كتاب طبقات الفقهاء
﵃
تأليف الإمام العالم الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي الفيروز أبادي ﵀، رواية أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب عنه، رواية الإنان العلامة تاج الدين ابي اليمن زيد ابن الحسن بن زيد الكندي عنه.
стр. 2
ترجمة المؤلف
ولد إبراهيم بن علي بن يوسف (١) الذي أصبح - من بعد - يكنى أبا إسحاق ويلقب جمال الدين سنة ٣٩٣ (٢) هـ. في بلدة فيروز آباد (بكسر الفاء أو فتحها) ، وهي مدينة جور الواقعة على بعد ١١٥ كم إلى الجنوب من شيراز، وبها نشأ وفيها بدأ تحصيله العلمي، وكان من أول شيوخه الذين علق عنهم فيها أبو عبد الله محمد بن عمر الشيرازي؛ وبعد أن نال من العلم ما يمكن أن يتيحه له بلده، اغترب عنه استكمالاً للطلب فدخل شيراز سنة ٤١٠ وعمره في حدود السابعة عشرة، كما دخل الغندجان، ودرس فيهما وفي غيرهما على شيوخ الفقه حينئذ، ومنهم أبو أحمد عبد الرحمن بن الحسين الغندجاني، علق عنه بشيراز والغندجان؛ ويقول السبكي أنه درس في شيراز علي أبي عبد الله البيضاوي (- ٤٢٤) وأبي أحمد عبد الوهاب بن محمد بن رامين البغدادي (- ٤٣٠) وهذان من أساتذته البغداديين أيضاً، فلعله أخذ عنهما في
стр. 3
مرحلتين؛ كذلك دري علي أبي عبد الله الجلاب خطيب شيراز وفقيهها النظار، واتصل بأبي الفرج الفامي الشيرازي أحد رجال المذهب الداودي الظاهري، وكان يناظره وهو في تلك السن المبكرة، إذ يقول في الطبقات " وكنت أناظره بشيراز وأنا صبي "، وهذا يدل على أنه أحرز التمرس بفن الجدل وهو في تلك السن.
وبعد هذه المرحلة التي قضاها طالباً للعلم في بلاد فارس توجه إلى العراق، فدخل البصرة ودرس على فقهائها ومنهم الحوزي؛ ثم قصد بغداد فدخلها سنة ٤١٥ وهو في الثانية والعشرين من عمره، متابعاً طلب العلم، فوجد في بغداد بيئة علمية غير التي عرفها في سائر المدن والقرى التي أتيح له دخولها، ووصل نفسه بكبار الفقهاء من القائمين بمذهب الشافعي، ومن هؤلاء الشيرجي الفرضي الحاسب وابن رامين وأبو عبد الله البيضاوي ومنصور بن عمر الكرخي، ولكن أكبر أساتذته في هذا الدور هو أبو الطيب الطبري (- ٤٥٠) الذي يقول هو في وصفه: " ولم أر في من رأيت أكمل اجتهاداً، واشد تحقيقاً، وأجود نظراً منه "، ويليه في المنزلة بين سائر شيوخه أستاذه أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري المعروف بالقزويني، قال: " ولم أنتفع بأحد في الرحلة كما انتفعت به وبالقاضي أبي الطيب الطبري ". وعلي أبي حاتم قرأ أبو إسحاق الأصول، كما درس الفقه على آخرين منهم الزجاجي وأبو عبد الله محمد بن عمر الشيرازي وغيرهما، وسمع الحديث علي أبي بكر البرقاني وأبي علي ابن شاذان، وحضر بعض حلقات الدروس لغير الشافعية، فهو يقول في القاضي أبي علي الهاشمي الحنبلي: " حضرت حلقته وانتفعت به كثيرا ".
وقد نال أبو إسحاق إعجاب أستاذه أبي الطيب الطبري وثقته بعد وقت غير طويل، فأخذ الأستاذ يأذن له بتدريس أصحابه في مسجده حين رتبه معيداً، وأخذ الشيرازي نفسه بخطة صارمة فقد قال متحدثاً عن نفسه في تلك الفترة: " كنت أعيد كل قياس ألف مرة، فإذا فرغت منه أخذت
стр. 4
قياساً آخر وهكذا؛ وكنت أعيد كل درس ألف مرة فإذا كان في المسألة بيت يستشهد به حفظت القصيدة " وما ذلك إلا طلباً للتثبيت واليقين؛ وكان قد مر عليه ببغداد حوالي خمسة عشر عاماً حين سأله أستاذه أبو الطيب الطبري أن ينفرد في أحد المساجد، ففعل ذلك وأخذ يدرس في مسجد بباب المراتب. وما لبث أن اشتهر أمره وانتشر صيته في البلدان ووصل إليه الطلبة من كل مكان وأخذت الفتاوى تحمل إليه من جميع الجهات. وأصبح في حياة شيخه أبي الطيب من اكبر فقهاء الشافعية في عصره، شهرة بالفقه وأصوله ومسائل الخلاف وقوة العارضة في الجدل، وأصبح شيخه يعتمد عليه في شئون المناظرة ويقدمه لذلك.
وكانت العادة ببغداد إذا أصيب أحد بوفاة أن يجلس للعزاء في مسجد الحي ليتقبل التعزية ويمضي على ذلك أياماً لا يتخللها سوى قراءة القرآن أو المناظرة بين الشيوخ؛ فلما توفيت زوجة الشيخ أبي الطيب حضر للعزاء فيمن حضر القاضي أبو عبد الله الصيمري شيخ الحنفية فرغب الناس إليهما في المناظرة في مسألة فقهية فلما اعتذر الصيمري عن ذلك قال الناس: من كان له تلميذ مثل أبي عبد الله الدامغاني لا يحوج إلى الكلام وها هو حاضر من أراد أن يكلمه فليفعل. فقال القاضي أبو الطيب: وهذا أبو إسحاق من تلامذتي ينوب عني.
وفي سنة ٤٤٧ توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن جعفر بن ماكولا الشافعي، فاتجهت أنظار الخليفة وكان يومئذ هو القائم بأمر الله إلى أبي إسحاق الشيرازي، وأراده على أن بتولى قضاء القضاة فأبى فحاول إكراهه على ذلك فامتنع أيضاً، فوكل به من يلازمه حتى يحمله على القبول، فكتب إله أبو إسحاق: " ألم يكفك أن هلكت حتى تهلكني معك " فتأثر الخليفة لهذا وقال: " هكذا فليكن العلماء؛ إنما أردنا أن يقال انه كان في عصرنا من وكل به وأكره على القضاء فامتنع وقد أعفيناه "؛ ومثل هذه الحكاية روى عن غير أبي إسحاق مع غير القائم بأمر الله.
стр. 5
وبعد وفاة الشيخ أبي الطيب الطبري (٤٥٠) يكاد أبو إسحاق يصبح العلم المتفرد بين فقهاء مذهبه، لا ينازعه في هذا منازع حتى أن الوزير نظام الملك لما بنى المدرسة النظامية ببغداد لم يقع اختياره لتولي التدريس فيها إلا على الشيخ أبي إسحاق، بل أنه جعلها برسمه بعد أن وافق الشيخ نفسه على ذلك. وفي العاشر من ذي القعدة سنة ٤٥٩ جمع العميد أبو سعد القاشي الناس من مختلف الطبقات لا فتتاح المدرسة (١) . والقاء أول درس فيها، وطال انتظار الناس تشوقاً لحضور أبي إسحاق فلم يحضر، وطلب فلم يوجد، وعندئذ عهد العميد أبو سعد إلى أبي نصر بن الصباغ بالتدريس فيها.
وقيل أن أبا إسحاق إنما عدل عن الحضور بع موافقته لأن شاباً لقيه في الطريق فقال له: يا سيدنا، تريد تدريس في المدرسة؟ قال نعم. قال: وكيف تدرس في مكان مغصوب؟ وعندئذ غير الشيخ نيته ولم يحضر. ولما تولى ابن الصباغ التدريس في النظامية وبلغ الخبر نظام الملك غضب وأقام القيامة على العميد أبي سعد، وأبى أن يقبل بأحد سوى الشيرازي؛ وظهر أبو إسحاق بمسجد باب المراتب يلقي دروسه على عادته، فاجتمع إليه الناس داعين له لأنه رفض التدريس، وكان قد بلغهم انه قال: " إني لم أطب نفساً بالجلوس في هذه المدرسة لما بلغني أن أبا القاشي غصب أكثر آلاتها ونقض قطعة من البلد لأجلها ". غير أن تلامذة أبي إسحاق اغتموا لما فعله شيخهم، وفتروا عن حضور دروسه، وراسلوه يعلمونه انه إن لم يتول التدريس بالمدرسة فانهم سينفضون من حوله ويلحقون بابن الصباغ، فأرضاهم بالاستجابة تطيباً لقلوبهم؛ وصرف ابن الصباغ عن التدريس بعد أن قضى في ذلك عشرين يوماً، وجلس أبو إسحاق في النظامية في مستهل شهر ذي الحجة سنة ٤٥٩ وبقي فيها مدرساً إلى حين وفاته أي حوالي سبعة عشر عاماً؛
стр. 6
وكان إذا حضر وقت الصلاة خرج منها وصلى في بعض المساجد القريبة تحرجاً من الصلاة في موضع لحقته شبهة الغصب.
وكان الاضطلاع بأمر النظامية يعني تغيراً في نوع المسؤولية التي حملها أبو إسحاق، فهو من بعض النواحي لم يعد مسئولاً عن تصرفاته وحدها في المدرسة، وإنما للمنصب جعله يغدو " ممتثلاً " للشافعية ببغداد ولهذا نراه يظهر لأول مرة في " مهمة رسمية " عند وفاة القائم سنة ٤٦٧ وبيعة المقتدي بأمر الله؛ ويخبرنا أن المقتدي كان كبير الاجلال للشيخ أبي إسحاق وأن الشيخ كان سبباً لجعله خليفة، ولكنه لا يوضح كيف كان ذلك؛ وأياً كان الأمر فان هذا القول - إن صح - يدل على أن أبا إسحاق أصبح بحكم منصبه قريباً من رجال الدولة إذا حدث ما يستدعي حضوره وهو موقف لن يعقبه من المتاعب.
وما لبثت المتاعب أن أقبلت، فبيئته بغداد يغلب عليها مذهب أحمد بن حنبل، والمدرسة النظامية معقل للشافعية، ولهذا كان في مقدور المدرسين والوعاظ الشافعيين أن يتخذوها منبراً لبث آرائهم في أتباع المذهب الحنبلي، وحضر إلى المدرسة أبو نصر القسيري (وهو ابن أبي القاسم صاحب الرسالة) سنة ٤٦٩، كان في طريقه إلى مكة (١) فتكلم على مذهب الأشعري ونصره، وتعرض للحنابلة بالذم ونسبهم إلى التجسيم، فاستاء الحنابلة من ذلك وكان زعيمهم يومئذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى؛ وحاول أبو إسحاق أن يهدئ الحال بين الفريقين، فسأل الشريف أبا جعفر أن يعمل على تلافي الفتنة، ولكن ابن القشيري أخرج الأمر من حيز النظامية إلى الشارع، فقد ذهب إلى أحد المساجد وأخذ يبذل مالاً لليهود علهم أن يسلموا فكان عوام بغداد
стр. 7
(وأكثرهم حنابلة) يقولون: هذا إسلام الرشا لا إسلام التقى، وأسلم يوماً يهودي وحمل على دابة، وخرجت من حوله " مظاهرة " ضخمة اصطدم من فيها بجماعة الحنابلة، فيقال أنه وقع عدد غير قليل من القتلى في ذلك الصدام؛ فغضب الشيخ أبو إسحاق لأنه عرف أن الشريف أبا جعفر لم يقعد وحسب عن تهدئته النائرة، وإنما كان قد أعد جماعة لمواجهة " مظاهرة " الشافعية.
وأعلن أبو إسحاق عن وقوفه إلى جانب القشيري حين رضي أن يضع توقيعه في محضر كتبه القشيري يهاجم في " الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنابلة " لما أظهروه ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة كالقدح في الإمام الشافعي والقول بالتجسيم، فكان نص ما كتبه أبو إسحاق: " الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، اكثر الله في أئمة الدين مثله، من عقد المجالس وذكر الله يما يليق به من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه مذهب أهل الحق من أهل السنة والجماعة، وبه أدين الله وإياه أعتقد، وهو الذي أدركت أئمة أصحابنا عليه، واهتدى به خلق كثير من المجسمة، وصاروا كلهم على مذهب أهل الحق، ولم يبق من المبتدعة إلا نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبه وسب الشافعي وأئمة أصحابه ونصار مذهبه، وهذا أمر لا يجوز الصبر عليه، ويتعين على المولى أعز الله نصره التنكيل بهذا النفر اليسير الذين تولوا كبر هذا الأمر وطعنوا في الشافعي وأصحابه، لأن الله أقدره وهو الذي بدأ في هذا البلد بإغزار هذا المذهب بما بني فيه من المدرسة التي مات كل مبتدع من المجسمة والقدرية غيظاً منها، وبما يرتفع فيها من الأصوات بالدعاء لأيامه، استجاب الله فيه صالح الأدعية، ومتى أهمل نصرهم لم يكن له عذر عند الله ؛ وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي ".
ولم يكتف أبو إسحاق بهذا الذي قيده في المحضر استنفاراً لنظام الملك
стр. 8
بل كتب إليه رسائل يشرح فيها الأمر، كما يراه، وربما تعدى ذلك إلى التحريض الشديد، فأخذ الحنابلة يتكلمون في أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم، ويشيعون عنه أنه كتب إلى نظام الملك يسأله إبطال المذهب الحنبلي، وازداد أبو إسحاق غضباً، ومضى إلى باب الطاق يعد العدة لمبارحة بغداد والصفر إلى نظام الملك؛ وخاف الخليفة - وهو حنبلي المذهب - أن يشنع عليه الشافعية عند نظام الملك، ولهذا أرسل إلى أبي إسحاق من أقنعه بالعدول عن السفر، وسعى لأجراء الصلح بين الفريقين على يد الوزير فخر الدولة فاستدعى الوزير الشريف أبا جعفر إلى دار الخلافة، وأبلغه أن الخليفة استاء لما جرى بين المسلمين من اختلاف في عقائدهم، وكان قد استدعى أيضاً بعض الزعماء الشافعية وفيهم أبو إسحاق والقشيري، وعرض على الفريقين أن يتصالحا، وكان أبو إسحاق راغباً في الصلح إطفاءً لنار الفتنة، فتقدم إلى الشريف وقال: " أنا ذاك الذي يحضر حلقة الشريف في أيام المناظرة) وهذه كتبي في أصول الفقه فيها خلافاً للأشعرية " ثم قبل رأسه، فقال الشريف: قد كان ما تقول، إلا أنك لما كنت فقيراً لم يظهر لنا ما في نفسك، فلما جاء الأعوان والسلطان وخواجا بزرك (يعني نظام الملك) أبديت ما كان مخفياً؛ وتقدم ابن القشيري منه ولم يكن الشريف يعرفه، فلما عرف به قال: لو جاز أن يشكر أحد على بدعته لكان هذا الشاب لأنه بادهنا بما في نفسه ولم ينافق؛ ثم قال للوزير: أي صلح بيننا؛ إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو ولاية أو دنيا أو قسمة ميراث أو تنازع في ملك، فأما هؤلاء القوم فهم يزعمون أننا كفار، ونحن نزعم أن من لا يعتقد ما نعتقده كافر فأي صلح بيننا؟
ورغم ذلك فان الاضطراب قد سكن بين الفريقين، وعمل الخليفة على أن يستبقي الشريف فقيل له أنه قد أفرد لك موضع قريب من الخدمة للمراجعة في الأمور الدينية والتبرك بمكانك، وأدرك الشريف أن الخليفة إنما
стр. 9
" يعتقله " لبيعده عن الاتصال ب؟ " الشارع الحنبلي " ولذلك قال لمن حوله: " فعلتموها؟! ".
وتتضارب الأخبار حول الأجوبة التي وردت من نظام الملك في هذه الحادثة، ففي بعضها أنه كتب إلى الوزير فخر الدولة ينكر ما وقع ويأمر بالتشديد على خصوم ابن القشيري، وفي بعضها الآخر أنه نصح بالاعتدال؛ وقد نقل ابن الجوزي نسخة كتاب قال أن النظام أرسله إلى أبي إسحاق، ونص الكتاب يدل على أنه لم يرسل إلى أبي إسحاق، وقد جاء فيه: " ورد كتابك بشرح أطلت فيه الخطاب، وليس توجب سياسة السلطان وقضية العدالة إلى أن نميل في المذاهب إلى جهة دون جهة، ونحن بتأييد السنن أولى من تشييد الفتن، ولم نتقدم ببناء هذه المدرسة إلا لصيانة أهل العلم والمصلحة لا للاختلاف وتفريق الكلمة، ومتى جرت الأمور على خلاف ما أردناه من هذه الأسباب فليس إلا التقدم بسد الباب، وليس في المكنة الإتيان على بغداد ونواحيها ونقلهم عن ما جرت عليه عاداتهم، فان الغالب هناك هو مذهب الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، ومحله معروف بين الأئمة وقدره معلوم في السنة. وكان ما انتهى إلينا أن السبب في تجديد ما تجدد مسألة سئل عنها أبو نصر القشيري من الأصول، فأجاب عنها بخلاف ما عرفوه في معتقداتهم؛ والشيخ الإمام أبو إسحاق - وفقه الله - رجل سليم الصدر سلس الانقياد ويصغي إلى كل من ينقل إليه، وعندنا من تصادر كتبه ما يدل على ما وصفناه من سهولة مجتذبة والسلام ".
ولم يطل عهد الهدوء بين الفريقين ففي الثاني من شوال سنة ٤٧٠ خرج من النظامية متفقه يعرف بالإسكندراني إلى سوق الثلاثاء وتكلم هنالك بتكفير الحنابلة، فرماه بعضهم بآجرة، فهرب إلى سوق المدرسة النظامية واستنفر الناس لنصرته، فخرجوا إلى سوق الثلاثاء، ونهبوا بعض ما كان فيه، ووقع الشر، وتقدم بعض أهل سوق الثلاثاء إلى سوق المدرسة ونهبوا ما يليهم منه
стр. 10
وفي ذلك الموقع دار مؤيد الدولة ابن نظام الملك فخاف أن يمتد النهب إلى داره فاستعان بالجيش، فحضر جماعة منهم أخذوا يرمون الناس بالنشاب فقتلوا منهم بضعة عشر نفراً. وبذلك قضي على الشغب بالقوة؛ وأخذت الرسائل ترسل إلى نظام الملك ليتلافى الأمر، ويقول ابن الجوزي " فجاءت مكاتبات منه بالجميل ثم ثناها بضد ذلك "؛ ويمكن تفسير هذا القول المجمل بما قاله السبكي: " فعاد جواب نظام الملك في سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ (أبي إسحاق) باستجلاب خاطره وتعظيمه والأمر بالانتقام من الذين أثاروا الفتنة وبأن يسجن الشريف أبو جعفر "؛ وغضب نظام الملك - بوجه خاص - على الوزير فخر الدولة أبي نصر بن جهير وكتب إلى الخليفة مطالباً بعزله، اعتقاداً منه أنه هو المسئول الأول عن تلك الحوادث، وكان من جملة الرسائل التي أرسلت إلى نظام الملك قصيدة من الفقيه الشافعي ابن أبي الصقر الواسطي يقول فيها:
وابنك القاطن فيها ... مستهان مستضام
فمتى لم تحسم الدا ... ء أياديك الجسام
فعلى مدرسة فيها ... ومن فيها السلام قال ابن الأثير: " فلما سمع نظام الملك ما جرى من الفتن وقصد مدرسته والقتل بجوارها مع أن أبنه مؤيد الملك فيها عظم عليه ذلك "؛ ولهذا سأل الخليفة أن يعزل الوزير فعزل؛ ويبدو أن الأمور ظلت هادئة بعد ذلك على مدى بضع سنوات بين أهل المذهبين، حتى عادت الخصومة فتجددت سنة ٤٧٥ في شوال أيضاً، وكان المثير لها في هذه المرة شخص يدعى البكري المغربي وكان واعظاً اشعري المذهب، وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال إليه وسيره إلى بغداد، وأجرى عليه الجراية الوافرة، فوعظ في المدرسة النظامية، وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم يكفرهم، وكان فيه حدة وطيش ولكن يبدو أن تهجمه لم يتحول من مرحلة القول إلى مرحلة التصادم الفعلى.
стр. 11
ولم يكن لأبي إسحاق موقف معين في هذا الحادث الأخير، خصوصاً وانه فارق بغداد في ذي الحجة من العام نفسه موفداً من الخليفة المقتدي في سفارة إلى السلطان وملكشاه ووزيره نظام الملك (١) ، وكان الخليفة يعلم أن لأبي إسحاق منزلة خاصة في نفس نظام الملك وانه قادر على إنجاح غايته - من ثم - لدى السلطان نفسه. ويبدو أن السفارة كانت ترمي إلى تحقيق غرضين: أولهما الشكوى والتظلم من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق، والثاني: استمالة ملكشاه للموافقة على أن يزوج ابنته من الخليفة.
وكان في صحبة الشيخ أبي إسحاق جماعة من أعيان بغداد منهم فخر الإسلام الشاشي والحسين بن علي الطبري وابن بيان والميانجي وأبو ثعلب الواسطي وعبد الملك الشابر خواشي وأبو الحسن الآمدي وأبو القاسم الزنجاني وأبو علي الفارقي وأبو العباس ابن الرطبي، وهؤلاء وغيرهم من أصحابه ومعه أيضاً جمال الدولة عفيف وهو خادم من خدام الخليفة؛ وتلقى الناس أبا إسحاق في كل بلد حله بحفاوة لا نظير لها، ويبدو أن صيته لم يكن مقصوراً على مكانته الفقيه بل كان للناس فيه اعتقاد عظيم متصل ببركة الصوفي، فكان بعض الناس في البلاد التي مر بها يخرجون إليه بنسائهم وأولادهم فيمسحون أردانه ويأخذون تراب نعليه ويستشفون به، وفي بعض تلك البلاد خرج إليه صوفيات البلد، وما فيهن إلا من معها سبحة، وألقين الجميع المحفة وكان قصدهن أن يلمسها لتحصل لهن البركة، فجعل يمرها على يديه وجسده ويتبرك بهن ويقصد في حقهن ما قصدن في حقه. ولما وصل ساوة خرج جميع أهلها للقائه وسأله فقهاؤها كل منهم أن يدخل بيته فلم يفعل، ولقيه أصحاب الصناعات ومعهم ما ينثرونه على محفته، فخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا، وهكذا فعل أصحاب الحلوى وباعة
стр. 12
الفاكهة والثياب وغيرهم، وخرج إليه الأساكفه وقد عملوا مداساتٍ لطافاً تصلح لأرجل الأطفال ونثروها فكانت تسقط على رؤوس الناس، فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ويقول: رأيتم النثار ما أحسنه؟ وإيش وصل إليكم يا أولادي منه؟ فقال له بعضهم: ما كان حظ سيدنا منه، فقال: أما أنا فغطيت بالمحفة.
ولما بلغ بساط قيل للشيخ قد أتى فلان الصوفي - ويعرف بالسهلكي - فنهض الشيخ من مكانه ليستقبله، وإذا به رجل كبير السن على دابة، وخلفه خلق من الصوفية بمرقعات جميلة، فقيل له قد أتاك الشيخ أبو إسحاق، فرمى نفسه عن الدابة وقبل يد الشيخ ورجله وقال له: قتلتني يا سيدي فما يمكنني أمشي معك، ولكن تتقدم إلى مجلسك؛ ولما وصل جلس أبو إسحاق بين يديه وأظهر كل واحد منهما من تعظيم صاحبه ما جاوز الحد.
ثم إن أبا إسحاق دخل نيسابور وتلقاه أهلها على العادة المألوفة، وحمل شيخ البلد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني غاشية ومشى بين يديه كالخديم، وقال: أفتخر بهذا، وعقدا مجالس للمناظرة في بعض المسائل. وفي هذه الرحلة رأى أبو إسحاق ثمرة جهد طويل بذله في تدريس الطلبة، فقد قال: " خرجت إلى خراسان فما بلغت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي "، ولهذا فلا عجب أن تتحرك خراسان لمقدمه وأن توليه كل ذلك الترحيب.
وقد كانت السفارة ناجحة، عاد منها أبو إسحاق يحمل كتب السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك، بإجابة مطلسي الخليفة، غير أن الفقيه الشيخ لم يعش طويلاً بعد عودته من تلك السفارة، فتوفي ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة (وقيل جمادى الأولى) سنة ست وسبعين وأربعمائة، في دار المظفر ابن رئيس الرؤساء بدار الخلافة من الجانب الشرقي، وغسله الفقيه الحنبلي أبو الوفاء بن عقيل وصلي عليه بباب الفردوس لأجل
стр. 13
نظام الملك وهذا لم يفعل على غيره، وأول من صلى عليه المقتدي بأمر الله، وتقدم في الصلاة عليه أبو الفتح المظفر ابن رئيس الرؤساء وهو حينئذ نائب بالديوان ثم حمل إلى جامع القصر فصلي عليه ودفن بباب أبرز؛ وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة النظامية ثلاثة أيام، ولم يتخلف أحد عن العزاء ورثاه عدد كبير من الشعراء؛ ورتب مؤيد الملك بعد وفاته في المدرسة الشيخ أبا سعد المتولي، فلما علم نظام الملك بذلك أنكره وقال: كان الواجب أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنةً.
شخصيته وأخلاقه:
كان نحيفاً دقيق الجسم، ذكياً قوي الحافظة، دءوباً على الدرس والتحصيل، متقللاً قشفاً في مطعمه وملبسه، قانعاً بالسير صابراً على الفقر؛ حدث بعض أصحابه أنه لم يكن يملك من الدنيا شيئاً، وبلغ به الفقر أنه كان لا يجد قوتاً ولا ملبساً قال: ولقد كنا نأتيه وهو ساكن في القطيعة فيقوم لنا نصف قومة ليس يعتدل قائماً من العري كي لا يظهر منه شيء؛ وقيل كان إذا بقي مدة لا يأكل شيئاً جاء إلى صديق له باقلاني فكان يثرد له رغيفاً ويثريه بماء الباقلاء، فربما أتاه وكان قد فرغ من بيع الباقلاء، فيقف أبو إسحاق ويقول: تلك إذاً كرة خاسرة، ويرجع. وحدث عن نفسه انه كان في أيام الطلب يشتهي ذلك النوع من الثريد بماء الباقلاء سنين، فلم يصح له لاشتغاله بالدرس ومسارعته إلى أن يكون في أول من يحضرون حلقة الشيخ؛ وكان مطرحاً للتكلف: سأله بعضهم أن يكتب له رأيه في مسألة، فمضى إلى دكان خباز فأخذ فلم الخباز ودواته وكتب الجواب في الحال ومسح القلم في ثوبه؛ وذهب يوماً إلى الديوان ومعه أبو نصر القشيري فأحس أبو نصر في كمه بثقل فقال: ما هذا يا سيدي؟ فقال: هذه قرصتي. وجمع إلى تقشفه وبساطته تورعاً شديداً أدى أحياناً إلى ما يشبه الوسواس: أخرج ذات يوم قرصين من بيته وقال لبعض أصحابه: وكلتك في أن تشتري لي الدبس
стр. 14
والراشي بهذه القرصة على وجه القرصة الأخرى فمضى الرجل وشك بأي القرصين اشترى، فما أكل الشيخ ذلك وقال: لا أدري اشترى بالذي وكلته أم بالأخرى. ودخل مسجداً لتيغدى فنسي ديناراً كان معه ثم ذكره فرجع فوجده، قم قال لنفسه: لعله وقع من غيري، فتركه ولم يأخذه؛ وكان سليم النية سلس الانقياد، وبهذا وصفه نظام الملك - كما تقدم - وقال انه يصغي إلى كل ما ينقل إليه.
ويبدو أن حالة الفقر ظلت غالبة عليه حتى تولى التدريس في النظامية وهذا ما عناه الشريف أبو جعفر حين قال له: " إلا أنك لما كنت فقيراً لم يظهر لنا ما في نفسك فلما جاء الأعوان.... أبديت ما كان مخفياً " وهذا قول قد يقال في لحظة غضب، ولا يدل على أن أبا إسحاق أصبح ميسور الحال، ولكنه أصبح ولا ريب أقدر من ذي قبل على صد الجوع والعري. غير أن الرجل لم يفارق تعففه، وفي رحلته في خراسان أبى أن ينزل عند أحد من أصحابه؛ ولهذه الأخلاق أحبه الناس، وزادهم حباً له تواضعه الشديد، وطلاقة وجهه وبشره الدائم وحسن مجالسته وملاحة مجاورته، فكان رغم الفقر والتقشف ذا دعابة لطيفة: زاره أحد الراحين إليه فرحب به وقال له: من أي بلاد أنت؟ فقال: من الموصل، فقال: أنت بلديي، فقال الموصلي: ولكن يا سيدي أنا من الموصل وأنت من فيروزاباد، فأجابه أبو إسحاق: يا ولدي، أما جمعتنا سفينة نوح؟ وكان يحلي مداعباته بإيراد الأشعار؛ داعب أبا طاهر خادمه في المدرسة النظامية ذات مرة بقوله:
وشيخنا الشيخ أبو طاهر ... جمالنا في السر والظاهر وكان يحب تلامذته ويقول: من قرأ علي مسألة فهو ولدي.
وبسبب ذلك الفقر لم يحاول أن يحج، وهذا وحده يدلنا على أن صلته بنظام الملك لم تغير كثيراً من حاله المادية، قال الماهاني: الشيخ أبو إسحاق
стр. 15
ما كان له استطاعة الزاد والراحلة، ولكن لو أراد الحج لحملوه على الإحداق إلى مكة.
أما في الفصاحة والقدرة على المناظرة فكان يضرب به المثل، ولهذا شهد له الكثيرون بالتفوق، فقد قال أبو بكر الشاشي: الشيخ الشيرازي حجة الله على أئمة العصر. وقال الماوردي: ما رأيت كأبي إسحاق لو رآه الشافعي لتجمل به، وقال الموفق الحنفي: أبو إسحاق إما المؤمنين في الفقهاء؛ وهكذا كان في مجموع خصاله مثال العالم الذي يجمع بين العلم والعمل به، ولهذا كان مجمعاً عليه من أهل عصره علماً وديناً، رفيع الجاه بسبب ذلك، محبباً إلى غالب الخلق لا يقدر أحد أن يرميه بسوء لحسن سيرته وشهرتها عند الناس.
موقفه من المذهب الأشعري:
قد مر بنا قول أبي إسحاق للشريف أبي جعفر شيخ الحنابلة: " وهذه كتبي في أصول الفقه أقول فيها خلافاً للأشعرية ". قال ابن عساكر: " وكان يظن به بعض من لا يفهم أنه مخالف للأشعري لقوله في كتابه في أصول الفقه: " وقالت الأشعرية إن الأمر لا صيغة له ". فقوله: وقالت الأشعرية يشير إلى أنه لا يجعل نفسه واحداً منهم، ولو كان منهم لقال: وقال أصحابنا، أو تعبيراً بهذا المعنى؛ وقد شهد أنه أورد في كتابه في أصول الفقه مسائل خالف فيها الأشعرية وتلك هي خلاصة موقفه: أعني انه لم يلتزم بكل ما ورد عن الأشعرية، وقد نقل ابن عساكر رأيه في سؤال ورد عليه في قوم يلعنون فرقة الأشعري ويكفرون أتباعها، فكتب: " أن الأشعرية أعيان السنة ونصار الشريعة، انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك من المسلمين وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كل أحد؛ وكتب إبراهيم بن علي الفيروزابادي ".
стр. 16
تلامذته:
انتشر تلامذته في الأمصار حتى كان أكثر علمائها منهم، ولا ريب في أن حصرهم متعذر جداً، وحسبنا أن نذكر ما قاله حين زاره بلاد فارس فانه لم يدخل قرية أو مدينة إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها من تلامذته أو من أصحابه. وفي طبقات الشافعية للسبكي عدد كبير من هؤلاء التلامذة الذين أصبحوا من أعيان المذهب (١) ، مما قد يؤيد القول: بأن المدارس التي أنشأها الملك لنصرة المذهب الشافعي قد أصبحت تحت إشراف " خريجي " النظامية في بغداد، بعد فترة يسيرة من الزمن، وأن أبا إسحاق كان يمثل الطاقة العلمية التي ساعدت على نشر المذهب الشافعي في القسم الشرقي من الدولة العباسية، في حين كان نظام الملك يمثل التخطيط المادي.
مؤلفاته:
١ - المهذب في المذهب: وسماه حاجي خليفة " المهذب في الفروع ". كان سبباً تصنيفه أنه بلغه القول ابن الصباغ " إذا اصطلع الشافعي وأبو حنيفة ذهب علم أبي إسحاق الشيرازي " يعني أن علمه هو مسائل الخلاف بينهما فإذا اتفقا ارتفع ذلك الخلاف، فلهذا صنف هذا الكتاب ليثبت تمكنه في الفقه نفسه، صنفه مراراً فلما لم يوافق مقصوده رمى به في دجلة ثم أجمع رأيه على صورة أخرى احتفظ بها وتناقلها الناس. وقد بدأ تصنيفه سنة ٤٥٥ وفرغ منه سنة ٤٦٩، وهو كتاب جليل القدر اعتنى به فقهاء الشافعية وشرحوه (انظر بيان شروحه في كشف الظنون: ١٩١٢ - ١٩١٣) ، وكان أبو إسحاق شديد الرضى عنه حتى روى انه قال: " لو عرض هذا الكتاب الذي صنفته - وهو المهذب - على النبي ﷺ قال: هذه شريعتي التي أمرت بها أمتي ".
стр. 17
٢ - التنبيه في الفقه؛ سماه حاجي خليفة " التنبيه في فروع الشافعية " وقال: هو أحد الكتب الخمسة المتداولة بين الشافعية وأكثرها تداولاً، أخذه من تعليقه الشيخ أبي حامد المروزي؛ وله أيضاً شروح كثيرة واختصر قوم، ونظم محتوياته آخرون (كشف الظنون: ٤٨٩ - ٤٩٣) .
٣ - النكت في الخلاف؛ وسماه حاجي خليفة " النكت في علم الجدل " (كشف: ١٩٧٧) وينقل السبكي (٣: ٩٨) .
٤ - التبصر: قال ابن خلكان: إنه في الجدل، وقال حاجي خليفة إنه في أصول الفقه، وعليه شرح لابن جني.
٥ - المعونة في الجدل: كما ذكر ابن خلكان وصاحب كشف الظنون.
٦ - التلخيص: عند ابن خلكان أنه في الجدل، ولم يذكره حاجي خليفة.
٧ - اللمع في أصول الفقه: شرحه الهدباني في مجلدين وشرحه غيره.
٨ - شرح اللمع في أصول الفقه.
٩ - نصح أهل العلم.
١٠ - طبقات الفقهاء.
مناظراته وفتاويه:
لا ريب في أن لأبي إسحاق مناظرات كثيرة مع علماء عصره، لم تصلنا كلها وقد احتفظ له السبكي بنصوص المناظرات الآتية:
١ - مناظرة بينه وبين الشيخ أبي عبد الله الدامغاني عن مسألة الذمي إذا أسلم هل تسقط عنه الجزية (٣: ١٠٠) .
٢ - مناظرة أخرى بينه وبين أبي عبد الله الدامغاني عن الإعسار في النفقة هل يوجب الخيار للزوجة (٣: ١٠٥) .
стр. 18
٣ - مناظرة بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور في إجبار البكر البالغ ... (٣: ١٠٩، ٢٧٨) .
٤ - مناظرة ثانية بينه وبين إمام الحرمين الجويني بنيسابور عمن اجتهد في القبلة وصلى ثم تبين الخطأ (٣: ٢٧٥) .
أما فتاويه فلا ندري إن كانت قد جمعت، ولكن من المحقق أنها كانت كثيرة العدد، يقول السبكي " وكانت الفتاوي تحمل من البر والبحر إلى بين يديه ".
شعره:
ليس في شعره ما يميزه، فهو جارٍ على طريقة الفقهاء، ولكن نثبت ما جاءت به المصادر من أبياته، فذلك أجمع للفائدة، وهو يعين على استكمال الجوانب المختلفة من ضروب نشاطه:
قال:
سألت الناس عن خل وفي ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك أن ظفرت بود حر ... فإن الحر في الدنيا قليل وقال:
إذا تخلفت عن صديق ... ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد بعدها إليه ... فانما وده تكلف وقال في غريق:
غريق كأن الموت رق لفقده ... فلان له في صورة الماء جانبه
أبى الله أن أنساه دهري لأنه ... توفاه في الماء الذي أنا شاربه وقال:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وقمت أشكو إلى مولاي ما أجد
стр. 19
وقلت يا عدتي في كل نائبة ... من عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ... مالي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مبتهلاً ... إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد وقال:
حكيم رأى أن النجوم حقيقة ... ويذهب في أحكامها كل مذهب
يخبر عن أفلاكها وبروجها ... وما عنده علم بما في المغيب وكان يوماً يمشي في الوحل وينشد الأشعار، فقال:
إنشادنا الأشعار في الوحل ... هذا لعمري غاية الجهل وأتى بثلجية فيها ماء بارد وكان أبو الخطاب علي بن عبد الرحمن حاضراً فقال أبو إسحاق:
ممنع وهو في الثلاجي ... فكيف لو كان في الزجاج فقال أبو الخطاب:
ماء صفا رقة وطيباً ... ليس بملح ولا أجاج وقال:
إذا طال الطريق عليك يوماً ... فليس دواؤه إلا الرفيق
تحدثه وتشكو ما تلاقي ... ويقرب بالحديث لك الطريق
стр. 20
كتاب الطبقات (١)
هنالك عدد من الكتب تناولت طبقات الفقهاء قبل أن يكتب أبو إسحاق كتابه هذا؛ عرفنا منها:
١ - طبقات الفقهاء والمحدثين للهيثم بن عدي (- ٢٠٧) في أربع مجلدات.
٢ - المذهب في ذكر شيوخ المذهب، وهو خاص بالشافعية، لأبي حفص عمر بن علي المطوعي.
٣ - مختصر في مولد الشافعي، عد في آخره جماعة من الأصحاب، لأبي الطيب الطبري (- ٤٥٠) أستاذ أبي إسحاق الشيرازي.
٤ - كتاب مختصر في الطبقات لأبي عاصم محمد بن أحمد العبادي (- ٤٥٨) .
٥ - طبقات الفقهاء للحسن بن أحمد البغدادي الحنبلي المعروف بابن البناء (- ٤٧١) .
وقد كثرت الكتب في طبقات الفقهاء بعد الشيرازي، ومنها العام الجامع
стр. 21
ومنها المقصور على رجال مذهب واحد، وليس هذا موضع الحديث عنها، وإنما أشير منها إلى ما جاء ذيلاً على كتاب الشيرازي فمن ذلك:
١ - طبقات الفقهاء لأبي عبد الله محمد بن عبد الملك بن إبراهيم الهمذاني (- ٥٢١) ويقول ابن خلكان (٢: ٣١٥) انه ذيل على طبقات أبي إسحاق.
٢ - طبقات الفقهاء لعلي بن أنجب الساعي البغدادي (- ٦٧٤) وقد ذكر صاحب كشف الظنون (١١٠٠) أنه ذيل على طبقات الشيرازي.
و" طبقات الفقهاء " للشيرازي كتاب موجز إذا قسنا بما ألف بعده، ويبدو لي أن المؤلف اطلع على كتاب أستاذه أبي الطيب الطبري فحاول أن يجئ بصورة أكمل وأوفى، فهو إذا قيس بذلك الكتاب كان توسعاً في النظرة والخطة؛ على أن صفة " الإيجار " بالنسبة إلينا اليوم ستظل عالقة به، لأنه لا يعدو في بعض الأحيان أن يكون سرداً لأسماء الفقهاء، ولكن الإيجاز كان عنصراً أساسياً في خطة الشيرازي، لأنه لم يحاول أن يكتب تراجم الفقهاء، وإنما حاول أن يقدم لنا صورة دقيقة عن تطور الفقه - من خلال رجاله - على مر الزمن، وأكبر شاهد على ذلك ما دونه من معلومات عن فقهاء الصحابة والتابعين، فانه لو شاء أن يرخي العنان لقلمه لكتب في هذا السبيل مجلدات؛ فالشيرازي من هذا الوجه مؤلف عارف بخطته شديد الإحكام لها قادر على الانتقاء الدقيق للمادة التي تصلح لكتابه، لا يستهويه الاستطراد والاستكثار من المعلومات، وهو حريص كل الحرص على أن يقول المعنى الكثير في اللفظ القليل، وقد جعل نصب عينيه غاية واحدة وهي أن يضمن كتابه ما لا يسع الفقيه جهلة ليعرف من هم الذين تعتبر أقوالهم في انعقاد الإجماع؛ ولهذا لم يكن عجيباً أن يصبح كتابه على صغره مصدراً هاماً في كتب التراجم، لا لقدمه النسبي ولا لمكانة صاحب وحسب، بل لدقة
стр. 22
ما يورده من معلومات، ومن طالع وفيات الأعيان لابن خلكان وترتيب المدارك للقاضي عياض وتبين كذب المفتري لابن عساكر والجواهر المضية لابن أبي الوفاء وطبقات الشافعية للسبكي، وجد أن ما يقوله أبو إسحاق مادة هامة في تلك المصادر.
صحيح أن القاضي عياض قد استدرك عليه أشياء تتصل برجال المالكية كأن يعد إبراهيم بن محمد بن مزين في رواة سحنون من الأندلسيين، قال: " ولا يعرف ذلك في الأندلس وقد رده عليه أهل الصنعة والأشبه انه ابن بلز، وهو من جلة تلك الطبقة، وكذلك صنع في أسماء كثيرة منهم في أنسابهم وذكرهم في غير طبقاتهم " (١) ؛ وقال في موضع آخر: " فلقد ذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أن أبا يحيى الوقار ممن سمع من مالك وعده في طبقة أصحابه ولم يذكر هذا أحد ممن جمع رواة مالك وإنما عدوه في أتباع أصحابه وهو الصحيح والله أعلم؛ وكذلك ذكر أبو إسحاق في اتباع أصحابه من بعد على ما ذكر يحيى في أصحابه.. وكذلك ما ذكره الشيرازي أيضاً أن عبد الملك ابن حبيب تفقه أولاً بيحيى وعيسى وحسين بن عاصم، هو وهم؛ هؤلاء نظراؤه وإنما تفقه أولاً بشيوخ هؤلاء بالأندلس: زياد وصعصعة والغازي بن قيس ونظرائهم، وكذلك ذكره عبد الله بن غافق في طبقة سحنون، وزعم انه سمع من علي بن زياد، باطل، هو من أصحاب سحنون وليس من ذوي الأسنان منهم، ومولده بعد موت علي بن زياد بأزيد من عشرين سنة " (٢) ؛ وهذه استدراكات هامة لم يتورط في مثلها أبو إسحاق وحده، وإنما وقع في مثلها كثير من العلماء، وعذر أبي إسحاق في هذا المواطن: تصحف الأسماء واضطرابها في النقل، وصعوبة التدقيق فيما يتصل بأخبار المالكة في الأندلس وأفريقية بسبب البعد الجغرافي.
стр. 23
تحقيق الكتاب
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين:
١ - نسخة مكتبة شهيد علي (رقم: ١٩١٤) وقد رمزت لها بالحرف (ع) وهي نسخة جيدة قليلة الخطأ، منقولة عن نسخة كانت للإمام الحافظ زكي الدين عبد القوي بن عبد العظيم المنذري، وآخر طبقات السماع المدونة في آخرها تحمل تاريخ سنة أربع وخمسين وسبعمائة. وهي رواية أبي اليمن الكندي عن علي بن هبة الله بن عبد السلام عن الشيرازي؛ ونص الكتاب يقع في الورقات ٣ - ٥٢، وفيها أسمعة من ٥٢ - ٥٤، وخطها نسخي واضح وفيها ضبط بالشكل أحياناً، وفي الصفحة الواحدة منها ٢٣ سطراً، ومعدل الكلمات في كل سطر ٩ كلمات، وعلى هوامشها تعليقات قليلة، وتصويبات يكتب فوقها الحرف " ق "؛ وقد كتب على الورقة الأولى منها ترجمة موجزة للمؤلف، وورد تحت العنوان ما يلي:
" شاهدت ما مثاله ونقلته على صورته على النسخة المنقول منها:
نقل هذا الكتاب من نسختي التي عارضتها بالأصل الذي عليه خط المؤلف ﵀ وشاهدت فيه سماع الرئيس أبي الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب على المؤلف في مجالس آخرها في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة والسماع بخط ابن الخاضبة محمد بن أحمد بن عبد الباقي الدقاق رحمة الله وقرأته وشاهدت في الأصل الذي رأيت فيه هذا السماع وهو الذي بوقف ابن ناصر رحمة الله ببغداد سماع شيخنا العلامة أبي اليمن الكندي على أبي الحر ابن عبد السلام بقراءة أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور في جماعة درجوا كلهم إلى رحمة الله في يوم الأحد سادس صفر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة والحمد لله ربي العالمين؛ كتبه إسماعيل بن الانماطي رفق الله
стр. 24
به آمين؛ نقله كما شاهده محمد بن منيع لن عثمان بن شاد البشطاري المولد في يوم الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة خمسين وستمائة أحسن الله خاتمتها والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ".
٢ - نسخة طوبقو سراي (رقم: ٢٥٤١) وقد رمزت " ط " وهي لا تقارب النسخة السابقة في الدقة، وفي آخر ورقاتها مطالعة تحمل تاريخ مستهل شوال سنة ثمان وعشربن وثمانمائة، ويقع النص فيها بين الورقة ٢ - ٦٢، وفيها طبقات سماع (على الورقة ٦٢ب) ، وخطها نسخي جميل، والشكل فيها أكثر من النسخة السابقة، لكنها كثيرة الخطأ نسبياً، وفي كل صفحة منها ١٥ سطراً بمعدل ١٠ كلمات في السطر الواحد. وتحت العنوان على الورقة الأولى منها هذه السطور:
" قرأ علي القاضي الأجل شرف الدين عز القضاة زين الأئمة أبو الرضى محمد بن سليمان بن الحسن أحسن الله توفيقه، وسهل إلى كل خير طريقه، هذا الكتاب كتاب طبقات الفقهاء تأليف الإمام الموفق أبي إسحاق إبراهيم الفيروزابادي ﵁ وأخبرته أني سمعته قراءة تصحيح ورواية وتفهم ورعاية على القاضي الإمام قاضي الخافقين أبي بكر محمد بن القاسم بن المظفر الشهرزوري ﵁ وأخبرني انه سمعه على مصنفه؛ ورويته أيضاً له عن الأئمة المذكورين بباطنه بالإسناد المقيد وقد أذنت له أدام الله توفيقه أن يرويه عني بالأسانيد المذكورة بباطنه؛ وكتب محمد بن الأنصاري في يوم الاثنين حادي عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعين وخمسمائة حامداً لله تعالى ومصلياً على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وأصحابه أجمعين وسلم تسليماً ".
وقد كانت خطتي في تحقيق هذا الكتاب إثبات الفروق الهامة بين النسختين، ومراجعة الن على مصادر الشيرازي مثل طبقات ابن سعد والمعارف لابن قتيبة ومراجعته على الكتب التي نقلت عنه، وهي كتب ذكرتها
стр. 25
آنفاً ولم أضف إليها من الكتب إلا ما يساعد على التوضيح، دون الإكثار من ذكر مصادر كل من ترجم لهم الشيراز، فذلك يخرج الكتاب عن طبيعة الإيجاز الذي التزم به المؤلف.
كذلك فأني أضفت إلى الكتاب بعض العناوين والأرقام ليسهل على القارئ الحديث تصور موضوعه وتناوله، والله حسبي وهو نعم الوكيل.
إحسان عباس
مصادر المقدمة:
١ - وفيات الأعيان لابن خلكان ٣: ٩.
٢ - طبقات الشافعية للسبكي ٣: ٨٨.
٣ - اللباب لابن الأثير: (الفيروزابادي)
٤ - تبيين كذب المفتري لابن عساكر: ٢٧٦، ٣١٣، ٣٣٢.
٥ - شذرات الذهب لابن العماد ٣: ٣٩٤.
٦ - العبر للذهبي ٣: ٢٨٣.
٧ - المنتظم لابن الجوزي ج؟ ٨، ٩.
٨ - الكامل لابن الأثير ج؟ ١٠ (ط. صادر، بيروت) .
٩ - طبقات الفقهاء للشيرازي.
١٠ - كشف الظنون لحاجي خليفة.
стр. 26
بسم الله الرحمن الرحيم
حسبي الله وكفى
الحمد لله حق حمده وصلواته على محمد (١) خير خلقه وعلى آله وصحبه (٢) : هذا كتاب مختصر في ذكر الفقهاء وأنسابهم، ومبلغ أعمارهم ووقت وفاتهم، وما دل على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم، وذكر من أخذ عنهم العلم من أتباعهم وأصحابهم، لا يسع الفقيه جهله لحاجته إليه في معرفة من (٣) يعتبر قوله في انعقاد الإجماع ويعتد به في الخلاف. وبدأت بفقهاء الصحابة ﵃، ثم من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين ﵏، ثم بفقهاء الأمصار، وإلى الله تعالى أرغب أن يوفقني للصواب، ويجزل لي في الأجر والثواب، إنه كريم وهاب.
стр. 27
فقهاء الصحابة ﵃
стр. 28
فراغ
стр. 29
ذكر فقهاء الصحابة ﵃
اعلم أن أكثر أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه ولازموه كانوا فقهاء، وذلك أن طرق (١) الفقه في حق الصحابة خطاب الله تعالى وخطاب رسوله ﷺ وما عقل منهما، وأفعال رسول الله ﷺ وما عقل منها؛ فخطاب الله هو القرآن، وقد أنزل ذلك بلغتهم وعلى أسباب عرفوها وقصص كانوا فيها، فعرفوا مسطوره ومفهومه ومنصوصه ومعقوله، ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز (٢) : لم ننقل (٣) أن أحداً من الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله ﷺ وخطاب رسول الله ﷺ بلغتهم يعرفون معناه ويفهمون منطوقه وفحواه وأفعاله التي (٤) فعلها من العبادات والمعاملات والسير والسياسات، وقد شاهدوا (٥) ذلك كله وعرفوه وتكرر عليهم وتبحروه، ولهذا قال النبي ﷺ : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم؛ ولأن من نظر فيما نقلوه عن رسول الله ﷺ من أقواله
стр. 30
وتأمل ما وصفوه من أفعاله في العبادات وغيرها اضطر إلى العلم بفقههم وفضلهم. غير أن الذي اشتهر منهم بالفتاوى والأحكام وتكلم في الحلال والحرام جماعة مخصوصة.
فمنهم
أبو بكر الصديق
، ﵁: إمام الأئمة وخليفة رسول الله ﷺ على الأمة، وهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر التيمي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في مرة بن كعب، وهو في القعدد (١) مثل رسول الله ﷺ ، بين كل واحد منهما وبين مرة ستة آباء. مات سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاث وستين سنة، وكانت خلافته سنتين وأشهراً. وكان من أعلم الصحابة، قدمه رسول الله ﷺ للصلاة بالناس في حياته، وقد قال رسول الله ﷺ (٢) : " ليؤمكم أقرأكم لكتاب الله ، فإن كنتم في القراءة سواء فليؤمكم أعلمكم بالسنة، فإن كنتم في السنة سواء فليؤمكم أقدمكم هجرة، فإن كنتم في الهجرة سواء فليؤمكم أكبركم سناً (٣) ؛ فلو لم يكن أعلمهم بالسنة لما قدم ". وروي حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: " اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار بن ياسر (٤) وتمسكوا بعهد أم عبد "؛ ولأن الأمة أجمعت بعد موت رسول الله ﷺ على تقديمه في الخلافة ولا يقدم في الخلافة إلا إمام مجتهد. وروى ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يرون أن الرجل الواحد يعلم من العلم ما لا يعلمه الناس أجمعون، قال: فكأنه رأى أني أنكرت فقال: إني أراك تنكر ما أقول، أليس أبو بكر كان يعلم ما لا يعلم الناس، ثم عمر كان يعلم ما لا
стр. 31
يعلم الناس؟ وأيضاً فإنه أبان في قتال مانعي الزكاة من قوته في الاجتهاد ومعرفته بوجوه الاستدلال ما عجز عنه غيره، فإنه روي أ، عمر ﵁ ناظره فقال له: يا أبا بكر (١) كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ (٢) : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله "، فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: والله ما هو إلا أني رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فانظر كيف منع عمر من التعلق بعموم الخبر من طريقين: أحدهما أنه بين أن الزكاة من حقها فلم يدخل مانعها في عموم الخبر، والثاني أنه بين أنه خص الخبر في الزكاة كما خص في الصلاة فخص بالخبر مرة وبالنظر أخرى وهذا غاية ما ينتهي إليه المجتهد المحقق والعالم المدقق.
قال الإمام (٣) : وأيضاً فإنه لم يكن أحد يفتي بحضرة النبي ﷺ غير أبي بكر الصديق ﵁، روي أنه لما أقر ماعز بالزنا ثلاث مرات عند رسول الله ﷺ قال له أبو بكر ﵁: إن أقررت رابعة (٤) رجمك رسول الله ﷺ ؛ وقال في سلب قتيل قتله أبو قتادة، فأخذ سلبه رجل غيره وبقال الذي أخذ سلبه للنبي ﷺ صدق أبو قتادة وسلب ذل القتيل عندي فأرضه منه، فقال أبو بكر: لا ها الله إذاً لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن
стр. 32
الله ورسوله فيعطيك سلبه، ولا يقدم على الفتيا (١) بحضرة رسول الله ﷺ مع عظم القدر وجلالة المحل إلا الثقة بعلمه والمتحقق (٢) بفضله وفهمه.
ومنهم أمير المؤمنين أبو حفص
عمر بن الخطاب
، ﵁، ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر العدوي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي.
مات سنة ثلاث وعشرين؛ قال ابن عمر: وهو (٣) ابن خمس وخمسين؛ وروي عن معاوية (٤) ﵁ أنه قال يوماً (٥) : مات عمر وهو ابن ثلاث وستين، وكانت ولايته عشر سنين وأشهراً.
وكان من أجلاء فقهاء الصحابة وعظمائهم؛ روى عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال (٦) : " بينا أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت فيه بلبن فشربت (٧) منه حتى أني لأرى الري يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر "؛ قالوا: ما أولت (٨) يا رسول الله؟ قال: العلم. وروى الفضل بن عباس ﵄ قال (٩) : قال رسول الله ﷺ : " عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر حيث كان ".
стр. 33
وروى محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه أنه قال: كان الذي يفتون على عهد رسول الله ﷺ ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار: عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت. وروي أن ابن عباس ﵁ كان إذا سئل عن الشيء فإن لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله قال بقول أبي بكر، فإن لم يكن فبقول عمر. وروى الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: لو وضع علم عمر في كفة ووضع علم الناس في كفة لرجح علم عمر؛ قال الأعمش: فأتيت إبراهيم أبشره فقال: ألا أخبرك بأفضل من هذا عن عبد الله: قال عبد الله: لقد مات عمر فذهب بتسعة أعشار العلم. وقال معاذ بن جبل: إن أعلم الناس بفريضة وأقسمهم لها عمر بن الخطاب، وقال سعيد بن المسيب: ما أعلم أحداً بعد رسول الله ﷺ أعلم من عمر. وقال الشعبي: من سره أن يأخذ بالوثيقة في القضايا (١) فليأخذ بقضاء عمر فإنه يستشير. وروي أن عبد الله بن الحسن ابن الحسن (٢) مسح على خفيه فقيل له: تمسح؟ قال: نعم، مسح عمر بن الخطاب، ومن جعل عمر بن الخطاب بينه وبين الله فقد استوثق.
قال المصنف ﵀ (٣) : ولأن من نظر في فتاويه على التفصيل، وتأمل معاني قوله على التحصيل، وجد في كلامه من دقيق الفقه ما لا يجد في كلام أحد، ولو لم يكن له إلا الفصول التي ذكرها في كتابه إلى أبي موسى الأشعري لكفى ذلك في الدلالة على فضله، فإنه كتب إليه (٤) : أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم فيما أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له بين الناس في لفظك ولحظك ومجلسك حتى لا
стр. 34
يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك؛ البينة على المدعي واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين (١) إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، والفهم (٢) الفهم فيما تلجلج في نفسك مما ليس في نص كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشكال والأمثال فقس (٣) الأمور عند ذلك بأشبهها بالحق. فبين في هذا الكتاب من آداب القضاء وصفة الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس ما يعجز عنه كل أحد، ولولا خوف الإطالة لذكرت من فقهه في فتاويه ما يتحير فيه كل فاضل، ويتعجب من حسنه كل عاقل.
ومنهم أمير المؤمنين أبو عمرو، وقيل أبو عبد الله،
عثمان بن عفان
ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي، يجتمع مع رسول الله ﷺ في عبد مناف.
قتل يوم الجمعة (٤) في ذي الحجة سنة خمس (٥) وثلاثين وهو صائم. قال الواقدي: كان ابن اثنتين وثمانين سنة، وقال قتادة: ابن تسع أو ثمان وثمانين؛ وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياماً.
وكان من كبار الفقهاء ﵁؛ روى سهل بن أبي خيثمة أنه كان من المفتين على عهد رسول الله ﷺ ؛ وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن أبا بكر كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي والفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلياً وع الرحمن ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله
стр. 35
عنهم، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.
وروي (١) أن جارية سوداء رفعت إلى عمر ﵁ فخفقها بالدرة خفقات وقال: أي لكاع زنيت؟ قالت: من مرعوش بدرهمين، تخبر بصاحبها الذي صنع بها ومهرها الذي أعطاها، فقال عمر: ما ترون؟ وعنده عثمان وعلي وعبد الرحمن، فقال علي: أن ترجمها، وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك (٢) ، فقال لعثمان: ما ترى؟ قال: أراها تستهل (٣) بالذي صنعت لا ترى به بأساً وإنما حد الله تعالى على من علم أمر الله ، قال: صدقت، فرد (٤) على الجماعة وأسقط الحد وبين العلة وهو أنها تجهل ما صنعت فلا يجب عليها الحد (٥) .
وأيضاً فإن عمر ﵁ جعله في الشورى واختاره المسلمون للخلافة ولا يختار للخلافة إلا إمام مجتهد. وروى ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يرون أعلم الناس بالمناسك عثمان بن عفان، ولأنه ما من حادثة حدثت في الفرائض وغيرها إلا وله فيها قضية مرضية وحكومة ماضية.
ومنهم أمير المؤمنين أبو الحسن (٦)
علي بن أبي طالب
﵁ واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ﷺ .
стр. 36
قتله عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة أربعين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقيل ابن (١) ثلاث وستين سنة؛ وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً.
وكان من جلاء فقهاء الصحابة. روي عنه أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله أتبعثني وأنا شاب وهم كهول ولا علم لي بالقضاء، قال: انطلق فإن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك؛ قال علي: فوالله ما تعاييت في شيء بعد. وروي أنه قال: اللهم اهدِ قلبه؛ قال: فما شككت في قضاء بين اثنين حتى جلست مجلسي هذا. وروى ابن عباس قال: خطبنا عمر ﵁ فقال: علي أقضانا وأبي أقرأنا وإنا لنترك أشياء من قول أبيّ. وروى الحسن قال: جمع عمر ﵁ أصحاب النبي ﷺ ليستشيرهم وفيهم علي فقال: قل فأنت أعلمهم وأفضلهم. وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن. وقال عبد الله: إن أعلم أهل المدينة بالفرائض ابن أبي طالب؛ وقال ابن عباس: أعطي علي تسعة أعشار العلم وأنه لأعلمهم بالعشر الباقي. وقالت عائشة ﵂: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟ فقيل علي بن أبي طالب، قالت: أما إنه أعلم الناس بالسنة، وروي أنها قالت: أعلم من بقي بالسنة. وقال مسروق: انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة وعالم بالشام وعالم بالعراق؛ فعالم المدينة علي بن أبي طالب ﵁ (٢) ، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة ولم يسألهما. وقال عبد الملك بن
стр. 37
أبي سليمان، قلت لعطاء: أكان من أصحاب النبي (١) ﷺ أحد علم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه.
ومنهم أبو عبد الرحمن
عبد الله بن مسعود
الهذلي: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن بضع وستين سنة.
روي (٢) أن النبي ﷺ قال (٣) : " رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ". وروى حارثة بن مضرب أن عمر ﵁ كتب إلى أهل الكوفة (٤) : أما بعد فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً وع الله قاضياً ووزيراً، وإنهما من نجباء أصحاب النبي ﷺ وممن شهد بدراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بهما على نفسي. وروي عنه أنه قال: أما إنه أطولنا فوقاً (٥) ، كنيف ملئ علماً. وروى أبو البختري أن علياً كرم الله وجهه قيل له: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال: عمن تسألوني؟ قالوا: عن عبد الله، قال: " علم القرآن والسنة ". وروى يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، قال: التمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام. وقال هذيل ابن شرحبيل: سئل ابن وموسى عن رجل ترك بنتاً وبنت ابن وأختاً فقال: ايت ابن مسعود فسيتابعني فجاء إليه فقال: للبنت النصف ولبنت الابن
стр. 38
السدس تكملة الثلثين وما بقي للأخت، فأتيت أبا موسى وأخبرته فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم. وقال علقمة: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فسألته فقال: تسألوني وفيكم عبد الله بن مسعود؟
وأخذ عن عبد الله العلم خلق (١) منهم علقمة والأسود وشريح وعبيدة السلماني والحارث الأعور. وقال الشعبي: ما كان من أصحاب النبي ﷺ أفقه صاحاً من عبد الله بن مسعود.
ومنهم
أبو موسى
عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري: مات بالكوفة سنة اثنتين وخمسين، وقيل سنة اثنتين وأربعين. وكان ممن بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ليعلم الناس القرآن، وولاه عمر ﵁ البصرة. وقال أنس: بعثني الأشعري إلى عمر ﵄ فأتيته فسألني عنه فقلت: تركته يعلم الناس، فقال: أما أنه كيس (٢) فلا تسمعها إياه. وقال أبو البختري: سئل علي بن أبي طالب عن أبي موسى فقال: صبغ في العلم صبغة. وقال مسروق: كان العلم في ستة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يصفهم أهل الكوفة: عمر وعلي وعبد الله (٣) وأبو موسى وأبي وزيد بن ثابت.
ومنهم أبو المنذر
أبيّ بن كعب
من بني النجار: مات بالمدينة، واختلف في موته، فقال قوم: مات في خلافة عمر سنة اثنتين وعشرين وقال عمر:
стр. 39
اليوم مات سيد المسلمين، وقال قوم: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين. وروي عنه أنه قال، قال رسول الله ﷺ (١) " أي آية معك في كتاب الله أعظم ". قلت: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " البقرة: ٢٢٥ قال: فضرب في صدري وقال ليهنك العلم، فوالذي نفسي بيده أن لها للساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش. وتحاكم إليه عمر والعباس ﵁ عنهما في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد فقضى للعباس على عمر؛ ولا تولى القضاء إلا عالم. وقال مسروق: شاممت (٢) أصحاب رسول الله ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت ﵃.
ومنهم أبو عبد الرحمن
معاذ بن جبل
بن عمرو بن أوس الخزرجي: مات بناحية الأردن (٣) . قال الواقدي: مات سنة تسع عشرة أو ثمان عشرة وهو ابن أربع وثلاثين سنة. وكان ممن بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال (٤) : بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله ﷺ ؛ ولا يبعث للقضاء إلا عالماً، لأنه لما سأله بين طرق الأحكام وأجاد وأحسن وأخبر أنه يجتهد رأيه، فأقره النبي ﷺ وحمد الله تعالى عليه. وروى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ أن معاذ بن
стр. 40
جبل كان قانتاً لله حنيفاً وأنه برتوة (١) بين يدي العلماء يوم القيامة ليس بينه وبين الله تعالى إلا النبيين والمرسلين. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرأهم أبيّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ﵁ ". وخطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل. وروى أبو مسلم الخولاني قال: دخلت حمص فرأيت حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا معاذ ابن جبل.
ومنهم أبو سعيد، ويقال أبو عبد الرحمن،
زيد بن ثابت
بن الضحاك الخزرجي: قدم النبي ﷺ المدينة وله إحدى عشرة سنة ومات بالمدينة سنة خمس وأربعين. وقال فيه النبي ﷺ : " أفرضهم زيد " (٢) . وقال الشعبي: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت فقال: تمسك ركابي ونت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء. وقال سالم: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد فقال: مات عالم الناس اليوم. وقال سليمان بن يسار: كان عمر وعثمان لا يقدمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة. وخطب عمر ﵁ بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت.