← Акыда

Акыда · id 10320

التوسل في كتاب الله عز وجل

طلال بن مصطفى عرقسوس

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ال مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فإن كتاب الله نور وهداية وحياة، وإنّ المتدبر في هذا القرآن العظيم ليجد فيه من الكنوز والمعاني والعلوم والمعارف بحوراً تتلاطم لا سواحل لها، إنه قرآن عجب لا يدرك غوره، ولا يستطيع الخلق من إنس وجان ولو اجتمعوا أن يحيطوا به. وكتاب الله هو الحكم بين الناس إذا وقع بينهم خلاف قال الله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ

стр. 2

أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ١. هذا وإن مما تنازع فيه بعض الناس موضوع التوسل، ولرفع هذا النزاع ليس لنا إلا أن نرجع إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا ﷺ ، ولذا أحببت أن يكون بحثي في هذا الموضوع، راجياً أن يكون قاطعاً للخلاف في هذا الموضوع، وجامعاً للقلوب على ما هو الحق فيه، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 3

تمهيد موضوع التوسل من أهم المواضيع، بل هو من أعظمها خطراً، وهو من الأمور التي يخطئ فيها كثير من الناس، وذلك لعدم معرفتهم سبل التوسل الصحيحة المشروعة، وكل ذلك ناشئ عن فهم خاطئ لحقيقة التوسل، أو تصور غير صحيح، أو تقليد أعمى. والمتدبر لكتاب الله يجد أن الكتاب الكريم قد أبان في مواضع كثيرة منه السبل المشروعة في التوسل إلى الله جل وعلا، وهذه السبل هي التوسل إلى الله جل وعلا بالإيمان الصادق الصحيح، والتوسل إلى الله ﵎ بما شرع من أعمال صالحة، والتوسل إلى الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والتوسل إلى الله تعالى بفضله ورحمته وإحسانه، والتوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء من عباده. هذا ومن المعلوم أن كثيراً من عباد القبور اليوم، والمستغيثين بالأولياء والصالحين، إنما كان سبب انحرافهم هذا هو تعظيمهم للصالحين، تعظيماً بلغ حدّ الغلو، وإذا ما نوقش أحدهم ونهي عما يقع منه من شرك يقول: إنه لا يعبد هذا الصالح وإنما يتوسل به إلى الله تعالى، وربما يضرب لك مثلاً فيقول: إنك عند ما تريد أمراً ما من ملك أو رئيس فإنك تتوسل إليه وتستشفع بمقرّب عنده؛ فيشبه هذا المسكين الخالق جل وعلا بالمخلوق؛ وما علم المسكين أن عظماء الدنيا يحتاجون إلى شفعاء لأمور: منها: أن ذلك العظيم لا يعلم حال الناس، ولا يطلع على حوائجهم، فيحتاج إلى من يبلغه ذلك عنهم، وهل الرب جل وعلا الذي أحاط علمه بكل شيء يحتاج إلى من يخبره عن خلقه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١.

стр. 4

وأيضا فإن ذلك الرئيس إنما يقبل شفاعة الشافع رجاءً أو خوفاً، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً. وهذا العظيم يحتاج إلى من يرقق قلبه، ويسترحمه لينظر في أمور هؤلاء المحتاجين، والله هو أرحم الراحمين، بل هو أشد رحمة بالعبد من أمه وأبيه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن يصيبه” ١، وروى مسلم في صحيحه من حديث سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ “إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة” ٢، والله جل وعلا عند ما أرشد إلى دعائه لم يجعل بيننا وبينه وسائط ووسائل من الخلق في ذلك ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ٣ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٤. هذا وإن ما يقوله بعض مدعي الإسلام اليوم ممن يقع في عبادة القبور هو ما قاله بالأمس كفار قريش ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي

стр. 5

مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١ فإنهم لم يكونوا يعتقدون أن أصنامهم تخلق وترزق وتمرض وتشفي ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣ هذا ومن المعلوم أيضاً أن أول شرك وقع في الأرض وهو شرك قوم نوح ﵇ إنما كان بسبب تعظيم الصالحين، والتوسل بهم، فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: “صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب بعد؛ أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسمّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت” ٤. وأورد ابن حجر ﵀ عن السهيلي رحمه الله تعالى في التعريف “إن يغوث هو ابن شيث بن آدم فيما نقل، وكذلك سواع وما بعده، وكانوا يتبركون بدعائهم، فلما مات منهم أحد مثلوا صورته فتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوا بتدريج الشيطان لهم” ٥. وهكذا نرى الشرك إنما دخل على الناس من باب الصالحين والغلو فيهم،

стр. 6

وتصوير صورهم، والتبرك بهم، والتوسل بهم، ومن هنا يتبين عظيم حاجتنا إلى معرفة سبل التوسل الصحيحة، وهي بحمد الله تعالى بينة واضحة في كتاب ربنا الذي ما فرط الله فيه من شيء، على أن أعظم ما يتوسل به المرء هو التقرب إلى الله بصالح الأعمال، وجليل الخلال، وإلى هذا أشار سيدنا رسول الله ﷺ إذ يقول فداه أبي وأمي ونفسي “انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار، فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا١، فناء ٢ بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي ﷺ ، وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحبّ الناس إليّ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك ففرج عنّا ما نحن فيه، فانفرجت غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد

стр. 7

حين، فقال يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون” ١. فهؤلاء الثلاثة الصالحون لما وقعوا في الشدة لم يجدوا ما ينقذهم منها، أو يخلصهم من الهلكة سوى أن يتوسلوا إلى الله بأفضل ما عملوا مما ابتغوا به وجه ربهم ، ولم يجدوا أعظم من بر الوالدين والإحسان إليهما، وكذا إعطاء الأجير أجره وحفظه له، وتنميته، ومن ثم تسليمه له دون طمع في شيء منه مع كثرته، وكذا التوسل بالعفاف وترك الحرام مع القدرة التامة عليه. وبمثل هذا أرشد رسول الله ﷺ أمته، وعلمهم كيف يتوسلون إلى ربهم، ومما يؤكد ذلك ويزيل كل وهم في باب الوسيلة ما حدّث به ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ قال: “كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: “سل” فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: “أو غير ذلك” قلت: هو ذاك، قال: “فأعني على نفسك بكثرة السجود” ٢. وهكذا نرى رسول الله ﷺ يعلم هذه الأمة كيف تتوسل إلى ربها، وذلك بإخباره عما كان من الأمم السابقة من التوسلات الصحيحة التي قبلت فرأى أصحابها آثارها، وكذلك بإرشاد من أراد مرافقة النبي ﷺ في الجنة، وهذا مقام من أعظم المقامات، ولذا دله الرسول ﷺ على عمل هو من أفضل الأعمال، ألا وهو الإكثار من الصلاة. وفي هذا يقول الرسول ﷺ : “أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد

стр. 8

فأكثروا الدعاء” ١ فلعل هذا تفسير قول الله ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ ٢. هذا وإن التوسل إلى الله والتزلف إليه بعمل محابه، واجتناب موجبات سخطه ما زال ديدن المؤمنين، وخاصة النبيين من عباد الله وجل، يقول الله جلت قدرته: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً. قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣. وإن سياق الآيات الكريمات ليوحي بموقف النبيين المخالف لموقف المشركين الذين يتوسلون بأندادهم وآلهتهم التي لا تملك شيئاً، وإنه موقف سادة الموحدين الذين يخلصون الدعاء لربهم ، ولا يطمعون في أحد سواه كائناً من كان.

стр. 9

معنى التوسل: الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، من وسل يسل أي عمل ما يتقرب به، ويكون له به منزلة، والوسيلة: الدرجة، والوسيلة: القربة. والوسيلة: هي التوصل إلى الشيء برغبة. وأنا متوسل إلى الله بكذا، وواسل، ووسلت إليه، وتوسلت إلى الله بالعمل أي تقربت، قال لبيد: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى كل ذي دين إلى الله واسل١ قال الحلبي: “وقال بعضهم: حقيقة التوسل إلى الله مراعاة سبيله بالعلم

стр. 10

والعبادة وتحري أحكام الشريعة، وعلى هذا فهي مقاربة للقربة” ١. وبهذا يتبين أن الوسيلة: هي التقرب إلى الله تعالى بما يحب من الاعتقادات، والأعمال، والأقوال، وسؤاله تعالى بأسمائه وصفاته وبفضله وكرمه. فمن أراد التوسل إلى ربه فإنما يصل إليه عن طريق العمل بشريعته واتباع نبيه ﷺ . وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢ إن الرب جل وعلا يرشد عباده المؤمنين، بل يأمرهم بتقواه ﵎، فباتقائهم ربهم يكونون قد ابتغوا إليه جل وعلا الوسيلة والطريقة التي تقربهم منه، وترضيه عنهم، إذ التقوى إنما هي العمل بما يحبّ وترك ما يكره، فهذا أعظم الوسائل وأقربها لإدراك الفلاح الذي هو الظفر بالمطلوب المرغوب، والنجاة من المخوف المرهوب، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لسلوك ما يحب، إنه سبحانه خير مسؤول ومجيب. قال ابن كثير: “يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس: “أي القربة” وكذا قال مجاهد وأبو وائل والحسن ... وقال قتادة: “وتقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه” وقرأ ابن زيد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣“.

стр. 11

ما في سورة الفاتحة من توسلات إن أول ما يتلوه قارئ كتاب الله تعالى أمّ القرآن، والفاتحة قد اشتملت على توسلات لله تعالى هي من أعظم ما يتوسل به العبد لربه تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ الحمد وأول ما يتوسل به العبد هو حمده لربه جل وعلا وشكره له بوصفه رباًّ للعالمين، أي خالقهم ورازقهم ومدبر أمورهم ومصرف أحوالهم، الذي يربيهم بنعمه وإحسانه، وهو جل وعلا الرحمن الذي شملت رحمته كل خلقه من برٍّ وفاجر في الدنيا، وهو جل وعلا الرحيم بعباده المؤمنين كما قال تعالى ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ١ فهذا توسل بأسمائه تعالى الحسنى وبصفاته العلى، وهو جل وعلا مالك يوم الدين وهو يوم القيامة حيث يجازي الخلق بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم يتوجه العبد إلى ربه ويتوسل إليه بتوحيده له قائلاً: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.﴾ أي نخصك يا ربنا بالعبادة، ونفردك بها، فلا نعبد أحداً سواك، ولا نتوجه إلى أحد غيرك كائناً من كان، ونخصك بالاستعانة على العبادة وعلى أمورنا كلها، فلا نتوكل على أحد سواك. وبعد هذه التوسلات العظيمة بشكره جل وعلا وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبتوحيده ﵎ يدعو العبد قائلاً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ﴾ فدل ذلك على أن أعظم ما يسأله العبد ربه إنما هو الهداية إلى صراطه المستقيم الذي هو دين الله الذي بعث به رسوله ﷺ ، وأنزل به كتابه الكريم، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين٢،

стр. 12

ويخالف صراط المغضوب عليهم ١، وهم اليهود الذين آتاهم الله علماً ولكنهم لم يشكروه بالعمل به، ويخالف صراط الضالين الذين عبدوا الله على غير الهدى٢، فعبدوه بالمحدثات والمبتدعات، فعملوا بغير علم، ومن هنا كان ضلالهم. ولما كان هذا من أعظم ما يسأله المرء فرضت قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وجعلت ركناً من أركان الصلاة، فيدعو المسلم بهذا الدعاء العظيم ما لا يقل عن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة، ويتعلم المؤمن بذلك كيف يدعو ربه، وكيف يتوسل إليه التوسل الشرعي الصحيح، وكيف يتملق ربه، ويتزلف إليه، ويتقرب إليه بما يحب ويرضى.

стр. 13

التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح آيات القرآن الكريم يكثر فيها ذكر توسل المؤمنين بإيمانهم، والتوسل إلى الله بالإيمان به، وبما أوجب الإيمان به، وكذا التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة، والقربات النافعة، فهذه توسلات صحيحة نافعة، دل عليها القرآن الكريم، قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١. قال ابن كثير ﵀: “يصف ﵎ عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي آمنا بك وبكتابك ورسولك ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي بإيماننا بك، وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك وبرحمتك”٢ فهؤلاء الصالحون توسلوا إلى ربهم جل وعلا بإيمانهم بكتاب ربهم ورسله، ذلك الإيمان الذي يدفع صاحبه إلى الأعمال الصالحة، وفعل ما يرضي الرب جل وعلا، ودلّ على توسلهم بالإيمان الفاء في

стр. 14

قولهم (فاغفر لنا) لأنها تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها، فكأنهم قالوا بإيماننا بك يا ربنا وتصديقنا بما أمرتنا به فاغفر لنا ذنوبنا وأعذنا من عذاب النار. وقال تعالى حكاية عن أصحاب رسول الله ﷺ عند ما أعلنوا استسلامهم لأمر الله ، واستعدادهم التام للمسارعة إلى ما يطلب منهم ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه ﴿غفرانك ربّنا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف) ٢، فقولهم غفرانك كأنهم قالوا: اغفر لنا ياربنا لاستجابتنا لك واستسلامنا لأمرك، وطاعتنا لك فيما تطلبه منا. وقال حكاية عن المتقين ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣، فكأنهم قالوا بإيماننا بك يا ربنا وتصديقنا بما أمرتنا فاغفر لنا ذنوبنا وأعذنا من عذاب النار. وفي قوله تعالى حكاية عن الحواريين أتباع عيسى ﵇: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤ فهؤلاء الحواريون من أنصار عيسى ﵇ توسلوا إلى الله بإيمانهم الصادق، واتباعهم لرسوله عيسى ﵇ ليجعلهم الله تعالى من الشاهدين الذين يشهدون لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة والبلاغ، أو أنهم دعوا الله أن يجعلهم من الشاهدين وهم رسول الله محمد ﷺ وأمته الذين يشهدون للأنبياء

стр. 15

والرسل صلوات الله وسلامه عليهم بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة، قال في الفتوحات الإلهية “قوله ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق، واتبعوا أمرك ونهيك، فاثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به” ١. وأياً كان فإن سؤالهم لربهم كان بالإيمان والاتباع، واتباع الرسول ﷺ من أعظم ما يتقرب به إلى الله ، ويتوسل به إليه لغفران الذنوب وتكفير السيئات، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.وفي آخر سورة آل عمران نجد مشهداً مؤثراً يذكره الله عن أولئك المؤمنين أولي الألباب الصحيحة، والعقول الراجحة إنه مشهد الضراعة والتذلل الذي ينمّ عن الخشوع، والخشية والإنابة، قال ﵎ حكاية عنهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٣ وهذه التوسلات الضارعة الصادرة عن قلوب منيبة خاشعة، إنما كانت توسلاً بسرعة الاستجابة لداعي الله دونما تردد ولا تلكؤ، فما أن سمعوا الداعي حتى آمنوا بربهم إيمانا راسخاً دعاهم إلى هذا الابتهال الدالّ على عظيم خوفهم من ربهم، وكبير رجائهم وطمعهم في

стр. 16

والرسل صلوات الله وسلامه عليهم بأداء الأمانة وتبليغ الرسالة، قال في الفتوحات الإلهية “قوله ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق، واتبعوا أمرك ونهيك، فاثبت أسماءنا مع أسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به” ١. وأياً كان فإن سؤالهم لربهم كان بالإيمان والاتباع، واتباع الرسول ﷺ من أعظم ما يتقرب به إلى الله ، ويتوسل به إليه لغفران الذنوب وتكفير السيئات، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.

стр. 17

توسل الصحابة رضي الله عليهم ... وقال تعالى حكاية عن أصحاب رسول الله ﷺ عند ما أعلنوا استسلامهم لأمر الله ، واستعدادهم التام للمسارعة إلى ما يطلب منهم ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ١ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (وقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه ﴿غفرانك ربّنا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف) ٢، فقولهم غفرانك كأنهم قالوا: اغفر لنا ياربنا لاستجابتنا لك واستسلامنا لأمرك، وطاعتنا لك فيما تطلبه منا. وقال حكاية عن المتقين ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٣، فكأنهم قالوا بإيماننا بك يا ربنا وتصديقنا بما أمرتنا فاغفر لنا ذنوبنا وأعذنا من عذاب النار.

стр. 18

توسل الحواريين ... وفي قوله تعالى حكاية عن الحواريين أتباع عيسى ﵇: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٤ فهؤلاء الحواريون من أنصار عيسى ﵇ توسلوا إلى الله بإيمانهم الصادق، واتباعهم لرسوله عيسى ﵇ ليجعلهم الله تعالى من الشاهدين الذين يشهدون لله بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة والبلاغ، أو أنهم دعوا الله أن يجعلهم من الشاهدين وهم رسول الله محمد ﷺ وأمته الذين يشهدون للأنبياء

стр. 19

توسل أولي الألباب ... وفي آخر سورة آل عمران نجد مشهداً مؤثراً يذكره الله عن أولئك المؤمنين أولي الألباب الصحيحة، والعقول الراجحة إنه مشهد الضراعة والتذلل الذي ينمّ عن الخشوع، والخشية والإنابة، قال ﵎ حكاية عنهم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٣ وهذه التوسلات الضارعة الصادرة عن قلوب منيبة خاشعة، إنما كانت توسلاً بسرعة الاستجابة لداعي الله دونما تردد ولا تلكؤ، فما أن سمعوا الداعي حتى آمنوا بربهم إيمانا راسخاً دعاهم إلى هذا الابتهال الدالّ على عظيم خوفهم من ربهم، وكبير رجائهم وطمعهم في

стр. 20

رحمة ربهم، وإنّ المتأمل في هذا الدعاء ليستشعر اليقين الذي ملأ قلوبهم، والذل والاستكانة التي ملأت نفوسهم وهم يبتهلون ضارعين مستنجزين ربهم جل شأنه ما وعدهم من إجابة دعائهم، وغفران ذنوبهم وإجارتهم من دخول النار، وإدخالهم في رحمته ١، وأن يتوفاهم مع الأبرار لينزلوا منازلهم، ويكونوا في جوار ربهم، وكل ذلك كان ثمرة تفكرهم في مخلوقات الله تعالى، ذلك التفكير الذي هداهم إلى الإيمان بربهم، وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق بجلاله وعظمته، وأنه جل وعلا لم يخلق الخلق باطلاً، ولم يوجدهم عبثاً، فهو المنزه عن العبث، بل له الحكم البالغة والأسرار العظيمة التي اقتضت إيجاده هذا الخلق العظيم. فهذا توسل بسرعة الاستجابة لداعي الله ، واتباعه، كما أنه توسل بالإيمان بالرب جل وعلا، وتوسل بصفة عظيمة من صفات الله وهو عدم إخلافه ﵎ لما وعد به عباده المؤمنين، فهذه كلها توسلات صحيحة، دلّ كتاب الله على مشروعيتها، ومحبة الله لعباده أن يتوسلوا إليه بها.

стр. 21

التوسل الذي أمر به النبي ﷺ ... هذا وإن أعظم ما يتوسل به المرء من الأعمال الصالحة بعد توحيده لربه إنما هو الصلاة، التي تجمع بين أنواع من العبادة، فهي تشتمل على تلاوة القرآن، وعلى ذكر الله ، وعلى الركوع، والسجود، والدعاء، والتذلل، والخشوع، والإنابة، والرجاء، والتضرع، والاستكانة؛ فلذا كانت من أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه جل وعلا، وحقّ للمصلي أن يدعو مولاه، وأن يستجيب

стр. 22

له ربه، قال الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ ١ إنه دعاء أمر به الرسول ﷺ بعد أن أمر بإقامة الصلوات الخمس، وقيام الليل يتلو كتاب ربه متهجداً به، ضارعاً إليه ليكون ذلك موصلاً له إلى ذلك المقام المحمود الذي يحمده عليه الخلائق أجمعون، وهو مقام الشفاعة العظمى التي لا يتقدم لها يوم القيامة أحد سواه صلوات الله وسلامه عليه ٢. فهذا أمر من الله لرسوله ﷺ ، وهو تعليم للأمة يدلّ على أن الصلوات المفروضة من أعظم ما يتوسل به العبد إلى ربه ﵎، ومن أعظم ما يتوسل به العبد بعد الصلوات المفروضة إنما هو قيام الليل، حيث يستيقظ العبد في جوف الليل تاركاً لذيذ منامه ليناجي ربه، ويتضرع إليه. ومن أعظم ما يتوسل به كذلك قراءة القرآن الكريم، وخاصة في صلاة الفجر، ذلك الوقت الذي تشهده الملائكة الحفظة ﵈ الذين يكتبون أعمال بني آدم ٣.

стр. 23

توسل كليم الله موسى ﵇ ... وهنالك موقف جليل من مواقف كليم الله موسى على نبينا وعليه

стр. 24

الصلاة والسلام، وذلك عند ما أمره الله ﵎ أن يذهب إلى فرعون الطاغية ليدعوه إلى توحيد الله ، وترك ما عليه من الشرك وادعاء الألوهية، وليخلص بني إسرائيل من العذاب المهين، ويرسلهم معه، فبادر موسى ﵇ بالاستجابة لأمر ربه، وقال مستعينا على ما كلّف به: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ ١ فهذا توسل الكليم ﵇، إنه توسل بسرعة استجابته لأمر الله بالذهاب إلى فرعون، وجعل قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً. وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ علّة لدعائه بإشراك أخيه هارون في الرسالة، وكأنه طلب إجابة دعائه ليكون وأخوه من الذاكرين الله كثيرا الذي لا يشغلهم شيء عن ذكر مولاهم، وهذا هو التوسل الصحيح بالذكر والدعاء، ولذا استجاب الله دعاءه، قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ وجدير بمثل هذا الدعاء المتضمن للتوسل الصحيح أن يجاب، ولصاحبه أن لا يخيب.

стр. 25

التوسل ببر الوالدين ... ومن مواقف التوسل المشروع الذي عرض له كتاب الله موقف من هو صالح بارّ بوالديه، قال الله ﵎ ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٢ إنه حال رجل عرف إنعام ربه عليه، فهو يرى نعم الله عليه تترى،

стр. 26

وإحسانه لا ينقطع، فيلهج لسانه بالتضرع والدعاء أن يلهمه شكر نعمه التي أنعمها عليه وعلى والديه، وأن يوفقه للعمل الصالح الذي يرضاه جل وعلا، وأن يصلح في ذريته ليكونوا عبادا صالحين مثله، يطيعون ربهم، ويعمرون الأرض بالصالحات، فتوسل إلى ربه جل وعلا بتوبته إليه، وندمه على تقصيره وتفريطه، وإقراره بذنبه، وتوسل إليه بأنه مستسلم لأمره، خاضع لطاعته، مخلص له العبادة، وإنه لتوسل من أعظم التوسلات؛ إذ توسل بإقراره بنعم ربه عليه، وشكره لأنعمه، وطلب العون من ربه على شكره، وحسن عباده، وصلاح ذريته، وهذا التوسل بالخطأ والإقرار بالذنب، والندم على الزلة، وأخيراً التوسل بالاستسلام التام لله رب العالمين، ولهذا كان عاقبة هذا التوسل ما قاله ربنا جل وعلا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ١.

стр. 27

التوسل بالصبر ... ومن التوسل المشروع التوسل إلى الله تعالى بالصبر على ما يصاب به المؤمن ويبتلى به من تسلّط أعداء الله عليه، وإذاقته صنوف العذاب ليردّوه عن دينه، ويفتنوه في إيمانه، يقول الله تعالى حاكيا عن سحرة الأقباط الذين أعلنوا إيمانهم بين يدي فرعون عليه لعائن الله ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ. وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ٢ إنه لموقف عظيم لا يقفه إلا من قد ملأ الإيمان قلبه، وخالطت بشاشته فؤاده، موقف الثبات على الإيمان رغم هذا الوعيد الشديد،

стр. 28

والتهديد الأكيد الذي صدر من طاغية قادر لا يتورع عن إيذاء من لا ذنب له، فكيف بمن كفر به، وأعلن خروجه عن ولائه، وسيؤثر موقفه في النظارة الحاضرين؛ إذ يزعزع إيمانهم بفرعون، ويكشف كذبه وافتراءه في ادعائه الربوبية، ويفضح زيفه في ادعاء الألوهية. ولعلم أولئك المؤمنين بصدقه في وعيده، وأنه سيفعل ما قال دون تردد أظهروا ثباتهم، وعدم تراجعهم ولو كلفهم ذلك أرواحهم، فلذا دعوا الله أن يفرغ عليهم الصبر، ويعمهم به ليثبتوا على دينهم، ولا يرتدوا عنه، وسألوا ربهم جل وعلا أن يتوفاهم على الإسلام ليكون ذلك سببا لنجاتهم من عذاب هو أشد من عذاب فرعون، وليكون سببا في رضا الله عنهم، ومن ثم دخولهم الجنة دار رحمته. إن هذا الموقف من مواقف التوسل إلى الله بالإيمان به، والثبات على الإيمان، موقف الراغبين فيما عند الله ، الذين لا يؤثرون شيئاً في هذه الحياة الدنيا على مرضاة ربهم ولو كان في ذلك إزهاق لأرواحهم، وإتلاف لنفوسهم؛ ألا ما أجّله من موقف!، وما أعظمه من درس ينبغي أن يحتذيه كل من يريد أن يتوسل إلى ربه ؛ إن التوسل لله لا يكون إلا بعمل صالح، وجهد يقوم به المرء يبتغي به وجه ربه، لا توسل العاجزين الذين يتطلعون إلى أعمال غيرهم، ومنازل سواهم، فيتوسلون بها ـ إنها وسيلة غير نافعة، وطريق مقطوع لا يصل به صاحبه إلى مراده.

стр. 29

التوسل بالجهاد في سبيل الله ... هذا وإن من أعظم ما يتوسل به العبد إلى ربه هو جهاده في سبيل إعلاء كلمته، وثباته في القتال، وصبره على ما يصيبه في سبيل الله ، وعدم استكانته وضعفه في مواطن الابتلاء، وإنا لنلمس ذلك فيما حكاه الله عن الربانيين الصالحين أتباع النبيين قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ

стр. 30

فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١. فهذه الآيات المباركات، والآيات التي قبلها في سورة آل عمران فيها تعريضٌ وعذلٌ وعتابٌ لمن انهزم يوم أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح أن محمداً قد قتل، وكذا أولئك الذين نزلوا من الجبل، وتركوا الموقع الذي أمرهم رسول الله ﷺ بملازمته وعدم تركه كائنا ما كان ٢، فالآيات بين الله فيها ثبات هؤلاء الربانيين الصابرين المحسنين، إذ خرجوا للجهاد في سبيل الله مع أنبيائهم فثبتوا ولم يفروا، ولم يصبهم وهنٌ ولا ضعفٌ، ولا ذلوا لأعدائهم، وما كان هجيراهم إذ ذاقوا ألم القتال، ومرارة المواجهة مع أعداء الله إلا أن قالوا ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إنهم توسلوا إلى الله بخروجهم للجهاد في سبيل إعلاء كلمته طالبين مغفرة ذنوبهم، والثبات في ذلك الموطن الشديد، والنصر على أعدائهم الكافرين، إنه لتوسل صحيح يصل به صاحبه إلى مقصده، ولذا أجاب الله دعاءهم بما أرادوا ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي بالنصر والظفر على أعدائهم، ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ وهو النعيم المقيم في الجنة، فكانت الخاتمة الحميدة جزاءهم دنيا وأخرى ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . وهذا الموطن من مواطن التوسل شبيه بما وقع من أصحاب طالوت ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ

стр. 31

يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١. إنه لمشهد مؤثر يحكي الله فيه حال هؤلاء الصابرين الذين اجتازوا الامتحان الذين ابتلوا به، إذ سلط عليه العطش الشديد والماء بين أيديهم، فنهوا عن الشرب من النهر إلا غرفة واحدة بيد الشارب ثم يمسك، فلم ينجح في هذا الامتحان سوى ثلاثمائة وبضع عشرة رجلاً ٢ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ ذلك أنهم رأوا قلة عددهم وكثرة عدوهم فهالهم ذلك الأمر، فما كان من علمائهم الذين يدركون بأن وعد الله لهم بالنصر حقٌّ، ولن يخلف الله وعده، فالنصر من عند الله ، وكثيرا ما غلبت فئةٌ قليلةٌ جماعةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين، أي بنصره ومعونته وتأييده، وهذا حثٌّ منهم لهم على الصبر لأنه من أعظم مقومات النصر، وهنا أقدم المؤمنون على القتال، وبرزوا لجالوت وجنوده، و ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ هكذا عند ما تركوا الشرب مع عظيم العطش والحاجة إلى الماء، وأقدموا على لقاء العدو، وبرزوا له غير خائفين، عند ما قدموا هذه الوسائل التي تقربهم من ربهم دعوا الله بأن ينزل عليهم الصبر، وأن يثبت أقدامهم في لقاء العدو لئلا يجبنوا

стр. 32

ويفروا، وأن ينصرهم على القوم الكافرين، فأجاب الله دعاءهم، وهزم أعداءهم، وحقّ لدعاءٍ يتقدمه مثل هذا التوسل الصحيح أن يجاب.

стр. 33

التوسل بالتوبة ... هذا وإن من التوسلات الصحيحة توسل المعترف بذنبه، العائد إلى ربه، المقر بخطئه، توسل المنكسر بين يدي ربه، المستحي من زلته وخطيئته، يقول الله جلت قدرته حكايةً عن كليمه ﵇ ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ١ إن موسى ﵇ ما أن ضرب ذلك القبطي بجمع كفيه، أو بعصا كانت في يده حتى سقط قتيلاً بفعل تلك الضربة القوية، علما بأن موسى ﵇ لم يرد قتله، وما أن سقط ميتاً حتى تنبه إلى عمله هذا الذي كان بسبب الشيطان إذ هيّج غضبه حتى ضرب القبطي فقضى عليه، وهنا ندم كليم الرحمن ﵇ فبادر بالتوبة إلى ربه مظهراً تألمه لما وقع منه، معترفا بتسرعه وخطئه ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ إنه موقف ذليل منكسر بين يدي ربه، موقف من أسقط في يديه، فلم يجد غير باب ربه يطرقه راجياً عفوه وصفحه، فلم يخب رجاؤه في ربه ﴿فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٢.

стр. 34

توسل آدم وحواء ﵉ ... ويذكرنا حال موسى ﵇ هذا بحال أبينا آدم ﵇، قال الله ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا

стр. 35

وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، إن آدم وحواء ﵉ لما تمكن إبليس عدو الله من أن يغرّهما ويخدعهما بمعسول القول، ولم يكونا ليتصورا أن يقسم أحد بالله وهو كاذب، فانخدعا به؛ لأنه حلف لهما، وأكلا من الشجرة، وما أن أكلا منها حتى بدت عوراتهما، فأخذا من ورقة الجنة يلزقان بعضها إلى بعض لستر سوآتهما، وناداهما ربهما ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ٢ وهنا انقشعت غمامة الغفلة عنهما، وأدركا عظيم ما صنعا، وأنهما قد عصيا ربهما بطاعتهما لعدو الله إبليس، فندما غاية الندم وقالا ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣ وإن القارئ للآية ليشعر بحرارة الأسى، وعظيم الندم من آدم وزوجه ﵉، ويتبين من كلامهما استسلامهما وانكسارهما بين يدي ربهما، طالبين المغفرة والرحمة، وإلا كانا من الخاسرين لأنفسهم بظلمهم وعصيانهم، إنه موقف النادم على المعصية، العائد إلى ربه، المعترف بذنبه، المتذلل بين يدي مولاه يطلب رحمته وصفحه، وحق لمن كان بهذه الحال أن يعفى عنه، وأن يتجاوز عن سيئاته؛ فإنه قد توسل توسلاً صحيحاً، وولج البيوت من أبوابها قال ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٤.

стр. 36

توسل إبراهيم ﵇ ... وفي سورة إبراهيم دعوات توجه بها إبراهيم الخليل ﵇ إلى ربه ضارعاً خاشعاً متذللاً، وإن التالي لكتاب الله ليحس أن تلك ١ الأعراف: ١٩-٢٢.

стр. 37

الدعوات إنما تخرج من أعماق قلب الخليل ﵇، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ١ إن إبراهيم الخليل ﵇ في دعائه هذا ليتوسل إلى ربه بتوحيده له، ويسأله أن يثبته على التوحيد، وأن يبعده وبنيه عن عبادة الأصنام، ويتوسل كذلك بطاعته لربه واستجابته لأمر مولاه إذ أمره أن يسكن ابنه إسماعيل وزوجه هاجر ﵉ في ذلك المكان القفر الموحش الذي لا أنيس به ولا جليس، وفي ذلك الوادي الذي لا زرع فيه ولا ثمر، عند بيت الله المحرم، وأنه فعل ذلك رجاء أن يحيوا مؤمنين طائعين مقيمين للصلاة، ولذلك أسكنهم عند البيت المحرم، وبناءً على ذلك دعا الله أن يهيئ أناساً ليؤنسوا وحدتهم، وأن ييسر أمر معيشتهم، وأن يرزقهم من جميع أنواع الثمار، وأصنافه، رجاء أن يشكروا الله تعالى على إنعامه وإفضاله، ثم يتوسل إلى الله بعلمه بكل شيء، وأنه لا يفوت علمه شيء من ذلك، لقد توسل إلى الله تعالى بتلك البواعث والمقاصد التي دعته إلى أن يسكن ذريته تلك الديار الموحشة في ذلك الوقت، ولا ريب أن الله يعلم صدقه وإخلاصه وانقياده لأمر ربه تعالى، وهذا توسل بالإخلاص

стр. 38

النفس لتذعن لأمر الله ، وإن كان في ذلك ما لا ترغب فيه ولا تريده، وفي قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ توسل بشكره لربه على أن وهبه الذرية بعد أن يئس منها، وانقطع رجاؤه، وتوسّل بكون ربه سميع دعاء من يدعوه، ومجيب رجاء من يرجوه، وأخيراً يختم دعاءه مبتهلاً إلى ربه ليجعله وذريته مقيمين للصلاة، محافظين عليها وعلى حدودها، ليتحقق بذلك ما أراده من إسكان بعض ذريته في ذلك الوادي المبارك، ويسأل ربه أن يقبل دعاءه، وأن يغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين يوم القيامة، حيث يحاسب الله الخلائق على ما قدموا.

стр. 39

توسل أصحاب الكهف ... وهنالك موقف رائع من مواقف التوسل إلى الله تعالى، ألا وهو موقف الفتية أصحاب الكهف، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً. هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ ١، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: “وقوله ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيّئ لنا من أمرنا رشداً﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجؤوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين الله تعالى رحمته ولطفه بهم ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي

стр. 40

أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ أي وقدّر لنا من أمرنا رشداً (هذا) ١، أي اجعل عاقبتنا رشداً كما جاء في الحديث “وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً”٢ وفي المسند من حديث بسر بن أرطأة أن رسول الله ﷺ كان يدعو “اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة”٣ وقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة، (ثم بعثناهم) أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاما يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي المختلفين فيهم ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ قيل: عددا، وقيل: غاية ... ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من هنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أمثل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل ... وقال مجاهد: (بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة يعني الحلق، فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي اعترفوا له بالواحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً﴾ ولن لنفي التأبيد، أي لا يقع منا هذا أبداً لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ أي باطلا وكذباً وبهتاناً ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ يقولون بل
следующие страницы →