← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

القلوب التي لا اطلاع عليها إلا لعلام الغيوب، وهذا ما يعبر عنه قوله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣). فمع شدة حرصه ﷺ على هداية الناس، إلا أن الله كثيرًا ما يُذكِّر بأن مرد هذه الهداية له وحده فيقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦) وعليه ألا يحزن لعدم إيمان من آمن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) كما قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٣، ٤). ومعنى ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين رحمة رسول الله ﷺ بالخلق، وكيف كان حريصًا كل الحرص على هدايتهم، ولكن حسبه أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأخلص النصيحة للناس. ودرس ثالث في التعقيب على قصة يوسف تلمحه في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤) فهذا يعني أن رسول الله ﷺ ليس طالب دنيا، إنما يريد بدعوته أن يدل الناس على طريق ربهم، لا يطلب على ذلك أجرًا من أحد، إنما أجره عند الله، وهكذا كل الرسل، واقرءوا في ذلك في "الشعراء" ما قاله كل من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ فقد قال كل منهم لقومه هذه العبارة: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٠٩). وقالها محمد ﷺ بهذا أمره مولاه، فقال له: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: ٤٧) وفي هذا كما ترون لوم وعتاب للمشركين الجاحدين؛ إذ كيف يأتيهم رسول يدعوهم إلى ربهم، لا يطلب

стр. 177

على هذا الجهد العظيم وهذا الأمر الجليل أجرًا مهما صغر، ومن أي لون كان هذا الأجر، ومع ذلك ترد عليه دعوته. وأمر آخر في دروس هذه الآية، وهو بشارة عظيمة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، ذلكم هو إثبات أن دعوة رسول الله ﷺ ليست خاصة بأهل مكة أو العرب أو الجزيرة العربية، إنما هي دعوة للعالمين كما قال سبحانه في التعقيب على القصة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤) قال الله هذا لرسوله هنا في سورة "يوسف"، وقالها له في سورة "ص" وفي "التكوير" وفي سورة "القلم" قال له: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢) وفي "الأنعام": ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٩٠) وفي "الأنبياء": ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وفي مطلع "الفرقان": ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١). ولعلكم لاحظتم معي أن كل هذه السور التي ذكرت فيها كلمة "العالمين"، على أن "العالمين" حقل الدعوة الإسلامية، كل هذه سور مكية في وقت يطارد فيه المسلمون، إذ لا دولة لهم ولا سلطان، ومع ذلك يخبر الله رسوله أنه صاحب الرسالة العالمية، إذ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث رسول الله ﷺ إلى الناس عامة. وبهذا تستطيعون أن تردوا على المستشرقين وأذنابهم، الذين ادعوا زورًا وبهتانًا أن محمدًا إذا قيل بأنه رسول، فإن الله قد أرسله إلى أهل مكة خاصة، ثم بدا له أن يوسع من مجال دعوته، فعرض نفسه على قبائل العرب، فلما وجد قبولًا عند الأوس والخزرج هاجر إليهم، وأخذ يحارب من حوله من قبائل العرب، فادعى أنه مرسل إلى كل العرب، ثم لما خضعت له الجزيرة العربية، وجاءته قبائلها في عام الوفود تعلن دخولها في الدين الجديد، عنّ له أن يراسل الملوك والأمراء خارج الجزيرة، وادعى أنه رسول إلى الناس جميعًا.

стр. 178

ولو أنصف هؤلاء وقرءوا بعض الآيات التي ذكرناها لخرست ألسنتهم، ولما تفوهوا بهذا البهتان، كيف وقد قال الله لرسوله في سورة "الأعراف"، وهي من القرآن الذي نزل بمكة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال في سورة "سبأ" وهي أيضًا مكية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨). وتعرض الآيات إلى حال قريش وغفلتها عن آيات الله، وتهددهم بعذاب الله، وتأمر رسول الله أن يعلن لهم عن سبيله في الدعوة إلى الله، وتخوفهم بما صار إليه أمر الأمم من قبلهم، وتبين له أن العاقبة له بنصر الله وتأييده فتقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: ١١٠) وتختم السورة بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١). وفي هذا الختام تطمين لرسول الله ﷺ وبيان للأهداف السامية لقصص القرآن، وحديثه عن الأمم السابقة، وما آل إليه أمرها حين كذبت المرسلين، وأن في ذلك عبرة عظيمة لمن يعتبر، والذي يعتبر هو صاحب العقل الراجح والفكر الصائب، أما من لم يعتبر فهو كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩). وأثبت الله صدق ما قصه من أحوال الأمم والأفراد، فبين أن ما ذكره من ذلك لا يمكن أن يكون حديثًا مختلقًا وملفقًا، جاء من نسج خيال قاص يحكي قصة، قد لا

стр. 179

يكون لها من الواقع نصيب، وإنما هذا الذي ذكره ربنا جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب السماوية السابقة، وجاء تفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. قصة موسى، والدروس المستفادة من قصص القرآن وإذا كان هذا هو قطرة من بحر ما جاء في التعقيب على قصة يوسف، فهيا فلننتقل لنلتقط من جواهر القرآن في موضوع آخر، وفي جانب آخر في قصص القرآن الكريم، لعلكم تذكرون سورة تسمى بسورة "القصص"، أخذًا من قول الله تعالى في هذه السورة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢٥) عند هذا القول في السورة الكريمة هيا لنقف قليلًا لنرى موضع الآية في السورة، ولندرسها من خلال الآيات التي وردت في سياقها. وسورة القصص ثمانٍ وثمانون آية، تبدأ قصة موسى بعد الآية الثانية: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص: ١، ٢) ثم تبدأ في عرض قصة موسى ﵇ وتستمر الآيات إلى الآية الثالثة والأربعين عند قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٣) ثم تأتي تعقيبات القرآن على هذه القصة لبيان ما فيها من دروس نافعة، إلى أن تختم السورة، وقريبًا من نهايتها بقصة قارون وما صار إليه أمره، وهو أيضًا من قوم موسى، والآيات التي تناولت موسى وقصته في هذه السورة، تعرض لما كان من ظلم فرعون لبني إسرائيل، وأن الله أراد أن يمن عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، وبدأت الآيات بكلماتها بل وبحروفها ترسم مشاهد قصة من قصص القرآن، وكأنك ترى صورة مجسمة متحركة لأشخاص وأبطال هذه القصة.

стр. 180

فهذه أم موسى في خوفها على رضيعها، تخشى من فرعون وجنده أن يعتدوا عليها، وأن يأخذوا وليدها، وأن يقتلوه لوهم كاذب ورؤيا خاطئة، ولكن الله ألقى في روعها أنها إذا خافت على وليدها هذا، فعليها أن تلقيه في اليم وألا تخاف وألا تحزن، وقد وعدها الله بأن يرد إليها وليدها ليكون هذا الوليد من المرسلين. وسارت أحداث القصة وجرى قدر الله بالذي كان في علمه، فهذا هو فرعون وجنده يلتقطون الصندوق الذي فيه هذا الوليد؛ ليكون هذا الوليد لهم عدوًا وحزنًا: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨) وألقى الله محبة موسى في قلب امرأة فرعون فقالت: هذا قرة عين لي ولك، وأمرتهم ألا يقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون، وحين علمت أم موسى بما كان في الأمر أصبح فؤادها فارغًا، كما قال تعالى، حتى لقد كادت تبدي من شدة جزعها وخوفها على وليدها أن هذا الغلام هو ابنها، لكن الله ربط على قلبها لتكون من المؤمنين. وأوصت ابنتها أن تبحث وأن تتقصى أخبار هذا الطفل وأخبار موسى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: ١١) وجرى قدر الله بأن هذا الوليد، وقد جاءوا له بالمراضع من كل مكان، فلم يلتقم ثدي واحدة منهن فقالت البنية: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرد الله موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون. والقصة كما نرى تنتقل من مرحلة الطفولة، والتي تربى فيها موسى في بيته ومع أمه، ولكنه لما بلغ أشده واستوى كان في بيت فرعون، وقد آتى الله موسى حكمًا وعلمًا، وكذلك نجزي المحسنين، هو يعلم أنه من بني إسرائيل،

стр. 181

ويذكر القرآن أن موسى ﵇ دخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته وهذا من عدوه، وأن الذي من شيعته قد استغاثه على الذي من عدوه، فوكز موسى هذا العدو فصادفت أجله فمات، فندم موسى على ما كان من الأمر وقال: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، واتجه إلى الله قائلًا: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، فأقسم بما أنعم الله عليه ألا يكون بعد ذلك ظهيرًا للمجرمين. وانتشر الخبر في المدينة ووصل إلى الفرعون، وأجمع القوم على قتل موسى، ولكن رجلًا صديقًا محبًا لموسى جاء إليه يسعى يقول له: يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين، فخرج منها خفية خائفًا يترقب، يسأل الله أن ينجيه من القوم الظالمين، وتوجه جهة مدين سائلًا الله أن يرشده إلى الطريق السديد: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٥). وصلنا إذًا إلى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ (القصص: ٢٥) وكأنكم ترون معي وتنظرون بعيون قلوبكم إلى موسى ﵇ وقد جاء إلى نبي الله شعيب وجلس معه مطمئنًا إليه، يذكر له ما كان من أمر فرعون مع بني إسرائيل من بداية عهدهم معه، إلى أن كان ما كان من أمر قَتْل ذكورهم واستحياء نسائهم، وما كان من أمر وصوله إلى قصر الفرعون وأنه تربى في هذا القصر، ثم كان من أمره أن قتل أحد هؤلاء الذين هم

стр. 182

من أعداء بني إسرائيل، وأجمع أمر مجلس فرعون على قتل موسى، فخرج خائفًا يترقب إلى أن وصل إلى هذا المكان، ورأى شعيب صدق هذا الشاب، وانبرت إحدى الفتاتين تقول لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) وهنا وقد انتهت أيام المحن وبدأت أيام المنن، فعاش موسى آمنًا مطمئنًا في كنف هذا الشيخ العظيم ووفى بما عاهد عليه. ولما قضى موسى الأجل وعاد بأهله إلى مصر ليرى أهله هناك، كان هذا الاختيار الإلهي العظيم للرسالة والنبوة، ونودي موسى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين، وتذكر الآيات ما كان من أمر الله مع موسى، وأن الله أرسله لفرعون، وماذا كان من أمر فرعون حين جاءه موسى بالآيات البينات، وأن فرعون كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ (القصص: ٣٩، ٤٠) فانظر أيها المشاهد ويا من له النظر كيف كان عاقبة الظالمين، وجعلناهم أي: جعلنا فرعون وجنوده أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٢، ٤٣). أردت أن ألتزم بكلمات القرآن في أغلب ما ذكرنا من هذه القصة؛ لنرى عظمة القرآن الكريم في سرده لأحداث قصصه، وأنه في أسلوبه المعجز لا يصل إلى شأوه أحد، ولا يستطيع أن يجاريه أحد، فهذا تنزيل من العليم الخبير من رب العالمين، يسوق الله هذا بيانًا لرسوله ﷺ وللمؤمنين معه ليكون في هذا القصص العبرة والعظة، فماذا يمكن أن نلتقط من الدروس النافعة والعبر والعظات البليغة، فيما ذكر الله من أحداث هذه القصة في سورة "القصص".

стр. 183

أول ما نلتقطه هو ما ذكرناه في سورة "يوسف"، أن في هذا الإخبار دليلًا على أن محمدًا هو رسول الله حقًا، ذلكم حيث يقول الله له: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٤ - ٤٦). فهذا رسول الله ﷺ لم يكن هناك ولم يشاهد ما حدث، فمن الذي أخبره؟ الذي أخبره هو الذي أوحى إليه بهذا القرآن، فهذا دليل على صدق رسول الله ﷺ فيما بلغ عن ربه وأنه رسول الله حقًّا، وعلى طريقة القرآن بعد أن ساق هذا الدليل المقنع، والذي كان لا بد أن يسوقهم إلى الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ لذلك يهددهم ويتوعدهم، وأنهم إن لم يستجيبوا لرسول الله ﷺ فإنهم إنما يتبعون أهواءهم وهم ظلمة: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٥٠). ويسلي الله رسوله ﷺ بأن الهداية بيده فيقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦) كما ذكر ذلك أيضًا في قصة يوسف ﵇ وتسير الآيات تهدد وتتوعد، وتذكر جملة من الأدلة على أن الله هو الواحد الأحد، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون، إلى آخر ما ذكر الله في هذه السورة الكريمة، وما فيها من دروس وما فيها من عظة. ذكر الله في أواخر سورة "هود": ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (هود: ١٠٠، ١٠١).

стр. 184

فهذه أنباء القرى يقصها الله على رسوله ﷺ وقد ذكر له في سورة "هود" مجموعة من قصص القرآن العظيم، ذكر له قصة نوح وقصة هود وقصة صالح وقصة إبراهيم وقصة لوط وقصة شعيب، وقصة موسى مع فرعون، ذكر له ذلك كله، وبين ما فيها من الدروس ومن العبر، ثم ختم هذا بقوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾. فهذا هو ما قصه الله ، يبين أنه -جل وعلا- إذا أخذ القرى فإن أخذه كما يقول -جل وعلا- أليم شديد: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (هود: ١٠٣)، وتتواصل الآيات تذكر رسول الله ﷺ بما يجب عليه من الصبر والثبات في موقف الإنكار والتكذيب، كما قال ربنا: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: ١١٥) وتذكر له مرة أخرى أن الهداية بيد الله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود: ١١٨، ١١٩). ثم تقول له بأن ما يقصه عليه من أنباء الرسل إنما يسوق ذلك؛ تثبيتًا لفؤاده، وليعلم أنه منصور لا محالة، وأن ما معه هو الحق بعينه، وأن ما جاء به إنما هو ذكرى لمن عنده استعداد للإيمان: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ١٢٠). وتتوعد المكذبين المعاندين وهي تقول: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٢١ - ١٢٣) فما أعظم هذا القصص الذي جاء به كتاب الله!!.

стр. 185

اقرءوا مرة أخرى في مادة القصص القرآني، ما جاء في سورة "آل عمران" من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (آل عمران: ٦٢، ٦٣). والآية كما نرى تأتي تعقيبًا على ما كان بين رسول الله ﷺ وبين أهل الكتاب من نقاش في عيسى ﵇ وأن الله أوحى إلى رسوله أن يقول لهم ما ذكره ربنا -جل وعلا- في كثير من آيات القرآن، وأكد عليه هنا في سورة "آل عمران" ذلكم حيث يقول ربنا: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ * إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران: ٥٨ - ٦٠). ثم دعاهم إلى المباهلة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: ٦١) أي: فمن حاجك في عيسى ﵇ وأن عيسى هو عبد الله ورسوله، ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٦١) فدعاهم إلى المباهلة فنكصوا على أعقابهم، وعلموا أن رسول الله ﷺ صادق فيما أخبر عن ربه، ولذلك قال ربنا تعقيبًا على هذه المباهلة، وما جاء من حديث القرآن عن آل عمران، وعما كان من أمر مريم، وعما كان من أمر حملها بعيسى ﵇ وما آتاه الله من الآيات المبينات، وأنه جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة، يقول تعالى تعقيبًا على هذه القصة العظيمة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: ٦٢). نعم؛ هذا قصص القرآن هو القصص الحق، لا مجال فيه لخيال ولا مجال فيه لكذب، ولا مجال فيه لافتراء، إنما هو وحي الله الذي أوحاه لنبيه؛ لتحقيق أغراض عظيمة وأهداف نبيلة، فيها بناء الإنسان وتثبيت رسول الله ﷺ وتطمين قلبه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 186

الدرس: ١٢ قصة أصحاب الكهف .

стр. 187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني عشر (قصة أصحاب الكهف) الفرق بين تناول القصة في التفسير الموضوعي، وتناولها في الفن القصصي الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: الفرق بين تناول القصة وفق منهج التفسير الموضوعي، وتناولها وفق الفن القصصي، في عرض الشخصيات والأدوات والحبكة القصصية، وتناول الآيات التي وردت في القصة على طريقة التفسير التحليلي للآيات: فنحن في التفسير الموضوعي نجمع الآيات الواردة في القصة، وندرسها دراسة موضوعية، نستخلص الأحداث ونستنتج العبر والدروس، وقد تكون هذه الآيات متفرقة في القرآن الكريم بين الإطناب والإيجاز، كما ترى في قصص الأنبياء، من أمثال نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهود وصالح وشعيب وغيرهم، وقد تكون الآيات غير متفرقة، إنما هي مذكورة في موضع واحد، من سورة من سور القرآن، كهذه القصص التي سنتناولها بإذن الله: قصة أصحاب الكهف، وصاحب الجنتين، وموسى والخضر، وما إلى ذلك. وهذا كما ترى يختلف عن إيراد القصة وفق الفن القصصي في تقسيمها إلى فصول ومشاهد، وشخصيات وعناصر تشويق، مما تراه فيما تقرأ من قصص كتبها أصحابها، مستقاة من قصص القرآن، أو من نسج الخيال، أو الواقع، بإضافة اللمسات الفنية، وما يتخيله الكاتب من كلام وحوار يجري على ألسنة أبطال القصة، أما التفسير التحليلي فهو هذا التفسير الذي يتناول الآيات في القرآن. ومن ذلك الآيات التي تحمل قصة يتناولها آية آية، يذكر أسباب النزول إن وجدت ومعاني الكلمات، والمعنى الإجمالي ثم يغوص في كل كلمة في الآية، يستخرج ما فيها من أحكام إن كانت الآية تتحدث عن حكم من الأحكام، كما يعرض لتعبيرات

стр. 188

الآية وما فيها من جمال لغوي، وبيان لألوان الهداية والرشاد، وكل هذه الألوان قريبة من بعضها، ولكن التفسير الموضوعي يأتي في قمتها؛ لأن المفسر للقرآن تفسيرًا موضوعيًّا، قد يحتاج إلى عرض آية بما فيها من روعة التعبير، وما تحمله من دروس وعبر. وقد يعرض للقصة كما يعرض لها كتاب القصة، لكن القصص القرآني ليس فيه مجال لخيال، ولا استنطاق لشخصيات، ولا اختراع لحوارات، فكل شخصية يعرضها هي شخصية حقيقية، يعرفها الزمان والمكان، وكل كلمة تقال هي الصدق بعينه، لا مجال فيها لزيادة أو نقصان، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: ٦٢) وقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (الكهف: ١٣) وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١). قصة أصحاب الكهف وما فيها من العظات والعبر وعلى هذا سوف أبدأ بتوفيق الله في بيان قصة أصحاب الكهف، والتي بدأت في سورة "الكهف" في الآية التاسعة حيث يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ٩) ولم ترد كلمة الكهف في القرآن إلا هنا في سورة "الكهف"، معرفة بأل في أربعة مواضع، ومضافة إلى ضمير من كانوا في الكهف في موضعين، أما كلمة الرقيم فلم تذكر أيضًا إلا هنا، وإن كانت قد وردت بصيغة اسم المفعول مرقوم مرتين في سورة المطففين في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ٨، ٩)، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (المطففين: ١٩، ٢٠).

стр. 189

والكهف: غار في الجبل كغار حراء وغار ثور، إلا أن الكهف أكبر من الغار شيئًا، والرقيم: الكتاب، وكتاب مرقوم، أي: مكتوب فيه أسماؤهم. قال سعيد بن جبير: "الرقيم: لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف، والذي كتب ذلك هم من شاهدوا ما كان من أمر الفتية، أو من جاءوا بعد ذلك، فبقي هذا الأثر شاهد صدق على قدرة الله على بعث خلقه، وعلى ما كان من إخلاص هؤلاء الفتية، الذين فروا بدينهم إلى هذا الكهف". وللقرآن طريقته في عرض قصصه، فهو أحيانًا يوجزها ويلخصها لتكون بهذا الإيجاز أولًا، قبل بداية الحديث عن تفاصيلها درسًا مجملًا، يؤدي دوره في تثبيت الأهداف العالية التي ذكرت لها القصة، كما نشاهده في قصة أصحاب الكهف، وأحيانًا يذكر أولًا عاقبة القصة ومغزاها، ثم تبدأ القصة بعد ذلك من أولها وتسير بتفصيل خطواتها، وذلك كقصة موسى في سورة "القصص"، ومرة تذكر القصة مباشرة بلا مقدمة ولا تلخيص، كما ترى في قصة مريم عند مولد عيسى ﵇ وكذلك قصة سليمان مع النمل والهدهد وبلقيس، فانظروا كيف بدأت القصة. هذا تلخيص موجز تقرؤه في قول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (الكهف: ٩ - ١٢). في هذه الآيات الأربع يقول الله لرسوله محمد ﷺ ولكل من يتأتى له الخطاب، من يوم نزول هذه الآيات وإلى آخر الزمان، يقول -جل وعلا- متسائلًا: أم حسبت أن أصحاب الكهف

стр. 190

الذين لبثوا فيه ما لبثوا، فلطول بقائهم فيه سماهم الله أصحابًا للكهف، وهم كذلك أصحاب الرقيم، هذا اللوح المكتوب به أسماؤهم علامة على مكان وجودهم، وما كان من أمرهم، هل تظن وتتوهم وتحسب أن قصتهم، وما حدث من بقائهم في كهفهم مئات السنين، ثم ما كان من بعثهم، وما كان من موتهم بعد ذلك فكانوا آية عظيمة من آيات الله، تدل على قدرته على إحياء المخلوقات بعد موتها. لكن هذه الآية الباهرة هل تظن أنها أعجب الآيات وأعظمها؟ لا، هناك آيات كثيرة أعجب من ذلك، فانظر إلى ما حولك من السموات والأرض وما فيهما ومن فيهما، وقل لي بربك من خلقهما وخلق ما فيهما، وسخر الشمس والقمر والنجوم والكواكب؟ وما إلى ذلك مما تراه في صفحة هذا الوجود، أليست هذه آيات عظيمة أعجب مما حدث لأصحاب الكهف؟ وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ٩) يقول: "الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم". وقال محمد بن إسحاق: "ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم". لكن البداية بهذا الاستفهام التقريري، تبين أن أمر أصحاب الكهف والرقيم آية من آيات الله، تدعو إلى الدهشة والعجب، وتثير في النفس ألوانًا من التساؤلات، حول كل موقف من مواقف هذه القصة، تساؤلات لا من باب الإنكار، وإنما من باب الإعظام والإكبار والإجلال لهؤلاء الفتية، وما أقدموا عليه وما حدث لهم، ثم يأتي الحديث عنهم في قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ١٠) فكأنه لما ذكر أنهم آية عجيبة

стр. 191

من آيات الله، كان السؤال: وماذا كان من أمرهم؟ فجاءت الإجابة: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (الكهف: ١٠) أي: اذكر هذا الذي حدث لما فيه من العبرة والعظة، وقد سماهم ووصفهم بأنهم فتية، فدل ذلك على أنهم كانوا في مرحلة الشباب، فالتعبير بقوله: ﴿أَوَى﴾، ما يرشدك إلى أن الكهف مع ظلمته وضيقه وبعده عن العمران، وخلوه من كل ألوان الترف والنعيم، كان بالنسبة لهم مأوى ضمهم فأحسوا فيه بالراحة والسكينة، وما إن استقروا فيه حتى توجهوا إلى ربهم بهذا الدعاء الضارع: ربنا آتنا من لدنك رحمة ترحمنا بها، وتحفظنا من كيد أعدائنا، وتلهمنا بها رشدنا وتلم بها شعثنا، وترد بها الفتن عنا، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، أي: اجعل عاقبتنا خير عاقبة فيها الخير كله. وقد كان من دعاء رسول الله ﷺ كما تعلمون: ((اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وتوفنا على الإسلام والإيمان وأنت راضٍ عنا)) فانظر إلى هذا الإيمان الذي استولى على قلوب هؤلاء الفتية، حتى جعلهم يتركون النعيم والمتع، ويلجئون إلى غار في الجبل، ويسألون الله أن يهب لهم رحمة من لدنه، وأن ييسر لهم أمرهم وأن يجعل عاقبتهم حميدة كريمة. ثم يقول تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (الكهف: ١١) فدلت الفاء في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾، على أنهم بمجرد دخولهم ناموا؛ لما بذلوه من جهد في الوصول إلى هذا المكان، الموحش البعيد عن العمران، وفي نومهم هذا ما يرشدك إلى ما وجدوه من السكينة وراحة النفس، لما كان منهم من انتصار على نفوسهم، وضعفها في مثل هذه المواقف، ولما ألهمهم الله من الهداية والتوفيق.

стр. 192

فلما ناموا ضرب الله على آذانهم، أي: ألقى الله عليهم النوم فناموا، ولكن نومهم طال أمده فلم يكن يومًا أو بعض يوم، إنما ناموا سنين عددًا، سيذكرها لنا بعد ذلك، وبعد مرور هذه السنين على نومهم بعثهم الله؛ ليظهر ما في علم الله من آياته، التي تتضح للمختلفين في أمرهم؛ حتى يعلموا من الذين أحصى مدة بقائهم في الكهف، وبالتالي من الذي ضرب عليهم النوم كل هذه السنوات، ثم من الذي أحياهم، ثم من الذي أماتهم، ومن فعل ذلك قادر على أن يبعثهم مرة أخرى، بل وقادر على أن يبعث عباده بعد موتهم. وبعد هذا الإيجاز في القصة تبدأ أحداثها بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (الكهف: ١٣) الآية، وإذا تأملت في الآية التي بدأت بها القصة، والتي لخصتُها ولخصتْها الآيات، ثم ما جاء من الآيات بعد ذلك، لوجدت أنها ترتبط بالمحور الذي تقوم عليه آيات هذه السورة، وتدور في فلك الموضوع الذي نزلت الآيات لشرحه وتوضيحه، ولعلمت أنها جاءت تحقق الهدف الذي تقصده الآيات، فليست المسألة مسألة قصة تروى أحداثها لتكون متعة للنفس، ومجالًا للتسلية، إنما هي قصة تساق لتحقيق أهداف وغايات عظيمة، جاءت آيات السورة كلها تؤكدها وتحققها. وفي مقدمة هذه الأهداف توحيد الله وأن الإيمان هو القيمة العالية التي لا يعدلها شيء من حطام الدنيا، وأن الإنسان عليه ألا يتخبط في متاهات الباطل، إنما يجب عليه أن يقيم فكره وحياته على علم ويقين، لا على جهل وعمى، ولذلك بعد أن ذكر الله في الآيات الثمانية الأولى، التي تسبق قصة أصحاب الكهف، ما ذكر من ثنائه على رسوله بأنه عبده الذي أنزل عليه الكتاب، وأن هذا الرسول جاء مبشرًا ونذيرًا، وأن إنذاره لمن قالوا بأن الله اتخذ له ولدًا، ليكون

стр. 193

هذا الولد إلهًا يعبد معه أو من دونه، وهذا القول لا دليل عليه عندهم ولا عند آبائهم من قَبل. قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥). وهنا يواسي ربنا رسوله وهو يعاتبه على حزنه لعدم إيمانهم، حتى ليكاد يقتل نفسه حزنًا عليهم، فيذكر له أنه -جل وعلا- جعل ما على الأرض زينة لها، اختبارًا لمن على وجه الأرض؛ ليظهر من شكر ومن كفر، ثم تكون النهاية بانتهاء الحياة وبعث الناس والحساب، وهنا سوف يكون حساب الله لهؤلاء الجاحدين المنكرين، بعد هذه الآيات تأتي قصة أصحاب الكهف تقرر هذه المعاني وتؤكدها، فتذكر أن الفتية آمنوا بالله الواحد الأحد فقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (الكهف: ١٤). وفي نهاية القصة تقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٦) فهذا تقرير للوحدانية كما ترى إعلاء قدر الإيمان في أول آية في القصة: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ١٠) فقد تركوا النعيم وزينة الحياة الدنيا وأحسوا بالراحة في الكهف، واتجهوا لربهم يدعونه بهذا الدعاء، الذي يحمل الكثير من حسن الإقبال على الله. وهذا أيضًا ما تقرؤه في قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (الكهف: ١٦)،

стр. 194

وفي مقابلة قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ (النجم: ٢٨) وأن العاقل لا ينطق ولا يعتقد إلا فيما قام عليه الدليل يأتي قوله في القصة: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الكهف: ١٥) ويأتي قوله فيمن يخوضون في عددهم: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢). وفي تفويض ما ليس للإنسان به علم إلى الله العليم الخبير، وهذا ما قاله الفتية حين استيقظوا من نومهم وتساءلوا كم لبثتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: ١٩) ففوضوا علم ذلك إلى الله، وما قاله أيضًا مَن تذاكروا أمر الفتية، واختلفوا في أسمائهم وأحوالهم، وكم لبثوا في كهفهم فقالوا: ربهم أعلم بهم، ويمكن أن يكون هذا ردًا من الله على هؤلاء المتنازعين في أمرهم، وأن البحث في ذلك لا فائدة فيه، فليفوضوا علم هذا إلى الله وحده. وفي آيات القصة النهي عن المراء والجدال فيما لا طائل تحته: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٢) كما تقرأ تأكيدًا لقيمة إقامة فهم الإنسان ووقوفه على أرض الحقيقة، قبل أن يقول قولًا أو يعتقد اعتقادًا، تقرأ قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ (الكهف: ٢٦). أرأيتم كيف جاءت آيات قصة أصحاب الكهف، تؤكد جملة من الحقائق وردت بها الآيات الأولى في السورة، فكانت مدخلًا للقصة تدل على براعة الاستهلال في القرآن

стр. 195

الكريم، ويبين لماذا أعجز هذا القرآن الفصحاء والبلغاء من يوم نزوله، إلى وقت الناس هذا، وسوف يظل كذلك إلى آخر الزمان، والآن إلى قصة أصحاب الكهف، فماذا فيها من حسن العرض وتوفية الغرض، وماذا فيها من الدروس النافعة والعظات البالغة؟. إنها تُعرض في فصول متتابعة، لا على طريقة ما تراه في بناء القصة في غير القرآن، لكنها فصول ومراحل وفقرات تنساب في الوجدان، دون أن تلمح أثرًا لنبوة أو توقفًا أو انتقالًا من فصل إلى فصل، أو من مرحلة إلى مرحلة، إنما هي آيات تترى عذبة المعاني، حلوة الكلمات، في ألفاظها جمال اللفظ وروعته، تنتقل مع هذه الآيات في مراحلها، حتى توقفك في النهاية عند نهاية القصة، فتكشف لك اللثام عن نهاية كنت تنتظرها، وتتساءل عنها، فإذا بها تراها مشرقة في القلب والعقل، بكل ما في القصة من عبر ودروس، أراد الله أن نتعلمها وأن ننفعل بها لتكون لنا درسًا نافعًا وعظة بالغة. لقد بدأ الشوط الأول في القصة بالتشويق، كما ذكرنا في هذا السؤال الذي يربط مطلع القصة وما فيها من أحداث، بما سبق في السورة من آيات، ذلكم حيث يقول ربنا: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (الكهف: ٩) فهناك ما هو أعجب من ذلك فيما تراه كما قلنا من الآيات البينات، التي أوحيناها إليك في طريقة إنزالها ومجيء المَلك بها، وما فيها من ألوان الإعجاز البلاغي والغيبي والعلمي والتاريخي، وما إلى ذلك مما يدل على أنها من لدن العليم الخبير، وأنك رسول الله الذي أرسله للناس بشيرًا ونذيرًا. وهناك ما هو أعظم في التعجب منه من أمر أصحاب الكهف والرقيم، فيما تشاهده من آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق، وبهذا التشويق تبدأ القصة،

стр. 196

فيلخصها القرآن في ثلاث آيات، يبين فيها أن فتية فروا إلى الله بدينهم، إلى كهف في جبل، وأنهم أخذوا في دعاء الله أن يهب لهم من عنده رحمة، وأن يهيئ لهم من أمره رشدًا، وأنهم ما إن دخلوا إلى الكهف حتى ناموا، فألقى الله النوم عليهم، وأبقاهم في نومهم سنين عددًا، سوف يكشف لنا في نهاية القصة عن عدد هذه السنين، وبعد هذه القرون التي كانوا فيها نيامًا، بعثهم الله من رقدتهم وأخبر بحقيقتهم، وبين مدة بقائهم في كهفهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (الكهف: ١٢). يقول ابن عطية: "والظاهر من الآية أن الحزب الواحد الفتية، أي: ظنوا لبثهم قليلًا، والحزب الثاني أهل المدينة الذين بُعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين". وقصة أصحاب الكهف التي بدأت هذه البداية جاءت معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ في جملة ما أخبر به، مما لا سبيل لمعرفته إلا عن طريق الوحي، كما أن المناسبة التي ذكرت من أجلها تبين مدى ما كان عليه اليهود من مكر ودهاء وصد عن هذا الدين، مع أنهم يعلمون أنه حق، ويقرءون في التوراة والإنجيل أن هذا المبعوث هو رسول الله حقًّا، كما قال تعالى في المتقين بأنهم: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٧). إذ ورد في سبب النزول أن قريشًا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة؛ ليسألوهم عن محمد وصفته، فإن اليهود في نظر قريش أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم ما ليس عند قريش، فماذا كان من أمر أحبار اليهود حين

стр. 197

سئلوا عن ذلك؟ قالوا: "سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإن حديثهم عجب، وعن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي وإلا فهو مُتَقَوِّل". أي: يقول كلامًا كذبًا. فلما جاءا وأخبرا قريشًا بما قال لهما أحبار اليهود، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ((أخبركم بذلك غدًا)) ولم يقل: إن شاء الله، فلبث الوحي خمسة عشر يومًا لا ينزل عليه بذلك، مما أثار الأقاويل كيف كان يقول: سأخبركم غدًا، وها هو ذا لم يأته خبر بذلك طوال هذه الأيام، ونزل القرآن بعد هذا الغياب يقول لرسول الله ﷺ : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤). وجاءه خبر ما سألوا عنه، فذكر الله في سورة "الكهف" قصة أصحاب الكهف، كما ذكر الرجل الطواف بالمشارق والمغارب وهو ذو القرنين، وذكر في الإسراء إجابة سؤالهم عن الروح فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: ٨٥). فدل هذا التأخير في نزول الوحي على أن محمدًا ﷺ لا يقول هذا القرآن من عنده، وإنما هو وحي الله إليه، كما دل نزول هذه الآيات بإجابة المشركين، على عناية الله برسوله، حيث رد كيد اليهود في نحورهم، وأحبط خطة قريش في محاولتها إحراج رسول الله ﷺ كان الواجب على من سألوا عن ذلك، وشاهدوا صدق رسول الله ﷺ أن يفيئوا للحق، وأن يعلنوا اعترافهم به، وأن يكونوا من حماته والمصدقين به، ولكنهم لم يسألوا ليؤمنوا، وإنما سألوا كبرًا وعنادًا، فلم تنشرح صدورهم للحق وظلوا في غيهم وكفرهم سائرين.

стр. 198

وتبدأ القصة بعد هذه المقدمة، بكلمات تنبئ عن الحقيقة سافرة مضيئة، كالشمس في رابعة النهار، فيقول عز من قائل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ (الكهف: ١٣) فدل قوله: ﴿نَحْنُ﴾، وقوله: ﴿نَقُصُّ﴾، بنون المعظم لنفسه، على أن الذي يذكر ذلك هو الله العظيم، المتصف بكل صفات الجلال والكمال، فما يخبر به منبثق من باب العليم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وفي توجيه الخطاب من الله لرسوله في قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ (يوسف: ٣) إيناس له وعناية به وتطمين لقلبه. وبخاصة أن رسول الله ﷺ كان في مكة لا دولة له ولا سلطان، كان هو وأصحابه يلقون العنت والإيذاء من كفار قريش، وكان ﵊ وأصحابه ممنوعين من رد هذا الإيذاء ولو بكلمة، فكانوا وإمامهم رسول الله ﷺ في حاجة إلى هذا التطمين وذلك الإيناس. أما قوله: ﴿نَبَأَهُمْ﴾، فهو دليل على أن هذا ليس مجرد خبر يقال، إنما هو نبأ عظيم وقصة فيها الكثير من الدروس النافعة، ومما يضيف إلى ما سيذكره ربنا من نبئهم قوله: بالحق، فالحق لُحْمَته وسُدَاه وبدايته ونهايته، كل كلمة يقولها سبحانه صادرة من جناب الحق، لا مجال فيها لتزوير أو تلفيق أو كذب، أو أخبار وأقوال مِن نسج الخيال، كما قال ربنا: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ (الإسراء: ١٠٥) وكما قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام: ٥٧). فما أعظم هذه البداية، التي تجعلك تلقي السمع لما سيقصه الحق -جل وعلا- من نبأ هؤلاء الفتية، وبدأت القصة وما زلنا في شوطها الأول وبدايتها، فتصف هؤلاء بأنهم فتية، وقد سبق في مطلع القصة هذا الوصف في قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ (الكهف: ١٠) وقد تبين لنا من هذا الوصف أنهم شباب في سن الفتوة والقوة، وهذا يرشدنا إلى أن الشباب أقرب إلى التغيير والتحول،

стр. 199

بخلاف الطاعنين في السن الذين ألفوا ما هم عليه، ويصعب تغييرهم إلى الأحسن أو إلى طريق الرشاد، مما ينبه الدعاة إلى توجيه همتهم إلى الشباب، فهم الذين يستقبلون الدعوة بالاستجابة والإيمان بها، وعلى سواعدهم تبنى الأمم وتنهض الشعوب. وقد وصف الله هؤلاء الفتية بأنهم آمنوا بربهم، وأن الله بفضله زادهم هدى، ولكم تشعرون معي بما في اختيار لفظ الربوبية، وإضافتها لضميرهم في قوله: "آمنوا بربهم"، من إحساس هؤلاء الفتية بربوبية الله لهم، والربوبية تعني كما تعلمون: العطاء بكل ألوانه، وفي مقدمة عطاء الله هدايته وتوفيقه، وقد كان لهم من ذلك النصيب الأوفر، وهذا ما يوحي به إسناد زيادة الهدى لله بأسلوب نون العظمة، وتنكير كلمة "هدى" التي يفيد التعظيم والتكثير، وأنه هدى لا يُقادَر قدره، إذ بلغ من العظمة منتهاها ومن الخيرات أعلاها. وفي إطلاق الهدى ما يرشد إلى إحاطة هداية الله لهم بكل أمورهم وحياتهم، وأمر آخر في قصة هؤلاء هو أن الله قال: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الكهف: ١٤) والربط على القلوب تصوير لتوثق عرى الإيمان في قلوبهم، وكأن الإيمان بالله حين أودعه الله في قلوبهم ربط عليه برباط محكم، فلا سبيل لحله وإخراج الإيمان من هذه القلوب، وكان هذا الربط على قلوبهم في موقف يحتاجون فيه إليه، إنهم حين نما خبرهم في المدينة استدعاهم الملك دقيانوس، وكان ملكًا جبارًا يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، فسألهم: من ربكم؟ قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الكهف: ١٥).

стр. 200

فأمهلهم مدة ليراجعوا أنفسهم، فتمكنوا من الفرار، وساروا في الجبال بعيدًا عن هذه المدينة، وما فيها من كفر وضلال، إلى أن وجدوا هذا الكهف فدخلوا فيه، وكان من أمرهم ما كان، ألا ترون هذا الموقف الشجاع لهؤلاء الفتية، لم يكتموا إيمانهم ولم يجاملوا الملك فيما هو فيه من عبادة غير الله، إنما أعلنوها صيحة مدوية أمام الملك، وحوله حاشيته وجنده وأتباعه، من الذي يطيق ذلك إلا الأفذاذ من الرجال، الذين استولى الإيمان بالله الواحد الأحد على أفئدتهم وقلوبهم وأرواحهم، فلم يبالوا مَلكًا ولا مُلكًا ولا سلطانًا ولاة قوة من قوى الأرض، مهما عتت وبغت. وفي قولهم: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الكهف: ١٤) إحساس عظيم بربوبية الله لهم وعظيم عطائه إليهم، وهيمنته وتصريفه وحده لأمورهم، وأن ربهم الذي عرفوه فعبدوه هو رب السموات والأرض، فجميع ما فيها ومن فيها، بل السموات نفسها والأرض نفسها ملك له وحده، ملكًا وتصريفًا وتدبيرًا، وما دامت هذه ربوبيته لنا وللسموات والأرض، فلن ندعوا من دونه إلهًا، فوصلوا بهذا من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية، والتي هي محل النزاع بين الرسل وأممهم عبر مراحل التاريخ، فكثير من الأمم يعترفون بالله ربًّا خالقًا رازقًا، ولكنهم لا يفيئون له بالعبودية والطاعة والمحبة، فيشركون معه أو يعبدون من دونه آلهة أخرى لا تضر ولا تنفع. وهذا الذي كانت عليه أمم الأرض في الفصل بين الربوبية والألوهية، مخالف للعقل والواقع، ومن يفعله فقد اشتط في الحكم، وبنى القضية على غير أساس، ولهذا قال هؤلاء الفتية: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (الكهف: ١٤) ثم قالوا للملك: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ (الكهف: ١٥) فبينوا للملك

стр. 201

وحاشيته بأن قومهم قد أشركوا بالله آلهة لا تستحق العبادة، وأن هذا الذي فعلوه لا يستطيعون أن يأتوا بدليل واحد على صحته، وبالتالي فهم قد ظلموا أنفسهم، وظلموا خالقهم حين عبدوا معه آلهة أخرى لا دليل عليها، ولهذا قالوا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (الأنعام: ١٤٤) وكم في هذا التعبير القرآني في القصة من أسرار لا يتسع الوقت لبيانها. وخرجوا من ساحة الملك وأعوانه للمهلة التي أعطاهم الملك ليراجعوا أنفسهم، فقال بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (الكهف: ١٦) فتواصوا فيما بينهم أن يخرجوا من مدينتهم، بكل ما فيها من البهجة والأنس، إلى حيث لا يعرفهم أحد، بأن يأووا إلى الكهف، وكأن هذا الكهف كان معروفًا لهم من قبل، يعرفون موقعه وأنه في مكان لا يصل إليه أحد، فلن يعرف أحد مكانه، وقد أحسوا قبل أن يصلوا إليه ببرد قرارهم هذا، وسرت نسمات السعادة في جوانحهم، وقالوا: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ (الكهف: ١٦). فالكهف على وحشته وضيقه، وخلوه من كل أسباب الراحة، تنتشر في جنباته رحمات الله، فيشعرون بها، وكم هناك ممن يسكن في القصور والأبراج العالية، فلا تغنيه عما هو فيه من هموم، فيظل ليله ساهرًا لا تطرف له عين، في سهاد وأرق وتعب، وكأن هذا القصر بغرفه الفسيحة وصالاته الواسعة سجن لا يطيق البقاء فيه، وكم من أناس يعيشون في الأكواخ والبيوت الفقيرة، التي خلت من كل متاع، تراهم ينامون الليل ملء جفونهم، وهم راضون عما قسم الله لهم. وفي التعبير بالفعل المضارع في "ينشر" و"يهيئ"، دليل على التجدد والحدوث، وأن الله سينشر لهم رحمته في الحال والمآل، وأنه سيهيئ لهم من

стр. 202

أمرهم مرفقًا، أي: أمرًا فيه الرفق بهم، والعناية بأمرهم حالًا ومآلًا، فهو رجاء منهم وثقة في فضل الله لهم وعليهم، لما كان منهم من إخلاص له وعبودية له ومفارقة لقومهم. وإلى هنا تنتقل القصة إلى مشهد آخر، بعد أن تترك مساحة للعقل ليتدبر ويتساءل: ماذا كان من أمرهم؟ فيتصور أنهم لما قالوا ذلك وعزموا عليه، ولم تكن أمامهم فرصة للبقاء في المدينة، وهم على دينهم دين التوحيد لله رب العالمين، وأن الملك قد أمهلهم فترة ليرى ماذا سيصنعون، لا بد لهم إذًا من تنفيذ قرارهم على وجه السرعة حتى لا ينالهم سوء، فخرجوا ووصلوا إلى الكهف، ويبدو أن المسافة بين المدينة والكهف كانت شاسعة، فوصلوا إليه مجهدين، وما إن مست جنوبهم الأرض في الكهف حتى ضرب الله النوم عليهم، فعند ذلك تترك القصة المجال لكل هذه المشاهد لتصورهم في كهفهم وهم رقود، يغطون في نومهم، فتقول: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ (الكهف: ١٧) الآية والتي بعدها. وتعجز آلات التصوير وفنانو الإخراج عن تصوير هذا المشهد، وإخراجه بهذه الطريقة الفذة التي صورها القرآن وأخرجها، فالآيتان تخاطب كل من يتأتى له الخطاب، وكأنها تضع الإنسان أي إنسان في كل زمان ومكان، أمام هذا المشهد، فتتجه بالخطاب إليه وتقول: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾ (الكهف: ١٧) أي: إذا كنت حاضرًا عند هذا المكان، فإنك ترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه، فباب الكهف كان مفتوحًا إلى جهة الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس لم يكن يصل إلى داخل الكهف، إنما يصل إليه الهواء العليل، ذلك الذي كان دليل قدرة لله ، فذلك آية من آيات الله؛ إذ

стр. 203

حفظ أجسامهم وثيابهم ومناظرهم من البلى والتعفن كل هذه القرون، فسبحان الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ويقال بأن الشمس إذا طلعت منع الله ضوءها من الوقوع عليهم، وكذلك وقت الغروب، فكان هذا آية من آيات الله، وتعليقًا على هذا الجزء من المشهد يقرر الله أن ذلك آية من آياته، كما يقرر أن الهداية بيده، فكما هدى هؤلاء الفتية إلى طريقه، يهدي من يشاء من عباده، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. ثم ينتقل المشهد لتصويرهم في كهفهم، بأنك لو رأيتهم ونظرت إليهم، يخيل إليك أنهم متيقظون، فقد قيل بأن عيونهم كانت مفتوحة ولم تنطبق؛ لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولكن الإله القادر على حفظ أجسادهم وملابسهم وهيئاتهم، قادر على حفظ أعينهم وإن كانت غير مفتوحة. وزيادة في حفظهم يقول: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ (الكهف: ١٨) لئلا تؤثر الأرض في أجسامهم، وقد أضاف للمشهد صورة لكلب كان قد تبعهم، فنام في فناء الكهف كأنه على بابه كما تنام الكلاب: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (الكهف: ١٨) فقد جعل الله هذا المنظر مشهدًا لأناس نائمين أعينهم مفتوحة، وكلبهم ماد وباسط ذراعيه بمدخل الكهف؛ ليكون هذا المنظر سببًا في رد وصد كل من حاول أن يقتحم هذا المكان، ليعرف ما فيه حتى يتم الله أمره. وينتقل المشهد إلى مشهد آخر، ويترك القرآن مساحة للمشاهدين ليتساءلوا: ماذا كان من أمر هؤلاء، الذين ضرب الله النوم عليهم فناموا على هذه الهيئة المرعبة المخيفة، هل ما زالوا إلى الآن كذلك؟ هنا يخبرنا الله عما كان من أمرهم، لقد رد

стр. 204

الله أرواحهم إليهم شأن النائم إذا استيقظ، والله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: ٤٢). وتصور كلمات الآيتين في هذا المشهد حالهم بعد أن قاموا من نومهم، وأنهم أخذوا يتساءلون فيما بينهم: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف: ١٩) وهنا يبدو أثر الإيمان في اهتمام أصحابه بالمفيد، وترك ما لا دليل عليه لله وحده، ولذلك قالوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: ١٩) ولما استيقظوا وجدوا أنفسهم في حاجة إلى الطعام، وكان معهم بعض المال الذي حملوه معهم إلى الكهف، فطلبوا أن يذهب واحد منهم بما معه من المال: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (الكهف: ١٩، ٢٠). وذهب هذا الذي أرسلوه ليشتري لهم طعامًا، ولكن أمره قد انكشف وأُخذ إلى الملك، فذكر له ما كان من أمرهم، وعلم هذا الرسول أن الملك قد تغير أمره، ولم يعد هو الملك الكافر، إنما هذا ملك مسلم، فذهب الملك ومعه حاشيته إلى مكان الكهف، ورأوا هؤلاء الفتية، ولما رأى هؤلاء الفتية ورآهم من معه، ألقى الله مرة أخرى النوم على هؤلاء الفتية، ولكن هذا النوم هذه المرة ليس كسابقه، إنما هو موتهم وقبض أرواحهم، كما يموت كل الناس، ولذلك قال ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ (الكهف: ٢١) فقد اختلفوا في أمر هؤلاء الفتية، فوصل قرارهم بأن يقيموا على هؤلاء مسجدًا يكون علامة على وجودهم. وهنا تكون قد انتهت القصة، ولكن الله يتبعها ببعض الدروس والعبر، فيذكر أقاويل الناس في عدد هؤلاء الفتية، فيقول: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ

стр. 205

وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (الكهف: ٢٢) فرجح أن عدد هؤلاء كانوا سبعة، وأوصى رسوله ﵊ وقال له: فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرًا ولا تستفت فيهم منهم أحدًا؛ لأن معرفة هذا العدد لا فائدة منه، كما يوجه رسوله ﷺ إلى أن يجعل كل شيء مرهونًا بمشيئة الله، فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤). ثم بين لنا مدة مكثهم في كهفهم فقال: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف: ٢٥) فجمع بين التقدير بالسنين القمرية والسنين الشمسية، ومع ذلك قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ٢٦). هذه هي قصة أصحاب الكهف ملخصة موجزة. والحمد لله رب العالمين.

стр. 206

الدرس: ١٣ قصة صاحب الجنتين .

стр. 207

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث عشر (قصة صاحب الجنتين) موقع القصة من الآيات التي سبقتها والآيات التي ستلحقها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فمن هو صاحب الجنتين؟ وماذا كان من أمره؟ وكيف كانت بدايته ونهايته؟: قبل أن نجيب عن هذه التساؤلات، هيا لنعرف موقع هذه القصة من الآيات التي سبقتها والآيات التي ستلحقها، ففي ذلك ما يكشف سر ذكر الله لها في هذا الموضع من السورة، في الآيات السابقة يقرر الله قيمة عالية من قيم الإيمان قولًا وفعلًا وسلوكًا؛ لتكون هذه القيمة منارة يهتدي بها أهل الإسلام، بل منهجًا لا تصعد الإنسانية لغيره. هذه القيمة هي الإيمان الذي يتمثل في إنسان مؤمن، بكل ما يتطلبه الإيمان من الكمالات، وما يعنيه هذا الإيمان في الإنسان المؤمن، بالنسبة لما يمتلكه الآخرون من متاع ومال، وما يتبع ذلك من رياش وفراش، وكلمة مسموعة ومكانة مرموقة، إن الإيمان والإنسان المؤمن هو الذي تصلح به الحياة، وهل تصلح الحياة بغير المساواة والعدالة والتواضع والحياء والخلق الكريم، وهي وأمثالها روافد الإيمان ومظهره المشرق في محيا أهل الإيمان، وهل يمكن أن تنتظم حياة الناس بالعنصرية والعصبية، والتعالي والتفاخر بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد، وبخس الآخرين حقهم، في حياة كريمة يشعرون فيها بآدميتهم. الآيات التي جاءت بعد قصة أصحاب الكهف تحمل هذه المعاني في وضوح، فبعد أن ختم الله قصة أصحاب الكهف بتقرير ما اتصف به من العلم بغيب السموات والأرض، وأنه السميع البصير ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ (الكهف: ٢٦). وأن من أشركوا به لا ناصر لهم من الله ولا معين، وأن الحكم في هذه الحياة

стр. 208

وغيرها له وحده، ولا يشرك في حكمه أحدًا، أمر رسوله ﷺ أن يواصل تلاوته لما أوحاه إليه من كتاب ربه، إذ لا مبدل لكلماته، ولن تجد من دونه ناصرًا ولا وليًّا إن أنت بدلت كلماته، وفي هذا إشعار بحرص رسول الله ﷺ على تبليغ وحي الله دون تحريف أو تبديل. وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه الرسالة وأدى الأمانة، فوصل إلينا هذا القرآن محفوظًا بحفظ الله، ومن جملة الأسباب التي أدت إلى حفظه اختيار الله لأناس حببهم فيه، واصطفاهم لصحبة نبيه، فكانوا نور الحياة وبهجتها، وحملة كتاب الله وقراءه، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله ﷺ منهم أغنياء الصحابة كأبي بكر وعثمان وابن عوف وغيرهم، ومنهم الفقراء كابن مسعود وبلال والكثير من الصحابة من العبيد والموالي، ومن لا مال لهم، وكلا الفريقين من الأغنياء والفقراء سواء في مجلس رسول الله ﷺ تجمعهم أخوة الإيمان، ويضمهم هدف واحد هو نصرة هذا الدين، والعمل على حفظ كتاب الله ونشر مبادئه. لكن المشركين لهم مقاييس مختلفة، فمقاييسهم قائمة على أساس من المال والجاه، فأصحاب المال والجاه أهل الحظوة والقرب والفضل والمكانة، قولهم مسموع وكلمتهم مطاعة، وغيرهم من الفقراء ومن لا مال لهم ولا جاه خدم لهم وعبيد لإحسانهم، ومكانهم خلف الصفوف، ولا يحق لهم أن يجلسوا في مجلس الأثرياء وأصحاب الأموال، وبهذه المقاييس الخاطئة حكموا على أقدار الناس ومنزلتهم، فكانت العنصرية البغيضة سببًا للفرقة وبابًا للأحقاد والبغض، وما بهذا كما قلنا تستقيم حياة الناس، ولا بهذا تنهض الأمم والشعوب. وانطلاقًا من هذا الفهم لأقدار الناس ومكانتهم، طلب المشركون من رسول الله ﷺ أن يخصص لهم مجلسًا يجلسون فيه معه، لا يجلس فيه أحد من هؤلاء الفقراء من

стр. 209

الصحابة؛ إذ لا يليق بسادة القوم أن يجلس معهم هؤلاء الضعاف والفقراء، مِن أصحاب رسول الله ﷺ فنزل الوحي يرسي حقيقة الحياة بين الناس، ويبين أن القيمة الحقيقية للرجال في إيمانهم لا في أموالهم، ولا فيما ملكت أيديهم، وأن الإسلام ليس في حاجة إلى متكبرين ومتجبرين، يظنون أن قيمة الإنسان فيما يملك من حطام الدنيا، لا فيما استقر في وجدانه من معرفة الله، والعمل بكتابه وسنة نبيه. وجاء التوجيه الإلهي لرسول الله ﷺ يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا * وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: ٢٨ - ٣١). فهذا الحق الذي جاء به الوحي أبلج، فيه الرشد والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وقد أعطى الله الإنسان حرية الاختيار فيما يمكن الاختيار فيه، ومن ذلك اختياره للكفر والإيمان والحق والباطل والهدى والضلال، فأيهما يختار، لكن فليعلم أنه محاسب على اختياره، ولما كان المقام مقام إنذار وتخويف من الكفر وعاقبته، ذكر عاقبة من كفر أولًا، وسمى من كفر ظالمًا، وبيّن ما ينتظر هذا الظالم من سوء العذاب، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.

стр. 210

ثم ثنى بذكر جزاء من اختار الهدى ودين الحق، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. وتأكيدًا لهذه الحقائق وتوضيحًا لها في صورة شاخصة، أمر الله رسوله ﷺ أن يضرب للمشركين وغيرهم مثلًا من واقع الحياة، يبين عاقبة من غره ماله وأعماه سلطانه، ولم يستجب لنصح الناصحين، ويذكر المثل اعتزاز المؤمن بدينه، واستعلاءه على ملذات الحياة وبهجتها بإيمانه. وكانت هذه القصة -قصة صاحب الجنتين- هي المثل الذي ضربه الله لهؤلاء، فقال عز من قائل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٤٤). لو تأملتم فيما استمعتم إليه من الآيات، لوجدتم أن القصة سارت في أشواطها دون أن تشعرك بالانتقال من شوط إلى شوط، أو فصل إلى فصل، إنما تنساب أحداثها حتى تختم

стр. 211

بنتيجتها: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ وتأتي الدروس التابعة والنابعة منها في آيتين في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (الكهف: ٤٥) الآية وما بعدها. والشوط الأول يبدأ من: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (الكهف: ٣٢) إلى قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: ٣٤) فيصور لنا الجنتين هذا التصوير الرائع، والشوط الثاني من قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ (الكهف: ٣٥) إلى قوله: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ (الكهف: ٣٦) ليرسم لنا صورة لهذا الرجل المغرور المعجب بماله وجنتيه. أما الشوط الثالث فيبدأ من قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ (الكهف: ٣٧) إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ (الكهف: ٤١) فيذكر فيه المولى ما دار من حوار بين هذا الرجل المتكبر وصاحبه الفقير، وما كان من نصح هذا الفقير لذلك الغني الجاحد، وفي الشوط الرابع والذي يبدأ من: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (الكهف: ٤٢) إلى نهاية القصة، بيان لما انتهى إليه أمر هذا الرجل وجنتيه، وما في ذلك من الدروس النافعة والعظات البالغة. ولكم تقف مشدوهًا تستولي آيات القرآن في القصة على أحاسيسك ومشاعرك، وأنت تتأمل أحداثها وكيف ساقها القرآن، فجلى هذه الأحداث، وانتقل بك من حدث إلى حدث كما قلنا في سلاسة ويسر، وبقي القرآن في آياته تمثل كل ثلاث آيات منه معجزة، يتحدى الله بها الثقلين: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء: ٨٨). فكم هناك من معجزات، وعلى عادة القرآن في قصصه لا يذكر أسماء، ولا يهتم بمكان القصة وأين جرت أحداثها، لا يذكر مِن هذا وذاك إلا ما دعت إليه الضرورة، وكان في ذكره

стр. 212

فائدة؛ لأن المقصود هو الحدث نفسه وما فيه من العبرة والدروس؛ لأن هذه الدروس لن تتغير بتغير الأسماء والأماكن، مع أن أصحاب القصة قد يكونون معروفين بأسمائهم، وأين كانت أحداث قصتهم، كما هو الواقع في القصة التي نتابع أحداثها. قصة صاحب الجنتين ولنا أن نتساءل: من هو صاحب الجنتين، ومن هو صاحبه، وأين كان ذلك، وماذا حدث؟: صاحب الجنتين رجل كان في بني إسرائيل اسمه باراطوس، وكان كافرًا وله أخ مؤمن اسمه يهوذا، وقيل: إن الأخوين هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ (الصافات: ٥١) الآيات، ويقال بأن الأخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فأخذ كل واحد منهما النصف، فاشترى الكافر أرضًا وبنى دارًا وتزوج، وكان له خدم ونخيل وأعناب، أما المؤمن فتصدق بماله وأصابته فاقة، فجاء إلى أخيه يطلب منه أن يساعده، فطرده ووبخه ودار بينهما الحوار الذي ذكرته الآيات. وقيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم؛ الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافرًا، وأبا سلمة عبد الله بن الأسود وكان مؤمنًا. وعن ابن عباس ﵄ أنهما ابنا ملك من بني إسرائيل، أنفق أحدهما ماله في سبيل الله، وكفر الآخر واشتغل بزينة الدنيا وتنمية ماله. أما مكان ما حدث فقد ذكر إبراهيم بن القاسم الكاتب في كتابه (في عجائب البلاد) أن بحيرة تنيس كانت موضع هاتين الجنتين، وكانتا لأخوين فباع

стр. 213

أحدهما نصيبه من الآخر، وأنفقه في طاعة الله حتى عيّره الآخر، وجرت بينهما هذه المحاورة. قال: "فأغرقها الله في ليلة، وإياهما عني الله بهذه الآيات". لا يعني هذا أن القرآن يحث على أن يتصدق المسلم بكل ماله، ويبقى فقيرًا يمد يده للناس، بل ويترك ورثته فقراء يستجدون الصدقة من الآخرين، ولا يفهم من ذلك أن الإسلام ينفر من الحصول على الأموال وتنميتها، ويريد من أتباعه الخروج من الدنيا لا مال لهم ولا زوجة ولا أبناء، فإن هذا معناه خراب الدنيا وهدم حضارتها، والقضاء على رونقها وبهجتها، وما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ضد ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص حين أراد -وهو على فراش مرضه- أن يتصدق بماله، فرفض رسول الله ﷺ ذلك وما زال به حتى وافقه على الثلث، ومع ذلك قال له: ((الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس)). ولو لم يكن للمؤمن مال كيف يطالَب بزكاة وصدقات، وكيف يجهز جند الله، ومن الذي يبني ويعمر، ومن الذي تكون له الأرض يخرج منها ما يقيت الناس وينفعهم، ومن الذي يبني المصانع والمتاجر والبيوت ويعمر الأرض؟! إنما يريد ربنا أن يعمرها من يعمرها باسمه ومن أجله، وأن يؤدي فيها حق الله، وألا يستطيل بما ملك على عباد الله، وألا يدعوه ماله إلى التخلق بالأخلاق الذميمة، كالكبر والبطر والبخل والشح، وما إلى ذلك من أخلاق فاسدة، فإن امتلك الدنيا فأدى فيها حق مولاه، فهو جدير بها، ونعم المال الصالح للرجل الصالح. والقصة التي معنا تعبر عن هذه الحقيقة، وتبين ما أدى إليه المال في حياة واحد من الناس، مِن الكفر بالله والتعالي على خلق الله، وقياس الأمور بمقياس غير صحيح، وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش، الذين أنِفوا أن يجلسوا مع فقراء المسلمين

стр. 214

وضعفائهم، واشترطوا للدخول في الإسلام أن يطرد رسول الله ﷺ من مجلسه هؤلاء الضعفاء ليجلسوا معه وليستمعوا إلى قوله، وكأن الرسول الكريم ﷺ مال إلى ذلك. وربما رأى أن يذكر لهؤلاء الفقراء أن مصلحة الدعوة في ذلك، وأنه يطلب منهم أن يتنحوا عن المجلس ليخلوا للسادة من قريش، فإن دخلوا في الإسلام كانوا قوة له وسندًا لدعوته، وحينذاك سوف يعرفون ويؤمنون بمبادئ الإسلام، ومنها أنه دين المساواة، فيعود هؤلاء الضعاف ليجلسوا مع هؤلاء السادة الأغنياء في مجلس، يضمهم فيه أخوة الإيمان والإسلام، ولكن الله ثبت رسوله وقال له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: ٢٨) الآية، وقال له: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الأنعام: ٥٢) الآية. فكان حال هؤلاء الكفار من مشركي قريش شبيهًا بحال صاحب الجنتين، وحال رسول الله ﷺ والمؤمنين شبيهًا بحال الرجل المؤمن، الذي اجتهد في نصيحة هذا الرجل الكافر، وكان هذا المؤمن معتزًّا بدينه، ويرى أن ما معه من الإيمان لا يعدله شيء من متاع الحياة الدنيا. وهذه هي الكلمات تصور ما حاز الرجل الكافر من متاع، بعد أن يقول الله لرسوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (الكهف: ٣٢) فتشوفت النفس لمعرفة ما كان من أمر الرجلين، فبدأ بأولهما فبين ما منحه الله من خيرات فقال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ (الكهف: ٣٢ - ٣٤) فتأملوا معي في رسم كلمات القرآن لهاتين الجنتين:

стр. 215

أولًا: أن الله قال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ (الكهف: ٣٢) فأسند الجعل إلى قدرته القادرة، وبين بذلك أن هذا رزق من الله ؛ ليكون من البداية هذا سببًا في أنه يستحق أن يشكر لا أن يكفر، وذكر أنه لم يعطه -لم يعطِ هذا الرجل- جنة واحدة، إنما أعطاه جنتين، أي: حديقتين من أعناب. وسمى الحديقة جنة ليدلنا على أن هذه الحديقة، أو كل حديقة من الحديقتين، فيها من الأشجار والنخيل ما يستر من يكون بداخلها، مما يدل على أنها جنة عظيمة، وبين هذا أيضًا في قوله: ﴿مِنْ أعْنَابٍ﴾ فهي جنة فيها هذا الثمر العظيم وهو العنب، وذكر أن الجنتين على حوافهما نخيل: ﴿حَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (الكهف: ٣٢)، جعل بين الجنتين زرعًا، فبين بذلك أنها أرض متصلة لا يوجد بينها فراغ غير مزروع، وفي قوله: ﴿جَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (الكهف: ٣٢) في تنكير قوله: ﴿زَرْعًا﴾ ما يدلك على تنوع هذا الزرع، وأنه كان زرعًا كثيرًا، بخلاف ما هنالك من أعناب ونخيل. ثم قال جل من قائل: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (الكهف: ٣٣) فبين بذلك أن كل جنة من الجنتين قد أعطت غاية ما يمكن أن يكون من ثمر في مثل هذه الحدائق الغناء، وفي قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (الكهف: ٣٣) معناه أنها أعطت ثمارها كاملة غير منقوصة، ولعلنا نشاهد أن كثيرًا من الحدائق يعتريها ما يعتريها من ظروف مناخية أو ما إلى ذلك، فلا تعطي الثمرة الكاملة، لكن هاتين الجنتين كل جنة منهما آتت أكلها، ولم تظلم منه شيئًا. ومما يزيدها بهجة ورواء أن الله قال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ (الكهف: ٣٣) فجر الله خلال الجنتين -أي بين الجنتين- نهرًا عذبًا، فكان هذا النهر متعة للناظرين، وسببًا أدى إلى وصول الماء الدائم والمستمر إلى هاتين الجنتين، فكان
следующие страницы →