(القسم الثالث)
تحقيق نصوص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم. وما توفيقي إلا بالله ...
بعد حمد الله على ما هدى إليه وألهم، وأسدى من جزيل أفضاله وأنعم، والصلاة على سيدنا محمد ﷺ :
فهذه كتب مفيدة، تضمنت التنبيه على مواضع مشكلة، وقعت في كتب الحديث المهمات، كالصحيحين وكتب السنن وغيرها، يسر الله سبحانه التفطن لها، وقلّ من رأيته تعرض لها، فمنها ما منّ الله تعالى بحل إشكاله، وبيان الصواب فيه، ومنها ما يغلب على الظن كونه وهماً، إما من الناسخ، أو من أصل التصنيف، ومنها ما تردد النظر فيه، والانفصال عنه قريب، فذكرته ليعرف ذلك، وما لم يتوجه فيه شيء من ذلك، فتركته منبها عليه، ليظفر بالصواب فيه من سهل الله عليه ذلك فيفيده، وبالله تعالى أستعين، وعليه أتوكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
١- فمنها: ما وقع في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة، عن نافع، عن ابن عمر- ﵄ قال: "قال رسول الله ﷺ : "إنّ أمامكم حوضي ١ ما بين ناحيتيه كما بين جرباء ٢وأذرح " ٣. وهذا لفظ مسلم ٤، وعنده من طريق عبيد الله ٥ بن عمر، عن نافع نحو ذلك ٦. وزاد قال: عبيد الله: فسألته - يعني نافعا - فقال: "قريتان
стр. 39
١بالشام، وبينهما مسيرة ثلاثة أيام" ٢. وتبع نافعا على هذه المسألة ٣ جماعة ممن تكلم على هذا الحديث.
وقال ابن وضاح من المالكية في أذرح: "إنها فلسطين" ٤، وفي الصحيحين أيضا: عن حارثة بن وهب ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "حوضي كما بين صنعاء والمدينة". وهذا لفظ البخاري ٥.
وقال - يعني ابن وضاح-: "سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن الجمع بين ٦ الحديثين؟ فقال: المقدر بما بين المدينة وصنعاء، هو بحسب الطول، وبما بين جرباء وأذرح هو بحسب العرض ٧. قلت: وهذا لا يستقيم، ففي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء " ٨.
ومن حديث أبي ذر- ﵁ أن النبي ﷺ قال عن صفة الحوض: "عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيله " ٩.
ولذلك روى البخاري في صحيحه ١٠ من طريق ابن جريج، عن مجاهد، عن النواس بن سمعان، عن النبي ﷺ بهذا اللفظ: "عرضه وطوله سواء كما بين أيله ١١ إلى عمان" ١٢ الحديث.
ومثله أيضا ما روى النضر بن شميل ١٣، عن سنان بن سعد ١٤، سمعت أبا
стр. 40
الوازع- وهو جابر بن عمرو ١- أنه سمع أبا برزة الأسلمي ٢ ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء، مسيرة شهر، عرضه كطوله..." ٣ الحديث.
وكذلك روي ٤ أيضا من حديث عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله ﵄ بإسنادين جيدين، روى الجميع الحافظ ضياء الدين المقدسي، في جمعه طرق أحاديث الحوض ٥، فامتنع حينئذ الجمع الذي ذكره الشيخ عز الدين ﵀ ٦، ولكن حديث ابن عمر ٧ وقع فيه اختصار (فدعه فيه) ٨ اقتضاه قصد من سمعه حينئد لما مع شغله عن إدراك جملة الحديث، فحصل الوهم فيه لعامة من بعده، وقد روى الحافظ ضياء الدين في الكتاب المذكور بسند جيد إلى سليمان بن بلال ٩، ثنا إبراهيم بن أبي أسيد ١٠، عن جده ١١، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا ١٢ أنا هلكت ١٣ فإني فرطكم على الحوض" قيل: يارسول الله، وما الحوض؟ قال: "عرضه مثل ما بينكم وبين جرباء وأذرح، بياضه بياض اللبن ... " ١٤ وذكر بقية الحديث.
وإبراهيم بن أبي أسيد هذا، قال فيه أبو حاتم: محله الصدق، ولم يتكلم فيه أحد" ١٥، وجده أبو أسيد - بفتح الهمزة وكسر السين- قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر:
стр. 41
"أظنه سالما البراد" ١.
قلت: وسالما هذا وثقه يحيى بن معين ٢، وقال أبو حاتم: "كان من خيار المسلمين" ٣ لكن كنيته أبو عبد الله ٤، وقد ذكر شيخنا المزي في الأطراف أن حديث الحوض هذا رواه أحمد بن صالح ٥، عن أبي ضمرة، أنس بن عياض ٦، عن إبراهيم بن أسيد، عن جده أبي أسيد، عن أبي هريرة، قال: "فكأنه نسبه إلى جده"، وقد أخرج أبو داود في سننه بالسند الذي ذكراه أولا حديث "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات" ٧. فيكون حسنا عنده على قاعدته ٨، ففي هذا الحديث بيان لما سقط من حديث ابن عمر ﵄، وهذا هو الصحيح، فإن جربا وأذرح قريتان متقاربتان جدا، بحيث يسمع أهل كل قرية النداء من الأخرى، وهما بين بلد الصنعان ٩، وبلد الشوبك ١٠, على جادة الطريق، شاهدتها ١١ قريب أذرح ليلة، ولا يعرف مكان ١٢ يسمى بهذا الاسم غيرها. قال الحازمي: "كان أهل جرباء يهودا، كتب رسول الله ﷺ الأمان، لما قدم عليه
стр. 42
يحنة بن رؤبة ١، صاحب أيلة، بقوم منهم، ومن أهل أذرح، يطلبون الأمان، وهذا يدل على تقاربهما ٢، كما شاهدته، وقول ابن وضاح في أذرح: إنها فلسطين، فوهم بلا شك. فإن الذي قال ٣ الحازمي ٤ والبكري ٥، وصاحب الغريب في شرح مسلم ٦، وغيرهم: إن أذرح مدينة في طرف الشام، في قبلة الشوبك، بينهما وبينه نحو نصف يوم، وهي في طرف الشراة، في طرفها الشمالي.
وأما اختلاف الأحاديث في تقدير مساحة الحوض، أوردنا الله إياه بفضله وكرمه، فالكلام عليها مشهور، وأحسن وجه قيل فيه: إن التقدير كان في كل وقت بحسب ما يفهم الحاضرون من المسافة، مع تقارب ذلك، وأنه نحو شهر، والمقصود منه هو التنبيه على الموضع الناقص من حديث ابن عمر- ﵄، وإزالة الإشكال ٧ عنه وبالله التوفيق.
٢- ومنها: ما رواه البخاري في كتاب المغازي ٨، فقال: "حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة ٩، عن حصين ١٠، عن أبي وائل ١١ حدثهم مسروق بن
стр. 43
الأجدع، حدثتني أم رومان ١، وهي أم عائشة ﵂ قالت: "بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت ٢ امرأة من الأنصار ٣، فقالت: "فعل الله بفلان ٤وفعل"، فقالت أم رومان: وما ذاك؟ قالت: "ابني فيمن حدث الحديث"، قالت: وما ذاك؟ قالت: "كذا وكذا" ٥، قالت عائشة: "سمع رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. قالت: وأبو بكر؟ قالت: نعم. فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض ٦، فطرحت عليها ثيابها، فغطيتها، فجاء النبي ﷺ وقال: " ما شأن هذه؟ قلت: يا رسول أخذتها حمى بنافض قال: "فلعل في حديث تحدث به؟ ٧؟ قالت: نعم. قالت ٨: فقعدت عائشة ﵂ فقالت: "والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه ٩، والله المستعان على ما تصفون". قالت: فانصرف, ولم يقل شيئا، فأنزل الله عذرها ١٠، قالت: "بحمد الله، ولا بحمدك، ورواه ١١ أيضا في أحاديث الأنبياء ١٢، عن محمد بن سلام، ثنا ابن فضيل ١٣، ثنا حصين ١٤، عن شقيق، عن مسروق، قال: سألت أم رومان، وهي أم عائشة ﵄ عما قيل فيها ١٥- قالت: "بينا أنا مع عائشة جالسة". وذكرت نحو ما تقدم. فهذا السياق فيه مخالفة كبيرة لما
стр. 44
رواه ابن شهاب ١، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، كلهم عن عائشة ﵂، القصة بطولها، وهي في الصحيحين ٢، وسائر الكتب، ولا يلتئم الجمع بينهما، وكذلك رواية أبي أسامة ٣ عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، قريبة من رواية الزهري، وقد أخرجاه ٤ أيضا، وتباين طريق مسروق هذه (وقال:) ٥ كنت مهما أستغرب هذا السياق, لا أعرف له علة، إلى أن ظفرت للحافظ أبي بكر الخطيب بكلام عليه ٦, تبين أنه مرسل ٧، لأن أم رومان ﵂ توفيت في ذي الحجة سنة ست من الهجرة ٨، بعد قضية الإفك، بأشهر قليلة، قال ذلك الزبير بن بكار، والواقدي، وأبو حسان الرمادي ٩، وإبراهيم الحربي١٠
стр. 45
وقد روى عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ١، عن القاسم بن محمد، عن أم سلمة ﵂ قالت: "لما دفنت أم رومان, قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين، فلينظر إلى هذه " ٢. ورواه ابن أبي عدي، عن حماد بن سلمة، فجعله من مسند عائشة ﵂.
ومنهم من أرّخ وفاتها سنة خمس، والأول أصح ٣ إذا ٤ ثبت أنها توفيت في حياة النبي ﷺ فلا يصح ٥ أن يسمع منها مسروق، ولو سمع منها بالمدينة - كان يكون ٦- صحابيا، ولا خلاف في أنه لم يقدم المدينة إلا بعد ٧ وفاة النبي ﷺ وصلى خلف أبي بكر ﵁، وسمع ممن بعده ٨، فيتعين أن تكون روايته هذه مرسلة ٩.
وقد رواه ١٠ أحمد بن حنبل في المسند من طريق علي بن عاصم، وابن جعفر الرازي، كلاهما عن حصين، عن أبي وائل، عن مسروق عن أم رومان بلفظ: (عن) ١١. قال الخطيب: "وهذا هو الصحيح ١٢ وتصريح (حصين فيه) ١٣ بالحديث، والسؤال فيما رواه البخاري، لعله كان في حال اختلاطه في آخر عمره.
стр. 46
قال: "وقد رواه أبو سعيد الأشج" ١، عن ابن فضيل، بسند البخاري. فقال فيه: "قال: (سئلت ٢ أم رومان) فذكر القصة، قال الخطيب: "كتبت (سألت) بالألف على اصطلاح من يجعل الهمزة في الخط ألفا، وإن كانت مكسورة، أو مضمومة" ٣. قلت: ولا يتأتى هذا التأويل في قول مسروق: (حدثتني أم رومان) . كما رواه البخاري ٤، من طريق أبي عوانة.
فالأولى رد الوهم فيه إلى حصين بعد اختلاطه ٥، والحاصل أن هذا الحديث منقطع بين مسروق وأم رومان ٦، وقد ذكر شيخنا المزي في الأطراف ٧، أن بعض الرواة، رواه عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، عن أم رومان. قال: "وهو أشبه بالصواب " ٨.
وأما ذكر إبراهيم الحربي، أن مسروقا كان يسأل أم رومان وله خمس عشرة سنة، فهو وهم ٩ منه ١٠. قال محمد بن سعد وجماعة: "توفي مسروق سنة ثلاث وستين ١١. وقال
стр. 47
أبو نعيم: "سنة اثنتين وستين" ١ وذكر الفضل بن عمرو أن مسروقا حين مات، كان له ثلاث وستون سنة ٢، فيكون عمره عند موت أم رومان ﵂ نحو سبع سنين ٣، وإبراهيم الحربي ممن أرّخ وفاة أم رومان سنة ست ٤ في حياة النبي ﷺ ، فخفي عليه ذلك ٥، كما خفيت هذه العلة على الإمام البخاري ﵀ ٦، وحصل بسبب هذا الإرسال المخالفة في متن الحديث كما تقدم ٧.
٣- ومن ذلك أيضا: قوله: (امرأة من الأنصار) ، وإنما كانت هذه أم مسطح، وليست من الأنصار ٨، وكان إخبارها بذلك عائشة ﵂ حين خرجوا إلى المناصع ٩، ثم كانت القصة من حين بلغ عائشة ﵂ الخبر، إلى أن نزلت براءتها في أيام متعددة، كما دلت عليه تلك الروايات المتصلة، ومقتضى حديث أم رومان أن كله كان في بعض يوم ١٠، إلى غير ذلك من وجوه ١١ الاختلاف، والاعتراض بحديث
стр. 48
مسروق هذا على الإمام البخاري أقوى مما اعترض به عليه ابن حزم في إخراجه حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس في قصة المعراج، أنه جاؤا ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وذكر القصة ١.
قال ابن حزم: "لا خلاف في أن الإسراء كان بعد النبوة بمدة ٢ وأوّل بعضهم قوله: "قبل أن يوحى إليه"، أي في شأن الصلوات أو الإسراء ونحو ذلك، والتزم الشيخ شهاب الدين أبو شامة وغيره، بسبب هذه الرواية ٣ أن الإسراء كان مرتين، مرة قبل النبوة بروحه، ومرة بعدها بالجسد، وهذا ضعيف جدا، إذ كيف يجوز أن يحفظ النبي ﷺ -٤ هذه القصة بطولها، ويعرف جبريل، وفرض الصلوات عليه، وعلى أمته، ثم لما جاءه ﷺ جبريل بالوحي أوّل النبوة يقول لخديجة ﵂ "لقد خشيت على نفسي"، إلى غير ذلك مما روى عنه ﷺ أوّل النبوة، من سؤال ورقة، وأصحاب خديجة ﵂ (أمر جبريل بكشف قناعها) ٥. فهذا التجويز الذي قاله أبو شامة، يطرّق للمحدثين الطعن في النبوة، ولكن لحديث شريك بن أبي نمر مخرج حسن ظاهر، لم أر أحدا تنبه له، وهو في نفس الحديث عند البخاري من طريقه، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول عن ليلة أُسري برسول الله ﷺ : "أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوسطهم: "أيهم هو"٦؟ فقال أوسطهم: "هو خيرهم ". فقال آخرهم: "خذوا خيرهم"، فكانت ٧ تلك الليلة، فلم يروه حتى أتوه ليلة أخرى ٨، فيما يرى قلبه، وكانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه
стр. 49
حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم ". ثم ذكر القصة بطولها، في شق قلبه ١، ثم الإسراء به ٢.
فيكون الذي وقع قبل النبوة تلك الليلة الأولى فقط ٣ ثم إنما جاؤوا في الليلة الأخرى بعد ٤، وليس فيها ما يشعر بأنها كانت قبل أن يوحى إليه، فاندفع حينئذ ما اعترض به ابن حزم، وما ترتب على ذلك من الالتزام الذي التزمه أبو شامة وغيره.
نعم, وقع في حديث شريك هذا، في كتاب لبقية الروايات عن أنس في عدة مواضع، ومنها جعله في المقام، ولهذا (أعرض) ٥ مسلم عن سياق حديثه، بل ذكره سنده بعد سياق الحديث من طريق ثابت، عن أنس، وقال في سند: شريك، فقدم وأخر، وزاد ونقص ٦. والمقصود إنما هو دفع ما اعترض به على قوله ذلك "قبل أن يوحي الله"، والله أعلم.
٤- ومنها: ما وقع في حديث الإفك الذي رواه ابن شهاب، عمن تقدم من شيوخه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما قام على المنبر فقال:
"يا معشر المسلمين، من يعذرني في رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي " الحديث. فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس، ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك"، قالت: فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية - فقال لسعد بن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تعذر على قتله"، فقام أسيد بن حضير- وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه" ٧ الحديث. هذا لفظ مسلم، من طريق يونس ومعمر عن الزهري، وقال: "السياق لمعمر" ٨. ثم رواه من حديث فليح بن سليمان، عن الزهري، ومن طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه ٩، عن صالح بن كيسان، عن الزهري ١٠.
стр. 50
وأخرجه البخاري في المغازي ١، عن عبد العزيز ٢ بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد. وقال فيه: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال: "أنا يا رسول الله ... " ثم ذكر سعد بن عبادة، ثم قال: "فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد". ورواه في التفسير من طريق يونس، عن الزهري ٣، بمثل حديث مسلم، وصرح فيه بنسبس سعد بن معاذ، وكلامه يومئذ.
ووجه الإشكال، أن قضية الإفك كانت في مرجع النبي ﷺ من غزوة بني المصطلق، وكانت غزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة. قاله ابن إسحاق ٤، وأبو حاتم بن حبان ٥ وابن حزم ٦، وجماعة كثيرون ٧، وكان سعد بن معاذ ﵁ قد مات قبل ذلك بمدة، لأنه توفي عقيب غزوة الخندق، بعد حكمه في بني قريظة ٨، وكانت غزوة الخندق في شهر ربيع الأول سنة خمس ٩ على ما ذكر ابن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: "كانت في شوال سنة أربع" ١٠، ورجح هذا ابن حزم لما في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: "عرضت على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني ١١، وغزوة أحد
стр. 51
كانت في شوال سنة ثلاث بلا خلاف، فتكون ١ وفاة سعد بن معاذ ﵁ على هذا القول أقدم ٢، مما قال ابن إسحاق، والمدة بين ذلك وبين قصة الإفك أطول، لكن ذكر البخاري في صحيحه، عن موسى بن عقبة - أن غزوة بني المصطلق - كانت سنة أربع ٣، ومع ذلك فقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن غزوة الخندق، وبني قريظة، كانتا قبل غزوة بني المصطلق ٤، فيكون وفاة سعد بن معاذ قبل ذلك على قوله أيضا ٥، وذكر ابن هشام في السير عن ابن عمرو المدني أن غزوة بني المصطلق كانت بعد بني النضير، قبل الخندق، وعلى هذا فلا إشكال ٦.
وحديث الإفك رواه ابن إسحاق في مغازيه، عن ابن شهاب ٧، عن أشياخه. قال: "وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ٨، عن أبيه ٩، عن عائشة.
стр. 52
(ح) وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة. فذكر القصة بطولها، وجعل المحاورة فيها بين أسيد بن حضير، وسعد بن عبادة فقط، ولم يذكر سعد بن معاذ أصلا، بل أسيد بن حضير هو القائل: " يا رسول الله، إن لم يكن من الأوس نكفكم، وإن يكن من إخواننا الخزرج فمرنا بأمرك". وذاكرت الحافظ أبا الحافظ أبا عبد الله الذهبي بهذا، فذكر لي أن المتكلم أولا يومئذ من الأوس: عباد بن بشر، وجاء كذلك في رواية - ولم أقف على هذه الرواية إلى الآن - والله سبحانه أعلم.
٥- ومنها: أن السياق الذي ذكره البخاري في قضية الإفك في كتاب المغازي ١ قال فيه: "ودعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ فقالت له بريرة ﵂: " والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمضه" الحديث. وكذلك هو أيضا في صحيح مسلم ٢، وغيرهما - و ٣ أيضا في عدة طرق أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، وبغض بريرة مغيثا"؟ ثم قال رسول الله ﷺ لها: "لو راجعتيه؟ " قالت: تأمرني؟ ..." ٤ الحديث، وذلك لما خيرها رسول الله ﷺ بعد العتق فاختارت.
وأقدر وجه هذا الإشكال، أن عائشة ﵂ اشترت بريرة بشرط العتق، كما دلت عليه الروايات، اتفق عليه الفقهاء، وأقامت عند عائشة –﵂ تخدمها، وقد تقدم أن قصة الإفك كانت سنة ست، أو سنة سبع، أو سنة أربع، على قول موسى بن عقبة ٥ ولعل الأوّل أرجح، وقد كانت بريرة ﵂ مقيمة عند عائشة ﵂ من قبل ذلك بمدة، ولذلك سألها النبي ﷺ عنها، ومجيء العباس ﵁ إلى المدينة وإقامته بها، إنما كان في أواخر سنة ثمان، لأنه جاء إلى النبي ﷺ مهاجرا، فلقيه بطريق مكة متوجها إليها ومن الفتح، فرجع معه وشهد فتح مكة، وحنين، والطائف، ثم جاء بعد إلى المدينة، وحينئذ قال له النبي ﷺ : " ألا تعجب من حب مغيث بريرة". وإنما كان قبل ذلك مقيما بمكة، والظاهر ٦ أن هذا كان قريبا من فراق بريرة إياه،
стр. 53
واختيارها نفسها، فيلزم من هذا أن يكون عتقها تأخر عن شرائها، وهو بعيد جدا، إذ لا يظن بعائشة ١ ﵂ أنها تشترى جارية بشرط العتق، ثم يتأخر عتقها عن الشراء مدة طويلة، بل ولا يقرها النبي ﷺ على ذلك، وقد يقال: إن أصل المراوضة في بيعها كان بشرط العتق، ثم ابتاعتها بدون ذلك، وتأخر عتقها إلى أن قدم العباس- ﵁، ولكنه بعيد أيضا، إذ لم يفهم العلماء في كل عصر من قصة بريرة إلا أنها بيعت بشرط العتق، وأقرب من هذين, أن يقال: إن محبة زوجها إياها امتدت زمنا طويلا إلى مجيء العباس، وبقي فسألها الرجعة، وفي صحيح البخاري كتاب العتق ٢، عن عائشة ﵂ قالت: "اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أعتقيها، فإن الولاء لمن أعطى الورق"، فأعتقتها فدعاها النبي ﷺ فخيّرها من زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بقيت عنده، فاختارت نفسها". ففي هذا أن العتق كان عقيب الشراء، وكذلك التخيير، فلم يبق إلا أن حب زوجها استمر زمنا طويلا، وبه يزول الإشكال ٣. والله أعلم.
٦- ومنها: ما قال البخاري في كتاب الجهاد، من صحيحه ٤، باب من غزا بصبيّ للخدمة: "حدثنا قتيبة ٥، حدثنا يعقوب ٦، عن عمرو ٧، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي طلحة: "التمس (لي) ٨ غلاما من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر"، فخرج بي أبو طلحة (مردفي) ٩ وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم
стр. 54
رسول الله ﷺ إذا نزل ... "، وذكر بقية الحديث. وهو مشكل لأن ظاهره يقتضي أن ابتداء خدمة أنس للنبي ﷺ ١ كانت يومئذ، وليس كذلك، بل هي من أول مقدم النبي ﷺ المدينة، قال محمد بن عبد الله الأنصاري ٢: حدثني حميد، عن أنس ﵁ قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة أخذت أم سليم بيده فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام، كاتب لبيب يخدمك، فقبلني رسول الله ﷺ .
وروى أحمد ٣ في السنة عن إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: "لما قدم النبي ﷺ المدينة أخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أنسا غلام كيّس فيخدمك، قال: فخدمته في السفر والحضر" ٤.
وفي صحيح مسلم ٥، من حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أنه قال: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين ... " الحديث فهذا هو الصحيح، ثم إن تبويبه باب من غزا بصبي، وقول أنس: "وأنا غلام راهقت الحلم" مشكل ٦ أيضا؛ ففي الصحيحين ٧ من طريق الزهري عن أنس ﵁ قال: "قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنوات ومات وأنا ابن عشرين"، فيكون عمر أنس عام خيبر نحو سبع عشرة سنة، لأنها كانت فيما ذكر ابن إسحاق ٨ وغيره، في أول سنة سبع، وقد أعاد البخاري الحديث بهذا اللفظ أيضا في كتاب الأطعمة ٩ عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر ١٠، وعمرو بن أبي عمرو ١١، وكان الوهم فيه من عمرو بن أبي عمرو، فإنه وإن روى عنه
стр. 55
مالك، واحتج به الشيخان، فقد قال فيه يحيى بن معين، والنسائي١: "ليس بالقوي" ٢. وقال أبو داود: "ليس بذاك" ٣, وقال (الجوزجاني) ٤: "مضطرب الحديث" ٥. وهذا وإن كان متوقفا عنه بإجماع الشيخين - على إخراج - ٦ حديثه، فهو يؤثر ٧ فيما خرج عند معارضة من هو أحفظ منه وأتقن كالزهري، - وثابت البناني فيما تقدم -٨ والله أعلم.
٧- ومنها: ما روى البخاري أيضا في كتاب الجهاد ٩: "حدثنا حفص بن عمر الحوضي، ثنا همام ١٠، عن إسحاق ١١، عن أنس- ﵁ قال: "بعث النبي ﷺ أقواما من بني
стр. 56
سليم إلى بني عامر، في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي ١: أتقدمكم ... " وذكر قصة بئر معونة ٢، هكذا تتبعته في عدة نسخ من الأصول، "من بني سليم"، وهو غلط، إما من النساخ ٣، أو من بعض الرواة ٤, وغفل عنه المصنف ٥ ﵀، لأن الذين استشهدوا ببئر معونة كانوا من الأنصار، لكن المبعوث إليهم هم بنو سليم، وهم رعل وذكوان، وعصية، وبنو لحيان، وكلهم بطون من بني سليم، وقد رواه البخاري – أيضا - في المغازي ٦، عن موسى بن إسماعيل، عن همام، ولم يقل: (من بني سليم) ٧. وأخرجه- أيضا- من طريق فيها عن أنس ﵁ "أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله ﷺ على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كما كنا ٨ نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يخطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى - إذا - ٩ كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم ... " ١٠ الحديث. فهذا هو الصواب، وهو المعروف في جميع الكتب ١١.
٨- ومنها: ما رواه مسلم في أوّل كتاب الجنائز من صحيحه ١٢، من طريق - عمر - ١٣ بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة ١٤، عن أم سلمة قالت: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول - ما أمره الله : ١٥ إنا لله وإنا إليه راجعون ١٦، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها" قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أوّل بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم قلتها" الحديث هكذا وقع في جميع النسخ، وهو غلط، وصوابه: "أوّل بيت هاجر إلى الله"، وزيد فيه لفظة (رسول) , وهما: إما من النساخ، أومن بعض الرواة، فإن أبا سلمة ﵁ كان بمكة مع النبي ﷺ وهو أول من هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، مع زوجته أم سلمة ﵄ فلم تكن هجرته إلى النبي ﷺ وكذلك أيضا هجرته إلى المدينة ثانيا، فإنه رجع بأهله إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، والنبي ﷺ مقيم بعد مكة، قال ابن إسحاق: "هو أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ ١٧ فلم تكن هجرته إلى رسول الله ﷺ ١٨، ولم ينبه على هذا أحد من شراح كتاب مسلم. والله أعلم.
стр. 57
٩- ومنها: حديث عبد بن مسعود ﵁ قال:"إن قريشا لما استعصوا على النبي ﷺ ١ قال: " اللهم أعني عليهم بسنين كسني يوسف"، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد ٢، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد ٣، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِين, يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤ فأتاه أبو سفيان ٥. فقال: "إن قومك - هلكوا فادع ٦ - الله أن يكشف عنهم، فدعا فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ٧، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا - إلى كفرهم - ٨، حين أصابتهم الرفاهية فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ٩ - قال - ١٠ يعني يوم بدر، اتفقا عليه ١١, وأخرجه البخاري في مواضع. منها: كتاب الاستسقاء، من طريق سفيان الثوري، عن منصور ١٢ والأعمش ١٣، عن أبي الضحى ١٤، عن مسروق ١٥، عن عبد الله بن مسعود، ثم قال في آخره: "وزاد أسباط ١٦ عن منصور:" فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر، فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقى الناس حولهم" ١٧. أما ما يتعلق بقول ابن مسعود ﵁ في تفسير الدخان الذي ذكر في الآية - بما حكى - فقد خالفه فيه جماعة من الصحابة،
стр. 58
منهم علي، وابن عمر، وابن عباس ١ وأبو هريرة ﵃ فقالوا: ٢ إن الدخان كبير (يورى النيران) ٣، لم يأت بعد، بل يجيء في آخر الزمان، من أشراط الساعة، وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى -، لما روى مسلم، عن حذيفة بن أسيد أن رسول الله ﷺ قال:
"لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج ٤، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن, تطرد الناس إلى محشرهم" ٥، فهذا نص صريح في أن الدخان لم يأت بعد، وجاء فيه مفسرا أيضا حديثان، لا أعرف الآن سندهما، أحدهما: عن حذيفة ﵁ أن النّبي ﷺ قال:
"من أشراط الساعة: دخان يمكث في الأرض أربعين يوما" ٦. والآخر: عن ابن مسعود نحوه. وزاد: "فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل جوف الكافر والمنافق حتى ينتفخ" ٧. وذكر بعض الأئمة في الجمع بين هذه الأحاديث وقول ابن مسعود - رضي الله
стр. 59
عنه -: "أن الدخان اثنان، أحدهما: وقع في زمن النبوة لأهل مكة - كما ذكر ابن مسعود - والآخر: من أشراط الساعة"، ولا يخلو هذا من نظر. فإن الذي رآه أهل مكة ليس حقيقة ١، الدخان بل شيء كهيئته يخيل إليهم من الجهد والجوع، وأيضا فغزوة بدر كانت على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم النبي ﷺ المدينة، وهذا الجهد الذي أخذ أهل مكة لم يكن والنبي ﷺ بين أظهرهم قطعا، بل بعد الهجرة, ومقتضى قول ابن مسعود ﵁ أن أهل مكة أصابتهم سنة شديدة ثم أخصبوا وكابدوا تعدّي حال الجهد، فعادوا بعده. وأن الله وعدهم بعد ذلك بيوم بدر، ومقتضى هذا أن تكون آيات الدخان مدنية، ولم يعدها أحد من أمته كذلك أصلا ٢. وأيضا في الصحيحين عن أبي هريرة أنه شهد القنوت من النبي ٣ ﷺ : "اللهم انج الوليد بن الوليد...". الحديث، وفيه: "اللهم اشدد وطئتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" ٤ قال: "ثم رأيته ترك الدعاء بعد ذلك، هذا يدل على أن دعاءه بسنين كسني ٥ يوسف، كان بعد إسلام أبي هريرة، وغنما أسلم بعد بدر ٦، والكلام في هذا مشهور، والمقصود الإشكال ما ذكره البخاري في قضية الاستسقاء لأهل مكة ٧، فإنه - والله أعلم - وهم دخل به حديث في حديث من بعض الرواة ٨، ودام المطر سبعا، ثم الدعاء بكشفه إنما كان لأهل المدينة، ومن حولهم من المسلمين، كما رواه أنس بن مالك ﵁، من عدّة طرق عنه، وأن السائل لذلك كان من المسلمين، قاله يوم الجمعة، والنبي ﷺ على المنبر كما هو مشهور في دواوين الإسلام ٩، وإلا فإذا دعا لأهل مكة بالمطر أي تعلق لأهل المدينة به حتى يسألوا
стр. 60
كشفه عنهم؟. فالقصتان كل منهما منفصلة عن الأخرى ١، والله سبحانه أعلم.
١٠- ومنها: ما رواه الترمذي، من طريق عبد الرحمن بن مروان بن غزوان "أبي" ٢ نوح ثنا يونس بن أبي إسحاق ٣, عن أبي إسحاق ٤ عن أبي بكر بن ٥ أبي موسى عن أبيه ٦ ﵁ قال: "خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ بأشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحملوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت - فخرج إليهم - ٧، فجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: "هذا ٨ سيد العلمين، هذا رسول رب العالمين، هذا ٩ يبعثه الله رحمة للعالمين". فقال له أشياخ قريش ١٠: ما علمك؟ " فقال: "إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدون إلا لنبي، وأنا أعرفه بخاتم النبوة.." ذكر الحديث. وفي آخره قال: "...أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب ١١ من الكعك والزيت".
ثم قال فيه الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه" ١٢" انتهى. وهذا الفصل الأخير غلط بلا شك، فإن أبا بكر ﵁ كان أصغر من النبي ﷺ قطعا بنحو ثلاث سنين، فلم يكن حينئذ ممن يتصرف بنفسه، ولا اشترى بلالا
стр. 61
إلا بعد الإسلام، هذا ما لا خلاف فيه ١ أيضا، ثم إن كثيرا من الألفاظ فيه مخالفة، لما تضمنّته كتب السير ٢، والمغازي، كلها في قصة بحيرا، وأيضا فالعادة قاضية ٣، بل مثل هذه الألفاظ لو وقعت هكذا صراحة بحضور أبي طالب وجماعة من قريش، لاحتج عليهم أبو طالب بها عليهم ٤ بعد زمن النبوة، ولم يكن ينساها ٥، وعبد الرحمن بن غزوان، وإن احتج به البخاري، ووثقه جماعة، فقد قال فيه أبو حاتم بن حبان: "كان يخطئ"، يتخالج في القلب منه شيء" ٦، وسئل أحمد بن صالح عن حديث تفرد به عبد الرحمن هذا، عن الليث٧، عن مالك ٨، عن الزهري ٩، عن (عروة) ١٠ ١١، عن عائشة في قصة المماليك فأنكره، وقال: "هو موضوع" ١٢، وذكر الذهبي حديث الترمذي. وقال: "إنه منكر جدا" ١٣.
١١- ومنها ما روى مسلم في أواخر الفضائل من حديث (عكرمة بن عمار) ١٤ عن سماك الحنفي أبي زميل ١٥، عن ابن عباس ﵄ قال: "كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان، ولا يقاعدونه، فقال للنبي ﷺ : "يا نبي الله - ثلاث - ١٦ أعطيتهن؟، قال: نعم. قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان،
стр. 62
أزوجكها. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعله كاتبا، قال: نعم. قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: نعم " ١.
وهذا أحد الحديثين الذين اعترض - ابن حزم عليهما -، وقال: "ليس في الكتابين شيء دخل الوهم فيه على الشيخين غيرهما، والآخر: حديث شريك بن أبي نمر في قصة المعراج - وقد تقدم - ٢ والذي اعترض به على حديث ابن عباس هذا، أنه لا يختلف اثنان من أهل العلم بالأخبار، أنه ﷺ إنما زوج أم حبيبة ﵂ قبل الفتح، وإسلام أبي سفيان، وهي كانت بأرض الحبشة يومئذ، وأبوها كافر بمكة، والذي زوجها منه النجاشي وأصدقتها عنه، هذا ما لا شك فيه، قال: "والآفة فيه عن عكرمة بن عمار، وبالغ في ذلك، حتى جعل الحديث موضوعا، ونسب الوضع فيه إلى عكرمة ٣، وهو خطأ فاحش، فإن أحدا لم ينسب عكرمة ٤ إلى الوضع، وقد وافقه جماعة، واحتج به مسلم كثيرا، ولكنه وهم فيه، قال فيه البخاري: "لم يكن له كتاب، فاضطرب في حديثه" ٥، وقال فيه أحمد بن حنبل: "مضطرب الحديث ". وقد أجاب جماعة ٦ عن اعتراض ابن حزم بتأويل قول أبي سفيان: "أزوجكها" على أنه طلب تجديد العقد، فربما كان يرى عليه غضاضة في تزويج ابنته من غير رضاه، أو توهم أن إسلامه يقتضي تجديد العقد، وخفي ذلك عليه كما خفي على من هو أقدم إسلاما منه أحكام كثيرة، وأوّلوا قول النبي ﷺ له في جوابه: "نعم", على أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة العقد، لأنه لم ينقل تجديد أصلا، ولا ريب بعد هذه التأويلات، لأن ألفاظ الحديث صريحة في إنشاء العقد ٧، لا في تجديده، وسمعت بعض الحفاظ يذكر أن التي عرضها أبو سفيان ابنته الأخرى، التي عرضتها عليه (أختها) ٨ أم حبيبة ﵂ في الحديث المشهور في الكتابين ٩، ويرد على هذا كله قوله ﷺ : "نعم" في جواب ذلك، فإنه ﷺ لم يكن يقول ذلك فيما لا يفعله، وقد قال لأم
стр. 63
حبيبة ﵂ لما عرضت أختها عليه: "إن ذلك لا يحل لي"، وأيضا لم ينقل أحد البتة أن النبي ﷺ أمّر أبا سفيان على جيش أصلا، فرد الحديث بالوهم أولى من تأويله بالمستكره من الوجوه ١. والله أعلم.
١٢- ومنها: ما رواه البخاري في كتاب العتق ٢، عن بشر بن محمد، عن ابن المبارك ٣ عن يونس ٤، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ -٥: "للعبد المملوك الصالح أجران، والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج - وبر أمي- لأحببت أن أموت وأنا مملوك " ٦. فهذا الفصل الأخير ٧ مدرج في الحديث من قول أبي هريرة قطعا، ولا يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ ، أو يستحيل عليه أن يتمنى كونه مملوكا، وأيضا فلم يكن له أم يبرها ٨، وكأن البخاري لم يبين كونه من قول أبي هريرة ﵁ لظهور ذلك، وأنه لا يجوز أن يكون من تتمة قول النبي ﷺ ، والحديث في صحيح مسلم، من طريق ابن وهب، عن يونس، ولفظه: "والذي نفس أبى هريرة بيده" ٩. وكذلك رواه الحافظ الخطيب من طريق حبان بن موسى، عن ابن المبارك، بسند البخاري، فأبقي به الإدراج الموهم. وبالله التوفيق.
١٣- ومسألة أيضا: ما روى الترمذي في كتاب الزهد من جامعه ١٠، من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد عن مورق العجلي ١١، عن أبي ذر- ﵁:
стр. 64
أن ١ رسول الله ﷺ قال: "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطّت ٢ السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك ساجد - وددت أني كنت شجرة تعضد - " ٣. وقال فيه: "هذا حديث حسن غريب " ٤. ويروى عن أبي ذر موقوفا. فهذا الفصل المشتمل على (التمني) ٥ آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي ﷺ مع عظم منزلته عند الله تعالى، وما جعل الله على يديه من هداية الأمة، وما أعلمه الله به من منزلته يوم القيامة، وأنه مغفور له ما تقدم وما تأخر، إلى غير ذلك، بل هو من قول أبي ذر- رضي ٦ الله عنه-، بيّن ذلك القاضي عياض وغيره، وأنه روى ذلك مصرحا به أنه من قول أبي ذر ٧، وأدرج في الحديث، إن لم يكن كله موقوفا، وفي كون أوّله موقوفا نظر أيضا، إذ لا يقول أبي ذر ٨ ﵁: "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون " ٩، بل هذا ظاهر في أنه كلام النبوة، فوهم من وقف جملة الحديث، كما وهم من أدرج الفصل الأخير فيه، والأقوى التفصيل. والله أعلم.
١٤- ومنها: ما روى البخاري في كتاب المحاربين ١٠، حدثنا محمود ١١، حدثنا عبد الرزاق ١٢، أنا معمر ١٣، عن الزهري، عن أبي سلمة ١٤، عن جابر ﵁: "أن رجلا من أسلم ١٥ جاء إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا"، فذكر الحديث, وقال في آخره "فرجم حتى مات", فقال له النبي ﷺ خيرا، وصلى عليه ".
стр. 65
ومحمود شيخ البخاري هذا: ابن غيلان، وقد تفرد بهذه الزيادة، أعني الصلاة عليه، فقد رواه أبو داود ١، عن محمد بن المتوكل والحسن بن علي. والترمذي ٢ عن الحسن علي، والنسائي ٣ (عن) محمد بن رافع، (...) ٤، ونوح بن حبيب. وأخرجه البيهقي ٥ من طريق أحمد بن منصور الرمادي، كلهم عن عبد الرزاق بسنده، وكلهم قالوا فيه "ولم يصل رسول الله ﷺ ، عكس ما قاله محمود بن غيلان ٦، وقد حكم البيهقي على محمود بالخطأ ٧. وإخراج البخاري له من طريقه بهذا اللفظ عجيب، إذ كيف يخفى عليه مثل هذا, وقد قال عقيب سياقه حديث محمود: "لم يقل يونس ٨، وابن جريج ٩ عن الزهري: "فصلى عليه؟ "، قلت: وقد رواه مسلم أيضا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج، ومن حديث ابن ١٠ وهيب، عن يونس ثلاثتهم عن ابن شهاب، ولم يسق متنه، بل أحاله على حديث أبي هريرة قبله، وليس فيه ذكر صلاة ١١, والذين ذكروها (من) ١٢ أصحاب عبد الرزاق قالوا: إنه لم يصل وخالفهم محمود بن غيلان بإثباتها، فروايته شاذة جدا، ويذل لذلك أيضا ما في صحيح مسلم ١٣، وسنن أبي داود ١٤ وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري في قصة ماعز, قال: "فما استغفر له، ولا سبه"، وعند مسلم ١٥ أيضا في حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: "فأمر به فرجم، فكان الناس فرقتين، قائل يقول: لقد هلك، لقد
стр. 66
أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى رسول الله ﷺ ، ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله ﷺ وهم جلوس، فسلم ثم جلس, فقال: "استغفروا لماعز بن مالك" , فقالوا: "غفر الله لماعز بن مالك", فقال ﷺ : "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم". وجه الدلالة من هذا أنه لو كان النبي ﷺ صلى عليه لم يختلفوا فيه، وكان يمكن أن يحمل حديث محمود بن غيلان على أنه أراد الصلاة اللغوية، وهي الاستغفار المذكور في هذا الحديث آخرا، لكن لم يكن على ذلك اتفاق غيره من أصحاب عبد الرزاق عنه - بل - ١ على نفيها، وهذا الموضع من مشكلات ٢ الصحيح على قاعدة أهل الحديث. والله سبحانه أعلم.
١٣- ومنها ما رواه النسائي في سننه الكبير، وفي المجتبي ٣ أيضا قال: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ٤، حدثني أبيّ ٥ عن جدي ٦، حدثني جعفر بن ربيعة ٧ ٨ عن عبد الرحمن بن هرمز ٩ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن زينب ابنة أبي سلمة ١٠، أخبرته عن أمها أم سلمة ﵂: "أن امرأة من أسلم يقال لها: سبيعة، كانت تحت زوجها، فتوفي عنها وهي حبلى، فخطبها أبو السنابل بن بعكك، فأبت أن تنكحه, فقال: "ما يصلح لك أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين" ١١، فمكثت قريبا
стр. 67
(من) ١ عشرين ليلة، ثم نفست، فجاءت رسول الله ﷺ فقال: "انكحي ". وهذا الحديث رواه البخاري في الطلاق ٢ عن يحيى بن بكير ٣ عن الليث بن سعد بهذا السند، وقال فيه: "فمكثت قريبا من عشر ليال، ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "انكحي " , لم يذكر فيه أنها نفست بعد أن خطبها أبو السنابل كما هو في رواية النسائي ٤، وأخرجه البخاري- أيضا- في كتاب التفسير ٥ من طريق كريب، عن أم سلمة- ﵂ قالت: "قتل ٦ زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته (بأربعين) ٧ ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله ﷺ ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها". ففي هذا التصريح بأن خطبته إياها كانت بعد الولادة، وكذلك جاء مصرحا به في عدة طرق ٨، عن سبيعة نفسها – ﵂، وهو الصواب. والله أعلم.
١٦- ومنها: ما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه ٩، عن أبي اليمان ١٠، عن شعيب ١١، عن أبي الزناد ١٢، عن الأعرج ١٣، عن أبي هريرة ﵁ قال: "أمر رسول الله ﷺ بصدقة، فمنع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب ... " الحديث. وقال فيه: "وأما العباس فهي عليه صدقة، ومثلها معها ... ". وذكر بقيته ثم قال ١٤بعد ذلك: "تابعه ابن أبي الزناد، عن أبيه, وقال ابن إسحاق، عن أبي الزناد: "فهي عليه ومثلها معها". انتهى كلامه، والحديث عند النسائي ١٥ من طريق علي بن عياش ١٦، عن شعيب بن أبي حمزة، باللفظ الذي ذكره البخاري "فهي عليه صدقة
стр. 68
ومثلها معها", لكنه جعل الحديث من مسند عمر ﵁. وطريق ابن إسحاق رواها الدارقطني ١، من حديث يونس بن (بكير) ٢ عن (ابن) ٣ إسحاق، عن أبي الزناد، ولفظه: " فهي عليّ ومثلها معها". وهكذا رواية مسلم ٤، وأبي داود ٥، من طريق ورقاء، عن أبي الزناد. والإشكال في رواية البخاري، والنسائي: "فهي عليه صدقة". قال البيهقي ٦- ﵀: "يبعد من أن يكون الذي رواه شعيب بن أبي حمزة محفوظا، لأن العباس ﵁ كان رجلا من (صلبية) ٧ بني هاشم، تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل النبي ﷺ ما عليه من صدقة عامين، صدقة عليه؟ " قلت: وبهذا يندفع ما ذكر عن بعضهم أنه قال: "أعطاه النبي ﷺ ذلك، لأنه كان فادى نفسه وعقيلا، فكأنه كان غارما، وأيضا فإن النبي ﷺ صرح بتحريم الصدقة على بني هاشم (عمرهم) ٨، ولا يستقيم هذا التخريج على مذهب أحد من الأئمة (فيلزم معه) ٩. والوجه المرجوح في مذهبنا، أنهم إن منعوا خمس الخمس، جاز الدفع إليهم، لا يجيء هنا أيضا، لأنهم كانوا في زمن النبي ﷺ غير ممنوعين قطعا، وقد أوّل أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره هذه اللفظة، على أن العباس ١٠ ﵁ كان سأل النبي ﷺ تأخير صدقة عامين فأرخص له النبي ﷺ في ذلك، ولم يكن عمر- ﵁ علم بذلك، فأخبره النبي ﷺ أنها غير ساقطة من ذمته، بل هي عليه باقية ومثلها، وهي زكاة العام الماضي، فيكون صدقة عطف بيان للمبتدأ، وهو الضمير المنفصل، وخبره الجار والمجرور، أي: باقية مستقرة، وهذا تأويل صحيح ١١، لكنه يحتاج إلى دليل يقتضي ما ذكره من التأخير، وسؤاله ذلك، ثم هو معارض رواية مسلم، قال فيها: "فهي عليّ ومثلها معها". وتعتضد هذه الرواية بما روي من غير وجه، عن علي ﵁: "أن العباس ﵁ عجّل صدقته إلى النبي ﷺ " أخرجه أبو داود ١٢، والترمذي ١٣، وابن ماجة ١٤، من
стр. 69
حديث الحجاج بن دينار ١ عن الحكم ٢، عن حجين بن عدي ٣، عن علي ﵁، وفي كلام الترمذي ما يقتضي تصحيحه ٤، لكن رواه هشيم. (وعن ابن سلام) ٥ وصحح أبو حاتم، وأبو زرعة ٦، وأبو داود ٧، وغيره قول من أرسله، ورواية هشيم ٨ له، عن منصور ٩، عن الحكم بن عتبة، عن الحسن (بن) مسلم ١٠ بن يناق، عن النبي ﷺ أنه قال لعمر- ﵁ في هذه القصة: "إنّا تعجلنا صدقة مال العباس، لعامنا هذا، عام أوّل" ١١، وروى جرير بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي- ﵁ بالقصة. وفيها: "أن النبي ﷺ قال: "يا عمر, أما علمت١٢ أن عم الرجل صنو أبيه، إنا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين ". أخرجه البيهقي وإسناده صحيح، لكن فيه إرسال من جهة أن أبا البختري، لم يسمع من علي- ﵁ ١٣. وروى أبو داود الطيالسي ١٤، عن شريك ١٥، وعن إسماعيل بن مسلم العبدي البصري ١٦، عن سليمان الأحول، عن أبي رافع ﵁ "أن النبي ﷺ بعث عمر ساعيا ... "، فذكره. وفيه: "قوله ﷺ : "إن العباس أسلفنا صدقة العام، عام الأول"، فهذه عدة طرق مرسلة، يعتضد بعضها ببعض، ويعتضد بها المسند المتقدم، وينتهي الحديث بها إلى درجة الصحة القوية، وبيّن أن الصحيح في
стр. 70
حديث أبي هريرة رواية مسلم "فهي علي ومثلها معها". وأن رواية شعيب التي أخرجها البخاري "فهي عليه صدقة" لا يصح تأويلها المتقدم ١ فلا وجه لها. والله سبحانه أعلم.
١٧- ومنها: ما روى البخاري ٢، ومسلم ٣ جميعا، في كتاب الصوم، من طريق حصين، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: "لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٤, عمدت إلى عقال أبيض، وعقال أسود، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي, قال: (فمررت) ٥ على رسول الله ﷺ ، وذكرت ذلك له فقال: "إنما ذاك سواد الليل وبياض النهار"، وأخرجه البخاري ٦ من حديث هشيم، ومسلم ٧ من حديث عبد الله بن إدريس, كلاهما عن حصين. ثم رواه البخاري في التفسير ٨ من ٩ طريق أبي عوانة ١٠، عن حصين ١١، عن الشعبي، عن عدي ﵁ قال: " أخذ عدي عقالا أبيض، وعقالا أسود حتى كان بعض الليل نظر (فلم يستبينا) ١٢، فلما أصبح قال: "يا رسول الله، جعلت تحت وسادتي عقالين, قال: "إن وسادك (إذا) ١٣ لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك ". وفي طريق جرير ١٤، عن مطرف ١٥، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ وهذان الخيطان, قال: "إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين"، ثم قال: "لا، بل هو سواد الليل، وبياض النهار" ١٦. وأخرج الترمذي في التفسير من جامعه ١٧، من حديث سفيان بن عيينة، عن مجالد، عن الشعبي عن عدي بن
стр. 71
حاتم ﵁ قال: "سألت رسول الله ﷺ عن (الصوم) ١ قال: "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود" , قال: "فأخذت عقالين، أحدهما أبيض، والآخر أسود، فجعلت أنظر إليهما، فقال لي رسول الله ﷺ : "إنما هو الليل والنهار". وقال فيه الترمذي: "حديث حسن" ٢. فهذه الروايات الثلاث، فيها تقييد ذلك بنزول الآية، وهذا هو الصحيح، ومقتضى الرواية الأولى المتفق عليها، أن ذلك كان عند نزول الآية، وهو مشكل، لأن قدوم عدي- ﵁ وإسلامه كان بالاتفاق، في شهر شعبان من سنة سبع ٣، ونزول الآية كان في أوّل الإسلام قبل ٤ ذلك بزمن طويل، فإن الاتفاق على أن هذه الآية نزلت ناسخة لما كان عليه الصحابة في أوّل فرض الصوم، من تحريم الأكل والجماع على الإنسان بعد ما ينام ٥، إلى أن اتفقت قصة عمر- ﵁ وقيس بن صرمة ﵁ ونزل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾ ٦ الآية. قال السدي وأبو العالية والربيع بن أنس: "كان ذلك في أوّل الإسلام، ثم نسخه الله تعالى" ٧، ومعلوم أن فرض رمضان كان في سنة اثنتين من الهجرة ٨، فيكون نزول هذه الآية ٩ إما في تلك السنة، أو في سنة ثلاث، ولم ينقل أحد أن هذا الحكم تمادى إلى سنة سبع، بعد إسلام عدي بن حاتم ﵁ وفي صحيح البخاري ١٠، من طريق أبي إسحاق السبيعي، سمعت البراء بن عازب ﵁ قال: "لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء، رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ ... ﴾ ١١ الآية. ففي هذه الرواية – أيضا - إشعار بأن ذلك كان في أوّل - الإسلام - ١٢. فالذي يظهر أن عديّا ﵁ لما سمع
стр. 72
الآية تأوّل فيها ما تأوله غيره من الصحابة ﵃ ١، عند نزولها - كما سيأتي -، إلا أن ذلك كان عند نزول الآية، فتكون الرواية الأولى ٢ حدّث بها بعض الرواة بالمعنى، ولم يتفطن الشيخان لما فيها من المخالفة، من تقييد ذلك بنزول الآية، وأيضا فالآية لم تنزل بكمالها من أوّل الأمر، بل تأخر نزول قوله ٣ تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، عن نزول بقيتها، فقد روى أبو حازم، عن سهل بن سعد ٤- ﵄ قال: "نزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ٥، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحد في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، فعلموا أنما يعني الليل والنهار"، متفق عليه، وهذا لفظ البخاري ٦، فهذه قضية أخرى، (غير) ٧ واقعة عدي ﵁ وهي متقدمة على قصة عدي. والله أعلم.
١٨- ومنها: ما في الصحيحين - أيضا - من طريق الليث بن سعد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: "حدثني أنس بن مالك ﵁: "أنه رأى في يد النبي ﷺ خاتما من ورق، يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم من ورق، ولبسوها، فطرح النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتيمهم". قال البخاري: "وتابعه إبراهيم بن سعد، وزياد - يعني ابن سعد- وشعيب - يعني ابن أبي حمزة- عن الزهري ٨، وأسنده مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، وزياد بن سعد ٩، بهذا اللفظ، قال القاضي عياض: "قال جميع أهل الحديث: "هذا وهم من ابن شهاب، فوهم من "خاتم الذه"ب إلى "خاتم الفضة". والمعروف من روايات أنس من غير طريق ابن شهاب، اتخاذه ﷺ خاتم فضة، ولم يطرحه، وإنما طرح خاتم الذهب، كما ذكره مسلم في باقي
стр. 73
١ الأحاديث" ٢ قلت: اتفق عليها الأئمة الستة ٣ من حديث ابن عمر- ﵄ في عدة طرق، وزاد فيه: "أن خاتم الورق استمر في يده ﷺ ، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم في يد عثمان ﵃ إلى أن سقط من يد عثمان ﵁ في بئر (أريس) ٤، فالتمس، فلم يجد".
وفي صحيح مسلم، من رواية ابن وهب وغيره، عن يونس، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: "كان خاتم النبي ﷺ من ورق، وفصه حبشي " ٥. وفي رواية قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، عن أنس، نحوا من ذلك ٦، وهذا يدل على بقائه في يده، وكأن الشيخين - رحمهما الله - إنما أخرجا الحديث الأول مع بقية الأحاديث، ليبينا ما في تلك الرواية من الوهم، وقد حاول القاضي عياض، ثم الشيخ محي الدين ٧- رحمهما الله - تأويل حديث ابن شهاب المتقدم، على أنه لما أراد النبي ﷺ تحريم خاتم الذهب، اتخذ خاتم فضة، فلما لبس خاتم الفضة أراه الناس في ذلك اليوم، ليعلمهم إباحته، ثم طرح خاتم الذهب وأعلمهم تحريمه، فطرح الناس خواتيمهم من الذهب، فيكون قوله: "فطرح الناس خواتيمهم" ٨. أي: خواتيم الذهب، وفي هذا التأويل من التعسف ما لا يخفى، وتنزيل ألفاظ الحديث عليه فيه عسر، ولكنه خير من التغليط. والله الموفق.
١٩- ومنها: ما رواه أبو داود في باب النهي عن أكل السباع، من كتاب الأطعمة من حديث ٩ صالح بن يحي بن المقدام، عن أبيه ١٠، عن جده ١١، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد سرقوا حظائرهم, فقال رسول الله ﷺ : "ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية، (وخيلها) ١٢ وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من
стр. 74
الطير" ١ رواه كذلك (٠٠٠) ٢ عن بقية بن الوليد قال: "حدثني ثور بن يزيد ٣، (عن صالح بن يحي) ٤. والحديث عند النسائي، وابن ماجة، والدارقطني ٥، وغيرهم؟ من طرق عن بقية، ولم يقل أحد فيه: "عن خالد بن الوليد، غزوت مع النبي ﷺ خيبر". عن رواية أبي داود، سوى ما جاء في رواية ذكرها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في كتاب مختصر اللطيف قال: "حدثنا أحمد بن المقدام، ثنا عمر بن عبد الرحمن، ثنا أيوب عن يحيى بن كثير، عن رجل من أهل خيبر، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بخيبر"،- فشكا - إليه اليهود أن أصحابه يصيبون من ثمارهم, قال: "فأمرني أن أنادي: الصلاة جامعة، ولا يدخل إلا مسلم " ٦. فذكر بقية الحديث، والذي يتعلق بهذا الحديث من أصله، من الاضطراب والتضعيف، لسنا بصدده، وقد بسطته في موضع آخر، إنما نقصد هنا بيان الوهم في قولهم: "عن خالد بن الوليد ﵁ أنه غزا خيبر مع النبي ﷺ ", وليس ذلك بصحيح, فقد جزم ٧ أحمد بن حنبل، والبخاري بأنه لم يشهدها، حكاه عنهما الحافظ زكي الدين عبد العظيم في مختصر السنن ٨، قال الحافظ شرف الدين الدمياطي ٩: "كان إسلام خالد ﵁ بعد خيبر بتسعة أشهر، لأنه أسلم في أوّل يوم من صوم سنة ثمان، وغزوة خيبر كانت في جمادى الأولى سنة سبع"، قلت: وقيل: إنها كانت في المحرم، أو في صفر من هذه السنة، وقال أبو محمد بن حزم: "لم يسلم خالد إلا بعد خيبر بلا خلاف ١٠، وكأنه لم يطلع على غير ذلك، فقد قال ابن عبد البر في الاستيعاب: "قيل: كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان سنة خمس بعد فراغ النبي من بني قريظة، وقيل: كان في سنة ست، وقيل: بل في أوّل سنة ثمان، مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة ﵃" ١١. قلت: هذا القول الأخير هو الصحيح
стр. 75
المعتمد، وما سواه فليس بشيء لما سنذكره، وقد ذكر ابن عبد البر - أيضا - أن خالد بن الوليد كان على خيل رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وكانت في ذي القعدة سنة ست ١. قلت: وهذا ضعيف، أو باطل، ففي صحيح البخاري - مسندا - عن المسور بن مخرمة ﵄ في قصة الحديبية بطولها. قال: "خرج النبي ﷺ من الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : "إن خالد بن الوليد بالغميم ٢، في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات (اليمين) ٣ فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة ٤ الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش ... " ٥، فهذا نص صحيح من النبي ٦ ﷺ ، أن خالد بن الوليد لم يكن يومئذ مسلما، و ما - كان على خيل النبي ﷺ ، بل كان على خيل قريش، فبطل بهذا أن يكون إسلامه قبل الحديبية، وقال مصعب بن عبد الله الزبيري - وإليه المرجع في أخبار قريش - في ترجمة الوليد بن الوليد -: "الصحيح أنه شهد مع النبي ﷺ عمرة القضاء، وكتب إلى أخيه خالد، وكان خالد خرج من مكة (فارا) ٧ لئلا يرى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة، كراهة الإسلام، فسأل رسول الله ﷺ الوليد عنه. وقال: "لو أتانا لأكرمناه وما قتله سقط عليه الإسلام في عمله". فكتب بذلك الوليد إلى أخيه خالد، فوقع الإسلام في قلب خالد، وكان ذلك بسبب هجرته ﵁، فهذا يقتضي أن إسلامه كان بعد عمرة القضاء، وكانت بعد خيبر قطعا، وقال محمد بن إسحاق في سيرته ٨، رواية يزيد البكائي عنه: "حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن حبيب بن أبي أوس قال: "حدثني عمرو بن العاص من فيه، فذكر قصة ذهابه إلى النجاشي، وما جرى له معه، ومبايعته إياه على الإسلام، إلى أن قال: "ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح (من مكة) ٩. فقلت: أين يا أبا سليمان؟ فقال: "والله لقد استقام المنسم ١٠، وإن الرجل لنبي