان في كلامه المراد به الجميع كما يقال: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان أي يتفق الجميع كما يقال: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان أي يتفق الجميع ولا ينازع فيه أحد، والله أعلم.
ثم ذكر ما يعرف به كون الراوي ثقة تبعاً لابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح فقال:
٩٤٤ - وَتُعْرَفُ الثِّقَةُ بِالتَّنْصِيصِ مِنْ ... رَاوٍ وَذِكْرٍ فِي مُؤَلَّفٍ زُكِنْ
٩٤٥ - أُفْرِدَ لِلثِّقَاتِ أَوْ تَخْرِيجِ ... مُلْتَزِمِ الصِّحَّةِ فِي التَّخْرِيجِ
(وتعرف الثقة) للراوي (بالتنصيص) عليه (من راو) عنه (و) يعرف أيضاً بـ (ـذكر) أي ذكر الراوي (في) كتاب (مؤلف زكن) بالبناء للمفعول أي علم ذلك المؤلف، وقوله (أفرد) بالبناء للمفعول (للثقات) أي لذكرهم جملة حالية من ضمير زكن، أي علم حال كونه مفرداً للثقات فقط ككتاب الثقات لابن حبان، والعجلي، وابن شاهين، وغيرهم، (أو) يعرف بـ (ـتخريج ملتزم الصحة): أي مشترط الصحة (في التخريج) أي التأليف متعلق بملتزم.
وحاصل المعنى: أنه يعرف كونه ثقة بتخريج حديثه من يشترط
стр. 808
الصحة في كتابه، كالشيخين في صحيحيهما، ولا يلتفت إلى من تكلم في بعض من خرجا له، أو من خرج على كتابيهما.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله: وارجع: البيت، وقوله: واردد كلام: البيت، وقوله: الذهبي: إلى آخر الباب.
стр. 809
(معرفة من خلط من الثقات)
أي هذا مبحثها وهو النوع الثامن والثمانون من أنواع علوم الحديث.
قال السخاوي: وكان الأنسب ذكره فيمن تقبل روايته ومن ترد، كما في الذي قبله، وهو فن مهم عزيز، وفائدة ضبطهم تمييز المقبول، من غيره، ولذا لم يذكر الضعفاء منهم كأبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني، لأنهم غير مقبولين، بدونه، اهـ.
٩٤٦ - وَالْحَازِمِيْ أَلَّفَ فِيمَنْ خَلَّطَا ... مِنَ الثِّقَاتِ آخِرًا فَأُسْقِطَا
٩٤٧ - مَا حَدَّثُوا فِي الاِخْتِلاطِ أَوْ يُشَكّْ ... وَبِاعْتِبَارِ مَنْ رَوَى عَنْهُمْ يُفَكّْ
٩٤٨ - كَابْنَيْ أَبِي عَرُوبَةٍ وَالسَّائِبِ ... وَذَكَرُوا رَبِيعَةً لَكِنْ أُبِي
(و) الحافظ أبو بكر محمد بن موسى (الحازمي) نسبة إلى أحد أجداده (قد ألفا) بالبناء للفاعل والألف إطلاقية والفاعل ضمير الحازمي، أي صنف الحازمي (١) جزءً لطيفاً (في) معرفة (من خلطا) بتشديد اللام، والألف إطلاقية (من الثقات) حال مِنْ مَنْ، أي حال كون ذلك المخلط من الثقات، واحترز به من الضعفاء فإنه لا فائدة في ذكرهم، في هذا النوع،
стр. 810
لردهم بدونه، كما تقدم في كلام السخاوي. (آخرًا) منصوب على الظرفية متعلق بخلط، أي في آخر عمره، يعني: غالباً، وإلا فليس قيداً فيه، ومثله قول مالك: إنما يَخْرَفُ الكذابون.
وحقيقة الاختلاط: فساد العقل، وعدم انتظام الأقوال، والأفعال، إما بخرف أو ضرر أو مرض، أو عارض من موت ابن، وسرقة مال، أو ذهاب كتب أو احتراقها. (فأسقطا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، ونائب فاعله قوله: (ما حدثوا) أي الحديث الذي حدثوا به (في الاختلاط) أي في حالة اختلاطهم (أو) ما (يشك) بالبناء للمفعول، أي يشك فيه هل هو قبل الاختلاط، أو بعده.
وحاصل المعنى: أنه يسقط ما حدث به بعد الاختلاط، أو شك فيه وأشكل: أرواه قبلُ، أو بعدُ؟ وقُبِلَ ما رواه قبلُ الاختلاط لثقته.
(وباعتبار) من روى عنهم أي نَقَلَ الحديث عن المخلطين متعلق بقوله: (يفك) بالبناء للمفعول، أي يزال الإشكال، من فككت العَظْمَ فَكًّا من باب قتل: أزلته من مفصله، والمعنى: أنه يتميز ما حدثوا به قبل الاختلاط وبعده، باعتبار الرواة عنهم، فمن نقل قَبْلَ الاختلاط قبِلَ ومن نقل بعده رُدَّ. ثم ذكر أمثلة لهم بقوله (كابني) بصيغة التثنية مضاف إلى (أبي عروبة) وما عطف عليه، وصرف للضرورة، وهو سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي، البصري، أبو النضر، أحد كبار الأئمة، وثقاتهم، فقد اختلط اختلاطاً قبيحاً، وطالت مدته، واختلف في ابتدائها، فقيل في سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل في سنة اثنين وأربعين، وقيل في سنة ثمان وأربعين، وقيل سنة ثلاثة وأربعين، وقيل سنة اثنين وثلاثين ومائة، واختلف في موته، فقيل سنة خمسين، أو خمس أو ست أو سبع وخمسين ومائة، وقد سمع منه قبل الاختلاط جماعة، منهم خالد بن الحارث، ورَوْحُ بن عُبَادة، وابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفي، وغيرهم.
(والسائب) عطف على أبي، وهو عطاء بن السائب، الثقفي، الكوفي، أحد التابعين، أبو محمد، ويقال: أبو السائب، مات سنة ١٣٦ هـ.
стр. 811
فقد صرح جماعة من الأئمة باختلاطه، وممن سمع منه قبل الاختلاط
فقط أيوب، وحماد بن زيد، وزائدة، وزهير وابن عيينة، والثَّوري، وشعبة، ووهيب، وغيرهم، وممن سمع منه بعده فقط إسماعيل بن علية، وجَرِير بن
عبد الحميد، وخالد بن عبد الله الواسطي، وابن جريجٍ، وعلي بن عاصم،
ومحمد بن فضيل، وغيرهم، وممن سمع منه في الوقتين، معاً أبو عوانة،
وغيره، ووصفه ابن معين بالاختلاط الشديد، لكن قال ابن حبان: إنه اختلط بآخره، ولم يفحش حتى يستحق أن يعدل به
عن مسلك العدول. اهـ
(وذكروا) أي العلماء فيمن اختلط (ربيعة) بالصرف للضرورة، هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فروخ، المدني، أحد الأثبات، شيخ مالك، الشهير بربيعة الرأي، لأنه كان مع معرفته بالسنة، قائلًا به، قال ابن الصلاح، قيل: إنه تغير في آخر عمره، وتُرِكَ الاعتماد عليه لذلك، قال العراقي: ولم أقف عليه لغيره، ولا أعلم أحداً تكلم فيه بالاختلاط، ولذا قال الناظم: (لكن أبى) بالبناء للمفعول أي منع هذا القول من الاعتماد عليه، لاحتجاج الشيخين به، وتوثيق الحفاظ له، وإنما قال الواقدي: كانوا يتقونه لموضع الرأي، على أن عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: قلت لربيعة في مرضه الذي مات فيه، إنا قد تعلمنا منك وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء لم نسمع فيه شيئاً، فنرى رأينا خيراً من رأيه لنفسه فنفتيه قال: فقال أقعدوني، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز لأنْ تَمُوتَ جاهلاً خير من أن تقول في شيء بغير علم، لا، لا، لا. ثلاث مرات، وكانت وفاته في سنة اثنتين أو ست وثلاثين أو اثنتين وأربعين، ومائة، بالمدينة، وقال ابن عبد البر: ذمَّه جماعة من أهل الحديث لإعراقه في الرأي. اهـ. وذكر ابن الصلاح جماعة آخرين من المختلطين، ثم قال: اعلم أن من كان هذا القبيل محتجاً به في الصَّحِيحين، أو أحدهما، فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما تميز وكان مأخوذاً عنه قبل الاختلاط. اهـ.
(تَتِمَّة): الزيادات قوله: (والحازمي ألف فيمن)، وقوله: وباعتبار البيت، وقوله: لكن أبى.
стр. 812
(طبقات الرواة)
أي هذا مبحثها وهو النوع التاسع والثمانون من أنواع علوم الحديث. وهو من المهمات، وبينه وبين التاريخ عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة، وينفرد التاريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلاً من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها، لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة، وقد بينهما بعض المتأخرين بأن التاريخ ينظر فيه بالذات، إلى المواليد والوفيات، وبالعَرَضِ إلى الأحوال، والطبقات ينظر فيها بالذات إلى الأحوال وبالعَرَض إلى المواليد، ولكن الأول أشبه، قاله السخاوي.
والطبقات جمع طبقة وهي في الأصل عبارة عن القوم المتشابهين، وفي الاصطلاح ما أشار إليه الناظم بقوله:
٩٤٩ - وَالطَّبَقَاتُ لِلرُّوَاةِ تُعْرَفُ ... بِالسِّنِّ وَالأَخْذِ وَقَدْ تَخْتَلِفُ
٩٥٠ - فَالصَّاحِبُونَ بِاعْتِبَارِ الصُّحْبَهْ ... طَبَقَةٌ وَفَوْقَ عَشْرٍ رُتْبَهْ
(والطبقات للرواة) أي رواة الأحاديث مبتدأ خبره جملة قوله (تعرف) في الاصطلاح (بالسن) أي باشتراك المتعاصرين في السن ولو تقريباً وبـ (ـالأَخْذِ) عن المشايخ، وربما اكتفوا بالاشتراك في التلاقي، وهو غالباً ملازم للاشتراك في السن (وقد تختلف) أي الطبقات فرب شخصين يكونان من طبقة واحدة، لتشابههما بالنسبة إلى جهة، ومن طبقتين بالنسبة
стр. 813
إلى جهة أخرى لا يتشابهان فيها، ولذا قال ابن الصلاح: والباحث الناظر في هذا الفن يحتاج إلى معرفة المواليد، والوفيات، ومن أخَذُوا عنه، ومن أُخذَ عنهم، ونحو ذلك، (فـ) ـإذا كان كذلك من اختلاف الطبقات باختلاف الجهات، وأردت بيانه فأقول لك: (الصاحبون) أي الصحابة ﵃ (باعتبار) اشتراكهم في (الصحبة) للنبي ﷺ (طبقة) واحدة (و) باعتبار تفاوتهم في سوابقهم ومراتبهم، فهم، (فوق عشر رتبة) تميز منصوب، أي من جهة المرتبة، يعني: أنه إذا نظرنا إلى تفاوت رتبتهم فهم فوق عشر طبقات كما تقدم في معرفة الصحابة، فأنس بن مالك وأمثاله من صغار الصحابة ﵃ مع العشرة، وغيرهم، من أكابر الصحابة، من طبقة واحدة، باعتبار الصُّحْبَةِ، وإذا نظرنا إِلى السوابق والمراتب فهو دونهم بطبقات.
وعلى النظر الأول عمل ابن حبان وغيره فالصحابة طبقة أولى، والتابعون طبقة ثانية، وأتباع التابعين طبقة ثالثة، وهلمَّ جَرَّا، وعلى النظر الثاني فعل ابن سعد في الصحابة ومن بعدهم، حيث عدد في كل الطباق منهم، قال الحافظ: ولكل وجه، قال السخاوي: ومنهم من يجعل كما قاله ابن كثير: كُلَّ طبقة أربعين سنة، واستشهد له بحديث ضعيف.
ثم ذكر فائدته فقال:
٩٥١ - وَمِنْ مُفَادِ النَّوْعِ أَنْ يُفَصَّلا ... عِنْدَ اتِّفَاقِ الاِسْمِ وَالَّذِي تَلا
(ومن مفاد) أي فائدة معرفة هذا (النوع) خبر مقدم (أن) مصدرية (يفصلا) بالبناء للمفعول والألف للإطلاق وهو في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر أي التفصيل والتمييز بين المتشابهين (عند اتفاق الاسم) أي اسم الراويين (والذي تلا) أي تبع الاسم، والمراد به الكنية، ونحوها، مما تقدم في المتفق والمفترق، وإنما قال تلا لأنها تتلو الاسم في الذكر، لأنه يذكر أولًا، ثم تذكر هي بعده.
стр. 814
ومن فائدته أيضاً: إمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة، هل هي محمولة على السماع، أو مرسلة، أو منقطعة إلى غير ذلك، وصنف في الطبقات جماعة كمسلم، وخليفة بن خياط، وطبقاتُ ابن سعد عظيم كثير الفوائد.
(تَتِمَّة): قوله: وقد تختلف إلى آخر الباب من زياداته.
стр. 815
(أوطان الرواة وبلدانهم)
أي هذا مبحثه وهو النوع التسعون من أنواع علوم الحديث. وهو نوع مهم جليل يعتني به كثير من علماء الحديث، لا سيما وقد يتبين به الراوي المدلس، وما في السَّند من إرسال خفي، ويزول به توهم ذلك، ويتميز به أحد المتفقين من الآخر، ومن مظانه الطبقات لابن سعد، وتواريخ البلدان، وأحسن ما ألف فيه وأجمعه الأنساب لابن السمعاني، وفي مختصره اللباب لابن الأثير فوائد مهمة، وكذا للرشاطي الأنساب، واختصره المجد الحنفي، واختصر الناظم مختصر ابن الأثير، وزاد في الكثير وسماه " لب اللباب ".
٩٥٢ - قَدْ كَانَتِ الأَنْسَابُ لِلْقَبَائِلِ ... فِي الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ وَالأَوَائِلِ
٩٥٣ - وَانْتَسَبُوا إِلَى الْقُرَى إِذْ سَكَنُوا ... فَمَنْ يَكُنْ بِبَلْدَتَيْنِ يَسْكُنُ
٩٥٤ - فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَجَمْعٌ يَحْسُنُ ... وَابْدَأْ بِالاوْلَى وَبِثُمَّ أَحْسَنُ
(قد كانت الأنساب) أي الانتساب، (للقبائل) أي إليها، وهي جمع قبيلة، وهم بنو أب واحد ولهم الشعوب، هي القبائل العظام، وقيل: الجَمَّاع الذي يجمع متفرقات البطون، واحدها شعب، والقبائل هي البطون، وهي للعرب كالأسباط لبني إسرائيل، بل يقال: لكل ما جمع على شيء واحد قبيل، أخذاً من قبائل الشجرة، وهي غصونها، أو من قبائل
стр. 816
الرأس وهو أعضاؤها، سميت بذلك لاجتماعها، والعمائر جمع عِمارة بالكسر والفتح، قيل: الحي العظيم يمكنه الانفراد بنفسه، وهي فوق البطن، والبيوت جمع بيت، ولهم الأسرة، والبطن، والجذم والجماع، والجمهور، والحي، والرهط، والذرية، والعترة والعشيرة، والفخذ، والفصيلة، قاله السخاوي. (في العرب العرباء) الأول: بفتحتين، والثاني: بفتح فسكون قال في " ق " عَرَبٌ عارِبَة وعَرْبَاء، وعَرِبَة، صَرْحَاء، ومتعربة ومستعربة، دَخْلَاء. (والأوائل) أي المتقدمين، يعني: أن العرب الخلص والأوائل كانوا ينتسبون إلى الشعوب، والقبائل، والعمائر، والعشائر والبيوت، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) وأما العجم فكانوا ينتسبون إلى رساتيقهم، وهي القُرَى، والبلدان، وكانت بنو إسرائيل تنسب إلى أسباطها. (و) لما جاء الإسلام وانتشر النَّاس في الأقاليم، والمدن، والقرى، وضاعت الأنساب العربية كثيراً في البلدان المتفرقة.
(انتسبوا إلى القرى إذ سكنوا) إذ ظرفية، أي وقت سكناهم فيها، أو تعليلية أي لسكناهم فيها، يعني أن العرب انتسبوا إلى القرى التي سكنوها كما كانت العجم تنتسب إليها، وهذا وإن وقع في المتقدمين أيضاً فهو قليل، كما أنه يقع في المتأخرين، أيضاً، النسبة إلى القبائل بقلة.
والمراد بالقرى محل الإنسان من بلدة، أو ضيعة، أو سكة، وهي الزقاق، أو نحوها، وقد يقع النسبة إلى الصنائع، كالخياط، وإلى الحرف كالبزاز، وتقع ألقاباً كخالد بن مَخْلَد الكوفي القَطَوَاني وكان يغضب منها.
(فمن يكن ببلدتين) أو القريتين أو نحوهما (يسكن) بأن انتقل من الشام إلى العراق، أو من دمشق إلى مصر، وأردت نسبته (فانسب) أمر من نَسَبَهُ من باب نصر، بمعنى عزاه، أي فاعزه (لما شئت) منهما مقتصراً طى أحدهما كفُلَانٍ الشامي، أو العراقي، وهو قليل كما قال النووي.
(وجمع) أي جمعك بين البلدتين في النسبة، (يحسن) بل هو الأحسن من الاقتصار على أحدهما (و) لكن (ابدأ) في النسبة (بـ) ـالبلدة (الأولى)
стр. 817
بنقل حركة الهمز إلى اللام ودرجها للوزن، أي بالبلدة التي هي الأولى بالسكنى فيها، فتقول لمن انتقل من الشام إلى العراق الشامي العراقي.
(و) كونه (بثم) في الثانية المنتقل إليها (أحسن) من عدمها، ومثلها الفاء فتقول الشامي، ثم العراقي.
٩٥٥ - وَمَنْ يَكُنْ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ بَلْدَةِ ... فَانْسُبْ لِمَا شِئْتَ وَلِلنَّاحِيَةِ
٩٥٦ - كَذَا لإِقْلِيمٍ أَوِ اجْمَعْ بِالأَعَمّْ ... مُبْتَدِئًا وَذَاكَ فِي الأَنْسَابِ عَمّْ
٩٥٧ - وَنَاسِبٌ إِلَى قَبِيلٍ وَوَطَنْ ... يَبْدَأُ بِالْقَبِيلِ. ثُمَّ مَنْ سَكَنْ
٩٥٨ - فِي بَلْدَةٍ أَرْبَعَةَ الأَعْوَامِ ... يُنْسَبْ إِلَيْهَا فَارْوِ عَنْ أَعْلامِ
(ومن يكن) من الرواة (من قرية) كائنة (من بلدة) كجَرْوَل من مكة مثلاً، (فانسب) أيها المحدث جوازاً (لما شئت) من تلك القرية، والبلدة، فتقول فلان الجَرْوَليّ أو المكي (و) انسبه أيضاً، جوازاً (للناحية) التي منها تلك البلدة كالحجاز في مثالنا فتقول فيه: فلان الحجازي (كذا) يجوز أن تنسبه (لإقليم)، وفي نسخة الشارح للإقليم بالتعريف بنقل حركة الهمزة وحذفها، وهو بكسر الهمزة بوزن قِندِيل، قال في المصباح: قيل مأخوذ من قُلَامة الظفر، لأنه قطعة من الأرض، قال الأزهري: وأحسبه عربياً، وقال ابن الجواليقي: ليس بعربي محض، والأقاليم عند أهل الحساب سبعة كل إقليم يمتد من المغرب إلى نهاية المشرق طولًا ويكون تحت مَدَار تتشابه أحوال البقاع التي فيه، وأما في العرف فهو ما يختص باسم، ويتميز به عن غيره، فمصر إقليم، والشام إقليم، واليمن إقليم، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الناحية ولذا قال السخاوي بعد ذكر الناحية، وتسمى الإقليم، أيضاً، وعلى الأولى فهو أوسع من الناحية، بكثير، قال الشارح: وهي أقسام الأرض كالعرب في المثال، فيقال: فلان العربي اهـ. (أو أجمع) بينهما (بالأعم) متعلق بقوله (مبتدأ) أي حال كونك مبتدأ في النسبة بالأعم، فالأعم، وهو الإقليم، ثم الناحية، ثم البلدة، ثم القرية، فتقول: فلان العربي، الحجازي، المكي، الجَرْوَلي، (وذاك) أي الحكم المذكور في
стр. 818
البلدان وهو الابتداء بالأعم فالأعم، (في الأنساب) أي القبائل (عمّ)، يعني أن الحكم المذكور يعم الانتساب إلى القبائل، فتبدأ بالأعم، فالأعم، فتقول: فلان القرشي، ثم الهاشمي، ليحصل بالثاني فائدة، لم توجد في الأول، ولا تقول الهاشمي، القرشي، لأنه لا فائدة للثاني حينئذ، إذ يلزم من كونه هاشمياً، كونه قرشياً، بخلاف العكس، ولا يقال ذكر الأخص يغني عن الأعم، لأنه قد يخفى على بعض النَّاس، ولا سيما في البطون الخفية كالأشهل من الأنصار، فذكر الأعم لدفع هذا التوهم، وقد يقتصرون على الخاص، وقد يقتصرون على العام، وهو قليل، أفاده في التدريب.
(وناسب) مبتدأ (إلى قبيل) لغة في قبيلة (و) إلى (وطن) هو محل الإنسان من بلدة، أو ضيعة، أو سكة، وهي الزقاق، أو نحوها، وجملة (يبدأ) خبر المبتدإ، أي يبدأ، في حال الجمع بينهما (بـ) ـالنسبة إلى (القبيلِ) ثم الوطن، أو الصناعة فيقول: فلان القرشي، المكي، أو الخياط، (ثم) إِنَ (من) شرطية (سكن) أي أقام (في بلدة) ونحوها (أربعة الأعوام) أي أربع سنين كاملة (ينسب) جواب " من " مجزوم وهو فصيح أحسن من رفعه، كما أشار إليه ابن مالك بقوله:
" وَبَعْدَ ماضٍ رَفْعُكَ الجَزَا حَسَنْ " إلخ أي والجزم أحسن منه.
يعني: أن من أقام ببلدة أربع سنين لنسب إليها (فارو) أيها المحدث هذا الكلام حال كونك ناقلاً (عن أعلام) أي عن أئمة يقتدى بهم، كالعَلَم الذي يَهْتَدِي به المسافر، في الطريق وهم عبد الله بن المبارك ومن تبعه.
(تَتِمَّة): الزيادات في هذا الباب قوله " قد كانت الأنساب " البيت، وقوله " فانسب لما شئت، وجمع يحسن ". وقوله " كذا الإقليم " إلى آخر الباب.
стр. 819
(الموالي)
أي هذا مبحثه وهو النوع الحادي والتسعون من أنواع علوم الحديث.
اعلم أن الموالي من الأسماء المشتركة بالاشتراك اللفظي، الموضوعة لكل واحد من الضدين، إذ هي موضوعة للمولى من أعلى، وهو المُعْتِق، بكسر التاء، والمولى ممن أسفل وهو المُعْتَق بفتحها، ومعرفة كل منهما مهمة، أفاده السخاوي. وصنف في ذلك أبو عمر الكندي بالنسبة إلى المصريين.
٩٥٩ - وَلَهُمُ مَعْرِفَةُ الْمَوَالِي ... وَمَا لَهُ فِي الْفَنِّ مِنْ مَجَالِ
٩٦٠ - وَلاَ عَتَاقَةٍ وَلاَءُ حِلْفِ ... وَلاَءُ إِسْلامٍ كَمِثْلِ الْجُعْفِي
(ولهموا) أي للعلماء خبر مقدم عن قوله: (معرفة الموالي) من العلماء والرواة يعني: أن من المهم عند العلماء أهل الحديث وغيرهم معرفةَ الموالي بأقسامه، إذ ربما يقع بعدمها، خلل في الأحكام الشرعية، فيما يشترط فيه، كالإمامة العظمى، وكفاءة النكاح، والتوارث.
(وما) موصولة مبتدأ أي الذي (له) خبر مقدم (في الفن) أي فن علوم الحديث وغيره (من) زائدة (مجال) مبتدأ مؤخر أي دَوَرَان وتعلق يعني: أن الذي له تعلق في هذا الفن وغيره، إذ هو من الضروريات لاشتراط حقيقة النسب في الإمامة العظمى، وغيرها من الأحكام، ولاستحباب التقديم فيه في
стр. 820
الصلاة، وغيرها وإن كان قد ورد في الحديث الصَّحِيح مولى القوم من أنفسهم.
وخبر ما قوله (ولا) بالقصر للوزن مضاف إلى قوله: (عتاقة) بالفتح مصدر عتق، كأبي العالية الرياحي رُفَيع بن مِهْران، كان مولى لامرأة من بني رِيَاح، وأبو البختري سعيد بن فيروز الطائي كان مولى لمن أعتقه من طيء، ومكحول الشامي الهذلي كان مولى لامرأة من هذيل، وعبد الله بن المبارك الحنظلي وغيرهم، مع إطلاق النسبة في كل منهم، بحيث يظن أنه ممن ينسب كذلك صليبة (١)، أي من ولد الصلب، وهذا (٢) وإن كان قليلاً بالنظر للأصل في الانتساب هو الأغلب، في الاستعمال.
وقد يراد به ولاء الحلف، وهو الثاني، كما قال: (ولاء حلف) أي الثاني ولاء حِلْف بكسر فسكون، ويقال فيه: حلفة أيضاً، ومعناه العهد، والحليف المعاهد، يقال: تحالفا إذا تعاهدا وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحداً، في النصرة والحماية، كما في المصباح، وأبطل الإسلام ما كان في الجاهلية على الفتن، والقتال، بين القبائل، أو الغارات، دون نصر المظلوم، وصلة الأرحام، قاله السخاوي.
وهم جماعة كمالك بن أنس الإمام، فإنه حميري، أصبحي، صليبة، ولكن لكون نفره أصبح حلفاء عثمان بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي أخي طلحة نسب تيمياً، وقيل: لأن جده مالك بن أبي عامر كان أجيراً لصلحة بن عبيد الله المذكور حين كان طلحة يختلف في التجارة، كما تقدم في مِقْسَم مولى ابن عباس لملازمته إياه، قال العراقي: وهذا قسم آخر.
وقد يراد به ولاء الإسلام، وهو الثالث كما أشار إليه بقوله (ولاء إسلام) أي الثالث من الموالي ولاء إسلام، وهو أن يسلم الرجل على يد الرجل
стр. 821
فينسب إِليه، وذلك (كمثل الجعفي) بضم الجيم ثم مهملة ساكنة بعدها فاء، إمام هذه الصنعة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري فإنه انتسب كذلك لأن جد أبيه المغيرة كان مجوسياً فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي والد جد عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان المُسْنَدي الجعفي شيخ البخاري.
وكأبي علي الحسن بن عيسى بن ماسَرْجِس، الماسرجسي، بفتح السين وكسرها، فإنه كان نصرانياً فأسلم على يد ابن المبارك، فقيل له: مولى ابن المبارك.
وقد ينسب للقبيلة مولى مولاها نحو سعيد بن يسار أبي الحباب الهاشمي فإنه لكونه مولى شُقْران مولى رسول الله ﷺ نسب لبني هاشم، وكعبد الله بن وهب القرشي الفهري المصري، فإنه مولى يزيد بن رمانة وهو مولى يزيد بن أنيس الفهري.
(تَتِمَّة): قوله: وما له في الفن من مجال من زياداته على العراقي.
стр. 822
(التأريخ)
بالهمزة وتخفف، ويقال فيه توريخ، أي هذا مبحثه وهو النوع الثاني والتسعون من أنواع علوم الحديث وهو آخر ما ذكره الناظم من أنواع علوم الحديث.
هو مصدر أرخت الكتاب بالتثقيل في الأشهر، والتخفيف لغة، حكاها ابن القطاع إذا جعلت له تاريخاً، وهو معرب وقيل عربي، وهو بيان انتهاء وقته، ويقال: ورخت على البدل، والتوريخ قليل الاستعمال، أفاده في المصباح. وقال السخاوي: وحقيقة التاريخ التعريف بالوقت الذي تنضبط به الأحوال في المواليد والوفيات ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع، التي ينشأ عنها معان حسنة مع تعديل وتجريح، ونحو ذلك فبينه وبين الوفيات عموم وخصوص من وجه.
وقال الصولي: تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهي إليه زمنه، ومنه قيل لفلان تاريخ قومه أي إليه المنتهى في شرف قومه، أو لكونه ذاكراً للأخبار وما شاكلها.
وأول من أمر به عمر بن الخطاب، وذلك في سنة ست عشرة من الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة واختير لابتدائه أول سنيها بعد أن جمع المهاجرين واستشارهم، لأنها فيما قيل غير مختلف فيها بخلاف وقت كل
стр. 823
من البعثة والولادة، وأما وقت الوفاة وإن لم يختلف فيه إلا أنه غير مستحسن لتهييجه للحزن والأسف، واختير كون أول السنة من المحرم لكونه شهر الله، وفيه يكسى البيت، ويضرب الوَرِقُ، وفيه يوم تاب فيه قوم فتيب عليهم.
وهو فن عظيم الوقع، من الدين، قديم النفع به للمسلمين لا يُستَغنى عنه، ولا يُعْتَنى بأعمَّ منه خصوصاً ما هو القصد الأعظم منه وهو البحث عن الرواة والفحصُ عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم لأن الأحكام كلها متلقاة من كلام النبي ﷺ وأفعاله وأحواله، والنَّقَلَةُ لذلك هم الوسائط، فكانَ التعريف بهم مَنْ الواجبات، ولذا قام به في القديم والحديث النُقادُ الحفاظ من أئمة الحديث، وإلى ذلك أشار بقوله:
٩٦١ - مَعْرِفَةُ الْمَوْلِدِ لِلرُّوَاةِ ... مِنَ الْمُهِمَّاتِ مَعَ الْوَفَاةِ
٩٦٢ - بِهِ يَبِينُ كَذِبُ الَّذِي ادَّعَى ... بِأَنَّهُ مِنْ سَابِقٍ قَدْ سَمِعَا
(مَعْرِفَةُ الْمَوْلِدِ) مبتدأ خبره قوله: من المهمات، والمولد بكسر اللام زمن الولادة، أي معرفة وقت الولادة (للرواة) أي نقلة الأخبار من الصحابة ومن بعدهم كائن (من) الأمور (المهمات) أي تُهِمُّ الإنسانَ في معرفة دينه (مع) معرفة (الوفاة) أي وقت موتهم، ولذلك قال أبو عبد الله الحميدي: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التَّهَمُّم بها: العلل، والمؤتلف والمختلف، ووفيات الشيوخ، وليس فيه كتاب، يعني على الاستقصاء، وإلا ففيه كتب كالوفيات لابن زَبْر، بفتح فسكون، ولابن قانع، وذَيَّلَ على ابن زَبْر الحافظ عبد العزيز بن أحمد الكتاني، ثم أبو محمد الأكفاني، ثم الحافظ أبو الحسن بن المفضل، ثم الشريف عز الدين أحمد بن محمد الحسيني، ثم المحدث أحمد بن أيبك الدمياطي، ثم الحافظ أبو الفضل العراقي، وذَيَّل عليه ولده ولي الدين، إلى غير ذلك.
ثم ذكر من فوائده ما أشار إليه بقوله: (به) أي بما ذكر من معرفة المولد والوفاة يتعلق بقوله: (يبين) أي يظهر (كذب) الشخص (الذي ادعى)
стр. 824
لنفسه (بأنه من سابق) من الشيوخ (قد سمعا) الحديث، يعني: أن بمعرفة مواليد الرواة ووفياتهم، وكذا قدومهم البلد الفلاني، يتبين كذب من يدعي الرواية من مَشَايخ لم يلقهم، فقد ادعى قوم الرواية عن قوم فنظر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين كما سأل إسماعيل بن عياش رجلاً اختباراً أيَّ سنة كتبت عن خالد بن معدان، فقال سنة ثلاث عشرة ومائة، فقال: أنت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، فإنه مات سنة ١٠٦ وقيل (٥) وقيل (٤) وقيل (٣) وقيل (٧)، وسأل الحاكم، محمد بن حاتم الكِسِّي (١) عن مولده لما حَدَّث عن عبد بن حُمَيد، فقال سنة ٢٦٠ فقال: هذا سمع من عبد بن حميد بعد موته بثلاث عشرة سنة.
ولذا قال حفص بن غياث القاضي: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسِّنَّيْن، يعن سِنَّهُ وسِنَّ من كتب عنه، وقال الثَّوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ، وقال حسان بن يزيد: لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه.
ومن فوائده أيضاً أنه يتبين به ما في السَّند من انقطاع، أوإعضال، أو تدليس، أو إرسال ظاهر أو خفي، للوقوف به على أن الراوي مثلاً لم يعاصر من روى عنه، أو عاصره ولكن لم يلقه، لكونه في غير بلده، وهو لم يرحل إليها مع كونه ليس له منه إجازة، أو نحوها، وكون الراوي عن بعض المختلط سمع منه قيبل الاختلاط، ويتبين به أيضاً الناسخ والمنسوخ إلى غير ذلك.
ثم ذكر كثيراً من عيون الوفيات، فقال:
٩٦٣ - مَاتَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ النَّبِي، وَفِي ... ثَلاثَ عَشْرَةٍ أَبُو بَكْرٍ قُفِي
стр. 825
٩٦٤ - وَبَعْدَ عَشْرٍ عُمَرٌ، وَالأُمَوِي ... آخِرَ خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، عَلِي
٩٦٥ - فِي الأَرْبَعِينَ، وَهْوَ وَالثَّلاثُ ... سِتِّينَ عَاشُوا بَعْدَهَا ثَلاثُ
(مات بإحدى) أي في سنة إحدى (عشرة) بسكون الشين على إحدى لغاتها، من الهجرة، (النبي) بتخفيف الياء للوزن ﷺ ، في شهر ربيع الأول يوم الاثنين، وهذا لا خلاف فيه، والخلاف إنما هو في ضبطه من الشهر بعدد معين فقيل: لاثنتي عشرة، ليلة خلت منه وهو الراجح، وقيل: في مستهله، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل غير ذلك، (وفي) سنة (ثلاث عشرة) بالصرف للضرورة متعلق بقفي (أبو بكر) الصديق ﵁ مبتدأ خبره جملة (قفي) بالبناء للمفعول أي أكرم بمعنى أن الله أكرمه حيث ألحقه بحبيبه ﷺ ، يقال: قَفَوته أقفوه إذا أكرمته، أو بمعنى دفِنَ يقال: قُفِيَ العُشْبُ فهو مَقْفُوْ، وقد قَفَاه السيلُ، إِذَا حمل الماءُ الترابَ عليه، أو بمعنى اختير يقال فلان قِفْوَتِي بكسر فسكون أي خيرتي، أفاد هذه المعاني في لسان العرب، والمعنى: أن أبا بكر الصديق ﵁ اختاره الله لرفقة نبيه ﷺ ، أو دفن عنده، أوأكرمه الله بذلك يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ١٣ هـ وقيل غير ذلك. (وبعد عشر) من وفاة الصديق ﵁ قتل (عمر) بن الخطاب ﵁ أي سنة ٢٣ هـ بلا خلاف في ذلك، ودفن في مستهل المحرم سنة ٢٤ وقول من قال إنه قتل لأربع أو ثلاث بقين من ذي الحجة مراده طَعْنُ أبي لؤلؤة له فإنه كان عند صلاة الصبح يوم الأربعاء، لأربع وقيل لثلاث بقين منه وعاش بعد ذلك ثلاثة أيام، ودفن مع صاحبيه في بيت عائشة ﵃ (و) قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان (الأموي) نسبة إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أحد أجداده، (آخر خمس وثلاثين) من الهجرة في ذي الحجة يوم الجمعة ١٨ منه وقيل سنة ٣٦، وفيه أقوال أخر. ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء، بالبقيع، وعمره قيل ٨٠ وقيل ٨٣ سنة وأشْهُر وهو الصَّحِيح، وقيل ٨٦، وقيل ٨٨، وقيل لم يبلغ ٨٠، قتله جَبَلَةُ بنُ الأيْهَم، رجل من أهل مصر، وقيل غيره، وقتل (علي) بن أبي طالب ﵁ (في) شهر رمضان من العام (الأربعين) من الهجرة، قتله
стр. 826
عبد الرحمن بن مُلْجِم المرادي، أحد الخوارج، واختلف في وقت قتله من الشهر المذكور، فقيل ١١ ليلة خلت منه وقيل ليلة الجمعة ١٣ ليلة خلت منه وقيل يوم الجمعة ١٧ وقيل في ليلتها، وبه جزم الذهبي تبعاً لابن حبان، وقيل غير ذلك، واختلف في محل دفنه قيل في قصر الإمارة، أو في رَحْبَةِ الكوفة، أو عند باب كِنْدَةَ، وقبره مجهول (وهو) أي علي بن أبي طالب ﵁ (والثلاث) الأولون النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵃. (ستين) سنة (عاشوا) في الدنيا (بعدها) أي بعد الستين (ثلاث) سنوات، يعني أنها اتفقت في كونها ثلاثاً وستين على القول الأصح في كلهم، فالقول به في النبي ﷺ هو الذي عليه الجمهور، وصححه ابن عبد البر، بل حَكَى فيه الحاكم الإجماع، وقيل ٦٠ وقيل ٦٥ وقيل ٦٢ وقيل غير ذلك، والقول في الصديق ﵁، هو قول الأكثر وصححه الذهبي، وغيره، وقيل ٦٥ وقيل ٦٣ وثلاثة أشهر واثنان وعشرون يوماً.
والقول في عمر هو قول الجمهور، وصححه المزي، وقيل ٥٤ وقيل ٥٥ وقيل غير ذلك.
والقول به في علي مروي عن ابن الحنفية وابن عمر وهو قول ابن إسحاق وأبي بكر بن عياش، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وآخرين، وصححه ابن عبد البر، وقيل ٥٧ وقيل ٥٨ وقيل ٦٢ وقيل غير ذلك.
٩٦٦ - وَطَلْحَةٌ مَعَ الزُّبَيْرِ قُتِلا ... فِي عَامِ سِتٍّ وَثَلاثِينَ كِلا
(وطلحة) بالصرف للضرورة ابن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة التيمي أبو محمد المدني، أحد العشرة والستة الشورى، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، ﵁. (مع الزبير) بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصَيّ بن كلاب الأسدي، حواري رسول الله ﷺ ، وابن عمته صفية، وأحد العشرة السابقين ﵁ (قتلا) بالبناء للمفعول والألف ضميرها في وقعة الجمل (في عام ست وثلاثين) من الهجرة، بل قيل في شهر واحد، ويوم واحد، واختلف
стр. 827
في شهر وقعة الجمل التي كانت بناحية الطَّف، قيل: لعشر خلون من جمادى الآخرة، ثم قيل يوم الجمعة، وقيل يوم الخميس، وعليه الجمهور، وقيل كانت الوقعة في جمادى الأولى، وقيل غير ذلك، وقاتِل طلحة هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بلا خلاف، أخذاً بثأر عثمان فيما زعم، وقاتل الزبير عمرو بن جرموز غدراً في مكان يقال له وادي السباع منصرفَهُ من الجمل، لَمَّا جَرَى بينه وبين علي مما قال لهما النبي ﷺ حيث قال للزبير: إنك تقاتل عليًّا وأنت ظالم له، فذكرَه على ذلك فتذكر، فانصرف، وكان مبلغ سنهما حين قتلا ٦٤ سنة على الراجح، وفيه أقوال أُخر، وقوله (كلا) توكيد للضمير نائب فاعِل قُتِلَ حذف منه المضاف إليه للضرورة أي كلاهما.
٩٦٧ - وَفِي ثَمَانِي عَشْرَةٍ تُوُفِّي ... عَامِرُ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُ عَوْفِ
٩٦٨ - بَعْدَ ثَلاثِينَ بِعَامَيْنِ، وَفِي ... إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَعِيدٌ، وَقُفِي
٩٦٩ - سَعْدٌ بِخَمْسَةٍ تَلِي خَمْسِينَا ... فَهْوَ آخِرُ عَشْرَةٍ يَقِينَا
(وفي ثماني) بسكون الياء للوزن (عشرة) بسكون الشين لغة، وبالتنوين للضرورة، يعني في سنة ثماني عشرة من الهجرة، والجار متعلق بـ (ـتُوُفِّي) بالبناء للمفعول، أي مات (عامر) بمنع الصرف للوزن ابن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري، أبو عبيدة الأمين، أحد العشرة، شهد بدراً مات في طاعون عَمَوَاس بفتحات آخِرُهُ مهملة، وقد تسكن الميم، موضع بالشام، وعمره ثمانية وستون سنة بلا خلاف، في الأمرين قاله في التدريب (ثم) توفي (بعده) أي بعد عامر المذكور عبد الرحمن (بن عوف) بن عبد عوف، بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، أبو محمد المدني، أحد العشرة، وهاجر الهجرتين، وأحد الستة (بعد ثلاثين) سنة (بعامين) أي معهما، بمعنى أنه توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة على القول المشهور، وقيل: إحدى، أو اثنتين، وقيل ثلاث، ودفن بالبقيع ومبلغ سِنِّهِ ٧٣ سنة، وقيل خمس وهو الأشهر، واقتصر عليه ابن الصلاح
стр. 828
وقيل ٨ وأوصى لكل من شهد بدراً بأربعمائة دينار، وكانوا مائة نفس، وصولحت إحدى زوجاته عن ربع الثمن بثمانين ألفاً.
(و) توفي (في) سنة (إحدى وخمسين) من الهجرة (سعيد) هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة وقيل سنة ٥٠ وقيل ٥٢ وقيل ٥٨، وهذا غير صحيح، وكانت وفاته بالعقيق، وحمل إلى المدينة، فدفن بها، وقيل بالكوفة وصلى عليه المغيرة بن شعبة ودفن بها، وهذا لا يصح، وسنه بضع وسبعون سنة، إما ثلاث، أوأربع، (وقفي) بالبناء للمفعول أي أكرم، أو دفن، أو اختير، على ما قدمنا في معناها (سعد) نائب فاعل قفي هو ابن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري، أحد العشرة المدني، شهد بدراً والمشاهد (بخمسة) من السنين (تلي) تلك الخمسة (خمسيناً) عاماً من الهجرة، يعني أنه مات سنة ٥٥ من الهجرة وهو المشهور الراجح، وقيل أو إحدى أو أربع، أو ست، أو سبع، أو ثمان، بعد الخمسين ذلك في قصره بالعقيق، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة، فدفن بالبقيع، وعمره قيل ٧٣ واقتصر عليه ابن الصلاح، وقيل ٧٤ وقيل اثنان، أو ثلاث، وثمانون (فـ) ـإذا علمت ما تقدم من الأقوال الراجحة، علمت أسعدا هذا (هو آخر عشرة) بُشِّرُوا بالجنة، في حديث واحد، حيث قال رسول الله ﷺ أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة. وعثمان في الجنة، وعليٌّ في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، رواه الترمذي وغيره، وورد التبشير لغير هؤلاء إلا أن هؤلاء جمعوا في حديث واحد، وقوله (يقيناً) أي موتاً تمييز للنسبة في قوله هو آخر عشرة، واليقين الموت كما في " ق " قيل هو حقيقة، وقيل مجاز من تسمية الشيء بما يتعلق به، أفاده بعض محشى " ق ".
ولما أتم ذكر وفيات العشرة، أتبعه بذكر المعمرين من الصحابة ﵃، فقال:
стр. 829
٩٧٠ - وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَابِ وَصَلُوا ... عِشْرِينَ بَعْدَ مِائَةٍ تُكَمَّلُ
٩٧١ - سِتُّونَ فِي الإِسْلامِ ...... ... .................
(وعدة) أي جماعة متعددون (من الصحاب) بالكسر جمع صاحب بمعنى أصحاب رسول الله ﷺ ، فعدة مبتدأ ومن الصحاب صفته، وخبره جملة قوله (وصلوا) في العمر (عشرين) سنة حال كونها (بعد مائة) من السنين (تكمل) بالبناء للمفعول من التكميل صفة لمائة، أي مكملة، بمعنى أنها لا نقص فيها، منها ستون في الجاهلية و (ستون في الإسلام). يعني أن جماعة من الصحابة ﵃ عاشوا مائة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية، وستون في الإسلام، ثم ذكرهم بقوله:
........ حَسَّانٌ، يَلِي ... حُوَيْطِبٌ، مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلِ
٩٧٢ - ثُمَّ حَكِيمٌ، حَمْنَنٌ، سَعِيدُ ... ..................
(حسان) خبر لمحذوف أي هم حسان بن ثابت بن المنذر بن حَرَام،
الأنصاري، شاعر رسول الله ﷺ ، فإنه عاش ١٢٠ ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، قال ابن عبد البر بالاتفاق، وسيأتي عام وفاته و (حويطب) بالحاء والطاء المهملتين مصغراً ابن عبد العزى بن أبي قيس العامري، صحابي، أسلم يوم الفتح، وكان عارفاً بأحوال مكة، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، اهـ تقريب. فإنه عاش مائة وعشرين نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام، كما رواه الواقدي، وتوفي سنة ٥٤ وقيل ٥٢
و (مخرمة) بفتح الميمين بينهما خاء ساكنة (بن نوفل) بن أهيب بن
عبد مناف بن زهرة الزهري، والد مِسْوَر، له ولولده صحبة أسلم عام الفتح، وتوفي سنة ٥٤ وهو ابن ١٢٠ كما جزم به أبو زكريا بن منده، وقيل ١١٥
(ثم حكيم) مكبراً هو ابن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي ابن أخي خديجة أم المؤمنين، ﵂، فإنه عاش ١٢٠ ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، على الأصح (وحمنن) بفتح الحاء المهملة ثم ميم ساكنة بعدها نون مفتوحة،
стр. 830
ثم أخرى على المعتمد، وضبطه بعضهم بزاي بدل النون الثانية مشتق من الحمز وهي الصعوبة ونونه زائدة، ابن عوف أخو عبد الرحمن بن عوف، ذكر الزبير بن بكار، والدارقطني، وابن عبد البر، أنه عاش ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، ومات سنة ٥٤ قاله في التدريب، ولم يرو عن النبي ﷺ إلا ثلاثة أحاديث قاله الناظم، في ريح النسرين وأقام بمكة إلى أن مات ولم يهاجر ولم يدخل المدينة، قاله في الإصابة (وسعيد) بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم، أبو هود، أسلم قبل الفتح، وقيل هو من مسلمة الفتح، كان اسمه صرماً فسماه النبي ﷺ سعيداً مات سنة ٥٤ بالمدينة المنورة، وقيل بمكة وعاش ١٢٠ سنة ستين في الجاهلية وستين في الإسلام وقيل عمره ١٢٤.
فهؤلاء الستة كلهم معمرون ١٢٠ سنة نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام على خلاف تقدم في بعضهم.
ولما كان في الصحابة من عاش ١٢٠ سنة مطلقاً ذكرهم بقوله:
............... ... وَآخَرُونَ مُطْلَقًا لَبِيدُ
٩٧٣ - عَاصِمُ، سَعْدٌ، نَوْفَلٌ، مُنْتَجِعُ ... لَجْلاجُ، أَوْسٌ، وَعَدِيٌّ، نَافِعُ
٩٧٤ - نَابِغَةُ ............ ... .................
(و) وصل هذا المقدار من العمر قوم (آخرون) من الصحابة ﵃ يعني أنهم عاشوا ١٢٠ سنة (مطلقاً) أي من غير توزيع نصفها في الجاهلية ونصفها في الإسلام لعدم العلم بها، لتقدم وفاتهم على المذكورين أو تأخرها، أو لعدم تاريخها قاله السخاوي.
وهم (لبيد) بفتح اللام وكسر الباء، مكبراً ابن ربيعة بن مالك بن جعفر العامري، كان شاعرا، من فحول الشعراء، فارساً شجاعاً سخياً عاش ١٢٠، وقيل ١٤٠، وقيل ١٥٧، و (عاصم) بترك التنوين للوزن ابن عدي بن الجد بن العجلان العجلاني، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عمر، وهو أخو معن بن عدي، وهو الذي سأل رسول الله ﷺ لعويمر العجلاني
стр. 831
عن الواجد مع زوجته رجلًا، توفي سنة ٤٥ وقد عاش ١١٥ سنة، وقيل ١٢٠ سنة و (سعد) بن جنادة بضم الجيم العوفي، الأنصاري، والد عطية العوفي، من عوف بن ثعلبة بن سعد بن ذبْيَان، عاش كما روى حفيده الحسن بن عطية ١٢٠ سنة،
و (نوفل) بفتح فسكون ابن معاوية بن عمرو الديلي، ويقال: نوفل بن معاوية بن عروة الديلي، ويقال: الكناني، وهو من بني الديلي بن بكر، قيل: إنه عمّر في الجاهلية ٦٠ سنة وفي الإسلام ٦٠ سنة سكن المدينة حتى توفي زمن الوليد بن معاوية.
وعلى هذا القول فهو من القسم الأول، و (منتجع) جد نَاجِيَة ذكره العسكري في الصحابة وكان من أهل نجد، وكان له مائة وعشرون سنة، قال السخاوي: ولا يصح حديثه اهـ. قلت: ضبطه الشارح الترمسي بصيغة اسم الفاعل، ولم أجد من ضبطه غيره. و (لجلاج) بجيمين وترك التنوين للوزن، العامري، والد خالد والعلاء، عاش ١٢٠ سنة، و (أوس) بن مغْرَاء أو ابن تميم بن مغراء، من بني أنف الناقة، السعدي، شاعر اشتهر في الجاهلية، عاش ١٢٠ سنة ذكره الصريفيني. (وعدي) بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج، الطائي، يكنى أبا طريف، وقيل: أبو وهب، وأبوه حاتم هو الجواد المشهور، الذي يُضرَبُ به المثل، وَفَدَ عدي على النبي ﷺ ، سنة تسع، وقيل عشر، فأسلم، وكان نصرانياً، ذكر ابن سعد وخليفة أنه توفي سنة ٦٨، عن ١٢٠ سنة، وقيل ١٦٠، وقيل ١٦٧، و (نافع) بن سليمان العبدي، روى ابن إسحاق عن ولده سليمان قال: مات أبي وله ١٢٠ سنة، وكذا ذكر ابن قانع، و (نابغة) الجعدي الذي قال له رسول الله ﷺ لا يفضض الله فاك، فما سقطت له سن، قال القاضي عياض في الشفا: عاش ١٢٠ سنة ووافقه على ذلك الحافظ الصريفيني.
قال الناظم: في ريح (١) النِّسْرين: فيمن عاش من الصحابة مائة
стр. 832
وعشرين، وهو وهم، فإنما عاش ٢٢٠ سنة، قال ابن قتيبة وما ذاك بمنكر، لأنه قال في شعره ثلاثة أهلين أفنيتهم، وقد سأله عمر بن الخطاب ﵁ كم لبثت مع كل أهل، فقال: ستين سنة، فهذه مائة و ١٨٠ ثم عمر بعده إلى أيام ابن الزبير، انتهى.
وقيل: عاش غير ذلك واختلف في اسمه: فقيل قيس بن عبد الله وقيل: عبد الله بن قيس وقيل: حيان بن قيس بن عبد الله، وقيل: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة، وقيل له: النابغة، لأنه قال الشعر في الجاهلية، ثم أقام مدة نحو ثلاثين سنة، لا يقول الشعر ثم نبغ فيه، فقاله، فسمى النابغة. فهؤلاء العشرة عاشوا ١٢٠ مطلقاً على خلاف تقدم في بعضهم، قال: ومن التابعين أبو عمرو الشيباني، وزِرّ بن حبيش. اهـ وقال السخاوي: وفي المعمرين جماعة من الصحابة ممن زاد سنهم على القدر المذكور، منهم سلمان الفارسي، فروى أبو الشيخ قال: أهل العلم يقولون أنه عاش ٣٥٠ سنة فأما ٢٥٠ فلا يشكون فيها، وقال الذهبى: بعد أن ذكر نحو هذا ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على ٨٠ سنة (١) ومنهم قَرَدَة أو فَرْوَةُ بن نُفَاثة السلولي، قيل: إنه عاش ١٤٠ سنة، وقيل ١٥٠، اهـ كلام السخاوي باختصار وزيادة.
.......... ثُمَّةَ حَسَّانُ انْفَرَدْ ... أَنْ عَاشَ ذَا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجدّْ
(ثمة) هي " ثم " العاطفة زيدت عليها هاء التأنيث، أي ثم بعد أن عرفت ما تقدم فاعلم أنه (حسان) بن ثابت بن المنذر بن حرام أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو الوليد، وقيل: أبو الحسام، الأنصاري، الخزرجي، تقدمت ترجمته. (انفرد) عن نظرائه بـ (ـأن عاش ذا) أي العمر المذكور له ولنظرائه، وهو ١٢٠ سنة (أب) له فاعل عاش وهو ثابت (وجده) وهو المنذر (وجد) أبيه، وهو حرام، يعني أن كل واحد من حسان وآبائه
стр. 833
إلى حرام عاشوا ١٢٠ سنة، ولا يعرف ذلك في العرب لغيرهم، كذا أورده ابن سعد عن حفيد حسان سعيد بن عبد الرحمن، وفي آخره قال: وكان عبد الرحمن ولد حسان إذا ذكر هذا الشيء استلقى على فراشه وضحك، وتمدد لسروره يأمل حياته كذلك، فمات وهو ابن ٤٨ سنة. قال الناظم في ريح النسرين وشبه هذا أن لسانه يصل إلى جبهته ونحره، وكذلك كان أبوه وجده، وابنه عبد الرحمن.
٩٧٥ - ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بَأَنْ وُلِدْ ... بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ
(ثم حكيم) هوَ ابن حزام المتقدم (مفرد) عن غيره (بأن) مصدرية (ولد) بالبناء للمفعول (بكعبة) أي داخلها، صرفها للوزن، يعني أنه انفرد بمزية على غيره وهي ولادته في جوف الكعبة (وما لغيره) أي حكيم (عهد) بالبناء للمفعول، أي عرف، أي لم يعرف هذا الأمر لغيره من النَّاس، وذلك أن أمه دخلت الكعبة مع نسوة من قريش وهي حامل فأخذها الطَّلْق فولدت حكيماً بها، وذلك، قبل عام الفيل بثلاثة عشرة سنة، وما في المستدرك من أن علياً ولد فيها ضعيف.
٩٧٦ - وَمَاتَ مَعْ حَسَّانَ عَامْ أَرْبَعِ ... ِمْن بَعْدِ خَمْسِينَ عَلَى تَنَازُعِ
(ومات) حكيم (مع حسان) بن ثابت السابق (عام أربع من بعد خمسين) يعني: أن حكيماً وحساناً ماتاً في سنة واحدة سنة ٥٤ من الهجرة في المدينة المنورة، وقيل غير هذا في وفاتهما، وإليه أشار بقوله: (على تنازع) أي مع اختلاف العلماء في وفاتهما، فقد قيل: إن حكيماً مات سنة ٥٠، وقيل ٥٨، وقيل وهو للبخاري سنة ٦٠، لكن الأول الذي في النظم هو الأصح، كما قال ابن حبان وجزم به ابن عبد البر، وقيل في وفاة حسان سنة ٥٠، وقيل قبل ٤٠، في خلافة علي، وقيل سنة ٤٠، إلا أن الأصح هو الذي في النظم، كما جزم به الذهبي في العِبَر.
ولما ذكر المعمرين من الصحابة ﵃ أتبعه بذكر أصحاب المذاهب المتبوعة فقال:
стр. 834
٩٧٧ - لِمِائَةٍ وَنِصْفِهَا النُّعْمَانُ ... وَبَعْدُ إِحْدَى عَشْرَةٍ سُفْيَانُ
٩٧٨ - وَمَالِكٌ فِي التِّسْعِ وَالسَّبْعِينَا ... وَالشَّافِعِي الأَرْبَعُ مَعْ قَرْنَيْنَا
٩٧٩ - وَفِي ثَمَانٍ وَثَلاثِينَ قَضَى ... إِسْحَاقُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ قَدْ مَضَى
٩٨٠ - أَحْمَدُ ......... ... ................
(لمائة) من السنين (ونصفها) أي المائة، وهو خمسون سنة، مات (النعمان) بن ثابت، يعني: أن الإمام أبا حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، الفارسي، إمام العراق وفقيه الأمة، يروى عن عطاء ونافع، والأعرج وطائفة، وعنه ابنه حماد، وزفر وأبو يوسف، ومحمد، وجماعة، وثقه ابن معين، وقال ابن المبارك: ما رأيت في الفقه مثله، وقال مكي: هو أعلم أهل زمانه، وقال القطان: لا نكذب الله ما سمعنا أحسن من رأى أبي حنيفة، قال ابن المبارك: ما رأيت أورع منه، مات ببغداد سنة مائة وخمسين سنة، في رجب هذا هو المحفوظ، وقيل سنة إحدى، وقيل ثلاث، ومولده فيما قاله حفيده إسماعيل بن حماد سنة ٨٠، (و) توفي (بعد) بالبناء على الضم لقطعها عن الإضافة ونية معناها، أي بعد موت نعمان وقوله (إحدى عشر) بالتنوين للوزن منصوب على الظرفية على حذف مضاف، أي سنة إحدى عشرة، يعني أنه مات سنة إحدى عشرة من موت الإمام أبي حنيفة وهو سنة إحدى وستين ومائة وفي نسخة إحدى وستين قَضى سُفيان، والمعنى واحد (سفيان) بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثَّوري نسبة لثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة على الصَّحِيح، وقيل لثور همدان الكوفي، أحد أئمة الحفاظ، والفقهاء المتبوعين، إلى ما بعد الخمسمائة، ولم يختلف في سنة موته واختلف في مولده فقيل سنة ٩٧ وقيل ٩٥ وفي التقريب أنه مات وله ٦٤ سنة، ومات بالبصرة (و) توفي بالمدينة الإمام (مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة تقدمت ترجمته (في التسع والسبعينا) من السنين، يعني بعد المائة في صفر، وقيل صبيحة ١٤ من
стр. 835
ربيع الأول، وقيل يوم الأحد لثلاث عشرة، خلت منه، وقيل لعشر مضين منه، وهي في هذه السنة، باتفاق، جزم به الذهبي في العِبَر، وشذ هِقْلُ بن زِيَاد، فقال سنة ثمان، وهو ابن خمس وثمانين أو سبع أو تسع أو تسعين، في خلافة هارون، ودفن بالبقيع، واختلف في مولده فقيل سنة ٨٩، وقيل سنة ٩٠، وقيل ٩١، وقيل ٩٢، وقيل ٩٣، وهو أشهر الأقوال وقيل سنة ٩٤، وقيل غير ذلك.
(و) توفي في مصر الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس (الشافعي) وتقدمت ترجمته، في (الأربع مع قرنينا) تثنية قرن والمراد به ماءتا سنة، يعني: أنه توفي سنة ٢٠٤، في آخر يوم من شهر رجب، وقيل ليلة الخميس آخر ليلة منه، وقيل غير ذلك، ومولده بغَزَّةَ سنة ١٥٠، فعاش ٥٤، وهو الأصح، وقيل ٥٢ (وفي) سنة (ثمان وثلاثين) أي بعد ٢٠٠ متعلق بـ (ـقضى) أي مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من شعبان، عن ٧٧ سنة، الإمام أبو يعقوب (إسحاق) بن إبراهيم، الحنظلي، المروزي، المشهور بابن راهويه، وكان مولده سنة ١٦١، وتقدمت ترجمته، وهو أيضاً من أصحاب المذاهب المتبوعة، كان له أتباع يقلدونه، يقال لهم الإسحاقية، قاله السخاوي.
و (بعد أربعين) أي مع المائتين (قد مضى) أي ذهب، بمعنى مات الإمام المقلد أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل. تقدمت ترجمته، يعني: أنه مات سنة ٢٤١ على الصَّحِيح، واختلف في كل من الشهر، واليوم، فقال ابنه عبد الله يوم الجمعة ضحوة، ودفناه بعد العصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر وقيل يوم الجمعة لثلاث عشرة بقين منه، وقيل يوم الجمعة في شهر ربيع الأول، وقيل لاثنتي عشرة خلت منه، ومولده في شهر ربيع الأول سنة ١٦٤ قاله ابناه عبد الله وصالح.
وممن لم يذكره من أصحاب المذاهب الإمامُ الأوزاعيُّ، أبو عمرو، عبد الرحمن بن عمرو، وكان له مقلدون، في الشام، نحواً من مائتي سنة،
стр. 836
وتوفي ١٥٧، وقيل ٥٠، أو إحدى أو ست ببيروت، من ساحل الشام، ومولده سنة ٨٨.
والإمام أبو جعفر الطبري محمد بن جرير بن يزيد، توفي سنة ٣١٠، وعمره ٨٥.
والإمام أبو سليمان داود بن علي بن خلف البغدادي إمام أهل الظاهر، وتوفي سنة ٢٠٩.
والليث بن سعد إمام أهل مصر وتوفي سنة ١٧٥ ومولده ٩٤.
وسفيان بن عيينة وتوفي سنة ١٩٨، ومولده ١٠٧.
ولما أتم ذكر أصحاب المذاهب المتبُوعة أردفه بأصحاب الكتب الستة مع من أضيف إليهم فقال:
........ وَالْجُعْفِيُّ عَامَ سِتَّةِ ... مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ وَبَعْدَ خَمْسَةِ
٩٨١ - مُسْلِمُ وَابْنُ مَاجَهٍ مِنْ بَعْدِ ... سَبْعِينَ فِي ثَلاثَةٍ بِحَدِّ
٩٨٢ - وَبَعْدُ فِي الْخَمْسِ أَبُو دَاوُدَا ... وَالتِّرْمِذِيْ فِي التِّسْعِ خُذْ مَلْحُودَا
٩٨٣ - وَالنَّسَيءِ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ ... عَامَ ثَلاثٍ ..............
(و) توفي الإمام الحافظ الحجة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل صاحب الصَّحِيح البخاري (الجعفي) بضم فسكن مولاهم كما تقدم، ليلة عيد الفطر ليلة السبت، وقت صلاة العشاء (عام ستة من بعد خمسين) أي ومائتين بخرْتَنْكَ بفتح الخاء، وقيل بكسرها، وسكون الراء بعدها تاء، ثم نون قرية، من قرى سمرقند، عند أقرباء له بها، وقيل بمصر وهو شاذ، وكان مولده يوم الجمعة، بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ فعمره ٦٢ سنة إلا ثلاثة عشر يوماً.
(و) توفي (بعد خمسة) من السنين من موت البخاري، يعني سنة ٢٦١ الإمام الحافظ أبو الحسين (مسلم) بمنع الصرف للوزن، ابن الحجاج بن مسلم القشيري، النيسابوري، صاحب الصَّحِيح، عشية يوم الأحد لأربع
стр. 837
بقين من شهر رجب، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين منه بنيسابور، وكان مولده سنة ٢٠٤ فعمره ٥٧ سنة، وقيل غير ذلك، وكان سبب موته سبباً غريباً نشأ من غَمْرَة فكرة علمية، وذلك أنه عُقِدَ له مجلس للمذاكرة فذُكِرَ له حديث فلم يعرفه فانصرف إلى منزله، وقُدِّمت له سَلَّة فيها تمر، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة، تمرة، فأصبح، وقد فَنِيَ التمرُ وَوَجَدَ الحديثَ، فكان ذلك سبب موته.
(و) توفي الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني المشهور بـ (ابن ماجه) بهاء ساكنة وصلًا وقفاً، نَوَّنَها هنا للضرورة، وهو لقب والده لا جَدِّه كما قاله في القاموس، وقيل إنه اسم أمه، أفاده في التاج.
(من بعد سبعين) أي ومائتين (في ثلاثة) أي معها، يعني سنة ٢٧٣ وقوله: (بحد) أي بوقت محدود عند المحققين وتوفي يوم الثلاثاء لثمان بقين من شهر رمضان، وكان مولده سنة ٢٠٩، وقيل توفي سنة ٢٧٥، والراجح الأول، فعمره ٦٤ (و) توفي بالبصرة (بعد) بالبناء على الضم لقطعه عن الإضافة ونية معناها، أي بعد وفاة ابن ماجه (في الخمس) بعد السبعين ومائتين، الإمام الحافظ (أبو داودا) بألف الإطلاق، سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب السنن، ومولده سنة ٢٠٢ (والترمذي) مفعول مقدم لخذ (في التسع) متعلق بملحوداً أي في السنة التاسعة بعد سبعين ومائتين (خذ) أيها المحدث بمعنى حَقِّقْ ضَبطه بذلك، والمعنى أن الترمذي أبا عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة، صعب الجامع المشهور، توفي سنة ٢٧٩، وكانت ولادته سنة ٢٠٩، فعمره ٧٠ سنة، وقوله (ملحوداً) حال من فاعل خذ أي مدفوناً.
(و) توفي الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر (النسيء) بتخفيف الياء للوزن نسبة إلى نَسَأ كجبل، ويقال فيه نسوي، وهو الذي في نسخة الشارح، والنسائي بألف بعد السين، وهو الأشهر، لكن لا يوافق هنا للوزن (بعد ثلاثمائة عام ثلاث) الظرفان متعلقان بتوفي المقدر، يعني أن
стр. 838
الإمام النسيء ﵀ توفي سنة ٣٠٣، وكانت ولادته سنة ٢١٥، فعمره ٨٨ سنة، توفي بفلسطين، وقيل بالرملة، ودفن ببيت المقدس، وقيل بمكة ولا يصح.
ولما أتم ذكر أصحاب الكتب التي هي أصول الإسلام، أتبعه بذكر أئمة انتفع النَّاس بتصانيفهم وهم سبعة فقال:
......................... ... ................. ثُمَّ بَعْدَ خَمْسَةِ
٩٨٤ - الدَّارَقُطْنِيْ وَثَمَانِينَ نُعِي ... خَامِسَ قَرْنِ خَامِسَ ابْنُ الْبَيِّعِ
٩٨٥ - عَبْدُ الْغَنِي لِتَسْعَةٍ وَقَدْ قَضَى ... أَبُو نُعَيْمٍ لِثَلاثِينَ رِضَى
٩٨٦ - وَلِلثَّمَانِ الْبَيْهَقِي لِخَمْسَةِ ... مِنْ بَعْدِ خَمْسِينَ مَعًا فِي سَنَةِ
٩٨٧ - يُوسُفُ وَالْخَطِيبُ ذُو الْمَزِيَّهْ ... ................
(ثم) توفي (بعد خمسة) من الهجرة الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد (الدارقطني) بفتح الدال والراء وضم القاف وسكون الطاء، نسبة إلى دَارَقُطْن، محلة ببغداد، يعني أن الدارقطني توفي سنة ٣٨٥، وقوله (وثمانين) عطف على خمسة، فهو من تتمة تاريخ وفاة الدارقطني، يعني أنه توفي بعد ثلاثمائة وخمسة وثمانين من الهجرة هذا هو الظاهر من عبارته.
لكن الذي في تراجمه أنه توفي ثامن ذي القعدة سنة ٣٨٥، فتأمل، ومولده سنة ٣٠٦، وتقدمت ترجمته، وقوله (نعى) بالبناء للمفعول، أي أُخْبِرَ بموته (خامس قرن خامس) أي سنة ٤٠٥ هـ فخامس الأول ظرف لِنُعِي، وخامس الثاني مضاف إليه قَرْنِ، غير منصرف للوزن (ابن البيع) نائب فاعل نعي، وهو بتشديد الياء المكسورة، هو الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك على الصَّحِيحين، يعني أنه توفي سنة خمس وأربعمائة في ثالث صفرها وولد سنة ٣٢١.
(تنبيه): قال في اللباب: البَيِّعُ بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة
стр. 839
من تحت وفي آخرها العين المهملة هذه اللفظة لمن يتولى البِيَاعَة والتوسط في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمَةِ اهـ.
(عبد الغني) أي توفي الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي الأزدي المصري (لتسعة) أي في سنة تسعة بعد أربعمائة سابع صفر، وله ٧٧ سنة.
وكان مولده في ذي القعدة سنة ٣٣٢.
(وقد قضى) بالبناء للفاعل أي مات، الحافظ (أبو نعيم) أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران، الأصفهاني، أجاز له مشايخ الدنيا، وله ست سنين، وتفرد بهم، ورحلت الحفاظ إلى بابه، لعلمه وضبطه، وعلو إسناده، قال ابن مردويهْ: لم يكن في أفق من الآفاق أحفظ ولا أسند منه، صنف الحلية، والمستخرج على البخاري والمستخرج على مسلم، ودلائل النبوة، ومعرفة الصحابة وتاريخ أصفهان، وفضائل الصحابة، وصفة الجنة، والطب وغيرها (لثلاثين) أي في سنة ثلاثين بعد أربعمائة، في ٢٠ شهر محرم ومولده سنة ٣٣٦ هـ فعمره ٩٤ سنة.
وقوله: (رضى) مفعول مطلق لعامل محذوف أي رضي الله عن الجميع رضي، أو حال منهم أي حال كونهم مرضيين، لكونهم حَمَلَةَ السنة، وحُمَاةَ الشرِيعَة (و) توفي (لثمان) أي في سنة ثمان بعد خمسين وأربعمائة، وفي عبارته قصور لأن ظاهرها يوهم أن الثمانية هذه بعد ٤٣٠، وليس كذلك لما سيأتي، يعني أنه توفي الحافظ، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (البيهقي) بفتح الباء الموحدة وسكون الياء بعدها الهاء، وآخره القاف، نسبة إلى بَيْهَق، وهي قرى مجتمعة، بنواحي نيسابور، على عشرين فرسخاً منها.
كان عالماً بالحديث والفقه، له كتب مصنفة تدل على كثرة فضله، وأُستاذُهُ في الحديث أبو عبد الله الحاكم، وفي الفقه أبو الفتح ناصر بن محمد العمري، المروزي، سمع الكثير، ومن أشهر مصنفاته السنن
стр. 840
الكبير، والسنن الصغير، والمعرفة، ودلائل النبوة، وشعب الإيمان، والمبسوط، في نصوص الشافعي، والخلافيات، وغيرها، وكان مولده في شعبان سنة ٣٨٤، فعمره ٧٤ سنة،. اهـ. اللباب بزيادة وتغيير.
وقال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه مِنَّةٌ إلا البيهقي، فإن له على الشافعي مِنَّةً، لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله، اهـ.
وقال التاج السبكي: وأما كتاب الخلافيات فلم يسبق إلى نوعه ولم يصنف مثله، وهو طريقة مستقلة حديثة لا يقدر عليها إلا مبرز في الفقه، والحديث، قيم بالنصوص، اهـ.
وتوفي (لخمسة من بعد خمسين) وأربعمائة (معاً) أي مع الثمانية السابقة فيكون أربعمائة وثلاث وستين سنة، (في سنة) واحدة الحافظ أبو عمر (يوسف) بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي المالكي، وكان مولده عام ٣٦٨ هـ فعمره ٩٥.
(و) الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت (الخطيب) بفتح فكسر، الذي يتولى الخِطَابَة على النَّاس أفاده في اللباب، ولد سنة ٣٩٢، فعمره ٧١ سنة (ذو المزية). أي صاحب الخصوصية، وصفه به لأنه وَسَّعَ دائرة هذا الفن وبحث فيه بحثاً دقيقاً واستخرج كنوزه، وحل رموزه، فكان له زيادة تميز وفضل على غيره فَقَلَّ فن من فنونه إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: كل من أنصف عَلِمَ أن المحدثين بعده عِيَال على كتبه.
(تنبيه): في هذا البيت تعقيد شديد، فقوله في أوله: وللثمان البيهقي، يوهم أن البيهقي توفي سنة ثمانية وثلاثين وأربعمائة، إذ أبو نعيم توفي قبله سنة ٤٣٠ وهذا، باطل، لأن البيهقي مات سنة ٤٥٨ وفي قوله لخمسة من بعد خمسين معاً غموض أيضاً فلو قال بدل هذا البيت.
стр. 841
وَبَعْدَ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ نُعِي ... الْبَيْهَقِيُّ ثُمَّ بَعْدَ أرْبَع
يُوسُفُ إلخ ... لكان أوضح وأسلم من هذا التعقيد.
فيكون المعنى عليه أن البيهقي مات بعد سنة ٤٥٧ - أي في سنة ٤٥٨، وبعد أربع من موت البيهقي أي في سنة ٤٦٣ مات يوسف بن عبد البر والخطيب البغدادي وحله الشارح الترمسي بما لا يجدي نفعاً، فتأمل.
(خاتمة): الزيادات في هذا الباب قوله: فهو أخير عشرة يقيناً، وقوله: لَبِيد إلى قوله: نابغة، وقوله: ثم حكيم مفرد: البيت، وقوله: على تنازع، وقوله: وفي ثمان وثلاثين قَضَى إسحاق، وقوله: وابن ماجه من بعد سبعين في ثلاثة بحد.
.................. ... هَذَا تَمَامُ نَظْمِيَ الأَلْفِيَّهْ
٩٨٨ - نَظَمْتُهَا فِي خَمْسَةِ الأَيَّامِ ... بِقُدْرَةِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلاَّمِ
٩٨٩ - خَتَمْتُهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ ... يَا صَاحِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الآخِرِ
٩٩٠ - مِنْ عَامِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ الَّتِي ... بَعْدَ ثَمَانِمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ
٩٩١ - نَظْمٌ بَدِيعُ الْوَصْفِ سَهْلٌ حُلْوُ ... لَيْسَ بِهِ تَعَقُّدٌ أَوْ حَشْوُ
٩٩٢ - فَاعْنَ بِهَا بِالْحِفْظِ وَالتَّفْهِيمِ ... وَخُصَّهَا بِالْفَضْلِ وَالتَّقْدِيمِ
٩٩٣ - وَأَحْمَدُ اللهَ عَلَى الإِكْمَالِ ... مُعْتَصِمًا بِهِ بِكُلِّ حَالِ
٩٩٤ - مُصَلِّيًا عَلَى نَبِيٍّ قَدْ أَتَمّْ ... مَكَارِمَ الأَخْلاقِ وَالرُّسْلَ خَتَمْ
(هذا) أي هذا الباب مبتدأ خبره (تمام) أي متمم (نظمي) أي منظومتي، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم من أول الكتاب، ويكون تمام بمعنى كامل، أي هذا الذي تقدم كامل نظمي، (الألفية) أي المنسوبة إلى الألف إن كانت من كامل الرجز، أو إلى الألفين إن كانت من مشطوره، لكنها ناقصة ستة أبيات، ولعلها سقطت من النساخ.
(نظمتها) أي الألفية من أولها إلى آخرها (في خمسة الأيام) بتعريف
стр. 842
المضاف إليه وهو جائز، أي في مدة قصيرة، وهي خمسة أيام فيكون لكل يوم مائتا بيت مع أنه مشتغل بوظائف متعددة، كالتدريس مثلًا، فهذا من فضل الله وتيسيره ولذا قال (بقدرة المهيمن) أي الرقيب الحافظ لكل شيء قال في " ق " المهيمن أي بكسر الميم الثانية، وتفتح، من أسماء الله تعالى في معنى المؤمن، مِنْ آمَنَ غيره من الخوف، وهو مؤمن بهمزتين قلبت الهمزة الثانية ياء، ثم الأولى هاء، أو بمعنى الأمين، أو المؤتمن أو الشاهد. اهـ.
والجار والمجرور متعلق بنظمت والجملة حال من نظمي، أو مستأنفة، استئنافاً بيانياً، فكأنه قيل في كم يوم نظمتها فقال نظمتها في خمسة أيام. وقوله (العلام) صفة للمهيمن وهو كشَذَاد بالفتح، وزُنار، بالضم، العالم، جدا، والمراد عالم غيب السموات والأرض (ختمتها) أي بلغت آخرها، يقال: ختمت القرآن حفظت خاتمته، وهي آخره، أفاده الفيومي، والجملة كما قبلها، يعني أنه يقول: فرغت من نظمها (يوم الخميس) ظرف لختمت (العاشر) ذلك اليوم (يا صاح) منادي مرخم صاحبي على غير قياس قال الحريري في ملحمته.
وَقَوْلُهُم فِي صَاحِبٍ يَا صَاحِ ... شَذَّ لِمَعْنًى فِيهِ بِاَصْطِلاَحِ
وقيل: لغة في صاحب وجملة المنادي معترضة.
(من شهر ربيع الآخر) صفة العاشر، وربيع مضاف والآخر مضاف إليه.
قال العلامة الفيومي (١) ﵀ ما نصه: والربيع عند العرب ربيعان ربيع شهور وربيع زمان، فربيع الشهور اثنان قالوا: لا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر بزيادة شهر، وتنوين ربيع وجعل الأول
стр. 843
والآخر، وصفاً تابعاً في الإعراب، ويجوز فيه الإضافة، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند بعضهم، لاختلاف اللفظين، نحو (حَبَّ الْحَصِيدِ)، (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ)، و (حَقُّ الْيَقِينِ)، ومسجد الجامع قال بعضهم: إنما التزمت العرب لفظ شهر قبل ربيع لأن لفظ ربيع مشترك بين الشهر والفصل فالتزموا لفظ شهر في الشهر وحذفوه في الفصل، وقال الأزهري أيضاً: والعرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ شهر إلا شهري ربيع ورمضان ويثنى الشهر ويجمع فيقال: شهرا ربيع وأشهر ربيع وشهور ربيع، وأما ربيع الزمان فاثنان أيضاً الأول الذي تأتي فيه الكَمْأة والنَّور، والثاني الذي تُدرِكُ فيه الثمار. اهـ كلام الفيومي.
قلت: في قول الأزهري ورمضان نظر لكثرة الأحاديث في إطلاق رمضان بدون شهر كقوله ﷺ : " من صام رمضان ... " الحديث.
(من عام) أي سنة (إحدى وثمانين) الجار والمجرور حال من شهر ربيع أي حال كون ذلك الشهر من جملة سنة إحدى وثمانين (التي) صفة لإحدى وثمانين (بعد ثمانمائة للهجرة) أي من هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة.
والهجرة بالكسر مفارقة بلد إلى غيره، فإن كانت قربة لله فهي الهجرة الشرعية قاله الفيومي.
وكانت هجرة النبي ﷺ مبدأ التاريخ بأمر عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم أول الباب.
وسببه أنه أُتِيَ بصَكٍّ مكتوب إلى شعبان فقال: أهو شعبان الماضي أو شعبان القابل ثم أمر بوضع التاريخ، واتفقت الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرته ﷺ وجعلوا أول السنة المحرم ويعتبر التاريخ بالليالي، لأن الليل عند العرب سابق على النهار، لأنهم كانوا أميين لا يحسنون الكتابة، ولم يعرفوا حساب غيرهم من الأمم، فتمسكوا بظهور الهلال وإنما يظهر بالليل فجعلوه ابتداء التاريخ أفاده الفيومي.
стр. 844
(نظم) خبر لمحذوف أي هو نظم أي منظوم (بديع الوصف) فعيل بمعنى فاعل أي عجيب الوصف (سهل) في لفظه (حلو) في معناه (ليس به) أي في هذا النظم (تعقد) هو كون الكلام مُغْلَقاً لا يظهر معناه بسهولة، قاله السيد الجرجاني في التعريفات (أوحَشْوٌ) أو بمعنى الواو، والحشو في اللغة ما يملأ به الوسادة وفي الاصطلاح عبارة عن الزائد الذي لا طائل تحته. قاله في التعريفات.
فقوله: " ليس به تعقد أو حشو " تعليل لكونها بديع الوصف، وسهلاً وحلواً.
قلت: هذا إن أراد به أنها كذلك لكل أحد فليس كما قال لأنها في بعض المواضع ليست سهلة لِكُلٍّ، وإن أراد أنها سهلة عند العلماء الماهرين بالفن فهذا لا يعطي لها الوصفَ بالبَدَاعَة والبَلاَغَةِ.
(فاعن) بفتح النون وكسرها أي اهتم أيها الراغب في تحقيق هذا الفن (بها) أي بهذه المنظومة (بالحفظ) للفظها، يقال: حفظت القرآن، إذا وعيته على ظهر قلبك أفاده الفيومي (والتفهيم) مصدر فُهِّمَ بالبناء للمفعول أي فهم معناها، ويحتمل أن يكون مصدر فَهَّمَ بالبناء للفاعل أي تفهيم غيرك إياها، ويكون الحفظ على هذا لِلَّفْظ والمعنى جميعاً.
(وخصها) أمر من التخصيص أي خص هذه المنظومة، أيها المحدث (بالفضل) أي بكونها فاضلة في ذاتها (والتقديم) على غيرها، من المؤلفات، كمقدمة ابن الصلاح وتقريب النووي، وألفية العراقي وغيرها، لكونها جمعت ما في هذه كلها وزادت عليها فوائد جمة، لا غنى عنها لطالب علوم الحديث.
فقد زادت قواعد وضوابط وربما زادت باباً بكامله، فلله دَرُّهُ ما أجمع منظومته، وأغزر فوائدها فجزاه الله عن خدمة العلم وأهله خير ما جزى محسناً بإحسانه.
(وأحمد الله) أي أثنى عليه بما هو أهله (على الإكمال) أي لأجل
стр. 845
توفيقه وتيسيره لإكمال هذه المنظومة، حال كوني (معتصماً) أي ممتنعاً ومتقوياً (به) (بكل حال) أي في كل أحوالي الدنيوية، والأخروية قال تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وحال كوني (مصلياً على نبي) أي طالباً من الله أن يصلي على نبي بالهمز، والتخفيف (قد أتم مكارم الأخلاق) أي الأخلاق الفاضلة وهو مقتبس من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: " إنما بُعِثْتُ لأتَمِّمَ مكارم الأخلاق " وفي رواية صالح الأخلاق رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح.
قال بعضهم: فالأنبياء بعثوا بمكارم الأخلاق وَبَقِيَت بقية فبعث بما كان معهم وبتمامها، أو أنها تفرقت فيهم فَأمرَ بجمعها، قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ﷺ (والرسل) مفعول مقدم لقوله: (ختم) أي ختم الرسل، فلا نبي بعده قال الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) وفي قوله: ختم براعة الاختتام ويسمى براعة المَقْطَع كما يسمى ما كان في الابتداء ببراعة الاستهلال وبراعة المطلع وبالإلماع.
فبراعة الاستهلال أن يقدم في أول كلامه ما يشعر بمقصوده، وبراعة الاختتام أن يأتي في آخر كلامه ما يشعر بانتهاء مرامه.
هذا. قال الشارح ووجدت في بعض نسخ هذا النظم ما نصه:
قال: فرغت من نظمها يوم الخميس عاشر ربيع الآخر سوى أبيات ألحقتها بعد ذلك، ومن تبييضها يوم الأحد ثالث عَشَرِهِ، أحسن الله عاقبتها، انتهى. اهـ. ما نقله الشارح ﵀.
وكتب العلامة المحقق أحمد محمد شاكر ما نصه:
وُجِدَ في آخر النسخة المقروءة على المصنف ﵀ ما صورته: تمت الألفية المباركة يوم الجمعة المبارك ثالث عشر شوال سنة خمس وثمانين وثمانمائة، علقها لنفسه الفقير إلى عفو ربه جرارد الناصري من