قتله عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله صبيحة ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان سنة أربعين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقيل ابن (١) ثلاث وستين سنة؛ وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً.
وكان من جلاء فقهاء الصحابة. روي عنه أنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله أتبعثني وأنا شاب وهم كهول ولا علم لي بالقضاء، قال: انطلق فإن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك؛ قال علي: فوالله ما تعاييت في شيء بعد. وروي أنه قال: اللهم اهدِ قلبه؛ قال: فما شككت في قضاء بين اثنين حتى جلست مجلسي هذا. وروى ابن عباس قال: خطبنا عمر ﵁ فقال: علي أقضانا وأبي أقرأنا وإنا لنترك أشياء من قول أبيّ. وروى الحسن قال: جمع عمر ﵁ أصحاب النبي ﷺ ليستشيرهم وفيهم علي فقال: قل فأنت أعلمهم وأفضلهم. وروى سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن. وقال عبد الله: إن أعلم أهل المدينة بالفرائض ابن أبي طالب؛ وقال ابن عباس: أعطي علي تسعة أعشار العلم وأنه لأعلمهم بالعشر الباقي. وقالت عائشة ﵂: من أفتاكم بصوم عاشوراء؟ فقيل علي بن أبي طالب، قالت: أما إنه أعلم الناس بالسنة، وروي أنها قالت: أعلم من بقي بالسنة. وقال مسروق: انتهى العلم إلى ثلاثة: عالم بالمدينة وعالم بالشام وعالم بالعراق؛ فعالم المدينة علي بن أبي طالب ﵁ (٢) ، وعالم العراق عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة ولم يسألهما. وقال عبد الملك بن
стр. 37
أبي سليمان، قلت لعطاء: أكان من أصحاب النبي (١) ﷺ أحد علم من علي؟ قال: لا والله ما أعلمه.
ومنهم أبو عبد الرحمن
عبد الله بن مسعود
الهذلي: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن بضع وستين سنة.
روي (٢) أن النبي ﷺ قال (٣) : " رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ". وروى حارثة بن مضرب أن عمر ﵁ كتب إلى أهل الكوفة (٤) : أما بعد فإني قد بعثت إليكم عماراً أميراً وع الله قاضياً ووزيراً، وإنهما من نجباء أصحاب النبي ﷺ وممن شهد بدراً، فاسمعوا لهما وأطيعوا فقد آثرتكم بهما على نفسي. وروي عنه أنه قال: أما إنه أطولنا فوقاً (٥) ، كنيف ملئ علماً. وروى أبو البختري أن علياً كرم الله وجهه قيل له: أخبرنا عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال: عمن تسألوني؟ قالوا: عن عبد الله، قال: " علم القرآن والسنة ". وروى يزيد بن عميرة قال: لما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، قال: التمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء وعند سلمان الفارسي وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام. وقال هذيل ابن شرحبيل: سئل ابن وموسى عن رجل ترك بنتاً وبنت ابن وأختاً فقال: ايت ابن مسعود فسيتابعني فجاء إليه فقال: للبنت النصف ولبنت الابن
стр. 38
السدس تكملة الثلثين وما بقي للأخت، فأتيت أبا موسى وأخبرته فقال: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم. وقال علقمة: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فسألته فقال: تسألوني وفيكم عبد الله بن مسعود؟
وأخذ عن عبد الله العلم خلق (١) منهم علقمة والأسود وشريح وعبيدة السلماني والحارث الأعور. وقال الشعبي: ما كان من أصحاب النبي ﷺ أفقه صاحاً من عبد الله بن مسعود.
ومنهم
أبو موسى
عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري: مات بالكوفة سنة اثنتين وخمسين، وقيل سنة اثنتين وأربعين. وكان ممن بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ليعلم الناس القرآن، وولاه عمر ﵁ البصرة. وقال أنس: بعثني الأشعري إلى عمر ﵄ فأتيته فسألني عنه فقلت: تركته يعلم الناس، فقال: أما أنه كيس (٢) فلا تسمعها إياه. وقال أبو البختري: سئل علي بن أبي طالب عن أبي موسى فقال: صبغ في العلم صبغة. وقال مسروق: كان العلم في ستة نفر من أصحاب رسول الله ﷺ يصفهم أهل الكوفة: عمر وعلي وعبد الله (٣) وأبو موسى وأبي وزيد بن ثابت.
ومنهم أبو المنذر
أبيّ بن كعب
من بني النجار: مات بالمدينة، واختلف في موته، فقال قوم: مات في خلافة عمر سنة اثنتين وعشرين وقال عمر:
стр. 39
اليوم مات سيد المسلمين، وقال قوم: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين. وروي عنه أنه قال، قال رسول الله ﷺ (١) " أي آية معك في كتاب الله أعظم ". قلت: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " البقرة: ٢٢٥ قال: فضرب في صدري وقال ليهنك العلم، فوالذي نفسي بيده أن لها للساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش. وتحاكم إليه عمر والعباس ﵁ عنهما في دار كانت للعباس إلى جانب المسجد فقضى للعباس على عمر؛ ولا تولى القضاء إلا عالم. وقال مسروق: شاممت (٢) أصحاب رسول الله ﷺ فوجدت علمهم انتهى إلى هؤلاء الستة: عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت ﵃.
ومنهم أبو عبد الرحمن
معاذ بن جبل
بن عمرو بن أوس الخزرجي: مات بناحية الأردن (٣) . قال الواقدي: مات سنة تسع عشرة أو ثمان عشرة وهو ابن أربع وثلاثين سنة. وكان ممن بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال (٤) : بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: اجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله ﷺ ؛ ولا يبعث للقضاء إلا عالماً، لأنه لما سأله بين طرق الأحكام وأجاد وأحسن وأخبر أنه يجتهد رأيه، فأقره النبي ﷺ وحمد الله تعالى عليه. وروى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ أن معاذ بن
стр. 40
جبل كان قانتاً لله حنيفاً وأنه برتوة (١) بين يدي العلماء يوم القيامة ليس بينه وبين الله تعالى إلا النبيين والمرسلين. وروى أنس أن النبي ﷺ قال: " أرحم أمتي أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرأهم أبيّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ﵁ ". وخطب عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل. وروى أبو مسلم الخولاني قال: دخلت حمص فرأيت حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: هذا معاذ ابن جبل.
ومنهم أبو سعيد، ويقال أبو عبد الرحمن،
زيد بن ثابت
بن الضحاك الخزرجي: قدم النبي ﷺ المدينة وله إحدى عشرة سنة ومات بالمدينة سنة خمس وأربعين. وقال فيه النبي ﷺ : " أفرضهم زيد " (٢) . وقال الشعبي: أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت فقال: تمسك ركابي ونت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء. وقال سالم: كنا مع ابن عمر يوم مات زيد فقال: مات عالم الناس اليوم. وقال سليمان بن يسار: كان عمر وعثمان لا يقدمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة. وخطب عمر ﵁ بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت.
стр. 41
وقال مسروق: دخلت المدينة فوجدت بها من الراسخين في العلم زيد ابن ثابت.
وأخذ عن زيد عشرة من فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعروة بن الزبير وأبو بكر ابن عبد الرحمن وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب ﵃.
ومنهم
أبو الدرداء
عويمر بن مالك - ويقال عويمر بن زيد ويقال عويمر ابن عامر - من بلحارث (١) : مات بالشام سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين. وقال معاذ حين حضرته الوفاة وقيل له: أوصنا، فقال: التمسوا العلم عند ابن أم عبد وعويمر أبي الدرداء وسلمان وعبد الله بن سلام، وعن أبي الدرداء أنه قال: سلوني فوالذي نفسي بيده لئن فقدتمون لتفقدن رجلاً عظيماً من أمة محمد ﷺ .
ومنهم أم المؤمنين
عائشة
بنت أبي بكر الصديق، رضوان الله عليها: ماتت سنة ثمان (٢) ، وقيل سنة سبع وخمسين، بالمدينة. روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لو كانت امرأة تكون خليفة لكانت عائشة خليفة (٣) . وقال أبو موسى الأشعري: ما أشكل على أصحاب رسول الله ﷺ شيء فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا
стр. 42
عندها منه علماً. ولما أجابت في الغسل من الإكسال (١) قال أبو موسى: لا أسأل عنه أحداً بعد هذا اليوم (٢) . وقال عمر ﵁ في ذلك: من خالف بعد هذا جعلته نكالاً. وقال قبيصة بن ذؤيب: كان عروة بن الزبير يغلبنا بدخوله على عائشة، وكانت عائشة أعلم الناس، يسأل الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال عروة: كانت عائشة أعلم الناس بالحديث، وأعلم الناس بالقرآن، وأعلم الناس بالشعر، ولقد قلت قبل أن تموت بأربع سنين: لو ماتت عائشة لما (٣) ندمت على شيء إلا كنت سألتها عنه. وقال مسروق وقد سئل عن عائشة، هل كانت تحسن الفرائض؟ فقال: لقد رأيت أصحاب محمد (٤) ﷺ يسألونها عن الفرائض.
ثم حصل علم هؤلاء في طبقة أخرى من أحداث الصحابة.
منهم (٥) أبو العباس
عبد الله بن العباس
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ابن عمر رسول الله ﷺ : توفي رسول الله ﷺ وله ثلاث عشرة سنة، ومات بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين (٦) سنة، قال الواقدي: مات وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. وكان النبي ﷺ دعا له فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. وقال عبد الله: كان عمر بن الخطاب يسألني مع الأكابر من أصحاب محمد ﷺ وكان يقول: لا يتكلم حتى يتكلموا.
стр. 43
وروى ابن عباس أن عمر كان يدينه فقال له عبد الرحمن بن عوف: أن أبناء مثله، فقال عمر: إنه من حيث تعلم. وقال له عمر: إنك لأصبح فتياننا وجهاً، وأحسنهم خلقاً، وأفقههم في كتاب الله . وأحرق علي بن أبي طالب ﵁ قوماً من الزنادقة فأنكر عليه ابن عباس ذلك، فقال: ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات (١) . وقال ابن عمر: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقالت عائشة ﵂: من استعمل على الموسم العام؟ قالوا: ابن عباس، قالت (٢) : هو أعلم الناس بالحج. وقال ابن أبي نجيح: كان أصحاب ابن عباس يقولون: إن ابن عباس أعلم من عمر وعلي وعبد الله، فيعيب (٣) الناس عليهم، فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا عنده من العلم ما ليس عند صاحبه وإن ابن عباس قد جمعه كله. وكان عطاء إذا حدث عنه قال: حدثني البحر. وكان ميمون بن مهران إذا ذكر عنده عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس أفقههما.
وأخذ الفقه عن ابن عباس جماعة منهم: عطاء بن أبي رباح وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبو الشعثاء جابر بن زيد وابن أبي مليكة وعكرمة وميمون بن مهران وعمرو بن دينار.
ومنهم أبو عبد الرحمن
عبد الله بن عمر
بن الخطاب: توفي بمكة سنة أربع أو ثلاث، وقيل اثنتين وسبعين، وهو ابن أربع وثمانين سنة. قال
стр. 44
ابن سيرين: كانوا يرون أعلم الناس بالمناسك ابن عمر بعد ابن عفان. وقال أبو إسحاق الهمداني: كنا عند ابن أبي ليلى في بيته فجاءه أبو سلمة ابن عبد الرحمن فقال: عمر كان عندكم أفضل أم ابنه؟ قالوا: لا بل عمر، فقال أبو سلمة: إن عمر كان في زمانه له فيه نظراء، وإن ابن عمر كان في زمانه ليس له فيه نظير. وقال مالك: أقام ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة يفتي الناس في الموسم، وكان من أئمة الدين.
ومنهم أبو بكر ويقال (١) أبو حبيب (٢)
عبد الله بن الزبير
بن العوام ابن خويلد: وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، فكبر أصحاب رسول الله ﷺ لولادته. وقتل بمكة سنة خمس وسبعين، وسمع عبد الله بن عمر تكبير أهل الشام على قتله فقال: الذين كبروا على مولده خير من الذي كبروا على قتله. وبويع على الخلافة، ولا يبايع على الخلافة إلا فقيه مجتهد. وقال القاسم: ما كان أحد أعلم بالمناسك من ابن الزبير.
ومنهم أبو محمد
عبد الله بن عمرو
بن العاص السهمي: توفي سنة سبع وسبعين بمصر، وذكر القتبي (٣) أنه توفي سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وكان بينه وبين أبيه اثنتا عشرة سنة. وذكر في الخلافة زمن (٤) التحكيم ولا يذكر إلا عالم مجتهد. وكان (٥) يفتي في الصحابة.
стр. 45
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي.
وممن أخذ عنه الفقه من الصحابة: أبو سعيد الخدري وأبو هريرة الدوسي وجابر بن عبد الله الأنصاري ورافع بن خديج (١) وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة (٢) .
قال زياد بن مينا: كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع وأبو واقد الليثي وعبد الله بن بحينة مع أشباه لهم من أصحاب رسول الله ﷺ يفتون بالمدينة ويحدثون عن رسول الله ﷺ من لدن توفي عثمان بن عفان (٣) إلى أن توفوا. والذين صارت الفتوى إليهم منهم: ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله الأنصاري.
وممن نقل عنه الفقه:
عبد الله بن المغفل
المزني؛ قال الحسن: هو أحد النفر العشرة الذين بعث إلينا عمر ليفقهوا أهل البصرة.
وأبو نجيد
عمران بن حصين
الأسلمي الخزاعي، وجهه عمر إلى البصرة ليعلم الناس؛ قال يحيى بن سعيد القطان: ما قدم علينا البصرة من أصحاب رسول الله ﷺ أقول بالحق من أبي بكرة ولا أفضل فضلاً من عمران بن حصين، تسلم عليه الملائكة من جوانب بيته.
وأبو حمزة أنس بن مالك؛ قال قتادة: لما مات أنس قال مؤرق العجلي:
стр. 46
اليوم ذهب نصف العلم؛ كان إذا خالفنا الرجل قلنا: تعالى إلى من سمعه من رسول الله ﷺ .
وفي الصحابة خلق كثير غير هؤلاء نقل عنهم الفقهاء كطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح وحذيفة بن اليمان والحسن والحسين ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد والمسور بن مخرمة والضحاك بن قيس وعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وأبي بصرة (١) الغفاري وسلمان الفارسي وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وفضالة بن عبيد الأنصاري وأبي مسعود البدري وأبي أيوب الأنصاري وأبي قتادة الأنصاري وأبي طلحة الأنصاري وأبي أسيد (٢) مالك بن ربيعة الأنصاري والنعمان بن بشير والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وأبي حمي الساعدي وعبد الله بن يزيد (٣) الخطمي وسهل بن سعد الساعدي وبريدة الأسلمي وبرزة الأسلمي وعبد الله بن أبي أوفى الأسلمي وواثلة بن الأسقع الليثي وأبي أمامة الباهلي وعقبة بن عامر الجهني وسمرة بن جندب الفزاري وعبد الرحمن بن أبزى وغيرهم، ﵃.
ومن النساء فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعليها، وحفصة بنت عمر وأم سلمة وأم حبيبة وأسماء بنت أبي بكر وأم الفضل بنت الحارث وأم هانئ بنت أبي طالب.
وانقرض عصر الصحابة ما بين تسعين إلى مائة؛ قال الواقدي (٤) : آخر
стр. 47
من مات من الصحابة بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى سنة ست وثمانين؛ وآخر من مات بالمدينة من الصحابة سهل بن سعد الساعدي سنة إحدى وتسعن وهو ابن مائة سنة؛ وآخر من مات من الصحابة بالبصرة أنس بن مالك سنة (١) إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين؛ وآخر من مات بالشام من الصحابة (٢) عبد الله بن بسر (٣) سنة ثمان وثمانين، وكان أبو الطفيل عامر بن واثلة رأى النبي ﷺ وكان آخر من رآه موتاً، مات بعد سنة مائة، وكان صاحب راية المختار وكان يرمي بالجرعة، وهو القائل:
وبقيت سهماً في الكنانة واحداً ... سيرمى به أو يكسر السهم كاسره وهو القائل:
أيدعونني شيخاً وقد عشت حقبة ... وهن من الأزواج نحوي نوازع
وما شاب رأسي من سنين تتابعت ... علي ولكن شيبتني الوقائع
стр. 48
فراغ
стр. 49
فقهاء التابعين بحسب الأمصار
стр. 50
فراغ
стр. 51
- ١ -
ذكر فقهاء التابعين بالمدينة
فمنهم أبو محمد
سعيد بن المسيب
بن حزن بن أبي وهب المخزومي: ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر وتوفي بالمدينة، قال يحيى بن سعيد: سنة أحد أو اثنتين وتسعين، وقال الواقدي: سنة أربع وتسعين، وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها. قال المدائني ويحيى بن معين: سنة خمس ومائة.
وقال ابن عمر لرجل سأله عن مسألة: ايت ذاك فسله، يعني سعيداً، ثم ارجع إلي وأخبرني، ففعل ذلك فأخبره فقال: ألم أخبرك أنه أحد العلماء؟ وقال ابن عمر لأصحابه: لو رأى رسول الله ﷺ هذا لسره. وقال سعيد: ما بقي أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ وكل قضاء قضاه أبو بكر وكل قضاء قضاه عمر - وأحسبه قال وعثمان - مني.
وقال الزهري: أخذ سعيد علمه عن زيد بن ثابت وجالس ابن عباس وابن عمر (١) وسعد بن أبي وقاص ودخل على أزواج النبي ﷺ : عائشة وأم سلمة، وسمع عثمان وعلياً وصهيباً ومحمد بن مسلمة وجل روايته في المسند (٢)
стр. 52
عن أبي هريرة - وكان زوج ابنته - وسمع من أصحاب عمر وعثمان، وكان يقال: ليس أحد أعلم بكل ما قضى به عمر وعثمان منه، وكان يقال له راوية عمر. وقال القاسم بن محمد: هو سيدنا وأعلمنا، وقال قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى علم أحد من العلماء إلا وجدت له عليه فضلاً غير أنه كان إذا أشكل (١) عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله. وقال علي بن الحسين: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدمه من الآثار وأفضلهم في رأيه (٢) . وسئل الزهري ومكحول: من أفقه من أدركتما؟ فقالا: سعيد بن المسيب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي: فقيه مكة عطاء، وفقيه اليمن طاوس، وفقيه اليمامة يحيى ابن أبي كثير (٣) ، وفقيه البصرة الحسن، وفقيه الكوفة إبراهيم النخعي، وفقيه الشام مكحول، وفقيه خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله تعالى خصها بقرشي فقيه غير مدافع: سعيد بن المسيب.
ومنهم أبو عبد الله
عروة بن الزبير
بن العوام: ولد سنة ست وعشرين. قال مصعب بن عبد الله: مات وهو ابن سبع (٤) وستين، قال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين. قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب يزينه، أو لذي دين يسوس به دينه
стр. 53
أو مختلط بسلطان يتحفه بعلمه، ولا أعلم أحداً أشرط لهذه الخلال من عروة ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز: كلاهما حسيب دين من السلطان بإزاء. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة بن الزبير. وقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء.
ومنهم أبو محمد
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
، ﵃: قال رجال الإيلي: توفي سنة إحدى أو اثنتين ومائة؛ وقال يحيى بن معين (١) : سنة ثمان ومائة. وقال الواقدي: سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين (٢) سنة. وقال محمد بن إسحاق: جاء رجل إلى القاسم (٣) فقال: أنت علم أم سالم؟ قال: ذاك مبارك سالم، قال ابن إسحاق: كره أن يقول هو أعلم مني فيكذب أو يقول أنا أعلم منه فيزكي نفسه، وكان القاسم أعلمهما. وقال يحيى بن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحداً نفضله على القاسم بن محمد. وقال مالك: كان القاسم من فقهاء هذه الأمة.
ومنهم
أبو بكر بن عبد الرحمن
بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي: واسمه كنيته؛ ولد في خلافة عمر بن الخطاب، ومات في سنة أربع وتسعين، وكان يسمى راهب قريش.
стр. 54
ومنهم أبو عبد الله
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود
، ابن أخي عبد الله بن مسعود: قال يحيى بن معين: مات سنة اثنتين ومائة وقيل سنة تسع وتسعين، وقال الواقدي: سنة ثمان وتسعين، وقال الهيثم ابن عدي: سنة سبع وتسعين. وسئل عراك بن مالك، من أفقه من رأيت؟ قال: أعلمهم سعيد بن المسيب، وأغزرهم في الحديث عروة، ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بحراً إلا فرجته. وقال الزهري: أدركت أربعة بحور، فذكر عبيد الله. وقال الزهري: سمعت من العمل شيئاً كثيراً فظننت إني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فإذا كأني ليس في يدي شيء. وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله أحب إلي من الدنيا.
ومنهم أبو زيد
خارجة بن زيد بن ثابت
: مات سنة مائة وهو ابن سبعين سنة. قال مصعب: كان خارجة بن زيد بن ثابت وطلحة بن عبد الله ابن عوف في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما، ويقسمان المواريث بين أهلها في الدور والنخل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس.
ومنهم أبو أيوب
سليمان بن يسار
مولى ميمونة بنت الحارث. وهو أخو عطاء وعبد الملك وعبد الله بني يسار؛ قال الواقدي: مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين، وقال الهيثم بن عدي: مات سنة مائة. وقال سليمان: سعيد بن المسيب بقية الناس، وسمعت السائل يأتي سعيد بن المسيب فيقول: اذهب إلى سليمان بن يسار فإنه أعلم من بقي اليوم. وقال الحسن بن محمد بن علي (١) بن أبي طالب: سليمان عندنا أفهم
стр. 55
من ابن المسيب. وقال قتادة: قدمت المدينة فسالت من أعلم أهلها بالطلاق؟ قالوا: سليمان بن يسار. وقال مالك: سليمان من أعلم الناس عندنا بعد سعيد بن المسيب.
ويقال لهؤلاء ذكرناهم الفقهاء السبعة، وذكر عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة الستة وهو سابعهم في شعر له في امرأة من هذيل (١) :
أحبك حباً لا يحبك مثله ... قريبٌ ولا في العاشقين بعيد
وحبك يا أم الصبي مدلهي ... شهيدي أبو بكر فنعم شهيد
ويعرف وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفي سليمان علمه ... وخارجة يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول تخبري ... فلله عندي طارف وتليد وكان عبد الله بن المبارك يقول: فقهاء المدينة سبعة، فذكر هؤلاء وذكر فيهم سالم بن عبد الله، ولم يذكر أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام.
ومنهم أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري: قال يحيى بن معين مات أبو سلمة سنة أربع وتسعين، وقال الواقدي: سنة أربع ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال الشعبي: قدم أبو سلمة الكوفة وكان (٢) يمشي بيني وبين رجل، فسئل: من أعلم من بقي؟ فتمنع وتزجر ساعة ثم قال: رجل بينكما. وقال الزهري: أربعة وجدتهم بحوراً: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود.
стр. 56
ومنهم أبو عمر
سالم بن عبد الله
بن عمر بن الخطاب: قال الواقدي، مات سنة ست ومائة، وقال الهيثم: سنة ثمان. قال ربيعة: كان الأمر إلى سعيد بن المسيب، فلما مات سعيد أفضى الأمر إلى القاسم وسالم.
ومنهم أبو القاسم
محمد بن علي بن أبي طالب
، وهو ابن الحنفية، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ﵁. قال المدائني: مات (١) سنة ثلاث وثمانين، وقال أبو نعيم: سنة ثمانين، وقال الهيثم بن عدي: سنة اثنتين أو ثلاثة وسبعين. وروي عن محمد أنه قال: الحسن والحسين خير مني، وأنا أعلم بحديث أبي منهما.
ومنهم أبو سعيد
قبيصة بن ذؤيب
بن عمرو بن كليب الخزاعي: قال يحيى: مات سنة سبع وثمانين، وقال الواقدي: سنة ست وثمانين بالشام. قال الزهري: كان قبيصة من علماء هذه الأمة: قال الشعبي: كان قبيصة من أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت. قال أبو الزناد: كان يعد فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب و عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة ابن ذؤيب.
ومنهم أبو الوليد
عبد الملك بن مروان
بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف: مات سنة ست وثمانين، قال الواقدي: مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وذكر القتيبي (٢) أنه مات وله اثنتان وستون سنة. وروى عبادة بن نسي قال: قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ
стр. 57
قريش توشكون (١) أن تتفرقوا (٢) فمن نسأل بعدكم؟. قال: إن لمروان ابناً فقيهاً فاسألوه. وقال أبو الزناد: كان يعد فقهاء المدينة أربعة: سعيد وعبد الملك وعروة وقبيصة.
ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى:
فمنهم (٣) أبو الحسن
علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب ﵃ قال مصعب: مات سنة أربع وتسعين - سنة الفقهاء - وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقال المدائني: مات سنة تسع وتسعين، وقال أبو نعيم: سنة اثنتين وتسعين، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه. وقال أسلم (٤) : ما رأيت مثل علي بن الحسين فيهم قط.
ومنهم أبو محمد الحسن بن محمد بن الحنفية: مات في زمن عمر بن عبد العزيز. قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً أعلم بما اختلف فيه من الحسن بن محمد، ما كان زهريكم هذا غلا غلاماً من غلمانه - يعني ابن شهاب -.
ومنهم أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري: مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال حفص بن ربيعة لعراك: من أعلم من رأيت؟ قال: أعلمهم بالحلال
стр. 58
والحرام ابن المسيب، وأغزرهم حديثاً عروة، ولا تشاء أن تقع من عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة على علم لا تسمعه إلا منه إلا وقعت، وأعلم هؤلاء كلهم عندي ابن شهاب لأنه جمع علمهم إلى علمه. وروي أن عمرو بن دينار قال: أي شيء عند الزهري؟ أنا لقيت ابن عمر ولم يلقه، ولقيت ابن عباس ولم يلقه، فقدم الزهري مكة فقال عمر: احملوني إليه - وقد أقعد - فحمل إليه فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له: كيف رأيت؟ فقال: والله ما رأيت مثل هذا القرشي قط. وقال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم (١) أحداً أعلم بسنة ماضية منه. وقال أيوب: ما رأيت أحداً أعلم من الزهري، فقال له صخر بن جويرية: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري؛ وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب. وسئل ابن عيينة أيهما أفقه أو اعلم: إبراهيم النخعي أو الزهري؟ قال: لا أبا لك، الزهري.
ومنهم أبو حفص
عمر بن عبد العزيز
بن مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية الأموي: مات سنة إحدى ومائة، وكانت خلافته سنتين وأشهراً. قال مجاهد: أتيناه (٢) نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه. وقال ميمون بن مهران: كان العلماء عنده تلامذة. وسأل رجل سعيد بن المسيب عن عدة أم الولد يموت عنها سيدها فقال: سل هذا الغلام، يعني عمر وهو أمير المدينة، فسأله فقال: حيضة.
ومنهم أبو جعفر
محمد بن علي بن الحسين
بن علي بن أبي طالب ﵃: قال مصعب: مات سنة أربع عشرة ومائة، وقال يحيى: مات
стр. 59
سنة ثماني عشرة، وقال المدائني: مات سنة سبع عشرة ومائة (١) وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقال الواقدي: مات وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.
ومنهم أبو محمد
عبد الرحمن بن القاسم
بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃: مات بالشام سنة ست وعشرين ومائة. قال مالك حين رأى ابنه يحيى يدخل ويخرج ولا يجلس، ما يهون هذا علي إلا أن هذا الشأن لا يورث وأن أحداً لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن بن القاسم.
ومنهم أبو عثمان
ربيعة بن أبي عبد الرحمن
، وأبو عبد الرحمن اسمه فروخ، وهو مولى تيم بن مرة، ويعرف بربيعة الرأي، وأدرك من الصحابة أنس بن مالك والسائب بن يزيد وعامة التابعين، وكان يحضر في مجلسه أربعون معتماً وعنه أخذ مالك. وقال الواقدي: مات سنة ست وثلاثين ومائة. وروي أن رجلاً وقع فيه عند ابن شهاب فقال ابن شهاب: لا تقل هذا لربيعة فإنه من خير هذه الأمة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: ما رأيت أحداً أفطن من ربيعة. وقال عبيد الله بن عمر العمري: هو صاحب معضلاتنا وعالمنا وأفضلنا. وقال سوار بن عبد الله العنبري: ما رأيت أحداً أعلم من ربيعة الرأي، فقيل له: ولا الحسن وابن سيرين؟ فقال ولا الحسن وابن سيرين.
ومنهم
أبو الزناد
عبد الله بن ذكوان: مولى رملة بنت شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس، وكان كنيته أبو عبد الرحمن (٢) وغلب عليه أبو الزناد. ويقال:
стр. 60
ذكوان أخو أبي لؤلؤة لعنه الله قاتل أمير المؤمنين عمر ﵁. ومات أبو الزناد سنة ثلاثين ومائة.
وروي أنه وفد على هشام بن عبد الملك بحساب ديوان المدينة فسال (١) هشام ابن شهاب: أي شهر كان يخرج فيه العطاء لأهل المدينة؟ فقال: لا أدري، قال (٢) أبو الزناد: فسألني هشام فقلت: المحرم، فقال هشام لابن شهاب: يا أبا بكر هذا علم أفدته (٣) اليوم، فقال ابن شهاب: مجلس أمير المؤمنين أهل أن يفاد منه العلم..
ومنهم
عبد الله بن يزيد (٤) بن هرمز
: روي أن سليمان بن بلال قال لربيعة: رأيت العلماء والناس، فقال ربيعة: لا والله ما رأيت عالماً قط بعينيك إلا ذاك الأصم ابن هرمز. وعنه أخذ مالك الفقه؛ قال مالك: كان من أعلم الناس بما اختلف الناس فيه من هذه الأهواء..
ومنهم أبو سعيد
يحيى بن سعيد
بن قيس الأنصاري: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة وكان قاضياً لأبي جعفر وقال حماد بن زيد: قدم علينا أيوب مرة من المدينة فقلت: يا أبا بكر من تركت؟ قال: ما تركت أفقه من يحيى بن سعيد.
ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة:
стр. 61
منهم أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذنب القرشي: مات بالكوفة، قال أحمد: مات سنة تسع وخمسين ومائة، وقال ابن أبي فديك: مات سنة ثمان وخمسين ومائة، وقال ابن أبي فديك: مات سنة ثمان وخمسين ومائة. وسأل أبو جعفر مالكاً: من بقي بالمدينة من المشيخة فقال: يا أمير المؤمنين، ابن أبي ذئب وابن أبي سلمة وابن أبي سبرة .
ومنهم أبو عبد الله عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
الماجشون
: مات ببغداد سنة ستين ومائة ودفن في مقابر قريش.
ومنهم أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن
أبي سبرة
القرشي: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة وهو ابن ستين سنة. ولي القضاء لأبي جعفر وقد مضى فيه وفي عبد العزيز الماجشون قول مالك لأبي جعفر.
ومنهم
كثير بن فرقد
: قال ابن القاسم، قال مالك: كنا نختلف إلى ربيعة فما إن نجب منا إلا أربعة أكبرنا عجلت عليه المنية - يعني كثير بن فرقد - والثاني عذب نفسه وأضاع (١) عمله - يعني عبد الرحمن بن عطاء - والثالث شغل نفسه بالأغاليط، وربما قال: أفسدته الملوك - يعني عبد العزيز ابن عبد الله الماجشون - قال ابن القاسم: وسكت مالك عن الرابع فكنا نرى أنه يعني نفسه.
ومنهم أبو عبد الله
مالك بن أنس
بن مالك (٢) الأصبحي (٣) : ولد سنة
стр. 62
خمس وتسعين من الهجرة ومات سنة تسع وسبعين ومائة وله أربع وثمانون سنة، قال الواقدي: مات وهو ابن تسعين سنة، وأخذ العلم عن ربيعة ثم أفتى معه عند السلطان. وقال مالك: قل رجل كنت أتعلم منه ما مات (١) حتى يجيئني ويستفتيني. وقال ابن وهب: سمعت منادياً ينادي بالمدينة، ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ذئب.
وقال الشافعي: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم: صاحبكم أو صاحبنا، يعني أبا حنيفة ومالكاً، قال: قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: فأنشدك الله من أعلم بالسنة: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ المتقدمين: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قال الشافعي: فلم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء، فعلى أي شيء يقيس (٢) ؟
وقال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن انس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي فكنا نستزيده (٣) من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذاك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن انس؟ قال: نعم، فقلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت (٤) بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم.
стр. 63
- ٢ -
ذكر فقهاء التابعين بمكة
فمنهم أبو محمد
عطاء بن أبي رباح
، واسم أبي رباح أسلم: وكان مفلفل الشعر أسود أفطس أشل أعور ثم عمي، وكان مولى فهر أو جمح. قال الواقدي وأبو نعيم: مات سنة خمس عشرة ومائة، وقال الهيثم ابن عدي: سنة أربع عشرة ومائة. وقال الواقدي: مات وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وكان من أجلاء الفقهاء. قال قتادة: أعلم الناس بالمناسك عطاء. وقال إبراهيم بن عمر بن كيسان: أذكرهم في زمان بني أمية يأمرون في الحاج صائحاً يصيح لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس وما كان أكثرهم يهدى إليه.
ومنهم أبو الحجاج
مجاهد بن جبر
: مولى لمخزوم (١) ؛ قال الهيثم: توفي سنة مائة، وقال أبو نعيم: سنة اثنتين ومائة، وقال يحيى بن سعيد القطان: سنة أربع ومائة. وكان من العلماء؛ قال حماد: لقيت عطاء وطاوساً ومجاهداً وشاممت القوم فوجدت أعلمهم مجاهداً. وقال مجاهد: كان ابن عمر يأخذ لي الركاب ويسوي علي ثيابي إذا ركبت.
ومنهم عبد الله بن عبيد الله بن
أبي مليكة
التيمي (٢) : ولي القضاء بالطائف
стр. 64
من جهة ابن الزبير وكان (١) من كبار أصحاب ابن عباس، ومات بمكة سنة تسع عشرة ومائة.
ومنهم أبو محمد
عمرو بن دينار
: مولى باذام (٢) من الأبناء (٣) ، مات سنة ست وعشرين ومائة. قال سفيان بن عيينة: قالوا لعطاء: بمن (٤) تأمرنا؟ قال: بعمرو بن دينار. وقال طاوس لابنه: يا بني إذا قدمت مكة فجالس عمرو بن دينار فإن أذنيه قمع للعلماء.
ومنهم
عكرمة
مولى ابن عباس: واصلة من بربر وكان ممن ينتقل من بلد إلى بلد، ومات سنة سبع ومائة، وقال القتيبي (٥) : مات سنة خمس عشرة ومائة (٦) وقد بلغ ثمانين سنة. وكان فقيهاً، روي أن ابن عباس قال له: انطلق فأفت الناس. وقيل لسعيد بن جبير: هل أحد تعلم أعلم منك؟ قال: عكرمة. ومات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس.
ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثانية:
منهم أبو يسار عبد الله بن أبي نجيح المكي: مولى لثقيف، قال يحيى:
стр. 65
مات في ولاية مروان بن محمد، قال الواقدي: سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وكان مفتي مكة (١) بعد عطاء.
ومنهم أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وجريج عبد لآل أم حبيب بنت جبير (٢) : ومات سنة خمسين ومائة. قال ابن جريج: ما دون هذا العلم تدويني أحد: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء سبع سنين. وقال: لم يغلبني على يسار عطاء عشرين سنة أحد، فقيل له: فما منعك عن يمينه، قال كانت قريش تغلبني عليه.
ثم انتقل الفقه إلى طبقة ثالثة:
منهم مسلم بن خالد (٣)
الزنجي
: وكان يقال له الزنجي لحمرته، وكان مفتي مكة (٤) بعد ابن جريج. ومات سنة تسع وسبعين ومائة. وقيل سنة ثمانين ومائة، وعنه أخذ الشافعي الفقه.
ثم انتقل الفقه (٥) إلى طبقة أخرى:
منهم أبو عبد الله
محمد بن أدريس
بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي: ولد سنة خمسين ومائة ومات في خر يوم من رجب سنة أربع ومائتين وله أربع وخمسون سنة، وحكى الزعفراني عن ابنه أبي عثمان
стр. 66
ابن الشافعي قال: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قال الشافعي: لقيني مسلم بن خالد الزنجي فقال لي: يا فتى من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قال: أين منزلك بها؟ قلت: شعب الخيف، قال: من أي قبيلة أنت؟ قلت: من ولد عبد مناف، قال: بخ بخ لقد شرفك الله في الدنيا والآخرة. وقال: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظاً، فقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام (١) . قال الحميدي: سمعت زنجي بن خالد - يعني مسلماً - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة. قال أحمد: ما عرفت ناسخ الحديث ومنسوخه حتى جالست أبا عبد الله الشافعي. وقال إسحاق بن راهويه: ما تكلم أحد - وذكر الثوري والأوزاعي ومالكاً وأبا حنيفة - إلا والشافعي أكثر اتباعاً وأقل حظاً (٢) منه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي.
وقال أبو عبيد ابن حربويه: سمعت الحسن بن علي القراطيسي يقول: كنت عند أبي ثور فجاءه رجل فقال له: أصلحك الله، فلان سمعته يقول قولاً عظيماً؛ سمعته يقول الشافعي أفقه من الثوري، قال: أنت سمعته يقول ذاك؟ قال: نعم، ثم قام الرجل فقال أبو ثور: يستنكر (٣) أن يقال الشافعي أفقه من الثوري! هو عندي أفقه من الثوري ومن (٤) النخعي.
وقال أبو حسان الزيادي: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم أحداً من أهل
стр. 67
العلم إعظامه للشافعي، ولقد جاءه يوماً فلقيه وقد ركب محمد ابن الحسن فرجع محمد إلى منزله وخلا به يومه إلى الليل ولم يأذن لأحد عليه. قال محفوظ بن أبي توبة البغدادي: رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام فقلت: يا أبا عبد الله، هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث، فقال: إن هذا يفوت وذاك لا يفوت. وقال يحيى بن معين: كان أحمد بن حنبل ينهانا عن الشافعي ثم استقبلته يوماً والشافعي راكب بغلة وهو يمشي خلفه فقلت: يا أبا عبد الله تنهانا عنه وتتبعه؟ فقلت: اسكت لو لزمت البغلة انتفعت.
- ٣ -
ذكر فقهاء التابعين باليمن
فمنهم أبو عبد الرحمن (١)
طاوس بن كيسان
اليماني: مولى أبناء (٢) الفرس. ومات بمكة حاجاً سنة ست ومائة، وكان فقيهاً جيلاً. وقال خصيف: أعلمهم بالحلال والحرام طاوس.
ومنهم
عطاء بن مركبوذ (٣)
: من أبناء فارس الذي وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزين، وكان أول من جمع القرآن.
стр. 68
ومنهم أبو الأشعث
شراحيل بن شرحبيل
الصنعاني: من الأبناء، نزل دمشق ومات بها.
ومنهم
حنش بن عبد الله الصنعاني
: من الأبناء، انتقل إلى مصر ومات بها.
ومنهم أبو عبد الله
وهب بن منبه
: وكان الغالب عليه القصص. مات سنة أربع عشرة ومائة (١) .
- ٤ -
ذكر فقهاء التابعين بالشام والجزيرة
فمنهم أبو إدريس
عائذ الله بن عبد الله الخولاني
: جالس أبا الدرداء وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وولي القضاء من قبل عبد الملك بن مروان. قال الزهري: أبو إدريس كان من فقهاء أهل الشام. وقال مكحول: ما أدركت مثل أبي إدريس الخولاني.
ومنهم شهر بن حوشب الأشعري (٢) .
ثم انتقل إلى:
عبد الله بن زكريا وهاني بن كلثوم .
стр. 69
ورجاء بن حيوة الكندي
: وكان يكنى أبا المقدام. قال مطر: ما لقيت شامياً أفقه من رجاء بن حيوة، ولكن كنت إذا حركته وجدته شامياً يقول: قضى عبد الملك فيها بكذا وكذا.
وقال هشام بن عبد الملك: من سيد أهل فلسطين؟ قالوا: رجاء بن حيوة، قال: من سيد أهل الأردن؟ قالوا: عبادة بن نسي، قال: من سيد هل دمشق؟ قالوا يحيى بن يحيى الغساني، قال: من سيد أهل حمص؟ قالوا: عمرو بن قيس السكوني، قال: من سيد أهل الجزيرة؟ قالوا: عدي بن عدي، قال هشام: يا لكندة؟؟!
ومنهم أبو عبد الله
مكحول
بن عبد الله: وكان من سبي كابل. قال ابن عائشة: كان مولى لامرأة من هذيل، وقيل: هو مولى سعيد بن العاص، وقيل: مولى لبني ليث. ومات سنة ثماني عشرة وقيل ثلاث عشرة، وقال الواقدي: سنة ست عشرة ومائة. وكان معلم الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمن ويزيد ابني يزيد بن جابر. وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة وعامر الشعبي بالكوفة والحسن بن أبي الحسن بالبصرة ومكحول بالشام. وروى أبو مسهر (١) عن سعيد قال: لم يكن في زمان مكحول أبصر بالفتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا رأي والرأي يخطئ ويصيب.
ومنهم أبو أيوب
سليمان بن موسى الأشدق
: مات سنة تسع عشرة ومائة. وكان من كبار أصحاب مكحول.
стр. 70
ثم انتقل الفتوى (١) بالشام إلى أبي عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد
الأوزاعي
: ولد سنة ثمان وثمانين ومات سنة سبع وخمسين ومائة (٢) . وكان من سبي أهل اليمن ولم يكن من الأوزاع، ومات وله ستون سنة (٣) وسئل عن الفقه وله ثلاث عشرة سنة. وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما كان أحد بالشام (٤) أعلم بالسنة من الأوزاعي. وقال هقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة. وروي ن سفيان الثوري بلغه مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذي طوى؛ قال: فحل سفيان رأس البعير عن القطار ووضعه على رقبته فكان إذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ. وأخذ عنه العلم أبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك وهقل بن زياد وأبو العباس الوليد ابن مسلم والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد وعمرو بن أبي سلمة وعقبة ابن علقمة ومحمد بن يوسف الفريابي.
ومنهم أبو محمد
سعيد بن عبد العزيز التنوخي
: فقيه أهل الشام مع الأوزاعي وبعده. مات بدمشق سنة ست وستين ومائة.
ومنهم
يزيد وعبد الرحمن
ابنا يزيد بن جابر (٥) .
стр. 71
ومنهم أبو الهذيل
محمد بن الوليد بن غامر الزبيدي
: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وقال محمد بن سالم: كنت اقرأ على ابن شهاب بالرصافة القرآن، فجئت يوماً وعنده محمد بن الوليد الزبيدي فقال لي ابن شهاب: اقرأ على هذا فقد احتوى على ما بين جنبي من العلم.
ومنهم
يحيى بن يحيى الغساني
: وكان مفتي أهل دمشق، وهلك سنة خمس وثلاثين ومائة.
وثبتت الفتيا بالشام على مذهب الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز.
ومن التابعين بالجزيرة:
أبو أيوب
ميمون بن مهران
: مولى الأزد، مات سنة سبع عشرة ومائة، وكان من سبي اصطخر.
- ٥ -
ذكر فقهاء التابعين بمصر
فمنهم أبو عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وأبو تميم عبد الله ابن مالك الجيشاني، وهما من أصحاب عمر (١) .
ثم انتقل إلى طبقة أخرى:
стр. 72
منهم أبو الخير
مرثد بن عبد الله اليزني (١)
: قاضي الاسنكدرية، أخذ عنه أبو رجاء يزيد بن أبي حبيب مولى بني عامر بن لؤي القرشي.
وكان ممن انتقل إليه
بكير بن عبد الله بن الأشج وأبو أمية عمرو بن الحارث
. قال ابن وهب: ما ذكر مالك بكير بن عبد الله بن الأشج إلا قال: كان من العلماء. وكان ربيعة يقول: لا يزال بذلك المغرب فقه ما دام فيه ذلك القصر، يعني عمرو بن الحارث.
ثم انتهى علم هؤلاء إلى أبي الحارث
الليث بن سعد
بن عبد الرحمن: مولى قيس بن رفاعة، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وكان أصله من أصفهان. وقال الليث: قال لي بعض أهلي: ولدت سنة اثنتين وتسعين، والذي أوقن سنة أربع وتسعين (٢) ، ومات في النصف من شعبان، يوم الخميس سنة خمس وسبعين (٣) ومائة ودفن يوم الجمعة. قال الليث: كتبت من علم ابن شهاب علماً كثيراً وطلبت ركوب البريد إليه إلى الرصافة فخفت أن لا يكون ذلك لله فتركت ذلك. وقال الشافعي: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به. وكان ابن وهب يقرأ عليه مسائل الليث فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث كأنه كان يسمع مالكاً يجيب فيجيب، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك (٤) يسمع الليث يجيب فيجيب، والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أحداً قط أفقه من الليث.
стр. 73
- ٦ -
ذكر فقهاء التابعين بالكوفة
فمنهم أبو شبل
علقمة بن قيس
بن عبد الله بن علقمة النخعي: وهو عم الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد وهو خال إبراهيم النخعي. مات سنة اثنتين وستين. قال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: كيف تأتي علقمة وتدع أصحاب محمد ﷺ . قال: يا بني إن أصحاب محمد ﷺ كانوا يسألونه. وقال أبو الهذيل: قلت لإبراهيم: علقمة كان أفضل أو الأسود، قال: علقمة. وقد شهد صفين.
ومنهم أبو عمرو ويقال أبو عبد الرحمن
الأسود بن يزيد بن قيس النخعي
، أخو عبد الرحمن بن يزيد وابن أخي علقمة: مات سنة خمس وسبعين. قالت عائشة ﵂: ما بالعراق رجل أكرم علي (١) من الأسود. وقيل للشعبي: أيهما أفضل: علقمة أو الأسود؟ قال: كان علقمة مع البطيء وهو يدرك السريع.
ومنهم أبو عائشة
مسروق بن الأجدع
بن مالك الهمداني: مات سنة ثلاث وستين؛ وكان علي ﵇ يقول: يا أهل الكوفة لن تعجزوا أن تكونوا مثل الهمداني والسلماني، إنما هما شطرا رجل (٢) . وذكر الشعبي شريحاً ومسروقاً، قال: كان مسروق أعلمهم بالفتوى.
стр. 74
ومنهم أبو مسلم ويقال أبو عمرو
عبيدة بن عمرو (١) السلماني المرادي الهمداني
: اسلم قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين ولم يره ومات سنة اثنتين وسبعين. وقال أبو إسحاق: كان يقال: ليس بالكوفة أعلم بالفريضة من عبيدة و الحارث الأعور . وكان عبيدة يجلس في المسجد، فإذا ورد على شريح (٢) فريضة فيها حد رفعها إلى عبيدة ففرض.
ومنهم أبو أمية
شريح بن الحارث القاضي
: قال المدائني: مات سنة اثنتين وثمانين، قال الأشعث: مات وهو ابن مائة وعشرين سنة. وروي أن علياً ﵇ قال: اجمعوا لي القراء، فاجتمعوا في رحبة المسجد، قال: إني أوشك أن أفارقكم، فجعل يسائلهم (٣) : ما تقولون في كذا، ما تقولون في كذا، وبقي شريح فجعل يسائله فلما فرغ قال: اذهب، فأنت من أفضل الناس أو من أفضل العرب، وقيل إنه استقضاه عمر على القضاء بالكوفة وبقي في القضاء خمساً وسبعين سنة ثم استعفى الحجاج فأعفاه.
ومنهم
الحارث الأعور
: قال أبو إسحاق: ليس بالكوفة أحد أعلم بفريضة من عبيدة والحارث الأعور. وقال ابن سيرين: أدركت الكوفة وبها أربعة ممن يعد بالفقه، فمن بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث وعلقمة الثالث وشريح الرابع؛ قال ابن سيرين: وإن أربعة أخسهم (٤) شريح لخيار.
стр. 75
وهؤلاء الستة الذين ذكرناهم أصحاب عبد الله بن مسعود. قال سعيد بن جبير: كان أصحاب عبد الله سرج هذه القرية، وقال فيهم الشاعر:
وابن مسعود الذي سرج القرية أصحابه ذوو الأحلام
وله جماعة من غير هؤلاء من الأصحاب قال الشعبي: ما كان من أصحاب رسول الله ﷺ أفقه صاحباً من عبد الله بن مسعود. وقال إبراهيم التيمي: كان فينا ستون شيخاً من أصحاب عبد الله.
ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى:
منهم أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد
الشعبي
: من همدان، ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان ومات سنة أربع ومائة، وقيل سنة سبع ومائة، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. وروي أن ابن عمر مر به وهو يحدث بالمغازي فقال: شهدت القوم وأنه علم بها مني. وقال ابن سيرين لأبي بكر الهذلي: الزم الشعبي فلقد رأيته يستفتي وأصحاب النبي ﷺ بالكوفة. وقال أبو حصين: ما رأيت أعلم من الشعبي، قلت: ولا شريح؟ قال: تريد أن أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية من عامر الشعبي.
وقال الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة وعامر الشعبي بالكوفة والحسن بن أبي الحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام. وقال أشعث بن سوار: نعى إلينا الحسن البصري الشعبي فقال: كان والله فيما علمت كثير العلم عظيم الحلم قديم السلم (١) ، من الإسلام بمكان.