← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ (يوسف: ١٣) فكأنّه حين قال لهم ذلك دلّهم على عذر يعتذرون به إليه حين يعودون وقد نفذوا ما اتفقوا عليه، وقد أكدوا لأبيهم أنهم سيكونون قائمين على حفظه، وطمأنوه بحسن رعايتهم لأخيهم ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (يوسف: ١٤). وأخذوا يوسف من أبيه، وذهبوا به إلى البئر، وهناك ربطوه بحبل ودلوه فيه، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، فسقط في الماء فغمره، فصعد إلى صخرة كانت في وسط البئر فقام فوقها، فأيّ أناس هؤلاء! وأي جريمة تلك التي ارتكبها هؤلاء الإخوة! وأي قلوب هذه القلوب في غلظتها وقسوتها! ولكنّ الذي يتولى الصالحين ألقى في قلب يوسف برد الأمان، وأعلمه أنه سينجو من هذه المحنة، وسوف يكون له شأن، وسوف يأتون إليه فيخبرهم بما فعلوه به، ولكن هؤلاء الإخوة الغلاظ الأكباد لا يخطر ببالهم ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: ١٥). وقد تحقق وعد الله له حين جاءوا إليه يطلبون إكرامه لهم، بعد أن جاءوا إليه يطلبون الميرة المرة تلو المرة، فقال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: ٨٩ - ٩١) لقد تركوا يوسف في الجب وحيدًا وانصرفوا، والجب يختلف عن البئر؛ لأن الجب تراه يضيق من أعلاه ويتسع من أسفله، أما البئر فهو على ميزان واحد

стр. 247

متسع من فوق، كما هو واسع من أسفله، لكنهم اختاروا هذا الجب بكل ما فيه من ظلام ووحشة، ورجعوا إلى أبيهم. فماذا قالوا لأبيهم؟ وماذا قال لهم؟ هنا ينتقل القرآن لعرض مشهد من مشاهد القصة مثير، وكأنّي بك تتصورهم وقد جاءوا جميعًا لأبيهم وقت العشاء، أو قل في جنح الظلام، دون أن يكون معهم يوسف، والمشهد يصورهم وهم يبكون، وقد اختاروا وقت الليل حتى لا تبدو آثار تمثيلهم على أبيهم على وجوههم، وذكروا له أنهم ذهبوا يتسابقون وتركوا يوسف قريبًا منهم عند ملابسهم ومتاعهم، فعدا عليه الذئب فأكله، ولإحساسهم بأنّهم يكذبون قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمصدق ﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾، وإمعانًا في إخفاء معالم جريمتهم جاءوا لأبيهم بقميص يوسف وهو ملوث بالدماء، وهذا الدم دم سخلة ذبحوها، ولطخوا بدمها القميص. كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة، أنهم أخذوا ظبيًا فذبحوه فلطخوا بدمه القميص، ولما جاءوا به جعل يقلبه فيقول: ما أرى به أثر ناب ولا ظفر، إن هذا السبع رحيم، وفي رواية أنه أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضّب وجهه بدم القميص، وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبًا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميص. وهنا تتوقف الآيات لترسم مشهدًا آخر من مشاهد هذه القصة، ويبدأ هذا المشهد بيوسف في الجب، لا طعام معه، وقد تمر عليه أيام فيموت جوعًا، وبينما هو على حاله هذا؛ إذ مرت قافلة بهذا المكان، هذه القافلة متجهة إلى مصر، فأرسلوا واحدًا منهم ليأتي لهم بماء من هذا الجب، فكانت المفاجأة؛ إذ وجد من يتعلق بالدلو، فنظر وصاح: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ فأخرجه، وأراد أن يحتفظ به لنفسه، فادعى أنه اشتراه من أصحاب الماء،

стр. 248

وعن ابن عباس أن الذين أسروه بضاعة هم إخوة يوسف، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادَى أصحابه: يا بشرى هذا غلام يباع، فباعه إخوته بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين، ولو أراده أصحاب القافلة بلا ثمن لأعطوهم إياه. وسار القوم إلى مصر، وأوقفوه في سوق العبيد، فباعوه في مصر، وكان الذي اشتراه عزيز مصر، أي: وزيرها، ويبدو أنه لم يرزق بولد، لذلك قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، وبهذا يبدو تدبير الله ليوسف؛ إذ بوجوده في بيت عزيز مصر سيحظى بالرعاية والأمن والاطلاع على أحوال البلاد، وقد أخبر الله بأمرين: أنّ الله بقدرته مكّن ليوسف في الأرض، أي أرض مصر، وثانيهما: أنّ الله علمه من تأويل الأحاديث، أي الرؤى، وذكر سبحانه أنه غالب على أمره، وإذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقد حقّق الله وعده، فما إن بلغ يوسف مبلغ الرجال حتى آتاه الله حكمًا وعلمًا، فاختاره نبيًّا، وكذلك نجزي المحسنين. يوسف مع امرأة العزيز وتجري أحداث قصة يوسف مع امرأة العزيز بعد هذه المشاهد والمقدمات، فتذكر ما تذكر بعيدًا عن إسفاف كتاب القصة، وما يسمونه بالأدب المكشوف، فتصل إلى تحقيق أهدافها دون أن تصرح بكلمة تثير شهوة أو تحركها، إنما تدعوها إلى العفة والطهر في ضبط يوسف لمشاعره وغرائزه بمعيار تقوى الله، وفي كبح جماح امرأة العزيز بالاستغفار والتوبة والرجوع عمّا همّت به وأرادته وحاولت، فترى كلمات القرآن نورًا يضيء الطريق.

стр. 249

هذا يوسف في بيت وزير مصر مع امرأته في بيت واحد، وقد أعطي يوسف شطر الحسن، فإذا أضيف إلى حسن السمت وبهاء الطلعة ونضارة الوجه جمالُ الخلق وعفة اللسان وحسن الأدب؛ فإن ذلك مما دعا امرأة العزيز إلى حب يوسف والتعلق به، ولو أن هذا الحب كان مجرّد إعجاب وإكبار وتقدير من سيدة القصر لخادمها، لكان أمرًا لا بأس به، ولكنه انقلب إلى شهوة عارمة ورغبة طاغية في الحصول على متعة الجسد، فأخذت تراوده عن نفسه وتحاول أن يقع معها فيما أرادت من الفاحشة، وهو منصرفٌ عنها لا يلتفت إلى ذلك، ولم يكن هناك بُدّ من التصريح إذ لم ينفع التلميح. واتخذت لذلك كل العدة، فغلّقت أبواب المكان عليها وعلى يوسف، وكانت قد تهيأت لذلك بكل ما للنساء من ألوان الزينة، ودعته إلى نفسها ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ أي: هلمّ تعال فقد تهيأت لك، فماذا كان من موقف يوسف في هذه اللحظات العصيبة التي قلّ أن يثبت لها رجل، إلا من كان معصومًا محفوظًا بحفظ الله، ومنهم يوسف؛ إذ قال لها: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي: إني أعوذ بالله وألجأ إلى حماه من أن أفعل ما يغضبه، وذكر لها ما كان من إكرام زوجها له، وفي خيانته في بيته وأهله ظلم، والظالمون إلى الخسارة صائرون ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: ٢٣). ولمّا لم تنجح وسائل الإغراء، ولمّا لم تفد الدعوة الصريحة، انتقلت إلى استعمال القوة فأخذت تجذبه إليها وهو يفر منها، ومن رحمة الله به أنه حين أخذت تهُمّ به لم تقدَّ قميصه، إنما حدث ذلك وهي تجري خلفه، حتى أمسكت به فقدَّت قميصه من جهة ظهره، والآيات تصور هذا المشهد بما لا يخدش الحياء أو يستثير الغرائز، إنما جاءت الكلمات تصف عفّة يوسف وحفظ الله له فتقول:

стр. 250

﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٣، ٢٤). وقد أكثر المفسّرون ونقلوا عن أهل الكتاب ما يتنافى مع عصمة الأنبياء، مع أنّ الله شهد في هذه الآيات لنبيه بما يُعلِي قدره ويطهّر ثوبه، ويرفعه عن الدنايا، فذكرت الآيات أنه رأى برهان ربه، وهذا البرهان هو الدليل القاطع الذي يصل إلى درجة اليقين، الذي كأنه يراه رأي العين، وهذا البرهان هو حجة الله الدالة على حرمة الزنا وفحشه وقبحه، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠١). فهَمُّ يوسف بها هو الميل الفطري إلى مثل هذا الأمر، ولكن هذا الأمر لم يكن سوى خاطر عارض صرفه الله عنه، وعصمه من الوقوع فيه، بما أودعه في قلبه من علم يقيني بحرمة هذا الفعل، ومن يقع في مثل هذا الفعل لا يجهل أنه حرام، كما أن من يقع في المعاصي كالقتل والسرقة وشرب الخمر لا يخفى عليه أن هذا حرام، ولكن المهمّ أن يبقى الإحساس بحرمة هذه المحرمات شعلة في قلب المؤمن وإحساسه، كلما همَّ بالوقوع في واحد منها أضاءت له هذه الشعلة طريقه، فرأى برهان ربه وآياته الدالة على بشاعة الذنب؛ كأنها مكتوبة بين عينيه. كما يدفع ما قاله به بعض المفسرين مما يطعن في عصمة يوسف قول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤) أي: هذا ديدن الله مع هذا الشاب المبارك والنبي الكريم، أي: كما أنه رأى برهان ربه فانصرف عنها، يصرفه الله دائمًا عن السوء والفحشاء، ومع ما في قوله:

стр. 251

﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ من دليل على سبب حفظ الله له من الوقوع في الذنوب، إلّا أنه كذلك شهادة من الله بأنّ يوسف عبد مصطفى ونبي مجتبى ورسول مخلص منتقى من بين الناس؛ ليكون موضع وحي الله وواسطة بين الله والناس، ومن كان كذلك هل يعقل أن يقال في همِّه بامرأة العزيز ما قيل. وتواصل القصة عرض مشاهدها، فترسم صورة يوسف يحاول الفرار والإفلات من امرأة العزيز الهائجة الفائرة، التي نسيت في هذه اللحظات مكانتها ومنزلتها، وهي تجري وراءه حتى أمسكت بقميصه فقدّته، وقد وصل إلى الباب، وهو يحاول أن يسبقها ليفتحه ليهرب منها، وهي تحاول أن تصل قبله حتى تمنعه من الخروج، وإذا بسيدها -أي: زوجها- لدى الباب، فلما رأته تمالكت نفسها، وألقت التهمة على يوسف وقالت لزوجها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ وقبل أن يجيب لقنته ما يفعل فقالت: ﴿إِلّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولم تطلب من زوجها كما ترون أن يقتله جزاء فعلته، فقد كان قلبه ما زال معلقًا به، وتخشى عليه أن يقتل، وعلى الفور قال يوسف: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وهو قول خادم في بيت السيد، والواقعة مع زوجة هذا السيد، فمن أين له الدليل ليدفع عن نفسه هذه التهمة، وليثبت أنها هي التي بذلت قصارى جهدها للوصول إلى غرضها الخبيث. هنا تبرز القصة عناية الله بالمخلصين من عباده، فينطق الله رجلًا كان مع العزيز من أهلها فيقول: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ لأن هذا يعني أنها كانت تدفعه عن نفسها فقدت قميصه من قبل، ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنْ الْكَاذِبِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فهذا دليل أنه كان يحاول الفرار والهرب منها، وهي تعدو خلفه، وتمسك به حتى قدّت قميصه

стр. 252

من دبر، ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ﴾ أي: العزيز ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي لا تتكلم به، ولا تذكره لأحد، واتجه إلى امرأته يلومها قائلًا ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ (يوسف: ٢٩). ويسدل الستار على هذا المشهد ليبدأ مشهد آخر، هؤلاء نسوة في بيوت كبار الدولة يجلسن يتحدثن ويقلن: ﴿امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (يوسف: ٣٠) وانتشر الحديث في المدينة ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (يوسف: ٣١ - ٣٤). ومع ظهور براءته وعفته بدا لهم لمصلحة راجحة عندهم، هي إخفاء معالم هذه الجريمة وقطع الألسنة التي تتحدث بها، أن يودعوا يوسف في السجن لفترة من الزمان، ولكن الأيام مرّت والسنوات توالت، ورأى الملك رؤيا لم يستطع المؤولون للرؤى أن يفسروها، إلى أن تذكر واحد ممن كان في السجن مع يوسف وخرج، أنّ بالسجن يوسف، وأنه كان يفسر لهم ما يرونه في منامهم، فجاء إليه وذكر له هذه الرؤيا ففسرها، وطلبه الملك، فكانت فرصة لإظهار براءته، ورفض ﵇ أن يخرج من السجن حتى يأتي الملك بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن ويسألوهنّ عما كان من أمرهن، فجاء بهم الملك ومعهنّ امرأة العزيز وسألهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ (يوسف: ٥١).

стр. 253

حينذاك نطقت امرأة العزيز قائلة: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر ووضح ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: ٥١) وإنه لمن الصادقين فيما قال، ثم واصلت قائلة: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ (يوسف: ٥٢) أي زوجي ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ (يوسف: ٥٢) ولم أقع في الفاحشة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (يوسف: ٥٢) وإنما كانت المسألة مراودة، لم تصل إلى حد الوقوع في الجريمة الكبرى، وكان هذا من وساوس النفس والشيطان ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٣). وبعد أن استمع الملك إلى هذه البراءة الناصعة قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ (يوسف: ٥٤) أي بيوسف أستخلصه لنفسه، فلما كلمه وجد عقلًا وعلمًا وأدبًا وحكمة ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف: ٥٤) ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥) و ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ سارت -أيها الأبناء- أحداث قصة يوسف بعد أن تولى يوسف وزارة مصر، ومكن الله له فيها، سارت الأحداث في طريقها إلى أن جمع الله له أبويه وإخوته، فحمد الله وأثنى عليه وقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: ١٠١). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 254

الدرس: ١٦ قصة أصحاب الجنة .

стр. 255

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (قصة أصحاب الجنة) وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بمطلع السورة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أما بعد: ففي قصص القرآن عبرة لأولي الألباب، وبين أيدينا من هذا اللون قصة أخرى وردت في سورة ﴿ن وَالْقَلَم﴾، هي قصة أصحاب الجنة، والتي سندرسها على طريقة منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، وما دامت آيات القصة في موضع واحد -أي: في سورة واحدة- فالأمر كما تعلمون لا يحتاج إلى جمع آيات الموضوع من سور متعددة حتى تكتمل لنا صورته، فننظر فيها نظرة فاحصة متأملة؛ لنبرز الموضوع متسقًا متكاملًا. أمّا في الموضوعات التي يذكر فيها الموضوع في سورة واحدة -كما ترى في هذه القصة التي سندرسها- فإن ذلك يكون من خلال ربط القصة بهدف السورة، وبيان ارتباطها بما سبقها من الآيات، وكيف أنها تفضي إلى ما بعدها من الآيات، مع عرض أحداث القصة ومشاهدها، وكيف حققت أهدافها. والهدف أو المحور الذي تقوم عليه سورة "القلم" هو إيناس رسول الله ﷺ وتسليته، وتطمين قلبه وتثبيت فؤاده، ببيان منزلته، والرد على أعدائه، وأن العاقبة له، وأن الخسران والبوار والهلاك للمكذبين برسالته، ولكم كان رسول الله ﷺ والمؤمنون معه بحاجة إلى هذا الإيناس وذلك التطمين والتثبيت، بعد أن كشّر الكفر عن أنيابه، وانبرى المشركون يكيدون للإسلام وأهله كيدًا يزلزل الجبال، فقد رأوا في هذا الدين خطرًا على ما هم فيه من عقائد فاسدة، وأحوال كاسدة، وعادات بالية، وأوضاع اجتماعية مزرية، مكنت للسادة منهم أن يفرضوا سيادتهم على رقاب المستضعفين، وأن يمتصوا دماءهم، وأن يقودوهم إلى حيث يريدون، ولهذا عظُم هول المعركة.

стр. 256

ومع أن رسول الله ﷺ كان من الشرف والمكانة في قريش، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، خيار من خيار من خيار، فهو من أعلى قريش نسبًا وحسبًا، إلّا أنه لم يكن من أصحاب الأموال والتجارة، وهي مقاييس العظمة في كل بيئة تخلو من الدين الصحيح، ولهذا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: ٣١). وأخذ المشركون كل ما لديهم من مكر ودهاء وحيل للقضاء على دعوة الحق، اتهموا رسول الله ﷺ بالسحر والجنون، وطاردوه وطاردوا دعوته والمؤمنين معه في كل مكان، ورموهم بكل نقيصة، وأنزلوا بالمستضعفين منهم كل ألوان العذاب، ولم يسلم من عنفهم رسول الله ﷺ وكبار أصحابه، وكان من أمر الله وحكمته أن منع المسلمين من رد هذه الإساءات ولو بكلمة، إنما أمرهم بالصبر على ما ينزل بهم إلى أن يأتي نصر الله، ومرت الأيام بل والسنوات، والمشركون يزدادون عنفًا، إلى أن أذن الله لرسوله والمؤمنين بالهجرة إلى المدينة المنورة. ومن أراد أن يعرف ما لاقاه رسول الله ﷺ في مكة من عَنَت وتَعَب ومشقة، فليقرأ سيرة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه في هذه الفترة العصيبة، فكانت آيات القرآن تنزل تحيي موات القلوب، وتبعث على الرضا، وتثبت الأقدام على طريق الحق، ومن هذه الآيات ما نقرأه في هذه السورة المباركة، سورة "ن والقلم"، فلنتأمل في مطلعها، والآيات التي وردت في بدايتها؛ لنرى وجه ارتباط قصة أصحاب الجنة بهذا المطلع وتلك الآيات. بدأت السورة بقوله: ﴿ن﴾ وهي حرف من الحروف المقطعة التي وردت في افتتاح بعض سور القرآن كقوله تعالى: ﴿ص﴾، ﴿ق﴾ وكقوله: ﴿حم﴾ أو ﴿حم عسق﴾

стр. 257

أو ﴿الم﴾ أو ﴿المر﴾، وما إلى ذلك، وقد وردت في بيانها أقوال كثيرة منسوبة لبعض الصحابة ولكثير من المفسرين، وأقرب ما قيل فيها -كما سبق أن ذكرت- أنها حروف ساقها الله على سبيل التحدي؛ كأنه يقول لمن نزل القرآن بلغتهم: هذه هي الحروف التي تؤلّفون منها كلامكم، فاصنعوا منها كلمات وضموها لبعضها، وعارضوا بها هذا القرآن، وانظروا إلى كلامكم وما جاء به وحي الله؛ لتعلموا أن هذا أفق عالٍ لا سبيل إلى الوصول إليه، ﴿فَإِنْ ل َمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٤)، فثبت عجزهم وانقلبوا صاغرين، وكم في هذا من نصر لرسول الله ﷺ ، وهو نصر يتجدد كلما نزلت آيات من كتاب الله، وكم في ذلك من تطمين وتثبيت. ثم يقسم الله بالقلم وما يسطرون، على أنّ اتهام المشركين لرسول الله ﷺ بالجنون اتهام باطل، وأنّ الله أعدَّ له أجرًا عظيمًا على قيامه بحقِّ الله عليه، وأنه ﷺ متمكِّن من ذُرا الأخلاق العظيمة، وفي هذا القسم بالقلم وما يسطرون بالقلم، وفي بداية السورة بحرف من حروف الهجاء "ن"، ما يدل على تعظيم الإسلام للقراءة والكتابة، فهي مفتاح التقدم، وباب الحضارة، وأساس التمدن، وهذه أول الآيات نزولًا على رسول الله ﷺ تأمره بالقراءة باسم ربه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١ - ٥). فمع أول شعاع الوحي ترى الدعوة إلى العلم؛ ليكون نبراسًا يهتدي به الإنسان في دنياه وأخراه، وليكون أمضى الأسلحة في المعركة مع الكفر والكافرين، وأمةٌ بلا علم أمة ينخر الجهل في عظامها، ومصيرها إلى الفناء، والعلم الذي تسطِّره الأقلام ليس قاصرًا على علوم الدين وحدها، إنما يشمل علوم الدين والدنيا،

стр. 258

والأقلام التي تسطِّر إنما تسطر ما وصل إليه الفكر والعقل من بحث وتجربة، وقد أثبت التاريخ أنه لا مكان لأمة جاهلة بين الأمم، ومع أدوات العلم هناك الأخلاق، والتي تسلّم رسول الله ﷺ ذراها، وأمته مكلفة بالاقتداء به، فإذا اجتمع لها العلم والأخلاق المبنية على الإيمان بالحقّ سادت وسعدت، وهذا ما تحقق -كما تعلمون- في الرعيل الأول، الذي حمل لواء الحق والعدل والخير والحب والسلام، فرفرف به في كل مكان من أرض الله. ولهذا جاء التهديد للمكذبين المعاندين ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (القلم: ٥، ٦) أي بظهور عاقبة الأمر بغلبة الإسلام وانقلابهم أذلة صاغرين، وما كان للإسلام أن يظهر على الكفر والمسلمون جهلة لا علم لهم بدين أو دنيا، وما كان لهم أن يسودوا وتعلو كلمتهم، ويلتف الناس حولهم وهم أصحاب أخلاق وبيئة وصفات ذميمة، ولهذا جاء قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القلم: ٧) شهادة للمؤمنين المهتدين، وتهديدًا للمعاندين الضالين، ومن منطلق القوة في العقيدة والخلق وحسن الصلة بالله، والتمكن من الحق، يأتي التوجيه القرآني لرسول الله ﷺ والمؤمنون تبع له: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: ٨، ٩) أي: لا تطعهم فيما يدعونك إليه من التنازل عن دعوتك، وفي مهادنتهم وتركهم في عبادتهم الباطلة، وهم مستعدون لذلك ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القلم: ٩). والآية حَدّ فاصل بين الكفر والإيمان، وأنه لا التقاء بينهما، وما كان لأصحاب الدعوة أن يغمضوا أعينهم عن الباطل وأهله إيثارًا للسلامة، وبعدًا عن وعورة الطريق، إنما هناك الحق الواضح الذي لا يقبل التنازل، وتأكيدًا لهذا المعنى في عدم الانقياد والرضوخ للمكذبين يأتي النهي عن الانقياد لقادة الضلال منهم،

стр. 259

أصحاب الأخلاق الرديئة، يقول ربنا: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (القلم: ١٠ - ١٣) وما أسوأها من صفات يتّصف بها أهل الكفر والضلال، ثم يقول تعالى مهددًا ومتوعدًا ومعجِّبًا من حال الواحد من هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والبنين، فكفر بأنعم الله، وردَّ وحي الله، وقال في القرآن قولًا يدل على جهله وحمقه: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (القلم:١٤، ١٥) ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (القلم: ١٦) أي: سنجعل له علامة في وجهه يعرف بها في الدنيا والآخرة. ففي الدنيا يضرب بالسيف فيترك السيف علامة في أنفه يُعَرف بها، وفي الآخرة: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَ ذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ (الزمر: ٦٠)، وإذا علمنا أنّ هذه الآيات من أوائل ما نزل في مكة، أدركنا ما تحمله من بشرى النصر للمؤمنين، وأنهم سيلقون المشركين، ومنهم أصحاب المال والأولاد في معركة من معارك الحق؛ ليكون للمؤمنين نصر الله، وقد حدث هذا في بدر، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر: ٤٥) ولما نزلت تعجب عمر ﵁ فقال: أي جمع يهزم؟! أي جمع يغلب؟! قال عمر: "فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، فعرفت تأويلها يومئذ". وبيانًا لحال المشركين أصحاب الأموال والأبناء والذين لم يشكروا الله على ما أنعم به عليهم، فكان لهم عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، يسوق الله قصة أصحاب الجنة فيقول: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ * إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (القلم: ١٧، ١٨) إلى أن يقول: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: ٣٣) فكيف عرض القرآن هذه القصة؟

стр. 260

إنها قصة ليست قصة من وحي الخيال، جاء بها القرآن فاختلق شخصياتها، ورتب أحداثها، وأجرى الحوار بين المشاركين فيها إبرازًا لمعنًى من المعاني، وضربًا لمثل من الأمثال، دون أن يكون لذلك وجود واقعي في الحياة، إنما يعبِّر القرآن عن واقع حيٍّ ملموس، ويذكر تاريخًا لأناس حدث منهم ذلك، ولعلكم تلمحون معي أنه لم يذكر من حدث لهم هذا الأمر، على طريقته في عرض موضع الحكمة مما يسوق من قصة أو حدث، فلا يعنيه أن يذكر الأسماء، فذكرها لا يغيّر من الحقيقة شيئًا، مع أن الروايات قد وردت ببيانهم، فذكر بعض السلف أنّ هؤلاء كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: "كانوا من قرية يقال لها ضروان، على ستة أميال من صنعاء" وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغلّ منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفّر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء. والقرآن حين يعرض هذه القصة يعرضها -كما تعلمون- بأسلوبه المعجز، مكتملة البناء القصصي في التشويق والحبكة القصصية، مع أنها قصة تساق من خلال آيات بينات، تتوالى هذه الآيات في عذوبتها ورقتها وروعتها، فما أعظمها من آيات. وتبدأ القصة مرتبطة بما ورد في صدر السورة من بيانٍ لحال المشركين في عتوهم ورفضهم لدعوة الحق، مع نصاعتها وقوتها في ذاتها، ومن حملها إليهم، هذا النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، الملقب فيما بينهم بالصادق الأمين، فحالهم في رفضهم لدعوة الإسلام وكفرهم بالله ورسوله حال أصحاب

стр. 261

الجنة، الذين لم يؤدوا حق الله فيما أعطاهم، والقرآن يعبِّر عن هذا وذاك بأنه ابتلاء، فيقول: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (القلم: ١٧) والابتلاء ليس مجرد امتحان واختبار، إنما هو امتحان ببلاء يحدث للإنسان، وقد يكون هذا في الخير أو الشر، وكما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: ٣٥). يقول الراغب الأصفهاني: "والقيام بحقوق الصبر أيسر من حقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين، وبهذا النظر قال عمر: "بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر"، ولهذا قال أمير المؤمنين -يقصد عليًّا -كرم الله وجهه-: "من وسّع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مُكِر به، فهو مخدوع في عقله". وإذا كان هذا الابتلاء بالنعمة من الله، وكان التعبير عن ذاته -جل وعلا- بقوله: "نا"، ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (القلم: ١٧) علمنا أن هذا ابتلاء شديد؛ لأن الله بعظمته وما له من صفات الكمال والجلال هو الذي يفعل ذلك بعباده، فكم من نعمة أنعمها على المشركين، كان عليهم أن يشكروا الله على نعمه الكثيرة بالإيمان به والتصديق برسوله والانقياد لأمره، ولكنهم كفروا بالله وحاربوا رسوله، وصدوا عن دينه، فلم يجتازوا هذا الاختبار، ومَثَلهم كمثل أصحاب الجنة، ابتلاهم الله بأن أنعم عليهم ببستان فيه ما فيه من ألوان الفاكهة، والتعبير بالصحبة في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (القلم: ١٧) دليل على ملكيتهم لجنتهم، وكثرة ترددهم عليها، وأنها كانت موضع بهجتهم وسعادتهم، يغدون عليها ويروحون، نجح أبوهم ورسبوا، فالقصة ترغيب وترهيب، والقصة بهذه البداية تجعلك تشرئب وتتطلع لمعرفة ما كان من أمر هؤلاء، فيأتيك بيانه في قوله: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (القلم:١٧، ١٨).

стр. 262

ولم يذكر الله ما كان يحدث من أبيهم من إكرام للفقراء وبرٍّ بالمساكين، وما ترتَّب على ذلك من بركة في رزقه، ووفرة في إنتاج حديقته؛ لأن المثل يُضرَب لمن كفر بأنعم الله، وهذا هو موطن العظة، والقرآن يتخطّى الأحداث التي سبقت قسمهم هذا؛ ليترك لك مساحة تُعمِلُ فيها فكرك، فتقول وتتخيل هؤلاء الأبناء في حياة أبيهم يرونه يجود بجزء من ثمار حديقته للفقراء، ويرون ما تجود به جنتهم من وفرة في هذه الثمار، وقد كبروا وصار لهم أبناء، وهم ينظرون إلى فعل أبيهم، فيظنون أن ما يفعله إسراف لا يليق، وأنه لو حَرَم المساكين ومنعهم من أخذ شيء من ثمارها لكان ذلك أولى؛ لأنهم سوف يكون لهم ما تنتجه جنتهم بالكامل. ولذلك ما إن صارت الحديقة لهم بعد وفاة أبيهم حتى عقدوا هذا الاجتماع، وتداولوا فيما بينهم، فاتفقوا على الخطة التي سيسلكونها لمنع الفقراء والمساكين من الحصول على شيء من ثمار هذه الحديقة، يتخطّى القرآن كل هذه الصور ليعرض صورة لأبناء الرجل الصالح، وقد سيطر عليهم الغضب، وتملكتهم ثورة عارمة وحنق على ما أضاع أبوهم خلال سنوات قلائل، وقالوا ما سمعتم، لقد كان أبونا أحمق، وإن فعلنا ما كان يفعل ضاق علينا الأمر ونحن أصحاب عيال. وتوثيقًا وتأكيدًا لما اتفقوا عليه أقسموا أن يقطعوا ثمارها في الصباح الباكر، قبل أن يعلم الفقراء والمساكين بخروجهم وقطعهم لثمار حديقتهم، وتعبير القصة عن منعهم الفقراء له طعمه ودلالته، فقد بدأ ذلك بالقسم، تأكيدًا لما عزموا عليه، ولم يذكر ما أقسموا به ليجعلك تتخيل كل عظيم لديهم يمكن أن يقسموا به، وإن كانت

стр. 263

الآيات قد دلّت على أنهم كانوا يؤمنون بالله، مما يرجِّح أنهم كانوا من أهل الكتاب، فقد ذكرت في نهاية القصة قولهم: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (القلم: ٣٢) فيفهم من ذلك أنهم أقسموا بالله، وانظر إلى ما أقسموا عليه، إنه يجمع بين أمرين: الفعل والزمن، أما الفعل فهو في قوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ (القلم: ١٧). وأما الزمن فهو في قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ (القلم: ٢١) وصرم الشيء قطعه، وهذا ليس مجرد قطع لشيء من شيء، إنما قطع لا يبقى شيئًا. يقول الراغب: "الصارم الماضي، وناقة مصرومة كأنها قطع ثديها، فلا يخرج لبنها حتى يقوى، وتصرمت السنة وانصرم الشيء انقطع، وأصرم ساءت حاله"، أما الزمن ففي قوله: ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي داخلين في وقت الصباح الباكر، وأضاف إلى ما عزموا عليه وأقسموا عليه قوله ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (القلم: ١٨)، وهذا معناه: أنهم لم يقولوا: إن شاء الله، أو أنهم لم يستثنوا أحدًا من الفقراء يجدون أنه مسكين يستحق الصدقة، إنما أصروا على منع كل فقير ومسكين، وكلا المعنيين جائز. فكم من أناس يدبرون أمرهم ويحكمون خطتهم لفعل شيء ما، ويوقنون أنهم لا بُدَّ واصلون لتحقيق غايتهم، وما علموا أن مدبِّر الأمر هو الله، فإليه يرجع الأمر كله، ومع اتخاذ الأسباب يفوّض العبد الأمر لله فيقول: إن شاء الله، وقد قال الله لرسوله -كما رأينا في قصة أصحاب الكهف-: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ * وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ٢٣، ٢٤) وهذا بعض ما يفهم من قول الله تعالى في ختام سورة هود: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٢٣).

стр. 264

أصحاب الجنة، وعاقبة فعلهم وتنتقل القصة لتصوّر مشهدًا آخر في مواجهة تدبير أصحاب الجنة، وما عقدوا عليه العزم، إنه تدبير الله، فتقول: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (القلم: ١٩، ٢٠) فانظر لجمال العرض في دقة المقابلة بين فعل البشر وفعل رب البشر؛ رب السموات والأرض، فالآيتان تعرضان مشهدًا من مقدّمة ونتيجة في لقطة فنية سريعة، توقظ الأحاسيس والمشاعر، فالفاء في قوله: ﴿فَطَافَ﴾ (القلم: ١٩) تدلك على أن أمر الله نزل بجنتهم بعد أن عقدوا العزم على فعلتهم على وجه السرعة، والطواف الذي طاف عليها، يعني: الإحاطة من كل جانب، ومعنى هذا أنه لم يترك منها موضعًا. والتعبير بالربوبية مضافة إلى المخاطب وهو رسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح له الخطاب، فيه إظهار لهيمنة الله وقدرته على فعل ما يشاء، وفيه لفت للأنظار إلى أنّ هؤلاء لم يفهموا ولم يدركوا أنّ ما آل إليهم من ملكية هذه الجنة، إنما ذلك محض عطاء الله وفضله، وأن ما تجود به من الثمار نعمة من الله تستحق الشكر، ويأتي قوله: ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ (القلم: ١٩) ليكمل الصورة؛ لتتخيل هؤلاء في غفلتهم، يغُطّون في نومهم، لا يدرون ما دبره الله في جنتهم، كما تدل هذه الصورة على بلادة حسهم، وأنهم لم تتحرك فيهم ذرة من رحمة وعطف على الفقراء، وأنهم لم يتألموا لمنع هؤلاء الفقراء، إنما ذهبوا لبيوتهم فناموا ملء جفونهم؛ كأنهم لم يصنعوا شيئًا. وقد توعد الله من لم يحض على طعام المسكين بسوء العذاب فقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (الحاقة: ٣٠ - ٣٤) فما بالكم بمن منع المساكين من خيره وبره،

стр. 265

أما النتيجة ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (القلم: ٢٠) وكلمة الصريم التي رأيناها في قول أصحاب الجنة: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (القلم: ١٧) وسوف نقرأها في ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ (القلم: ٢٢). هذه الكلمة لم تُذْكَر في القرآن إلّا في هذه السورة، وهي تعني كما ذكر الراغب وغيره: انفصال شيء عن شيء، وهنا معناه: أن هذا الطائف الذي طاف عليها أسقط كل ثمارها، فلم يترك منها شيئًا، وقال ابن عباس: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (القلم: ٢٠): "كالرماد الأسود". يقول الألوسي: "وهو بهذا المعنى لغة خزيمة"، وعن ابن عباس أيضًا: "الصريم رملة باليمن معروفة لا تنبت شيئًا"، وقال منذر والفراء وجماعة: "الصريم: الليل" والمراد أصبحت محترقة تشبه الليل في السواد وهي معانٍ متقاربة. وتترك القصة أمر الجنة وما صارت إليه من احتراق أشجارها، والقضاء التام على ثمارها؛ لتعود بنا إلى أصحابها الذين استيقظوا في الصباح في الباكر، وما زالوا مصمّمين على تحقيق ما اتفقوا عليه، وتأمل معي تصوير القرآن لهم، وكأنك تراهم صورة ماثلة: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ (القلم: ٢١ - ٢٥). فها هم أولاء قد قاموا في الصباح قبل طلوع الشمس، وأخذ كل منهم ينادي أخاه ليوقظه، مما يدل على تحمسهم وإصرارهم على تنفيذ مخططهم، وكل منهم يقول لإخوته: هبوا لنذهب معًا إلى بستاننا، إن كنتم تريدون قطع ثماره قبل مجيء المساكين، كما جرت بذلك عادتهم، وبسرعة تجمعوا وانطلقوا وهم يتخافتون، أي: يتحدثون بصوت منخفض، يتواصون فيما بينهم، ويؤكدون ذلك قائلين: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ وساروا مسرعين إلى بستانهم يملؤهم الغضب، ويعتقدون أنهم على منْعِ المساكين قادرون، فقد مات أبوهم الذي كان في نظرهم يسيء إليهم؛ حيث يعطي

стр. 266

المساكين ما يعطي، بل كان الرجل يخبر المساكين بموعد جنيه لثمار جنته حتى يحضروا لينالوا من خيره وبره، أمّا الآن فهذه الحديقة ملك خاصٌّ لهم، فهم لذلك يستطيعون أن ينفِّذوا فيها ما يحبون، وكلمة الحرد في قوله: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ (القلم: ٢٥) لم تذكر في كتاب الله إلّا في هذه الآية، وكأن اختيار هذه الكلمات الفريدة في القرآن، لمناسبة أن هذه القصة أيضًا فريدة لم تذكر في القرآن إلّا في هذه السورة، سورة "القلم". فماذا كان من أمرهم حين وصلوا مصبحين إلى جنتهم، هنا يأتي مشهد آخر ترسمه كلمات الآيات فتقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (القلم: ٢٦ - ٣٢). وبين هذا المشهد وسابقه ترى مسافة يملؤها الفكر؛ ليقول: بأن هؤلاء الأبناء بعد أن قام كل منهم مبكِّرًا ينادي إخوته ليخرجوا جميعًا مبكرين، ثم انطلقوا بجمعهم يتكلمون بصوتٍ خفيض حتى لا يلفتوا إليهم الأنظار، ويؤكدون ما بيتوه ليلًا من حرمان المساكين، وأنهم صاروا يظنون -لجهلهم- أنهم قادرون على الاستحواذ على ثمار جنتهم، والانفراد بها وحدهم، دون أن يعطوا منها فقيرًا شيئًا، فساروا حتى وصلوا إلى حديقتهم؛ فماذا كان؟. القرآن يعبِّر عن ذلك بهذه الكلمات، التي تحمل الأسى والحزن، وتصوّر الدهشة التي اعترت هؤلاء الأبناء، فهي تذكر أنّهم بمجرّد أن وصلوا ورأوها أنكروا أنفسهم، ومن شدة المفاجأة قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ (القلم: ٢٦) أي: إنا سلكنا طريقًا آخر أدّى بنا إلى بستان آخر محترق ليس به ثمر، وبستاننا كان وارف الظلال مثقلًا بالثمار، ثم أفاقوا من دهشتهم، وتيقنوا أن هذه جنتهم فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (القلم: ٢٧) أي: إنّ الله حرمنا من ثمار جنتنا، بل حرمنا من بقاء أشجارها لأنا

стр. 267

عقدنا النية على حرمان المساكين. وكم في كلمة الحرمان من تعبير عن الأسى والحزن والألم، وكأنها تصورهم والكآبة قد علت وجوههم، والألم يعتصر قلوبهم، وفي هذا المشهد ترى واحدًا منهم يقف يلومهم أن لم يستجيبوا لنصحه، وهو أخ لهم كما قال ربنا: أوسطهم، أي أرجحهم عقلًا وأصوبهم رأيًا، أو أوسطهم سنًّا، قال لهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (القلم: ٢٨) فهو يذكرهم بنصيحته لهم حين كانوا مجتمعين للتشاور في كيفية الحصول على ما في جنتهم كاملًا، دون أن يعطوا الفقراء منها شيئًا، ولم يقولوا إن شاء الله، ظنًّا منهم أنهم بتدبيرهم سوف يحققون مطلبهم، وأنه لا مجال لمشيئة الله في ذلك، أو يذكرهم هذا الأخ بما طلبه منهم من التوبة والرجوع عن هذه الخطة الفاسدة، فلم يستجيبوا لنصحه، فاعترفوا بذنبهم قائلين: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ (القلم: ٢٩). والقرآن يذكر أنّ البلاء قد وقع بهم جميعًا؛ لأن هذا الأخ مع نصيحته لهم لم يتركهم يذهبون ولم يتخل عنهم ولم يتخلف، إنما سار معهم حيث ساروا، فوقع البلاء بهم جميعًا، مما يدعونا إلى أن نوجّه النصح لمن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أن يحذروا من موافقة أهل المعاصي والظالمين والطاغين. والقرآن يصور حالهم، حال الندم بعد فوات الأوان، وكيف أنّهم أقبل بعضهم على بعض يتلاومون، كل منهم يلوم الآخر، ويدّعي أنه السبب فيما كان منهم وما وقع بهم، ثم اعترفوا بطغيانهم كما اعترفوا بظلمهم: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ (القلم: ٣١) وكم في قولهم: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ من تحسر وندم، ودعوا الله أن يبدلهم خيرًا من جنتهم؛ لأنهم تابوا إليه ورغبوا في ثوابه وفضله، وقد قَبِلَ الله توبتهم، وأبدلهم خيرًا منها، وروي أنهم تعاقدوا وقالوا: إن أبدلنا الله خيرًا منها لنصنعنَّ كما صنع أبونا، فدعوا الله وتضرعوا إليه سبحانه، فأبدلهم الله تعالى من ليلتهم ما هو خير منها.

стр. 268

وختامًا لهذه القصة يقول ربنا: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (القلم: ٣٣) وفي ذلك العبرة والعظة، فهكذا يكون عذاب الله لمن عصاه، ولمن منع حق الفقراء والمساكين، ويبقى له في الآخرة العذاب الأكبر لو كانوا يعلمون. يقول الإمام الفخر الرازي: "واعلم أنّ مقصود هذه القصة أمران: أحدهما: أنه تعالى قال: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (القلم: ١٤، ١٥) والمعنى لأجل أن أعطيناه المال والبنين كفر بالله، كلا، بل إن الله أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمّر الله عليه، بدليل أصحاب الجنة؛ لمّا أتوا بهذا القدر اليسير من المعصية دمّر الله على جنتهم، فكيف يكون الحال في حقِّ من عاند الرسول، وأصر على الكفر والمعصية. والثاني: أنّ أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة ويمنعوا الفقراء عنها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل مكة؛ لمّا خرجوا إلى بدر حلفوا على أن يقتلوا محمدًا وأصحابه، وإذا رجعوا إلى مكة طافوا بالكعبة وشربوا الخمور، فأخلف الله ظنّهم، فقتلوا وأسروا كأهل الجنة". إذا ما قرأنا في كتاب الله هذه القصة؛ قصة أصحاب الجنة، لا بُدّ أن نقول للآخرين: اعتبروا أيها الناس بما آل إليه حال أصحاب الجنة، ولا تحرموا الفقراء والمساكين، فلهم في أموالكم حق معلوم، كما يجب أن ننبِّه إلى قيمة العلم والعلماء في بناء الأمم، وأنّ هذا الدين قد بدأ رحلته لبناء الأمة المتعلمة، التي تزخر بالعلم والعلماء من أول لحظة نزل فيها القرآن، كما رأينا في مطلع سورة "العلق" في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (العلق: ١، ٢) وكما رأينا في هذه السورة المباركة؛ حيث أقسم الله في مطلعها بالقلم وما يسطرون. نعود لنبني أمتنا على العلم النافع المرتبط بالإيمان الصحيح، وبالأخلاق الكريمة، التي تسلم رسول الله ﷺ ذراها، وسعد بشهادة الحق في قوله -عز من قائل-: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤).

стр. 269

وعلينا أيضًا أن ننظر في الآيات التالية لهذه القصة، فهي ترتبط بهذه القصة ارتباطًا وثيقًا، وتؤكد ما جاء فيها من المعاني، ذلكم أنها تُعلي من قدر أهل التقوى، وتبين بأنَّ المتقين لهم عند ربهم جنات النعيم، وتقارن بين المسلمين والكافرين، الذين سمّتهم الآيات بالمجرمين، فتقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: ٣٥)، وتناقشهم فيما هم فيه من أباطيل، وتعيب عليهم أنهم لم يستعملوا عقولهم، ولم يلتفتوا إلى آيات الله؛ فتقول: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ * إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (القلم: ٣٦ - ٤١) وتهددهم بالعاقبة الوخيمة، وأنهم حين أنعم الله عليهم بما أنعم، فكذبوا بالله ورسوله، وكذبوا بهذا القرآن، وأن هذا لا بُدّ أن يكون معلومًا لديهم بأنه استدراج من الله لهم، يقول تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ * سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (القلم: ٤٤، ٤٥) كما توجه رسول الله ﷺ إلى أن يصبر على أذى هؤلاء، فإن العاقبة العظيمة له، كما قال ربنا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ (القلم: ٤٨) يونس ﵇ ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (القلم: ٤٨) فاستجاب الله له، وتداركه برحمته، ونُبِذَ بالعراء وهو مذموم، ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (القلم: ٥٠). ثم تبيّن السورة في نهايتها بأنّ هذا الذي يراه من أقوال هؤلاء المكذبين المعاندين، إنما هذا من باب الحسد، فتقول: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (القلم: ٥١) ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: ٥٢)، هذه رسالة عالمية لبني الإنسان، وعلى قدر اتساع هذه الرسالة وعظمها يكون صبر رسول الله ﷺ على مشقاتها. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 270

الدرس: ١٧ الأمثال في القرآن الكريم، وتأثيرها على السامعين .

стр. 271

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الأمثال في القرآن الكريم، وتأثيرها على السامعين) المثل؛ تعريفه، وأهميته، وفوائده الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، أما بعد: فموضوع حديثنا عن الأمثال في القرآن الكريم وتأثيرها على السامعين: فما هو المثل في لغتنا العربية؟ وما أهميته؟ وما هي فوائده؟: يقول ابن فارس: "مثل، الميم والثاء واللام، أصل صحيح يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا أي نظيره، ويقول: والمثل المضروب مأخوذ من هذا؛ لأنه يذكر مورًّى به عن مثله في المعنى". ويقول ابن منظور: "مثل، كلمة تسوية، يقال: هذا مثله ومثله، كما يقال: شبهه وشبهه، بمعنًى". قال ابن بري: "الفرق بين المماثلة والمساواة، أن المساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتفقين؛ لأن التساوي هو التكافؤ في المقدار، لا يزيد ولا ينقص، وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفقين، تقول: نحوه كنحوه، وفقهه كفقهه، ولونه كلونه، وطعمه كطعمه، فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق، فمعناه: أنه يسد مسده، وإذا قيل: هو مثله في كذا، فهو مساوٍ له في جهة دون جهة" ثم يقول: "والمثل الشيء الذي يضرب بشيء مثلًا، فيجعل مثله". وفي (الصحاح) ما يضرب به من الأمثال، ومثل الشيء أيضًا صفته، وقد يكون المثل بمعنى العبرة، ومنه قوله : ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (الزخرف: ٥٦)، ويكون بمعنى الآية كما قال تعالى في صفة عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام-: ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: آية تدل على نبوته. وذكر الراغب في (مفردات ألفاظ القرآن) قريبًا مما ذكره ابن فارس وابن منظور، وإن كان قد توسّع في الاستشهاد بالآيات، ومما قال: "المثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولًا في شيء آخر، بينهما مشابهة؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره".

стр. 272

ويقول أبو حيان في (البحر المحيط): "المثل القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه، وقيل المثل ذكر وصف ظاهر محسوس وغير محسوس، يستدل به على وصف مشابه له من بعض الوجوه، فيه نوع من الخفاء؛ ليصير في الذهن مساويًا للأول في الظهور من وجه دون وجه"، ثم يواصل أبو حيان حديثه فيبين أهمية المثل وفوائده فيقول: "والمقصود من ذكر المثل أنّه يؤثّر في القلوب ما لا يؤثّره وصف الشيء في نفسه؛ لأن الغرض من ضرب المثل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكّد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقًا للعقل". ويقول عبد القاهر الجرجاني في (أسرار البلاغة): "اعلم أنّ ما اتفق العقلاء عليه هو أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونُقِلَت عن صورها الأصلية إلى صورته، كساها أبهة، ورفع من أقدارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها"، ويشرح عبد القاهر ذلك فيقول: "فإن كان مدحًا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس، وأسرع للإلف، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وإن كان ذمًّا كان مسه أوجع، وميسمه ألذع، ووقعه أشد، وحده أحد، وإن كان حجاجًا، كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيانه أبهر، وإن كان افتخارًا، كان شأوه أبعد، وشرفه أجد، ولسانه أند، وإن كان اعتذارًا كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسل، وإن كان وعظًا، كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر". وإذا أجلنا النظر فيما وَرَد في القرآن من أمثال، وفي الحكمة من إيرادها، سوف نرى أن الله يسوقها تذكرة وعبرة وعظة لمن كان له عقل يفكِّر، وقلب خافق يشعر

стр. 273

وينفعل، واقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الزمر: ٢٧) ويقول: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم: ٢٥) فبيّن في هذه الآية والتي بعدها، أنه سبحانه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ ليكون في ذلك ذكرى لمن يتذكرون، وعبّر بالمضارع ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ ليدلَّ على تجدد هذا التذكر؛ ليكون مواكبًا لمسيرة الإنسان في هذه الدنيا، فيبقى على صلة دائمة بربه. ويقول ربنا: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٣) فأوضح أنه يضرب الأمثال يستمع إليها الناس جميعًا، لكن لا يستفيدوا منها ولا يعقلوها، ويدركوا مراميها، إلّا من آتاه الله العلم النافع والبصيرة المهتدية بنور الحق، ويقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: ٢١) قال هذا بعد قوله في صدر الآية: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: ٢١) فضرب بذلك مثلًا لما للقرآن من تأثير في الجمادات، والأولى بهذا التأثر الإنسان العاقل، ولكنّ الأمر يحتاج إلى إجالة الفكر، وعمق النظرة للاهتداء إلى سبل الرشاد، ولو تفكر الإنسان وتدبّر؛ لعلم أن سبيل ذلك هو القرآن العظيم، وهو عصمة لمن تمسَّك به، ونجاة لمن اهتدى بهديه. ولعلنا لاحظنا التعبير بـ"لعلّ" في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (البقرة: ٢٢١)، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٦) والتعبير بذلك يدل على أنّ هذا أمر سهل الحصول؛ لأن "لعلّ" كما علمتم في لغتنا العربية حرف ترج، بخلاف ليت فهي للتمني، والترجي إنما يكون في الأمر القريب الحصول، السهل الوقوع، والتمني في الأمر الذي يصعب تحقيقه، كما في قول الشاعر: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي

стр. 274

فالطريق للاستفادة مما ضرب الله من الأمثال، لا يحتاج إلّا إلى العلم والتفكر والتذكر، ولو صدقت نية العبد في البحث عن سعادته في الدنيا والآخرة؛ لبذل الجهد فالتزم بما في كتاب ربه، واهتدى بهدي رسوله ﷺ . وأمثال القرآن كثيرة يضربها الحق ﵎ لتحقق أهدافها في تثبيت الإيمان والدعوة إليه، والترغيب في الآخرة والعمل الصالح، والترهيب من حب الدنيا وما يصير إليه حال من ركن إليها وارتضى بها، إلى غير ذلك مما تراه في القرآن الكريم. أمثلة ضربها الله في القرآن في للكافرين، والمشركين، والمنافقين وهذه أمثلة لما نقول من القرآن الكريم: يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٧ - ٢٠). فقد ضرب الله مثلين لصنفين من المنافقين: الصنف الأول: لقوم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، والصنف الثاني: قوم مترددون، يظهر لهم الحق تارة فيطمئنون إليه، وتهجم عليهم الشكوك فينقلبون خاسرين، ولو أن الله ساق الحديث عن المنافقين هكذا، فبين أنهم صنفان؛ صنف آمن ثم كفر، وصنف شاك حائر لا يستقر على رأي

стр. 275

ولا يثبت على فكر، ولا يستريح قلبه للحق، لما كان له من الأثر ما نراه حين ضَرَب لكلٍّ منهما مثلًا، فكان المثل الأول كما ترى للصنف الأول: الذي آمن ثم كفر؛ إذ شبه حاله بحال الذي استوقد نارًا -أي: أوقدها- بعد بحث عنها وطلب لها، فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. إنه نور الإيمان الذي بدد ظلمات الشك والوهم، وعرف به المؤمن لماذا خلق ولماذا يحيا وإلى أين يصير؟ وماذا يأخذ وماذا يدع؟ فاستقر قلبه وهدأ وجدانه واطمأنت نفسه، وبينما هو في سعادة الإيمان هبّت عليه عواصف الشك، وركبته الشياطين، فانطفأ في قلبه هذا النور، فذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون. وكم في كلمة "تركهم" من تصويرٍ لما حلّ بهم من غضب الله ونقمته، وكم في قوله من ظلمات من دلالة على ما هم فيه من عمى؛ إذ لم تحط بهم ظلمة واحدة، إنما هي ظلمات، ولهذا جاء قوله: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ (البقرة: ١٧) يكمل هذه الصورة البشعة لهؤلاء المنافقين، ويبين أنّ الطرق كلها قد عميت عليهم، فلم يعودوا يرون شيئًا، فهم لذلك يتخبطون، ومما زاد هذه الصورة قتامة، هو ما ذكره الله من حالهم؛ حيث قال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨) صم لا يسمعون الحق، وبكم لا ينطقون بما ينجيهم من عذاب الله، وعمي لا يرون طريق الله، مع أنه واضح لا شبهة فيه، فهم لذلك لا يتوبون، ولا يتذكرون، إلى أن يموتوا، فبئس ما هم فيه وما صاروا إليه. وقد أوضح هذا المثل ابن مسعود وغيره من الصحابة والتابعين، يقول ابن مسعود وناس من الصحابة: "قيل إنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله ﷺ المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما

стр. 276

أضاءت ما حوله من أذى، فأبصره، حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك؛ إذ طفئِت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر". ويرى ابن جرير وغيره أنّ هذه الظلمة التي اعترتهم بعد أن كانوا في النور، إنما هي تشبيه لهم بما يصير إليه أمرهم يوم القيامة، فيقول: "هذا مثل ضربه الله للمنافقين، أنّهم كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز، كما سلب صاحب النار ضوءه". وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: " ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ (البقرة: ١٧) فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وآمنوا في الدنيا، وأُنكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون". أما المثل الثاني: فهو مثل ضربه الله لأناسٍ من المنافقين، تتقطع قلوبهم ترددًا وشكًّا، فلا يقر لهم قرار، ولا تطمئن إليهم نفس، فانظر إلى روعة هذا المثل الذي ضربه لهؤلاء التعساء البؤساء، وكيف رسم صورة كأنك تراها رأي العين لهم، فأنت ترى أناسًا يسيرون في طريق يريدون أن يصلوا إلى غايتهم، وبينما هم كذلك؛ إذ بسحب السماء قد تجمّعت، وإذا بأمطارها قد هطلت، وإذا بالرعد يدوي بصوته، وبالبرق يلمع بضوئه، وقد وقفوا يرتجفون خوفًا، يحذرون أن تأخذهم صاعقة من هذه الصواعق، فتراهم وقد وضعوا أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والبرق من شدته يكاد يخطف أبصارهم، كلما لمع

стр. 277

ببريقه مشوا خطوات، وإذا أظلم عليهم وقفوا، وما علموا أن الله محيط بهم، وأنه لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم، إن الله على كل شيء قدير. هذا هو المثل الذي ضربه الله لهؤلاء المنافقين في شكِّهم وترددهم، ومطابقة المثل لما هم فيه وعليه واضحة، فهؤلاء القوم جاءوا كغيرهم إلى هذه الدنيا، فنشئوا في بيئة جاهلية تعبد الأصنام والأوثان، وبينما هم كذلك إذ جاءهم رسول كريم ونبي عظيم، هو محمد ﷺ يدعوهم إلى الله الواحد الأحد، ويطلب منهم أن يؤمنوا به وبرسالته وما جاء به، ومعه ﷺ من قوة الحجة ونصاعة الدليل ما يقنع العقل والقلب، فاستولت أدلة القرآن على عقولهم، وهذا هو البرق الذي يكاد يخطف أبصارهم، ولكنهم ينتكسون ويرجعون ويتوقفون ويعودون إلى الكفر، وهذا هو قوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: ١٩). أما قوله: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (البقرة: ٢٠) أي: وقفوا في مكانهم حائرين، فهذا هو القرآن الذي أوحاه الله لنبيه، شبّهه الله بالمطر والغيث الذي يحيي به موات القلوب، كما تحيي الأمطار الأرض الميتة بإذن ربها، فيه وعد ووعيد، وترغيب وترهيب، وهذه هي ظلماته ورعده وبرقه، يسمع المنافقون آياته تبرق تحذيرًا وتخويفًا، وتهجر بيانًا وحججًا، فينصرفون عن ذلك، ومثالهم كمن ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾. وفي المثل يمتزج الممثَّل بالممثَّل به، مع الوعيد والتهديد الذي تراه في ختام الآيتين، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٩، ٢٠).

стр. 278

وفي مقام إثبات توحيد الله وما يكون عليه حال من أشرك به، يضرب الله الأمثال في كتابه، فيقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (البقرة: ٢٦) إلى آخر الآيات، فإن الله لما ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحج: ٧٣) وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤١). قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران، فأنزل الله ردًّا عليهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (البقرة: ٢٦) فهو -جلّ وعلا- خالق هذه المخلوقات، وكم فيها من دلائل قدرته، ولكن لها من الصفات ما يجعلها مثلًا يُضرَب في الضعف والقلة، فذكر الله حال الأصنام في عجزها وضعفها، وأن هذه الأصنام لا تستطيع أن تخلق ذبابًا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه، مع شدة ضعف الذباب، ومع ذلك لا تستطيع هذه الآلهة المدّعاة أن تسترد ما أخذه الذباب منها، وما ذلك إلّا لأنها أحجار لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، فكيف تكون آلهة تعبد مع الله أو من دونه. يقول ربنا في بيان ما عليه هذه الأصنام من عجز وضعف: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (الأعراف: ١٩٥)

стр. 279

وقريب من هذا ما في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ (العنكبوت: ٤١) فهذا مثل لقلة جدوى عبادة الأصنام، ولعدم نفعها، ولشدة ضعفها، ولو قيل بأنّ اتخاذ هذه الأصنام لتعبد من دون الله لا تفيد من عبدوها شيئًا، لما كان له من الأثر في نفوس السامعين ما تراه في هذا التشبيه وهذا المثل، فقد شبّه ما أقامه المشركون حول أصنامهم من معتقدات جعلتهم يتقربون لها بألوان القربات، ويستشفعون بها عند الله، ويقدمون لها القرابين، بما تصنعه العنكبوت لنفسها من بناء بيت لا يثبت أمام لمسة لامس، أو هبة ريح، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤١) فزاد المشركين تجهيلًا على تجهيل، وجاء هذا المثل بهذا البيان الشافي الكافي. وفي بيان أثر الشرك في المشركين، يضرب الله هذا المثل فيقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج: ٣١) فتأمّل معي روعة هذا المثل، وهذه اللوحة الرائعة التي رسمتها كلماته، وأنت تتصور رجلًا كان قد ارتفع إلى أجواز الفضاء، فخانته قواه، فسقط من هذا الارتفاع الشاهق، فتلقفته طيور السماء الجارحة، فتوزّعته إربًا، أو واجهته وهو يهوي إلى الأرض ريح عاصفة، فهوت به وألقته في مكان بعيد بعيد، ولو عُدت للمثل لترى هذه الصورة المنتزعة للمثَّل والممثَّل به لتشكل هذه اللوحة، فستجد أن السماء التي ارتفع إليها هي سماء الإيمان، في سموه ورفعته، وأن الشرك بالله هو الوهن والداء الذي أضعف قوى هذا الرجل، فخارت قواه، فلم يلبث أن سقط من سمائه، والتعبير بقوله: ﴿خَرَّ﴾ يدلك على سرعة وقوة سقوط هذا المشرك، والطير الذي تخطفه هي الشياطين التي توزعته ومزقته، فلم

стр. 280

يهدأ له بال، ولم يطمئن إليه قلب، ولم يقر له قرار، والريح التي ألقت به في مكان سحيق هواه الذي سيطر عليه فعصف به، فأبعده عن الحق وضيائه إلى الكفر وظلمته. وهذا مثال آخر لما في الشرك من ضياع وخسران، يقول تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٢٩) وهذه الآية تأتي بعد قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٢٧، ٢٨). فانظر بعين بصيرتك إلى هذه الصورة التي أوضحها هذا المثل للمشرك والمؤمن، والمثل منتزع من البيئة التي نزل فيها القرآن؛ حيث كان الرق شائعًا في أنحاء الأرض، إلى أن أشرق الإسلام على دنيا الناس، فاتخذ من الوسائل ما أدَّى إلى إغلاق هذا الباب، والقضاء على الرق، ليبقى الناس جميعًا أحرارًا، وكان هناك من يكون له عبد خالص لخدمته، يقوم بأمر سيده، وسيده قائم بأمره، وهناك من يشتري مع غيره عبدًا ليخدمهم جميعًا، وهذا العبد يبذل قصارى جهده في خدمة سادته، ولكنه لا يستطيع إرضاءهم جميعًا، وإذا أراد طعامًا أو شرابًا أو شيئًا، لا يدري من المسئول عنه في هؤلاء السادة. وقد ضرب الله الأوّل مثلًا للعابد للإله الواحد الأحد، فوجهته واحدة، يطلب منها ما يطلب من خيري الدنيا والآخرة، فهو لذلك مطمئن سعيد ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨) كما ضرب الثاني مثلًا للمشرك، يعبد عدة آلهة، فيجتهد في عبادتها، ولكنه لا يرضي أحدًا من هؤلاء الآلهة، كما أنه لا يدري ممن يطلب حاجته، بل إن هذه المعبودات

стр. 281

لا تدري عن عابديها شيئًا، إنها أحجار صماء، صنعها هؤلاء الجاهلون بأيديهم، ثم نصبوها وعبدوها. وهذا مثل آخر لِمَا عليه الكفار من عمى وجهل، يذكره الله تعالى بعدما ذكر حال المشركين في رفضهم لدعوة الحق، لا لشيء إلّا اتباع ما كان عليه آباؤهم، يقول ربنا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) وكما قال في آبائهم بأنهم لا يعقلون شيئًا، أيّ شيء نافع، ولا يهتدون لطرق السداد والرشاد، قال فيهم: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١). والمثل ينقلك إلى صورة واقعية في مجتمع تقوم فيه الحياة على الرعي، فترى أن القطيع من الأنعام إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، يسوقه راعيه بعصاه، ومن في القطيع من هذه الأنعام لا يفهم لغة، إنما يسمع صوتًا يناديه بالسير أو التوقف أو الورود لموضع المياه أو الكلأ، ولكن هذه الأنعام لا تفهم ولا تعقل، والقرآن يأخذ هذه الصورة التي يشاهدها العربي في بيئته، ويراها الناس في كل زمان ومكان، ليشبه بها هؤلاء المشركين في انقيادهم لقادة الكفر والضلال، وأنّ هؤلاء المشركين ينصرفون بتوجيهات هؤلاء القادة دون عقل أو تدبر، انصراف الأنعام السائمة في حركاتها دون فهم أو وعي. وقد روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (البقرة: ١٧٠) الآية. "نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: ١٧٠) ثم ضرب لهم مثلًا لما هم فيه من الغي والضلال والجهل، بالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نَعَق

стр. 282

بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. وفي عدم فهم ووعي اليهود نجد عدة أمثلة، منها ما يدل على قسوة قلوبهم وعدم انصياعها للحق، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٧٤). وهذه الآية تأتي بعد ما ذكر الله من عناد بني إسرائيل ومماحكاتهم في البقرة التي طلب موسى ﵇ منهم أن يذبحوها، وأن يأخذوا منها عضوًا يضربون به رجلًا قتل، ولم يعرف من قتله، وذكر الله أنه حين يُضرَب بهذا العضو سوف تعود له الحياة، ويخبر عمّن قتله، فأخذوا يسألون موسى عن هذه البقرة ومواصفاتها، وبعد جهد وعناء جاءوا ببقرة، وفعلوا ما أمرهم به نبيهم، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٧٢، ٧٣) ثم يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤). وكان على مَنْ رأى هذه الآية العظيمة على قدرة الله على البعث، أن يزداد إيمانًا، وأن يأخذ العدة للقاء ربه، ولكنّ اليهود تولوا عن ربهم، وغيروا معالم دينهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير الحق، ولهذا ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، وقد ضرب الله مثلًا لقسوة قلوبهم بالحجارة، بل ذكر أنّ قلوبهم أشد قسوة من الحجارة؛ لأن الحجارة جزء من هذا الكون المسبح لله، قال تعالى:

стр. 283

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤) ومن المعلوم أنّ الحصى سُمِعَ تسبيحه في يد المصطفى ﷺ ، وأن الجذع حنَّ إليه ﵊. وقال ﵊ في جبل أحد: ((أحد جبل يحبنا ونحبه))، ولذلك ذكر في الآية ما عليه الحجارة من انقياد لأمر الله فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٤) ثم قال مهددًا ومتوعدًا: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٨٥). وهذا مثال آخر لعدم فهم اليهود، يقول فيه ربنا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥) فقد شبههم بالحمار الذي يحمل الكتب من مكان إلى مكان، فهل يدرك الحمار شيئًا مما في هذه الكتب التي على ظهره، وهذا هو حال اليهود، كلفهم الله بالعمل بما في التوراة، وكم في التوراة من هدى ومن نور، فقرءوها وعلموا ما فيها، ولما رأوا أنها تقف في وجه شهواتهم وتمنعهم من أكل الحرام، غيروا فيها وبدلوا وحرفوها وكتموا منها ما يتعارض مع مصالحهم، فلم يستفيدوا منها شيئًا، شأن الحمار الذي يحمل على ظهره الأسفار، وما أشنعه من مَثَل، ولذلك قال تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥). وهذا رجل من اليهود، باع دينه بدنياه، فضرب الله له مثلًا شنيعًا؛ إذ شبهه بالكلب، إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ

стр. 284

تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٤ - ١٧٨). وهذا الرجل كما روي عن ابن مسعود: هو بلعم أو بلعام بن باعوراء، من بني إسرائيل، وقال مالك بن دينار: "كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدّمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه، أي خصص له أرضًا، وأعطاه -أي: مالًا- فتبع دينه وترك دين موسى ﵇". فانظر إلى تعبير القرآن عن ترك بلعام لدينه وأنت تقرأ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: خرج من آيات الله ودينه بالكلية، فتسلّط عليه الشيطان، فكان من الغاوين، يقول ربنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٧٦) أي بهذه الآيات، فلم يخضع لكيد الشيطان، ولم يستطع الشيطان أن يصل إليه؛ لأن الله قال منذ فجر الخليقة: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: ٤٢)، ولكن بلعام أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمال إلى الدنيا والمتاع، ولم ينظر إلى أعلى، إنما انكبَّ على شهواته وأطماعه، فهو متشبث بالأرض، لا يلتفت إلى سواها، وقد شبهه الله بالكلب اللاهث، الذي يندلع لسانه من العطش عند شدة العَدْو أو شدة الحر. يقول الإمام الفخر الرازي: "واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا وأخلد إلى الأرض، كان مشبهًا بأخسّ الحيوانات، وهو الكلب اللاهث".

стр. 285

ثم يذكر الفخر في تقرير هذا التمثيل: "أنّ كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب اللاهث، فإنما يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب على ذلك كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين، أغناه عن التعرض لأوساخ الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ويلقي نفسه فيها، كانت حالته كحال ذلك اللاهث؛ حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة. والأمثال التي ضربها الله للكافرين والمشركين والمنافقين في القرآن كثيرة، ويقابلها الأمثال التي ذكرها الله للمؤمنين والعابدين والطائعين، وهذه الأمثال -كما ذكرنا- أُلِّفت فيها المؤلفات، وتحتاج إلى محاضرات ومحاضرات. أمثلة ضربها الله في القرآن للدنيا ولذلك أكتفي بما ذكرت لأنتقل إلى لون آخر من أمثال القرآن، ولنتخير منها ما جاء من تصوير وتمثيل للدنيا ومتاعها وزينتها وبهجتها وسرعة انقضائها وزوالها، وما يجب أن يكون عليه العقلاء من الناس في عدم الركون إليها، والاغترار بزخارفها، مما سنراه في هذه الصور التي رسمها القرآن لها. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤).
следующие страницы →