← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والاتساع في الإحسان والحج والصدق والطاعة، وضد العقوق، وبالفتح -أي: البر- من الأسماء الحسنة. أما الراغب في (معجم مفردات ألفاظ القرآن) فيقول: الحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب فيه؛ وذلك ثلاثة أضرب؛ مستحسن من جهة العقل، ومستحسن من جهة الهوى، ومستحسن من جهة الحس، ثم يقول: والإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن على فلان. والثاني: إحسان في فعله، والإحسان أعم من الإنعام؛ قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ (الإسراء: ٧)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: ٩٠) فالإحسان فوق العدل؛ وذلك أن العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له، ولذلك عظم ثواب المحسنين؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُحْسِنِين﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ (البقرة: ١٩٥) ويقول في البِّر: البَّر خلاف البحر، وتصور منه التوسع، فاشتق منه البر أي التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تارة نحو ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم﴾ (الطور:٢٨) وإلى العبد تارة فيقال: بر العبد ربه؛ أي توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب ومن العبد الطاعة، وذلك ضربان: ضرب في الاعتقاد وضرب في الأعمال، وقد اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ (البقرة: ١٧٧) الآية، وعلى هذا ما روي أنه سئل ﵊ عن البر فتلا هذه الآية؛ فإن الآية متضمنة للاعتقاد وأعمال الفرائض والنوافل، وبر الوالدين التوسع في الإحسان إليهم وضده العقوق قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ (الممتحنة: ٨) ويستعمل البر في الصدق لكونه بعد الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله وبر في يمينه، وقول الشاعر:

стр. 37

أكون ما كان البر منه قيل: أراد به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم؛ أي يحبني محبة البر، ويقال: بر أباه فهو بار وبر، مثل صائف وصيف وطائف وطيف، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ (مريم: ١٤) وبرا بوالدتي، وبر في يمينه فهو بار، وأبررته وبر يميني، وحج مبرور أي مقبول، وجمع البار أبرار وبررة قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (الانفطار: ١٣). وقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (المطففين: ١٨). وقال في صفة الملائكة: ﴿كِرَامٍ بَرَرَة﴾ (عبس: ١٦) فبررة خص بها الملائكة في القرآن من حيث أنه أبلغ من أبرار؛ فإنه جمع بر وأبرار جمع بار، وبر أبلغ من بار، كما أن عدلًا أبلغ من عادل، والبر معروف، وتسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء ... إلى آخر ما قال عليه رحمة الله. من خلال هذا العرض لكلمتي الإحسان والبر في لغتنا العربية- يتضح لنا أن الإحسان معناه أن يبذل الشخص أقصى ما في وسعه حتى يصل إلى درجة التجويد في ما يؤديه من قول أو فعل، وأن البر معناه الطاعة والتوسع في الخير، وهذا التوسع على الأبناء أن يصلوا به إلى درجة تنشرح لها وبها صدور آبائهم؛ ليصلوا من هذا البر وبهذا البر إلى درجة الإحسان. الإحسان إلى الوالدين في القرآن الكريم وقد وردت هذه الوصية في القرآن في ستة مواضع: أولها: في سورة "البقرة" في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (البقرة: ٨٣) فهذه إذًا وصية الله لبني إسرائيل، فهي وصية

стр. 38

قديمة أخذها الله ميثاقًا على بني إسرائيل، جاءت الوصية جاءت الوصية بالوالدين فيما أوصى الله به وفيما أخذ من العهد والميثاق بعد عبادة الله وما بعد ذلك هذا هو الذي نراه في قوله: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ لكن بني إسرائيل لم يلتزموا بهدي الله وشرع الله، إنما كما قال ربنا في الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وفي سورة "النساء" يقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦). وفي وصايا سورة "الأنعام" يقول تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥١). وفي سورة "الإسراء" يقول ربنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا * إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٤). فأنت ترى في هذه الآيات أن أمر بعبادته أولًا، ثم ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين ثانيًا؛ لتعرف قيمة هذه الوصية وقيمة هذا الأمر وقيمة ما أمر الله به في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾

стр. 39

يقول الإمام الفخر الرازي: وإنما ثنى القرآن بهذا التكليف لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى، ويتلوها نعمة الوالدين؛ لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه، وفي الظاهر هو الأبوان، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة، وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ من الضياع والهلاك في وقت الصغر. وقد تأتي الوصية من الله مباشرة بالوالدين والإحسان إليهما كما نرى ذلك في سورة "العنكبوت" حيث يقول ربنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨). وكما جاء في "الأحقاف" في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف: ١٦). هذه الآيات الستة التي وردت فيها كلمة الإحسان أو حسنى إلى الوالدين، ولكن وردت وصية من الله بالوالدين دون ذكر كلمة الإحسان وذلك في سورة "لقمان" في قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٥).

стр. 40

أما كلمة البر -والتي نتحدث فيها عن بر الوالدين- فلم ترد في كتاب الله إلا في سورة "مريم" في قول يحيى وعيسى، يحيى كما قال ربنا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ (مريم: ١٤)، وعيسى ﵇ يقول: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (مريم: ٣٢) الغاية إذا من هذا البر -كما ألمحت- هو يبذل الابن قصار جهده في أن يتوسع في الخيرات والعطاءات، وأن يقوم بواجبه تجاه والديه، إلى أن يصل بذلك إلى درجة الإحسان. الإحسان إلى الوالدين في السنة المشرفة وحين نتأمل سوف نرى كلمة الإحسان قد جاءت في السنة المشرفة في قول الرسول الأكرم ﷺ تبين المرحلة العليا في تجويد الإسلام والإيمان، فلما سئل الرسول ﵊ وذكر الإسلام وذكر الإيمان وسئل عن الإحسان قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فسوف نعرف كثيرًا من هذه المعاني حين نستعرض ما جاء في السنة المشرفة، وفيها الكثير من المعاني، هيا إذًا لنقتبس من نور المصطفى ﷺ ما يضيء للدنيا الطريق: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك))، فترى أنه ﷺ أوصى هذا الصحابي بأمه المرة تلو المرة، ثم جاء الأب في المرتبة الأخيرة، وما ذلك لم بذلته الأم من تعب ومن مشقة كما رأينا في الآيات: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ أو كما قال ربنا: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ثم إنها ضعيفة فتحتاج إلى مزيد من الرعاية.

стр. 41

سوف نجد أيضًا في ما رواه الإمام البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص أنه نزلت فيه آيات من القرآن، قال: حلفت أم سعد إلا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا، قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد أي من المشقة والتعب، فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد، فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا و َإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي﴾ وفيها: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (لقمان: ١٥). إذًا الطاعة والبر والإحسان إنما يكون في طاعة الله لا معصية الله، وأعظم المعاصي وأكبرها وأشدها جرمًا هو الكفر بالله والإشراك بالله فهذا لا طاعة فيه لأحد. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ((أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: أبياعك على الهجرة والجهاد؛ أبتغي الأجر من الله، قال: فهل من والديك أحدٌ حي؟ قال: نعم، بل كلاهما، قال: فتبتغي الأجر من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما))، وفي هذا بيان لعظم صحبة الأبوين بالإحسان كليهما. وهناك أيضًا حديث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجل عابد فاتخذ صومعة، فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جرير فقال: يا رب أمي وصلاتي -يعني: كيف أختار بينهما- فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج،

стр. 42

فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات -أي: المشتغلات بأمر الزنا- فتذاكر بنو إسرائيل جريج وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت: إن شئتم لأفتننه لكم، قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو لجريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته، وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغي فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال: دعوني حتى أصلي فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه وقال: يا غلام، من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا)). ففي هذا الحديث نرى ما كان من أمر هذا العابد وأنه فضل صلاته على إجابة دعوة أمه لجبر خاطرها، فلما غضبت منه دعت عليه بهذه الدعوة؛ أن ينظر إلى وجوه المومسات، فتحقق هذا وحدث، وجاءت هذه البغي وفعلت ما فعلت؛ لكنه لأنه حفظ الله ؛ فلم يقترب منها ولم يرتكب المعصية، وإنما لاذ بدينه وإيمانه، ولكن هذه المرأة الفاجرة جاءت إلى راعٍ يأتي إلى هذه الصومعة ففعلت معه ما فعلت، وحملت بهذا الصبي، فارتكبت عدة جرائم: ارتكبت جريمة الزنا وجريمة الكذب وجريمة البهتان وادعت زورًا وظلمًا أن هذا الصبي هو ابن لجريج، ولكن الله عنده الفرج وهو ولي الصالحين؛ لم يترك عبده هذا لجرم هؤلاء المجرمين، إنما أنطق هذا الصبي فذكر أن فلانًا الراعي هو أبوه، فأقبل القوم على جريج -كما جاء في الحديث- يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا، الشاهد في الحديث -كما رأينا- هو ما في طاعة الأم من فضل ومن خير ومن بركة.

стр. 43

وعند الترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: ((سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة لميقاتها، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله، ثم سكت عني رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني)). في هذا الحديث ترى أن بر الوالدين يأتي قبل الجهاد في سبيل الله، وقد سبق أن رأينا الرسول ﷺ نصح هذا الذي طلب منه أن يهاجر وأن يجاهد أن يعود إلى أبويه فيحسن صحبتهما. ويروي أيضًا الإمام الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، قال: وجلس وكان متكئًا، فقال: وشهادة الزور -أو قول الزور- فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتى قلنا: ليته سكت)). ففي هذا الحديث بيان لجريمة عقوق الوالدين، وأن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ويأتي بعد الإشراك بالله، وكما رأينا في الوصية بالوالدين والإحسان إليهما أن ذلك يأتي بعد الأمر بعبادة الله وإخلاص العبادة لله، هنا أيضًا هذا الأمر في عقوق الوالدين يأتي بعد الإشراك بالله. بل إن الرسول ﷺ يوصي بالمحافظة على كرامة الأبوين؛ ذلكم في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((من الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أب الرجل فيشتم أباه، ويشتم أمه فيسب أمه)) فعلى الإنسان أن يحافظ على كرامة والديه بمحافظته على ألا يسب أحدًا وألا يشتم أحدًا؛ لأنه إذا فعل ذلك هذا الذي شُتم لن يسكت، إنما سوف يشتم الرجل والديه ويشتم أمه، وهكذا.

стр. 44

ويقول رسول الله ﷺ تعظيمًا لقدر الأبوين وأن الابن مهما بذل فلن يستطيع أن يوفيهما حقهما يقول ﷺ : ((لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه)). بل إن جريمة قطيعة الرحم -وفي مقدمة ذلك ما يفعله بعض الأبناء بالآباء حين يقاطعون آباءهم وينسون مودتهم وينشغلون عنهم بأبنائهم وأزواجهم- وفي هذا يروي الإمام الترمذي بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل الجنة قاطع)) قال ابن أبي عمر: قال سفيان: يعني قاطع رحم، فنسأل الله السلامة والعافية. بل إن الرسول ﷺ أراد من الأبناء أن يواصلوا بر آبائهم حتى بعد وفاتهم، وفي هذا يروي الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلًا من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلم عليه عبد الله وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقال ابن دينار، وكان مع ابن عمر: فقلنا له: أصلحك الله، إنهم الأعراب وإنهم يرضون باليسير، فقال عبد الله: إن أبا هذا كان ودًّ لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه)). وما زلنا نواصل الحديث من خلال أحاديث رسول الله ﷺ ، ومن ذلك ما ذكره صاحب (الترغيب والترهيب) في كتاب البر والصلة الترغيب في بر الوالدين وصلتهما وتأكيد طاعتهما والإحسان إليهما وبر أصدقائهما من بعدهما، مما ذكر الإمام المنذري في هذا الباب وفي هذا الكتاب ذكر حديث أبي سعيد ﵁: ((أن رجلًا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله ﷺ فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا، قال: فارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما)).

стр. 45

وعن أبي هريرة ﵁ قال: ((جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد فقال: أحيّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد)). وقريب من ذلك ما روي عن أنس ﵁ قال: ((أتى رجل رسول الله ﷺ إن أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه -ربما لظروفه الصحية أو لعدم قدرته المالية- فقال له الرسول ﷺ : هل بقي من والداك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها فإن فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد)) يقول الإمام الحافظ المنذري: رواه أبو يعلى والطبراني في (الصغير) و (الأوسط)، وإسنادهما جيد؛ ميمون بن نجيح وثقه ابن حبان، وبقية رواته ثقات مشهورون. وأيضًا في هذا الباب وفي هذا السياق يروي عن طلحة بن معاوية السلمي ﵁ قال: ((أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني أريد الجهاد في سبيل، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال النبي ﷺ : الزم رجلها فثم الجنة)) أي فهناك الجنة عند رجلها. وعن معاوية بن جاهمة: ((أن جاهمة جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: فالزمها فإن الجنة عند رجلها)). وما إلى ذلك من هذه الأحاديث التي تبين أن التزام الأم والتزام الوالدين والقيام بحقهما لا يقل عن الجهاد في سبيل الله بل ربما كان هذا أفضل من الجهاد. والمقصد من هذا الجهاد الذي ذكره رسول الله ﷺ هو الجهاد غير المفروض، فإن الجهاد إما فرض عين وإما فرض كفاية، فرض العين هو الجهاد الواجب على كل فرد من الأفراد وعلى كل مسلم من المسلمين، وله أسبابه المذكورة في كتب الفقه، أما غير الجهاد المفروض فهو الجهاد الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط

стр. 46

الفرض عن الباقين، فالمقصد من هذا الجهاد الذي ذكره رسول الله ﷺ وأراد هؤلاء الصحابة أن يخرجوا فيه هو الجهاد الكفائي. أيضًا، في طاعة الأبوين وطاعة الأب وطاعة الأم يروي عن أبي الدرداء ﵁: "أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِع هذا الباب أو احفظه)) " قال الترمذي: حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: "أن رجلًا أتى أبا الدرداء فقال: إن أبي لم يزل بي حتى زوجني وإنه الآن يأمرني بطلاقها؟ قال: ما أنا بالذي آمرك أن تعق والديك ولا بالذي آمرك أن تطلق امرأتك! غير أنك إن شئت حدثتك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعته يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة)) فحافظ على ذلك الباب إن شئت أو دعه قال: فأحسب عطاء قال: فطلقها". وعن ابن عمر ﵄ قال: "كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرها، فقال لي: طلقها فأبيت فأتى عمر رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال لي رسول الله ﷺ : ((طلقها)) ". والمقصد من ذلك أن هذا التفريق لهذه المرأة من وجهة نظر الأب ومن وجهة نظر الأم ربما كان لأسباب وجيهة، تقتضي من هذا الابن أن يستجيب لأوامرهما وأن يلبي رغبتهما، وأن يكون بارًّا بهما، وأن هذا الابن إنما كان يريد هذه الزوجة تغليبًا لهواها لا من باب العقل، ولكن الأب ولكن الأم وهما غالبًا يريدان السعادة لأبنائهما لا يمكن أن يتصور أن يأمر الأب أو تأمر الأم بأن يطلق الابن امرأته هكذا دون أسباب قائمة على الرأي السديد، فعلى الابن أن يكون بارًّا بهما وأن يستجيب لما ينصحان به في هذا الجانب.

стр. 47

من فضائل بر الوالدين: ما نقرؤه في حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه)). وعن معاذ بن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من بر والديه طوبى له -أي: الجنة له- زاد الله في عمره)). وفي المقابل نقرأ عن ثوبان ﵁ قال رسول الله ﷺ : ((إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)) ومن المعلوم أن في مقدمة هذا البر في هذا الباب بر الوالدين. وعن سلمان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر)). ورغبة من رسول الله ﷺ في أن يلتزم الأبناء جانب البر يقول فيما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة)) رواه مسلم. ومعنى: ((رغم أنفه)) أي: لصق بالرغام وهو التراب وهو من باب الدعاء ومن باب التعجب من حال هذا الابن الذي عاش ما عاش مع والديه، ثم مات الوالدان أو مات أحداهما أو أدرك هو والديه عند الكبر أو أحدهما، ثم لم يقم ببرهما والإحسان إليهما؛ ليكون ذلك سببًا في دخول الجنة. وأيضًا في هذا السياق عن جابر -يعني ابن سمرة ﵁ قال: ((صعد النبي ﷺ فقال: آمين آمين آمين، قال: أتاني جبريل ﵊ فقال: يا محمد، من أدرك أحد أبويه فمات فدخل النار فأبعده الله فقل: آمين فقلت: آمين، فقال: يا محمد

стр. 48

من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، فقل: آمين فقلت: آمين قال: ومن ذكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك فمات فدخل النار فأبعده الله فقل: آمين فقلت: آمين)) فصلوات الله وسلامه على رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا -ومعنى لا أغبق قبلهم أهلًا ولا مالًا أي: ما كنت أقدم عليهما أحد في شرب نصيبهم من اللبن الذي يشربانه، والغبوق هو شرب آخر النهار- فنأى بي طلب شجر يومًا فلم أرح عليهم حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبست والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشرب غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج)) وتتابع زملاؤه في الدعاء كل منهما يذكر أمرًا فيه طاعة لله، فكان هذا من الأسباب التي أدت إلى انفراج هذه الصخرة، وأن هؤلاء الثلاثة خرجوا يمشون بفضل الله . بل إن الإسلام ليجعل القيام بالإحسان إلى الوالدين حق واجب على الأبناء حتى لو كان هؤلاء الآباء على الكفر والشرك، فهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدِمت علي أمي وهي راغبة -أي أتت راغبة في زيارتي- أفأصل أمي؟ قال: ((نعم صِلي أمك)).

стр. 49

وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد)) وعن ابن عمر ﵄ قال: ((أتى النبي ﷺ رجلٌ فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال: هل لك من أم؟ قال: لا قال: فهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبرها)) رواه الترمذي واللفظ له. وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: ((بينا نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم ... الصلاة عليهما، -أي: الدعاء لهما- والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما)). وعن أبي بردة قال: قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر فقال: أتدري لما أتيتك؟ قال: قلت: لا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده)) وإنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود، فأحببت أن أصل ذاك. هذه إذًا جملة من هدي النبوة ترشدنا إلى كيف يكون الأبناء على درجة عالية من الإحسان إلى آبائهم، ومن القيام ببرهم وطاعتهم؛ سواء كان ذلك في حياتهم أو بعد مماتهم، وقد سبق أن ذكرنا بعض الأحاديث في الترهيب من عقوق الوالدين، ونضيف إلى ذلك ما روي عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره قيل وقال وكثرة السؤال)).

стр. 50

وعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاءه، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، والرجلة)) أي المرأة التي تتشبه بالرجال. رواه النسائي والبزار واللفظ له، بإسنادين جيدين، والحاكم وقال: صحيح الإسناد. أرأيتم كيف جاء الإحسان إلى الوالدين في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ؛ ليكون ذلك معلمًا لبني الإنسان ولأمة الإسلام خاصة، في كيف تنتشر السعادة في ربوع هذه الأمة، حين يقوم الأبناء بالإحسان إلى الآباء، ويقوم الآباء أيضًا بالإحسان إلى الأبناء؛ لتتواصل الأجيال قائمة على منهج البر والإحسان؛ لترفرف السعادة على مجتمعات المسلمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 51

الدرس: ٤ إكرام الضيف .

стр. 52

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع (إكرام الضيف) معنى كلمة الضيف الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأن م حمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وسار على منهجه واتبع طريقه إلى يوم الدين، أما بعد: فهذا الموضوع بعنوان إكرام الضيف: الضيف -كما جاء في كتب اللغة- والفرق بينه وبين ابن السبيل يقول صاحب معجم (مقاييس اللغة): ضيف، الضاد والياء والفاء أصل واحد صحيح، يدل على ميل الشيء إلى الشيء، يقال: أضفت الشيء على الشيء أملته، وضافت الشمس تضيف؛ أي: مالت، وكذلك تضيّفت إذا مالت إلى الغروب، والضيف من هذا، يقال: ضيفت الرجل تعرضت له ليضيفني وأضفته أنزلته عليَّ. أما السبيل: فالسين والباء واللام أصل واحد يدل على إرسال شيء من علوٍّ إلى سفل وعلى امتداد شيء، ثم يقول: والممتد طولًا السبيل وهو الطريق، سُمي بذلك لامتداده، فابن السبيل إذًا هو ابن الطريق. أما صاحب (لسان العرب) فيقول: ضيف ضفت الرجل ضيفًا وضيافة وتضيفته: نزلت به ضيفًا وملت إليه، وقيل: نزلت به وصرت له ضيفًا، وضفته وتضيفته: طلبت منه الضيافة، وفي حديث عائشة ﵂: "ضافها ضيف، فأمرت له بملحفة صفراء"، هو من ضفت الرجل إذا نزلت به في ضيافته، وأضفته وضيفته أنزلته عليك ضيفًا وأملته إليك وقربته، ويقول في السبيل: السبيل الطريق وما وضح منه، يذكر ويؤنث، وابن السبيل ابن الطريق، وتأويله: الذي قطع عليه الطريق، وهو المسافر انقطع به، وهو يريد الرجوع إلى بلده، ولا يجد من يتبلغ به، فله في الصدقات نصيب، وقال

стр. 53

الشافعي: ابن السبيل عندي من أهل الصدقة، وابن السبيل الذي يريد البلد غير بلده لأمر يلزمه، ويعطى قدر ما يبلّغه الذي ينزله في نفقته وحمولته. أما صاحب (المفردات) الراغب الأصفهاني فيقول: ضيف أصل الضيف الميل يقال: ضفت إلى كذا وأضفت كذا إلى كذا، وضافت الشمس إلى الغروب وتضيفت، وضاف السهم عن الهدف وتضيف، والضيف: من مال إليك نازلًا بك، وصارت الضيافة متعارفة في القرى، وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم، وقد يجمع فيقال: أضياف وضيوف وضيفان، قال ضيفي إبراهيم: ﴿وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ (هود:٧٨) ﴿إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي﴾ (الحِجر: ٦٨) ويقال: استضفت فلانًا فأضافني، وقد ضفته فأنا ضائف وضيف، أما السبيل فهو الطريق فيه سهولة، وجمعه سبل، وابن السبيل المسافر البعيد عن منزله، نُسب إلى السبيل لممارسته إياه. لعلكم لاحظتم أن الضيافة تعني الميل من شخص إلى شخص، فأنت لا تنزل ضيفًا إلا على من تحبه ومن تثق فيه ومن تعلم أنه سوف يرحب بك، وقد يكون هذا الضيف عابرًا لطريق وأن يكون رجلًا مسافرًا متنقلًا من بلد إلى بلد ينزل عند إخوانه وأهل دينه وأحبابه وأصدقائه وغير أصدقائه؛ ليجد عندهم الإكرام والمروءة والنجدة يزودنه بما يحتاج إليه من مال ومن متاع ومن مركب؛ حتى يصل إلى طريقه. فهذه الكلمات لأهل اللغة تعني أن هناك في المجتمع الإسلامي -بل والمجتمع الإنساني- ما يعرف بالضيافة، وهو أن يأتي شخصًا لينزل عند شخصٍ آخر ليقوم هذا الشخص بإكرامه وإنزاله المنزلة اللائقة به.

стр. 54

حقوق وإكرام الضيوف في القرآن الكريم إذا كان هذا كلام أهل اللغة ... فماذا جاء في كتاب الله من الحديث عن الضيف؟: الواقع أننا حين نتصفح آيات القرآن سوف نجد كلمة الضيف قد وردت في خمس مواضع من القرآن الكريم، فلنستعرض هذه المواضع ثم لننظر فيما تعنيه: ثم يقول تعالى: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود: ٧٨). ويقول تعالى في سورة "الحجر ": ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ (الحجر: ٦٩). ويقول في السورة نفسها: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الحجر: ٥٣). ويقول في سورة "الذاريات": ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ (الذاريات: ٢٨). وأخيرًا في الموضع الخامس في سورة "القمر"، يقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر: ٣٩).

стр. 55

نرى في سياق هذه الآيات الخمس أن الضيف أو الضيوف والضيفان هنا هم ملائكة الرحمن، ملائكة الرحمن جاءوا إلى إبراهيم ﵇ وبشروه بغلام عليم وهو إسحاق ﵇، وتذكر الآيات ما كان من أمر هؤلاء الضيوف وأمر إبراهيم معهم حين قدّم إليهم هذا العجل السمين وأكرمهم، وأراد أن يقرّب إليهم أكلًا، فقربه إليهم وقال: ألا تأكلون؟ فلما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، فأظهروا له حقيقة أمرهم وأخبروه بأنهم جاءوا بأمر آخر وهو قرى لوط التي ارتكبت الفاحشة، وهؤلاء الضيوف الذين نزلوا على إبراهيم الخليل ﵇ هم الذين ذكرهم الله في الآيات الأخرى في أمر لوط ﵇؛ حيث جاءوا إليه في صورة رجال في هيئة حسنة، ولما علم قومه بهؤلاء الضيوف جاءوا يطلبون منه أن يرتكبون الفاحشة مع هؤلاء الضيوف، فقال لهم لوط ما ذكره الله في كتابه، فكان هؤلاء الضيوف كما رأينا في الآيات حين قال لوط ﵇ لقومه: ﴿يَا قَوْم هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود: ٧٨)، وقال لهم: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ (الحجر: ٦٩). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (القمر: ٣٩). إذًا المذكور في القرآن الكريم من أمر هؤلاء الضيوف هم ملائكة الرحمن الذين أتوا لإبراهيم ﵇ ثم انتقلوا من عند إبراهيم إلى لوط ﵇. والحديث عن هؤلاء الضيوف ليس هو الموضوع الذي نريد أن نتحدث فيه؛ لأن الموضوع الذي نتحدث فيه في أخلاق القرآن هو ما جاء به هذا الدين وما جاء به هذا الإسلام وما جاء في القرآن الكريم، من دعوة لإكرام الضيوف الذين هم إخوان والذين هم أخوة والذين هم أحبة.

стр. 56

حقوق وإكرام الضيوف في السنة المشرفة ولعل مما يوضح هذه الحقيقة ما جاء في السنة المشرفة، وفيها بيان واضح وجلي لما يجب للضيف من كرامة ومن إكرام، فنتابع هذه الأحاديث وسوف نجد فيها الكثير بإذن الله تعالى. يروي الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁: «أن رجلًا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلنا: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : من يضم أو يضيف هذا أي يجعله عنده ضيفًا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا -وسوف نعرف من هو هذا الرجل- فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، فهيئت طعامها وأصبحت سراجها -أي: أطفأته- ونومت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبحا غدا -أي: هذا الرجل- إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (الحشر: ٩)». في هذا الحديث المبارك الشريف نلحظ مدى طاعة الزوجة المسلمة لزوجها، ومدى تعاونها معه في تنفيذ ما رغِب فيه رسول الله ﷺ وفي تنفيذ ما علما من هذا الدين من جزاء من يكرم الضيف؛ تعاونت مع زوجها واستطاعت أن تهيئ الطعام وأن تطفئ السراج وأن تنيم الصبية وأن تجلس هي وزوجها مع الضيف، ليظهران له أنهما يأكلان، حتى باتا طاويين، فلما أصبح الرجل وذهب إلى رسول الله ﷺ قال له الرسول الكريم ﵊ بوحي من الله بأن الله عجب من

стр. 57

فعالكما أو ضحك الله مما حدث منكما، وأنزل على رسوله ﵊: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أيضًا يروي الإمام مسلم عن أبي هريرة: ((أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف -أي: نزل به ضيف- وهو -أي: هذا الضيف- كافر فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله ﷺ بشاة فشرب حلابها ثم أمر بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ : الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)). فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الكريم الذي نظر إلى حاجة ضيفه إلى ما يكفيه، فجعله يشرب حلاب سبع شياه، ثم في اليوم التالي لما أسلم هذا الضيف جاء له أيضًا بما يكفيه فشرب مرة، ولم يستطع أن يتم الأخرى. أيضًا مما جاء في السنة المشرفة ما رواه الإمام أحمد قال: حدثني أبو دقانة قال: كنت جالسًا عند عبد الله بن عمر ﵄ فقال: ((أتى رسول الله ﷺ ضيف فقال لبلال: آتنا بطعام، فذهب بلال فأبدل صاعين من تمر بصاع من تمر جيد، وكان تمرهم دون فأعجب النبي ﷺ التمر، فقال النبي ﷺ : من أين هذا التمر؟ فأخبره أنه أبدل صاعًا بصاعين، فقال رسول الله ﷺ : رد علينا تمرنا)). وفي هذا الحديث بيان لما يكون فيه الربا، وأن الربا إنما يكون بهذه الطريقة في أن يدفع شيئًا، وأن يأخذ أكثر منه، ولكن الصحيح أن يبيع التمر الذي كان معه ليشتري به هذا التمر الجيد، فهذا هو الطريق الذي يريده رسول الله ﷺ لكن الشاهد في حديثنا أن الرسول ﷺ حين أتاهم هذا الضيف قال لبلال: ((اتئنا بطعام))،

стр. 58

وأن بلالًا ذهب ففعل ما فعل، لكن هذا هو الرسول الكريم -عليه الصلاة وأزكى السلام. أيضًا يروي الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا، أي: لم يقم هؤلاء القوم بحق ضيافته؛ فله أن يأخذ بقدر قِراه ولا حرج عليه)). ويروي أيضًا بسنده عن أبي أمامة قال: ((أنشأ رسول الله ﷺ غزوة فأتيته فقلت: يا رسول الله، ادع الله لي بالشهادة فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فسلمنا وغنمنا، قال: ثم أنشأ رسول الله ﷺ غزوًا ثانيًا فأتيته، فقلت: يا رسول الله، ادعُ الله لي بالشهادة، فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: ثم أنشأ غزوًا ثالثًا، فأتيته فقلت: يا رسول الله، إني أتيتك مرتين قبل مرتي هذه فسألتك أن تدعو الله لي بالشهادة فدعوت الله أن يسلمنا ويغنمنا، فسلمنا وغنمنا، يا رسول الله، فادع الله لي بالشهادة؛ فقال: اللهم سلمهم وغنمهم، قال: فسلمنا وغنمنا، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، مرني بعمل قال: عليك بالصوم، فإنه لا مثل له، قال: فما رؤي أبو أمامة ولا امرأته ولا خادمه إلا صُيامًا قال: فكان إذا رؤي في داره دخان بالنهار قيل: اعتراهم ضيف، نزل بهم نازل قال: فلبس بذلك ما شاء الله، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، أمرتنا بالصيام، فأرجو أن يكون قد بارك الله لنا فيه، يا رسول الله فمرني بعمل آخر قال: اعلم أنك لم تسجد لله سجدة إلا رفع الله بك درجة وح ط عنك بها خطيئة)). وفي هذا الحديث الشريف حرص رسول الله ﷺ على أصحابه، فلم يكن الجهاد غاية لأن يرسل رسول الله ﷺ أصحابه ليموتوا في المعارك وفي مواقع

стр. 59

الجهاد، إنما كان يدعو الله أن يسلمهم وأن يغنمهم، ولكنه أيضًا في الجانب الآخر رأينا حرص أصحاب رسول الله ﷺ ومنهم أبو أمامة على أن يحظى بالشهادة، ولكن الرسول ﵊ كان يدعو دائمًا بأن يسلم أصحابه وأن يغنمهم وأن يعودوا سالمين غانمين، فلما رأى ذلك أبو أمامة طلب من رسول الله ﷺ وصية فأوصاه بالصوم، وبين له أن الصوم لا عدل له ولا مثل له، ولذلك كان أبو أمامة وكانت امرأته وكان خادمه دائمًا في صيام متواصل، فكان إذا رؤي في دارهم دخانٌ بالنهار قيل: اعتراهم ضيف نزل بهم، فهذا يدل على أن هؤلاء قد تعلموا فيما ما تعلموا إكرام الضيف، وأنهم إذا نزل بهم ضيف أفطروا ليأكلوا معه وليشاركوه ولئلا يحرجوه، فنعم هذا الخلق الكريم هذا الذي تعلمه هؤلاء من رسول الله ﷺ . أيضًا يروي الإمام البخاري عن أبي شريح العدوي قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي ﷺ فقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، وفي رواية أخرى عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه)) ويروي في هذا أيضًا أبو داود عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يومه وليلته، الضيافة ثلاثة أيام، وما بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي -أي: أن يقيم- عنده حتى يحرجه)).

стр. 60

وفي هذه الأحاديث نرى أن إكرام الضيف من الإيمان، وأن جائزة الضيف هي يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عن هذه الأيام الثلاثة فهو صدقة، وفي توجيه النبي ﷺ ما يرشد أهل الإيمان إلى أنه لا ينبغي ولا يحل ولا يجوز للضيف أن يقيم عند صاحب البيت حتى يحرجه. لكنه إن رأى تمسك الضيف به وأنه يريد أن يقيم معه مدة من الزمان أخرى، ووجد أنه في ذلك صادق وأنه يريد هذا على وجه الحقيقة لا من باب الحياء؛ فلا حرج عليه. أيضًا يروي لنا الإمام البخاري حديثًا عظيم ًا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فيقول: كان أبو هريرة يقول: ((يحلف بالله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه -أي: على طريق خروج رسول الله ﷺ ، وأبي بكر وعمر- فمر أبو بكر فسألته عن آيات من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آيات من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول، قال: الْحقْ -أي: الْحَقْ بي- ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبنًا في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال -أي: أبو هريرة-: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة! كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله

стр. 61

وطاعة رسوله ﷺ بدّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قال: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت فقال: اشرب، فشربت فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: فأدن فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضل)). هذه معجزة عظيمة لرسول الله ﷺ ، كيف أن هذا القدح وفيه هذا القدر من اللبن يكفي هذا الجمع الغفير من أهل الصفة، وعددهم عدد كبير! وكيف أن أبا هريرة شرب حتى شبع من هذا اللبن وأقسم قائلًا: والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا!. وفي هذا نرى كيف يكون إكرام الضيف من خلال هذا الحديث، وأن توكل رسول الله ﷺ على ربه وثقة رسول الله في عطاء الله له جعله ينادي على أهل الصفة وهو واثق أن الله سوف يبارك له في هذا القدر القليل من اللبن؛ ليكفي هذا العدد الكثير، فصلوات الله وسلامه على رسول الله ﷺ . يروي الإمام مسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: ((نزل علينا أضياف لنا قال: وكان أبي يتحدث إلى رسول الله ﷺ من الليل قال: فانطلق وقال: يا عبد الرحمن، افرغ من أضيافك، قال: فلما أمسيت جئنا بقراهم -أي بما

стр. 62

أعددناه لهم من الطعام- قال -أي: عبد الرحمن-: فأبوا فقالوا: حتى يجيء أبو منزلنا يقصدون أبا بكر، فيطعم معنا قال: فقلت لهم: إنه رجل حديد، وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبني منه أذى، قال: فأبوا، فلما جاء لم يبدأ بشيء أول منهم، فقال: أفرغت من أضيافكم؟ قال: قالوا: لا والله ما فرغنا، قال: ألم آمر عبد الرحمن قال: وتنحيت عنه، فقال: يا عبد الرحمن، قال: فتنحيت، قال: فقال: يا غنثر؛ أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا جئت، قال: فجئت فقلت: والله ما لي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم، قد أتيتهم بقراهم -أي: بطعامهم- فأبوا أن يطعموا حتى تجيء، قال: فقال: ما لكم ألم تقبلوا عنا قراكم؟ قال: فقال أبو بك ر: فوالله لا أطعمه الليلة، قال: فقالوا: فوالله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: فما رأيت كالشر كالليلة قط، ويلكم ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم، قال: ثم قال: أما الأولى فمن الشيطان، هلموا قراكم قال: فجيء بالطعام فسمّى فأكل وأكلوا، قال: فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، بروا وحنثت، فأخبره فقال: بل أنت أبرهم وأخيرهم قال: ولم تبلغني كفارة)). وفي هذا الحديث الشريف نرى حرص أبي بكر الصديق على إكرام هؤلاء الضيوف، وكيف أنه أوصى ابنه عبد الرحمن وأوصى أهل بيته أن يقوموا بإكرام هؤلاء الضيوف، ولكن هؤلاء الضيوف رفضوا وأبوا أن يأكلوا إلا إذا حضر أبو بكر، فلما حضر ووجد أنهم لم يأكلوا طعامهم إلى هذا الوقت المتأخر من الليل غضب على ابنه عبد الرحمن وقال له ما قال، فأخبره بما كان من أمرهم إلى أن غضب أبو بكر فأقسم ألا يتناول هذا الطعام، وأقسم هؤلاء أيضًا أنهم لن يأكلوا، فلما رأى هذا رجع عما حلف فيه، وعاد واعتبر أن هذا الذي حدث من الشيطان، وقال: هلموا إلى قراكم -أي إلى طعامكم- فسمى فأكل وأكل هؤلاء الضيوف، وذهب في الصباح إلى رسول الله ﷺ فقال له ما قال. هذه هي أخلاق أصحاب النبي ﷺ في إكرامهم للضيوف.

стр. 63

بقي لنا أيضًا حديث رواه الإمام البخاري عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: ((آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة -أي غير مهتمة بمظهرها- فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا فقال: كل، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: فأكل؛ لأنه كان في صيامه صيام نفل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق س لمان)). هذه هي إذًا حقوق وإكرام الضيوف، كما جاءت في سنة النبي ﷺ . إكرام الضيف عند الإمام الغزالي بقي لنا أن نتجول فيما ورد من أئمتنا فيما كتبوه في هذا الباب، وأمامنا في (إحياء علوم الدين) في الباب الرابع يذكر لنا آداب الضيافة، ويذكر الإمام الغزالي في آداب الضيافة أن مظان الآداب في ذلك ستة: الدعوة أولًا، ثم الإجابة، ثم الحضور، ثم تقديم الطعام، ثم الأكل، ثم الانصراف. فيتكلم لنا عن فضيلة الضيافة ويذكر فيها جملة من الأحاديث اخترت منها ما صح من الأحاديث؛ لأنه يذكر أحاديث كثيرة في كل جزئية من جزئيات الموضوع، وبعض هذه الأحاديث فيها ضعف ولا تصلح للاستشهاد في هذا المقام. فمما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ سئل: ما الإيمان فقال: ((إطعام الطعام وبذل السلام)) وقال ﷺ : ((في الكفارات والدرجات

стр. 64

إطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام)) وسئل ﷺ عن الحج المبرور فقال: ((إطعام الطعام وطيب الكلام)). ثم يتكلم لنا عن الدعوة فيذكر لنا أن الداعي ينبغي أن يعمل بدعوته الأتقياء دون الفساق، قال ﷺ : ((أكل طعامكم الأبرار)) في دعائه لبعض من دعا له، وقال ﷺ : ((لا تأكل إلا طعام تقي، ولا يأكل طعامك إلا تقي)). فيقصد الفقراء دون الأغنياء على الخصوص، قال ﷺ : ((شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء)). ثم يقول: ينبغي أن لا يهمل أقاربه في ضيافته، فإن إهمالهم إيحاش وقطع رحم، وكذلك يراعي الترتيب في أصدقائه ومعارفه، فإن في تخصيص البعض إيحاشًا لقلوب الباقين، وينبغي إلا يقصد بدعواه المباهاة والتفاخر بل استمالة قلوب الإخوان والتسنن بسنة رسول الله ﷺ في إطعام الطعام وإدخال السرور على قلوب المؤمنين، وينبغي ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب، وينبغي ألا يدعو إلا من يحب إجابته ... إلى آخر ما ذكر في ذلك -عليه رحمة الله. ثم يذكر لنا خمس آداب يجب على المسلم أن يتأدب بها في مسألة إجابة الدعوة: أولها: ألا يميز الغني بالإجابة عن الفقير، فذلك هو التكبر المنهي عنه. الثاني: لا ينبغي أن يمتنع عن الإجابة لبعد المسافة، كما لا يمتنع لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافة يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع لأجل ذلك. الثالث: ألا يمتنع لكونه صائمًا، بل يحضر، فإن كان يسر أخاه أن يفطر فليفطر، وليحتسب في إفطاره بنية إدخال السرور على قلبه ما يحتسب في الصوم وأفضل

стр. 65

وذلك في صوم التطوع، أما في صوم الفرض فلا مجال فيه لهذا الأمر، وإن لم يتحقق سرور قلبه فليصدّقه بالظاهر وليفطر، وإن تحقق أنه متكلف فليتعلل، وقد قال ﷺ لمن امتنع بعذر الصوم: ((تكلف لك أخوك وتقول: إني صائم؟!)) إلى آخر ما ذكر في هذا المقام. الأمر الرابع: أيضًا أن يمتنع من الإجابة إن كان الطعام طعام شبهة أو الموضع أو البساط المفروش من غير حلال، أو كان يقام في الموضع منكرًا، إلى آخر ما ذكر في هذا. الأمر الخامس: ألا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن، فيكون عاملًا في أبواب الدنيا، بل يحسّن نيته ليصير بالإجابة عاملًا للآخرة، وذلك بأن تكون نيته الاقتضاء بسنة رسول الله ﷺ في قوله: ((لو دعيت إلى كراع لأجبت)) وينوي إكرام أخيه المؤمن كما ينوي إدخال السرور على قلبه، وينوي أيضًا مع ذلك أن تكون الزيارة ليكون من المتحابين في الله؛ إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التزاور والتباذل لله، وقد حصل البذل من أحد الجانبين فتحصل الزيارة من جانبه أيضًا، وينوي صيانة نفسه عن أن يساء به الظن في امتناعه، ويطلق اللسان فيه بأن يحمل على تكبر أو سوء خلق أو استحقار أخ مسلم أو ما يجري مجاراة، فهذه نيات تجعل هذه القربات لله وفي سبيله. ثم يتحدث عن آد اب الحضور فيقول: وأما الحضور فأدبه أن يدخل الدار ولا يتصدر فيأخذ أحسن الأماكن، بل يتواضع ولا يطوّل الانتظار عليهم، ولا يعجل بحيث يفاجئهم قبل تمام الاستعداد، ولا يضيّق المكان على الحاضرين بالز حم ة، بل إن أشار إليه صاحب المكان بموضع لا يخالفه ألبتة، فإنه -أي: صاحب البيت- قد يكون رتب في نفسه موضع كل واحد، فمخالفته تشوش عليه، وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع إكرامًا فليتواضع ولا ينبغي أن يجلس في مقابلة باب الحجرة التي للنساء، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام، فإنه دليل على الشره، ويخص بالتحية والسؤال من يقرب منه إذا جلس، وإذا

стр. 66

دخل ضيف للمبيت فليعرّفه صاحب المنزل عند الدخول القبلة وبيت الماء وموضع الوضوء، كذلك فعل مالك بالشافعي ﵄ وغسل مالك يده قبل الطعام قبل القوم وقال: الغسل قبل الطعام لرب البيت أولى؛ لأنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يتقدم بالغسل، وفي آخر الطعام يتأخر بالغسل لينتظر أن يدخل من يأكل فيأكل معه. هذه بعض آداب الحضور التي ذكرها الإمام الغزالي. وذكر لنا أيضًا في إحضار الطعام قال: له آداب خمسة: أولها: تعجيل الطعام، فذلك من إكرام الضيف فقد قال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) ومهما حضر الأكثرون وغاب واحد أو اثنان وتأخروا عن الوقت الموعود فحق الحاضر في التعجيل أولى من حق أولئك في التأخير، إلا أن يكون المتأخر فقيرًا أو أن ينكسر قلبه بذلك؛ فلا بأس في التأخير. الثاني: ترتيب الأطعمة بتقديم الفاكهة أولًا إن كانت فذلك أوثق في الطب فإنها أسرع استحالة، فينبغي أن تقع في أسفل المعدة، وفي القرآن تنبيه على تقديم الفاكهة في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُون﴾ ثم قال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (الواقعة: ٢١) فهذه في الحقيقة ملاحظة طيبة، ثم أفضل ما يقدم بعد الفاكهة اللحم والثريد ... إلى آخر ما ذكر في هذا. الثالث: أن يقدم من الألوان ألطفها حتى يستوفي منها من يريد، ولا يكثر الأكل بعده. الرابع: ألا يبادر إلى رفع الألوان قبل تمكنهم من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها، فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل فيتنغص عليه بالمبادرة.

стр. 67

الخامس: أن يقدم من الطعام قدر الكفاية، فإن التقليل نقص في المروءة، والزيادة عليه تصنع ومراءاة لا سيما إذا كانت نفسه لا تسمح بأن يأكل الكل، إلا أن يقدم الكثير وهو طيب النفس لو أخذ الجميع ولو أن يتبرك بفضلة طعامهم. يبقى لنا الأمر الأخير وهو الانصراف، وقد ذكر له ثلاثة آداب: أولها: أن يخرج مع الضيف إلى باب الدار، وهو سنة وذلك من إكرام الضيف، وقد أمر بإكرامه ﵊ فقال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) وقال ﵇: ((إن من سنة الضيف أن يشيّع إلى باب الدار)) قال أبو قتادة: ((قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، فقال: كلا إنهم كانوا لأصحابي مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم)). وتمام الإكرام طلاقة الوجه وطيب الحديث عند الدخول والخروج وعلى المائدة. الثاني: أن ينصرف الضيف طيب النفس وإن يرى في حقه تقصير. الثالث: ألا يخرج إلا برضا صاحب المنزل وإذنه، ويراعي قلبه في قدر الإقامة، وإذا نزل ضيفًا فلا يزيد على ثلاثة أيام، فربما يتبرم به ويحتاج إلى إخراجه، قال ﷺ : ((الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فصدقة)) نعم، لو ألح رب البيت عليه -كما قلنا- عن خلوص قلب فله المقام إذ ذاك، ويستحب أن يكون عنده فراش للضيف النازل به. هذه جملة من الآداب ذكرها الإمام الغزالي، وذكرنا من الأحاديث ما ذكرنا، ولو أدينا حق الضيافة لشاع في مجتمعنا الأمن والسلام والاستقرار، ولكانت الأخوة هي المنهج وهي الطريق لأمة الإسلام. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 68

الدرس: ٥ التغاضي عن الجار ومواساته .

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس (التغاضي عن الجار ومواساته) المقصود بكل من: التغاضي - الجار - المواساة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم، وسار على نهجهم واتبع طريقتهم إلى يوم الدين، أما بعد: فالمقصود بكل من: التغاضي، الجار، المواساة -كما جاءت في كتب اللغة-: معجم (مقاييس اللغة) لابن فارس، ذكر أن كلمة غض تتكون من الغين والضاد، فيقول: هما أصلان صحيحان يدل أحدهما على كفّ ونقص، والآخر على طراوة، فالأول فهو الكف والنقص "غض البصر" وكل شيء كففته فقد غضضته، والأصل الآخر: الغض: الطري من كل شيء، ويقال للطلع حين يطلع غضيض، والذي يعنينا هو المعنى الأول، ولم يذكر ابن فارس المراد بالجار إنما قال: جور "الجيم والواو والراء" أصلٌ واحد وهو الميل عن الطريق، يقال: جار جورًا. وفي (المواساة) قال: الهمزة والسين والواو أصل واحد يدل على المداواة والإصلاح، يقال: أسوت الجرح إذا داويته، ويقال: أسوت بين القوم إذا أصلحت بينهم. أما صاحب (لسان العرب) العلامة ابن منظور فيقول: الغض والغضيض: الطري، وذكر في بيان هذا المعنى بعض الأحاديث والشواهد من كلام العرب، ويقول: الغضاضة: الفتور في الطرف أي العين، يقال: غض وأغضى إذا دان بين جفنيه ولم يلاقِ، وغض من صوته، وكل شيء كففته فقد غضضته، وغض الطرف أي: كف البصر، كما قال في بيان معنى الجار: الجوار المجاورة، والجار الذي يجاوره، وجاور الرجل مجاورة وجوارًا وجوارًا، والكسر أفصح، وينقل عن ابن الأعرابي قوله: الجار الذي يجاورك بيت بيت، والجار النفيح: هو الغريب، يقصد بالنفيح هو

стр. 70

الذي يدخل فيما لا يعنيه، أما النفيج بالجيم فهو الأجنبي يدخل بين القوم لا يصلح ولا يفسد، ثم يقول: والجار: الشريك في العقار، والجار: المقاسم، والجار: الحليف، والجار: الناصر، والجار الشريك في التجارة، والجارة: امرأة الرجل وهو جارها. وأما (المواساة) فذكر فيها كلامًا طويلًا، الذي يعنينا في هذا هو قوله: بأن المواساة هي المشاركة في المعاش والرزق. ثم ننتقل إلى (معجم مفردات ألفاظ القرآن) للإمام الراغب: والذي يقول: الغض النقصان من الطرف والصوت، وما في الإناء، والغض: الطري الذي لم يطل مكثه، أما الجار فهو من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإن الجار لا يكون جارًا لغيره إلا وذلك الغير جار له كالأخ والصديق، ولما استعظم حق الجار عقلًا وشرعًا عبّر عن كل من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (النساء: ٣٦). ويقال: أجرته فأجارني، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٨) وقال : ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ (المؤمنون: ٨٨)، وقد تُصور من الجار معنى القرب فقيل لمن يقرب من غيره: جاره وجاوره وتجاوره، قال تعالى: ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠). وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (الرعد ٤). وباعتبار القرب قيل: جار عن الطريق، ثم جُعل ذلك أصلًا في العدول عن كل حق، فبني منه الجور قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ (النحل: ٩) أي عادل عن المحجة، وقال بعضهم: الجائر من الناس، هو الذي يمنع من التزام ما يأمر به الشرع.

стр. 71

وفي (المواساة): يذكر صاحب (المفردات): أن الآسي هو طبيب الجرح، ويقال: أسيت بين القوم أصلحت، فآسيته قال الشاعر: آسى أخاه بنفسه ما جاء في كتاب الله من الحديث عن الجار والجيران: حين ننظر في الآيات الواردة في كتاب الله، من خلال (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) سوف نجد أن هذه الكلمة -كلمة الجار- بمشتقاتها قد وردت في عدة مواضع؛ منها: ما جاء في سورة "الأحزاب" في قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠). وهذه الآية ليست في موضوعنا وهو موضوع "التغاضي عن الجار ومواساته"؛ لأنها تتحدث عن المنافقين الذين يجاورون والذي يعيشون مع رسول الله ﷺ ويسكنون معه في المدينة، ولكنهم يرجفون فيها وينشرون فيها الأكاذيب، الله يهددهم بقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ أي: لنغرينك يا رسول الله بهم؛ لتنتقم منكم، ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إن الله سوف يجعل رسوله ﷺ يخرج هؤلاء الذين يُرجفون في المدينة وينشرون في أرجائها الأقاويل الكاذبة والأحاديث الضالة، التي تهدد استقرار المجتمع، ويقول تعالى في سورة "الأحقاف": ﴿يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: ٣١) وهذه الآية -كما نعلم- وردت في جملة حديث للجن الذين أرسلهم الله لنبيه ﷺ ليستمعوا إلى القرآن، فلما استمعوا إليه ﴿قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِين *

стр. 72

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ (الأحقاف: ٢٩ - ٣١)، وإجارة الله معناه: أنه يحميهم ويحفظهم من عذابه . وقريبٌ من هذا ما جاء في سورة "المؤمنون" في قول الله تعالى إثباتًُا لوحدانيته: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون: ٨٨، ٨٩) والمقصود بقوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أنه هو الذي يجير من يجيره من أوليائه؛ يحميهم ويحفظهم، ولا يستطيع أحد أن يجير على الله بأن يقول: هذا إنسان في جواري، فلا يصل إلى هذا الإنسان من العذاب ما أراد الله له؛ لأنه كفَر بالله ورسوله وحارب الله ورسوله؛ لأنه أمثال هؤلاء ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير. وأيضًا نجد هذا في سورة "الملك": ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الملك: ٢٨)، هذه أيضًا إجارة الله ، ولا يمكن لأي مخلوق أن ينقذ الكافرين من عذاب الله جل وعلا. وأيضًا في هذا السياق نقرأ في سورة "الجن" قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ (الجن: ٢٢، ٢٣) فهذا رسول الله ﷺ يخبر عن ربه قائلًا: بأنه لن يجيره من الله أحدٌ وأنه لن يجد من دون الله ملتحدًا؛ لأنه مبلغ عن الله رسالته، ولو كذب فلن يستطيع أحدٌ أن يجيره من الله ولا أن يمنع عنه عذاب الله، فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الأمين الكريم ﷺ .

стр. 73

وفي سورة "التوبة" نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٦) ومعنى الاستجارة: أن يقول المشرك: أنا في جوارك، فإن قال المشرك للمؤمن: أنا في جورك، وطلب الحماية، فالمؤمن عليه أن يقبل منه هذا المطلب حتى يسمع هذا الكافر وهذا المشرك كلامَ الله، وهذه الاستجارة ليست هي الجوار الذي نتحدث عنه في جوار إنسان لإنسان يقيم بجواره، يؤدي إليه ما عليه من الحقوق، لكننا في سورة "النساء" قد نجد شيئًا من هذا في قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦). ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله بالإحسان للوالدين والإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين، والإحسان للجار ذي القربى -الجار القريب- والجار الجنب -الذي يكون بجوار الإنسان وهو ملازم له- والصاحب بالجنب -الذي يصاحب الإنسان في سفر ونحوه- وابن السبيل -وهو الذي ينتقل من بلد إلى بلد- وما ملكت أيمانكم. يبقى لنا الموضع الأخير في هذه الآيات في سورة "الأنفال"؛ حيث يقول ربنا: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٤٨) فقول الشيطان للمشركين في أول معركة بدر: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ليس معناه أنه جار لهم يقيم معهم يقوم بأمرهم يؤدي لهم حقوقهم، وإنما هو كاذب فيما قال

стр. 74

في إنه ملازم لهم، وسوف يكون معهم وسوف ينصرهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ المسلمة المؤمنة وهؤلاء الكفرة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ و َقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فقد رأى ملائكة الرحمن وقد نزلت إلى أرض المعركة تقاتل مع أهل الإسلام، ﴿إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾. نخلص من خلال عرض هذه الآيات إلى أن هذه الآيات قد جاءت تتحدث عن جوار وعن إجارة وعن أشياء ليست في موضوعنا، إلا فيما جاء في سورة "النساء" في قول الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (النساء: ٣٦). على آية حال، هذه الآية الكريمة بما فيها من أمر بالإحسان إلى هؤلاء الذين ذكرهم الله من الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين والجيران ... إلى آخره، هذه الآية الكريمة التي تعني الجوار الذي نتحدث عنه وفيها الأمر بالإحسان إلى هؤلاء الذين ذكرهم الله ، ومعنى هذا الإحسان أن نقابل الإساءة بالإحسان، وأن نتغاضى عما يكون من الجيران من هفوات، ولا يكفي في الإحسان هذا إنما يعني هذا الإحسان أن نواسي هؤلاء، وأن نقدم لهم ما نستطيع من ألوان البِر وألوان الخير. المواساة بين الجيران من خلال السنة الشريفة وأقوال العلماء لعلنا حين نستعرض بعض ما جاء في السنة المشرفة -وهو كثير بحمد الله- يتضح لنا المراد بهذا الإحسان الذي ذكرته آية "النساء". ومن هذه الأحاديث الشريفة نستطيع أن نعرف كيف يكون التغاضي عن الجار وكيف تكون المواساة بين الجيران. يروي الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرس خشبة في جداره)) ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم".

стр. 75

وهذا الحديث يعني: أن الجار عليه ألا يمنع جاره أن يغرس خشبة في جداره؛ لعل هذه الخشبة أن يقيم عليها شيئًا أو يعلّق عليها شيئًا، أو أن يعرش عليها شيئًا، فهي لا تؤثر في حائط جاره، وليس فيها من ضرر، فحق الجوار يقتضي أن يأذن له في ذلك، وألا يمنعه من هذا الذي يصنع. وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى عليه وسلم- قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء وأناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل)) فهكذا يكون الحال بين الجيران في أن الجار يحاول أن يقتدي بجاره في الخير، هذا الرجل الذي علمه الله القرآن فهو يتلو هذا القرآن آناء الليل وآناء النهار، جاره يتمنى أن يكون كذلك، وأيضًا هذا جار أيضًا يرى جاره ينفق في سبيل الله وفي سبيل الحق وفي سبيل نصرة الحق ما ينفق من مال كثير؛ فيتمنى أن يكون كذلك هكذا يكون ما بين الجيران. يروي الإمام النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوّذوا بالله من جار السوء في دار المقام، فإن جار البادية يتحول عنك)) جار البادية هذا الذي يكون في البادية يقيم في خيمة ينتقل من مكان إلى مكان فأمره سهل، لكن الجار الذي يكون بجوارك أقام له بيتًا وأنت بجواره في بيتك هذا جوار مستمرّ مستقرّ قد يمتد إلى أجيال فيما بين الأبناء والأحفاد. فإذا كان الجوار جوار سوء كان فيه من المشاكل والآلام والأحداث ما ينغّص الحياة، الرسول ﷺ أمر ونصح المسلمين أن يستعيذوا بالله من جار السوء.
следующие страницы →