← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لا تدري عن عابديها شيئًا، إنها أحجار صماء، صنعها هؤلاء الجاهلون بأيديهم، ثم نصبوها وعبدوها. وهذا مثل آخر لِمَا عليه الكفار من عمى وجهل، يذكره الله تعالى بعدما ذكر حال المشركين في رفضهم لدعوة الحق، لا لشيء إلّا اتباع ما كان عليه آباؤهم، يقول ربنا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠) وكما قال في آبائهم بأنهم لا يعقلون شيئًا، أيّ شيء نافع، ولا يهتدون لطرق السداد والرشاد، قال فيهم: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١). والمثل ينقلك إلى صورة واقعية في مجتمع تقوم فيه الحياة على الرعي، فترى أن القطيع من الأنعام إبلًا أو بقرًا أو غنمًا، يسوقه راعيه بعصاه، ومن في القطيع من هذه الأنعام لا يفهم لغة، إنما يسمع صوتًا يناديه بالسير أو التوقف أو الورود لموضع المياه أو الكلأ، ولكن هذه الأنعام لا تفهم ولا تعقل، والقرآن يأخذ هذه الصورة التي يشاهدها العربي في بيئته، ويراها الناس في كل زمان ومكان، ليشبه بها هؤلاء المشركين في انقيادهم لقادة الكفر والضلال، وأنّ هؤلاء المشركين ينصرفون بتوجيهات هؤلاء القادة دون عقل أو تدبر، انصراف الأنعام السائمة في حركاتها دون فهم أو وعي. وقد روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (البقرة: ١٧٠) الآية. "نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ (البقرة: ١٧٠) ثم ضرب لهم مثلًا لما هم فيه من الغي والضلال والجهل، بالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نَعَق

стр. 282

بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. وفي عدم فهم ووعي اليهود نجد عدة أمثلة، منها ما يدل على قسوة قلوبهم وعدم انصياعها للحق، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٧٤). وهذه الآية تأتي بعد ما ذكر الله من عناد بني إسرائيل ومماحكاتهم في البقرة التي طلب موسى ﵇ منهم أن يذبحوها، وأن يأخذوا منها عضوًا يضربون به رجلًا قتل، ولم يعرف من قتله، وذكر الله أنه حين يُضرَب بهذا العضو سوف تعود له الحياة، ويخبر عمّن قتله، فأخذوا يسألون موسى عن هذه البقرة ومواصفاتها، وبعد جهد وعناء جاءوا ببقرة، وفعلوا ما أمرهم به نبيهم، ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٧٢، ٧٣) ثم يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤). وكان على مَنْ رأى هذه الآية العظيمة على قدرة الله على البعث، أن يزداد إيمانًا، وأن يأخذ العدة للقاء ربه، ولكنّ اليهود تولوا عن ربهم، وغيروا معالم دينهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير الحق، ولهذا ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله، وقد ضرب الله مثلًا لقسوة قلوبهم بالحجارة، بل ذكر أنّ قلوبهم أشد قسوة من الحجارة؛ لأن الحجارة جزء من هذا الكون المسبح لله، قال تعالى:

стр. 283

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤) ومن المعلوم أنّ الحصى سُمِعَ تسبيحه في يد المصطفى ﷺ ، وأن الجذع حنَّ إليه ﵊. وقال ﵊ في جبل أحد: ((أحد جبل يحبنا ونحبه))، ولذلك ذكر في الآية ما عليه الحجارة من انقياد لأمر الله فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٤) ثم قال مهددًا ومتوعدًا: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ٨٥). وهذا مثال آخر لعدم فهم اليهود، يقول فيه ربنا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥) فقد شبههم بالحمار الذي يحمل الكتب من مكان إلى مكان، فهل يدرك الحمار شيئًا مما في هذه الكتب التي على ظهره، وهذا هو حال اليهود، كلفهم الله بالعمل بما في التوراة، وكم في التوراة من هدى ومن نور، فقرءوها وعلموا ما فيها، ولما رأوا أنها تقف في وجه شهواتهم وتمنعهم من أكل الحرام، غيروا فيها وبدلوا وحرفوها وكتموا منها ما يتعارض مع مصالحهم، فلم يستفيدوا منها شيئًا، شأن الحمار الذي يحمل على ظهره الأسفار، وما أشنعه من مَثَل، ولذلك قال تعالى: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥). وهذا رجل من اليهود، باع دينه بدنياه، فضرب الله له مثلًا شنيعًا؛ إذ شبهه بالكلب، إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ

стр. 284

تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ * مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٤ - ١٧٨). وهذا الرجل كما روي عن ابن مسعود: هو بلعم أو بلعام بن باعوراء، من بني إسرائيل، وقال مالك بن دينار: "كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدّمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه، أي خصص له أرضًا، وأعطاه -أي: مالًا- فتبع دينه وترك دين موسى ﵇". فانظر إلى تعبير القرآن عن ترك بلعام لدينه وأنت تقرأ: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي: خرج من آيات الله ودينه بالكلية، فتسلّط عليه الشيطان، فكان من الغاوين، يقول ربنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ (الأعراف: ١٧٦) أي بهذه الآيات، فلم يخضع لكيد الشيطان، ولم يستطع الشيطان أن يصل إليه؛ لأن الله قال منذ فجر الخليقة: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: ٤٢)، ولكن بلعام أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فمال إلى الدنيا والمتاع، ولم ينظر إلى أعلى، إنما انكبَّ على شهواته وأطماعه، فهو متشبث بالأرض، لا يلتفت إلى سواها، وقد شبهه الله بالكلب اللاهث، الذي يندلع لسانه من العطش عند شدة العَدْو أو شدة الحر. يقول الإمام الفخر الرازي: "واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا وأخلد إلى الأرض، كان مشبهًا بأخسّ الحيوانات، وهو الكلب اللاهث".

стр. 285

ثم يذكر الفخر في تقرير هذا التمثيل: "أنّ كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب اللاهث، فإنما يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب على ذلك كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين، أغناه عن التعرض لأوساخ الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا ويلقي نفسه فيها، كانت حالته كحال ذلك اللاهث؛ حيث واظب على العمل الخسيس والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة. والأمثال التي ضربها الله للكافرين والمشركين والمنافقين في القرآن كثيرة، ويقابلها الأمثال التي ذكرها الله للمؤمنين والعابدين والطائعين، وهذه الأمثال -كما ذكرنا- أُلِّفت فيها المؤلفات، وتحتاج إلى محاضرات ومحاضرات. أمثلة ضربها الله في القرآن للدنيا ولذلك أكتفي بما ذكرت لأنتقل إلى لون آخر من أمثال القرآن، ولنتخير منها ما جاء من تصوير وتمثيل للدنيا ومتاعها وزينتها وبهجتها وسرعة انقضائها وزوالها، وما يجب أن يكون عليه العقلاء من الناس في عدم الركون إليها، والاغترار بزخارفها، مما سنراه في هذه الصور التي رسمها القرآن لها. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤).

стр. 286

ففي هذا المثل يشبِّه الله الدنيا وزينتها بالأرض التي هطَلَت عليها أمطار السماء، فأنبتت زرعها وأشجارها وورودها ورياحينها وعشبها، فاكتست الأرض خضرة وبهجة ورواء، وظنّ أصحابها أنهم يستطيعون أن يحصدوا زرعها، وأن يأخذوا ثمرتها، وما علموا أنّ الإله القويّ القادر، الذي جعلها زروعًا مبهجة، وأشجارًا مورقة، ونباتًا وارفًا، قادر على أن يرسل عليها حسبانًا من السماء، وقد فعل ذلك -جل وعلا، فأتاها أمر الله ليلًا أو نهارًا، فجعلها حصيدًا كأن لم تغنَ بالأمس، وإنما فعل ذلك بها بذنوب أهلها، وفي ذلك آيات واضحات بينات لقوم يتفكرون. فمن ظن أنه امتلك الدنيا بمتاعها وزينتها، وأنه أصبح قادرًا على توجيه دفتها، بما أتيح له من مصادر القوة، فظنه خاطئ؛ لأن مقاليد السموات والأرض بيد الإله الذي خلق السموات والأرض، وهذه آيات الله يراها الناس في كل مكانٍ، في زلازل أو براكين أو عواصف، تقضي على الأخضر واليابس، وتقتل وتشرد الآلاف، وتزيل مدنًا وبلادًا من على وجه الأرض، فهل يعقل ذلك الغافلون!. وقريب من ذلك المثل ما تراه في قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ (الكهف: ٤٥) وما تقرؤه في سورة "الحديد" في قول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (الحديد: ٢٠). فالله يأمر رسوله ﷺ أن يضرب للناس مثل الحياة الدنيا، وما مثلها في سرعة زوالها وتقلبها بأهلها، إلّا كمثل الأرض التي نزلت عليها أمطار السماء، فاختلط

стр. 287

بهذا الماء نبات الأرض، فنبت هذا النبات وأورق وازدهر وأينع، ثم انقضت مدته، وآن موعد حصاده، فأصبح هشيمًا تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدرًا. وفي مثل سورة "الحديد" يلفت الله أنظار خلقه ويقول لهم: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (الحديد: ٢٠) فالأمر يحتاج إلى علم القلوب، الذي يعني يقظتها وانتباهها، إلى أن تنظر إلى الدنيا نظرة فاحصة لتعرف حقيقتها، ولو فقه الناس والتفتوا إلى ذلك؛ لعلموا أن الدنيا ساعة وتنقضي، ولحظات وتمر، فعليهم أن ينتبهوا إلى ذلك، وأن يتسابقوا فيما بينهم إلى جنَّة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 288

الدرس: ١٨ منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله .

стр. 289

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثامن عشر (منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله) الحكمة من خلق الإنسان الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فنتناول نماذج من دعوة الرسل ﵈: لو تأملنا في كتاب الله لعلمنا أن الله خلق الإنسان لغاية، هي أن يكون خليفة في الأرض يعمِّرها وفق منهج الله، فخلق لذلك آدم ﵇ وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة، وأسكنه جنته، وخلق له من ضلعه الأيسر رفيقة دربه وهي حواء، وبعد التجربة التي تمت لآدم وحواء في الجنة هبطا إلى الأرض، وكان هناك إبليس، الذي عصى ربه فلم يسجد لآدم، وقال في تعليل عدم سجوده: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢) قال ربنا: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: ١٣ - ١٨). وبدأت قصة الحياة على وجه الأرض بآدم وحواء وإبليس، في قصة صراع بين الخير والشر، والحق والباطل، وقانونها ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (طه:١٢٣: ١٢٧). واقرءوا قصة الخلق الأول في "البقرة" و"الأعراف" و"طه" و"ص"، واقرءوا إشارات تحذيرية من الشيطان وكيده في "النساء" و"الإسراء" و"الكهف"، وآدم أوّل نبي في هذه الأرض، جاء ومعه منهج ربه، فربَّى على هذا المنهج أبناءه

стр. 290

وأحفاده، وإلا فمن الذي علم ابني آدم تقديم القرابين لله، ومتى يكون القربان مقبولًا ومتى يكون غير متقبل، ومن الذي علّمهما أن القتل حرام، وأن هناك نارًا يدخلها من قتل بغير حق، إلى غير ذلك مما تراه، وأنت تقرأ الآيات في سورة "المائدة" في قوله عز من قائل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧) إلى أن يقول: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ (المائدة: ٣١). ومع مرور الزمن يخبو ضوء الرسالة التي أرسل الله بها رسوله، وتنحرف القافلة عن الطريق، وينسى الناس ربهم، ويعبدون غير خالقهم ورازقهم، فيرسل الله إليهم رسولًا آخر يردهم إلى الله ويذكرهم به، ويحمل هذا الرسول معه كتابًا فيه منهج حياة، يتناسب مع ظروفهم وأحوالهم، وهكذا تواصلت الرسالات، كلما ذهب رسول أرسل الله رسولًا، ولذلك قال تعالى في سورة "المؤمنون"، بعد أن ذكر نوحًا وهودًا قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: ٤٤) ثم ذكر موسى وعيسى ﵉. وقد ذكر الله في القرآن من هؤلاء الرسل خمسًا وعشرين رسولًا، مع أن المرسلين أكثر من ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا

стр. 291

حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٦٣ - ١٦٥)، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (غافر: ٧٨). وكان كل رسول قبل محمد ﷺ يرسَلُ إلى قومه خاصة، ولهذا أرسل الله أكثر من رسول في زمن واحد، كما ترى ذلك في إرسال إبراهيم ولوط ﵉، وفي إرسال يعقوب ويوسف وهو ابن يعقوب، وكلاهما نبي مرسَل، وزكريا ويحيى وعيسى ﵈، كما أن كل رسول يرسَل كان يرسل لفترة من الزمان، فتبقى رسالته من بعده إلى أن يعتريها التبديل والتحريف؛ حينذاك يرسل الله رسولًا آخر؛ لأن الله برحمته لا يترك الناس حيارى يتخبطون في متاهات الباطل، فلما وصلت الإنسانية إلى مرحلة كانت بحاجة إلى رسالة جامعة باقية، اختار الله من خلقه رجلًا رباه وصنعه صناعة إلهية، ذلكم الرجل هو محمد بن عبد الله ﷺ . ولعله لا يخفى عليكم كيف ربى الله محمدًا واختاره جامعًا لصفات الكمالات البشرية التي وهبه إياها، فأرسله للناس كافة وجعله خاتمًا لرسل الله، وجعل معجزته التي تثبت نبوته قرآنًا يتلى، وتولى بنفسه حفظ هذا القرآن، فلم تستطع قوة في الأرض عبر القرون أن تغير فيه حرفًا، ونقشه حروفًا على صفحات القلوب، فلم يصل إليه أحد من الحاقدين والحاسدين والماكرين ليطمس حرفًا من حروفه أو كلمة من كلماته. وبقي القرآن نورًا يضيء للناس الطريق، وسوف يبقى كذلك ما بقيت الحياة، وآيات القرآن التي توضح ذلك كثيرة في كتاب الله، ومما يلفت النظر في هذه الآيات أنها آيات مكيّة، مما يعني أن عالمية الرسالة لم تكن كما يدّعي آيات الإسلام وليدة التطور التاريخي للدعوة، وأن محمدًا انتقل بالدعوة من السرية

стр. 292

إلى الجهرية، إلى دعوة أهل مكة، إلى الوافدين إلى مكة، إلى أن هاجر وحارب وانتصر، وأخذ يراسل الأمراء والملوك، فظن أنه مرسل إلى الناس كافة، وادّعى أنه آخر رسول أرسل إلى الناس، ولكن الله قال له منذ فجر الرسالة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨) وهذه كلها آيات مكية. وقال له في "الأحزاب": ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠). وسورة "الأحزاب" سورة مدنية، جاءت هذه الآية فيها تقرّر هذه الحقيقة، حقيقة أن محمدًا خاتم النبيين، فجمعت رسالته ما جاء به المرسلون الذين سبقوه، وزادت عليها تأصيلًا للقواعد التي تصلِح كل زمان ومكان. وجميع الأنبياء جاءوا يدعون إلى توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، كما اتفقوا في الدعوة إلى مكارم الأخلاق، من الصدق والوفاء وحب الخير والعمل الصالح، وما إلى ذلك من الأخلاق الكريمة، وفي جانب التشريعات أتى كل نبي بما يتناسب مع حال قومه، وفي جانب العبادات اتفقوا في أصولها من الصلاة والصيام والزكاة، وإنِ اختلفت كيفياتها، مما يؤدي إلى أدائها في يسر حسب قدرات كل أمة، وبالإيمان الصادق بالله، وما يقوم على هذا الإيمان من بناء أخلاقي وعبادات تربط العبد بربه، ومن معاملات قائمة على هدي الله، يحيا الإنسان في طريق مرسوم مضيء بنور الوحي، يعرف المؤمن علاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بمجتمعه، وفق منهج لا يضل ولا تخالطه الأهواء؛ لأنه منهج الإله الذي خلق الخلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير.

стр. 293

مسلك الأنبياء في تبليغ رسالة ربهم فكيف سلك الأنبياء الطريق حتى بلّغوا رسالة ربهم، ووصلوا إلى قلوب وعقول الحائرين في متاهات الباطل، فدلوهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة، بيان هذا الطريق والحديث عن هذا المنهج يحتاج أن نقف على كل ما أتى به الأنبياء في دعوتهم للناس؛ لنرى كيف استطاعوا إقناع أممهم بالانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن سوء الأخلاق إلى محاسنها، وكيف رغّبوهم في عبادة ربهم بالصلاة والصيام والزكاة وألوان الأذكار، وكيف جعلوهم يأخذون بشريعة الله في حياتهم، وهذا يعني الإشارة إلى ما جاء في كتاب الله في ذلك كله، وهذا أمر يصعب تحقيقه، لما يحتاج إليه من الوقت، ونحن نريد أن نقف على كيف نجح الرسل في تبليغ رسالة ربهم، فيكفينا في ذلك أن نشير إلى الأدلة أو إلى بعضها، ولا نفصّل في ذلك إلّا بما يقتضيه المقام. وبداية الطريق أن العقائد وما يترتّب عليها من أعمال لا تأتي بالإكراه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦) وأن الإقناع ينبع من قوة الحجة ونصاعة البرهان، يحمل ذلك إلى الناس رجلٌ له من المؤهلات ما يجعله مَحَلّ القبول، وقد كان الرسل ﵈ على أعظم ما يكون الإنسان خلقًا وخلقًا، فهم من أشراف قومهم، ليس بواحد منهم عيب منفر ولا خلق سيء، إنما هم أكمل الناس أدبًا وأمانة وصدقًا وإخلاصًا، ولذلك جاء كل رسول يقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (الشعراء: ١٠٧)، ذكر الله بعض من قال ذلك في سورة "الشعراء"، وفي "الأعراف"، وفي "الدخان"، ولذلك كان أهل مكة يلقِّبون رسول الله ﷺ قبل البعثة بالصادق الأمين.

стр. 294

فلنتأمّل كيف تمَّ غرس شجرة التوحيد في وجدان وقلب من لا يدينون بدين وهم الملحدون، ومن يعبدون الأصنام والأوثان والكواكب والمخلوقات الأخرى، في تاريخ الدنيا نبت نبات خبيث هو الإلحاد، ومعناه: إنكار وجود إله خالق لهذا الوجود، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) كما كان هناك فريق آخر اعترف بالله خالقًا رازقًا يحيي ويميت، ولكن هذا الفريق صرف عبادته وطاعته لأصنام أو أوثان أو أحجار أو ما إلى ذلك، وادّعى أن هذه المعبودات وسائط تقربه إلى الله زلفى، فمع أنه وحَّد الله في ربوبيته، إلا أنه أشرك به في ألوهيته وفي أسمائه وصفاته. فكيف اقتلع الأنبياء بذرة هذا الإلحاد وذلك الشرك؟: حين ذكر الله هؤلاء الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر قال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) فبيّن أنهم جهلة لا يدركون حقائق الأشياء، ولا ما يقتضيه النظر الصحيح، من أنه لا بد للخلق من خالق، وللسبب من مسبِّب، وللوجود من موجِد، وأن هذا الكون بما فيه من إحكام وإتقان، بل كل ذرة فيه تحمل من عجائب الخلق ما لا تحيط به العبارات، وكل ذلك يدل على إله متّصف بصفات الكمال والجلال، والمقام لا يتسع لذكر ما قال العلماء في الرد على من قال بأنّ هذا الكون قد وُجِد بالصدفة، فنكتفي ببعض ما ذكره العلامة "نيوتن" أعظم علماء الطبيعيات، يقول: "لا تشكوا في الخالق؛ لأنه مما لا يعقل أن تكون الضرورة وحدها هي قائدة الوجود؛ لأن ضرورة عمياء متجانسة في كل مكان وزمان؛ لا يتصور أن يصدر منها هذا التنوع في الكائنات، ولا هذا الوجود كله بما فيه من ترتيب أجزائه وتناسبها مع

стр. 295

تغيرات الأزمنة والأمكنة، بل إن هذا كله لا يعقل أن يصدر إلّا من كائن أزلي له حكمة وإرادة". ويقول: "إن من المحقق أن الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من فعل الجاذبية العامة؛ لأن هذه القوى تدفع الكواكب نحو الشمس، فيجب لكي تدور هذه الكواكب حول الشمس أن توجَد يد إلهية تدفعها على الخط المماس لمداراتها". ويقول: "يجب وجود سبب عرف هذه المواد، وقارن بين كميات المادة الموجودة في الأجرام السماوية المختلفة، وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الخارقة، وقدّر المسافات المختلفة، وأدرك ما يجب أن يصدر منها من القوة الخارقة، وقدّر المسافات المختلفة بين الكواكب والشمس، وبين توابعها، وقدّر السرعة التي يمكن أن تدور بها هذه الكواكب وتوابعها حول أجسام تصلح أن تكون مركزًا لها". ويقول: "كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة، ولأيّ المقاصد وضعت أجزاؤها المختلفة، وهل يعقل أن تصنع العين الباصرة بدون علم بأصول الإبصار ونواميسه، والأذن بدون إلمامٍ بقوانين الصوت، كيف يحدث أن حركات الحيوانات تتجدّد بإرادتها، ومن أين جاء هذا الإلهام الفطري في نفوس الحيوانات، فهذه الكائنات كلها في قيامها على أبدع الأشكال وأكملها، ألَا تدل على وجود إله منزَّه عن الجسمانية، حيّ حكيم، موجود في كل مكان، يرى حقيقة كل شيء في ذاته، ويدرك أكمل إدراك". هذا بعض ما قاله هؤلاء العلماء، وآيات القرآن وهي تعرض عجيب صنع الله في خلقه، إنما ترشد هؤلاء الحيارى الذين يعيشون في الأوهام، إلى أنّ من صنع ذلك لا بد أن يكون إلهًا موجودًا،

стр. 296

فكيف تنكره العقول، ومن هذه الآيات الكثيرة ما تقرؤه في سورة "الأنعام"، من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: ٩٥ - ٩٧)، إلى أن يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: ١٠٢، ١٠٣). وإذا كان الإلحاد قد انحصر في أفراد قلائل في البيئة العربية التي نزل فيها القرآن، فإن الشرك بالله كان عقيد سائدة في العرب وفي غير العرب، على اختلاف المعبودات التي كانت تعبد في أنحاء الأرض، وقد سلك الرسل كل الطرق لنزع هذه الجرثومة من الفطرة الإنسانية، ولردِّ الناس إلى طريق الرشاد، وخلاصة هذا المنهج الذي سلكوه: الانتقال من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية وتوحيد الإله في أسمائه وصفاته، وفي بيان ما عليه معبوداتهم من الضعف والعجز، مما لا يمكن إنكاره، وقد أتى كل رسول يأمر قومه بعبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥). وأنت تقرأ في "الأعراف" كلمة يذكرها نوح وهود وصالح وشعيب، هي قول كل منهم: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (المؤمنون: ٢٣) وهي كلمة قالها كل نبي لقومه، وجاء بها محمد ﷺ وذكر الله له فيما أوحاه إليه أدلة إثباتها، بعد أن ذكَّر بأن محمدًا في هذا يكمل مسيرة المرسَلين من قبله، في دعوة الإنسانية إلى عبادة الله الواحد الأحد.

стр. 297

وفي ذلك تقرأ الآيات التي تأخذ من المشركين اعترافهم بالله خالقًا ورازقًا، تسبّح له السموات السبع والأرض ومن فيهن، وبيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، لتعيب على هؤلاء المشركين انصرافهم عن عبادة هذا الإله إلى غيره من آلهة لا تضر ولا تنفع، اقرءوا في ذلك ما ذكره الله في سورة يونس، من قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ (يونس: ٣١، ٣٢) وما بعدها من آيات. واقرءوا في سورة "المؤمنون" بعد أن بيّن ربنا وذكر بما لا خلاف عليه من أنه هو الذي أنشأ لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأنه هو الذي أوجدهم في هذه الأرض، وأنه هو الذي يحيي ويميت، وله اختلاف الليل والنهار، وفي كلِّ أمر من هذه الأمور يعقِّب بما يدعوهم إلى شكره والخوف منه، والتدبر في آياته، يقول لهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (المؤمنون: ٨٤ - ٩٠). ثم يثبت وحدانيته بأجلى برهان فيقول: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١، ٩٢). واقرءوا في سورة "النمل" قول الله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

стр. 298

فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٥٩ - ٦٤). اقرءوا هذه الآيات لتروا كيف ينتقل الحق بهم في أسلوب لا يحتمل الجدال، من تسليمهم بما ذكر في كل آية ليسألهم سؤال تقرير وإنكار: أإله مع الله، أإله مع الله، ولو كانوا يريدون البحث عن الحق لما توقفوا ولقالوا: لا إله إلا الله، كما قالوا: لا رب إلا الله، إلى غير ذلك من الآيات التي تأخذ بأيديهم من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية، والتي تستتبع توحيد هذا الإله في أسمائه وصفاته. وهذا الإله الواحد الأحد المتّصف بصفات الجلال والكمال، لم يخلق الناس عبثًا، إنما خلقهم لعبادته، ويترتب على ذلك رجوعهم إليه ليحاسبهم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٧، ٨)، وقد استبعد الكفار من الملحدين والمشركين ذلك، وقال الملحدون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلّا الدهر، بل إن المشركين قالوا ذلك أيضًا، وقالوا: هذا شيء عجيب، أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (النمل:٦٧، ٦٨) فوقفوا بهذا الاعتقاد على عتبة الحياة الدنيا، وظنوا أن الحياة

стр. 299

تنتهي بالموت، وأنهم إذا ماتوا فلا شيء وراء ذلك، فكيف استطاع رسل الله أن يقتلعوا هذه العقيدة الفاسدة من قلوب وعقول هؤلاء الضالين. في القرآن ترى أنّ الله يبين أنه لم يخلق خلقه عبثًا ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥) وليس من الحكمة أن يخلق الله الخلق، وبمجرد أن تنتهي حياتهم في هذه الدنيا ويموتون، ينتهي كل شيء، فلا حساب ولا جزاء؛ إذ كيف يكون الموت نهاية قصة الإنسان على هذه الأرض، وهناك الظالم والمظلوم، والكافر والمؤمن، والطائع والعاصي، وهناك التفاوت في حظوظ هذه الدنيا وفي عطاءات الله لخلقه، هناك من يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، تستقبله نعم الله وأفضاله فيحيى منعّمًا، وآخر وُلِد على فراش الجوع والمسغبة، بل ربما ولد لا يعرف له أبًا ولا أمًا، وهناك من رزقه الله الصحة والعافية والأبناء الأصحاء، وآخر حُرِم من ذلك، والكل يموت، فهل في عدل الله أن يترك هؤلاء جميعًا لا يحاسبهم بعد أن يغادروا هذه الحياة الدنيا. لقد بدأ علاج هذا الاعتقاد الخاطئ بسؤال الكافرين عمّن خلقهم، وعمّن خلق السموات والأرض، وهم لا ينكرون بأن الله هو الخالق وهو الرازق، يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (العنكبوت: ٦١) ويقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (العنكبوت: ٦٣)، وقال في "لقمان" و"الزمر": ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان: ٢٥)، وقال في "الزخرف": ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (الزخرف: ٩)، وفيها: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزخرف: ٨٧)، ويعقب على هذه الآيات بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (الزخرف: ٨٧)، أو ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٣)، أو ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (لقمان: ٢٥).

стр. 300

وما داموا قد سلموا بأن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي خلق السماوات والأرض، فلا بد أن يسلموا بأنه إنما خلقهم لغاية، هي أن يؤدّوا حق استخلافهم في أرضه وفق ما أوحى لأنبيائه، وبعد انقضاء مدة بقائهم في الدنيا ينتقلون للآخرة للحساب والجزاء، وهذا هو ما يعبَّر عنه في القرآن بالرجوع إلى الله وبلقاء الله، وإذا كان العقل يسلِّم بهذه الحقيقة، ويقول بأنه لا بد من البعث والحساب، فإن القرآن أفاض في بيان ذلك حتى لم يبق حجة لأحد، ولا عذرًا لمعتذر، وهذه بعض أدلته يسوقها سهلة تختلط بالعقل والمشاعر، وتشع نورًا يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم. اقرءوا بعض ما ذكره الله في سورة "الروم" من قوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم: ١١)، وما بعدها من بيان حال المجرمين والكافرين والمكذبين بآيات الله ولقائه، وحال المؤمنين الذين عملوا الصالحات، وتأمّلوا في إثبات ذلك قوله في السورة: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ١٩ - ٢١) إلى أن يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (الروم: ٢٥) إلى أن يقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم: ٢٧)، وليس هناك كما تعلمون بالنسبة لقدرة الله هيّن وأهون، فأمره بين الكاف والنون ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢) ولذلك قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧). وتتواصل أدلة القرآن في السورة سورة "الروم"، فترى منها قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: ٤٠)، وإذا كان المشركون لا يمارون

стр. 301

في الثلاثة الأولى: الخلق والرزق والإماتة، فلا بد لهم أن يسلّموا بالأمر الرابع وهو إحياؤهم بعد الموت للحساب والجزاء، كما تلمح في قوله في السورة: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الروم: ٥٠) فقد أخذ من هذه الصورة التي يرونها بين أيديهم، في أرض خالية من النبات، سماها بالأرض الميتة، وضعت فيها البذور ونزلت عليها أمطار السماء، أو سقيت بماء الأنهار أو العيون، وهو في أصله ماء السماء، فإذا بهذه الأرض ترفّ خضرة وبهجة ورواءً، ثم حان موعد حصادها فحصدت، فمن الذي أحياها بعد موتها ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة: ٦٤)، فمن فعل ذلك هو الإله القادر على أن يحيي الموتى، ويهدّد رب العزة والجلال المنكرين لهذه الحقيقة فيقول: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (الروم: ٥٥ - ٥٧). وقريب من ذلك ما تقرءونه في سورة "ق"، بعد أن ذكر الله استبعاد المشركين للبعث، بحجة أن أجسادهم تفرقت في ذرّات التراب، فكيف تجمع وتعود إليها الحياة، فرد عليهم الإله القوي القادر بقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ (ق: ٤) ثم أخذ يسائلهم ويتعجب من غفلتهم فيقول: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (ق: ٦ - ١١).

стр. 302

وفي الآيات التي تتحدث عن مشاهد يوم القيامة، وما يكون فيه من فوز المؤمنين وخسارة الكافرين، وما فيه من تأنيب للكافرين لجهلهم ونسيانهم لربهم وعنادهم، وما يكون هناك من تلاوم بين المستكبرين والمستضعفين، في ذلك كله إثبات ليوم البعث والحشر والحساب والجزاء واليوم الآخر، وهو منهج إلهي ذكره الله في كتابه وتلاه رسول الله ﷺ على أسماع الناس، واستمرّ يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، وعلّمه للمسلمين فكان منهجهم في الدعوة إلى الله، كما كان منهج رسولهم، وفي تكرار الآيات بما فيها من روعة البيان الذي أعجز الفصحاء والبلغاء ما يفتح الطريق للقلوب لتستجيب لهذا النداء. وإذا نجح الرسل في إقناع الناس بأنّ الله هو الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وإذا استطاعوا أن يفتحوا الطريق للإيمان بما يتبع ذلك من الإيمان بأن الله له ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وأنه أرسل رسلًا وأنزل عليهم كتبًا فيها هدى ونور، وأن هناك بعد هذه الحياة حياة أخرى يجزى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، إذا نجح الرسل في ذلك انتقلوا بالمؤمنين إلى آفاق رحيبة، في خطة تشمل عدة جوانب، جانب البناء الأخلاقي، وجانب التعبد للإله الذي آمنوا به، وجانب التعامل مع الآخرين، إلى جوانب أخرى في العلاقات الاقتصادية والسياسية والإنسانية والدولية، وكل ذلك وفق منهج مرسوم واضح السمات والقسمات والأبعاد، لا يضل ولا يختلط بغيره، في بيان جليّ، من أخذ به سعد وأجر، ومن تركه متجبرًا متكبرًا، يظن أنه يستطيع أن يرسم حياته بنفسه وأن يخطط لوجوده في هذه الأرض بعيدًا عن وحي السماء، من فعل ذلك قصمه الله كما جاء ذلك في حديث رسول الله ﷺ . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 303

الدرس: ١٩ أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته .

стр. 304

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المحاضرة التاسعة عشرة (أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته) أهم صفات الداعية حمدًا لله وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد: فالدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء وأتباعهم، والمصلحين في كل زمان ومكان، وموضوعنا الذي سنتحدث فيه: أوصاف الداعية في القرآن ومسلكه في دعوته، فكيف تتم الإحاطة بعناصر هذا الموضوع وفق منهج التفسير الموضوعي؟: أول هذه الصفات هو شخصية الداعية، في أن يكون سليم الجسد مكتمل الأعضاء، قوي البنية، نرى هذا فيما كان من أمر طالوت، الذي بعثه الله ملكًا لبني إسرائيل، يقول لهم: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧) فكانت لطالوت القيادة الناجحة، والنصر المؤزّر. وهذا موسى ﵇ يذكر الله ما كان منه من قوة جعلته يضرب أحد أعدائه ضربة قضت عليه، يقول ربنا: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (القصص: ١٤ - ١٦). وبهذه القوة تمكن من الحصول على الماء الذي سقى به أنعام ابنتي شعيب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ

стр. 305

وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا * فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٦). وهذا داود ﵇ يعمل حدادًا، ونوح من قبله كان نجّارًا ماهرًا، يصنع الفلك التي ركبها هو ومن آمن معه، وحمل فيها من كل زوجين اثنين، ولما كان الطوفان كانت تجري بهم في موج كالجبال، وهناك من الأنبياء كنبينا محمد ﷺ مَن كان يعمل في رعي الغنم، وهي أعمال -كما ترون- تحتاج إلى بنية قوية وجسد سليم، وما حدث لأيوب ﵇ من بلاء، إنما كان لفترة ثم عادت إليه صحته وماله وولده، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٣، ٨٤). وهذا رسول الله ﷺ كان بهي الطلعة جميل المنظر، يقول الإمام الغزالي: "كان ﷺ أحسن الناس وجهًا وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبهه بالقمر ليلة البدر، وكان يُرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق ﵁؛ حيث يقول: أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام وثاني هذه الصفات في الداعية: طلاقة اللسان ورجاحة العقل وسعة الأفق، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (إبراهيم: ٤)، ولما اختار الله موسى رسولًا وقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ

стр. 306

اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه: ٢٤ - ٣٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي * فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء: ١٠ - ١٥). وكان رسول الله محمد ﷺ أفصح العرب، وقد أوتي جوامع الكلم، مع أنه لم يجلس لمعلم، إنما علمه ربه، كما قال -جلّ وعلا-: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: ١١٣) ومن يقرأ في كتاب الله جدال الأنبياء للمعاندين لهم والمكذبين برسالتهم، يرى كيف كان هؤلاء الأنبياء أعلى الناس قدرًا في قوة حجتهم وحسن منطقهم، وسعة مداركهم، والمقام لا يتسع لعرض ألوان من هذه المجادلات، وما فيها من دروس نافعة للدعاة، ولكلِّ نبي صولات وجولات مع قومه، حتى أفحموا الخصوم، ولم يبق لدى هؤلاء إلّا اللجاج والعناد. فأنت تقرأ على سبيل المثال ما كان من حوار وجدال بين إبراهيم ﵇ والنمروذ، وما صار إليه أمر هذا المعاند المكابر، وأنه لم يستطع أن يحير جوابًا، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨)، كما نقرأ ما ذكره الله من أدلة ساقها إبراهيم لعبدة الكواكب، إلى أن ختمت الآيات بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ٨٣) وما إلى ذلك مما ربما نذكره حين نتحدث عن إبراهيم ﵇.

стр. 307

وقد بلغ رسول الله محمد ﷺ في ذلك القمة العالية، يستمع إلى خصومه في أدبٍ، ويرد عليهم بما يقنعهم، ويلقي بدعوته إلى الناس نورًا يضيء لهم الطريق، في عبارات سهلة وأدلة باهرة وحجج واضحة، وابتدأ ذلك من أول دعوته إلى آخرها، في خطبه العامة، ومجالسه الخاصة، وحديثه إلى أصحابه وإلى غيرهم، فأقنع العقول وروى الأرواح والأفئدة، وهذا مثال لحكمته وسعة أفقه في دعوته، نذكره من قصة عتبة بن ربيعة. قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: "حدِّثت أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا- قال يومًا وهو جالس في ناد قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده، يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلّمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السبطة في العشيرة -أي من المكانة والمنزلة- والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ : ((قلْ -يا أبا الوليد- أسمعْ)) قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذه الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا -أي: جعلناك سيدًا علينا- حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رأيًّا -أي من الجن- تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب

стр. 308

وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع -أي: من الجن- على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: ((أقد فرغت يا أبا الوليد؟!)) قال: نعم، قال: ((فاسمع مني)) قال: أفعل. فقال: ((بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (فصلت: ١ - ٥). ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: ((قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)). قام عتبة -كما يقول ابن إسحاق- إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كوفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم". ولو تتبعنا مسيرة دعوته ﷺ ؛ لرأينا داعية إلى الحق من طراز فريد؛ لما أوتي من محاسن الأخلاق وقوة البيان وصدق الحديث وسعة الصدر، ولذلك لم يرفض دعوته إلّا مكابر وحاقد حاسد.

стр. 309

يقول الإمام الغزالي -بعد أن ذكر جملة من أخلاقه ﷺ قال: "فأعظم بغباوة من ينظروا في أحواله، ثم في أقواله، ثم في أفعاله، ثم في أخلاقه، ثم في معجزاته، ثم في استمرار شرعه إلى الآن، ثم في انتشاره في أقطار العالم، ثم في إذعان ملوك الأرض له في عصره وبعد عصره، مع ضعفه ويتمه، ثم يتمارى بعد ذلك في صدقه، وما أعظم توفيق من آمن به وصدّقه، واتبعه في كل ما ورد وصدر، فنسأل الله تعالى للاقتداء به في الأخلاق والأفعال والأحوال والأقوال بمنه وسعة جوده". ومن صفات الداعية: الإيمان بما يدعو إليه، وكلما توثّقت عرى الإيمان في قلبه ومشاعره، كلما كان أقدر على تبليغ دعوته، ولذلك قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥) وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣). فرسول الله ﷺ هو أول المسلمين وأول العابدين، والمؤمنون على طريق رسولهم، الإيمان الكامل والفاعل شعار لهم ودثار، ومنهج وسلوك ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (البقرة: ٢٨٥) يعلنون في وضوح أنّ إيمانهم برسل الله إيمانٌ جامع ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، ويخبر الله عنهم شهادة لهم، وإعلاء لقدرهم فيقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥)، وهكذا كل الرسل، وهكذا أتباع الرسل عبر مراحل التاريخ، وما نجح الرسل في دعوتهم، وما بذل أتباعهم ما بذلوا، إلّا لأنّهم آمنوا هذا الإيمان بالحق الذي معهم، فهم أصحاب قضية يدعون إليها ويدافعون عنها.

стр. 310

وآفة كثير ممن يتعرّضون للدعوة، أنهم لم يشعروا بأنهم أصحاب قضية وأنهم مكلفون بالدفاع عنها، إنما هي هذه مهنة ووظيفة يتقاضون عليها راتبًا، فإذا وقف الخطيب يتحدث للناس، لا يدري ماذا يقول لهم، فاختار موضوعًا لا يعالج مشكلة ولا يثير اهتمامًا، وحين عرضه لم يحسن أداءه لا في نطقه، فكثرت أخطاؤه، ولا في استشهاده بكتاب الله وسنة رسوله، وربما لا يعرف موقع الآية مما يقول، بل ربما لا ينطقها ولا يتلوها تلاوة صحيحة، وإذا ذكر حديثًا من أحاديث رسول الله ﷺ لا يضبط نطقه، ولا يدري درجته من الصحة، فربما جاء بحديث ضعيف أو موضوع أو قصة من نسج الخيال، ينسبها إلى رسول الله ﷺ وهو لا يدري، وما ذلك إلّا لأنه خارج الحلبة، يفقد عنصر الإيمان بما يقول. وهذا الإيمان -كما تعلمون- لا يأتي بين يوم وليلة، إنما يحتاج إلى تربية خاصة بالدعاة، تربية علمية وتربية عملية على طاعة الله والتعلق به، وحب القرآن والعلم به، والاقتداء برسول الله ﷺ ، والسير على منهاجه. ومن صفات الداعية: الإلمام الواسع بعلوم الكتاب والسنة، وما يعينه على فهم مجتمعه والمجتمعات الأخرى، وهذا معناه: أن يكون ضليعًا في علوم اللغة العربية نحوًا وصرفًا وبلاغة، وأسوأ ما تراه في بعض الدعاة أخطاؤهم التي لا تخفى على الطلاب المبتدئين، فترى الواحد منهم يجعل الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا، فلا يعرف أبسط قواعد الإعراب، وإلمامه باللغة يجعله دارسًا للأدب العربي شعره ونثره، وما يتبع ذلك من ألوان الحكم والمواعظ والأمثال والقصص. ثم عليه أن يتبحر في التفسير وعلومه، والحديث ومصطلحه ورجاله، وعلم الدعوة وفنّه وأسلوبه، والتوحيد وقضاياه، والسيرة النبوية وتاريخ الخلفاء ومن بعدهم، كما يعينه على ذلك أيضًا أن يدرس علم الاجتماع والجغرافيا ومبادئ العلوم الطبية والفيزيائية، إلى غير ذلك من العلوم.

стр. 311

وقد كانت الدراسة الأزهرية قبل التطوير قائمة على هذا المنهج، وكانت دراسة تمتد لأربع سنوات في المرحلة الإعدادية، وخمس سنوات في المرحلة الثانوية، ولا يلتحق الطالب بالمرحلة الإعدادية إلّا إذا كان حافظًا للقرآن حفظًا جيدًا، وكانت العناية خلال هذه السنوات متجهة إلى إكساب الطلاب مهارة خاصّة في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، بالإضافة إلى الإلمام بالرياضيات والكيمياء والفيزياء، فنبغ من هؤلاء الطلاب، وهم ما زالوا في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي ممن لا نجهل أسماؤهم من شيوخنا وزملائنا. وللقرآن عناية خاصة بهذا الجانب؛ حيث نجد الكثير من آياته تعلي من قدر العلم والعلماء، وهذه أول الآيات نزولًا تقول: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١ - ٥) والقرآن يقسم بالقلم وما يسطره، وتسمى السورة بسورة "القلم" فيقول ربنا: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (القلم: ١) وقد ذكرت كلمة أو قل: مادة العلم في القرآن مئات المرات، مما يحتاج إلى إفرادها ببحث في التفسير الموضوعي وليكن عنوانه: العلم في القرآن الكريم. ولكننا هنا نبحث عن صفات الداعية في القرآن الكريم، والعلم هو الركيزة التي يقوم عليها بناء الدعوة، وهو السلاح الذي يخوض به الدعاة معركة الأفكار والمعتقدات والملل والنحل والمذاهب، ليثبتوا عظمة ما يدعون إليه، فتصل كلماتهم إلى القلوب، فتضيء للناس الطريق، وإذا كان الله قد قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦) وقال: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩)، فإن الله يعلم أن الدين لا يأتي بالإكراه، والمكره على اعتقاد شيء قد يتظاهر بالإيمان به، لكنه من داخله غير

стр. 312

مقتنع به، فإن وجد فرصة للانقضاض على من أكرهه لم يضيعها، ولهذا لم يذكر التاريخ أن الإسلام حين فتح بلدًا في أرض الله أكره أبناءها على الدخول فيه، إنما وجه دعوته وانطلق المسلمون في أدب وعلم ووقار وحب ورحمة وعدل، يدعون الناس إلى دينهم، فدخلت شعوب الأرض في دين الحق طواعية واختيارًا، بل وحملت بعد إسلامها رايته، وجاهدت لإعلاء كلمته واستنارت بنوره. كما أن الداعية يلزمه أن يكون قويّ الثقة بربه، وهذه الصفة وثيقة الصلة بالإيمان، وكلما ربا الإيمان في القلب كلما ازداد الداعية ثقة بربه، فلا يرجو من أحد دنيا يصيبها، ولا يخاف نقص رزق أو نقص أجل، وإذا كان من شأن المؤمن أنه يؤمن بأن الرزق والأجل مردّهما إلى الله، فإن الداعية أحوج ما يكون إلى تفعيل ذلك في نفسه ووجدانه، فهو خير من يعلم ويؤمن بقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الزمر: ٤٢)، وبقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المنافقون: ١١) وبقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (النساء: ٧٨). ويثق كل الثقة في قول رسول الله ﷺ والذي فيه: ((أن الجنين إذا ما أتم أربعة أشهر أرسل الله له الملك، وأمره أن ينفخ فيه الروح، وأن يكتب أربع كلمات: رزقه وأجله وعمله وشقيًّا أو سعيدًا))، والناس من خلال قدر الله تعمل، وكل ميسر لما خلق له، وقال ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))، وإحساس الداعية بذلك يكسبه ثقة عظيمة في ربه، فيكتسب بذلك صفة أخرى وهي العزة، والله

стр. 313

يقول في الرد على المنافقين: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (النساء:١٣٨، ١٣٩) ويقول ربنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: ٨)، وقال في سورة "فاطر": ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: ١٠). والمؤمنون أرادوا هذه العزة، فطلبوها من العزيز الحكيم فمنحهم إياها، فعزتهم مستمدة من عزة الله وعزة رسوله، والدعاة في قمة من أراد ذلك، فلم يذلوا أمام مال أو جاه، ولم يبيعوا دينهم بعرض من أعراض الدنيا، ولم ينافقوا صاحب سلطان، ولم يتوانوا في تبليغ رسالة ربهم، ولم يستطع متجبّر أو متكبر أن يحول بينهم وبين الناس بترغيبهم أو بترهيبهم، وليست عزتهم كبرًا وتعاليًا على الآخرين، إنما عزتهم كرامة وترفُّع عن الدنايا، وإحساس بما أنعم الله به عليهم من نعمة الإيمان والقرآن، وأنهم ورثة الأنبياء ودعاة الحق، وعزتهم شجاعة في ثبات في المواقف، وكم للدعاة والعلماء من مواقف تكتب بمداد من نور أمام الولاة والحكام والملوك والرؤساء. وهذه العزة والشجاعة يزينها صفة أخرى وهي صفة التواضع وصفة الرحمة، وبهذه الصفات يقترب الداعية من قلوب الناس، فيحظى بمحبتهم، فيوجههم إلى ما يدعو إليه من الخير، وقدوته في ذلك رسول الله ﷺ فقد قال الله له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (الشعراء: ٢١٤ - ٢١٦). وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه، فلا يكاد يعرف من بينهم، ودخل عليه رجل فأرعد من هيبته فقال له: ((هوّن عليك، فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد))، وكان لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلّا قال:

стр. 314

لبيك، وكان يجلس مع الناس، إن تكلموا في معنى الآخرة تكلم معهم، وإن تحدثوا في طعام أو شراب تحدث معهم، وإن تكلموا في الدنيا تحدث معهم رفقًا بهم وتواضعًا لهم. ومن توجيهات القرآن ما تقرؤه في نهاية قصة قارون: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: ٨٣) والمتكبرون مصروفون عن تدبر آيات الله وفهمها، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٦). والدعوة إلى الله في حاجة إلى هذا الخُلق؛ ليحظى الداعية بالمحبة والرضا، فيحتل من الناس قلوبهم، فيحظى وتحظى دعوته بالقبول، والرحمة عنوان التواضع، إنها إحساس المؤمن بحاجة إخوانه، فيعاملهم بالرفق، يزور مريضهم، ويحنو على صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويأخذ بيد الضعيف منهم، ويتودد إليهم ويساعد محتاجهم، ويدخل السرور عليهم، ويحوطهم برعايته وعطفه وبره، وقد قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) وقال في صفات من يختارهم لنصرة دينه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (المائدة: ٥٤). وكم تحظى الدعوة بالنجاح إذا ما اتصف الدعاة بهذه الصفة، بل إنّ هذه الصفة كانت الباب الواسع الذي دخل منه الإسلام إلى القلوب، سنّها رسول الله ﷺ فكان أعظم الناس رحمة بالناس، فتعلقت به القلوب، وسار عليه أصحابه وسلف الأمة الصالح، فانشرحت لمرآهم الصدور، وانتشر دينهم في كل مكان.

стр. 315

ومن صفات الداعية المواكبة لتواضعه ورحمته الحلم وحسن الخلق، والحلم صفة من صفات الله، فقد وصف الله نفسه بأنه غفور حليم، وغني حليم، وعليم حليم، وشكور حليم، ووصف الله بها إبراهيم فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (التوبة: ١١٤) وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٥) ووصف بها إسماعيل فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠١) وقال قوم شعيب له: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هود: ٨٧) وهكذا أنبياء الله جميعًا. وهذا رسول الله ﷺ كان أعظم الناس حلمًا، في كثير من المواقف التي تغضب الحليم تراه لا يثور ولا يغضب، ولا يقابل السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وليت الوقت يسمح بذكر بعض تلك المواقف، ففيها عظات وعبر، وما أمر حاطب بن أبي بلتعة، وهو ممن شهد بدرًا عنكم ببعيد؛ إذ لمّا علِم أن رسول الله ﷺ يعد العدة سرًّا ليفاجئ أهل مكة ليفتحها دون أن يريق الدماء، أرسل حاطب إليهم يخبرهم بذلك، فأوحى الله لرسوله بهذا، فأرسل ثلاثة من أصحابه ليلحقوا بالمرأة التي حملت الرسالة، وجاءوا بها -أي: بهذه الرسالة- فلما سأله قائلًا: ((يا حاطب، ما هذا؟)) قال: يا رسول الله، لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقًا في قومي، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهلهم، فأحببت إن فاتني ذلك من النسب منهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعل ذلك كفرًا ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، ولا ارتدادًا عن ديني، فقال رسول الله ﷺ : ((إنه صدقكم)) فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : ((إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، وبعد أن أتمَّ الله على رسوله فتح مكة وقف خطيبًا وسأل أهلها: ((ما تظنون أني فاعل بكم)) قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).

стр. 316

وهذا عفوه عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، وهذا عفوه عن الأعرابي الذي أراد أن يقتله، وعفوه عن الأعرابي الذي قال له: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل، إلى غير ذلك مما يدل على عظيم عفوه وحسن خلقه. والدعاة أولى الناس بالاتصاف بهذه الأخلاق العالية، وبها يستلّون سخائم القلوب، ويجمعون الناس حولهم، لا يثورون ولا يغضبون إلّا إذا انتهكت حرمات الله، وقد قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: ٦٣). وهذا الخلق الكريم للدعاة يجعلهم في حاجة إلى التخلُّق بخلق مهمّ، ألا وهو الصبر، الصبر في معناه الواسع؛ صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصبر في مقام الدعوة إلى الله، وصبر على ما ينزل بهم من بلاء، وصبر على مشقات الجهاد في سبيل الله، فالصبر للدعاة عُدّة وزاد وذخيرة، يعينهم على مشقات الطريق ووعورته، ولذلك أكثر الله من الأمر به لرسله والمؤمنين، والآيات في ذلك كثيرة، تقرأ منها قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥)، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: ١١٥)، ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (طه: ١٣٠)، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: ٦٠)، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: ١٠)، ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ (مريم: ٦٥)، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢)، وفي توجيه المؤمنين إلى الصبر نقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠)، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥).

стр. 317

وهذا أمرٌ لبني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهو نفس الأمر لأهل الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣)، وجزاء الصابرين عظيم ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠)، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦، ١٥٧)، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٦)، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: ١١١)، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) إلى غير ذلك من الآيات. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن الصبر في القرآن والسنة، إنما نتحدث عنه باعتباره ركيزة أساسية للدعاة، وصفة عظيمة من صفاتهم، مَن لم يتحلّ بها سقط في أول الطريق، فكم في الطريق من عقبات وابتلاءات تحتاج إلى رباطة الجأش وقوة اليقين وتحمل الأذى، والصبر لله ومن أجله، ومن صبر ظفر وفاز في الدنيا والآخرة. ومن أبرز صفات الداعية: الصدق والأمانة، فهو مبلّغ عن الله ورسوله، ولو كذب أو خان فعُرِفَ ذلك منه، لم يثق أحد في حديثه، ولم يستطع أداء رسالته، بل ربما كان وبالًا على ما يدعو إليه، ولعله لا يغيب عنكم أنّ الصدق في الداعية، هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو المدخل لإقناع الآخرين بما يقول، ولذلك ترَوَن أن رسول الله ﷺ حين أُمِر بتبليغ الدعوة وقف على الصفا ونادى بطون مكة، فلما اجتمعوا إليه لم يقل لهم من البداية إنّ الله اختاره رسولًا

стр. 318

للعالمين، وأن هذه الرسالة قائمة على وحي الله، وفيه كذا وكذا، إنما سألهم قائلًا: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، حينذاك قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)). فأثبت أولًا وقرر أنه صادق، فكيف يكذب الآن؟ وهذا هو الذي استدل به هرقل عظيم الروم على أن محمدًا هو رسول الله، حين جاءه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، طلب بعض من في الشام من العرب، فكان أبو سفيان قبل إسلامه مع بعض العرب هناك في تجارة، فجيء بهم ووقفوا بين يديه، وأبو سفيان واقف أمامهم، وأخذ هرقل يسأله، فكان فيما سأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. وبعد أن انتهى من أسئلته قال فيما قال: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وهذا هو الذي جعل رسولٍ يدعو أمته يذكر لها أنه رسول أمين، اقرءوا ما ذكره الله في "الشعراء" على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكلٌّ منهم يقول لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: ١٠٦ - ١١٠). وموسى قبل أن يختاره الله رسولًا، حين سقى لابنتي شعيب رأوا أمانته ورجولته، ولذلك قالت إحدى الابنتين لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) وبعد الرسالة يذكر الله ما قال لفرعون وقومه فيقول: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدخان: ١٧ - ١٩).

стр. 319

وهكذا كل الرسل، وهكذا يجب أن يكون أتباعهم ومن على طريقهم، ولهذا اعتنى القرآن والسنة بالدعوة إلى الصدق والأمانة، ورهَّبا من الكذب والخيانة في آيات وأحاديث كثيرة لا تخفى عليكم. ومما يجب أن يتصف به الدعاة: الإخلاص، والإخلاص يعني التجرد لله، وهو قسمان: اعتقادي وعملي، الاعتقاديّ معناه: تنقية القلب مما سوى الله، فلا يتأله العبد لغير الإله الحق، ولا يعبد إلا هو، ولا يدين بالطاعة والولاء والحب إلا لرب العالمين، والإخلاص العملي: هو ألّا يقصد العبد بعمله وقوله وفعله إلّا الله، ويقابل الأول الشرك، ويقابل الثاني الرياء، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومن الواضح أن من يعبد غير الله لا شأن له بالدعوة إلى الله، بل هو ممن توَجّه له الدعوة لإنقاذه من براثن الشرك وضياعه، ومن يقصد بعمله الرياء والسمعة لا يصلح في مقام الدعوة، فالإخلاص هو الأساس الذي تقام عليه دعائم الدعوة إلى الله. هذه هي أهمّ الصفات التي يجب أن يتصف بها الدعاة، وكل صفة منها تحتاج إلى أن نقف أمامها طويلًا، نذكر كيف دعا القرآن إليها ورغّب فيها ونفّر من ضدها، لكن يكفينا هذا القدر فقد تغني الإشارة عن العبارة. كيف ينجح الداعية في دعوته لكن هذا الداعية ال ذي اجتمعت فيه هذه الصفات، كيف ينجح في دعوته؟ وكيف يؤدي رسالته؟ عليه أن يسلك الطريق الذي يضمن له النجاح، وهذا الطريق طرق وو سائل كثيرة متعددة، وهي تتطور بتطور الزمن، وفق ما يستجد من وسائل الاتصال وانتقاد الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من تغير في العادات والتقاليد، فالله

стр. 320

خلق الخلق لحكمة وغاية، وجميع المخلوقات عدا الإنس والجن منقادة لله عابدة له، أما الإنس والجن فلهما حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، مع أنهما لم يخلقا أيضًا إلّا لعبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وعبادته سبحانه إنما تكون وفق ما شرع، بل إن العبادة في مفهومها الواسع تشمل حركات الإنسان وسكناته ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣). ولذلك لم يترك الله الإنسان سدى، إنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب، بدأ ذلك من آدم ﵇ إلى أن ختمت سلسلة النبوات بمحمد ﷺ ، ووقف كل رسول يبلغ رسالة ربه، وعلى منهج هذا الرسول سار أتباعه ومن بعدهم، يدعون الناس إلى دين الله، فتنوّعت وسائل دعوتهم، فكان منها الاتصال المباشر بالأفراد فردًا فردًا، أو بعدة أفراد، وهي وسيلة ناجحة بها دخل في الإسلام الرعيل الأول كأبي بكر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبي عبيدة، وغيرهم من السابقين للإسلام، وهذه الوسيلة في الدعوة قد تحتاج إلى معرفة سابقة بمن تدعوهم، فهم أصدقاء توثّقت بينهم وبين الداعية عرى الصداقة. وقد بدأ رسول الله ﷺ دعوته في بيته، فآمنت به زوجه خديجة، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وبدأ الدعوة سرًّا مع أصحابه وأصدقائه، ثم أمره الله أن يجهر بدعوته فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤) وقال له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) وبدأ يجهر بدعوته، فلم يقف خطيبًا يلقي العبارات، إنما وقف كما قلنا فأثبت أنه صادق، فلما أقروا له بذلك قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
следующие страницы →