← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا عفوه عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، وهذا عفوه عن الأعرابي الذي أراد أن يقتله، وعفوه عن الأعرابي الذي قال له: يا محمد، والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل، إلى غير ذلك مما يدل على عظيم عفوه وحسن خلقه. والدعاة أولى الناس بالاتصاف بهذه الأخلاق العالية، وبها يستلّون سخائم القلوب، ويجمعون الناس حولهم، لا يثورون ولا يغضبون إلّا إذا انتهكت حرمات الله، وقد قال تعالى في صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: ٦٣). وهذا الخلق الكريم للدعاة يجعلهم في حاجة إلى التخلُّق بخلق مهمّ، ألا وهو الصبر، الصبر في معناه الواسع؛ صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصبر في مقام الدعوة إلى الله، وصبر على ما ينزل بهم من بلاء، وصبر على مشقات الجهاد في سبيل الله، فالصبر للدعاة عُدّة وزاد وذخيرة، يعينهم على مشقات الطريق ووعورته، ولذلك أكثر الله من الأمر به لرسله والمؤمنين، والآيات في ذلك كثيرة، تقرأ منها قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥)، ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (هود: ١١٥)، ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (طه: ١٣٠)، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: ٦٠)، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ (المزمل: ١٠)، ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ (مريم: ٦٥)، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ (طه: ١٣٢)، وفي توجيه المؤمنين إلى الصبر نقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠)، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥).

стр. 317

وهذا أمرٌ لبني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهو نفس الأمر لأهل الإسلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٣)، وجزاء الصابرين عظيم ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر: ١٠)، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦، ١٥٧)، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٦)، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: ١١١)، ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) إلى غير ذلك من الآيات. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن الصبر في القرآن والسنة، إنما نتحدث عنه باعتباره ركيزة أساسية للدعاة، وصفة عظيمة من صفاتهم، مَن لم يتحلّ بها سقط في أول الطريق، فكم في الطريق من عقبات وابتلاءات تحتاج إلى رباطة الجأش وقوة اليقين وتحمل الأذى، والصبر لله ومن أجله، ومن صبر ظفر وفاز في الدنيا والآخرة. ومن أبرز صفات الداعية: الصدق والأمانة، فهو مبلّغ عن الله ورسوله، ولو كذب أو خان فعُرِفَ ذلك منه، لم يثق أحد في حديثه، ولم يستطع أداء رسالته، بل ربما كان وبالًا على ما يدعو إليه، ولعله لا يغيب عنكم أنّ الصدق في الداعية، هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو المدخل لإقناع الآخرين بما يقول، ولذلك ترَوَن أن رسول الله ﷺ حين أُمِر بتبليغ الدعوة وقف على الصفا ونادى بطون مكة، فلما اجتمعوا إليه لم يقل لهم من البداية إنّ الله اختاره رسولًا

стр. 318

للعالمين، وأن هذه الرسالة قائمة على وحي الله، وفيه كذا وكذا، إنما سألهم قائلًا: ((أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بهذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟)) قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، حينذاك قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)). فأثبت أولًا وقرر أنه صادق، فكيف يكذب الآن؟ وهذا هو الذي استدل به هرقل عظيم الروم على أن محمدًا هو رسول الله، حين جاءه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، طلب بعض من في الشام من العرب، فكان أبو سفيان قبل إسلامه مع بعض العرب هناك في تجارة، فجيء بهم ووقفوا بين يديه، وأبو سفيان واقف أمامهم، وأخذ هرقل يسأله، فكان فيما سأله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. وبعد أن انتهى من أسئلته قال فيما قال: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وهذا هو الذي جعل رسولٍ يدعو أمته يذكر لها أنه رسول أمين، اقرءوا ما ذكره الله في "الشعراء" على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكلٌّ منهم يقول لقومه: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء: ١٠٦ - ١١٠). وموسى قبل أن يختاره الله رسولًا، حين سقى لابنتي شعيب رأوا أمانته ورجولته، ولذلك قالت إحدى الابنتين لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (القصص: ٢٦) وبعد الرسالة يذكر الله ما قال لفرعون وقومه فيقول: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ (الدخان: ١٧ - ١٩).

стр. 319

وهكذا كل الرسل، وهكذا يجب أن يكون أتباعهم ومن على طريقهم، ولهذا اعتنى القرآن والسنة بالدعوة إلى الصدق والأمانة، ورهَّبا من الكذب والخيانة في آيات وأحاديث كثيرة لا تخفى عليكم. ومما يجب أن يتصف به الدعاة: الإخلاص، والإخلاص يعني التجرد لله، وهو قسمان: اعتقادي وعملي، الاعتقاديّ معناه: تنقية القلب مما سوى الله، فلا يتأله العبد لغير الإله الحق، ولا يعبد إلا هو، ولا يدين بالطاعة والولاء والحب إلا لرب العالمين، والإخلاص العملي: هو ألّا يقصد العبد بعمله وقوله وفعله إلّا الله، ويقابل الأول الشرك، ويقابل الثاني الرياء، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، ومن الواضح أن من يعبد غير الله لا شأن له بالدعوة إلى الله، بل هو ممن توَجّه له الدعوة لإنقاذه من براثن الشرك وضياعه، ومن يقصد بعمله الرياء والسمعة لا يصلح في مقام الدعوة، فالإخلاص هو الأساس الذي تقام عليه دعائم الدعوة إلى الله. هذه هي أهمّ الصفات التي يجب أن يتصف بها الدعاة، وكل صفة منها تحتاج إلى أن نقف أمامها طويلًا، نذكر كيف دعا القرآن إليها ورغّب فيها ونفّر من ضدها، لكن يكفينا هذا القدر فقد تغني الإشارة عن العبارة. كيف ينجح الداعية في دعوته لكن هذا الداعية ال ذي اجتمعت فيه هذه الصفات، كيف ينجح في دعوته؟ وكيف يؤدي رسالته؟ عليه أن يسلك الطريق الذي يضمن له النجاح، وهذا الطريق طرق وو سائل كثيرة متعددة، وهي تتطور بتطور الزمن، وفق ما يستجد من وسائل الاتصال وانتقاد الأفراد والجماعات، وما يتبع ذلك من تغير في العادات والتقاليد، فالله

стр. 320

خلق الخلق لحكمة وغاية، وجميع المخلوقات عدا الإنس والجن منقادة لله عابدة له، أما الإنس والجن فلهما حرية الاختيار بين الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، مع أنهما لم يخلقا أيضًا إلّا لعبادة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وعبادته سبحانه إنما تكون وفق ما شرع، بل إن العبادة في مفهومها الواسع تشمل حركات الإنسان وسكناته ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣). ولذلك لم يترك الله الإنسان سدى، إنما أرسل له الرسل وأنزل له الكتب، بدأ ذلك من آدم ﵇ إلى أن ختمت سلسلة النبوات بمحمد ﷺ ، ووقف كل رسول يبلغ رسالة ربه، وعلى منهج هذا الرسول سار أتباعه ومن بعدهم، يدعون الناس إلى دين الله، فتنوّعت وسائل دعوتهم، فكان منها الاتصال المباشر بالأفراد فردًا فردًا، أو بعدة أفراد، وهي وسيلة ناجحة بها دخل في الإسلام الرعيل الأول كأبي بكر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة وأبي عبيدة، وغيرهم من السابقين للإسلام، وهذه الوسيلة في الدعوة قد تحتاج إلى معرفة سابقة بمن تدعوهم، فهم أصدقاء توثّقت بينهم وبين الداعية عرى الصداقة. وقد بدأ رسول الله ﷺ دعوته في بيته، فآمنت به زوجه خديجة، ومولاه زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب، وبدأ الدعوة سرًّا مع أصحابه وأصدقائه، ثم أمره الله أن يجهر بدعوته فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: ٩٤) وقال له: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) وبدأ يجهر بدعوته، فلم يقف خطيبًا يلقي العبارات، إنما وقف كما قلنا فأثبت أنه صادق، فلما أقروا له بذلك قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

стр. 321

وإذا كان الله قد وجه رسوله إلى أن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: ١٢٥)، فإن هذا التوجيه القرآني يجمع كل أساليب الدعوة، فقد تقتضي الحكمة الاتصال بالأفراد كلّ على حدة، أو بمجموعة منهم كما كان من عرض رسول الله ﷺ نفسه على قبائل العرب، أو أن يقف خطيبًا يوجه الناس كما كان من مواقف رسول الله ﷺ على المنبر أو في موسم الحج في حجة الوداع، وقد يكون هذا من خلال موعظة يلقيها، أو درس يشرح فيه بعض أمور الدين، ولكل واحد من هذه بواعثه ودواعيه، ولا غنى لواحد منها عن الآخر. ومن وسائل الدعوة: الاقتراب من المدعوين بالسؤال عنهم وزيارتهم وعيادتهم إذا كانوا مرضى، وبمساعدتهم إذا احتاجوا، فهكذا كان يفعل رسول الله ﷺ ، وعلى هذا الهدي النبوي يقوم الدعاة بإنشاء المؤسسات الخيرية، بما فيها من رعاية الفقراء واليتامى، وبما فيها من إنشاء المساجد والمدارس ومساعدة طلاب العلم، ومن الوسائل الحديثة الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية في الصحافة والمجلات والكتب والكتيبات والنشرات، مما يستدعي تضافر الجهود ليمتلك الدعاة الوسائل التي تعينهم على ذلك، من المطابع عالية الجودة، والمتخصصين المهرة في الإعداد والإخراج، وللإعلام المسموع عبر الإذاعات والمواقع الإسلامية على شبكة المعلومات -الإنترنت- أثر كبير في توصيل رسالة الإسلام. أما الإعلام المرئي في التلفزيون، وفي عهد السموات المفتوحة، فيما يعرف بالفضائيات، فيجب أن يحتل فيه الدعاة مكانًا مرموقًا، بنقل الخطب والدروس والندوات حيّة على الهواء، وعليهم أن يدرسوا كيفية الإعداد الجيد لما يلقى على

стр. 322

الناس عبر هذه الوسائل، فليست المسألة مجرد معلومات تلقى، إنما هناك الاختيارات الجيدة، التي تتناسب مع ما عند الناس من قصور في فهم أو شطط في فكر، أو مشكلة تحتاج إلى الحل، وهناك الصوت وطريقة الإلقاء ومظهر الداعية في الإعلام المرئي، ومن خلال ذلك كله يتفنّن الداعية في تبليغ رسالته، من خلال ما يسوق من ترغيب وترهيب، وما يذكر من قصص يساق في أسلوب قشيب، وألوان من طريقة القرآن في جداله مع المخالفين له، ومن خلال عرض أساليب القرآن وطريقته في إقناع الآخرين. وقد يحتاج الداعية إلى تبليغ رسالته لغير الناطقين بالعربية، فليكن هناك مجموعات تتخصّص، كل مجموعة في إجادة لغة من لغات أهل الأرض؛ لحمل رسالة الإسلام للعالمين، وليحققوا حكمة الله من اختيار رسوله ﷺ رحمة للعالمين. فهل لنا أن نفعل؟! هذه رسالتنا نسأل عنها أمام الله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 323

الدرس: ٢٠ دعوة نوح ﵇ .

стр. 324

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس العشرون (دعوة نوح ﵇ التعريف بنوح ﵇ ودعوته الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: نقف بإذن الله تعالى على نماذج من دعوة الرسل: نبدؤها بنوح ﵇: من هو نوح؟ وفي أي عصر بعثه الله لقومه؟: لعلكم تلحظون معي في سياق القرآن لقصص أنبيائه ورسله، أنه لم يذكر نَسَب أحد منهم أو تاريخ رسالته، إنما يسمي الأنبياء بأسمائهم، ولم يذكر إلّا يحيى وذكر أباه زكريا، على أن ذلك آية من آيات الله؛ إذ رزق بيحيى على الكبر بعد أن وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبًا، ووصلت امرأته إلى سنِّ اليأس، ولذلك لما بشرها لله بيحيى قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مريم: ٨)، وذكر القرآن عيسى وأنه ابن مريم، وهو بذلك آية من آيات الله، ولذلك لما بشّرها الله به قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (مريم: ٢٠، ٢١). وإبراهيم ذكَر القرآن أن أباه آزر، وأيضًا ذكر إسماعيل وأن أباه إبراهيم ﵉، فذكر نسب الأنبياء ليس من أغراض القرآن، إنما المقصود هو موطن العبرة في دعوته، وماذا فيها من معالم الهداية، وماذا كان من أمر هذا الرسول وأمر قومه. فقد ذكر المؤرخون ومن يكتبون في قصص الأنبياء نسب هؤلاء الأنبياء وأين كانت دعوتهم، فذكر ابن كثير في قصص الأنبياء أنّ نوحًا هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ -وهو إدريس- بن يرد بن مهلاييل بن قنين بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇، وقد أرسله لقومه بعد أن تغيّرت معالم الحق،

стр. 325

وضلّ الناس طريق العبادة، وهذا شأن الله مع خلقه، لا يتركهم يتخبطون في دياجير الباطل، إنما يرسل إليهم رسل، وينزل إليهم الكتب، وكلما ذهب رسول وانحرف الناس بعده في فترة تطول أو تقصر، أرسل الله رسولًا آخر، إما على ما أنزل الله على الرسول السابق من كتاب، فيظهر حقائقه ويبين معالمه ويدعو أمته إلى العودة والالتزام بهذا الكتاب، أو ينزل الله على هذا الرسول كتابًا آخر، إلى أن ختمت الرسالات والنبوات بمحمد ﷺ وختمت الكتب المنزلة بالقرآن الكريم. فما هي المدة التي انقضت من آدم إلى أن بعث الله نوحًا، وفيها انطمست المعالم وعبِدَت الأصنام، ذكر ابن جرير الطبري أنّ مولد نوح كان بعد وفاة آدم بمائة وستة وعشرين عامًا، وأنه بعِثَ وهو ابن ثلاثمائة وخمسين، وقيل غير ذلك، وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين، وقيل: إن مدة عمره ألف سنة إلّا خمسين عامًا قبل البعثة وبعدها وبعد الغرق، يقول ابن كثير: فالله أعلم. وهذه المدة التي ذكرها ابن جرير قد يكون الأصح منها ما رواه ابن حبان وصححه، من حديث أبي أمامة: ((أن رجلًا قال: أنبي كان آدم؟ قال: نعم)) وفي رواية: ((نعم نبي مكلّم)) أي: أن الله كان يكلمه، قال: ((فكم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون)). وأقرب ما قيل في مدة وعمر نوح ما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: "بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثروا وفشوا، والمدة المحققة التي لا شك فيها، هي مدة بعثته والتي وردت في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (العنكبوت: ١٤، ١٥).

стр. 326

أما ما قبل ذلك وما بعده ففيه هذا الخلاف الذي تراه، وموطن العبرة هو الذي يقصده القرآن، وذلك يتحقّق بذكر مدة بعثته، وأنها هذه القرون المتطاولة، ومع ما بذل نوح في دعوته من جهود، إلّا أن عدد المؤمنين به لم يتجاوز عدّ الأصابع، قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠) وكم في ذلك من تسلية وتسرية وتطمين لقلب رسول الله ﷺ ، الذي آمن به مع قلة عدد السنوات التي أمضاها في مكة، إلى أن نزلت عليه سورة "العنكبوت" التي منها هذه الآية، بل إن منها من آمن برسول الله ﷺ في سنوات معدودات، يصل إلى أضعاف من آمن بنوح ﵇. ودرسنا ليس في نوح واسمه وعمره وكم لبث في قومه، إنما درسنا في عرض نماذج من دعوته ﵇ ودعوته قد عرضها القرآن في كثير من آياته، من خلال عرض قصته مطوّلة مفصلة، أو مختصرة، أو عن طريق الإشارة إلى اسمه وحده، مع بعض صفاته، أو في جملة من أوحى الله إليهم، وللقرآن في طريق عرض قصصه بين الطول والقصر والإطناب والإيجاز أسرار تتفق مع الأهداف العالية التي تساق لها آيات السورة، وفي ذلك سر من أسرار إعجاز القرآن. وقد ذكر اسم نوح في القرآن ثلاثًا وأربعين مرة، وبجمع الآيات التي ورد فيها الاسم نستطيع أن نعرض الكثير من نماذج دعوته، فنرى ما دعا إليه وكيف دعا قومه لذلك، فلنتابع الآيات، أو بعض هذه الآيات، كما جاءت في القرآن الكريم، بدءًا من أول ذكر لنوح إلى آخر مرة ذكر فيها، في سورة سميت باسمه وهي سورة "نوح"، وقد ورد أول ذكر لنوح في القرآن ثناءً عليه في جملة من أثنى عليهم ربنا؛ حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٣٣، ٣٤).

стр. 327

وهذا الاصطفاء اختيار من الله لمن ذكرهم -جلّ وعلا- لحكم يعلمها سبحانه، ومن اصطفاهم واستخلصهم من خلقه، أحاطهم برعايته وعنايته، حتى جعلهم أهلًا لحمل رسالته، فكان من أوائلهم بعد آدم نوح ﵇، بل إنه أول رسول أرسله الله لأهل الأرض، ولذلك جاء في حديث الشفاعة أن الناس في موقف الحساب يأتون آدم فيقولون: ((يا آدم، أنت أبو البشر؛ خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: رب قد غضب غضبًا شديدًا، لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن شجرة فعصيت، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول: رب قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي ... ))، إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري. وفي سورة "النساء" يذكر الله نوحًا في جملة من أوحى إليهم بوحيه فيقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (النساء: ١٦٣). والمقصود من الآية: إثبات صدق رسول الله ﷺ فيما بلّغ عن ربه، وأنه ليس بدعًا من الرسل، فتاريخ الإنسانية كما يعلم كل إنسان شاهد بأن الله أرسل رسلًا وأنزل كتبًا، كما قال في هذا الموضع تعقيبًا على ما ذكر من هؤلاء الرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)، فكان نوح أول رسول يذكر في سلسلة موكب الأنبياء.

стр. 328

وجاءت الإشارة إليه في قصة إبراهيم في سورة "الأنعام"، في قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (الأنعام: ٨٣، ٨٤) فأشار إلى نوح، وأنّ الله هداه إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وعلى طريقه كان إبراهيم وبنوه وذريته، فما أعظمها من شهادة لهؤلاء، وأول حديث عن دعوة نوح نقرؤه في سورة "الأعراف"، وفي ست آيات يلخّص الله ما كان من أمر نوح، وما آل إليه حال قومه. وتأتي قصته في السورة أوّل قصة لتتوالى بعدها قصص هود وصالح ولوط وشعيب وموسى ﵈ على اعتبار أنه أوّل الرسل، وقبل هؤلاء جميعًا، ولكنك تلحظ أنّ الحديث عن القصة يأتي مفصولًا عن الآيات السابقة فصلًا بيانيًّا، فيقول ربنا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (الأعراف: ٥٩)، أما بعد ذلك فترى واو العطف ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (الأعراف: ٦٥)، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (الأعراف: ٧٣)، ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ (الأعراف: ٨٠) ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (الأعراف: ٨٥)، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى﴾ (الأعراف: ١٠٣)، وكأنه بعد أن ذكر قصة آدم في أول السورة، ونادى أبناء آدم أربع مرات، وبَيّن أحوال أهل الجنة وأهل النار، وذكر قدرته في إرسال الرياح بشرًا بين يدي رحمته، وأن الأرض وهي تستقبل ماء المطر قد تكون أرضًا طيبة يخرج نباتها طيبًا زاكيًا بإذن ربها، وقد تكون أرض سبخة لا يخرج نباتها إلّا ضعيفًا هزيلًا، وهكذا البشر، كما قال رسول الله ﷺ : ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثًا أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء

стр. 329

ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) متفق عليه. بعد أن ذكر هذا كأن سائلًا سأل فقال: هل من أمثلة من الأمم التي أرسل الله لها الأنبياء، فاستجاب لهم من استجاب وكفر بهم من كفر، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (هود: ٢٥) فذكر قصته وما بعدها من هذا القصص العظيم، وفي الآيات التي ذكرت ما كان من أمر نوح على وجازتها، تلمح معالم دعوته وإلى ما دعا وكيف دعا، فأنت ترى في التعبير القرآني ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ (المؤمنون: ٢٣) أنّ هذا التعبير يذكَر في عدة مواضع هنا في "الأعراف"، وفي "هود"، وفي "المؤمنون"، وفي "العنكبوت"، وفي "الحديد"، وأخيرًا في مطلع سورة "نوح"، وفي هذا التعبير ترى اللام الموطئة للقسم، وقد، وذلك لتحقيق وقوع ذلك، وفيه أيضًا إسناد الإرسال إلى ضمير المعظم لنفسه: أرسلنا، مما يدل على عظمة المرسِل وهو الله، المتصف بصفات الجلال والكمال. وهذا أول معلم في معالم الدعوة، ألا وهي الاستناد إلى قوة القوي العزيز، الذي اختار رسله وأرسلهم إلى أممهم، وهذا المعلم يجب أن يكون نورًا هاديًا للدعاة والمرسلين، حين يستعلون بالحق الذي معهم، والسند الذي يركنون إليه، فلا يهون الواحد منهم، ولا يذل، ولا يشعر بالانكسار والدونية، إنما يشعر بالعزة المستمدة من عزة الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ (فاطر: ١٠) وكما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: ٨) وقد ذكرت هذا كما تعلمون في صفات الداعية ومسلكه في دعوته.

стр. 330

والآيات هنا وفي كثير من المواضع، تذكر أن نوحًا أرسله الله إلى قومه فقال: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩) والقوم مَن تستعين بهم من الأهل والعشيرة، ومن يكونون عونًا لك على الزمان وتقلبات الأيام، وفي هذا عدة دروس، منها: طريقة نوح، بل وطريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله، بالتودد لهم، واستجاشة مشاعرهم، وتذكيرهم بحق القرابة، وما تفرضه من تناصر، وفي خذلان من يدعوهم إلى الخير ويرشدهم إلى ما فيه سعادتهم غصة وألم، كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد غضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهند ولذلك جأر رسول الله محمد ﷺ إلى ربه، يشكو له هجر قومه للقرآن فقال ما ذكره الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَب إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: ٣٠). ومن هذه الدروس: أن كل نبي كان يرسل إلى قومه خاصة، وبعث رسول الله ﷺ إلى الناس عامة، ولهذا تلمح أن القرآن إذا ما تحدث عن الأنبياء غير محمد يقول: بأنه أرسل فلانًا الرسول إلى قومه، أما محمد فيقول فيه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ فهو مبعوث فيهم إلى الناس جميعًا كما ذكر الله ذلك في عدة مواضع؛ ومنها قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: ٢٨) وهذه أول ما وجهه إلى قومه فقال: ﴿يَا قَوْم اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٥٩) فترى أنه بادر بتبليغ رسالة ربه كما تدل على ذلك الفاء في قوله: "فقال"، وناداهم مذكرًا لهم بما بينه وبينهم من أواصر القربى ووشائج المحبة التي جعلته يحرص على إنقاذهم من عذاب الله، وعلى إرشادهم لطريق الله، فأمرهم بعبادة الله، وذكر لهم على سبيل الحصر بأنهم لا إله

стр. 331

لهم غير الله، وعبادة الله التي أمرهم بها إفراده بالطاعة والمحبة والولاء والتعلق والخضوع، مما يقتضي التذلل في محرابه، والإقبال على طاعته، والالتزام بشريعته، والاقتداء بأنبيائه ورسله. وقد قدم نوح كغيره من الأنبياء هذه الدعوة مشفوعة بدليلها، ودليلها في قوله لهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ لأن غيره لا يصلح أن يكون إلهًا، فالإله كلمة مأخوذة من وَلِهَ إذا تحير، والوله استيلاء الحب على قلب المحب وعقله وفؤاده، أو الإله من أله إلى فلان، أي: سكن إليه واطمأن، أو من أله إليه إذا فزع من أمر نزل به، وآلهه غيرهم إذا أجارهم، فهل تستطيع ذلك أصنامهم التي يعبدونها من دون الله، وهي أحجار نحتوها بأيديهم وناصبوها واعتقدوا أنها وسائط تقربهم إلى الله زلفى، فلو تأملوا أدنى تأمل لعلموا أن الخالق الرازق، المحيي المميت، من بيده ملكوت السموات والأرض، هو الإله المستحق للعبادة دون غيره، وهو الإله الذي يجدر أن تتعلق به القلوب، وأن تسكن إليه وتطمئن، ومن يجيب المضطر إذا دعاه. ومن العجيب أنهم يعلمون ذلك ولا ينكرون ربوبيته، فهو ربهم، ولكنهم يرفضون ألوهيته فلا يتألهون له، إنما يتجهون بعبادتهم وحياتهم إلى غير الإله الحق، وهذا الذي بدأ به نوح دعوته هو الأساس الذي يشاد عليه البناء، وهو البداية التي تؤدي إلى حياة كريمة في الدنيا والآخرة، ولذلك أتى كل نبي ورسول يرُدّ أمته إلى هذا الطريق، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) فهو اعتقاد يترتب عليه عمل، اعتقاد في الله ربًّا وإلهًا، وعمل يتمثل في العبودية لله.

стр. 332

يقول ابن القيم: "فاعلم أن سرَّ العبادة وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها، ومعنى كونه إلهًا، بل هو الإله الحق، وكل إله سواه فباطل، بل أبطلُ الباطل، وأن حقيقة الإلهية لا تنبغي إلا له، وأن العبادة موجب ألوهيته وأثرها ومقتضاها، وارتباطها بها كارتباط متعلق الصفات بالصفات، وكارتباط المعلوم بالعلم، والمقدور بالقدرة، والأصوات بالسمع، والإحسان بالرحمة، والعطاء بالجود. فتأمل طريقة الأنبياء في الدعوة إلى الله، وكيف يبدءون بالأهم، بل بما لا فائدة لقول أو عمل إلا به، وأن طريقتهم في دعوتهم تقوم على الدليل، الذي يحاصر العقل فلا يجد له مناصًا إلّا أن يسلّم به ويستسلم، ولا يرفض ذلك إلّا من لا عقل له، ولذلك ترى القرآن حين يعرض أدلته، ويذكر إعراض المشركين عنها يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: ١٤) أو يقول: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١) أو يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، ويقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢) ويقول: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٣، ٤٤). والأمر الثاني الذي دعا إليه نوح ﵇ هو الإيمان باليوم الآخر، وله في الدعوة إلى ذلك طريقة فذة، هي طريقة أنبياء الله ورسله في إيقاظ العقل والقلب والمشاعر؛ لتؤمن بالبعث بعد الموت، وما يسبق البعث من لحظات الانتقال من الدنيا، والانتقال للقبر وما يكون فيه، ثم ما يكون في البعث من حشر للمخلوقات،

стр. 333

وميزان وسؤال وصراط وجنة ونار، ترون طريقة نوح في ذلك في قوله لقومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٣٥) فدعاهم إلى العبودية لله وألا يتخذوا من دونه آلهة، وخوفهم من عذاب الله يوم القيامة بما أعده الله للمشركين، فأثبت بذلك الإيمان بيوم البعث والحساب، وساق ذلك في أسلوب الحريص عليهم، الذي يخاف على قومه من سوء الحساب. وإذا كان الإنسان إذا ما نزل ظلم بأحبابه من الأهل والعشيرة يحزن لذلك ويتألم، ويبذل قصارى جهده في دفع هذا الضر، مع أنه ضرر في أمر من أمور الدنيا من صحة أو مال أو ولد، وهذه قد تمر بالصبر عليها ولا يترتب عليها كبير ضرر، حتى لو كان الضرر كبيرًا فهو إلى نهاية، أما أن يعبر الإنسان قنطرة الحياة، ويرد على الكبير المتعال مشركًا به، لا يؤمن بهذا اللقاء، فإن خسارته لا عوض عنها، قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (الأنعام: ٣١)، وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (يونس: ٤٥). وقال تعالى في سورة "السجدة": ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (السجدة: ١٠ - ١٤). والآيات في ذلك كثيرة،

стр. 334

وفي مقام تخويفهم يذكر نوح أنّ عذاب هذا اليوم عظيم، وكلمة اليوم في هذا السياق تعني الزمن المتطاول، الذي يكون فيه إحياء الناس من قبورهم، وما يحدث بعد ذلك حتى يستقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ولكنه مع طوله يوم وأيّ يوم، وقد خوفهم نوح بعِظَم هذا اليوم، ولو تأملت لرأيت أن هذا العظم إنما هو للعذاب، لا لليوم الذي فيه العذاب، فهذا من باب المبالغة، وكأنّ العذاب قد انتقلت شدته وعظم ما فيه من الأهوال إلى اليوم نفسه، فإذا أضفت إلى هذا ما تعنيه حروف العين والظاء والميم، من بلوغ الأمر إلى منتهاه، وأضفت إليه وضع هذه الحروف في صيغة المبالغة عظيم؛ لاستطعت أن تتخيل مدى قوة هذا العذاب وهوله. والمقام لا يتسع لأعرض عليكم، ولنتذاكر معًا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مما أعده الله للكافرين من ألوان العذاب النفسي والبدني، من أول لحظات مفارقتهم للدنيا وملائكة العذاب يقبضون أرواحهم يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأنعام: ٩٣) إلى أن يلقوا في السعير؛ حينذاك يسمعون لها تغيظًا وزفيرًا ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ (الفرقان: ١٣)، فيأتيهم الرد الذي يحمل السخرية والتأنيب، لتزداد حسراتهم فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفرقان: ١٤)، فقول نوح لقومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٣٥) أسلوب في الدعوة عظيم، فيه نظرة من يرى بنور الله، ومن يحمل رسالة الخير لقومه، ومن يعلم أن الخسارة في الآخرة هي الخسارة الحقة، وأن العذاب فيها لا يعدله عذاب.

стр. 335

رد قوم نوح عليه وكيفية استقبالهم لدعوته فماذا كان من ردِّ قومه عليه؟ وكيف استقبلوا هذه الدعوة الكريمة؟: يتابع القرآن عرض ذلك فيقول: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: ٦٠)، والملأ كما يقول الراغب في (المفردات): جماعة يجتمعون على رأي، فيملئون العيون رواء ومنظرًا، والنفوس بهاء وجلالًا، فالملأ عظماء القوم وسادتهم، وهؤلاء عقبة الإصلاح في كل زمان ومكان، ترتعد فرائسهم إذا ما استمعوا إلى دعاة الحق، وتوهموا أنهم سيسلبونهم مكانتهم ومنزلتهم وما فرضوه على الناس من عبودية وتسخير، ولهذا كانت المواجهة عنيفة عبر التاريخ بين هؤلاء المستكبرين الطغاة، ومن أرسلهم الله لخلقه يدعونهم إلى عبادة الله والإيمان باليوم الآخر. وفيما ذكر الله من قصص أنبيائه تقرأ هذه العبارات: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ (المؤمنون: ٣٣)، ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ (الأعراف: ٦٦)، ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (الأعراف: ٧٥)، ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ (الأعراف: ١٠٩)، وهكذا، إنهم أصحاب السلطان والجاه والأموال والمناصب، ليسو على استعداد ليستمعوا مجرَّد استماع إلى هؤلاء الرسل، فضلًا عن أن يدخلوا معهم في دينهم، ليكونوا تبعًا لهؤلاء المرسلين، إنهم القادة والسادة، فكيف يكونون عبادًا لرب العالمين يقتدون بأنبياء الله ورسله؟! ولهذا قالوا له مؤكدين قولهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: ٦٠).

стр. 336

والضلال ضياع وانصراف عن جادة الصواب، وهذا الضلال الذي ذكروه موصوف بأنه مبين، أي: واضح ظاهر لا يحتاج إلى دليل، وحرف الجر في قولهم: ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ يفيد أنّ الضلال محيط به في نظرهم من كل جانب، بل هو منغمس فيه إلى أذقانه، وإذا كانوا وهم سادة القوم وأهل الرأي فيهم، يرون نبيهم في ضلال مبين كما قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ فهذا يعني رفض دعوته بقوة، وأنه لا مجال للنقاش معهم في هذا الأمر، فانظر إلى أسلوب نوح في دعوته، وما يمتلك من القدرة على الإقناع لو كانوا يعقلون، لقد أجابهم بقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْم لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٦١، ٦٢) إلى آخر ما قاله. فناداهم للمرة الثانية مذكرًا لهم بأنهم قومه، وهل يفرّط عاقل في حق قومه، وهل يقصِّر في إرشادهم إلى طريق السداد والرشاد، كيف وهو جزء منهم! يسعده ما يسعدهم ويشقيه ما يشقيهم، ناداهم بهذه الصفة ليفتح طريقًا إلى قلوبهم وعقولهم، وبَيّن لهم بأنه ليس به ضلالة، وكل ما في الأمر أنه رسول من رب العالمين إليهم، فذكرهم بهذه العبارة بمن رباهم على موائد كرمه، في جملة تربيته للعالمين، وهل ينكر عاقل أنّ الله هو الخالق الرازق، الذي يملك السمع والأبصار، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه هو الذي يدبّر أمر خلقه، إنهم لا ينكرون ذلك، ولا يستطيع واحد منهم أن يدّعي بأن هذا الحجر الذي صوّره بيده وأقامه معبودًا له، يستطيع أن يصنع شيئًا من ذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٧٣، ٧٤).

стр. 337

وانظروا إلى حكمة نوح في دعوته؛ إذ لما قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأعراف: ٦٠)، فنفى هذا الضلال بأبلغ وجه وأعظمه فقال: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ (الأعراف: ٦١)، أي: أدنى ضلالة في أي جانب من الجوانب، فإن ضلالة اسم مرة كما تعلم، أراد أن يثبت رسالته فقال: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٦١)؛ إذ ربما فهموا أنه حين نفى عن نفسه ما رموه به من الضلال فأجابهم بنفي ذلك فيه، أنه لن يتحدث عن رسالته، فانتهز هذه الفرصة، وأضاف لهم دعوة في أسلوب شيق رائع، ذكر فيه دليلًا من أعظم الأدلة على أنه مرسل إليهم، فذكرهم بالرب الذي رباهم كما ربّى كل الخلائق، ومن عظيم تربيته أنه حين خلقهم لم يتركهم يتخبّطون في هذه الدنيا فيهلكون، إنما أرسل لهم الرسل وأنزل لهم الكتب، فإذا ما قال لهم بأنه رسول مرسَل من هذا الرب الكريم، الحليم العظيم، فردوا رسالته، فقد ردوا على الله كرامته لهم ورعايته، ولم يصدقوه سبحانه فيما أرسل إليهم رسوله، وأضاف نوح ما يفيد حرصه عليهم مما يستوجب تصديقه والإيمان برسالته فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ٦٢) فبيّن لهم أمورًا ثلاثة، كل أمر منها يكفي لتصديقه، فما بالك وقد اجتمعت. أولها: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ (الأعراف: ٦٨) فهو لا يخترع كلامًا يزيّنه لهم ويريد أن يحملهم عليه، إنما يبلغ رسالات ربه، والتبليغ بيان في إيضاح، يبذل فيه المبلِّغ كل جهده في توصيل رسالته، وهي هنا ليست رسالة واحدة، إنما هي رسالات، فكل أمر بلغه وكل نهي ذكره وكل نصيحة أسداها هذه رسالة من ربه، كما أنه أيضًا يحمل ما جاء به أبوه آدم، والأنبياء من بعده؛ كإدريس ﵇ وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وشيث ﵇ وقد أنزل عليه خمسون صحيفة،

стр. 338

ومع أنه قال: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٦١) وكان مقتضى السياق أن يقول: "أبلغكم رسالاته"، إلّا أنه أظهر في موضع الإضمار وأضاف الربوبية له؛ ليقول لهم بأن إحساسه بربوبية الله له توجب عليه أن يجتهد في طاعته، وأن يقوم بتبليغ رسالاته إليهم. وثاني الأمور جاء في قوله: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ (الأعراف: ٦٢) أي أبحث عن كل ما فيه مصلحتكم وسعادتكم، فأبينه لكم وأرشدكم إليه، يقول الألوسي: "أصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع"، ويقال: هو مأخوذ من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له، بفعل الخياط فيما يسُدّ من خلل الثوب، وقد يستعمل لخلوص المحبة للمنصوح له، والتحري فيما يستدعيه حقه، وقد قال: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾، دون وأنصحكم؛ ليقول لهم بأن فائدة هذا النصح عائدة عليهم لا على غيرهم، ونصيحته لهم هم الذين ينتفعون بها لا هو، فعليهم أن يقبلوها، فهل يرفض أحد نصيحة من أخلص له في نصيحته، وأخلص له في محبته، وأخذ يسُدّ خلله ونقصه، حتى يلبس ثوب الحياة قشيبًا سعيدًا، هل يرفض عاقل ذلك؟ أما الأمر الثالث: فهو ما جاء في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٨٦) فما الذي يعلمه نوح وهم لا يعلمونه، إنه يعلم عن طريق الوحي من أمر الله وسنته في خلقه، وما يتبع هذه الدنيا من أحوال الآخرة ما لا يعلمون، ويعلم أنّ الله ذو القوة المتين، وأنه يبطش بالمكذبين المعاندين، وقوم نوح لا يعلمون ذلك لأنهم أول أمة عذبها الله بكفرها، فأزالها من على وجه الأرض، ولم يبق إلّا من آمن مع نوح، وما آمن معه إلا قليل. وفي هذه النصائح الثلاثة يعبّر بالفعل المضارع: "أبلغكم"، "أنصح لكم"، "أعلم من الله"؛ ليدل على تجدد هذه الأفعال ودوامها، فهو ﵇ لا

стр. 339

يتوانى ولا يتوقف عن تبليغهم ونصحهم وبيان ما أعطاه الله من علم به مما لا يعلمون. ويواصل نوح ﵇ تبليغ رسالة ربه، فيسألهم سؤال إنكار وتعجب ليردهم إلى رحاب دين الله فيقول: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٦٣)، فهذه دعوة منه إلى العودة إلى الله، يعرضها في هذا الأسلوب الرائع وبهذا المنهج القويم؛ إذ بعد أن بيّن لهم أنه رسول من رب العالمين، يبلغهم رسالات ربه، وينصح لهم، ويعلم من الله ما لا يعلمون، فهو خائف عليهم لما يعلمه من شدة أخذ الله للظالمين، ومن رحمته بالمؤمنين، بعد ذلك أخذ يعاتبهم متعجبًا من حالهم، ومنكرًا عليهم رفض هذا الخير، الذي جاءهم سهلًا ميسورًا من فيض عطاء الله وفضله، وهذا ما دل عليه قوله: ﴿جَاءَكُمْ﴾، والذي جاءهم ذكر من ربهم، فهي الربوبية إذن بما فيها من الرفق بالعباد، وعدم تركهم هملًا لا يعرفون لهم ربًّا وإلهًا، فتتخطفهم الشياطين، فتضلهم عن السبيل. ووصف ما أوحاه إليه بأنه ذكر؛ ليقول بأن ما أوحاه الله إليه جاء تذكيرًا وموعظة بليغة ترشدهم إلى الطريق الأقوم والحياة الأكرم، وهل جاء الرسل إلّا ليذكروا الناس بربهم، فإن الفطرة الإنسانية تعرف خالقها، كما جاء في الحديث: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجِّسانه)) الحديث، وفي الحديث القدسي: ((إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم)) أي: حوّلتهم بقوة إلى طريق الكفر بالله. وهذه الهدية الغالية -وهي وحي الله- صادرة من ربهم على رجل منهم، يعرفونه ويعرفون نسبه وشرفه فيهم، وما له من أخلاق فاضلة وصفات عالية، وهذا الرجل جاء لهم بإذن من الله ينذرهم، والإنذار قول مصحوب بالتخويف

стр. 340

والتهديد والوعيد، وقد اكتفى به نوح، فلم يذكر أنه جاء لينذرهم وليبشرهم؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف. وأمر آخر يترتب على مجيء نوح إليهم، هو أنه يضعهم على طريق التقوى، والتقوى فعل المأمورات وترك المنهيات، مع الحذر من التقصير في ذلك، والخوف العظيم من عدم قبول العمل، أو هي كما ورد على لسان علي بن أبي طالب: "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل"، ومن عرف باب التقوى فولجه فاز بالنعيم المقيم في جنات النعيم. أما الأمر الثالث: فهو رحمة الله التي تعمهم، فيبارك الله لهم فيما أعطاهم، وتجري عليهم أرزاقهم دارة كثيرة، ويحيون في سعادة وأمن وأمان، وينالون رحمة الله الواسعة في الآخرة كما نالوها في الدنيا، فمن الذي يرفض هذا العطاء كله، ومع كل الذي قاله ونصحهم به كذبوه، وكان تكذيبهم دون روية ونظر، كما يفهم من الفاء في قوله: "فكذبوه"، وكانت النجاة لنوح والذين معه بعد أن أُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ، وأوحى الله إليه أن يصنع سفينة فصنعها، ولما جاء أمر الله فتح بقدرته السماء بماء منهمر، وفجر الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر، وحمل الله نوحًا ومن معه في سفينة، ذات ألواح ودسر، وأنجى الله هذا النبي ومن آمن معه، وأغرق القوي القادر الذين كذبوا بآيات الله واستحقوا هذا لأنهم كانوا كما قال ربنا: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ (الأعراف: ٦٤) أعمى الله قلوبهم عن معرفته وتوحيده والإيمان بنبيه، فكانوا هالكين. وبعد فهذه لقطة واحدة، ونموذج فيه عدة نماذج لدعوة نوح ومسلكه في دعوته، وما ذكر في السور الأخرى قريب مما ذكره الله في سورة الأعراف، فالحمد لله الذي نجّا نوحًا ومن معه، وحقق رجاء هذا النبي حين دعا فقال: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (المؤمنون: ٢٩). وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 341

الدرس: ٢١ دعوة إبراهيم وموسى ﵉ .

стр. 342

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الحادي والعشرون (دعوة إبراهيم وموسى ﵉ دعوة إبراهيم ﵇ - حمدًا لله، وصلاة وسلامًا على رسول الله، أما بعد: فحديثنا عن إبراهيم وموسى - عليهم االسلام-: إبراهيم ﵇: ذكر صاحب (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) أن اسم إبراهيم ورد تسعًا وستين مرة، منها خمس عشرة مرة في "البقرة"، وإحدى عشرة في "آل عمران"، وأربع مرات في كل من "الأنعام" و"هود" و"الأنبياء"، وثلاث مرات في "التوبة" و"مريم" و"الحج" و"الصافات"، ومرتين في "يوسف" و"النمل" و"العنكبوت" و"الممتحنة"، ومرة واحدة في كل من "إبراهيم" و"الحجر" و"الشعراء" و"الأحزاب" و"ص" و"الشورى"، و"الزخرف" و"الذاريات" و"النجم" و"الحديد" و"الأعلى". وبهذا الحصر نستطيع أن نعرف متى ذكر إبراهيم في قصة تظهر منهجه في دعوته، ومتى ذكر على سبيل الإشارة والاستشهاد به في موقف، أو موضوع، يثبت الله به المؤمنين ويظهر خطأ المشركين وأهل الكتاب، والذين يدعون أن إبراهيم كان على دينهم، أو أنهم ينتسبون إليه، ويبنون على هذه النسبة أمورًا، ويريدون حقوقًا ليست لهم، إلى غير ذلك مما ورد فيه ذكر اسم إبراهيم ﵇. وأول ذكر لإبراهيم في القرآن تراه في سورة "البقرة"، وقد ورد ذكره في الربع الثامن من الجزء الأول إحدى عشرة مرة، وورد اسمه في الربع الأول من الجزء الثاني أربع مرات، وفي كل موضع نموذج بل عدة نماذج من دعوته ﵇، ففي الموضع الأول بيان لما يجب أن يكون عليه حملة الرسالة، من الصبر والطاعة لله والاستسلام له، والحرص على امتداد رسالتهم، والله حين يذكر ذلك، إنما يذكره ليكون نبراسًا لأهل الإيمان من أمة محمد ﷺ وهذه هي آيات هذا الربع،

стр. 343

يقول الله فيها: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤). فلم يكن حصوله على هذه المنزلة من إمامة الناس، وأن يكون أبا الأنبياء، إلا لأنه استحق هذا حين نجح فيما اختبره الله به، فأداه على وجه التمام والكمال، وهذه الكلمات وردت فيها أقوال كثيرة، وهي أقوال غير متعارضة، ولذلك قال ابن جرير ما حاصله أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع. قال: "ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له". وقد ذكر ابن كثير جملة من هذه الأقوال، منها ما رواه داود بن هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في "براءة": ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ (التوبة: ١١٢) إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: ١) و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ (المعارج: ١) وعشر آيات في "الأحزاب": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥) إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن فكتبت له براءة قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم: ٣٧) ". ومنها ما روي عن ابن عباس قال: "الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذًا في الله حين أوقفه على ما أوقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه هلاكه، وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله، على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده

стр. 344

في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبح، فلما مضى على ذلك من الله كله، وأخلصه للبلاء قال الله له: أسلِم قال: أسلمت لرب العالمين، على ما كان من خلاف الناس وفراقهم". وكل أمر من هذه الأمور كما ترون فيه من مشقة الصبر عليه الكثير، وبخاصة في قوم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر. وذكر ابن كثير عن ابن عباس أقوالًا أخرى، فيها أنه أمر بأمور يخالف فيها ما كان عليه قومه، وفعل ما يخالف عادات الناس ليس بالأمر الهين، فلما أسلم إبراهيم نفسه لله رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣١) كان جديرًا باختيار الله له إمامًا وخليلًا. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: ١٢٤)، ومن شدة محبة إبراهيم للخير رغب في امتداد هذا الاصطفاء لذريته، ولذلك قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (البقرة: ١٢٤) قال الله له: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤). وذرية إبراهيم: إسماعيل وإسحاق، ومن تناسل منهما إلى يوم القيامة، وإذا كان الله قد أكرم إبراهيم، وجعل كلًّا من ولديه نبيًّا، فإن من بعدهما من ذرية إبراهيم، كان منهم الصالح والطالح. قال تعالى بعد أن ذكر قصة رؤيا إبراهيم، وأنه يذبح ولده إسماعيل، إلى أن مَنّ الله عليه بفداء إسماعيل، وبشره بإسحاق نبيًّا من الصالحين قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات: ١١٣). وهذا الذي سأله إبراهيم منهج في الدعوة إلى الله، أن يكون الداعية في نفسه وفي ولده مثالًا لطاعة الله، وأن يسأل الله أن يمن على أبنائه وذريته بالهداية والتوفيق، ولذلك لما استجاب إبراهيم لأمر ربه، ورحل بهاجر ووليدها إسماعيل إلى مكة،

стр. 345

وتركهما بأمر الله وحيدين في هذا المكان القفر، الذي لا أنيس فيه ولا جليس ولا طعام ولا ماء، وقف خلف الثنية يجأر إلى الله قائلًا: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (إبراهيم: ٣٧ - ٤١). فالهدف من رحلته وتركه لزوجه وابنه في مكة إعلاء كلمة الله، وإقامة دين الله، ومثل هذا الدعاء ما نراه في دعاء إبراهيم وإسماعيل بعد أن أتما بناء البيت، بل أثناء عملهما في بنائه قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٧ - ١٢٩). وهذا الحرص على الدعوة إلى الله هو الذي جعل إبراهيم وابن ابنه يعقوب يوجهان النصح لأبنائهما بالحرص على الدين إلى آخر لحظة من حياتهم. قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِي إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٢). وقد استجاب الله دعاء إبراهيم، ووهب له إسماعيل وإسحاق، وجعل من ذرية إسماعيل محمدًا خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعل من ذرية إسحاق يعقوب وهو إسرائيل، أي عبد الله ومصطفاه، ومن يعقوب كانت الأسباط، فقد أنجب يعقوب اثني عشر ولدًا منهم يوسف ﵇.

стр. 346

وكل من أتى من الأنبياء والمرسلين بعد إبراهيم فهو من ذريته، ولذلك بعد أن ذكر الله ما كان من أمر إبراهيم مع قومه عبدة الأصنام، وما كان من إلقائهم له في النار ونجاة الله له، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (العنكبوت: ٢٧). وبعد أن ذكر الله محاجة إبراهيم لعبدة الكواكب قال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام: ٨٣ - ٨٧). ومن منهج إبراهيم في الدعوة إلى الله: بناء البيت الحرام بأمر الله، ومن أجل بناء هذا البيت تحمل إبراهيم ألم فراق إسماعيل، الذي رزق به وقد تجاوز الثمانين من عمره، وليته حين فارقه تركه في مكان آمن فيه مقومات الحياة، أو تركه شابًّا يعمل فيكسب قوته وقوت أمه، إنما تركه طفلًا رضيعًا في مكان ليس به أي مظهر من مظاهر الحياة، فمن يطيق ذلك غير إبراهيم الخليل، ولما كبر هذا الطفل وأصبح صبيًّا، يرى إبراهيم في منامه أنه يذبح إسماعيل، ورؤيا الأنبياء حق، فيأتي من أرض فلسطين إلى مكة؛ ليقص على ابنه رؤياه فيقول الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٢) ويكون الفداء جزاء هذا الصبر والاستسلام لأمر الله. ثم يؤمر إبراهيم بأن يرفع القواعد من البيت، فيساعده إسماعيل في ذلك ويتما البناء، ويدعو الناس لحج هذا البيت، فيبقى ذكر إبراهيم وذكر جهاده نورًا يهدي

стр. 347

إلى طرق السداد والرشاد، لتكون الدعوة إلى الله من خلال بناء بيوت الله، وتشييدها والمحافظة عليها، وإقامة شعائر الله فيها، رافدًا مهمًّا لتبليغ كلمة الله، وكم للمساجد من دور فعال في جمع كلمة المسلمين ووحدتهم، وتعليمهم وتثبيت أقدامهم، وهذا يحتاج إلى إعداد داعية يمتلك من وسائل التأثير والإقناع، ما يستطيع به أن يستفيد من وجود المسلمين في مساجدهم؛ ليجعل منهم قوة تحمي الحق وتذود عن دين الله. وفي مدرسة إبراهيم في الدعوة إلى الله، ما نراه في دعوته لعباد الأصنام وعباد الكواكب، وعباد الأصنام كانوا في العراق في بابل، ومِن عظم البلية أن يكون آزر -والد إبراهيم- هو الذي يصنع الأصنام لقومه، فالمسألة ليست في أبيه الذي يعبد الأصنام، إنما في أبيه الذي يصنع الأصنام، فكيف فعل إبراهيم، وهو الوحيد في هذه الأرض الذي يؤمن بالله إلهًا واحدًا، ولم يؤمن معه سوى زوجه سارة وابن أخيه لوط. إنه بدأ الدعوة لقومه بأبيه، فوجه إليه الدعوة في أدب ولطف، وبيان القرآن لهذا ليس بعده بيان. يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: ٤١ - ٥٠).

стр. 348

ومن هذا الدرس يتعلم الدعاة أدب الدعوة إلى الله، وأنها تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن الدعوة تبدأ بالأهل والأقارب، وقد بدأت دعوة محمد ﷺ أولًا لعشيرته الأقربين، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤، ٢١٥). دعا إبراهيم عبدة الأصنام، لقد أقام عليهم الحجة بطريق عملي لا سبيل لرده؛ إذ بعد أن دعاهم إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته، فلم يستجيبوا له، أقسم أن يكيد لأصنامهم كيدًا، يظهر عدم استحقاقها للعبادة، فما إن خرج القوم إلى عيد لهم خارج البلدة، وكان هذا من عادتهم في كل عام، حتى دخل إلى معبدهم فكسر أصنامهم، وجعلهم جذاذًا إلا كبيرًا لهم، علق الفأس بيد هذا الصنم الأكبر، فلما جاءوا ورأوا ما حل بأصنامهم، ثاروا وغضبوا، وأتوا بإبراهيم على أعين الناس لعلهم يشهدون، وكان هذا مقصد إبراهيم ليقيم عليهم الحجة على الملأ. ولما سألوه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٢، ٦٣) فكانت حجة واضحة أفحمتهم ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٤) ولكن الهوى أعماهم فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٥) وهذا اعتراف منهم بالحقيقة، ولذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٦٦، ٦٧). فثارت ثائرتهم وأطفئ عندهم سراج العقل، ولم يبق إلا الكبر والإصرار على الباطل، ولم يجدوا لهم سبيلًا إلا أن يتخلصوا من إبراهيم، لقد فكروا ولم يطل

стр. 349

بهم التفكير، في الكيفية التي يقضون بها على هذا الذي سفه أحلامهم وأبطل حجتهم، فوجدوا أن يجمعوا لذلك حطبًا كثيرًا فيضرموا فيه النيران، ثم يلقون إبراهيم في هذه النيران، فلما وضعوه مقيدًا في كفة المنجنيق قال ﵇: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وقذفوه في النار دون رحمة، والكل يشاهد هذا المنظر العجيب، وهذا الإجرام الذي فاق الحدود، ولكن الله القوي القادر القاهر أمر النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، فكانت كذلك، ولم تحرق إلا وثاقه ونظر إليه الناس فرأوه في روضة خضراء، ولكن النار من حول روضته لا يستطيع أحد الوصول إليه. وقد روى ابن عساكر عن عكرمة: "أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها ﵇ فنادته: يا بني إني أريد أن أجيء إليك، فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك، فقال: نعم، فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار، فلما وصلته اعتنقته وقبلته ثم عادت". ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٠) ويقول الله في سورة "الصافات": ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (الصافات: ٩٨) فانظر إلى طريقة إبراهيم في دعوته، وكيف وجه أسئلته إلى قومه في أسلوب مقنع مهذب، إلى أن قال: ﴿بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٥٨). وتأمل في شجاعة إبراهيم في الحق، وهو يقسم أن يكيد لأصنامهم بعد أن يولوا مدبرين، ونفذ ما أقسم عليه بطريقة، أراد منها أن يجمع الناس ليقيم عليهم الحجة، وتم له ما أراد، وقدم ما أراد على طريقته في الإقناع، الذي حاصر كل دليل وأبطل كل ما اعتقدوه في أصنامهم، فقابلوا هذا بالقوة والغشم والتعدي على هذا الذي أراد لهم السعادة، فأوقدوا نارًا هائلة وألقوه فيها، وفي تسليم إبراهيم لأمر الله وفي ثقته في فضل الله درس عظيم للدعاة؛ ليعلموا أنهم إن

стр. 350

أخلصوا لله في الدعوة إليه، فإن الله حافظهم وناصرهم، والدروس في قصة إبراهيم كثيرة. ولما نجاه الله من النار، ووجد أن أرض بابل لم تعد صالحة لغرس الإيمان، خرج مهاجرًا إلى أرض الشام، ومعه زوجه سارة وابن أخيه لوط، ولم تكن هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، إنما كانت لله ومن أجله، ولذلك قال الله على لسانه: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (العنكبوت: ٢٦) وقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: ٩٩) ورغب في الولد ليحمل الرسالة معه ومن بعده، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٠، ١٠١) ذلكم هو إسماعيل ﵇ وكان من أمر إسماعيل ما ذكرته آيات الصافات، إلى أن فدى الله إسماعيل بذبح عظيم، ولصبره وحسن بلائه بشره الله بإسحاق نبيًّا من الصالحين. فماذا كان من أمر إبراهيم في بلاد الشام؟ لقد وجد في مدينة حران، وهي من مدن بلاد الشام، قومًا يعبدون الكواكب فكيف أقام عليهم الحجة، وأظهر لهم أن هذه الكواكب مربوبة لله رب العالمين؟ إنه لم يرمهم بالجهل والكفر، ولم يقل لهم من البداية: إن هذه الكواكب لا تضر ولا تنفع، وإنها مربوبة لمن خلقها، إنما دخل معهم إلى معابدهم، وبزغ في كبد السماء كوكب الزهرة، فقال إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (الأنعام: ٧٦) وما هي إلا ساعات حتى أفل هذا النجم، فلم يزد على أن قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (الأنعام: ٧٦). ثم بدا القمر مضيئًا في صفحة السماء، قال كما قالوا: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (الأنعام: ٧٧) وما هي إلا ساعات حتى غاب القمر، فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ (الأنعام: ٧٧) فعرض بضلالهم دون أن يفصح عن ذلك، وأشرق الصبح وبدأت الشمس ترسل أشعتها فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ (الأنعام: ٧٨)

стр. 351

ومرت ساعات النهار وغابت الشمس، فلما أفلت كان قد تم له ما أراد، فإن الإله لا يغيب، وهناك إذًا الإله الذي يدبر هذه الكواكب، والذي أوجدها وأمدها بالضياء، لذلك قال: ﴿يَا قَوْم إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٧٨) وأعلن لهم وجهته ومن يعبد فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٩). ولم يقتنع قومه بهذا الدليل الساطع والبرهان القاطع، فأخذوا يجادلونه ويحاجونه قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٠ - ٨٢) وقد عقب الله على ذلك فقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: ٨٣). وفي طريقة إبراهيم في إقامة الحجة على المشركين، الكثير من الدروس النافعة التي لا يتسع الوقت لذكرها. دعوة موسى ﵇ - وقد ذكر موسى في القرآن ستًّا وثلاثين ومائة مرة، كالتالي: إحدى وعشرون في "الأعراف"، ثماني عشرة في "القصص"، سبعة عشرة في "طه"، ثلاث عشرة في "البقرة"، ثماني مرات في كل من "يونس" و"الشعراء"، خمس مرات في "غافر"، ثلاث مرات في كل من "النساء" و"المائدة" و"الأنعام" و"هود" و"إبراهيم" و"الإسراء" و"النمل"، ومرتين في كل من "الكهف" و"المؤمنون"

стр. 352

و"الأحزاب" و"الصافات" و"الأحقاف"، ومرة واحدة في "آل عمران" و"مريم" و"الأنبياء" و"الحج" و"الفرقان" و"العنكبوت" و"السجدة" و"فصلت" و"الشورى" و"الزخرف" و"الذاريات" و"النجم" و"الصف" و"النازعات" و"الأعلى". وبهذا الجمع لاسم موسى في القرآن، يتضح أنه ورد في أربع وثلاثين سورة من سور القرآن، التي تبلغ أربع عشرة ومائة سورة، وأنه ذكر في السورة المكية أكثر من السور المدنية، وما ذلك إلا لما في قصته من ألوان التطمين لفؤاد النبي ﷺ والتسلية له، عما كان يجده من قومه، ولِما في تكرار الحديث عن موسى من بيان لما كان عليه قومه من سوء الطبع وانطماس الفطرة، وانحرافهم عن منهج الله، ولموقفهم الحاقد الحاسد من دعوة الإسلام، حين رأوا دفة الرسالة تتحول عنهم إلى العرب من أبناء إسماعيل، ويتولاها عَلَم فذ ليس له مثيل في الأنبياء. فكل نبي قبله كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعث هذا الرسول إلى الناس كافة، وكل رسول قبله كان يرسل لفترة محدودة من الزمان، تبقى رسالته لعدد من السنوات، فتتغير المعالم وتنطمس الحقائق، وتهجم الأهواء على ما أنزل الله على هذا الرسول من وحي، فلا يبقى من وحي الله إلا بصيص من نور، لا يكاد يتضح به الطريق، فيرسل الله رسولًا آخر، وهكذا إلى أن ختمت الرسالات والنبوات بالنبي الخاتم محمد ﷺ وأنزل عليه وحيًا لا يمحوه الزمان، تكفل القوي القادر بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩). فلم تستطع قوة في الأرض أن تغير فيه حرفًا، مع ما اعترى أهل الإسلام من ضعف وعجز، واحتلال لديارهم وضياع لهيبتهم، ومع شراسة عدوهم، ومحاولة أعداء الله أن

стр. 353

يطمسوا معالم هذا القرآن، وأنى لهم ذلك؟! وعين الله حارسة لكتابه حافظة لدينه، فماذا كان من أمر موسى ودعوته، وماذا فيها من معالم الهداية الإلهية؟ إن الله إذا أراد أمرًا هيأ له الأسباب. لقد ذكر الله في سورة "يوسف" ما كان من أمر يوسف ﵇ وقدر الله الذي جاء به إلى مصر، حتى تسنَّم فيها ذُرى المجد، وآتاه الله النبوة والملك، وأنه قال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (يوسف: ٩٣). فجاء أبوه يعقوب ﵇ وهو إسرائيل وأبناؤه، وقد كانوا عشرًا، وكان في مصر بنيامين ويوسف، جاءوا ومعهم زوجاتهم وأبناؤهم وأحفادهم، فاستقروا في أرض مصر وكثروا، وتولى ملك مصر أحد الفراعنة، وخشي على ملكه منهم، فسامهم سوء العذاب، وسخرهم في الأعمال الشاقة، وأخبره الكهنة بأن بني إسرائيل سيولد فيهم مولود، يكون على يديه زوال ملكه، فأطلق الفرعون جنوده تقتل كل مولود ذكر، وولد موسى في هذه المحنة، فأوحى الله لأمه أن تضعه في تابوت -أي: في صندوق من الخشب- وأن تلقيه في النيل، وألقى في روعها أن الله سيرده إليها، ويجعله من المرسلين، ودفعته المياه إلى قصر فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (القصص: ٨). وألقى الله محبته في قلب من رآه، حتى قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (القصص: ٩) وأخذت أخت موسى تتبعه من لحظة إلقائه في اليم، إلى أن تم التقاطه منه، ولما جاءوا بالمراضع لترضعه لم يتناول ثدي واحدة منهن، فتقدمت أخته فعرضت عليهم أهل بيت يرضعونه لهم، ويحافظون عليه، فرد الله موسى لأمه ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: ١٣).

стр. 354

وشب موسى في قصر فرعون، فاطلع على كثير من الأحوال وألوان الظلم والجبروت، وبينما هو يسير في المدينة ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: ١٥) فكان هذا سببًا لخروجه خوفًا على نفسه من القتل، وسار إلى مدين، وهناك التقى بشعيب بعد أن سقى لابنتيه ماشيتهما، وتزوج بواحدة من الابنتين، على أن يرعى الماشية لشعيب ثمانية حجج، فإن أتم عشرًا فهذا فضل منه. وأتم موسى السنوات العشر واصطحب أهله لزيارة أهله وعشيرته وقومه في مصر، وبينما هو في سيناء والبرد قارص وقد ضل به الطريق ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (القصص: ٢٩ - ٣٢) ومن هنا نصل إلى بداية رسالة موسى ودعوته، لنختار منها بعض النماذج التي تفصح عن طريقته في دعوته. والمرحلة الأولى التي سبقت تكليفه بالرسالة فيها من الدروس والعبر، وتبين أن الله غالب على أمره، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولكنا في هذا اللقاء نلتقط من واحة القرآن بعض ما في دعوة كل من إبراهيم وموسى من مناهج الهداية والرشاد. وقد أرسل الله موسى لبني إسرائيل، ولكن بني إسرائيل مقهورون تحت إمرة فرعون في مصر، وليبلغ موسى رسالته لبني إسرائيل، لا بد من استخلاصهم من

стр. 355

قبضة فرعون، فلتتجه الدعوة أولًا لفرعون، وليطلب منه موسى أن يترك له بني إسرائيل، يبلغهم رسالة ربه، ولذلك نقرأ في "الأعراف": ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الأعراف: ١٠٤، ١٠٥). ونقرأ ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ (الأعراف: ١٣٤) أي: العذاب الوارد في الآية السابقة من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الأعراف: ١٣٤) وفي سورة "طه" يقول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ (طه: ٤٧). وفي سورة "الشعراء" نقرأ هذا المعنى يقول تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: ١٦، ١٧) وإنما ذكرت ذلك لأبين صدق ما قال رسولنا الكريم ﷺ من أن كل نبي كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة. ولذلك بدأ موسى بإثبات رسالته لفرعون، ليؤدي رسالته لقومه، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا * فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ (الإسراء: ١١ - ١٤). فموسى إنما جاء لبني إسرائيل، ومثل ذلك ما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْم لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الصف: ٥)
следующие страницы →