Полный текст (374 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كما يجب عليه أن يعدل في النفقة والمبيت إن كانت له زوجة أو زوجات أخريات. قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (النساء: ٣). ولا يكلف بما لا يقدر عليه من العدل في الميل القلبي لواحدة منهن. قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١٢٩).
وبهذا نرد على من فهم أن الإسلام لا يجيز التعدد؛ لأنه اشترط لذلك العدل، ولكنه قال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فنقول لهم: هذا في الميل القلبي، والمطالب به الرجل هو العدل في المبيت والنفقة، وما إلى ذلك مما هو في مقدور كل إنسان، فإذا ما أدى ما افترض الله عليه وجبت عليها طاعته في غير معصية له، فلا تخرج من بيته إلا بإذنه، ولا تسافر دون رضاه، ولا تتصرف في ماله إلا بموافقة منه، ولا تدخِل في بيته من لا يرغب فيه.
ولا يعني هذا تسلطًا وتجبرًا وإذلالًا للمرأة وإنقاصًا من كرامتها ومنزلتها ومكانتها، إنما هو نابع من فلسفة الإسلام في القيادة: ((إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)) وربما كان هؤلاء الثلاثة في سفر لأيام معدودات، لكن أمرهم لا ينتظم إلا بأن يكون لهم أمير يأتمرون بأمره، فما بالنا وهذه رفقة الحياة بكل ما فيها، ولَكَم تحتاج إلى من يتولى أمرها، فلمن تكون الإمارة في مملكة البيت؟ لعل النظر الصحيح يقول: الرجل هو الأجدر والأحق بذلك. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
стр. 142
فالتعبير القرآني: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ليس فيه أن الرجال أفضل من النساء، وإنما يشير إلى أن الرجل أفضل من المرأة في جوانب، وهي أفضل منه في جوانب أخرى، فليس في قدرتها إلا بمشقة شديدة أن تقوم بما يقوم به الرجال من أعمال تحتاج إلى جهد ومجالدة وتعب، وليس في قدرة الرجل أن يقوم بما تقوم به المرأة من حمل وإرضاع وسهر وجهد في رعاية الأبناء، وما إلى ذلك مما لا يتحمله الرجال.
فهذه القوامة إذًا مسئولية يقوم بها الرجل بشروطها، مِن العدل والحكمة والمشورة والمودة، وفي النساء بحمد الله كثرة عظيمة لهن حسن الرأي وصدق المشورة، مما جعل أزواجهن يأخذون برأيهن في كل أمر، والمسلمون لا ينسون مشورة أم سلمة أم المؤمنين ﵂ في الحديبية، حين أشارت على رسول الله ﷺ بما أشارت به، فكان في رأيها الخير للمسلمين.
الحقوق المشتركة بين الزوجين
وإذا كانت هذه حقوق كل من الزوجين على الآخر، فإننا لا ننسى أن هناك حقوقًا يشترك فيها الزوجان، ويؤديها كل واحد منهما للآخر، ومن هذه: الحقوق حق الاستمتاع، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة، وحسن المعاشرة، والتوارث، فلكل من الزوجين أن يستمتع بالآخر، وهذا أيضًا من حسن العشرة، ولا يقال بأن هذا حق للزوجة فحسب، وعلى زوجها أن يؤدي لها هذا الحق، بل هو حق عليها لزوجها كذلك.
وهنا نجد كلامًا للأئمة والباحثين في تحديد المدة التي يحق للزوجة التي تطالب فيها بهذا الحق، وهل هي ما زاد على أربعة أشهر أو في كل طهر أو في ليلة من أربع
стр. 143
ليالٍ؟ وأولى الآراء أن ذلك لا ضابط له إلا الابتعاد عن قصد الضرر، وتعمد الحرمان، وعلى الزوج أن يجتهد في إعفاف زوجته بقدر طاقته، كما يسوقون كثيرًا من الأحاديث التي توجب على الزوجة أن تستجيب لزوجها إذا ما دعاها لفراشه على أية حال كانت، وأنها إن أبت لعنتها الملائكة حتى تصبح، ما دام ليس لديها مانع شرعي من حيض أو نفاس أو صيام فرض، أو ما إلى ذلك، وسواء كانت مشغولة بعمل أم لا في ليل أو نهار.
ولكن ثقة التوجيهات النبوية والآيات القرآنية في هذا الأمر، وأن الزواج سكن ومودة ورحمة وعلاقة أبدية في الدنيا والآخرة، ترشدنا إلى ما يجب على الزوج إذا ما رغب في ذلك من التلطف والمداعبة؛ حتى لا يكون لقاء الرجل بامرأته وكأنه حالة اغتصاب وقهر.
وقد قال بذلك أعداء الإسلام في مؤتمراتهم، وطالبوا بالتحرر من قيد الزواج لتكون العلاقة بين الذكر والأنثى بعيدة عن فراش الزوجية، ومن هنا كان البحث في هذه المؤتمرات عن حكم الإجهاض لو حملت المرأة من هذه العلاقة الفاسدة، التي لا يترتب عليها أي حق لطرف منهما على الآخر، وتؤدي إلى خراب الدنيا وفساد أجيالها وهدم بيوتها.
أما في الإسلام فيستطيع كل من الزوجين أن يصل إلى ما يريد من صاحبه بالوسائل التي رسمها ديننا العظيم؛ ليكون لقاء الزوجين متعة وسعادة وأنسًا وودًا وحبًّا، تتوثق به القلوب وتنمو العواطف، وتحل به المشكلات، وينشأ في ظله الأبناء، ويبقى حنين كل منهما للآخر مشبوبًا، لا يؤدي كل منهما لصاحبه ما يؤديه على أنه حق شرعي يريد أن يتخلص منه، فيسلم جسده للآخر لقضاء وطره.
وإنما هناك تعانق الأرواح وتلاقي القلوب، ولحظات الرضا التي تذوب فيها الهموم، وتشفى بها الجروح، وتستقيم بها الحياة، ويشرق دين الإسلام على
стр. 144
أرض الله نورًا يشع في كل مكان وفي كل زمان، ليقول للدنيا بأن هذا هو المنهج الذي هو واحة الإنسانية، وإلا لفح الإنسانية هجير صحراء مجدبة يؤدي بهم إلى الهلاك.
وإذا كان هذا هو الحق الأول المشترك بين الزوجين وهو حق الاستمتاع، فهناك حق ثانٍ وهو ثبوت النسب، إذا ما حملت الزوجة ووضعت حملها نسب هذا المولود لأبيه، فيقال: هذا ولد فلان، كما يقال بأن هذه أُمه، وقد قال رسول الله ﷺ : ((الولد للفراش وللعاهر الحَجَر)) أي: لمن يزنى له الحجر وهو حد الرجم.
ومعناه أن النسب إنما يثبت بعقد النكاح لا بمجرد اتصال رجل بامرأة، فولد الزنا لا نسب له، والزاني والزانية إن كانا محصنين لهما الحجر، أي: الرجم بالحجارة، والمسلمون يحفظون المولود من الزنا، ويقومون بتربيته، ولا يحاسب نفسيًّا ولا اجتماعيًّا، ولا في الدنيا ولا في الآخرة عما كان قد حدث في الحرام، فأدى إلى وجوده في هذه الدنيا، ومَن عيّره بذلك فهو قاذف يقام عليه حد القذف.
أيضًا يثبت بعقد النكاح حق ثالث وهو حرمة المصاهرة، وهذه الحرمة المترتبة على عقد الزواج أو على الدخول بعقد الزواج. والمثال الأول: حرمة أم الزوجة بمجرد العقد على الزوجة. ومثال الثاني: حرمة بنت الزوجة بالدخول بالزوجة، فالقاعدة أن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، كما قال تعالى في تحريم من حرم الزواج بهن: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: ٢٣).
стр. 145
ومن ذلك تحريم الزواج من زوجة الابن، وتحريم الجمع بين المرأة وأختها، كما قال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ٢٣). وقد حرم رسول الله ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها.
أما الحق الرابع فهو حق التوارث، فكل من الزوجين يرث صاحبه وفق قاعدة الإسلام في الميراث، والتي تقوم على أن الغُرْم بالغُنم، وما دام الإسلام قد حمّل الرجال مسئولية الإنفاق، فإنه بعدله أعطاهم في الميراث غالبًا ضعف ما أعطى النساء. يقول تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ٢٤).
يبقى لنا الحق الخامس وهو حسن المعاشرة، حسن المعاشرة يعني حسن الخلق مع الوثاق واحتمال الأذى منهن. قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ومن المعلوم أن العقد الذي تم بين الزوج وزوجه ميثاق غليظ، كما قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء: ٢١).
وقال في المرأة حين أوصى بالإحسان إلى من أوصى بهن في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (النساء: ٣٦) قالوا: أن الصاحب بالجنب هي الزوجة.
ولعلنا نذكر أن آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ في مرضه الأخير كان يقول: (((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في
стр. 146
النساء فإنهن عوانٍ في أيديكم -عوانٍ يعني أسرى- أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) والأحاديث في هذا كثيرة.
وليس حسن الخلق مع الزوجة أن تكف الأذى عنها فقط، بل عليك أن تحتمل الأذى منها اقتداء برسول الله ﷺ فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يومًا إلى الليل، وراجعت امرأة عمر ﵂ عمر في الكلام فقال: "أتراجعينني! فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك، فقال عمر: خابت حفصة وخسرت إن راجعته، ثم قال لحفصة: لا تغتري بابنة ابن أبي قحافة -يقصد أبا بكر ﵁ فإنها حِب رسول الله ﷺ وخوّفها من المراجعة".
وهذه أيضًا أخلاق رسول الله ﷺ في معاملته لنسائه؛ لتكون نبراسًا يهتدي به أهل الإسلام، فقد كان ﵊ في معاملته لأهل بيته على أحسن حال، وهو القائل: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا)). وسئلت السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- عما كان يصنع رسول الله ﷺ في بيته فقالت: ((كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)).
وعن عروة قال: ((قلت لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم)). وهذا أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه- يقول: ((خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، والله ما قال لي أف قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا، وكانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت)) مما يدل على تواضعه وهو القائل: ((ما تواضع أحد لله إلا رفعه)).
إذا كانت هذه هي معاملة رسول الله ﷺ لخادمه وللإماء، فما بالكم بمعاملة رسول الله ﷺ لزوجاته وأهل بيته؟!:
стр. 147
إننا إذا نظرنا في كتب السيرة والحديث التي تحدثت عن زوجات النبي ﷺ نجد أن أمهات المؤمنين كن على درجة عالية من القرب من الله ، فكل واحدة منهن صوامة قوامة، ومن هنا كن جديرات بأن يكن أمهات للمؤمنين، وزوجات لرسول الله ﷺ .
وهذه صور جميلة من الملاطفة والدلال وحسن العشرة، نتعلمها من رسول الله ﷺ ، انظروا وهو ينادي السيدة عائشة بأحب الأسماء إليها، فيصغر اسمها أو يرخمه من باب المداعبة فيقول: ((يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام)). وكان يقول لها: ((يا حميراء))، والحميراء تصغير حمراء يراد بها البيضاء. وقال الذهبي: "الحمراء في لسان أهل الحجاز: البيضاء بحمرة، وهذا نادر فيهم". ونقرأ في صحيح مسلم من حديث عائشة في الصيام قالت: ((كان رسول الله ﷺ يُقبل إحدى نسائه وهو صائم، ثم تضحك رضي الله تعالى عنها)).
ومن هذه الصور العظيمة الجميلة التي تقرب ما بين الزوجين: ما نقرأه في قول الرسول ﷺ حين يقول: ((وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك)) اللقمة ترفعها بيدك إلى فم امرأتك هي لك صدقة، وانظروا كم تصنع هذه اللقمة في كسب القلوب، وليست المسألة مجرد كسب القلوب فقط، إنما هي صدقة يؤجر عليها الرجل، وهذا أمر يسير وسهل لمن أراد أن يحيا حياة إسلامية عظيمة جميلة.
أيضًا هذا رسول الله ﷺ يقدر مشاعر الزوجة، ويظهر لها ما يحمله لها من حب، فقد سألت السيدة عائشة ﵂ النبي ﷺ : ((كيف حبُّك لي؟ فقال ﵇: كعقدة الحبل، ثم سألته: كيف العقدة؟ فقال: على حالها)) أي: لم تتغير. والنبي ﵊ يصف لعائشة ﵂ حبه لها كعقلة الحبل، أي: أن الحب ما زال مربوطًا في قلبه.
стр. 148
فانظروا إلى كمْ كانت السيدة عائشة سعيدة مسرورة منشرحة الصدر بهذا القول من رسول الله ﷺ وقد قال لها بأنها فضلت على النساء كتفضيل الثريد على باقي الطعام، فإظهار مشاعر المودة والمحبة للزوجة من حسن العشرة التي يجب علي الأزواج أن يدركوها وأن يَعلموها.
ومن الأشياء التي من حسن العشرة أن يتزين وأن يتجمل وأن يتطيب الرجل لزوجته. سئلت السيدة عائشة: بأي شيء كان يبدأ النبي ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: ((بالسواك)) وكان يفعل ذلك ليستقبل زوجاته بالتقبيل وما إلى ذلك. وعند البخاري أن عائشة قالت: ((كنت أطيب النبي ﷺ بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته)).
وانظروا إلى ما رواه الإمام البخاري عن عائشة ﵂ قالت: ((كنت أُرَجِّل رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض)). وانظروا إلى رسول الله ﷺ في سنه وجلالة قدره وعظيم منزلته، وهو يجعل السيدة عائشة تسرح له شعر رأسه، ومع أنها تكون حائضًا.
وهي تشير بذلك إلى عظمة الإسلام؛ لأن اليهود وقد كانوا يساكنون المسلمين في المدينة، كانت المرأة إذا حاضت لا يأكل معها الرجل ولا يبيت معها في فراشها، فجاء الإسلام بعكس ذلك، وفعل رسول الله ﷺ ما نرى، فهل منا من يجعل زوجته تسرح له شعره، وماذا في هذا العمل من تقارب الأفئدة والأرواح، وما إلى ذلك، ولذلك كان ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- يقول: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستعطف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي". قال ابن عباس: "إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ".
ويذكر لنا التاريخ عن عمر بن الخطاب ﵁ وهو خليفة المسلمين: "أن رجلًا دخل عليه أشعث أغبر، ومع الرجل امرأته وهي تقول: "لا أنا ولا هذا؛ لأنها
стр. 149
لا تريده، تنفر من زوجها على هذا النحو ... انظروا إلى ما فعل عمر -رضي الله تعالى عنه- أرسل الزوج فاغتسل، وأخذ من شعر رأسه وقلم أظافره، فلما حضر أمره أن يتقدم مِن زوجته فنفرت منه؛ لأنها لم تعرفه ثم عرفته، فقبلت به ورجعت عن دعواها، فقال عمر: هكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن، كما تحبون أن يتزينَّ لكم".
قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: "أتيت محمد بن الحنفية، فخرج إليّ في ملحفة حمراء، ولحيته تقطر من الغالية -والغالية هي خليط من الطيب، فالخليط أفضل الطيب- يقول يحيى: فقلت له: ما هذا؟ قال محمد: إن هذه الملحفة ألقتها عليّ امرأتي، ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتيه منهن". فالمرأة تريد من الرجل أن يتجمل وأن يتزين، فهذا من العشرة التي أمر الله بها حين قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ولعلكم تذكرون من أخلاق النبي ﷺ أنه كان دائم البِشر، جميل العشرة، يداعب أهله ويتلطف بهم ويضاحك نساءه، وتذكرون كان يسابق السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- في البرية في بعض سفراته؛ يتودد إليها بذلك. تقول: ((سابقني رسول الله فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: هذه بتلك)). وكم في ذلك من مداعبة لطيفة.
وأنتم تذكرون أنه ﵊ كان يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤنسهم بذلك ﷺ ، فجعل النبي ﷺ معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات، فقال: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله)).
стр. 150
وسأل عمرو بن العاص ﵁ رسول الله ﷺ قائلًا: ((يا رسول، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: مِن الرجال؟ قال: أبوها)) رواه الترمذي. ولعلكم تذكرون ما كان من أمر عائشة ﵂ وأنها قالت: ((كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يَنْقَمِعْن -أي: يتغيبن منه- فيُسَرِّبُهن إليّ فيلعبن معي)).
وقصتها في رؤية من كانوا يلعبون في المسجد من الأحباش دليل على حسن خلق رسول الله ﷺ وحسن معاشرته. تقول ﵂: ((لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقْدُروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو)).
ومن حسن معاشرته ﷺ ما تقرؤه في سنته ﵊، من قول عائشة: ((كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله -أي: أناول الرسول ﷺ القدح فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العِرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي ﷺ فيضع فاه على موضع فيّ)). وكم في هذا من إناس ومن رحمة ومن لطف من رسول الله ﷺ .
ولعلكم قرأتم ما كان من قول رسول الله ﷺ لعائشة: ((إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليَّ غضبى. قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولي: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك)) صلوات الله وسلامه على رسول الله ﷺ .
وسيد الأوفياء محمد ﵊ انظروا إليه في وفائه لخديجة -رضي الله تعالى عنها- تقول السيدة عائشة: ((ما غِرت على امرأة لرسول الله ﷺ كما غرت على خديجة؛ لكثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها وثنائه عليها)).
стр. 151
ومن صور وفائه مع زوجاته أنه ﷺ لما نزلت عليه آية التخيير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (الأحزاب: ٢٨) بدأ بعائشة وقال لها: ((إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك)) خشية منه ﷺ أن تختار زينة الحياة الدنيا لصغر سنها، فتخسر الخير الكثير في الدنيا والآخرة، لكنها -رضي الله تعالى عنها- كانت أحرص على خير نفسها من أبويها، فقالت للنبي ﷺ : "أفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة".
ثم استقرأ ﵊ الحُجَر، أي: حجرات أمهات المؤمنين، يخبر نساءه ويقول لهن: ((إن عائشة ﵂ قالت كذا وكذا فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة)) ﵅ كلهن.
ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١). فأفعاله وأقواله وتقريراته وصفاته تشريع لأمته وهدي كريم، يجب على أهل الإسلام أن يلتزموا به في حياتهم؛ لتطيب حياتهم وعشرتهم لزوجاتهم، ولتحيى بيوتهم في جو من الأمان والاستقرار.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 152
الدرس: ١٠ الأحكام عند سوء العشرة أو الافتراق .
стр. 153
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(الأحكام عند سوء العشرة أو الافتراق)
الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
الأحكام عند سوء العشرة أو الافتراق:
وهذا الموضوع ينقسم كما يبدو من عنوانه إلى مرحلتين:
الأولى: الأحكام عند سوء العشرة.
والثانية: الأحكام عند الافتراق بأي شكل من أشكال الافتراق، طلاقًا أو خلعًا.
والمرحلة الثانية نتيجة للأولى، وحين نعرض لهذه الأحكام إنما نأمل أن نصل بالبيت المسلم إلى شاطئ الأمان، فهذا يقتضي أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى سوء العشرة، فما يتزوج من يتزوج ليحيا في جو من التعاسة والألم، فيدمر نفسه وأبناءه، وينتهي حاله بالطلاق والفراق وتشريد الأبناء والأمراض النفسية والاجتماعية.
وكم يحتاج كل من الرجل والمرأة من الزمن ليبرأ من علته، ويصحو من رقدته، ويعود ليبحث له عن زوجة، وهذه الزوجة الثانية التي تأتي لبيت قد يكون به أبناء من الزوجة السابقة، هل تستطيع أن تتقبل هؤلاء الأبناء، وماذا في ذلك من بلاء قد يؤدي بدوره إلى الطلاق، والمطلقة ومعها أبناؤها الذين حُرموا من أبيهم، كيف ستتولى تربيتهم، وهل ستبقى هكذا دون زواج، وربما كانت في مقتبل العمر، ولو رغبت في الزواج مَن هذا الذي سيقبل الزواج منها وهي على هذا الحال؟! كثير من المشاكل ترتبت على سوء العشرة.
فما الذي جعل الزوجين أو أحدهما يعامل الآخر معاملة سيئة، زرعت بذور الكراهة والبغض فأنبتت حنظلًا مرًّا ودمارًا وضياعًا للزوجين وأبنائهم، وأثمرت
стр. 154
نفورًا وبغضًا بين أسرتين بما فيهما الآباء والأمهات والإخوة والأخوات، وما إلى ذلك، وقد كان أفراد كل أسرة إذا ما التقوا وجدتهم أصهارًا متحابين، يعانق كل منهم الآخر في ود ظاهر وسعادة غامرة، فماذا عن حالهم بعد هذه النكبة التي حلت بابنهم وابنتهم؟!.
درسنا نظام الأسرة في القرآن، وكيف تكون عشرة الرجل مع أهله، وكيف تكون عشرة الزوجة مع زوجها، ورأينا خطة محكمة وضع كتاب الله خطواتها، وبيّن رسول الله ﷺ مراحل تنفيذها، وبدأت هذه الخطة بإعداد الفرد المسلم في بيته من أول لحظات اختيار الأبوين كل منهما للآخر، فقَل أن ينبت في البيت الفاسد أبناء بررة، وإذا طاب أصل المرء طابت فروعه، ومن عجب جادت يد الشوك بالورد.
فهذا إذًا أول الأسباب في أن الاختيار لم يكن موفقًا، وعلاجه حسن الاختيار للبيئة التي تربى فيها كل من الزوج والزوجة، وقريب من هذا السبب لحظات الاختيار حين الإقدام على الزواج، وقد أرشد رسول الله ﷺ في اختيار الفتاة إلى دينها، وعرض إلى ما يُرَغِّب الناس في الزواج من ذات المال والجمال والحسب، وبيّن أن هذا لا مانع من طلبه، لكن بشرط أن يكون الدين في المقدمة، حارسًا وحافظًا للمال والجمال والحسب، وإلا كان المال لها طغيانًا وإذلالًا لزوجها، وكان الجمال انحرافًا وغيرة قاتلة وهمًّا عظيمًا، وكان الحسب تعاليًا وكبرًا وغرورًا، ولذلك قال ﷺ : ((فاظفر بذات الدين ترتب يداك)) أي: التصقت يداك بالتراب إن لم تظفر بذات الدين، وهو كناية عن الخسارة والضياع.
فليتساءل عمن أساءت زوجته عشرتها معه، فعاملته بالغلظة والتعالي والغطرسة، والمنِّ عليه بمالها وحسبها، على أي أساس كان اختياره لها، هل طلب ذات
стр. 155
الدين والخلق؟ إنه لو كان قد فعل ذلك لوجد زوجة صالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وأبنائه، وكانت له عونًا على مشقات الحياة، وكم في الحياة من مشقات، وولي الفتاة في اختياره لمن سيكون زوجًا لابنته وصهرًا له ولأسرته على أي أساس اختار هذا الزوج؟.
تذاكرنا ما أوصى به رسول الله ﷺ أولياء الفتاة بل والفتاة نفسها، ومن له صلة بالرأي والمشورة من أم وعم وخال، أن يكون أساس اختيارهم لزوج ابنتهم قائمًا على أساس من الخلق والدين، كما قال ﷺ : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض -أو وفساد كبير)).
ولا بد من ملاحظة الأمرين معًا: الخُلق والدين، ترى شابًّا مهذبًا دَمِث الأخلاق يفيض رقة وأدبًا، ولكنه لا يؤدي فرائض الله أو يؤديها مرة ويقطع مرات، ومثل هذا لا يصلح أن يكون صهرًا ولا أن يكون زوجًا للفتاة، ولعلنا نتساءل: كيف يجتمع حسن الخلق مع عدم الالتزام بدين الله؟! والواقع خير شاهد، بل إنك لترى كثيرًا من غير المسلمين على أعلى ما يكون من الرقة والأمانة، وحسن أداء العمل والصدق في القول وأداء الحقوق لأصحابها، وما ذلك إلا لأنهم علموا أن الحياة لا تصلح إلا بهذه الأخلاق، وأن هذه الأخلاق من أعظم وسائل النجاح في الحياة فالتزَموها، فمطلبهم ليس هو الله والدار الآخرة، إنما مطلبهم هذه الدنيا يصيبونها، فنجحوا في ذلك نجاحًا عظيمًا.
وقد يأتي لابنتك من يحافظ على أداء الصلاة في الجماعة، ومَن يحرص على الصيام والقيام وأداء النوافل، ولكنه فظ غليظ تحادثه فلا تستريح له، تتعامل
стр. 156
معه فتجد المكر والدهاء وسوء الأخلاق، فتدينه لم يؤتِ أكله ولم يثمر ثمرته من التخلق بالأخلاق الكريمة، فإذا ما تزوج كان وبالًا على زوجته، وكانت لحظات الحياة معه كأنها القرون، فيها من سوء العشرة بكل ما تعنيه سوء العشرة في قول أو فعل ما يُعَجِّل بالشقاء والفناء.
فليكن هو السبب الثاني: وهو عدم التدقيق في أهم شرط في اختيار من ستتزوجها، وأهم شرط فيمن ستزوجه وهو الدين والخلق، فليتحقق هذا الشرط أولًا، ثم ليكن ما بعده لمن شاء من مال أو جمال أو وظيفة، أو أسرة لها منزلتها في مجتمعها، دون أن تكون هذه الأسباب أسبابًا أصيلة في الاختيار؛ لأنها كلها أعراض زائلة قد تبقى وقد تزول وقد تتغير.
فإذا ما اقتنع كل من الطرفين بصاحبه تقدم الشاب ومعه بعض أهله وعشيرته لخطبة الفتاة، والخطبة ليست زواجًا قائمًا على الإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي، يبيح للخاطب ما يبيحه عقد الزواج من جواز الخلوة والاستمتاع، ويوجب المهر والنفقة، إنما الخطبة وعْد بالزواج، والخاطب -كما ذكرنا- ما زال رجلًا أجنبيًّا كأي رجل، لا يجوز له أن يخرج مع مخطوبته ولا أن يخلو بها إلا في وجود محرم، والخطبة فترة يكتشف فيها كل من الجانبين ما عند صاحبه من خلق ودين؛ لأن رؤية الخاطب للفتاة ورؤية الفتاة للشاب تعطي صورة أولية وعامة للشكل الخارجي، وهل هو مقبول.
كما أن معرفة الخاطب أو المخطوبة عن طريق السؤال قد لا تعطي الصورة الحقيقية، أو الصورة الكاملة، فتأتي أيام الخطبة وما فيها من التزاور والمناقشات والمعاملات أحيانًا ما يكشف حقيقة كل منهما.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تُعْلَم
стр. 157
وفي هذه الفترة يكون الانتقاء لما يمكن التغاضي عنه، وما لا يمكن السكوت عليه أو قبوله.
ولعلي ذكرت أنني أفضل تأخير إجراء عقد النكاح؛ حتى يتم اقتناع كل واحد منهما بالآخر، وحتى يتم الاتفاق على كل شيء، ولم يبق إلا وقت قصير على موعد الدخول؛ خشية أن تطول أيام الخطبة؛ نظرًا للظروف الاقتصادية للناس، وقد لا يصبر العروسان فيحدث اللقاء وربما ترتب عليه الحمل، فكيف يكون حال الفتاة وحال أهلها وحال ابنتهم، وابنتهم ستلد في بيتهم قبل زفافها، وبعض من لا خلاق له قد يساوم إذا ما أراد ألا يتم هذا الزواج.
وإذا لم يتم كانت فتاتنا في أسوأ حالتها، ولم لا فقد أصبحت في وثيقة رسمية مطلقة ومعها طفل، وهي في بيت أبيها، كيف سيجبر هذا الكسر، وكيف ستتزوج مرة ثانية؟! إنه كما ترون موقف صعب وبلاء شديد، وحزن خيم على هذه الأسرة، ألا ترون أن عدم الالتزام بتوجيهات ديننا هي التي أدت إلى هذا المصير المشئوم، بما فيه من ضياع وحسرات.
فهذا إذًا هو السبب الثالث الذي يؤدي إلى سوء العشرة، ألا وهو عدم الالتزام بحدود الله وهدي رسول الله ﷺ أيام الخطبة.
فإذا ما مرت أيام الخطبة بسلام بدأت إجراءات العقد والزفاف، فليكن هذا وفق شريعة الله وتوجيهات رسول الله ﷺ في عدم المغالاة في المهر، وألا يطلب كل طرف من الآخر ما يلحقه في إعداد طعام وشراء فراش، وما يتبعه من أجهزة منزلية، وما يطلبه كثير من أهل العروس في مواصفات بيت الزوجية وإعداده، وما إلى ذلك مما يراه كثير من الناس ضرورة من ضرورات الزواج.
стр. 158
وليس هذا من الضرورة في شيء، لكن الإصرار عليه قد يؤدي إلى عدم إتمام الزواج، أو يلقي بظلاله على الزوجين بعد الزواج، حين يستيقظ الزوج في صباح يوم الدخول ليرى ديونًا للآخرين، يعجز عن الوفاء بها، وقد يستمر لفترة طويلة من الزمان يسدد في أقساطها، مما يجعله ينظر إلى زوجته وأهلها نظرة الكاره لهم ولها، وما بمثل هذا الأسلوب تنتظم حياة الأسر ويقام بيت من السعادة والحب.
فهذا هو السبب الرابع من أسباب سوء العشرة، أدى إليه الانقياد الأعمى إلى عادات وتقاليد بالية، دون مراعاة لظروف من يريد الزواج، بل ودون نظر إلى ما يتحمله كثير من الآباء من ديون في سبيل تجهيز بناتهم، فليت الناس يتقون الله في أنفسهم وبناتهم، وليتهم يقتدون في ذلك بإمام المرسلين ﷺ وصحابته الكرام، في عدم مغالاتهم في المهور، وعدم تحملهم لتكاليف الزواج الباهظة، فما كانت في بيوتهم الأسِرّة الفاخرة، والمقاعد الوفيرة، والتحف الغالية، وما إلى ذلك مما تراه في بيوتنا، إنما كان فراشهم بسيطًا ومتاعهم قليلًا.
بل إن هذا التيسير في الصداق وإعداد البيت كان سمة لمجتمعاتنا إلى وقت قريب، وقد رأيت بنفسي ذلك، حيث كان مهر الفتاة لا يتجاوز الخمسين جنيهًا، وبهذا المبلغ تجهز العروس بجهاز لا يتجاوز فرش حجرة، وبعض ما يلزم العروس وبيت الزوجية.
هذه المقدمات -التي هي أساس ما يكون من حسن العشرة أو سوء العشرة- لو أمكن ضبطها بميزان الشرع لتخطينا كثيرًا من العقبات التي تدمر حياة الأسر، وتترك في القلوب الأسى والضغينة، وتفرق بين الزوجين.
فإذا ما تم الزواج بدأت حياة زوجية قائمة على المحبة والرضا، والتغاضي عن الهفوات، وأساسها: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: ١٩). ونبراسها: ((لا يَفْرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يكره مؤمن مؤمنة- إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)).
стр. 159
ومع كل هذه التوجيهات بدءًا من التربية الإيمانية للبيوت وفي البيوت، ووصولًا إلى عش الزوجية، بكل ما يُفترض فيه من الدفء والحنان والمودة والرحمة والسكن، إلا أن طبائع البشر المختلفة قد تؤدي إلى التصادم وعدم الاتفاق، وفي كل يوم بل ربما في كل ساعة يزداد التباعد بين الزوجين، ويشعل الشيطان في القلوب نيران الكبرياء.
فلا يتنازل أحد الزوجين عن رأي رآه، بل يرى في تنازله وعفوه وتسامحه مساسًا بكرامته، فقد وصل الأمر بينهما إلى حال من البغض والكراهية، جعل كل منهما يسهر الليل يفكر في الانتقام من صاحبه؛ إذ لم يعد يطيق رؤيته، فلم تعد الزوجة تنفذ لزوجها أمرًا، أو تؤدي له واجبًا، أو تهتم ببيتها وأبنائها، إنها دائمة الصراخ لا تهدأ ولا يقر لها قرار، والزوج نافر منها هاجر لها، يكره أن يراها، إن دخل البيت دخله لوقت قصير، ثم خرج يبحث عن راحته وأنسه في الشوارع، وربما على المقاهي، وربما اصطادته امرأة أخرى فتزوجها فأضاف لمشكلته مشكلات.
الحلول القرآنية للمشكلات الزوجية
فماذا في منهجنا القرآني من حلول لهذه المشكلات؟:
أولًا: في بداية هذه الحلول: تأصيل الثقافة الإسلامية في موضوع العلاقة الزوجية، والتذكير بما تقتضيه هذه الثقافة في وقت الأزمات، فقد يسيطر الغضب على عقل الزوج، فينسيه ما علم من هدي ربه وهدي رسوله، حتى يقع في المحذور، وخلاصة ما يجب أن يدركه الزوج أن المرأة خلقت من ضلع أعوج. وقد قال ﷺ : ((إن المرأة خلقت من ضلع، لم تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها)).
стр. 160
وإن المسلم يستجيب في معاملته لزوجته إلى ما أوصاه به رسول الله ﷺ وهو يوقن أن رسول الله ﷺ ما أوصاه إلا بما فيه سعادته، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ((استوصوا بالنساء خيرًا)) وبيّن سر هذه الوصية فقال: ((إنما هن عندكم عَوَان)) أي: أسرى أو كالأسرى، وقال: ((إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)).
فهذه المرأة التي انتقلت إليك من بيت أبيها، وأصبحت في بيتك كالأسيرة، لا تخرج من بيتك إلا بإذنك، ولا تتصرف في شيء إلا بتوجيه منك ورضا، إنها أمانة استأمنك الله عليها، وأمر آخر أعظم وأكبر هو أن الله أحل لك أن تطلع منها على ما لا يجوز لأب أو لأم، أو لأحد أن يطلع عليه، فمن الذي أعطاك هذا الحق؟ إنه الله، حين أخذت هذه الفتاة بكلمته قلت لوليها: زوجني فقال لك: زوجتك.
فمن يتأمل في ذلك يراه أمرًا يدعو الرجل إلى أن يغض الطرف عن هفوات كثيرة، وإلى أن ينظر إلى الجوانب المشرقة والمضيئة عند زوجته، ويستطيع أن يستوعب التوجيه النبوي الذي ذكرناه من حديث رسول الله ﷺ : ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)).
إلى غير ذلك من التوجيهات للأزواج، ويقابلها تذكير للزوجات بحسن عشرة أزواجهن، والقيام بحقهم، وأنها وقد انتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها، إنما انتقلت إلى عشرة أبدية متواصلة، لا تقتصر على الدنيا، إنما تمتد إلى الآخرة في جنات النعيم، ولهذه الحياة التي تفوق سنوات أمضتها في كنف أبويها وأهلها حقوق في أدائها رضا الله، كما قال ﷺ : ((إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)).
стр. 161
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تجمع بين قلوب الزوجين على طاعة الله ومحبته، ومع هذه التوجيهات النورانية قد يغلب الشيطان الزوجين، فيزرع في قلبيهما البغض والكراهة، ويبدأ هذا البغض بكلمات وأفعال كان يمكن تجاوزها، إلا أن الشيطان يسكب عليها من وساوسه ما يشعل فيها النيران، حتى تكاد تحرق هذا البيت وما فيه ومن فيه.
يروي الإمام مسلم بسنده عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت فيلتزمه)).
هذا إذًا هو الشيطان اللعين الذي يحاول أن يهدم البيوت المتحابة، وهنا تكون حكمة كل من الزوجين في مثل هذا الحال، وقد وضع القرآن خطة محكمة، لو أحسن تنفيذها كل من الرجل والمرأة لتم القضاء على بذور الشقاق والخلاف، وهذه الحال هي التي تعرف بالنشوز، نشوز الزوجة ونشوز الرجل، فكل منهما يأبى أن يعطي حق صاحبه ويتعالى عليه.
فلنبدأ بخطة القرآن في علاج نشوز المرأة، وفيها يقول ربنا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: ٣٤، ٣٥).
ونشير إلى نشوز الزوج إلى أن نعود إليه، ذلكم ما جاء في
стр. 162
قول الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: ١٢٨).
فلنبدأ حديثنا عن هذا النشوز ببيان معنى قوامة الرجال على النساء؛ لأن هذه القوامة قد تكون من الأسباب التي أدت إلى نشوز الرجل، ولا بد أن نعلم أن هذه القوامة التي شرعها الله ليست لضعف أو انتقاص في جنس النساء، وإنما هو التساوي العادل، والتسوية بين الحقوق والواجبات هي العدل الذي فرضته الفلسفة القرآنية للمرأة، وهو وضع المرأة في موضعها الصحيح من الطبيعة ومن المجتمع ومن الحياة الفردية، هكذا يقول العقاد في (الفلسفة القرآنية).
وتلك القوامة التي جعلها الله للرجال -كما ترون- مشروطة بشرطين: التفضيل في المواهب والاستعدادات، والإنفاق على الزوجة، فالقوامة التي فرضها الإسلام للرجال على النساء هي إذًا قيادة، يجب أن تتوافر فيها ما يتوافر في كل قيادة رشيدة، فالقائد يجب أن يكون أفضل مَن في الجماعة التي يقودها، وأن يكون أهلًا للمسئولية عن قيادتها، وعلى ذلك يجب أن تتوافر في قوامة الرجل على المرأة الشروط الآتية:
- أن يبلغ مبلغ الرجال سنًّا وإدراكًا.
- أن تتوافر له صفة الفضل أو التفضيل، فالرجل الفاسد أو المجرم المطارد أو فاقد الحرية لا قوامة له على المرأة الصالحة.
ثالثًا: أن يقوم بواجبه في الإنفاق على من يعوله من النساء،
стр. 163
ومع أن الله قد جعل للرجل حق قيادة الأسرة، فإنه لم يجعلها قيادة مستبدة، إنما أقامها على التشاور والتراضي.
وعند التنازع لا بد من حسم الموقف بكلمة من القائد حتى لا يتهدم البناء، فالأسرة المسلمة لا تعرف الاستبداد بالرأي، ولا الظلم في المعاملة ولا الطاعة العمياء، بل هناك حقوق وواجبات؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل الطاعة للشرع، فطاعة الزوجة لزوجها ليست لشخصه، بل للأوامر والقواعد والنظم التي بموجبها تم عقد الزواج، وطاعة الزوج ليست من قبيل المَنِّ أو العطف، بل من قبيل القيام بالواجب.
فإذا ما فهمت المرأة المسلمة والزوج المسلم حدود هذه القوامة، أدى كل منهما واجبه تجاه صاحبه، والآيات الكريمة تذْكر أن الزوجة الصالحة مطيعة حافظة لمغيب زوجها في نفسها وماله، أما التي يبدو منها عوارض التمرد والعصيان؛ فإن الزوج -كما أوضحت الآية- يوجه إليها النصيحة، ويذِّكرها بحق الله عليها، ويبين لها ما في عصيانها من خطر يهدد حياتهما، وحياة أبنائهما، وما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة.
فإن لم يُجْدِ الوعظ فالهجر في المضاجع، وهو عقوبة نفسية تتأدب بها المرأة، وليست عقوبة جسدية تحرمها من لذة الجسد بضعة أيام أو بضعة أسابيع، وإلا لكانت عقوبة للرجل أيضًا وهو درس قاسٍ يصيب المرأة في الصميم، فإذا لم يفلح الوعظ ولا الهجر فليس هناك إلا الضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويجعلها توفي له حقه.
والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب المبرِّح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يُشِين جارحة، فإن المقصود منه الصلاح، فلا جَرَم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان.
стр. 164
يقول الإمام الشوكاني: "فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل. ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل؛ لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجة، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله، والاكتفاء بالتهديد أفضل؛ لأنه من أخلاق الكرماء، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ منفرًا من الضرب: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه)) ".
فانظروا إلى هذا التوجيه النبوي الكريم، ومع هذا فإن الضرب الذي أباحه القرآن لا يتنافي مع المودة والرحمة؛ لأنه كما يقول صاحب (حقائق الإسلام): "لم ينفهما فيما هو أمس الأمور بالمودة والرحمة، وهو تربية البنين وتربية المتعلمين، وتخويل رب الأسرة حق التأديب بدلًا من أحوال كثيرة كلها غير صالح، وكلها غير معقول في شئون القوامة البيتية".
فإما أن يكون لرب الأسرة هذا الحق في معظم الشئون البيتية، وإما أن يستغنى عن التأديب في الأسرة، أو يوكل التأديب فيها إلى دور الشرطة والقضاء، في كل كبيرة وصغيرة تعرض للزوجين على الرضا والغضب والجهر والنجوى، هذا أو يكون التأديب المسموح به أن ينصرم حبل الزواج، وأن ينهدم بناء البيوت على من فيها من الآباء والأمهات والبنين.
فإذا اشتد النزاع واتسعت هوة الخلاف، ولم ينفع وعظ ولا هجر ولا ضرب، وفشلت كل الأساليب وقاربت الأسرة الهوة الخطرة، ووهَى وضعف حبل المودة أصبح من واجب المجتمع أن يتدخل؛ لِيَحُولَ بين سقوط هذا الحجر من بنائه الاجتماعي، ويتحمل هذا الواجب الحاكم الذي اختارته الأُمة، وعليه أن ينتدب لذلك حكمًا من أهل الزوج وحكمًا من أهلها، في محاولة لإصلاح ما فسد،
стр. 165
كما قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: ٣٥).
يقول البيضاوي: "فابعثوا أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر، أو إصلاح ذات البين رجلًا وسطًا، يَصلح للحكومة والإصلاح من أهله وآخر من أهلها، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح، ولم يدع القرآن وسيلة إلا وسلكها للمحافظة على هذا الرباط، فرأى أن النشوز كما قد يكون من جانب الزوجة قد يكون -كما قلنا- من جانب الزوج أيضًا بأن يقل محادثتها ومؤانستها؛ وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن أو دمامة، أو شيء في خَلق أو خُلق أو ملال، وطموح عين إلى أخرى، وما إلى ذلك، ولو ترك هذا ربما أدى إلى تشريد الأسرة وهدم بيت الزوجية".
لذلك دعا القرآن الزوجة للتنازل عن بعض حقها في المبيت أو النفقة، فقال ما تلوناه من قبل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. نعم الصلح خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، وقد قال ﵊ في البغضة بأنها الحالقة، يعني: حالقة الدين لا حالقة الشعر.
ولعلنا نلمس دعوة القرآن للإحسان والتقوى في مثل هذا الأمر، وأولى الناس بالإحسان زوجة رضيت أن تتنازل عن حقها، وأحق الناس محافظة على مشاعرها امرأة ضعيفة، لم تجد بُدًّا من ترك ما لها على زوجها، فتقوى الله وخشيته تدفعان إلى مراعاة كل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: ٣٥) وهو ختام للآية يحمل ترهيبًا شديدًا للأزواج الناشزين.
ولهذا رأى المالكية أن القاضي إذا عرض عليه الأمر وعظ الزوج أولًا، فإن لم يفد أمره بهجره وإن لم يفد ضربه، وقالوا في الزوج بأنه يسجن.
стр. 166
هذه هي الوسائل التي وضعها رب العزة والجلال لإصلاح نشوز الرجل، ولإصلاح نشوز المرأة، لكن ما الرأي إذا استمر هذا النشوز، ولم تنتظم حياة هذين الزوجين، هل يمكن أن يستمر هؤلاء في حياة زوجية، ألا ترون أن هذا قد يؤدي إلى انحرافات خطيرة تهدد المجتمع في أساسه؟
وإذًا فليس هناك في تشريع الله إلا أن تقف هذه العلاقة مدة من الزمن؛ يراجع فيها كل منهما نفسه، وبعدها تستأنف حياة جديدة يسودها الصفاء والوئام، وهذا التوقف هو ما يعرف بالطلاق، وهو -كما ترون- علاج ناجع، شُرع لدفع الضرر عن الزوجين إذا استحال، أو صعبت المعيشة المشتركة بينهما، بحيث يصبح الفراق لازمًا وضرورة لا بد منها، وهذا العلاج لا يؤدي نتيجته المرجوة، إلا إذا تعاطاه المجتمع بالصورة التي أرشد إليها رب العزة سبحانه.
وهذه الصورة هي ما شرعه فيه من تقييده بعدد معين، بعد أن كان عند العرب وغيرهم لا حد له، فلا يتجاوز تطليقتين متفرقتين، أما الثالثة فلا تحل بعدها الزوجة إلا أن تتزوج غير زوجها هذا. قال تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ٢٢٩). وقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه﴾ (البقرة: ٢٢٩). والطلاق مقيد أيضًا بالزمن، فلا طلاق في الحيض، وبالوصف فلا يطلقها في طهر جامعها فيه. قال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ (الطلاق: ١).
ولا يعني هذا أن الطلاق لا يقع في الحيض، وأن الطلاق لا يقع في طهر جامعها فيه، إنما هو جاء على خلاف السنة، فهذا طلاق بدعي الذي وقع في الحيض والذي وقع في طهر جامعها فيه، تحسب طلقة، ولكنها مخالفة لهدي الله وهدي رسوله ﷺ .
стр. 167
ومع هذه الحقيقة التي تجعل الرجل يقوم على حل عقدة الزواج، وهو واع لكل ما يترتب على ذلك من نتائج، قدر القرآن ما لعامل الزمن من أثر في تهدأة النفوس، وما لرؤية كل من الزوجين لصاحبه من دوافع المراجعة والاعتذار، لذلك جعل مدة قضاء العدة -وهي غالبًا ثلاثة أشهر- في منزل الزوجية لا خارجها. قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: ١).
فإذا ما انتهت العدة ومرت هذه الأشهر، ولم يراجع الزوج زوجته، دل هذا على العداء مستحكم بينهما، ولا حيلة في الرجوع، وإلا كان الإمساك مضارة وعدوانًا، ولهذا نبه القرآن على ما في هذا الإمساك من ظلم الزوج لنفسه ولزوجته، وما فيه من اعتداء على حدود الله وشريعته، فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٣١).
فإذا ما تم الطلاق عن اقتناع كامل بوجوب انتهاء الحياة الزوجية بقي الود والمعروف والإحسان، روابط تحيط بالمجتمع المسلم، ولزم الزوج دفع ما عليه من مؤخر الصداق، كما يدفع تعويضًا ماليًّا سماه القرآن بالمتعة، فقال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٣٦).
ولزم الزوج الإنفاق على الزوجة في أثناء الحمل، وعليه أن يدفع أجر إرضاع أبنائه إذا كان له أبناء في سن الرضاع، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (الطلاق: ٦).
стр. 168
وهذا هو التسريح بالمعروف الذي أمر به كتاب الله إذ قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (الطلاق: ٢).
وهو فراق تأخذ فيه الزوجة حقها كاملًا، محاطة بالعناية والرعاية دون تجريح أو إساءة؛ حتى لا يكون الطلاق معول هدم ينشر العداوة بين الأسر، ويفكك أواصر المجتمع، ومن حق الزوجة أن تجعل عصمة الزواج بيدها، وأن تشترط هذا في أثناء العقد، ولها أيضًا أن تطلب فسخ العقد إذا أبى زوجها تطليقها مضارة وتضييقًا، وهو ما يعرف بالخلع، فتفتدي نفسها بما أخذته منه من مال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: ٢٢٩).
وهذا هو الطريق الذي جعله كتاب الله منهجًا يقوم به مجتمع الإسلام، إذ جعل الطلاق حيلة مَن لا حيلة له، وعَدّه مِن أبغض الحلال إلى الله، ولعن الله كل ذواق مطلاق وكل مزواج مطلاق، وجعله بعد أن استنفد كل وسائل العلاج والإصلاح بين الزوجين كما رأينا، وحتى بعد أن وقع لم يجعله نهاية للحياة الزوجية، إنما اعتبره مؤقتًا موقوتًا بزمن، ووضع له من الشروط، وسَنّ له من طرق الترغيب في الرجوع عنه، وإزالة أسبابه، ما يجعله في أضيق الحدود.
ولم يجعله للزوج وحده يتحكم في زوجته، إنما جعل لها هذا إن اشترطته وأقر لها نظام المخالعة حتى لا تنطوي القلوب على البغضاء والعداء.
والطلاق بهذه الصفة علاج لأمراض المجتمعات، وميزة للشريعة الإسلامية. يقول بنتام في أصول الشرائع ساخرًا مِن حظر الطلاق: "إن القانون يتدخل بين
стр. 169
المتعاقدين في الزواج حال التعاقد، ويقول لهما: أنتما تقترنان لتكونا سعداء، فلتعلما أنكما تدخلان سجنًا سيحكم عليكما بابه، وتصم الآذان دونكما، وإن علا منكما الصياح واشتد بكما الألم، ولن أسمح بخروجكما ولو تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء، لو وضع قانون للنهي عن فض الشركات، ورفع الوصايا، وعزل الوكيل، ومفارقة الرفيق، لصاح الناس أجمعون.
إنها نهاية الظلم، والزوج رفيق ووصي ووكيل وشريك، وفوق كل هؤلاء ومع ذلك حكمت قوانين أكثر البلاد المتمدنة بأن الزواج أبدي. إنّ أقبح الأمور عدم انحلال ذلك الاتفاق؛ لأن الأمر بعدم الخروج من حالة أمر بعدم الدخول فيها".
فما أعظم هذا الدين، وما أعظم ما شرع من هذا التشريع المحكم العظيم، الذي فيه سعادة بني الإنسان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 170
الدرس: ١١ أهمية القصة في القرآن الكريم .
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(أهمية القصة في القرآن الكريم)
المقصود بالقصة وأمثلة لها في القرآن الكريم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم، إلى يوم الدين، أما بعد:
من البداية أود أن أضع أيديكم على الفرق بين كتابة بحث في قصص القرآن، وتناول هذا الموضوع من خلال التفسير الموضوعي.
فالذي يكتب بحثًا في قصص القرآن يقسمه إلى فقرات متتالية، تتعلق كل فقرة بجانب من جوانب الموضوع، دون أن يلاحظ ما جاء في القرآن عن القصة، وكم ذكرت مادتها، وماذا يعني ورودها في كل موضع ذكرت فيه، وهذا هو التفسير الموضوعي، ومع أن الخيط بين المنهجين خيط دقيق، إلا أنني سأحاول أن ألتزم بمنهجية البحث في التفسير الموضوعي، ولهذا رأيت أن أقسم الموضوع من خلال آيات القرآن التي تتحدث عن القصة -وتذكر بعض قصص القرآن- إلى:
الأول: المقصود بالقصة ومعنى أنها في القرآن الكريم.
والحديث عن المراد بالقصة يعني: البحث في كتب اللغة لبيان ذلك، فماذا تقول كتب اللغة؟ إننا عادة نتناول ما جاء بها وفق تسلسلها الزمني، فنبدأ بمعجم (مقاييس اللغة) ثم (لسان العرب) ثم معجم (مفردات ألفاظ القرآن) للراغب، وقد أذكر بعض ما جاء في (المعجم الوسيط) ونأخذ من هذه الكتب بعض ما فيها مع الاختصار بما يوضح المعنى المقصود.
يقول ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "قَص: القاف والصاد أصل صحيح يدل على تتبع الشيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القِصاص في الجراح، وذلك أنه يفعل به مثل فعله الأول فكأنه اقتص
стр. 172
أثره، ومن الباب القصة والقصص كل ذلك يُتتبع فيُذكر، وأما الصدر فهو القص وهو عندنا قياس الباب لأنه متساوي العظام، كأن كل عظم منها يتبع للآخر، ومن الباب أيضًا قصصت الشعر، وذلك أنك إذا قصصته فقد سويت بين كل شعرة وأختها، فصارت الواحدة كأنها تابعة للأخرى مساوية لها في طريقها".
ويقول ابن منظور في (لسان العرب): "القصة: الأمر والحديث، واقتصصت الحديث: رويته على وجهه، وفي حديث الرؤيا: "لا تقصها إلا على وادٍ"، أي: ودود، يقال: قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها".
أما الراغب في مفرداته فيقول: "قص: القص تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره، والقصص: الأثر. قال: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (الكهف: ٦٤) ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ (القصص: ١١) والقصص: الأخبار المتتبعة. قال: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ (آل عمران: ٦٢) ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ (يوسف: ١١١) ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ (القصص: ٢٥) ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ (يوسف: ٣) ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ (الأعراف: ٧) ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (النمل: ٧٦) ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ (الأعراف: ١٧٦) ".
وما جاء في كتب اللغة كما ترون متقارب المعنى، وخلاصته أن القصة أحداث يتتبع من يذكرها حدثًا بعد حدث، كمن يتتبع أثر الأقدام حتى يصل إلى صاحبها، وهذا يحتاج إلى مهارة خاصة في علم الأثر.
كما أن القصة يروي أحداثها من يرويها، وبحسب قدرة الراوي على تتبع الأحداث وعرضها يكون ما فيها من تشويق وإثارة، ويكون لها من الأثر في
стр. 173
تحقيق الأهداف التي ذكرت من أجلها القصة، وقصص القرآن ليست مجرد أحداث يرويها رسول الله ﷺ ويرتب مقدماتها ونتائجها، إنما هي وحي العليم الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا، لرسوله المصطفى ﷺ فهي الصدق بعينه لا مجال فيها لخيال، كما يفعل كتاب القصة ورواتها.
ونحن حين نقول القصة في القرآن الكريم، لا يعني هذا العنوان تتبع ما جاء في القرآن من قصص، وعرض كل قصة بأحداثها، والوقوف أمام الدروس المستفادة منها، فقد ألفت في ذلك الكتب، ومن المؤلفين من كتب في قصص الأنبياء، ومنهم من كتب في قصص غير الأنبياء، كقصة أصحاب الكهف وقصة أصحاب الجنتين، ومنهم من جمع هذا أو ذاك في كتاب، ومنهم من أفرد كل قصة في كتيب وهكذا.
ولكننا في مجال التفسير الموضوعي نعرض لتأصيل القصة في القرآن، ونبين أن ما ذكر في القرآن الكريم منها هو عين الحقيقة، ونوضح السبب في تكرار القصة في القرآن بين الإطناب والاختصار، ونستخلص بعض الدروس والعبر من ورود القصة في القرآن، ثم نقف أمام الآيات التي وردت فيها مادة القاف والصاد والصاد؛ لنرى كيف استعملها القرآن الكريم، ثم نعرض لبعض قصص القرآن بالدراسة، فنجمع الآيات الواردة في القصة، وندرسها مجتمعة دراسة موضوعية، فتبدو لنا مشرقة بالدروس النافعة والعظات البالغة، فماذا جاء في كتاب ربنا؟:
وردت هذه المادة تسع وعشرون مرة، منها ما جاء في سورة "القصص" من قول أم موسى لابنتها: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: ١١) أي: تتبعي أخباره، وانظري إلى أين ذهب الصندوق الذي وضع فيه موسى، وألقي به في نهر النيل، وتتبع أثر موسى والبحث عن أخباره ليس من موضوعنا،
стр. 174
وقريب من هذا المعنى ما جاء في قصة موسى ﵇ وفتاه وهما يبحثان عن الخضر، وقد أعطى الله موسى علامة يعرف بها مكان الخضر، وهذه العلامة تتمثل في حوت يحمله معه هو وفتاه في مِكْتل، وفي المكان الذي يفقدان فيه الحوت يكون الخضر فيه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ (الكهف: ٦٠ - ٦٤).
أي: يتتبعان أثر سيرهما، حتى يصلا إلى المكان الذي كانا نائمين فيه، فلما وصلا إلى هذا المكان وجدا الخضر، وكان من أمر موسى معه ما ذكره الله في كتابه، فقوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قوله: ﴿قَصَصًا﴾ ليس المراد به القصة التي هي موضوع حديثنا، كما وردت كلمة القصاص في أربعة مواضع من القرآن، منها ثلاثة في البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (البقرة: ١٧٨)، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩)، ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص﴾ (البقرة: ١٩٤) وموضع في المائدة في قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (المائدة: ٤٥).
والقصاص كما هو واضح ليس هو القصة، وإن اشترك هو والذي قبله في أصل استعمال الكلمة، وهو تتبع الأثر للوصول إلى الغاية، بقيت لنا إذن أربع وعشرون آية، هي موضوع دراستنا في القصة في القرآن، فماذا في هذه الآيات من المعاني وماذا فيها من الدروس؟:
هذا درس من قصة يوسف ﵇ يقول الله فيه لرسوله محمد ﷺ في مطلع السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣).
стр. 175
فيقص الله على رسوله والمؤمنين معه قصة من أعظم وأحسن القصص، تتوالى أحداثها من بداية السورة، فتنتقل بك الآيات من حدث إلى حدث ومن مرحلة إلى مرحلة، في أسلوب معجز لا تشعر فيه بنَبْوة، ولا تحتاج القصة إلى أن تقسم إلى فصول ومشاهد، وإنما تنساب أحداثها كالماء العذب في جدوله رقراقًا صافيًا، إلى أن تصل إلى قبيل نهاية السورة في هذا الدعاء الخاشع من عبد الله ونبيه يوسف ﵇ ذلكم حيث يقول: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١).
وتعقيبًا على هذه القصة التي تفرغت السورة لعرضها، ولم تتحدث عن قصة أخرى، تأتي الدروس المستفادة والتي يوجزها القرآن في عشر آيات، بعد أن ذكر القصة في حوالي مائة آية، وفي بداية هذه الدروس إثبات أن هذا القرآن من عند الله، وأن محمدًا ﷺ هو رسول الله حقًا. يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢).
وهذا هو الذي يعرف في وجوه إعجاز القرآن بالإعجاز الغيبي، أي: إخبار القرآن بأمور غيبية لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريق إخبار الله لرسوله بها، ومنها أحداث قصة يوسف وما كان من أمره مع أبيه وإخوته إلى أن نجاه الله واصطفاه، وثاني هذه الدروس ما كان يحمله رسول الله ﷺ من حب لبني الإنسان، وحرص على هدايتهم، وما كان يشعر به من حزن وألم؛ لعدم إيمانهم مع أنه جاء بالحق الذي لا يرفضه إلا معاند ومكابر.
وقصة يوسف التي جاء بها الوحي معجزة، شأنها شأن آيات القرآن في ألفاظها وسردها وأحداثها، وما تحمله من دقائق الأخبار، وما تذكره من خلجات
стр. 176
القلوب التي لا اطلاع عليها إلا لعلام الغيوب، وهذا ما يعبر عنه قوله : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣).
فمع شدة حرصه ﷺ على هداية الناس، إلا أن الله كثيرًا ما يُذكِّر بأن مرد هذه الهداية له وحده فيقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦) وعليه ألا يحزن لعدم إيمان من آمن، كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) كما قال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٣، ٤).
ومعنى ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلكها، إلى غير ذلك من الآيات التي تبين رحمة رسول الله ﷺ بالخلق، وكيف كان حريصًا كل الحرص على هدايتهم، ولكن حسبه أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأخلص النصيحة للناس.
ودرس ثالث في التعقيب على قصة يوسف تلمحه في قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤) فهذا يعني أن رسول الله ﷺ ليس طالب دنيا، إنما يريد بدعوته أن يدل الناس على طريق ربهم، لا يطلب على ذلك أجرًا من أحد، إنما أجره عند الله، وهكذا كل الرسل، واقرءوا في ذلك في "الشعراء" ما قاله كل من نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈ فقد قال كل منهم لقومه هذه العبارة: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٠٩).
وقالها محمد ﷺ بهذا أمره مولاه، فقال له: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سبأ: ٤٧) وفي هذا كما ترون لوم وعتاب للمشركين الجاحدين؛ إذ كيف يأتيهم رسول يدعوهم إلى ربهم، لا يطلب
стр. 177
على هذا الجهد العظيم وهذا الأمر الجليل أجرًا مهما صغر، ومن أي لون كان هذا الأجر، ومع ذلك ترد عليه دعوته.
وأمر آخر في دروس هذه الآية، وهو بشارة عظيمة لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، ذلكم هو إثبات أن دعوة رسول الله ﷺ ليست خاصة بأهل مكة أو العرب أو الجزيرة العربية، إنما هي دعوة للعالمين كما قال سبحانه في التعقيب على القصة: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (يوسف: ١٠٤) قال الله هذا لرسوله هنا في سورة "يوسف"، وقالها له في سورة "ص" وفي "التكوير" وفي سورة "القلم" قال له: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢) وفي "الأنعام": ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٩٠) وفي "الأنبياء": ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وفي مطلع "الفرقان": ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١).
ولعلكم لاحظتم معي أن كل هذه السور التي ذكرت فيها كلمة "العالمين"، على أن "العالمين" حقل الدعوة الإسلامية، كل هذه سور مكية في وقت يطارد فيه المسلمون، إذ لا دولة لهم ولا سلطان، ومع ذلك يخبر الله رسوله أنه صاحب الرسالة العالمية، إذ كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث رسول الله ﷺ إلى الناس عامة.
وبهذا تستطيعون أن تردوا على المستشرقين وأذنابهم، الذين ادعوا زورًا وبهتانًا أن محمدًا إذا قيل بأنه رسول، فإن الله قد أرسله إلى أهل مكة خاصة، ثم بدا له أن يوسع من مجال دعوته، فعرض نفسه على قبائل العرب، فلما وجد قبولًا عند الأوس والخزرج هاجر إليهم، وأخذ يحارب من حوله من قبائل العرب، فادعى أنه مرسل إلى كل العرب، ثم لما خضعت له الجزيرة العربية، وجاءته قبائلها في عام الوفود تعلن دخولها في الدين الجديد، عنّ له أن يراسل الملوك والأمراء خارج الجزيرة، وادعى أنه رسول إلى الناس جميعًا.
стр. 178
ولو أنصف هؤلاء وقرءوا بعض الآيات التي ذكرناها لخرست ألسنتهم، ولما تفوهوا بهذا البهتان، كيف وقد قال الله لرسوله في سورة "الأعراف"، وهي من القرآن الذي نزل بمكة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال في سورة "سبأ" وهي أيضًا مكية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨).
وتعرض الآيات إلى حال قريش وغفلتها عن آيات الله، وتهددهم بعذاب الله، وتأمر رسول الله أن يعلن لهم عن سبيله في الدعوة إلى الله، وتخوفهم بما صار إليه أمر الأمم من قبلهم، وتبين له أن العاقبة له بنصر الله وتأييده فتقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (يوسف: ١١٠) وتختم السورة بقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).
وفي هذا الختام تطمين لرسول الله ﷺ وبيان للأهداف السامية لقصص القرآن، وحديثه عن الأمم السابقة، وما آل إليه أمرها حين كذبت المرسلين، وأن في ذلك عبرة عظيمة لمن يعتبر، والذي يعتبر هو صاحب العقل الراجح والفكر الصائب، أما من لم يعتبر فهو كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩).
وأثبت الله صدق ما قصه من أحوال الأمم والأفراد، فبين أن ما ذكره من ذلك لا يمكن أن يكون حديثًا مختلقًا وملفقًا، جاء من نسج خيال قاص يحكي قصة، قد لا
стр. 179
يكون لها من الواقع نصيب، وإنما هذا الذي ذكره ربنا جاء مصدقًا لما بين يديه من الكتب السماوية السابقة، وجاء تفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.
قصة موسى، والدروس المستفادة من قصص القرآن
وإذا كان هذا هو قطرة من بحر ما جاء في التعقيب على قصة يوسف، فهيا فلننتقل لنلتقط من جواهر القرآن في موضوع آخر، وفي جانب آخر في قصص القرآن الكريم، لعلكم تذكرون سورة تسمى بسورة "القصص"، أخذًا من قول الله تعالى في هذه السورة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢٥) عند هذا القول في السورة الكريمة هيا لنقف قليلًا لنرى موضع الآية في السورة، ولندرسها من خلال الآيات التي وردت في سياقها.
وسورة القصص ثمانٍ وثمانون آية، تبدأ قصة موسى بعد الآية الثانية: ﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (القصص: ١، ٢) ثم تبدأ في عرض قصة موسى ﵇ وتستمر الآيات إلى الآية الثالثة والأربعين عند قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٤٣) ثم تأتي تعقيبات القرآن على هذه القصة لبيان ما فيها من دروس نافعة، إلى أن تختم السورة، وقريبًا من نهايتها بقصة قارون وما صار إليه أمره، وهو أيضًا من قوم موسى، والآيات التي تناولت موسى وقصته في هذه السورة، تعرض لما كان من ظلم فرعون لبني إسرائيل، وأن الله أراد أن يمن عليهم ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، وبدأت الآيات بكلماتها بل وبحروفها ترسم مشاهد قصة من قصص القرآن، وكأنك ترى صورة مجسمة متحركة لأشخاص وأبطال هذه القصة.
стр. 180
فهذه أم موسى في خوفها على رضيعها، تخشى من فرعون وجنده أن يعتدوا عليها، وأن يأخذوا وليدها، وأن يقتلوه لوهم كاذب ورؤيا خاطئة، ولكن الله ألقى في روعها أنها إذا خافت على وليدها هذا، فعليها أن تلقيه في اليم وألا تخاف وألا تحزن، وقد وعدها الله بأن يرد إليها وليدها ليكون هذا الوليد من المرسلين.
وسارت أحداث القصة وجرى قدر الله بالذي كان في علمه، فهذا هو فرعون وجنده يلتقطون الصندوق الذي فيه هذا الوليد؛ ليكون هذا الوليد لهم عدوًا وحزنًا: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨) وألقى الله محبة موسى في قلب امرأة فرعون فقالت: هذا قرة عين لي ولك، وأمرتهم ألا يقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون، وحين علمت أم موسى بما كان في الأمر أصبح فؤادها فارغًا، كما قال تعالى، حتى لقد كادت تبدي من شدة جزعها وخوفها على وليدها أن هذا الغلام هو ابنها، لكن الله ربط على قلبها لتكون من المؤمنين.
وأوصت ابنتها أن تبحث وأن تتقصى أخبار هذا الطفل وأخبار موسى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: ١١) وجرى قدر الله بأن هذا الوليد، وقد جاءوا له بالمراضع من كل مكان، فلم يلتقم ثدي واحدة منهن فقالت البنية: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرد الله موسى إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون.
والقصة كما نرى تنتقل من مرحلة الطفولة، والتي تربى فيها موسى في بيته ومع أمه، ولكنه لما بلغ أشده واستوى كان في بيت فرعون، وقد آتى الله موسى حكمًا وعلمًا، وكذلك نجزي المحسنين، هو يعلم أنه من بني إسرائيل،
следующие страницы →