← Акыда

Акыда · id 10320

التوسل في كتاب الله عز وجل

طلال بن مصطفى عرقسوس

Полный текст (76 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

توسل إبراهيم ﵇ ... وفي سورة إبراهيم دعوات توجه بها إبراهيم الخليل ﵇ إلى ربه ضارعاً خاشعاً متذللاً، وإن التالي لكتاب الله ليحس أن تلك ١ الأعراف: ١٩-٢٢.

стр. 37

الدعوات إنما تخرج من أعماق قلب الخليل ﵇، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ١ إن إبراهيم الخليل ﵇ في دعائه هذا ليتوسل إلى ربه بتوحيده له، ويسأله أن يثبته على التوحيد، وأن يبعده وبنيه عن عبادة الأصنام، ويتوسل كذلك بطاعته لربه واستجابته لأمر مولاه إذ أمره أن يسكن ابنه إسماعيل وزوجه هاجر ﵉ في ذلك المكان القفر الموحش الذي لا أنيس به ولا جليس، وفي ذلك الوادي الذي لا زرع فيه ولا ثمر، عند بيت الله المحرم، وأنه فعل ذلك رجاء أن يحيوا مؤمنين طائعين مقيمين للصلاة، ولذلك أسكنهم عند البيت المحرم، وبناءً على ذلك دعا الله أن يهيئ أناساً ليؤنسوا وحدتهم، وأن ييسر أمر معيشتهم، وأن يرزقهم من جميع أنواع الثمار، وأصنافه، رجاء أن يشكروا الله تعالى على إنعامه وإفضاله، ثم يتوسل إلى الله بعلمه بكل شيء، وأنه لا يفوت علمه شيء من ذلك، لقد توسل إلى الله تعالى بتلك البواعث والمقاصد التي دعته إلى أن يسكن ذريته تلك الديار الموحشة في ذلك الوقت، ولا ريب أن الله يعلم صدقه وإخلاصه وانقياده لأمر ربه تعالى، وهذا توسل بالإخلاص

стр. 38

النفس لتذعن لأمر الله ، وإن كان في ذلك ما لا ترغب فيه ولا تريده، وفي قوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ توسل بشكره لربه على أن وهبه الذرية بعد أن يئس منها، وانقطع رجاؤه، وتوسّل بكون ربه سميع دعاء من يدعوه، ومجيب رجاء من يرجوه، وأخيراً يختم دعاءه مبتهلاً إلى ربه ليجعله وذريته مقيمين للصلاة، محافظين عليها وعلى حدودها، ليتحقق بذلك ما أراده من إسكان بعض ذريته في ذلك الوادي المبارك، ويسأل ربه أن يقبل دعاءه، وأن يغفر له ولوالديه ولجميع المؤمنين يوم القيامة، حيث يحاسب الله الخلائق على ما قدموا.

стр. 39

توسل أصحاب الكهف ... وهنالك موقف رائع من مواقف التوسل إلى الله تعالى، ألا وهو موقف الفتية أصحاب الكهف، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً. هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ ١، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: “وقوله ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربّنا آتنا من لدنك رحمةً وهيّئ لنا من أمرنا رشداً﴾ يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم، فلجؤوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين الله تعالى رحمته ولطفه بهم ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي

стр. 40

أي هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها، وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ أي وقدّر لنا من أمرنا رشداً (هذا) ١، أي اجعل عاقبتنا رشداً كما جاء في الحديث “وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً”٢ وفي المسند من حديث بسر بن أرطأة أن رسول الله ﷺ كان يدعو “اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة”٣ وقوله ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾ أي ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة، (ثم بعثناهم) أي من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاما يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي المختلفين فيهم ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً﴾ قيل: عددا، وقيل: غاية ... ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من هنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أمثل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل ... وقال مجاهد: (بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة يعني الحلق، فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي اعترفوا له بالواحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً﴾ ولن لنفي التأبيد، أي لا يقع منا هذا أبداً لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ أي باطلا وكذباً وبهتاناً ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ يقولون بل

стр. 41

هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ أي وإذ فارقتموهم، وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله ففارقوهم أيضاً بأبدانكم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقاً﴾ أي أمراً ترتفقون به” اهـ ١. وهكذا نرى هؤلاء الفتية المؤمنين لم يرضوا ما عليه قومهم من الشرك بالله تعالى، فوحدوا الله تعالى، وتركوا عبادة غيره، ولما أراد قومهم أن يفتنوهم عن دينهم خرجوا فارين بدينهم لا يلوون على شيء، ودخلوا الكهف، وعندئذ قالوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ فهؤلاء الفتية توسلوا إلى الله تعالى بتوحيدهم لله وتركهم عبادة غيره، واعتزالهم لقومهم، وفرارهم بدينهم، وبعد أن قدّموا هذه الوسائل الصحيحة المقبولة دعوا الله وهم واثقون من إجابته دعاءهم، وقد استجاب تعالى دعاءهم فعمّى عنهم أعين طالبيهم من قومهم، ولبثوا في كهفهم ما ينيف على ثلاثمائة عام وهم نيام لا يمسهم سوء ٢، ولا يشعر بهم أحد. وإن التالي لقصصهم ليشعر بقوة يقين هؤلاء الفتية، وثقتهم بربهم ، وعظيم توكّلهم عليه جل وعلا ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ إن موقف هؤلاء الفتية موقف يثير العجب، ويبعث على التأمل، موقف ينبغي أن يدرس لطلابنا في مدارسهم ليكون لهم بهؤلاء الأبطال الذين آثروا الفرار بدينهم، والثبات عليه على الراحة التي كانوا فيها، والرغد الذي عاشوا

стр. 42

عليه، والترف الذي تربوا فيه، وفارقوا أهليهم وديارهم طمعا في رحمة ربهم، ونجاة أنفسهم من سخط الله ، إذ لو بقوا مع قومهم لهلكوا وخسروا، ولكن أراد الله بهم خيراً فآثروا ما عند الله وإن كان آجلاً على الراحة العاجلة الزائلة فنجوا بذلك، وفازوا برحمة الله.

стр. 43

التوسل بالأسماء والصفات إن مما يستدعي التدبر والتأمل قول الله حكاية عن موسى وهارون ﵉ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ١ فهذا كليم الله موسى ﵇ عند ما كان على موعد مع ربه ﵎، فذهب إليه ومكث أربعين يوما، وعاد إلى قومه، فوجد قومه قد غيروا ما كانوا عليه من التوحيد، وعبدوا العجل، وذلك بتسويل وتزيين السامري لهم ذلك، حيث صنع لهم عجلاً جسداً له خوار؛ ذلك العجل الذي صنعه من الذهب الذي أخذوه من القبط قبل خروجهم من مصر، وخلطه بتراب من أثر الرسول (جبريل ﵇ ، وكان يصدر صوتا، وأصبح فتنة لهم، فعبدوه وقالوا ما حكاه الله عنهم: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ٢. هذا وقد حاول هارون ﵇ أن يثنيهم عن عزمهم الباطل فلم يفلح، وأصروا على شركهم، فلما رأى موسى ﵇ وقد تغير حال قومه من توحيد، إلى شرك ألقى الألواح التي فيها التوراة، وأمسك برأس أخيه هارون يجره إليه؛ فقال له: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ٣ وقال له: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي

стр. 44

فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١. وهنا تبين موسى ﵇، وعلم أن أخاه هارون بريء من عمل قومه، وأنه لم يأل جهدا في تذكير قومه، وتحذيرهم مما هم عليه، فما كان منه ﵇ إلا أن توجه إلى ربه جل وعلا بالدعاء قائلا: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢ ألا ما أعظمه من دعاء توسّل به موسى ﵇ فيه ـ بكون الله هو أرحم الراحمين ـ بأن يغفر له ولأخيه ما قد يكون فرط منهما من تقصير في جانب ربهم والدعوة التي كلّفا به، وأن يدخلهما في رحمته التي وسعت كل شيء، فلا يؤاخذهما بما اقترف قومهم وافتروه على الله . وبعد أن بين الله جزاء الذين اتخذوا العجل، وأنه يتوب على من تاب، يقول : ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ ٣ إن موسى ﵇ يتوسل إلى ربه بكونه وليا له ولعباده الصالحين، أي متوليهم بعنايته ورعايته ونصره وتأييده، ويتوسل بذلك ليغفر لهم ما فرط من طلب أصحابه الذين اختارهم ما لاينبغي لهم، وليرحمهم، وتوسل أيضا بكون الله هو خير الغافرين، أي هو خير من يعفو عن عباده، ويصفح عن زلاتهم، ويستر خطاياهم، إنه لتوسل من أعظم أنواع التوسلات الصحيحة إلى

стр. 45

الله ، إنه توسل بولاية الله لعبده، وبصفة غفرانه لذنوب عباده، وتجاوزه عن سيئاتهم. ثم دعا الله أن يكتب لهم في هذه الدنيا حسنة، وحسنة الدنيا تشمل كل ما يَسُرُّ الإنسان ويرتفق به، ويحتاجه الإنسان مما هو طيب صالح، وأن يكتب لهم في الآخرة حسنة، وحسنة الآخرة الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية، وتوسل إلى الله بقوله ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْك﴾ أي تبنا إليك، ورجعنا إليك، نادمين على ما وقع منا ومن سفهائنا، فلا تؤاخذنا بسيئات أعمالنا، ولا بتقصيرنا وتفريطنا. إنه لتوسل من أعظم أنواع التوسل الصحيح إلى الله ، إنه توسل بولاية الله تعالى، أي توليه لعبده وإعانته له، وهو توسل بكونه محبوباً لله ؛ إذ لا ولاية بغير محبة، وهو توسل بصفة غفران الله لذنوب عباده، وتجاوزه عن سيئاتهم، فهو خير من يغفر لعباده، وتوسل بالتوبة والعودة إليه، وترك ما لا يريده ولا يحبه ، وقد بدأ دعاءه بالتوسل برحمته كذلك، فما أعظمه من توسل، وما أجمله وما أحسنه، وما أحراه بالإجابة.

стр. 46

توسل إبراهيم وإسماعيل ﵉ ... هذا وإن من المواقف المؤثرة الدالة على التوسل الصحيح المقبول موقف إبراهيم وإسماعيل ﵉ عند ما أخذ إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ يرفعان قواعد البيت، ويبنيانه امتثالاً لأمر ربهما، فإنهما انتهزا فرصة هذا العمل المبارك الكريم الذي يعد من أعظم القربات وأفضل الطاعات، توسلا إلى الله بها إذ أخذا يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١ أي تقبل منا يا ربنا هذا العمل الصالح الذي أمرتنا به، وسارعنا إلى امتثاله، فتقبله منا، فإنك يا ربنا أهل لإجابة دعائنا لأنك أنت السميع لدعاء عبادك، العليم

стр. 47

بأحوالهم وحوائجهم، فتجيبهم إليها وتمنحهم إياها، ثم توسلا إلى الله تعالى بتوبتهم إذ قالا ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١ أي واقبل توبتنا إليك فإنك أنت قابل التوبة من عبادك؛ لأنك التواب ذو الرحمة العظيمة التي وسعت كل شيء، وهكذا نرى الخليل وابنه إسماعيل ﵉ توسلا إلى الله تعالى بسرعة استجابتهما لأمر الله ، وتلبيتهما لأمره ببناء البيت الحرام، وتقاولا هذا الدعاء العظيم الذي توسلا فيه أيضاً بأسماء الله الحسنى، وصفاته العليا؛ إذ توسلا بالتواب الرحيم السميع العليم – وجعلا في كل موضع ما يناسبه فقد طلبا القبول توسلاً بسمع الله تعالى وبعلمه؛ لأنه يسمع دعاءهما ويعلم ما هما في شأنه من بناء الكعبة المشرفة، وعند طلب قبول التوبة توسلا بالتواب الرحيم، وهو ما يناسب هذا الحال.

стр. 48

توسل أيوب ﵇ ... ومن مواقف التوسل التي حكاها كتاب الله تعالى ما في سورة الأنبياء، وبدئت بموقف أيوب ﵇ لما ابتلي بما ابتلي به، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢ إنه موقف الشاكي إلى ربه، الذي يسترحم ربه بأسلوب يَنِمُّ عن غاية التضرع ونهاية التذلل والمسكنة لله رب العالمين رب إني مسني الضر أي فلا كاشف له غيرك، ولا مزيل له سواك، وتوسل إليه تعالى بأنه جل وعلا هو أرحم الراحمين، فلا توجد رحمة أتم ولا أكمل ولا أجمل من رحمة الله بعباده. ولما كان دعاؤه دعاء المتضرع الخائف الذليل الموقن بإجابة ربه له قال : ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ بل وزاده الله ، وأعطاه أكثر مما طلب ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ إنه موقف فيه

стр. 49

ذكرى عظيمة، وموعظة كبرى للعابدين المخلصين الصادقين الصابرين الصالحين ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ نعم إن الصالحين يستحقون رحمة الله الشاملة، فمن أراد أن يكون من أهل رحمة الله تعالى فليقتد بهؤلاء الأنبياء ﵈ في صبرهم وصلاحهم.

стр. 50

توسل يونس ﵇ ... ويمضي السياق الكريم فيذكر موقف يونس ﵇ بقوله ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: “هذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات٣ وفي سورة ن ٤، وذلك أن يونس بن متى ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل٥، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه، وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أنّ النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم، وأنعامهم، ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها ٦، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ

стр. 51

آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١. وأما يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت٢ بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضاً فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ ٣ أي وقعت عليه القرعة فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر ـ فيما قاله ابن مسعود ـ حوتاً يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحماً، ولا تهشم له عظماً ٤، فإن يونس ليس لك رزقاً وإنما بطنك تكون له سجناً. وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً﴾ قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ٥ وقال

стр. 52

عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ ، أي نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر: فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يكن ذلك الأمر ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ ١ أي قدّر. ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل٣“ وهنالك دعا يونس ﵇ قائلا ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنها دعوة تائب منيب إلى ربه، معترفٍ بخطئه، وقدّم بين يدي اعترافه بذنبه توحيد ربه بقوله ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ فهذا إقرار موقن بوحدانية ربه ﵎، ثم قال ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي أنزهك وأقدسك عما لا يليق بجنابك وبعظمتك، وبعد هذا التوسل العظيم، قدم أيضا إقراره بخطئه قائلا: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بفعل ما لا ينبغي فعله، وإنه لتوسل من أعظم أنواع التوسلات، فكان أن أجاب الله دعاءه، قال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ولذا قال رسول الله ﷺ “دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٥ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في

стр. 53

شيء قط إلا استجاب له” رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة ١.

стр. 54

توسل زكريا ﵇ ... ويمضي السياق الكريم أيضاً فيقول تعالى ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٢ قال ابن كثير رحمه تعالى “يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولداً يكون من بعده نبياً، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم ٣ وفي سورة آل عمران أيضاً ٤، وههنا أخصر منها ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي خفية عن قومه ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي لا ولد لي، ولا وارث يقوم بعدي في الناس ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي امرأته، قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: “كانت عاقراً لا تلد فولدت”. وقال عبد الرحمن بن مهدي عن طلحة بن عمرو عن عطاء: “كان في لسانها طول، فأصلحها الله” وفي رواية: “كان في خلقها شيء فأصلحها الله” وهكذا قال محمد بن كعب والسدي، والأظهر من السياق الأول، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي في عمل القربات، وفعل الطاعات ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ قال الثوري: رغباً فيما عندنا ورهبا مما عندنا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس “أي مصدقين بما أنزل الله”، وقال مجاهد: “مؤمنين حقاً”، وقال أبو العالية: “خائفين”، وقال أبو سنان: “الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبداً” وعن مجاهد أيضاً:

стр. 55

“خاشعين أي متواضعين”، وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: “خاشعين أي متذللين لله ” وكل هذه الأقوال متقاربة” ١. وهكذا نرى زكريا ﵇ وقد دعا ربه متوسلا بكونه سبحانه هو خير الوارثين، مع ما في دعائه من التذلل والخضوع والخشوع، والاستسلام لله ، وإظهار حاجته وافتقاره إلى ربه ﵎، وشفع له ما سبق من هذه الأسرة من مسارعتهم في عمل القربات والطاعات، وكثرة دعائهم لربهم راغبين فيما عنده من الخير العميم في الدنيا والآخرة، خاشعين لعظمته، خاضعين لجلاله. وإنه لجدير بمن كان بهذه الصفات أن يجاب دعاؤه؛ وأن لا يخيب رجاؤه لربه ، ويلاحظ أن ما في هذه الآيات بيان عملي لما في قوله جلت قدرته ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢. هذا وإن تفصيل دعوة زكريا ﵇ في سورة مريم إذ يقول جل وعلا ﴿كهيعص. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ ٣ فهذا نبي الله زكريا ﵇ داهمه الكبر، فرقّ عظمه، واضطرم الشيب برأسه، فانتشر الشيب فيه كاشتعال النار في الهشيم، ولم يولد له؛ إذ امرأته عاقر لا تلد، وخشي على قومه من بعده أن يتصرف فيهم مواليه وعصبته تصرفاً سيئاً، فيكون فتنة لهم، فدعا الله أن يهب له ولداً يرثه العلم

стр. 56

والنبوة، والقيام على شئون قومه، ولذا سأل الله أن يكون الولد الذي يهبه إياه رضيا أي مرضيا عند ربه ، وعند خلقه، يحبه الله لقيامه بطاعته، ويحبه خلق الله لكمال دينه، وحسن خلقه، وقدّم بين يدي دعائه ما عهده من إجابة الله دعاءه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “وأما قول زكريا ﵇ ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ فقد قيل: إنه دعاء المسألة، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك، ولم تشقني بالردّ والحرمان، فهو توسل إلى الله تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه، كما حكي أن رجلاً سأل رجلاً وقال: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا وكذا، فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حاجته، وهذا ظاهر هنا، ويدل عليه أنه قدّم ذلك أمام طلبه الولد، وجعله وسيلة إلى ربه، فطلب منه أن يجاريه على عادته التي عوّده من قضاء حوائجه، وإجابته إلى ما سأله” ١.

стр. 57

توسل من جاء بعد الصحابه رضوان الله عليهم ... لقد أثنى الله ثناء جميلاً على المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذا الأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان ﵃ جميعاً، ثم ذكر الله أهل الإيمان الذين جاءوا من بعدهم ممن اتبعهم واقتفى أثرهم بإحسان فقال ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ فهؤلاء التابعون المحسنون لا ينسون فضل المؤمنين السابقين لهم في كونهم قدوتهم في الإيمان، وهم الذين وصل إليهم عن طريقهم هذا الخير الذي وفّقوا له، ولذا نراهم يسألون الله ضارعين أن يغفر لهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، ويدعون ربهم أن يسلَّ السخائم من قلوبهم ٣، فلا يبقي في قلوبهم غلاًّ ولا بغضاً ولا

стр. 58

حسداً للذين آمنوا، ويتوسلون لتحقيق ذلك بقولهم ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إنهم يتوسلون بكون ربهم هو الرؤوف بعباده الرحيم بهم، ونعم ما توسلوا به؛ لقد توسلوا بوصفين لله ﵎، من مقتضاهما إجابة دعوة الداعين، وإعطاء السائلين سؤلهم. ومما يدعو للتأمل ما وقع من نبي الله نوح ﵇ حيث دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فلم يجد منهم غير الصدّ والإعراض، وإيذائه والمؤمنين به، فأمره الله أن يصنع الفلك، فاستجاب لأمر ربه وصنع السفينة، ولما جاء أمر الله، وبدت علامات هلاك القوم، ركب نوح ﵇ ومن معه من المؤمنين، وحملوا معهم ما أمروا بحمله في الفلك قال تعالى ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ١ علم الله رسوله نوحا أن يدعو بهذا الدعاء، وبعد أن قدّم من الوسائل ما يكون سببا في إجابة دعائه، وهي دعوته لقومه هذه المدة الطويلة، وصبره على أذاهم، واجتهاده في دعوتهم؛ إذ سلك كل ما يمكن أن يكون سبباً في هدايتهم، ثم استجابته لأمر ربه بصنع الفلك، ثم حمله عليها من كل صنف من الحيوانات والنباتات زوجين أي ذكر وأنثى، بعد هذه الوسائل أمر أن يقدّم بين يدي دعائه شكر ربه، وحمده على إنجائه والمؤمنين معه من القوم الظالمين، ثم أمر أن يدعو ويقول ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ وهكذا يختم دعاءه بالتوسل بكون ربه خير المنزلين، أي أنت خير من أنزل عباده المنازل المباركة الطيبة بل لا ينزلهم تلك المنازل سواك.

стр. 59

توسل إبراهيم ﵇ ... هذا وقد حكى الله في سورة الممتحنة ما كان من خليله

стр. 60

إبراهيم ﵇ والذين آمنوا معه، ولندع المجال للإمام أبي الفداء ابن كثير ﵀ وهو يقول: “ثم قال تعالى مخبراً عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجؤوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ١ أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ قال مجاهد: “معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا”، وكذا قال الضحاك، وقال قتادة: “لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه”، واختاره ابن جرير، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: “لا تسلطهم علينا فيفتنونا”، وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣ أي واستر ذنوبنا عن غيرك، واعف عنها فيما بيننا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك، وشرعك وقدرك” ٤. فهذا إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ومن معه من أهل الإيمان فارقوا قومهم طاعة لله ، وهرباً بدينهم من الفتنة، وطلباً لمكان يقيمون فيه شرع الله ، ويظهرون شعائر الإيمان، فبعد أن قدموا هذه الوسيلة العظيمة دعوا الله مظهرين اعتمادهم على ربهم، وتفويضهم أمورهم إليه، وأبانوا عن إنابتهم إلى ربهم ورجوعهم إليه، وعدم التفاتهم إلى ما سواه؛ إذ

стр. 61

المصير والمرجع إليه وحده، ثم تضرعوا إلى الله أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، وأن يغفر لهم ما سبق لهم من زلة أو تقصير، وختموا دعاءهم بثنائهم على ربهم، وتوسلهم بصفتين جليلين لله ، فهو العزيز الغالب الظاهر الذي لا يذل من التجأ إليه، ولا يخيب من توكل عليه، وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة، بل حكم بالغة، وأسرار عظيمة. ومناسبة هذين الوصفين لهذا الدعاء ظاهر؛ ذلك أن الدعاء فيه طلب النجاة من فتنة أعداء، وأن لا يكون المؤمنون سبباً في فتنتهم، وهو من الحكمة؛ لئلا يكون حال المؤمنين فيما لو سلّط عليهم الأعداء، وظهروا عليهم سبباً في افتتانهم بباطلهم، وفيه التوكل على الله ، والاعتماد عليه، وذلك يناسبه وصف العزة والحكمة، والله أعلم.

стр. 62

توسل عباد الرحمن ... وفي سورة الفرقان يذكر ربنا جل وعلا صفات عباده الصالحين فيقول عز من قائل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ ١ إن عباد الرحمن قوم يعيشون على التواضع فلا يتكبرون في الأرض بغير الحق، فهم يمشون بسكينة ووقار بغير مرح ولا بطر، وإذا تطاول عليهم سفيه بقول سيئ لم يقابلوه بمثل سفهه ونزقه بل يعفون، ولا يقولون إلا الخير، ويردون جهله بالمعروف من القول، وهم قوم يقضون ليلهم بين سجود وقيام لرب العالمين، يدعون ويتضرعون ويخبتون إليه، ويقولون ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ إن الذي حملهم على ترك النوم، والتقلب في الساجدين إنما هو خوفهم من ربهم، ذلك الخوف الذي يدفعهم إلى أن يتضرعوا إلى ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم، هكذا كأنهم يحسّون

стр. 63

حرّها، ويجدون سمومها، وذلك لقوة يقينهم، فهم يطلبون صرف عذابها عن وجوههم، فإن عذابها عذاب دائم ملازم لأصحابها، لا ينفك عنهم والعياذ بالله، وإن جهنم بئس المنزل الذي يستقر فيه، وبئس الموطن الذي يقام فيه. إن عباد الرحمن لم يدعوا ربهم إلا بعد أن قدموا الوسائل الصالحة التي ترضي ربهم عنهم، ومن ثم انطلقت ألسنتهم تلهج بالدعاء والتضرع والتذلل، ويمضي السياق الكريم يذكر صفات هؤلاء الصالحين في إنفاقهم، وابتعادهم عما حرم ربهم عليهم، وتوبتهم مما فرط منهم من ذنوب، وابتعادهم عن الكذب والفسق واللغو والباطل، وإذا مروا بمجلس فيه لغو وزور أسرعوا وتركوا ذلك المجلس، ولم يستهوهم ما فيه من الباطل، بل ينزهون أنفسهم عن التدّنس بما فيه، وإذا سمعوا كلام ربهم تأثروا به، وفقهوا ما فيه، وأبصروا ما دل عليه، وهم الذين يدعون ربهم قائلين ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ ١ فلا همّ لهم بعد صلاحهم إلا أن يكون أزواجهم وذرياتهم قرة أعين، أي تقر أعينهم بهم لصلاحهم وإحسانهم، وطاعتهم لربهم، ويسألون ربهم أن يكونوا ممن يقتدى بهم في الخير، ولما كان دعاؤهم دعاء متوسل بما يرضي ربه، متقرب إليه بما يحب كانوا أهلاً لأن يدركوا ما أملوا من خير، قال ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ ٢ ونعم ما جوزوا به، وهنيئاً لهم بفوزهم العظيم، نسأله جلت قدرته أن يجعلنا منهم بمنه، وكرمه، وفضله، وإحسانه؛ إنه جواد كريم.

стр. 64

توسل المؤمنين يوم القيامة ... وما زال المؤمنون يدعون ربهم ويتضرعون إليه، ويتوسلون إليه بمحابه، وبالثناء عليه بأوصافه الجميلة، وأسمائه الحسنى، وإنهم ليفعلون ذلك يوم القيامة

стр. 65

عند ما يرون نور المنافقين قد أطفئ فيتملكهم شعور بالخوف، أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء المنافقين، ولنسمع إلى قول ربنا جل وعلا وهو يبين حالهم في ذلك الموقف العظيم ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١ إنه لموقف يدل على عظيم إيمان هؤلاء، وأن تعلّقهم بربهم، وتملقهم له، وانكسارهم لعظمته وجلاله، ومسكنتهم له صفة ملازمة لهم لا تنفك عنهم بحال من الأحوال، كما يدل على معرفتهم بعناية الله بهم، ووثوقهم بربهم، وحسن ظنهم به، ولذا عند ما رأوا ما عوقب به المنافقون من ذهاب النور الذي كانوا يسيرون على ضوئه، عند ما رأوا ذلك انطلقت ألسنتهم، يدعون ربهم متضرعين راجين أن يتمم لهم نورهم، وأن يغفر لهم لئلا تكون ذنوبهم سببا في عقوبتهم، مثنين على الله بأنه على كل شيء قدير، فلا يعجزه هذا الأمر ولا غيره، وهو أهل لأن يجيب دعاءهم، ويحقق رجاءهم لكمال قدرته.

стр. 66

مصر، وحقّق له رؤياه التي رأى في صغره ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ١ بعد أن أتمّ الله له هذه النعمة قال تعالى في بيان شأنه ذلك: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ ثم دعا يوسف ﵇ قائلاً ﴿ربّ قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السّماوات والأرض أنت وليّي في الدّنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصّالحين﴾ ٣ لقد قدّم الصديق يوسف ﵇ توسله إلى ربه بأن ذكر إحسان ربه عليه بإخراجه من السجن، وإنجائه من كيد امرأة العزيز ومن معها من النسوة، وأردف ذلك بذكر إنعام الله عليه بأن جاء بأبويه وإخوته من البدو لتقر عينه وأعينهم باللقاء والاجتماع بعد ذلك الفراق الطويل، وكذا ما أنعم به عليه من ردّ كيد الشيطان الذي نزغ بينه وبين إخوته، فوقع بينهم ما وقع، وكل هذا الإحسان، وهذا اللقاء الذي كان على هذه الصفة العجيبة تم بلطف ربه الذي يفعل ما يشاء بلطفه وعلمه وحكمته، وهذا توسل آخر بأسماء الله الحسنى، ومن ثمّ يتوجه إلى ربه ويدعوه متوسلاً له بإقراره بنعمته عليه إذ آتاه ملكاً، وعلمه تأويل الرؤى، وهذا ما كان سبباً في جعله وزيرا للخزائن، وتوسل بكون ربه فاطر السموات والأرض أي ابتدأ خلقهما وأوجدهما على غير مثال سابق، وتوسل بكون الله وليه

стр. 67

في الدنيا والآخرة، فلا يقدر على إنجائه وإسعاده سواه. وبعد هذه التوسلات العظيمة دعا ربه بما يريد فقال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ إن غاية مطالبه، وأقصى مآربه أن يتوفاه ربه وهو مسلم، حتى يتوفاه وهو راضٍ عنه، وأن يلحقه بصالحي عباده ليكون من أهل السعادة، وليفوز بجوار ربه في جنات النعيم.

стр. 68

التوسل إلى الله تعالى بذكر نعمه تعالى وشكره عليها، والتوسل بولايته لعبده: من أنواع التوسل الصحيح التوسل إلى الله تعالى بتعداد نعمه، وذكر آلائه على عبده، وهذا يعني شكره عليها ١، وكذا التوسل إلى الله تعالى بولايته لعبده في الدنيا والآخرة، ومن أظهر المواقف في هذا موقف الصديق يوسف بن يعقوب ﵉، ولنتأمل هذا الموقف، فعند ما أتم الله على عبده ورسوله يوسف ﵇ النعمة بأن يسر له لقاء والديه والاجتماع بهما في

стр. 69

التوسل برحمة الله وفضله لنتأمل قول الله تعالى حكاية عن موسى ﵇ وقوله ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ. فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١ إنه موقف من آمن من قوم موسى ﵇؛ إذ آمنوا وهم على خوف من أن يفتنهم فرعون وملؤه عن الإيمان، وذلك لعلوه في الأرض وكونهم مسرفين، ولذا لما أبدوا لموسى ﵇ خوفهم من فتنة فرعون وقومه قال لهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي إن وثقتم بإيمانكم بالله فثقوا بربكم واعتمدوا عليه وفوضوا إليه أمركم، فأجابوه بقولهم على الله وحده دونما سواه توكلنا، ودعوا ربهم أن لا يجعلهم فتنة للظالمين، أي لا يكونوا موقع ابتلاء لفرعون وقومه، وذلك بأن يسلطهم عليهم، ويرخي الله لهم العنان بأن يتركهم يعذبونهم، وينتقمون منهم، فيظنوا أنهم إنما تسلطوا عليهم لأنهم على الحق وقوم موسى على الباطل فيفتتنوا بذلك ٢. وقيل معناه: لا تعذبنا بأيدي فرعون، ولا تعذبنا بعذابٍ من عندك فيقول قوم فرعون لو كانوا على الحق ما عذّبوا ولا سلّطنا عليهم فيفتتنوا ٣.

стр. 70

ثم دعوا ربهم أن ينجيهم متوسلين برحمته وفضله وإحسانه من القوم الكافرين، الذين كفروا الحق وجحدوه، بخلاف الداعين فإنهم آمنوا به وتوكلوا على ربهم. هكذا نرى هؤلاء المؤمنين من قوم ﵇ توسلوا بتوكلهم على ربهم، وتفويضهم أمورهم إليه، واعتمادهم عليه، وثقتهم بنصره وتأييده، وتوسلوا إلى الله برحمته وفضله وإحسانه. وهنالك موقف آخر عظيم من مواقف التوسل إلى الله تعالى برحمته وفضله، ذلك هو ما كان من سليمان بن داود ﵉ حيث استعرض ﵇ جنوده من الجن والإنس والطير مما لم يكن لأحد قبله ولن يكون لأحدٍ بعده، فلما رأى ذلك الملك الكبير، وسمع كلام النملة لأخواتها، وفهم مقالتها شعر بعظيم إفضال ربه عليه، ولم يستول عليه الزهو والشعور بالعظمة، بل تواضع لله ، واستكان لربه ﵎، وأظهر شكره وعرفانه لربه بجليل ما أنعم عليه ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ إنه موقف المؤمنين المخبتين؛ حيث رأى ذلك الملك العظيم واستشعر عظمة ما أنعم به ربه عليه، فلم يكن منه ما يكون من أهل الغفلة والطغيان، إذ في مثل هذا الموقف تراهم يتعاظمون ويتيهون كبراً وغطرسة، وذلك كموقف فرعون إذ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٢ إن موقف سليمان ﵇ هو موقف عبد الله الذي عرفه حق معرفته، وخشيه حق خشيته، وعرف

стр. 71

قدر ربه تعالى، فما كان منه إلا أن انطلق لسانه يلهج بهذا الدعاء الذي ينم عن عظيم تضرعه وخشوعه، وتذلله واستكانته، وإخباته لربه جل وعلا. وإنه ليسأل ربه أن يلهمه شكره على هذه النعم العظيمة وأن يوفقه لصالح الأعمال التي يرضاها جل وعلا ثم يسأل ربه متوسلا إليه برحمته أن يدخله في عباده الصالحين، ألا ما أعظم هذا الموقف، كأن سليمان ﵇ وهو الرسول ابن الرسول والملك ابن الملك يرى أنه لم يصل بعد إلى مرتبة صالحي عباد الله.

стр. 72

التوسل إلى الله بدعاء الصالحين من الأحياء من التوسلات الصحيحة النافعة التوسل إلى الله بدعاء صالحي عباد الله فهذا خليل الله إبراهيم ﵇ عند ما دعا أباه إلى الإسلام والتوحيد فأصر على عقيدته الباطلة، وأبى الاستجابة لابنه، فما كان من الخليل ﵇ إلا أن وعد أباه بأن يدعو الله ليعفو عنه ويغفر له هذه الخطيئة الكبرى، ولو لم يعلم إبراهيم ﵇ أن دعاءه لأبيه مشروع، وأنه وسيلة مقبولة عند الله لما وعد أباه بالدعاء له، ولنسمع القرآن الكريم وهو يعرض علينا هذا الموقف العظيم بأسلوبه البديع ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً. إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ ١. ومن المواقف التيعرض فيها كتاب الله دعاء الصالحين لغيرهم، موقف إخوة يوسف ﵇ عند ما تبين لأبيهم خطأ ما عملوا، وندموا غاية الندم على فعلتهم تلك، طلبوا من أبيهم نبي الله يعقوب ﵇ أن يدعو الله لهم، فوعدهم بذلك، وفي هذا ما فيه من الدلالة على جواز التوسل بدعاء عباد الله المؤمنين، يقول الله حكاية عنهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا

стр. 73

ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١. ويلاحظ أنه وعدهم أن يطلب لهم المغفرة من ربه ، واصفاً إياه بالغفور الرحيم، وهذا يدل على أنّه سيتوسل في استغفاره لهم بهاتين الصفتين العظيمتين من صفات ربنا ﵎. ومما يمكن أن يدرج في هذا الباب ما كان من دعاء نبي الله نوح ﵇ لابنه الضال عند ما دعاه ليركب معهم في السفينة، فأبى ذلك، وامتنع من اعتلاء الفلك لما سبق في علم الله من شقاوته، يقول الله جل وعلا في بيان ذلك: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ٢. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: “ ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبّ﴾ إنك وعدتني أن تنجيْنِي من الغرق والهلاك وأهلي، وقد هلك ابني ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خلف فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحق، فاحكم لي، بأن تفي بما وعدتني، من أن تنجي لي أهلي، وترجع ابني” ٣. وهذا الذي دل عليه كتاب الله دلت عليه السنة أيضاً، فقد روى مسلم عن صفوان بن عبد الله ـ وكانت تحته الدرداء ـ قال: “قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: “دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل” قال: فخرجت على السوق، فلقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي ﷺ “ ٤.

стр. 74

الخاتمة وبعد: فقد دعا كتاب الله المؤمنين إلى التوسل بربهم، والتقرب إليه بما يحبه منهم، وذلك مما شرعه لهم في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ؛ فالتوسل إنما يكون بعمل يقدمه المرء، وكسب يحصل عليه بجهده. أمّا العاجزون الكسالى فإنهم يريدون الوصول إلى النتائج بدون المقدمات التي توصلهم إليها، فتراهم يتوسلون بأعمال غيرهم، وبجاه سواهم، وبحقٍّ لا يملكون منه شيئاً، ألا ما أعجب حال هؤلاء! وحقيق بمن هذا حاله أن لا يجاب إلى طلبه، وأن لا يصل إلى مراده؛ إذ أراد أن يدخل البيوت من غير أبوابها. وقد تبين خلال هذا البحث أن التوسل إنما يكون بأمور شرعها الله ، ودلت عليها سنة رسول الله ﷺ ، وذلك بعمل صالح يقدمه المتوسل، وكذا التوسل إلى الله باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته العليا، ومن ذلك التوسل إلى الله بفضله ورحمته، وإحسانه إلى خلقه، وكذلك التوسل إلى الله بدعاء الأحياء الصالحين من المؤمنين. فهذه أبواب التوسل الشرعي الصحيح، وما سواها مزالق قد ينتهي بالإنسان إلى عبادة غير الله ، والطمع والرجاء في المخلوق، كما حدث من قوم نوح ﵇. نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأن يلهمنا الصواب في القول والعمل، وأن يسدّد على طريق الحق خطانا بمنّه وكرمه وإحسانه؛ فإنّه أعظم مسؤول، وهو نعم المجيب. والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام الأتمّان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً كثيراً.

стр. 75

مصادر ومراجع ... المصادر والمراجع ١- بدائع الفوائد: الطبعة الثانية ١٣٩٢هـ، مطبعة الفجالة، القاهرة. ٢- التحرير والتنوير: طبعة الدار التونسية للنشر ١٩٨٤م. ٣- تفسير أبي السعود: الطبعة المصرية، ١٣٤٧هـ. ٤- تفسير ابن كثير: طبعة عيسى الحلبي. ٥- تفسير الطبري: طبعة مصطفى الحلبي ١٣٧٣هـ، الثانية. ٦- سنن أبي داود: الطبعة الأولى، مصطفى الحلبي، ١٣٧١هـ. ٧- سنن الترمذي: طبعة مصطفى الحلبي، الأولى ١٣٨٢هـ. ٨- سنن النسائي: الطبعة الأولى، ١٣٨٣، مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة. ٩- سيرة ابن هشام: طبعة ١٣٧٥هـ، مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة. ١٠- السيرة النبوية: لابن كثير، طبعة عيسى الحلبي، القاهرة. ١١- صحيح البخاري: الطبعة الأميرية، ١٣١٣هـ. ١٢- صحيح مسلم: طبعة دار الطباعة، ١٣٢٩هـ، القاهرة. ١٣- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ: للسمين الحلبي، تحقيق: د. محمد التونجي، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، عالم الكتب، بيروت. ١٤- فتح الباري: طبعة ١٣٨٠، المطبعة السلفية بالقاهرة. ١٥- الفتوحات الإلهية: لسلمان الجمل، طبعة ١٢٨٢هـ، بولاق، القاهرة. ١٦- القاموس المحيط: للفيروزآبادي، طبعة المطبعة الحسينية. ١٧- لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن منظور، طبعة ١٣٨٨هـ، دار صادر، ودار بيروت. ١٨- مختار الصحاح: للرازي، ترتيب محمود خاطر، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب.
следующие страницы →