← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10322

التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة

صلاح الدين العلائي

Полный текст (87 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تمهيد ... كتاب التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة ما عني به الشيخ الإمام العالم العلامة صلاح الدين العلائي (٦٩٤- ٧٦١هـ) دراسة وتحقيق الدكتور مرزوق بن هياس آل مرزوق الزهراني أستاذ المساعد بقسم الدراسات العليا الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 2

تمهيد الحمد لله حمداً كثيرا لا يحصى عدده، ولا يدرك منتهاه، وأشهد أن الله إله فرد صمد، تنزه عن مشابهة خلقه، واستوى على عرشه، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وسع كرسيه السموات والأرض، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، أرسله بالهدى ودين الحق، ولهداية البشرية اجتباه. أما بعد: فإن المتتبع لجهود علماء الأمة الإسلامية منذ عهد الصحابة- ﵃ إلى يومنا هذا يجد من صبرهم على البحث والتتبع لفرائد العلم وفوائده، والغوص في بحور العلم والمعرفة، ما يشيب له الولدان، وتحار العقول في الموازنة بين ذلك الإنتاج الهائل - الذي تجلى في أدق صفاته، من حيث الكيف والكثرة- وبين الوقت المنجز فيه، إنها أزمنة قياسية لن تحطم، تقف العقول مشدوهة أمام تلك الصلابة الحسية المتمثلة في الصبر على عناء البحث، ومشقة التتبع العلميين، والمعنوية المتمثلة في ذلك السد المنيع الواقف أمام التيارات المعادية لشريعة الإسلام بقضها وقضيضها، تلك العداوة المستمرة التي لا تفتأ ترسل حملاتها الشعواء على السنة وأهلها الحملة تلو الحملة، ولكنها تبوء بالفشل، وإن كانت تثير بعض الجدل، لكن سرعان ما يظهر الحق ويعود الكيد إلى نحور أهله. ولو أخذنا مثلا على هذا، جهود العلماء لخدمة السنة النبوية، لرأينا العجب العجاب من أولئك الجهابذة الذين جندوا أفكارهم، وجردوا أقلامهم لصيد كل فائدة من كنوز هذا الدين، فكان من جهودهم، حفظ النصوص، وشرح الألفاظ، وتذليل كل ما يحول دون الفهم، من أجل بيان الحق لطالبيه، والذود عن حرم السنة المقدسة، كي تبقى سيدة الموقف في كل زمان ومكان، ولا غرابة، فالسنة مصدر التشريع الثاني، وهي موضحة لما في كتاب الله من الإجمال، ومفصلة له بأوضح المعاني، فكان الإعداد لحملتها منحة من الله لهذه الأمة، فهيأهم لحمل هذا المنصب الجليل، وأمدهم بكل المقومات، النفسية، والفكرية، والعقلية، فكان من ذكائهم ما لا يوصف، ومن حفظهم ما يشبه الخيال، ومن صبرهم ما يثقل الجبال، ومن إيمانهم بشريعة الله وصفاء عقيدتهم، ما يجعلهم يدفعون النفس والنفيس في سبيل إظهار الحق، وقمع الباطل، وهذا ما يلمسه المتتبع لأخبارهم العارف بصفاتهم وأحوالهم، أفكارهم تجوب ميادين العلم والمعرفة دون كلل أو

стр. 3

ملل، فكانت الثمرة إثراء المكتبة الإسلامية بالنفائس في مختلف الموضوعات، الجمع الشامل، التصنيف النوعي، أو الجزئي، أو تتبع النكت، والبحث عن المضايق العلمية، وإيجاد الحلول المناسبة لكل إشكال. ولقد كان العلائي ﵀ أحد العلماء النابهين الأفذاذ, متمتعا بقدر كبير من الحذق والذكاء، استغل هذه المواهب في خدمة العلم الشرعي في مجالاته الواسعة، وأعطى كل جانب علمي عناية خاصة، وصفة من البحث محددة، مقدما بذلك عصارة أفكاره خدمة للشريعة الإسلامية وكانت جهوده ثمرة لا تقدر بثمن، ومن تلك الجهود المشكورة كتابه الذي نقدمه اليوم إسهاما في تزويد المكتبة الإسلامية بالنافع المفيد، وهو عمل لم تظهر ضخامته في الكم، لكنها برزت من حيث الكيف، فتتبع تلك المواضع المشكلة، وإيجاد الحلول العلمية لها، ليس بالأمر السهل، وطرق مثل هذه المضايق لا يقدم عليه إلا الفحول من العلماء فقد تتبع العلائي ﵀ مواضع أشكلت على العلماء في الصحيحين، والسنن الأربعة ولا أراه إلا أجاد وأفاد، وأنبأ عمله عن حذق وقوة ملاحظته، ورأيت من المناسب عدم تحديد تلك المواضع في المقدمة، خشية الإطالة، ورغبة في كون الإبهام دافعاً للقارئ الكريم إلى قراءة هذا المؤلف النفيس، والوقوف على مواطن الإشكال لتمام الفائدة، وليسعد بالمزيد من الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند قراءة المؤلف، وهذا في حد ذاته فضل عظيم، يندب إليه القارئ الكريم. وتجدر الإشارة إلى أنني جعلت العمل بعد هذا التمهيد على النحو التالي: ثلاثة أقسام، وخاتمة، وفهارس. القسم الأول: وفيه فصلان: الفصل الأول: ترجمة العلائي. في مباحث. الفصل الثاني: معلومات موجزة عن الكتب التي أورد عليقا التنبيهات ومؤلفيها. القسم الثاني: وفيه فصلان: الفصل الأول: بيان عملي في الكتاب. الفصل الثاني: تسمية الكتاب ووصف نسخته الخطية. القسم الثالث: تحقيق نصوص الكتاب. ثم الخاتمة، والفهارس.

стр. 4

القسم الأول (الفصل الأول) ترجمة العلائي لم يطل المتقدمون البحث في نسب العلائي، فأوائل المترجمين له من أمثال الذهبي ١والحافظ ابن حجر، والسبكي ٢، لم يزيدوا على أن ذكروا اسمه، واسم أبيه، والنسبة، وزاد ابن العماد ٣ اسم الجد. اسمه ونسبه: هو صلاح الدين، أبو سعيد، خليل بن كيكَلدي بن عبد الله، العلائي ٤، الشافعي ٥. ولادته: ولد سنة أربع وتسعين وستمائة (٦٩٤هـ) من الهجرة في دمشق ٦. نشأته: نشأ في مدينة دمشق، وتلقى العلم على علمائها وخطبائها، فختم القرآن العظيم، وسمع الحديث الشريف، وابتدأ قراءة العربية، وغيرها من العلوم ٧. أسرته: لم تفصح المصادر بشيء عن أسرة العلائي، وكل ما تيسر الوقوف عليه في هذا الشّأن،

стр. 5

هو أن العلائي تركي الأصل، وأن أباه كان جنديا ١ وقد نسبه الدكتور زهير الناصر, فقال: "ابن الأمير سيف الدين كيكلدي " ٢ " وهذا يعني أن العلائي من أسرة ذات شأن، لكن يعكر على هذه المعلومة أمران: الأول: عدم الوقوف على المصدر الذي أورد هذه المعلومة. الثاني: أن الأسنوي قال عن العلائي: "منسوبا إلى بعض الأمراء" ٣. وهذا يعني عكس ما تقدم. لكن ثبت أن جده لأمه كان عالماً ٤، أسهم في تعليم حفيده العلائي ٥. سعيه في طلب العلم: الذي أراه أن العلائي توجه إلى العلم بعناية جده لأمه، وكان الجد عالماً يحفظ متوناً ويذاكر بفوائد، وما من شك في أنه دفع حفيده لأخذ الرواية والسماع، حتى أصبح على قدر من الوعي والعلم، واستيعاب المعلقات، وسنه لم يجاوز التاسعة، أي أنه بلغ هذه الرتبة العلمية وهو في عمر طالب في السنة الثالثة الابتدائية في زماننا هذا، ولا عجب, فالفارق كبير، فإن الذاكرة غير الذاكرة، والهمة غير الهمة، والتربية غير التربية. إن العلائي في هذا السن كان يتعامل مع صحيح البخاري، وصحيح مسلم، ففي سنة ثلاث وسبعمائة (٧٠٣هـ) سمع صحيح مسلم على شرف الدين الفزاري، وعمره يومذاك تسع سنوات، وفي سنة أربع وسبعمائة (٧٠٤هـ) سمع صحيح البخاري على علي بن مشرف ٦، وفيها ابتدأ بقراءة العربية وغيرها على الشيخ نجم الدين القحفازي، والفقه والفرائض على الشيخ زكي الدين زكوي ٧ كل هذا ولم يجاوز عشر سنوات، وهو يحظى برعاية جده لأمه، وبعد هذا بدأ العلائي استقلاله العلمي في سنة إحدى عشرة وسبعمائة (٧١١هـ) . أي: في السابعة عشرة من عمره، فاشتغل بالفقه والعربية، وطلب الحديث بنفسه، وقرأ فأكثر ٨.

стр. 6

رحلاته: سبق القول أن العلائي- ﵀ ولد بدمشق ١، وبها تأهل لطلب العلم، والرحلة في سبيله، ومنها تأهب للرحلة، إذ خرج في سنة سبع عشرة وسبعمائة بصحبة شيخه ابن الزملكاني ٢، في طريقهما إلى القدس ولازم شيخه المذكور، وتخرج به، وعلق عنه كثيراً، ولازم البرهان الفزاري وخرج له مشيخة ٣، ورحل إلى الحجاز- مكة- سنة (٧٢٠ هـ) بصحبة شيخه ابن الزملكاني، حيث سمع من الشيخ رضي الدين الطبري ٤، ثم رحل إلى مصر وأقام بها مدة، وسمع، وعاد إلى مكة مرات للحج، وأقام مجاورا، رحل إلى القدس واستوطنها ٥. وهكذا قضى العلائي- ﵀ قدراً من عمره في الرحلة بين الشام والحجاز ومصر ٦ والقدس، بحثا عن الخير والعطاء، نال بذلك شرفا، وأعطى عطاء العلماء الصالحين الشرفاء. شيوخه: لم تكن همة العلائي ﵀ قاصرة في البحث عن العلم وأهله بل كان يفتش عن مصادره، ويرتوي من منابعه، بدأ حياته بتحصيله، وختمها بجمعه وتصنيفه، ذكر أنه أخذ عن سبعمائة من الشيوخ في مختلف العلوم ٧ منهم: ١- شرف الدين الفزاري، أحمد بن إبراهيم بن سباع، كان فصيحاً لا يكاد يلحن، مع طيب النغمة، ولين الكلمة، وحسن التودد والدين والأمانة، متوسط المعرفة بالرجال ٨، تلا بالقراءات السبع، وحدّث بالصحيح، والسنن الكبير، وولي مشيخة الحديث بالظاهرية ٩. وقد سمع عليه العلائي صحيح مسلم في سنة ثلاث وسبعمائة، وفيه كمل عليه ختم القرآن الكريم ١٠.

стр. 7

٢- ابن مشرف الفزارى، محمد بن أبي العز، كان فصيحا، مناظرا متدينا، مرضي الأحكام ١، وقد سمع عليه العلائي صحيح البخاري. ٣- ابن الزملكاني، محمد بن علي بن عبد الواحد، كان من بقايا المجتهدين، ومن أذكياء أهل زمانه، درس وأفتى وصنف، وتخرج به الأصحاب ٢، ومنهم العلائي, فقد لازمه وتأثّر به، وقرأ عليه الحافظ الذهبي أربعين حديثاً، وكان لا يقرّب إلا المهرة من تلاميذه ٣. ٤- برهان الدين الفزاري، إبراهيم بن عبد الرحمن بن سباع، الإمام الفقيه، شيخ الإسلام، برهان الدين أبو إسحاق ابن الفقيه الإمام شيخ الإسلام تاج الدين، انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقه ووجوهه مع علم بمتون الأحكام، وعلم بالأصول والعربية ٤. وقد لازمه العلائي واستفاد منه، وخرّج له مشيخة. ٥- رضي الدين الطبري، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، الإمام القدوة، العابد، له علم وفهم وديانة ٥، وكان إمام المقام الشافعي، وأتقن المذهب، قال العلائي: "هو أجلّ شيوخي" ٦. ٦- نجم الدين القحفازي، علي بن داود بن يحيى، ساق الحافظ نسبه إلى عبد الله بن الزبير، سمع عدة أجزاء، وسمع الموطأ وغيره، ولم يحدث، وقرأ القراءات بالروايات، وكان بقية أعيان الشاميين في العربية ٧ وكان من أذكياء وقته، مع الديانة والورع ٨. ٧- ابن تيمية: تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن تيمية، كان شيخاً إماماً، عالماً، علامة فقيها، حافظا، زاهدا، عابدا، مجاهدا، قدوة، لقبه العلماء بـ "شيخ الإسلام " ٩، كان ذكيا، كثير المحفوظ، قلّ أن سمع شيئا إلا حفظه، حتى قيل: إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها ١٠، فخالف

стр. 8

الأئمة الأربعة في عدة مسائل، صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة ١، وما قوطع في مجلس، ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، وكان حاملا راية الحديث، حفظا ونقدا وتمييزا، ناظر واستدل، وهو دون البلوغ، وأفتى ودرّس، وهو دون العشرين، "صنف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه ٢، اجتمعت فيه شروط الاجتهاد ٣، وحاز ثناء العلماء وعمره ثلاثون سنة ٤، صنف أكثر من أربعة آلاف كراسة ٥، ﵀ رحمة واسعة. ٨- المزي: يوسف بن عبد الرحمن، أبو الحجاج، المزي، حامل لواء معرفة الرجال، والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله، ولم تعرف له صبوة، ترافق هو وابن تيمية كثيرا، وكان يقرر طريقة السلف في السنة، ويعضد ذلك بمباحث نظرية، وقواعد كلامية ٦، أثنى عليه الإمام ابن تيمية، وأخرجه من السجن، وكان سبب سجنه قراءته لكتاب خلق أفعال العباد ٧. وبعد موته جمع تلميذه الحافظ العلائي جزءا سماه "سلوان التعزي عن الحافظ المزي" ٨. حالته الاجتماعية: إن المسلم يرقى إلى الفضائل، ويأخذ بأسباب الكمال، لا سيما في مجال الدين والأخلاق، وقد اعتنى الدين الإسلامي بهذا الجانب، وحث على التعامل مع أسبابه المعنوية والمادية، ومنها الزواج الذي شرعه الله وبناه على أسس متينة، تشكل الحقوق والواجبات للطرفين. وقد أخذ العلائي ﵀ بأسباب الفضل والكمال، معنوية ومادية فكما أوضحت المصادر إقدامه على طلب العلم، وكسبه الوفير لفنونه وصنوفه بيّنت أنه لم يبلغ الثلاثين من عمره إلا وهو رب أسرة لها حقوقها، وعليه التزامات الرعاية والتوجيه، فابنته أسماء، ولدت في سنة خمس وعشرين وسبعمائة ٩، والذي نستجليه من المصادر، أنه تزوج بعد عودته من

стр. 9

الرحلة مع شيخه الزملكاني إلى بيت المقدس، وخلال إقامته بدمشق ١ أنجب أبناءه أحمد، وأسماء، وأمة الرحيم، الذين تجلت محبته لهم في الرعاية الفكرية إذ أفادهم من علمه الوافر، وعرضهم على حفاظ دمشق والقاهرة ٢. الآخذون عنه: لا يساور الشك أحدا اطلع على ترجمة العلائي، وعرف مباشرته التدريس في العديد من دور العلم، مع وجود أفاضل العلماء، في كثرة الآخذين عنه، بل يجزم بأنهم من الكثرة بمكان، ولولا الرغبة في عدم الإطالة، لتتبعت الأمر وقدمت ما يؤيد هذا الميول، غير أنه لابد من تعريف القارئ الكريم بأن في مقدمة الآخذين عنه: ابنه، وبنتيه, وهم: ١- أبو الخير, أحمد بن خليل العلائي، اعتنى به والده، فأسمعه من حفاظ دمشق، ورحل به إلى القاهرة، وسمع من حفاظها، سكن بيت المقدس، وصار من أعيانها، شدت إليه الرحال للسماع منه، وممن رحل إليه الحافظ ابن حجر، لكنه لم يدركه، بلغه موته وهو بالرملة فعرج عن القدس إلى الشام ٣، مات سنة ٨٠٢هـ، لكن الحافظ أخذ عنه بالإجازة ٤. ٢- أم محمد, أسماء بنت خليل العلائي، اعتنى بها والدها وأسمعها من حفاظ دمشق، والقاهرة، ولعلها زوجة شيخ الفقهاء الشافعية: إسماعيل بن علي القلقشندي ٥. توفيت ببيت المقدس سنة ٩٧٥هـ ٦. ٣- أمة الرحيم, زينب بنت خليل العلائى، سمعت وحدثت، وتوفيت قبل أختها بأيام٧. ٤- الحافظ الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، التركماني, طلب الحديث وله ثمان عشرة سنة، وتعب فيه وخدمه، إلى أن رسخت فيه قدمه ٨، ومهر فيه، وفي غيره من

стр. 10

العلوم، حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفاً، وكان علامة زمانه في الرجال وأحوالهم ١، والقائم بأعباء صناعة الحديث ٢، عرف العلائي، وأثنى عليه، وأخذ عنه، قال: "وثنا في درسه عن جماعة" ٣. (٦٧٣-٧٧٤ هـ) وهو من شيوخه. ٥- ابن كثير: إسماعيل بن عمر، فقيه متفنن، ومحدث متقن، مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة ٤، كان من محدثي الفقهاء، ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل ٥، قال السيوطي: "العمدة في علم الحديث معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعلله واختلاف طرقه، ورجاله جرحا وتعديلا،، وأما العالي والنازل ونحو ذلك، فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة" ٦. قلت: وما ذكره السيوطي- ﵀ متحقق لدى الحافظ الإمام ابن كثير وتفسيره وغيره ينبئ بذلك. (٧٠٠-٧٧٤ هـ) . أخذ عن العلائي ٧. ٦- زين الدين العراقي: أبو الفضل، عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، اشتغل بالعلوم، وأحب الحديث فأكثر من السماع، وتقدم في فن الحديث، كان حافظ العصر ٨، أخذ عن العلائي. وقال: "مات حافظ المشرق والمغرب صلاح الدين العلائي" ٩. (٧٢٥-٨٠٦ هـ) . ٧- القلقشندي: أبو الفداء، إسماعيل بن علي بن الحسن، حفظ القرآن، ومختصرات في العلوم، وتفقه فدرس وأفتى، وبرع وتصدر لنشر العلم، حتى صار أوحد عصره، مرجعا في المذهب، مستحضرا للروضة، صاهر العلائي على ابنته ١٠. (٧٠٢-٧٧٨هـ) . ٨- السبكي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، صاحب الطبقات كان عارفا بالأمور،

стр. 11

جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاضي قبله، وحصل له من المناصب ما لم يحصل لأحد قبله ١. أخذ عن العلائي قال: "حدثنا الفقيه أبو سعيد خليل بن كيكلدى العلائي من لفظه بالمسجد الأقصى، وذكر سنده إلى أبي داود بحديث قدر الدية" ٢. دراسة عصر العلائي بإيجاز الناحية السياسية: تميز عصر العلائي في الجانب السياسي بكثرة الحروب والفتن، فقد كان عهد المماليك ميدانا فسيحا لتلك الأحداث المؤلمة من الداخل والخارج فقد وقعت بين المسلمين مطاحنات جسيمة كلفت الطرفين خسائر مادية ومعنوية وكان ضررها على المسلمين بالغ الأثر لأسباب منها: شتات القيادة الإسلامية، وكثرت النزاعات والخلافات الداخلية، السبب الذي جعل التتر يكلفون المسلمين خسائر فادحة في المجالين العسكري والاقتصادي، وتوالت الملاحم الشرسة بين الطرفين من أمثال ملحمة وادي الخزندار قرب حمص، قتل فيها فوق عشرة آلاف من المسلمين ٣، وحدث أن دخل التتر دمشق، وكلفوا المسلمين خسائر في الأرواح، ونهبت الأموال وأسر أكثر من أربعة آلاف، وحرقت المدارس، ضربا من أولئك الأعداء للجوانب العسكرية والاقتصادية والتعليمية ٤، فكان لتلك الهجمات الشرسة أثرها السلبي على مناشط الحياة في البلاد، على أن نفحات من الإصلاح السياسي، وإقامة الحصون والقلاع تخللت هذا العصر، وكان لها الأثر البالغ في انتصارات المسلمين. الناحية الاجتماعية: كان الناس في الإطار العام للدولة يعانون من الشتات الاجتماعي مما سهل لكثير من الآفات الاجتماعية أن تنشط في الحياة الاجتماعية، فانتشرت الأمراض، وتوسعت دائرة الفقر، وظهرت المفاسد الخلقية في مواقع من البلاد، وهذا كان منفذا للأعداء، سهل لهم الوصول إلى كثير من الأمصار الإسلامية، وغايتهم إضعاف الدولة الإسلامية، وكسر

стр. 12

شوكتها ثم القضاء عليها، على أن هذا العصر لم يخل من ومضات إصلاحية في شتى المجالات، كثيرا ما تعرقلها الخلافات الداخلية، وتهاجمها الحملات الخارجية، وقد أبطلت الفواحش والقمار، والخمور، وقرئت بذلك المراسيم ١، وعممت على البلاد في بعض الأحيان. وكان لها الأثر الإيجابي في حياة المسلمين. الناحية العلمية: لقد كان للهجمة التترية الشرسة على العالم الإسلامي أثرها السيء، فقد أخرت عجلة التقدم الحضاري في المجالات السياسية والعلمية والاقتصادية بوجه خاص، وكان المجال العلمي أقل الثلاثة تأثرا، وذلك ليقظة علماء المسلمين الذين كان لهم دور بارز في الإصلاح العلمي، إذ جردوا عن سواعد الجد، ونشطوا في دفع عجلة الحضارة العلمية، وكان لدعم الولاة أثر بارز في بناء المدارس، وتكريم العلماء، حتى ارتفعت ألوية العلم والمعرفة وازدهر التأليف في مختلف العلوم والفنون، فبرز علماء أفذاذ، أثروا المكتبة الإسلامية بذخائر، تجسدت آثارها في الحياة عند المسلمين عبر الأجيال. الناحية الحضارية بوجه عام: حاول أعداء الإسلام غير مرة القضاء على الحضارة الإسلامية من خلال ضرب المراكز الثقافية، ومن أعظم ما منيت به الثورة المعرفية الإسلامية إسقاط الدولة العباسية، والاستيلاء على مهد حضارتها ببغداد في عام ٦٥٦ هـ. وكانت الهجمة التترية في غاية الحقد والهمجية، انتقاما من الإسلام وأهله، غير أن تلك القسوة لم تكن محققة لأطماع الأعداء من التتر وغيرهم، فقد احتضنت مصر والشام الحضارة الإسلامية، وحاول القطران القيام بأعباء الحضارة في مختلف الأدوار على غرار ما قدمت بغداد، لاسيما في المجال العلمي، وقد كان للمماليك دور بارز في إقامة الجوامع الكبيرة ودور العلم، حتى أضحت القاهرة بديلا عن بغداد، شيدت فيها مراكز العلم والمعرفة، وتوزعت جهود المماليك في محاولة جادة لإقامة الحضارة الإسلامية من خلال بناء المدارس، وتشييد الجوامع، ورفع الحصون والقلاع لحماية الثغور والمدن، ونصب الجسور على الأنهار، وحفر القنوات، وسك العملات وكانت إيجابيات الحضارة العلمية ملموسة في حياة المسلمين في ذلك العصر، رغم الاضطرابات السياسية في الداخل والخارج ٢.

стр. 13

مكانة العلائي العلمية: تقدم القول أن الزملكاني كان لا يقرب إلا المهرة من تلاميذه ١، وقد كان العلائي مكتسبا لهذه الصفة، مما جعل الزملكاني يحتفظ به تلميذا بارزا وملازما له سفرا وحضرا ٢، وكانت صحة الذهن، وسرعة الفهم صفتين تتمع بهما العلائي، مع جد واجتهاد في طلب العلم، حتى تقدم في العلوم وفاق على أقرانه ٣، واحتل مكانة علمية عالية، السبب الذي جعل شيخه المزي - وهو المشهود له بالحفظ وعلو المرتبة في العلم والإمامة - ينزل للعلائي عن مشيخة حلقة صاحب حمص، فدرس بها العلائي، وحضر عنده الفقهاء والقضاة والأعيان ٤، وكان عمره حينذاك ثلاثا وثلاثين سنة ٥، بلغ الإمامة والتفنن في عدد من العلوم، ومصنفاته تنبىء عن إمامته في كل فن، كان حافظ زمانه لم ير السبكي خلفا له سواه، ولم يخلف العلائي مثله ٦، وما يأتي في ذكر مناصبه وألقابه العلمية شاهد على علمه وتقدمه، وقد نقل السبكي عن والده قوله: "ما أعلم أحداً يصلح لمشيخة دار الحديث غير ولدي عبد الوهاب وشخص آخر غائب عن دمشق" ... قال السبكي: "وأنا أعرف أنه الشيخ صلاح الدين العلائي" ٧. وفي ما تقدم برهان يوقف القارئ الكريم على ما كان يتمتع به العلائي ﵀ من مكانة علمية رفيعة، أقر بها كبار العلماء، فقد فاق الأقران وانتزع المناصب من الشيوخ والأعيان ٨، لأنه العالم المتبحر، والناقد المنظّر، والمؤلف المحرر، تقدم في علم الرجال والعلل، والمتون والأسانيد ٩ كان حافظ زمانه ١٠، يستحضر الرجال والعلل ١١، بلغ الإمامة في علوم كثيرة ١٢، برع وحقّق ودقّق، قال الصفدي: "اجتمعت به مرة بدمشق،

стр. 14

والقدس، والقاهرة، وارتويت من فوائده في كل علم، وقلّ أن رأيت مثله في تحقيق ما يقوله، وتدقيقه ١، ولم يكن أحد يدانيه في الحديث في عصره" ٢. عقيدته: لم يسعف الوقت بدراسة مؤلفات العلائي- ﵀ للوقوف على نصوص تحدد اتجاهه في الاعتقاد، لكن وقفت على قول السبكي في أثناء ترجمته للعلائي: "كان حافظا، ثبتا، ثقة، عارفا بأسماء الرجال، والعلل والمتون، فقيها، متكلما، أديبا، شاعرا، ناظما، ناثرا، متفننا، أشعريا، صحيح العقيدة، سنيا" ٣. وقال الحسيني: "لبس خرقة التصوف" ٤. ولا أعتقد أن السبكي يطلق القول في تحديد المعتقد مجازفة، فلابد أن يكون كلامه عن علم ويقين، لا سيما وهو معاصر للعلائي، وأخذ عنه وهو في بيت المقدس. أما خرقة التصوف، فلعلها شعار للصوفية، أو لمرتبة منها. والله أعلم. ولا علم لي بنوعية هذا التصوف, أهو من جنس التصوف الذي وصفه به ابن تيمية شيخ العلائي، أو من جنس آخر؟ غير أن الذي أعرفه أن الأشاعرة وقفوا من شيخ الإسلام وقفات ناله منها الأذى، وكفره بعض العلماء، وناصره آخرون، فما موقف العلائي من شيخه ابن تيمية؟. هذا السؤال يجيب عنه العلائي- ﵀ وهو ما وقف عليه الحافظ ابن حجر, قال: "وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين العلائي في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصه: "وسمع بهاء الدين- المذكور- على الشيخين، شيخنا وسيدنا وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى، شيخ التحقيق، السالك بمن اتبعه أحسن طريق، ذي الفضائل المتكاثرة، والحجج الباهرة، التي أقرت الأمم كافة، أن هممها عن حصرها قاصرة، ومتعنا الله بعلومه الفاخرة، ونفعنا به في الدنيا والآخرة، وهو الشيخ الإمام العالم الرباني، والحبر البحر القطب النوراني، إمام الأئمة، بركه الأمة، علامة العلماء، وارث

стр. 15

الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، شيخ الإسلام، حجة الأعلام، قدوة الأنام، برهان المتعلمين، قامع المبتدعين، سيف الناظرين، بحر العلوم، كنز المستفيدين، ترجمان القرآن، أعجوبة الزمان، فريد العصر والأوان، تقي الدين، إمام المسلمين، حجة الله على العالمين، اللاحق بالصالحين، والمشبه بالماضين، مفتي الفرق، ناصر الحق، علامة الهدى، عمدة الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، ركن الشريعة، ذو الفنون البديعة: أبو العباس ابن تيمية" ١. هذا الثناء العطر من العلائي، قد يجر الواقف عليه إلى الميل لمخالفة ما حكاه السبكي، غير أن الثناء ليس دليلا على المسايرة في الاعتقاد, فالسبكي يذكر ما يشبه التأييد لقوله السابق. قال عن العلائي: "وكان بينه وبين الحنابلة خصومات كثيرة ٢، ولا يبعد أن يكون سبب هذه الخصومات مباحث في العقيدة". والله أعلم. ذكر بعض صفاته: لابد من النظر في جانبين للتعرف على الصفات بصورة شاملة. وهذا: ١- الجانب الحسي من الصفات: هذا الجانب لم أقف على بيان وصفي للناحية الشكلية لشخص العلائي- ﵀، من حيث الطول والقصر، واللون وغيره من الصفات الحسية، غير أن الحافظ ابن حجر يذكر أنه كان بزي الجند ٣، وهذا يقودنا إلى معلومة هامة، وهي أن العلائي عمل في الرباط، وروّض نفسه على الجهاد في سبيل الله، يؤيد هذا قول النعيمي: "وكان أولا يعاني الجندية" ٤. ومعاناة الجندية والعلم، وصف لا يكاد يجتمع إلا لقلة من الناس، من أمثال ابن المبارك، وابن تيمية، الذين متعوا بحظ وافر من الشجاعة والعلم، لكن العلائي لم يقض حياته في الجندية، بل عاود الاشتغال بالفقه والأصول ٥، وتزي بزي الفقهاء ٦- ألبسه شيخه كمال الدين بن الزملكاني- ولبس خرقة التصوف- ألبسه أبو المجامع بن حمويه الجويني - ٧، وإن كان التصوف في عصره منذر بخطر.

стр. 16

٢- الجانب المعنوي: تمتع العلائي- ﵀ بحظ وافر من الصفات المعنوية، وكان في مقدمتها صحة الذهن، وسرعة الفهم، الشيء الذي جعله يحفظ الكتب، وينظر في العلل والرجال، ولتقدم في مبدأ العلم والمعرفة ١، وبرز في مجال التصنيف، فألف كتبا كثيرة جدا، سائرة مشّهورة، نافعة متقنة محررة ٢، وكان شجاعا قوي الشخصية، ذا سطوة، جمع بين العلم والدين، والكرم والمروءة ٣، والبراعة والذكاء والفصاحة، وقوة المناظرة ٤. ألقابه العلمية: إن المتتبع لأقوال الأئمة النقاد والعارفين بأحوال الرجال، يبهره ذلك الاتفاق والتواتر على نقل أعلى رتب الألقاب العلمية، وتصوير ترجمة العلائي بها، فتأتي في مقدمة الحلل العلمية الباهرة. من ذلك: الحافظ ٥: وهو لقب لا يناله إلا ذووا الأذهان الصافية والأفهام السريعة. الإمام ٦: وهو لقب علمي لا يطلقه العلماء إلا على من نال أعلى الرتب العلمية، واستطاع بعلمه الغزير وإبداعه في مختلف العلوم، أن يخضع العلماء للاعتراف بتقدمه وقدرته العلمية، وقد وصف العلائي بالإمامة في علوم عدّة ٧. الفقيه ٨: وهو لقب علمي لا يدركه إلا من خرّج المسائل الفقهية، وعرف اختلاف العلماء، وبرع في المذهب.

стр. 17

المفتي ١: منصب عظيم، وحمل جسيم، لا أراه مستحقا إلا لمن جمع أصناف الألقاب السابقة وزيادة، وقد لقب به العلائي، وأجازه بذاك شيخه الزملكاني وقاضي القضاة سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وعمره ثلاثون سنة ٢. وخلاصة القول: جمع العديد من الألقاب العلمية، وتصانيفه تشهد بجدارته واستحقاقه لما لقب به. وقد سرد له السيوطي جملة من الألقاب. فقال: "الشيخ الإمام العلامة، الحافظ الفقيه" ٣. وقال النعيمي:" الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، المحدث الفقيه، الأصولي الأديب" ٤. وله على كل لقب دليل من مؤلفاته ﵀. مناصبه: إن ما تمتع بها العلائي- ﵀ من نباهة وعلم، وفصاحة وسطوة ومناعة، كانت أسبابا - بعد فضل الله - أنالته مناصب رفيعة، كان أولها ممارسة التدريس وعمره ثلاث وعشرون سنة، ولم يكن هذا المنصب الرفيع سهل الارتقاء، لكثرة الناقدين، والمبارزين في ميادين شتى من العلوم والفنون، فلا يجرؤ على كرسي الحلقة إلا من نال علما غزيرا، وتفقه، وقد درس العلائي في دمشق في المدارس التالية: ١- دار الحديث الناصرية ٥: وكان ذلك في سنة ثمان عشرة وسبعمائة من الهجرة ٦، وهي المدرسة الأولى التي بدأ فيها نشر علومه على طلاب العلم، وأول تلك العلوم، علم الحديث وعمره أربع وعشرون سنة. ٢- دار الحديث الأسدية ٧: وكان عمره ثمانيا وعشرين سنة - أي: في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة ٨.

стр. 18

٣- حلقة صاحب حمص: درس بها وعمره أربع وثلاثون سنة، في يوم الأربعاء، ثاني المحرم، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وحضر درسه، القضاة والفقهاء والأعيان، وقد نزل له عن هذه الحلقة: المزي- ﵀ ١. أما بالقدس فدرس في المدارس التالية:: ١- المدرسة الصلاحية بالقدس ٢: درس بها العلائي وعمره سبع وثلاثون سنة، أي: سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، انتزعها من علاء الدين علي بن أيوب المقدسي ٣، وقد كانت كنيسة زمن الروم، ونزل عنها العلائي لزوج ابنته القلقشندي ٤. ٢- مدرسة دار الحديث السيفية ٥: تولى العلائي مشيختها، وهي من مدارس القدس ٦. ٣- دار الحديث والقرآن التنكزية ٧: درس بها العلائي ٨. وكان تاج هذه المناصب الإفتاء، والإمامة في العلوم، وكان العلائي قديرا على مزاولة هذه المناصب، والقيام بأعبائها ٩. مؤلفات العلائي: كان العلائي- ﵀ واعيا بأساليب الجمع والتصنيف، محيطا بطرق التخريج والتأليف، مجيدا الانتقاء للأبواب والأجزاء ١٠، فكان له من المصنفات أجودها، ومن

стр. 19

المؤلفات أحسنها، أثرى بعطائه، في هذا الميدان، المكتبة الإسلامية بالنفائس مما خزنته ذاكرته، ووعاه قلبه، وسطره قلمه، ما يقارب خمسين كتابا في مختلف العلوم الإسلامية, منها الكتاب ذو الأجزاء الكثيرة، والمجلد ذو الفوائد المنثورة، والجزء النافع المتتبع لمواطن الإشكال، وقد أحصاها الدكتور زهير الناصر ١. أذكر عددا منها للتمثيل، ولا حاجة في نظري للتطويل: ١- التفسير: في هذا العلم العظيم، تفسير القرآن العظيم، كتب العلائي ﵀ سبعة مصنفات منها: أ- السفينة الكبرى في تفسير القرآن العظيم. ب - برهان التيسير في عنوان التفسير. ٢- الحديث: صنف في الحديث الشريف وعلومه، تسعة عشر كتابا. منها: أ- التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة، وهو موضوع تحقيقنا. ب - النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح. ٣- الفقه: صنف فيه العلائي، تسعة كتب. منها: أ- الأشباه والنظائر في فروع الفقه الشافعي. ب- فتاوى صلاح الدين العلائي. ٤- أصول الفقه: صنف العلائي في هذا العلم، ستة كتب. منها: أ- تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال. ب- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد.

стр. 20

٥- الأخلاق والسلوك: أ- الأمالي الأربعين في أعمال المتقين. ب - عقيلة المطالب في ذكر أشرف الصفات والمناقب. ومن يقف على مؤلفات العلائي، يعلم إلى أي مدى كان الحسيني صادقا حين قال: "كان إماما في الفقه والنحو، والأصول، متفننا في علوم الحديث وفنونه، حتى صار بقية الحفاظ، عارفا بالرجال، علامة في المتون والأسانيد، ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن، ولم يخلف بعده مثله" ١. وكان العلائي ناظما للشعر ٢، له في الأدب مشاركة جيدة، بل إن السبكي يقول: " كان ... متكلما، أديبا، شاعرا، ناظما، ناثرا " ٣. ومن نظم العلائي- ﵀: ألا إنما الدنيا مطية راكب ... تسير به في مهمه وسباسب فإما إلى خير يسر نواله ... وإما إلى شر وسوء معاطب فلولا ثلاث هنّ أفضل مقصد ... لما كنت في طول الحياة براغب ملازمة خير اعتقاد منزها ... عن النقص والتشبيه رب المواهب ونشر علوم للشريعة ناظما ... عقود معانيها لتفهيم طالب وصوني نفسي عن مزاحمة على ... دنيّ حطام أو عليّ مناصب ففي ذاك عز بالقنوع وراحة ... معجلة من خوف ند مغالب وحسبك في ذا قول عالم عصره ... مقال حق صادق غير كاذب كمال الفتى بالعلم لا بالمناصب ... ورتبة أهل العلم أسنى المراتب ٤ ومع ذاك أرجو من إلهي عفوه ... وخاتمة الحسنى ونيل الرغائب ويطعمني في ذي الثلاثة ثلاثة ... بهن اعتصامي من وبيل المصائب محبة خير الخلق أحمد مصطفى الـ ... مهيمن من عليا لؤي بن غالب وإني موال للصحابة كلهم ... ومن بعدهم من تابع في المذاهب

стр. 21

وبالأولياء الغر حسن تعلقي ١ ... أرى حبهم حتم عليّ كواجب فحسبي بهذا كله لي عدة ... حياتي وموتي والإله محاسبي " ٢ وقد رثى العلائي ﵀ شيخه الزملكاني بقصيدة ٣. وفاته: ذكرت المصادر ٤ أن الإمام العلائي- ﵀ توفي في الخامس- أو الثالث- من المحرم سنة إحدى وستين وسبعمائة من الهجرة ٥، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جوار سور المسجد ٦، بعد رحلة علمية استمرت أكثر من ستين سنة، كان حصادها العلم النافع، والثناء الواسع. فالله نسأل أن يثيبه على أعماله الصالحة، وأن يعفو عن زلته، ولا يحرمه لقاء البررة الأخيار في الجنة، مسكن الأبرار. وتجدر الإشارة إلى أنني وقفت على دراسة الأخوين الكريمين الدكتور: زهير الناصر - عند تحقيقه لجامع التحصيل-، والدكتور: عبد الرحيم القشقري - عند تحقيقه منيف الرتبة -. واستفدت من جهودهما. فجزاهما الله خيرا. وفي نظري لا يعتبر الجهد مكررا من حيث العرض وإثارة المعلومات فلكل أسلوبه ومنهجه. والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 22

(الفصل الثاني) معلومات موجزة عن الكتب التي أورد عليها التنبيهات ومؤلفيها ذكر الحافظ العلائي- ﵀ في مقدمة كتابه هذا أن عمله تضمن التنبيه على مواضع مشكلة، وقعت في كتب الحديث المهمات، الصحيحين والسنن، وغيرهما. ومعلوم أن مراده بالصحيحين: صحيح البخاري،وصحيح مسلم. وبالسنن: أبي داود، وسنن ابن ماجة، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وبغيرهما: الموطأ، ولم يذكر سواه. ويحسن بنا أن نعرِّف الكتب التي تعرض لمواضع مشكلة فيها، ونعرف - أيضا- بمؤلفيها باختصار: ١- صحيح الإمام البخاري: سماه الإمام البخاري (الجامع الصحيح المسند من حديث رسول ﷺ وأيامه وسننه) ١. وهو أصح الكتب بعد كتاب الله ، بذل فيه الإمام البخاري أقصى درجات الحيطة والتثبت, ومن ذلك: أ- الانتقاء, وهذه مرحلة علمية شاقة، روي عن الإمام البخاري قوله: "خرجت الصحيح من ستمائة ألف حديث" ٢, وقوله: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر" ٣. ب- المبالغة في التروي والبحث بدقة عن المتيقّن، ودعم ذلك بالصلاة والاستخارة، قال البخاري ﵀: "ما كتبت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين" ٤. فيكون ﵀ اغتسل عدد الأحاديث، وصلى ضعف عددها، بحثاً عن الصدق وبعداً عن الكذب على رسول الله ﷺ . جـ - اشترط أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير

стр. 23

اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع وإن كان للصحابي راويان فأكثر فحسن، وإن لم يكن إلا راو واحد وصحّ الطريق إليه كفى ١. والبخاري- ﵀ لم يكتف بمعاصرة الراوي لشيخه، بل اشترط اجتماعهما، وثبوت اللقاء بينهما ٢، من هنا يعلم الدارس يقيناً أن الإمام البخاري بهذا المنهج الفريد قدم للأمة عملا ما سبقه إليه مثيل، ولن يلحقه بمثله مغير، لذلك صار كتابه بحق أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ٣، وعلى صحة ما فيه وقبوله، أجمع علماء الأمة ٤. أما الإمام البخاري: فهو: أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، البخاري إمام المحدثين، صدر في هذا الشأن بغير منازع، فاق الحفاظ والمتقنين لم نسمع بأحفظ منه ولا أعلم بحديث رسول الله ﷺ – ومقاصده, ومؤلفاته تنبئ عن تقدمه في الرواية والدراية، ولد في سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة، في مدينة بخاري من بلاد خراسان، تحدث عنه العلماء بما يذهل، من بداية طلبه العلم إلى وفاته، وكان مستجاب الدعوة، مات سنة ست وخمسين ومائتين، في قرية من قرى سمرقند- ﵀ ٥. ٢- صحيح مسلم: كان الإمام مسلم ﵀ مقتديا بأستاذه الكبير الإمام البخاري من حيث العناية بالصحيح من حديث رسول الله ﷺ إلا أنه سلك طريقا تخالف البخاري من حيث المنهج، وهنا قال بعض الأئمة: "ما تحت أديم السماء أصحّ من كتاب مسلم بن الحجاج " ٦, لكن مسلما فاته شيخه في الحيطة والتثبت. ومن ذلك: أ- تحقيق جانب العلم بهذا الشأن رواية ودراية، قال الإمام مسلم- ﵀: "إن من الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقدين لها، والمتهمين، ألاّ يروى منها إلاّ ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع " ٧. وهذا مبدأ التثبت في النقل.

стр. 24

ب- الانتقاء، قال الإمام مسلم: "صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة" ١. جـ- التروي وعدم العجلة, قال الإمام مسلم: "ما وضعت في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلاّ بحجة " ٢. د- العرض على العلماء, قال الإمام مسلم: "عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار، أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته" ٣. هـ- شرط الإمام مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد، بنقل الثقة عن الثقة، من أوّله إلى منتهاه، سالما من الشذوذ والعلة ٤، واكتفى بمطلق المعاصرة بين الراوي ومن روى عنه، ومن هنا أحرز الكتاب الرتبة الثانية بعد صحيح البخاري، وهذا الذي عليه المحققون من أهل العلم. قال النووى ﵀: " كتاب البخاري أصحهما وأكثر فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صح أن مسلما كان ممن يستفيد من البخاري، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه من ترجيح البخاري هو المذهب المختار، قاله الجماهير وأهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث " ٥. ولم يرو مسلم عن البخاري شيئا في كتابه الصحيح، وعذره في ذلك من وجوه, منها: أنه شارك الإمام البخاري في كثير من شيوخه، والرغبة في علو الإسناد مطلب عند أئمة الحديث. أما الإمام مسلم: فهو أبو الحسين، مسلم بن الحجاج، القشيري ولد سنة أربع ومائتين (٢٠٤) من الهجرة، ونشأ في بيت علم وفضل، دوّن العلماء حياته ومآثره، وذكروا من علمه وفضله ما يجعله جديرا بلقب الإمام، مقدما على الكثيرين، تلقت الأمة كتابه الصحيح بالقبول، عمّر ما يقارب سبعا وخمسين سنة، كانت حافلة بالفضل والعلم والعمل، أورث الأمة الإسلامية كنزا به تعتز وتفخر بوثوق نصوصه وصحتها ٦. ٣- سنن أبي داود: تقدم القول أن أصحّ الكتب - بعد كتاب الله تعالى- كتاب البخاري ويليه في الرتبة

стр. 25

الثانية كتاب الإمام مسلم، وهما الصحيحان، أما الرتبة الثالثة، فإن العلماء جعلوها من حظ كتاب أبي داود "السنن", فقد أثنى عليه أهل العلم، وذكروا له مآثر تجعله جديرا بهذه المكانة، وقد كتبه أبو داود على أبواب الفقه مقتصرا على السن، مبينا الأحكام، لم يتعرض لمباحث الأخبار، والقصص، ولا لأبواب الزهد، وفضائل الأعمال، اتبع طريقة الانتخاب. قال ﵀: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف وثمان مائة حديث ١، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله ﵇: "الأعمال بالنيات". والثاني: قوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". والثالث: قوله: "لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه". والرابع: قوله: " الحلال بين والحرام بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهات " ٢. وكانت الاستشارة العلمية هدفا هاما عند أبي داود، إذ عرض كتابه على الإمام أحمد فاستحسنه ٣، واعتنى بكتابه فخرج فيه الصحيح وما دونه، وبيّن ما فيه وهن شديد ٤، وخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال ٥. وما سكت عنه فهو صالح عنده، والحق أنه على ثلاثه أقسام: فيه الصالح للاحتجاج، والضعيف، والموضوع، كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح. أما أبو داود: فهو الإمام الثبت، الحجة، الحافظ، سليمان بن الأشعث بن إسحاق الأزدي، كان مقدما في زمانه، لم يسبقه أحد إلى المعرفة بتخريج العلوم، والبصر بمواضعها، سكن البصرة، وتردد على بغداد مرارا، وبها روى مصنفه هذا، ولد سنة اثتين ومائتين (٢٠٢ هـ) ، ومات سنة خمسة وسبعين ومائتين. ﵀ ٦.

стр. 26

٤- سنن الترمذي: اشتهر مصنف الترمذي (الجامع) بسنن الترمذي، وهو من أشهر مصنفاته تداوله العلماء، وحصل تساهل في التسمية، حيث أطلق عليه بعض العلماء (الجامع الصحيح) ، وهو إطلاق غير صحيح، وإن كان الكتاب يعتبر من أكثر الكتب فائدة، وأقلها تكرارا، وهذا يعرفه من عايش الكتاب وسبر غوره، فإن الإمام الترمذي أخرج فيه الصحيح، والحسن، والضعيف والغريب، والمعلّل، وتطرق إلى كشف العلل، وبيان النكارة، وابتعد عن التخريج لمن اتفق النقاد على اتهامه بالكذب، إلا مقرونا بغيره، وجمع الإمام الترمذي في مصنفه هذا الفقه إلى جانب العناية بالحديث، وبيان درجة ما يخرجه من خلال اصطلاحاته المعروفة، واعتنى بعلل الأحاديث والرجال، وكتابه ينبئ عن براعته، وعلمه. أما الترمذي: فهو أبو عيسى، محمد بن عيسى بن سورة، الإمام الحافظ، الحجة، الثبت، ابتدأ طلب العلم في الصّغر، ورحل في سبيل ذلك إلى البلاد شرقا وغربا، وإلى الأئمة الكبار، وعنهم أخذ علما واسعا، شهد له معاصروه بالإمامة والحفظ، وعرف بسرعة الفهم، وقوة الملاحظة، وعبارة شيخه البخاري تنبئ عن مكانته العلمية الرفيعة, قال البخاري للترمذي: "ما انتفعت بك، أكثر مما انتفعت بي" ١ أي الذي انتفعت بك فيه، أكثر من الذي انتفعت به مني، كانت ولادة الترمذي في إحدى قرى ترمذ على نهر جيجون، بعد المائتين من الهجرة، ومات بها أيضا في سنة تسع وسبعين ومائتين من الهجرة" ٢. ٥- السنن الكبرى ٣ للنسائي: هذا المصنف من أبرز مصنفات الإمام النسائي ﵀ وقد سلك في تأليفه مسلك أبي داود في سننه، فخرّج الصحيح وما دونه، وأحاديث أبان علتها بما يفهمه أهل المعرفة، لتزول الشبهة، وذكر بعض العلماء أنه في مقام الحسن حينما لا يرد في الباب غيره، لأنه مقدم عند الإمام النسائي على رأي الرجال ٤، ومن هنا نعلم أن الإمام النسائي قد جمع بين أعمال من سبقه، مع حظ وافر في بيان العلل، وقد اجتبى منه كتابه (السنن الصغير) ,

стр. 27

(أو المجتبى) . ومن هنا ندرك سر الخلاف بين العلماء في تحديد منزلة سنن النسائي, لكن ربما يقول قائل: إن منشأ الخلاف النظر إلى الشرط وليس النظر إلى الأصل والمختصر, فإن من العلماء من أطلق الصحة على سنن النسائي، بالنظر إلى أن شرط الإمام النسائي هو شرط الشيخين، بل إن له شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم ١. وقال آخرون: "إن شرطه في كتابه المذكور شرط أبي داود، إخراج حديث من لم يجمع على تركه٢. وعلى هذا القول يكون في قول من أطلق الصحة ٣ على سنن النسائي تساهل. وذهب بعض العلماء إلى أن المجتبى هو الذي يعتبره العلماء صحيحا، ويخرجون عليه الرجال، ويعملون في الأطراف ٤. وهذا الرأي - في نظري- جيد، ويجمع بين النظرين السابقين. وبالله التوفيق. أما الإمام النسائي. فهو: أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي النسائي، أحد الحفاظ الأعلام، إمام في الحديث وعلله، من أئمة الجرح والتعديل، تضلع في العلوم، ومارس المعضلات من المسائل والفنون، حتى مهر وتقدم في هذا الشأن، وأصبح من حذاقه ونقاده, ولد سنة أربع عشرة- أو خمس عشرة- ومائتين من الهجرة ٥، في خراسان، في قرية نساء، ونسب إليها. ٦- سنن ابن ماجة: يعد هذا المصنف عند االكثيرين من العلماء، سادس الأمهات الست وقد جمع فيه الإمام ابن ماجة جماعة كبيرة من الأحاديث الضعيفة، فهو على النقيض ممن سبقه من الأئمة، وتفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب، وسرقة الحديث، وبعضها لا تعرف إلا من جهتهم، مثل: حبيب بن أبي حبيب، كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وغيرهم. فهو آخر الكتب الستة رتبة، بل إن بعض أهل العلم قدم عليه موطأ الإمام مالك من حيث الرتبة ٦، وحكى على هذا الاتفاق

стр. 28

أبوجعفر الزبيري, قال: "أولى ما أرشد إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده، وذلك الكتب الخمسة، والموطأ، الذي تقدمها وضعا، ولم يتأخر عنها رتبة ١. أما ابن ماجة. فهو: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله، أحد علماء الأمة الأعلام طلب العلم ورحل في سبيله، سمع أئمة كبار, حدث وتدرج في العلوم إلى أن صار من حفاظ الإسلام، وعي الحديث، ونقد الأسانيد والمتون، وشارك في من العلوم. ولد سنة تسع ومائتين (٢٠٩ هـ) ، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائتين (٢٧٣هـ) ، ﵀ ٢. ٧- الموطأ: هذا المصنف النفيس من أقدم المصنفات الحديثية، لذلك جزم الإمام الشافعي ﵀ بأنه أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ٣. ورجح الإمام البخاري أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر ٤، أما كلام الشافعي ﵀ فقد سرى مفعوله واستمر، فلم يكن في وقت الموطأ مثله، فلما خرج الإمام البخاري بكتابه "الجامع الصحيح"، وتلاه الإمام مسلم، وهيَّئَا من الأسباب والاحتياطات، ما جعل كتابيهما يفوقان الموطأ ويتقدمان عليه، وعلى ما تقدم حمل العلماء كلام الشافعي ﵀ ٥, وإن كان من العلماء من لم يقتنع بالإجابة المذكورة، وفي رأيه أن الموطأ تقدم على الصحيحين من حيث الوجود، وهو حق، ولم يتأخر عنهما من حيث الرتبة، وفيه نظر، لأن ما فيه من المراسيل، والبلاغات من وجهة نظر الآخرين تجعله يتأخر رتبة، وهو أمر غير مؤخر للإمام مالك ﵀ فهو رأس أتباع التابعين، وإمام دار الهجرة، وأهل السنة والجماعة، فضائله منشورة، ومناقبه مأثورة، ومكانته عظيمة عند المسلمين، توخى في كتابه القوي من أحاديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ٦، فجمع الحديث الصحيح والمراسيل والبلاغات، ومن نظر في الآخذين عن الإمام مالك كتابه الموطأ من علماء الأمة ومختلف الديار، يعلم بالضرورة أن أصحاب الحديث استفادوا من الإمام مالك، كثيرا في المعلومات الحديثية، وفي الأسلوب التأليفي، وإن بعض من ألف بعده في هذا الشأن من

стр. 29

التابعين وأتباعهم، انتهج نهجه، واستفاد من صنيعه، ومن هؤلاء أصحاب الكتب الستة، ولا يبعد عن الواقعية من قال: إن أصحاب كتب الحديث عالة على الإمام مالك وأصحابه، فهو شيخ لجميعهم من حيث البنية الأساسية للتأليف ١. أما الإمام مالك. فهو: أبو عبد الله، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر، الأصبحي، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين اشتهر بالإمامة في الفقه والحديث، والجرح والتعديل، ومعرفة الآثار ورواتها، أحد أئمة أهل السنة والجماعة، ولد سنة ثلاث وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن عمر بلغ تسعين سنة. ﵀.

стр. 30

القسم الثاني (الفصل الأول) بيان عملي في الكتاب ١- نسخت المخطوطة، وهي نسخة فريدة لم أقف على سواها. ٢- قمت بدراسة عن الإمام العلائي من ولادته وفاته. ٣- عرفت بالمصنفات التي نبه العلائي على مواضع مشكلة فيها وبمؤلفيها بصورة موجزة. ٤- حاولت ضبط النص من خلال الرجوع إلى المصنفات المنبه على مواضع فيها، ومن النقولات عن العلائي. ٥- صححت الأخطاء الإملائية، وجعلتها وفق قواعد الإملاء الحديثة. ٦- عندما يكون الخطأ من المتن أثبت بدلا منه الصواب، منبها عليه في الحاشية. ٧- رجعت إلى مصادر المصنف وحددت مواضع الأحاديث منها. ٨- شرحت بعض الكلمات الغريبة. ٩- ناقشت بعض المواقف العلمية. ١٠- عرّفت ببعض رجال الإِسناد. ١١- ذكرت بعض عبارات التعديل أو الجرح عندما يقتضي المقام البيان. ١٢- عرفت ببعض الأمكنة والمواقع. ١٣- جعلت لكل تنبيه رقما يدل عليه. ١٤- سجلت خاتمة للبحث. ١٥- أعددت الفهارس اللازمة للبحث حسب رأيي.

стр. 31

(الفصل الثاني) تسمية الكتاب, ووصف نسخته الخطية اسم الكتاب, ونسبته: اقتصر الكثيرون من العلماء الذين تعرضوا لترجمة العلائي، على ذكر بعض مؤلفاته الكبيرة، واكتفى البعض بالإشارة إلى أنه له أجزاء كثيرة ١، ولم أقف على اسم كتابنا هذا ضمن ما عدّ من مؤلفات العلائي، ونصّ عليه الأستاذ عمر كحالة، وأحال على فهرس الظاهرية، وفهرس القادرية ٢، ولم يذكر في الأول، وما وقفت على الثاني من الفهرسين، لكن الدكتور زهير الناصر نصّ على اسم الكتاب، وأحال على تاريخ الأدب العربي ص٦٨، ولم أقف عليه في الكتاب المذكور، ولا في تاريخ التراث، ولم يرد في كشف الظنون ضمن مؤلفات العلائي. ما النسخة الخطية فقد صدرت بالعنوان التالي: "كتاب التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة" وهو ما يتفق مع ما ورد في مقدمة المصنف, إذ قال: "فهذه نكت مفيدة، تضمنت التنبيه على مواضع مشكلة، وقعت في كتب الحديث المهمات". وهذا اسم للكتاب ضمنا من غير تصريح. أما النسبة, فلم يراودني شك في صحة نسبة الكتاب للعلائي، لثبوت النقل عنه عند الحافظ ابن حجر، وقد تقدم التنبيه على هذا والإيضاح في مواضع من الكتاب، فالتنبيهات المجملة من الأجزاء التي لم ينص على أسمائها، وهو من جملة مؤلفات العلائي- ﵀. وصف النسخة: التنبيهات المجملة نسخة فريدة فيما أعلم، وقد صورتها الجامعة الإسلامية تحت رقم (٨٧٨) عن نسخة أصلية في مكتبة الأسكوريال بأسبانيا، وعدد أوراقها اثنتان وعشرون ورقة، وأسطر في أول الورقة الثالثة والعشرين، بدأت بقول المصنف: "بسم الله الرحمن

стр. 32

الرحيم، وما توفيقي إلا بالله، بعد حمد الله على ما هدى إليه وألهم", وختمت بقول الناسخ: "فرغ من تعليقه العبد الفقير إلى الله تعالى المعروف باللدني, الراجي رحمة ربه وغفرانه، عيسى بن إبراهيم بن ناجي، عفا الله عنه وغفر له، وذلك من نسخة المصنف بخطه، وفرغ في مستهل ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة بالمسجد الأقصى الشريف، بالخانقاة الفخرية ١، رحم الله واقفها ٢، والحمد لله وحده، وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم". وقد نسخت هذه النسخة مرة ثانية وقوبلت. لذلك قال ناسخها- ﵀: "وليس فيه سوى الغلط في اسم عثمان بن حنيف، آخر الكتاب فرغ منه محمد بن أحمد الصميدي، في ثامن شهر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة (٧٧٦ هـ) . محمد بن أحمد بن الصميدى، شهرة وأصلا بلدا، والقرشي نسبا، الشافعي مذهبا، الدمشقي مولدا، وأبا وجدا، وجد جد، المصري منشأ" ٣. مقاس الوجه من هذه المخطوطة: ١٧×١٢سم، وعدد الأسطر تسعة عشر سطرا، خطها مشرقي جيد، تقدم بيان مكان نسخها وتاريخه. كتب عنوان الكتاب على الوجه الأول من النسخة مرتين بخط دقيق في الأولى، ومكبرا في الثانية، على نحو ما تقدم بيانه في أول الكتاب ٤، حيث عدد الكتب التي وقف على مواضع مشكلة فيها، وذكر اسم المصنف، ثم نصّ على عدد المواضع المشكلة: ثلاثة وعشرون موضعا. في الصحيحين خمسة مواضع، وفي البخاري - وحده - أحد عشر موضعا، وفي مسلم -وحده - موضعان، وفي الترمذي موضعان، وفي النسائي واحد، وفي أبي داود واحد، وفي الموطأ واحد.

стр. 33

وكل ما تقدم كتب في النصف الأعلى من الوجه، وكتب على النصف الأول ما صورته: مجموع فيه ستة كتب، وكلها تصنيف صلاح الدين العلائي: الأول: كتاب التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة في كتب الحديث كالبخاري، ومسلم، والموطأ للإمام مالك، والسنن وغيرها الثاني: النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح. الثالث: الكلام في اشتراط القبول في الوقف على المعين. الرابع: الكلام في بيع الفضولي الخامس: منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة. السادس: توفية الكيل فيمن حرم لحوم الخيل وكتب على الجانب الأيسر من الوجه: تملك لمحمد بن عبد الحق "الحمد لله من نعم الله تعالى على تملكه محمد بن عبد الحق ". وعلى الهامش بخط معاكس كتبت عدة مسائل فقهية.

стр. 34

التحقيق الرموز المستخدمة في تحقيق الكتاب خ: البخاري صف: صحيح البخاري مع فتح الباري م: مسلم د: أبو داود ت: الترمذي ن: النسائي جه: ابن ماجة واعلم أن كل ترجمة لم أذكر مصدرها، فهي من التقريب وقد تكون بتصرف أحيانا.

стр. 35

p ٤٥

стр. 36

p ٤٦

стр. 37

p ٤٧

стр. 38

(القسم الثالث) تحقيق نصوص الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم. وما توفيقي إلا بالله ... بعد حمد الله على ما هدى إليه وألهم، وأسدى من جزيل أفضاله وأنعم، والصلاة على سيدنا محمد ﷺ : فهذه كتب مفيدة، تضمنت التنبيه على مواضع مشكلة، وقعت في كتب الحديث المهمات، كالصحيحين وكتب السنن وغيرها، يسر الله سبحانه التفطن لها، وقلّ من رأيته تعرض لها، فمنها ما منّ الله تعالى بحل إشكاله، وبيان الصواب فيه، ومنها ما يغلب على الظن كونه وهماً، إما من الناسخ، أو من أصل التصنيف، ومنها ما تردد النظر فيه، والانفصال عنه قريب، فذكرته ليعرف ذلك، وما لم يتوجه فيه شيء من ذلك، فتركته منبها عليه، ليظفر بالصواب فيه من سهل الله عليه ذلك فيفيده، وبالله تعالى أستعين، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ١- فمنها: ما وقع في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة، عن نافع، عن ابن عمر- ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ : "إنّ أمامكم حوضي ١ ما بين ناحيتيه كما بين جرباء ٢وأذرح " ٣. وهذا لفظ مسلم ٤، وعنده من طريق عبيد الله ٥ بن عمر، عن نافع نحو ذلك ٦. وزاد قال: عبيد الله: فسألته - يعني نافعا - فقال: "قريتان

стр. 39

١بالشام، وبينهما مسيرة ثلاثة أيام" ٢. وتبع نافعا على هذه المسألة ٣ جماعة ممن تكلم على هذا الحديث. وقال ابن وضاح من المالكية في أذرح: "إنها فلسطين" ٤، وفي الصحيحين أيضا: عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "حوضي كما بين صنعاء والمدينة". وهذا لفظ البخاري ٥. وقال - يعني ابن وضاح-: "سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن الجمع بين ٦ الحديثين؟ فقال: المقدر بما بين المدينة وصنعاء، هو بحسب الطول، وبما بين جرباء وأذرح هو بحسب العرض ٧. قلت: وهذا لا يستقيم، ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء " ٨. ومن حديث أبي ذر- ﵁ أن النبي ﷺ قال عن صفة الحوض: "عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيله " ٩. ولذلك روى البخاري في صحيحه ١٠ من طريق ابن جريج، عن مجاهد، عن النواس بن سمعان، عن النبي ﷺ بهذا اللفظ: "عرضه وطوله سواء كما بين أيله ١١ إلى عمان" ١٢ الحديث. ومثله أيضا ما روى النضر بن شميل ١٣، عن سنان بن سعد ١٤، سمعت أبا

стр. 40

الوازع- وهو جابر بن عمرو ١- أنه سمع أبا برزة الأسلمي ٢ ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء، مسيرة شهر، عرضه كطوله..." ٣ الحديث. وكذلك روي ٤ أيضا من حديث عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله ﵄ بإسنادين جيدين، روى الجميع الحافظ ضياء الدين المقدسي، في جمعه طرق أحاديث الحوض ٥، فامتنع حينئذ الجمع الذي ذكره الشيخ عز الدين ﵀ ٦، ولكن حديث ابن عمر ٧ وقع فيه اختصار (فدعه فيه) ٨ اقتضاه قصد من سمعه حينئد لما مع شغله عن إدراك جملة الحديث، فحصل الوهم فيه لعامة من بعده، وقد روى الحافظ ضياء الدين في الكتاب المذكور بسند جيد إلى سليمان بن بلال ٩، ثنا إبراهيم بن أبي أسيد ١٠، عن جده ١١، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ١٢ أنا هلكت ١٣ فإني فرطكم على الحوض" قيل: يارسول الله، وما الحوض؟ قال: "عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح، بياضه بياض اللبن ... " ١٤ وذكر بقية الحديث. وإبراهيم بن أبي أسيد هذا، قال فيه أبو حاتم: محله الصدق، ولم يتكلم فيه أحد" ١٥، وجده أبو أسيد - بفتح الهمزة وكسر السين- قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر:
следующие страницы →