Полный текст (374 стр.). Показаны 351–374 · переход к 356.
стр. 351
ومرت ساعات النهار وغابت الشمس، فلما أفلت كان قد تم له ما أراد، فإن الإله لا يغيب، وهناك إذًا الإله الذي يدبر هذه الكواكب، والذي أوجدها وأمدها بالضياء، لذلك قال: ﴿يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٧٨) وأعلن لهم وجهته ومن يعبد فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٩).
ولم يقتنع قومه بهذا الدليل الساطع والبرهان القاطع، فأخذوا يجادلونه ويحاجونه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٠ - ٨٢) وقد عقب الله على ذلك فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ٨٣).
وفي طريقة إبراهيم في إقامة الحجة على المشركين، الكثير من الدروس النافعة التي لا يتسع الوقت لذكرها.
دعوة موسى ﵇ -
وقد ذكر موسى في القرآن ستًّا وثلاثين ومائة مرة، كالتالي:
إحدى وعشرون في "الأعراف"، ثماني عشرة في "القصص"، سبعة عشرة في "طه"، ثلاث عشرة في "البقرة"، ثماني مرات في كل من "يونس" و"الشعراء"، خمس مرات في "غافر"، ثلاث مرات في كل من "النساء" و"المائدة" و"الأنعام" و"هود" و"إبراهيم" و"الإسراء" و"النمل"، ومرتين في كل من "الكهف" و"المؤمنون"
стр. 352
و"الأحزاب" و"الصافات" و"الأحقاف"، ومرة واحدة في "آل عمران" و"مريم" و"الأنبياء" و"الحج" و"الفرقان" و"العنكبوت" و"السجدة" و"فصلت" و"الشورى" و"الزخرف" و"الذاريات" و"النجم" و"الصف" و"النازعات" و"الأعلى".
وبهذا الجمع لاسم موسى في القرآن، يتضح أنه ورد في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، التي تبلغ أربع عشرة ومائة سورة، وأنه ذكر في السورة المكية أكثر من السور المدنية، وما ذلك إلا لما في قصته من ألوان التطمين لفؤاد النبي ﷺ والتسلية له، عما كان يجده من قومه، ولِما في تكرار الحديث عن موسى من بيان لما كان عليه قومه من سوء الطبع وانطماس الفطرة، وانحرافهم عن منهج الله، ولموقفهم الحاقد الحاسد من دعوة الإسلام، حين رأوا دفة الرسالة تتحول عنهم إلى العرب من أبناء إسماعيل، ويتولاها عَلَم فذ ليس له مثيل في الأنبياء.
فكل نبي قبله كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعث هذا الرسول إلى الناس كافة، وكل رسول قبله كان يرسل لفترة محدودة من الزمان، تبقى رسالته لعدد من السنوات، فتتغير المعالم وتنطمس الحقائق، وتهجم الأهواء على ما أنزل الله على هذا الرسول من وحي، فلا يبقى من وحي الله إلا بصيص من نور، لا يكاد يتضح به الطريق، فيرسل الله رسولًا آخر، وهكذا إلى أن ختمت الرسالات والنبوات بالنبي الخاتم محمد ﷺ وأنزل عليه وحيًا لا يمحوه الزمان، تكفل القوي القادر بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
فلم تستطع قوة في الأرض أن تغير فيه حرفًا، مع ما اعترى أهل الإسلام من ضعف وعجز، واحتلال لديارهم وضياع لهيبتهم، ومع شراسة عدوهم، ومحاولة أعداء الله أن
стр. 353
يطمسوا معالم هذا القرآن، وأنى لهم ذلك؟! وعين الله حارسة لكتابه حافظة لدينه، فماذا كان من أمر موسى ودعوته، وماذا فيها من معالم الهداية الإلهية؟ إن الله إذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب.
لقد ذكر الله في سورة "يوسف" ما كان من أمر يوسف ﵇ وقدر الله الذي جاء به إلى مصر، حتى تسنَّم فيها ذُرى المجد، وآتاه الله النبوة والملك، وأنه قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (يوسف: ٩٣).
فجاء أبوه يعقوب ﵇ وهو إسرائيل وأبناؤه، وقد كانوا عشرًا، وكان في مصر بنيامين ويوسف، جاءوا ومعهم زوجاتهم وأبناؤهم وأحفادهم، فاستقروا في أرض مصر وكثروا، وتولى ملك مصر أحد الفراعنة، وخشي على ملكه منهم، فسامهم سوء العذاب، وسخرهم في الأعمال الشاقة، وأخبره الكهنة بأن بني إسرائيل سيولد فيهم مولود، يكون على يديه زوال ملكه، فأطلق الفرعون جنوده تقتل كل مولود ذكر، وولد موسى في هذه المحنة، فأوحى الله لأمه أن تضعه في تابوت -أي: في صندوق من الخشب- وأن تلقيه في النيل، وألقى في روعها أن الله سيرده إليها، ويجعله من المرسلين، ودفعته المياه إلى قصر فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨).
وألقى الله محبته في قلب من رآه، حتى قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: ٩) وأخذت أخت موسى تتبعه من لحظة إلقائه في اليم، إلى أن تم التقاطه منه، ولما جاءوا بالمراضع لترضعه لم يتناول ثدي واحدة منهن، فتقدمت أخته فعرضت عليهم أهل بيت يرضعونه لهم، ويحافظون عليه، فرد الله موسى لأمه ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: ١٣).
стр. 354
وشب موسى في قصر فرعون، فاطلع على كثير من الأحوال وألوان الظلم والجبروت، وبينما هو يسير في المدينة ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: ١٥) فكان هذا سببًا لخروجه خوفًا على نفسه من القتل، وسار إلى مدين، وهناك التقى بشعيب بعد أن سقى لابنتيه ماشيتهما، وتزوج بواحدة من الابنتين، على أن يرعى الماشية لشعيب ثمانية حجج، فإن أتم عشرًا فهذا فضل منه.
وأتم موسى السنوات العشر واصطحب أهله لزيارة أهله وعشيرته وقومه في مصر، وبينما هو في سيناء والبرد قارص وقد ضل به الطريق ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (القصص: ٢٩ - ٣٢) ومن هنا نصل إلى بداية رسالة موسى ودعوته، لنختار منها بعض النماذج التي تفصح عن طريقته في دعوته.
والمرحلة الأولى التي سبقت تكليفه بالرسالة فيها من الدروس والعبر، وتبين أن الله غالب على أمره، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكنا في هذا اللقاء نلتقط من واحة القرآن بعض ما في دعوة كل من إبراهيم وموسى من مناهج الهداية والرشاد.
وقد أرسل الله موسى لبني إسرائيل، ولكن بني إسرائيل مقهورون تحت إمرة فرعون في مصر، وليبلغ موسى رسالته لبني إسرائيل، لا بد من استخلاصهم من
стр. 355
قبضة فرعون، فلتتجه الدعوة أولًا لفرعون، وليطلب منه موسى أن يترك له بني إسرائيل، يبلغهم رسالة ربه، ولذلك نقرأ في "الأعراف": ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الأعراف: ١٠٤، ١٠٥).
ونقرأ ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ (الأعراف: ١٣٤) أي: العذاب الوارد في الآية السابقة من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الأعراف: ١٣٤) وفي سورة "طه" يقول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه: ٤٧).
وفي سورة "الشعراء" نقرأ هذا المعنى يقول تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: ١٦، ١٧) وإنما ذكرت ذلك لأبين صدق ما قال رسولنا الكريم ﷺ من أن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة.
ولذلك بدأ موسى بإثبات رسالته لفرعون، ليؤدي رسالته لقومه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: ١١ - ١٤).
فموسى إنما جاء لبني إسرائيل، ومثل ذلك ما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥)
стр. 356
فانظر كيف دعا موسى فرعون لإطلاق سراح بني إسرائيل؛ للعودة بهم إلى الأرض المقدسة، وفي إثبات أنه رسول الله دليل وحجة تقوم على فرعون وقومه، وعليهم أن يؤمنوا بما دعا إليه هذا الرسول، مِن إفراد الله بالعبودية، والانضواء تحت راية الإيمان، فإن لم يؤمنوا عاقبهم الله؛ لأن الله كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: ١٥) ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (النمل: ١٣، ١٤).
وآمن به مِن آل فرعون بعض مَن يكتم إيمانه، كما آمنت به آسيا امرأة فرعون، التي ضربها الله مثلًا للذين امنوا، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (التحريم: ١١).
والرسول وإن بعث إلى قومه خاصة، لكن الإيمان يلزم مَن تُعرض عليه الدعوة، ومن يكون في طريق هذا الرسول في لقاء أو ما شابه ذلك، فكان هذا من رحمة الله برسله، إذ لم يكلفهم بحمل عبء الدعوة العامة لكل البشر، لكن رحمة الله للعالمين كانت لمحمد ﷺ الذي أهّله ربه لهذه المهمة، وقال له: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (الفرقان: ٥١، ٥٢).
وهذا موسى ومعه أخاه هارون، يصلان إلى فرعون لتبليغ رسالة ربهما، فانظروا إلى المنهج الذي سلكاه في دعوة فرعون، إلى إطلاق سراح بني إسرائيل، ليذهبا مع موسى وهارون، وإلى إثبات ألوهية الله واستحقاقه أن يعبد وحده، والآيات تعبر عن خوف موسى وهارون من بطش فرعون، وكيف أذهب الله عنهما هذا الخوف، فتقول: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ
стр. 357
طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه: ٤٢ - ٤٦) وقد ذكر الله مثل ذلك في سورة "الشعراء" وسورة "القصص"، فلم يتمكن فرعون ولا أحد من جنده من الاعتداء عليهما.
والآيات ترسم مشهدًا رائعًا، وتصور حروفها وكلماتها ثبات موسى وقدرته على الحوار، وترسم صورة لفرعون حائرًا لا يجد جوابًا، وموسى ينتقل به من دليل إلى دليل، حتى جاء بالآية الكبرى التي أذهلت فرعون وملأه، حين ألقى موسى عصاه، والتي هي ككل العصي في يد موسى عودًا من خشب، يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، إلى غير ذلك مما تستعمل فيه العصا، فألقاها فإذا هي حية عظيمة مخيفة، تجري على الأرض هنا وهناك فاغرة فاها، مما أثار ذعر فرعون ومن معه، ومد موسى يده فأمسك بها فعادت عصًا كما كانت من قبل.
وأتبع موسى هذه المعجزة بمعجزة أخرى، إذ أخرج يده والتي هي يد ككل الأيدي، يحركها صاحبها حيث شاء، فما إن نزعها من جيبه حتى أضاءت المكان كله. يقول مجاهد: "كان موسى إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر". وقال الحسن البصري: "أخرجها والله كأنها مصباح". وقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه: "قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني، وإن معك تأييدي ونصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بَطِر نعمتي وأمِن مكري وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني". إلى آخر ما ورد في ذلك.
لكن فرعون استكبر عن الحق وادعى أن ما رآه سحر، واستشار الملأ من قومه، فما كانوا له ناصحين، إنما أعانوه على بغيه وطغيانه، وأشاروا عليه أن يجمع السحرة
стр. 358
ليبطلوا ما رأوه من موسى، وظنوا أنه سحر، أو هكذا قالوا، مع أن الله أخبر أنهم أيقنوا أن هذا ليس سحرًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: ١٤) وطلبوا من موسى موعدًا فقال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ (طه: ٥٩).
وإنما أراد موسى ذلك ليكون خزي فرعون على ملأ من الناس، وليعلم الناس أن ما جاء به موسى ليس سحرًا، إنما هو آية من آيات الله، فلما جاء الموعد واحتشد القوم، وجاء السحرة ووعدهم فرعون بالجوائز والمناصب والدنيا، وسألوا موسى من سيلقي أولًا؟ فقال لهم: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (الشعراء: ٤٣، ٤٤) فأجابهم موسى قائلًا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (يونس: ٨١، ٨٢) ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ (الشعراء: ٤٥ - ٤٨).
وتوعدهم فرعون بالعذاب الشديد، فأوحى الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل، فأتبعهم فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا، فأغرقه الله ونجا موسى ومن معه أجمعين. قال تعالى فيما حل بفرعون وجنوده: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٣٦) ثم قال فيما مَنّ الله به على بني إسرائيل: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٧).
والله من وراء القصد.
стр. 359
الدرس: ٢٢ دعوة عيسى ومحمد ﵉ -.
стр. 360
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني والعشرون
(دعوة عيسى ومحمد ﵉)
دعوة عيسى ﵇ -
حمدًا لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد:
فبالحديث عن عيسى ومحمد أكون قد استكملت الحديث عن أولي العزم من الرسل:
ولنبدأ بحكم الترتيب الزمني بعيسى ﵇ فكم مرة ذكر في القرآن الكريم وفي أي سور القرآن ذكر؟ جمع كلمة عيسى في القرآن تجعلنا نجمع كلمة مريم، فهي أم عيسى، ونجمع كلمة المسيح فهي صفة له، وقد ورد اسم عيسى في القرآن خمسًا وعشرين مرة، ثلاث مرات في كل من "البقرة" و"النساء"، وخمس مرات في "آل عمران"، وست مرات في "المائدة"، ومرتين في "الصف"، ومرة واحدة في كل من "الأنعام" و"مريم" و"الأحزاب" و"الشورى" و"الزخرف" و"الحج".
أما اسم مريم فقد ذكر في القرآن أربعًا وثلاثين مرة، كما ذكر المسيح إحدى عشرة مرة، وذكر عيسى بأنه ابن مريم ست عشرة مرة، كما ذكر بأنه المسيح عيسى ابن مريم أربع مرات، وأنه المسيح ابن مريم أربع مرات، وأنه المسيح مرتين، وذكر الله قول النصارى في عيسى بأنه المسيح ابن الله مرة واحدة.
بهذا الجمع لكلمة عيسى ومريم والمسيح، نستطيع أن نصل إلى حقيقة عيسى، وكيف خلقه الله، وما كان من ضلال في الاعتقاد بأنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، وقد أثبت القرآن بطلان ذلك، وبين أن عيسى عبده ورسوله، وأن الله حين خلقه بدون أب، فإنما كان ذلك ليبين أنه خالق الأسباب، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.
وليس من موضوعنا مناقشة النصارى في عقائدهم، فهذا موضوع أشبعه العلماء بحثًا، وألفوا فيه الكتب والرسائل، لكن موضوعنا عرض بعض النماذج من
стр. 361
دعوة عيسى، لنرى كيف دعا هذا النبي لدين الله، فيتعلم الدعاة فن الدعوة إلى الله، وقد ذكر الله عيسى في "البقرة" كما قلنا ثلاث مرات، وفيها أن الله آتاه البينات وأيده بروح القدس، كما ذكر أنه في جملة الأنبياء الذين يجب الإيمان بهم، وبما أوحاه الله إليهم، وأن على المؤمنين من أصحاب محمد أن يقولوا ذلك لأهل الكتاب.
وفي "آل عمران" يأتي الحديث عن مريم واصطفاء الله لها، وما كان من بشارة الله لها بعيسى، وما حملته هذه البشارة من صفات عالية لوليدها، وأنه سيكون وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلًا ومن الصالحين، وأن الله سيعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، وسيكون رسولًا إلى بني إسرائيل، فما أعظمها من بشارات!.
ولما ذكر الله أن عيسى سيكون رسولًا لبني إسرائيل، قدم لنا نموذجًا من دعوته، وانتقل الحديث من بيان صفات عيسى إلى ما سيقوله عيسى لبني إسرائيل، فقد بدأ دعوته بإعلان أنه رسول الله إليهم، كما ذكر الله ذلك في سورة "الصف" فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
وقد يحتاج الرسول لمعجزة تثبت لقومه أنه رسول من الله إليهم، وإنما أقول: قد يحتاج الرسول لذلك؛ لأن كثيرًا من الرسل الذين ذكرهم الله، لم يذكر أنهم أتوا بمعجزات، فقد ذكر الله آدم ونوحًا وهودًا وشعيبًا وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف، وزكريا ويحيى وإلياس واليسع ويونس ولوطًا، ولم يذكر أن واحدًا منهم كانت له معجزة.
والطوفان الذي أهلك الله به من أهلك لا يقال بأنه معجزة، كما أن ما كان من عطاء الله لداود وابنه سليمان لا يدخل في المعجزات، لكن ما كان من أمر
стр. 362
بني إسرائيل حين أرسل الله إليهم عيسى، كان في حاجة إلى أن يتسلح عيسى بمعجزات، تثبت صدقه فيما يبلغ عن ربه، مما كان في بني إسرائيل من غلظة وشدة وحب للدنيا أعماهم عن كل فضيلة، وجعلهم يتنكرون لأنبيائهم بل ويقتلونهم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١).
وكما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ (البقرة: ٨٧).
وكما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء: ١٥٥ - ١٥٨).
ولهذا أجرى الله على يد عيسى الكثير من المعجزات، ومنها ما ذكره الله في "آل عمران" و"المائدة"، قال تعالى في "آل عمران": ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (آل عمران: ٤٩، ٥٠).
وقال في "المائدة": ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
стр. 363
وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١١٠).
ومع هذه الآيات البينات عاندوه وكذبوه وطاردوه، ودبروا لقتله ونفذوا ما دبروه، ولكن الله حفظ رسوله ونجاه منهم، وألقى شبهه على من دل القوم عليه فقتلوه، واعتقدوا أنهم قتلوا عيسى ﵇ وما علموا أن الله رفعه إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا.
دعوة عيسى ﵇:
أول ما يدعو إليه كل رسول العبودية لله، والعبودية لله قائمة على الاعتقاد في أنه إله واحد لا شريك له، متصف بصفات الكمال والجمال. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥).
وهكذا قال عيسى لقومه، وبدأ دعوته فأثبت لهم أنه رسول من ربه، وقدم بين يدي دعواه العديد من المعجزات كما ذكرنا، وذكر لهم أنه جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة، ولكنه جاء بالتيسير عليهم، فقال: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: ٥٠).
إنه يستثير حبهم للتيسير بعد أن كلفهم الله بالتكاليف التي تحتاج إلى العزيمة القوية؛ لما جبلوا عليه من التفلت وعدم التزام أحكام الله، فحين يأتيهم رسول معه كل هذه الدلائل والبراهين، أنه صادق فيما أخبرهم به عن ربه، وذكر لهم أنه جاء يخفف عنهم بعض الذي حرمه الله عليهم، وأنه جاء بالدليل الناصع
стр. 364
والبرهان القاطع على صدق قوله، كان عليهم أن يستجيبوا لما ينصحهم به ويدعوهم إليه ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: ٥٠).
فتأمل دقة دعوة هذا النبي الكريم، وهو يذكِّر قومه بما جاءهم به من البينات، ويخبرهم بأن ما جاء به من المعجزات آية، وأي آية! والتنكير في قوله "آية" يفيد التعظيم وقد قالها مرتين، هنا وفي الآية السابقة، ولكنه هنا أضاف دليلًا آخر لا ينكرونه، وهو أن هذه الآية العظيمة منشؤها ومصدرها الله ، وهل يماري أحد منهم في ربوبية الله.
هل ينكر أحد منهم أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت؟ وهم لا يستطيعون أن ينسبوا شيئًا من ذلك لبشر أو لحجر؛ لأنهم يرون أن البشر أو الحجر أعجز من أن يفعل ذلك، ولهذا انتقل إلى ما يترتب على ما يسلمون به من ربوبية الله، إلى وجوب التوجه له وحده بالعبادة، وأن يطيعوا الرسول فيما دعاهم إليهم فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (آل عمران: ٥٠).
ثم أخذ بأيديهم في رفق وسلك بهم طريق النجاة، وهو يعرفهم بأن الله الذي يدعوهم إلى توحيده في ألوهيته، هو ربه وربهم، وعليهم أن يعبدوه وحده، وتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هو الطريق السوي السهل المعتدل، الذي يؤدي إلى النجاة والسعادة من أقرب طريق، ولهذا قال لهم: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (آل عمران: ٥١).
فأشار باسم الإشارة "هذا"، وهو اسم إشارة يشار به إلى القريب، والقرب هنا قرب منزلة ومكانة، وهذا يعني أن الصراط المستقيم قريب من العقل والوجدان؛ لأنه متساوق مع الفطرة، وقد قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠) ولهذا بكت الله المجرمين يوم القيامة
стр. 365
فقال لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (يس: ٦٠ - ٦٢).
وقد أشار عيسى ﵇ إلى الصراط، فأتى به نكرة، والتنكير يفيد التعظيم، ووصف الصراط بالاستقامة، فدل على أنه مُوصِّل للهدف من أقرب طريق، ومع وضوح هذه الدعوة أحس منهم الكفر، فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (الصف: ١٤) وهي طريقة في الدعوة لا بد منها، يرسمها الأنبياء لنصرة دين الله. قال أصحابه الخُلَّص وأهل مودته وإن قل عددهم، وقد سماهم عيسى وذكرهم القرآن بأنهم الحواريون. قالوا: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٥٢، ٥٣).
إذا كان هذا نموذجًا من دعوة عيسى، فهناك الكثير من النماذج في القرآن الكريم، ولنكتف منها بنموذج آخر، هو ما نراه في سورة "الصف" في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف: ٦).
فهو يبدأ دعوته بتذكيرهم، وهو يناديهم بأنهم بنو إسرائيل، وإسرائيل نبي الله يعقوب -عبد الله ومصطفاه- ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وبهذا النداء يستجيش فيهم عناصر النخوة والكرامة؛ ليحافظوا على ميراث النبوة، الذي جعله الله فيهم منذ عهد إبراهيم ﵇ يناديهم ليخبرهم أنه رسول الله، فهو حين يبلغ إنما يبلغ عن الله، وطاعته إذًا طاعة لله، ومعصيته معصية لله، وأمر آخر هو أن الله إذ أرسله؛ أرسله لما فيه خيرهم، ولهذا قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٦).
وهل هناك خير أعظم من معرفة الله ربًّا معبودًا
стр. 366
وإلهًا مقصودًا، وما يأتي به الرسول من شريعة غراء، تنكشف بها الظلمات ويحيا الناس في ظلها آمنين مطمئنين، وترغيبًا لهم في اتباعه ذكر لهم أنه لم يأتِ مكذبًا للتوراة، هادمًا لما جاءت به، لكنه جاء مصدقًا لها فيما دعت إليه من توحيد، وما جاءت به من أحكام ثابتة، وإن كان قد أضاف إليها أو عدل في بعض أحكامها بوحي من الله، بعض ما يتناسب مع عصره، ولذلك لما ذكر في "المائدة" أنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، قال في عيسى والإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦).
ثم قال في القرآن: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ (المائدة: ٤٨) ثم بشرهم بنبي آخر الزمان الذي سيختم الله به الرسالات فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦).
فساق لهم بشارة عظيمة، وأخبرهم أن هذا الرسول المبشر به رسول عظيم، وأن اسمه أحمد، ولرسول الله محمد ﷺ عدة أسماء منها أنه أحمد، أي: أحمد الحامدين، وذلك لتتناقل الأجيال من بعد عيسى هذه البشارة، حتى إذا ما أذن الله ببعثته، كان عليهم أن يؤمنوا به، وفي الإيمان به عزة ونجاة.
وقد ذكر الله في كتابه أن كل رسول أرسله الله أوصى أمته أن تؤمن بالنبي الخاتم وأن تنصره؛ إعلاءً للحق وتأييدًا لدين الله، قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ
стр. 367
فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ٨١، ٨٢).
ولهذا يجد اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ما أوحاه الله لموسى وعيسى، مِن بيان لصفات هذا النبي، ومن دعوتهم للإيمان به ونصرته. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٨) ومع هذه الدلائل الواضحة والدعوة الهادفة، ردوا دعوته، وظنوا أن ما أتى به من المعجزات إنما هو من باب السحر. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف: ٦).
دعوة النبي الخاتم محمد ﷺ -
وإذا كان هذا النموذج وما قبله من دعوة عيسى ﵇ وكم في دعوة عيسى من النماذج، وكل نموذج منها فيه الكثير من الدروس النافعة والعظات البالغة، فإننا فيما تبقى لنا من الوقت نريد أن ننتقل للنبي الخاتم محمد ﷺ لنلتقط من دعوته بعض الجواهر الغالية، والنماذج المضيئة، ودعوته ﷺ مليئة بهذه النماذج؛ لما امتازت به من الخصائص، فهي دعوة عالمية، فقد كان كل رسول يرسل إلى قومه خاصة، وأرسل محمد ﷺ إلى الناس كافة، وهي كلمة الله الأخيرة للعالمين، فلا نبي بعد محمد ولا كتاب بعد القرآن العظيم.
ولعلنا لو تأملنا في كتاب الله لنأخذ بعض النماذج، التي توضح طريقة رسول الله في دعوته؛ لوجدنا القرآن نفسه في طريقة إنزاله، وما له من الخصائص، خير نموذج
стр. 368
لذلك، فالمعجزات التي أجراها الله على يد الأنبياء السابقين كانت لإثبات رسالتهم، ورسالة كل نبي غير معجزته، أما معجزة رسول الله محمد ﷺ فكانت عين رسالته.
كان القرآن الكريم هو المعجزة التي تحدى الله بها العرب الفصحاء؛ إذ طلب منهم متحديًا أن يأتوا بمثله فعجزوا، فطالبهم بعشر سور من مثله فعجزوا، فطالبهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة فيه فلم يفعلوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٣، ٢٤) فانظر إلى هذا المنهج في الدعوة وأنت تتأمل هذا التحدي بمراحله، إلى أن أفحمهم فلم يجدوا إلا اللجاج والعناد.
كما أن طريقة إنزال هذا القرآن، كانت أيضًا منهجًا عظيمًا في الدعوة، إذ لم ينزل هذا القرآن كالكتب السابقة دفعة واحدة، إنما نزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، يتعهد رسول الله ﷺ والمؤمنين به بألوان من التربية والتوجيه والتثبيت والتطمين، وقد ذكر الأئمة وجوهًا كثيرة في حكمة نزول القرآن منجمًا، ومن هذا ما ذكره صاحب (مناهل العرفان في علوم القرآن) الذي أجاد وأفاد، ومن هذا يتعلم الدعاة كيف يأخذون الناس في رفق إلى الالتزام بهذا الدين، ولا يعني هذا أن ينتقل الداعية على طريقة نزول القرآن منجمًا، فيبدأ بالقول بأن الخمر حلال ثم يحرمها وقت الصلاة، ثم يحرمها تحريمًا عامًّا شاملًا كما فعل القرآن.
إنما يسوق ألوانًا من الترهيب والتخويف من شربها، والمتاجرة فيها وحملها وصناعتها، ويذكر جملة مما أعد الله للمتقين من ألوان الشراب في جنته، ويرغب في العمل الصالح، ويدعو إلى التمسك والاعتصام بحبل الله، ففي ذلك النجاة.
стр. 369
وهكذا فإذا ما تأملنا في القرآن نفسه، لنرى ما فيه من مناهج الدعوة، فسوف نراه سلك مسلكًا نورانيًّا ربانيًّا إلهيًّا في كل جانب دعا إليه، والقرآن كله يترجم دعوة رسول الله ﷺ ومن آمن به لم يؤمن لأنه عجز عن معارضته في مقام التحدي، وإنما آمن به لما فيه من دعوة تقنع العقل والوجدان، وتأخذ بيد الإنسان إلى اطمئنان القلب وسعادة الروح، وحسن الصلة بالله والتراحم بين الناس.
فيرى أن هذا الذي جاء القرآن يدعو إليه واحة وارفة الظلال، تهدأ فيها الإنسانية بعد أن لفحها هجير الحياة، فتجد في ظلالها أمنها واستقرارها وسعادتها وخيرها، وتفصيل ذلك لا تحيط به العبارات ولا يتسع له الوقت، ولكن حسبنا أن نعرض بعضًا من ذلك، ونرى كيف دفع بها رسول الله ﷺ إلى القلوب فانشرحت لها واستقبلتها في شوق وحنين، ولم يبق معرضًا عنها إلا من أعمى الله قلوبهم عن الحق، فهم كما قال الله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١).
ولنأخذ مثلًا من دعوة رسول الله ﷺ إلى توحيد الألوهية، والقرآن -وبخاصة في الفترة المكية- بدأ بتقرير ثلاث قضايا، ليقيم عليها ما أراد من بناء، هذه القضايا هي: التوحيد، والرسالة، والبعث، ولإثبات ذلك قدم كثيرًا من الأدلة، التي حاصرت العقول، ولم تُبقِ حجة يحتج بها مكابر ومعاند.
ففي مقام إثبات الوحدانية تراه يلقي جملة من الأسئلة، التي يسلِّم بها المشركون، ليأخذ منها دليلًا بل أدلة قوية على أنه الجدير بأن يفرد بالألوهية، وأن تدين له الإنسانية بالطاعة والعبودية، لا تعبد إلهًا معه أو سواه.
والمشركون لا ينكرون أن الله هو الرب، الذي ربى الخلائق على موائد كرمه، فهو الخالق الرازق المحيي المميت، الذي خلقهم وخلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر، وله من في السموات والأرض وهو رب العرش العظيم، بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، والآيات الدالة على ذلك لا تخفى عليكم.
стр. 370
وفي منهج الدعوة تراه يستفيد من هذا الاعتراف ليقول لهم: ألا يستحق هذا الرب أن يعبد وحده؟! ويلفت أنظارهم إلى استحالة أن يكون مع هذا الإله المتصف بصفات الكمال إله آخر، ويتعجب من حالهم، وهو يذكر لهم ما لا يستطيعون أن ينكروه، حين يذكر لهم ما عليه معبوداتهم من عجز وضعف، وأنها لا تملك ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
يقول ﷻ : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ * َمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٥٩ - ٦٤).
هذا الأسلوب الفذ في إثبات الألوهية لله، يسوق مظاهر الطبيعة، وما يعتريهم من حالات الاضطرار والوقوع في مشكلات الأيام والزمان، وما يكون من دعائهم لربهم مخلصين له الدين، وكلما عرض شيء من ذلك أخذ يتساءل ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ويعقب على ذلك بقوله كما رأيتم في الآيات: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وأخيرًا يتحداهم أن يأتوا ببرهان واحد على صحة ما يعتقدون فيقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فما أعظم هذا البيان.
стр. 371
وهذا نموذج آخر لإثبات وحدانية الله، وأنه كما أنه متفرد بربوبيته وأسمائه وصفاته، هو كذلك متفرد في ألوهيته، مما يستوجب أن يكون هو وحده الإله المعبود والرب المقصود، هذا النموذج نقرؤه في آيات من سورة يونس. يقول المولى : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: ٣١ - ٣٦).
وهذه الآيات تحتاج إلى الكثير من الوقفات، فهي منهج متكامل في طريقة الدعوة إلى الله، في ست آيات ترى قول الله لرسوله ست مرات ﴿قُلْ﴾ وهذا الأمر يعني أنه مأمور من قبل مولاه، وأن هذا القرآن ليس من عنده، إنما هو كلام من أرسله، وما هو إلا مبلغ عن ربه، كما يعني هذا الأمر قوة الدعوة التي يدعو إليها هذا الرسول، وثقته المطلقة في عدالة قضيته، وارتكازها على الأسس التي لا تميل، فهي دعوة ربانية، مصدرها قيوم السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة.
وبعد الأمر الأول تتوالى الأسئلة التي تقررهم، فتسألهم عن من يرزقهم من السماء بالأمطار، ومن الأرض بألوان الثمار، وتسألهم عن من يملك السمع والأبصار، ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فتكون
стр. 372
الإجابة الاعتراف بأنه كذلك، فيأمر الله رسوله أن يؤنبهم على هذا الخلل في تفكيرهم وسلوكهم، قائلًا لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ثم يأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة وهو يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
وكم في هذه الكلمات من دعوة للرجوع للحق، لعلك تلمح معي يد رسول الله ﷺ تأخذ بأيديهم في رفق لتضعها على الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها، ليقول لهم: فذلكم الرب الذي اعترفتم بأنه الرازق المهيمن، القوي القادر، الذي يدبر أمر الخلائق، هو الله الذي رباكم على موائد كرمه، وهو ربكم الحق.
ثم يسألهم مخوفًا من عاقبة إنكارهم، وأنه ليس هناك بعد الحق إلا الضلال ويقول لهم: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ إن الطرق كلها مسدودة إلا هذا الطريق، طريق الحق، فأين يذهب هؤلاء! ويختم هذه الجولة بتهديدهم من الحرمان من شرف الإيمان، إن استمروا على عنادهم فيقول: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ثم يعود ليسير بهم ومعهم جولة أخرى، حين يأمر الله رسوله أن يسألهم سؤال تقرير وتوبيخ قائلًا: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ وهم يقرون أن شركاءهم ضعاف لا يقدرون على ذلك، ويوالي القرآن أسئلته موبخًا لهم وهو يقول: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
فانظر إلى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ وهذا السؤال:
стр. 373
﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وما في ذلك من تجهيل لهم، وبيان لحكمهم المخالف للفكر السليم والرأي الرشيد، وهكذا يحكم الله على عقائدهم بأنها لا تقوم على دليل، وما هي إلا ظنون وأوهام، والظنون والأوهام لا تصلح في مجال المقارنة بالحق، وعليهم أن يدركوا أن الله عليم بما يفعلون، وسوف يحاسبهم على ذلك حسابًا عسيرًا، فهل يدرك ذلك الكافرون.
وآيات القرآن في مثل ذلك كثيرة، ومنهج القرآن الذي رأيناه في إثبات العقيدة، هو ما نراه في إثبات البعث وإثبات الرسالة، بل هذا هو منهجه في دعوته لمكارم الأخلاق، والالتزام بما شرع الله، وكل جانب من هذه الجوانب يحتاج إلى لقاءات وكتابات ومحاضرات.
وهذه آيات في إثبات البعث، تقرؤها من سورة "ق"؛ حيث يقول ربنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (ق: ١ - ٦) إلى أن يقول ربنا : ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (ق: ١٠، ١١).
فترى أنه يسوق كلام المشركين وتعجبهم في موقف الإنكار، حين يقولون: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فظنوا أن هذا من الأمور التي لا يصدقها عقل، ولكن الله القوي القادر القاهر قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ فكل ذرة من ذرات هذا الجسد، ذهبت في ذرات التراب، الله يعلمها، وسوف يجمعها ليعيد بناء الإنسان من جديد ليحشر وليحاسب.
стр. 374
ولفت أنظارهم إلى قدرة الله في هذا الوجود، هؤلاء الذين لم يتأملوا فيما فوقهم من السماء، وكيف بناها الله وكيف زينها بقدرته وما لها من فروج، ولم يتأملوا في الأرض التي يسيرون عليها، وما فيها من جبال راسيات، وما فيها من نبات، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، وهذه الأمطار تنزل من السماء ماء مباركًا، فماذا يكون من آثارها، ألا ترون أن الله كما قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (ق: ٩ - ١١).
والذي قدر على ذلك قادر على بعث خلقه، فهل يعقل ذلك هؤلاء الكافرون الجاحدون؟! إنها مناهج في الدعوة، يتعلمها الدعاة ليصلوا إلى إقناع العقول والقلوب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.