← Тафсир

Тафсир · id 10329

التفسير الموضوعي 2 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (374 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفي (المواساة): يذكر صاحب (المفردات): أن الآسي هو طبيب الجرح، ويقال: أسيت بين القوم أصلحت، فآسيته قال الشاعر: آسى أخاه بنفسه ما جاء في كتاب الله من الحديث عن الجار والجيران: حين ننظر في الآيات الواردة في كتاب الله، من خلال (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) سوف نجد أن هذه الكلمة -كلمة الجار- بمشتقاتها قد وردت في عدة مواضع؛ منها: ما جاء في سورة "الأحزاب" في قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الأحزاب: ٦٠). وهذه الآية ليست في موضوعنا وهو موضوع "التغاضي عن الجار ومواساته"؛ لأنها تتحدث عن المنافقين الذين يجاورون والذي يعيشون مع رسول الله ﷺ ويسكنون معه في المدينة، ولكنهم يرجفون فيها وينشرون فيها الأكاذيب، الله يهددهم بقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ أي: لنغرينك يا رسول الله بهم؛ لتنتقم منكم، ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إن الله سوف يجعل رسوله ﷺ يخرج هؤلاء الذين يُرجفون في المدينة وينشرون في أرجائها الأقاويل الكاذبة والأحاديث الضالة، التي تهدد استقرار المجتمع، ويقول تعالى في سورة "الأحقاف": ﴿يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: ٣١) وهذه الآية -كما نعلم- وردت في جملة حديث للجن الذين أرسلهم الله لنبيه ﷺ ليستمعوا إلى القرآن، فلما استمعوا إليه ﴿قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِين *

стр. 72

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ (الأحقاف: ٢٩ - ٣١)، وإجارة الله معناه: أنه يحميهم ويحفظهم من عذابه . وقريبٌ من هذا ما جاء في سورة "المؤمنون" في قول الله تعالى إثباتًُا لوحدانيته: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون َ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون: ٨٨، ٨٩) والمقصود بقوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أنه هو الذي يجير من يجيره من أوليائه؛ يحميهم ويحفظهم، ولا يستطيع أحد أن يجير على الله بأن يقول: هذا إنسان في جواري، فلا يصل إلى هذا الإنسان من العذاب ما أراد الله له؛ لأنه كفَر بالله ورسوله وحارب الله ورسوله؛ لأنه أمثال هؤلاء ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير. وأيضًا نجد هذا في سورة "الملك": ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الملك: ٢٨)، هذه أيضًا إجارة الله ، ولا يمكن لأي مخلوق أن ينقذ الكافرين من عذاب الله جل وعلا. وأيضًا في هذا السياق نقرأ في سورة "الجن" قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ﴾ (الجن: ٢٢، ٢٣) فهذا رسول الله ﷺ يخبر عن ربه قائلًا: بأنه لن يجيره من الله أحدٌ وأنه لن يجد من دون الله ملتحدًا؛ لأنه مبلغ عن الله رسالته، ولو كذب فلن يستطيع أحدٌ أن يجيره من الله ولا أن يمنع عنه عذاب الله، فصلوات الله وسلامه على هذا الرسول الأمين الكريم ﷺ .

стр. 73

وفي سورة "التوبة" نقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة: ٦) ومعنى الاستجارة: أن يقول المشرك: أنا في جوارك، فإن قال المشرك للمؤمن: أنا في جورك، وطلب الحماية، فالمؤمن عليه أن يقبل منه هذا المطلب حتى يسمع هذا الكافر وهذا المشرك كلامَ الله، وهذه الاستجارة ليست هي الجوار الذي نتحدث عنه في جوار إنسان لإنسان يقيم بجواره، يؤدي إليه ما عليه من الحقوق، لكننا في سورة "النساء" قد نجد شيئًا من هذا في قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: ٣٦). ففي هذه الآية الكريمة يأمر الله بالإحسان للوالدين والإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين، والإحسان للجار ذي القربى -الجار القريب- والجار الجنب -الذي يكون بجوار الإنسان وهو ملازم له- والصاحب بالجنب -الذي يصاحب الإنسان في سفر ونحوه- وابن السبيل -وهو الذي ينتقل من بلد إلى بلد- وما ملكت أيمانكم. يبقى لنا الموضع الأخير في هذه الآيات في سورة "الأنفال"؛ حيث يقول ربنا: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٤٨) فقول الشيطان للمشركين في أول معركة بدر: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ليس معناه أنه جار لهم يقيم معهم يقوم بأمرهم يؤدي لهم حقوقهم، وإنما هو كاذب فيما قال

стр. 74

في إنه ملازم لهم، وسوف يكون معهم وسوف ينصرهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ المسلمة المؤمنة وهؤلاء الكفرة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ و َقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فقد رأى ملائكة الرحمن وقد نزلت إلى أرض المعركة تقاتل مع أهل الإسلام، ﴿إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾. نخلص من خلال عرض هذه الآيات إلى أن هذه الآيات قد جاءت تتحدث عن جوار وعن إجارة وعن أشياء ليست في موضوعنا، إلا فيما جاء في سورة "النساء" في قول الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ (النساء: ٣٦). على آية حال، هذه الآية الكريمة بما فيها من أمر بالإحسان إلى هؤلاء الذين ذكرهم الله من الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين والجيران ... إلى آخره، هذه الآية الكريمة التي تعني الجوار الذي نتحدث عنه وفيها الأمر بالإحسان إلى هؤلاء الذين ذكرهم الله ، ومعنى هذا الإحسان أن نقابل الإساءة بالإحسان، وأن نتغاضى عما يكون من الجيران من هفوات، ولا يكفي في الإحسان هذا إنما يعني هذا الإحسان أن نواسي هؤلاء، وأن نقدم لهم ما نستطيع من ألوان البِر وألوان الخير. المواساة بين الجيران من خلال السنة الشريفة وأقوال العلماء لعلنا حين نستعرض بعض ما جاء في السنة المشرفة -وهو كثير بحمد الله- يتضح لنا المراد بهذا الإحسان الذي ذكرته آية "النساء". ومن هذه الأحاديث الشريفة نستطيع أن نعرف كيف يكون التغاضي عن الجار وكيف تكون المواساة بين الجيران. يروي الإمام البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يمنع جار جاره أن يغرس خشبة في جداره)) ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم".

стр. 75

وهذا الحديث يعني: أن الجار عليه ألا يمنع جاره أن يغرس خشبة في جداره؛ لعل هذه الخشبة أن يقيم عليها شيئًا أو يعلّق عليها شيئًا، أو أن يعرش عليها شيئًا، فهي لا تؤثر في حائط جاره، وليس فيها من ضرر، فحق الجوار يقتضي أن يأذن له في ذلك، وألا يمنعه من هذا الذي يصنع. وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى عليه وسلم- قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء وأناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثلما يعمل)) فهكذا يكون الحال بين الجيران في أن الجار يحاول أن يقتدي بجاره في الخير، هذا الرجل الذي علمه الله القرآن فهو يتلو هذا القرآن آناء الليل وآناء النهار، جاره يتمنى أن يكون كذلك، وأيضًا هذا جار أيضًا يرى جاره ينفق في سبيل الله وفي سبيل الحق وفي سبيل نصرة الحق ما ينفق من مال كثير؛ فيتمنى أن يكون كذلك هكذا يكون ما بين الجيران. يروي الإمام النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((تعوّذوا بالله من جار السوء في دار المقام، فإن جار البادية يتحول عنك)) جار البادية هذا الذي يكون في البادية يقيم في خيمة ينتقل من مكان إلى مكان فأمره سهل، لكن الجار الذي يكون بجوارك أقام له بيتًا وأنت بجواره في بيتك هذا جوار مستمرّ مستقرّ قد يمتد إلى أجيال فيما بين الأبناء والأحفاد. فإذا كان الجوار جوار سوء كان فيه من المشاكل والآلام والأحداث ما ينغّص الحياة، الرسول ﷺ أمر ونصح المسلمين أن يستعيذوا بالله من جار السوء.

стр. 76

ويروي أحمد بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، قالوا: ومن ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قيل: وما بوائقه؟ قال: شره)) فانظر كيف نفى الإيمان المرة تلو المرة عن هذا الإنسان، الذي يجعل جاره في حال من الخوف من شره. ومعنى نفي الإيمان: أنه إيمان ناقص، وليس معناه: أنه خرج من الإسلام ومن الإيمان، فمن الذي يقبل أن يصل به الحال إلى أن يقول فيه رسول الله ﷺ : ((والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله يؤمن)). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة: في سبيل الله، وابن السبيل، ورجل كان له جار فتصدق عليه فأهدى له)) وهذا معناه: أن على الجار أن ينظر حال جاره ليتصدق عليه، وليقدم له ما يستطيع من ألوان الهدية التي تجمع بين القلوب. ويروي الإمام أحمد عن سلمة بن سلامة بن وقش -وكان من أصحاب بدر- قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: "فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًّا، علي بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال: ذلك لقوم أهل شكر أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا، إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به لودّ أن له بحظّه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا، يحمونه ثم يدخلونه إياها، فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غدًا، قالوا له: ويحك! وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة

стр. 77

واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًّا فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو -أي: هذا اليهودي- حي بين أظهرنا، فآمنّا به وكفرَ به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى وليس به". في هذا الحديث الشريف نرى أن هذا الجار -من اليهود في بني عبد الأشهل- كان يعرف أن محمدًا قد قرب زمانه، هكذا قرأ في التوراة كما قال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧) إلى آخر الآية الكريمة، فهذا جار جاء إلى جيرانه أخذ ينصحهم ولكن حسده غلب عليه، فلم يؤمن برسول الله ﷺ . يروي الإمام أحمد عن مطرف بن عبد الله قال: "بلغني عن أبي ذر حديثه، فكنت أحب أن ألقاه فلقيته فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث فكنت أحب أن ألقاك فأسألك عنه، فقال: قد لقيت فاسأل، قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ثلاثة يحبهم الله ، وثلاثة يبغضهم الله ) قال: نعم، قال: فما خالني أن أكذب على خليلي محمد ﷺ ثلاث يقولها، قال: قلت: من الثلاثة الذين يحبهم الله ؟ قال: رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدو مجاهدًا محتسبًا فقاتل حتى قتل وأنتم تجدون في كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ (الصف: ٤)، ورجل له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله إياه بموت أو حياة، ورجل يكون مع قوم فيسيرون حتى يشق عليهم الكرى أو النعاس، فينزلون في آخر الليل فيقوم

стр. 78

إلى وضوئه وإلى صلاته، قال: قلت: من الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: الفخور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور﴾ (لقمان: ١٨)، والبخيل المنان، والتاجر والبياع الحلاف؛ أي الذي يُكثر من الحلف". فهذا الحديث فيه ما ترون من هؤلاء الثلاثة، وهذا الرجل الذي له جار يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله إياه بموت أو حياة. وما أعظم هذه الأخلاق التي نصحنا بها رسول الله ﷺ . أيضًا، نستطيع أن نتلقط من كنوز السنة المشرفة بعض ما ذكره صاحب (الترغيب والترهيب) في قوله: الترهيب من أذى الجار وما جاء في تأكيد حقه، يذكر لنا عدة أحاديث: منها عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت))، وفي رواية لمسلم: ((ومن كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليحسن إلى جاره)). ففي هذا الحديث: إكرام الضيف والإحسان إلى الجار من علامات إيمان المؤمن، ومن علامات إيمان المؤمن أن يمنع الأذية عن جيرانه. وأيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا ر سول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه)) وبوائقه هي شره، وفي رواية لمسلم: ((لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه)).

стр. 79

وعن أبي شريح الكعبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: يا رسول الله، لقد خاب وخسر، من هذا؟ قالوا: من لا يأمن جاره بوائقه، قال: وما بوائقه؟ قال: شره)). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره -أو قال: لأخيه- ما يحب لنفسه)) رواه مسلم. وروي عن كعب بن مالك ﵁ قال: ((أتى النبي ﷺ رجل فقال: يا رسول الله: إني نزلت في محلة بني فلان، وإن أشدهم إلي أذى أقربهم لي جوارًا، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعلى ﵃ يأتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون: ألا إن أربعين دارًا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه)). وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه)). وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبدٌ لا يأمن جاره بوائقه)). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله قسّم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيدي لا يسلم عبدٌ حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه، قلت: يا رسول الله، وما بوائقه؟ قال: غُشمه وظلمه، ولا يكسب مالًا من حرام فينفق منه فيبارك فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان

стр. 80

زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)). وعن أبي جحيفة ﵁ قال: ((جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يشكو جاره، قال: اطرح متاعك على طريق، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، لقيت من الناس، قال: وما لقيت منهم؟ قال: يلعنوني، قال: قد لعنك الله قبل الناس، فقال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ فقال: ارفع متاعك فقد كفيت)). وأيضًا روي عن أبي هريرة ﵁ قال: ((جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ يشكو جاره فقال له: اذهب فاصبر، فأتاه مرتين أو ثلاثًا، فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق، ففعل؛ فجعل الناس يمرون ويسألونه، فيخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه، ففعل الله به وفعل، وبعضهم يدعو عليه، فجاء إليه جاره، فقال: ارجع فإنك لن ترَ مني شيئًا تكرهه))، وهذا بمعنى الحديث السابق. وروي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: ((من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه، أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزّيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بختال ريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فاهدِ له، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده)). يقول الإمام الحافظ المنذري: رواه الخرائطي من (مكارم الأخلاق)، قال الحافظ: ولعل قوله: "أتدري ما حق الجار؟ " إلى آخره من كلام الراوي غير

стр. 81

مرفوع، لكن قد روى الطبراني عن معاوية بن حيدة قال: ((قلت: يا رسول، ما حق الجار عليّ؟ قال: إن مرض عدته، وإن مات شيّعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوذ سترته)) فذكر الحديث. وروى أبو القاسم الأصبهاني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطِه)) فذكر الحديث بنحوه. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: ((يا رسول الله اكسني، فأعرض عنه فقال: يا رسول الله، اكسني، فقال: أما لك جار له فضل ثوبين؟ قال: بلى غير واحد، قال: فلا يجمع الله بينك وبينه في الجنة)) رواه الطبراني في (الأوسط). وروي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كم من جارٍ متعلق بجاره يقول: يا ربي، سل هذا لمَ أغلق عني بابه ومنعني فضله؟)) وهذا إنما يكون -كما نرى- في يوم القيامة. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)). وقد سبق هذا الحديث في أول الأحاديث التي ذكرها الإمام الحافظ المنذري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: ((من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم من يعمل بهن؟ فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله،

стр. 82

فأخذ بيده فعد خمسًا، فقال: اتقِ المحارم تكن أعبد الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب)). وعن ابن عمر وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننته أنه سيورّثه)) وذلك لعظم حق هذا الجار. هذه إذًا جملة من الأحاديث نقلتها لكم لتروا كيف يكون التعامل والإكرام والإحسان إلى الجار والقيام بحق هذا الجار؛ في أن الجار يجب أن يواسي جاره، وأن يقوم بحقه وألا يمنع عنه خيره، فإذا كان هذا بين الجيران فإن الجيران تمثّل وحدة من وحدات هذه الأمة، ولو صلحت هذه الوحدات لصلح المجتمع الإسلامي كله، ولشاع الودّ والحب والأمان والسلام بين الناس، ولو أن كل جار منع شره عن جاره! بل تعدى هذا إلى أن يحسن إلى جاره، فليس المطلوب هو أن يمنع بوائقه، أو أن يمنع شره، فالذي يكون فيه الشر لجيرانه إنما نقص إيمانه لدرجة خطيرة، وإنما نتحدث عن جارٍ يتخطى هذا القدر إلى إكرام جيرانه والقيام بحقهم والبحث عما يحتاجون ليقف بجوارهم، فهذه الصورة المشرفة المنيرة المشرقة بتعاليم الله وتعاليم رسوله تجعل أمة الإسلام أمة جديرة بالخيرية التي أراد الله لها أن تكون هكذا حين قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: ١١٠). يقول الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: حفظ الجار من كمال الإيمان، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه، ويحصل امتثال الوصية به لا بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه وتفقد حاله ومعاونته فيما يحتاج إليه ... إلى غير ذلك، وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية، وقد نفى ﷺ الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه، وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار، وأن إضراره من الكبائر.

стр. 83

قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح، والذي يشمل الجميع إرادة الخير له وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه، ويبين محاسنه، ويرغّب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضًا، ويستر عليه زلله له عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فيه وإلا فيهجره قاصرًا تأديبه على ذلك، مع إعلامه بالسبب، إلى آخر ما قال. وقد أورد الإمام البخاري في باب حق الجوار في قرب الأبواب، عن عائشة ﵂ قالت: ((قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا)) قال في (الفتح): أي أشدهما قربًا، قيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من الملمات ولا سيما في أوقات الغفلة. قال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب؛ لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا. ويؤخذ من الحديث أن الأخذ في العمل بما هو أعلى أولى، وفيه تقديم العلم على العمل. واختلف في حق الجوار؛ فجاء عن على ﵁: "من سمع النداء فهو جار"، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. وعن عائشة: "حد الجوار أربعون جارًا من كل جانب".

стр. 84

ويذكر الإمام الغزالي -عليه رحمة الله- في حقوق الجوار: أن الجوار يقتضي حقًّا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وقد قال ﷺ : ((أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلمًا))، وقال النبي ﷺ : ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، وقال ﷺ : ((من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليكرم جاره))، وقال ﵊: ((لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه))، ثم يقول: واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى؛ فإن الجار أيضًا قد كف أذاه، فليس في ذلك قضاء حق، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف. إذ يقال: "إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول: يا رب، سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني؟ ". وجملة حق الجار: أن يبدأه بالسلام، وألا يطيل معه الكلام، وألا يكثر عن حاله السؤال، وأن يعوده في المرض، وأن يعزيه في المصيبة، وأن يقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، وأن يصفح عن زلاته، وألا يتطلع من السطح إلى عوراته، وألا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء في ميزابه، ولا في مطرح التراب في فنائه، وألا يضيق طرقه إلى الدار، وألا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، وأن يستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، وألا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، وألا يسمع عليه كلامًا، وأن يغض بصره عن حرمته، وأن يتلطف بولده في كلمته، وأن يرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. هذا إلى جملة الحقوق التي هي لعامة المسلمين، فانظروا إلى هذا الذي ذكره الإمام الغزالي من حقوق الجوار؛ لتروا كيف أن هذه الحقوق لو أُديت على وجها الصحيح لكان فيها من ألوان السعادة والخير الكثير للمسلمين جميعًا.

стр. 85

قال أبو هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ : ((يا معشر المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)) وهذا معناه: أن الجار إنما يقبل من جاره ما يهدى إليه مهما كان قليلًا حتى لو كان هذا القليل -كما ذكر الحديث- هو فرسن شاة وهو ظلف الشاه، وليس المقصود بذلك أن الجار سوف يقدم لجاره ظلف شاة، إنما هذا كناية عن قلة ما يهدى، وعلى المسلم والمسلمة أن تقبل هذه الهدية. قال ﷺ : ((إن من سعادة المرء المسلم: المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهني)). وقال عبد الله: قال رجل: ((يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت؟ قال: إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت فقد أسأت)). هذه هي أخلاق الإسلام، وهذا هو جوار المسلمين، وهو جوار يشيع أمنًا وسلامًا وحبًّا وسعادة وخيرًا، لو أن المسلمين التزموا به لسعدت أمتهم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 86

الدرس: ٦ الأخلاق في القرآن الكريم (١) .

стр. 87

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس (الأخلاق في القرآن الكريم (١)) الإيثار في كتب اللغة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاد له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: الأخلاق في القرآن الكريم: الإيثار في كتاب اللغة: صاحب معجم (مقاييس اللغة) ابن فارس الهمزة والتاء والراء له ثلاثة أصول: تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء، قال الخليل: فالآثر الذي يُؤثر خُفَّ البعير، والأثير من الدواب العظيم الأثر في الأرض بخُفّه أو حافره، والأثير الكريم عليك الذي تُؤثره بفضلك وصلتك، ومعنى هذا عند ابن فارس: أن الكريم الذي تؤثره بفضلك وصلتك، هو كريم عليك تصنع به معروفًا له أثره، يبقى هذا الأثر في حياته معلمًا بارزًا كما ترى في خفّ البعير الذي يسير في الأرض فيترك فيها أثرًا، كما قال بخفه أو حافره. أما صاحب (اللسان) الإمام ابن منظور فيقول: آثره أكرمه، ورجل أثير مكين مكرم، وآثره عليه فضله، وفي التنزيل ﴿لَقَدْ آَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا﴾ (يوسف: ٩١) وآثرت فلانًا على نفسي من الإيثار، الأصمعي: آثرتك إيثارًا أي: فضلتك، فصاحب (لسان العرب) يُبيّن أن الإيثار معناه: أن تفضل واحدًا على نفسك. أما صاحب (مفردات القرآن الكريم) فيقول: آثر الشيء حصول ما يدل على وجوده، والمآثر ما يُروى من مكارم الإنسان، ويستعار الأثر للفضل والإيثار للتفضّل، ومنه آثرته والاستئثار التفرد بالشيء من دون غيره. وفي (المعجم الوسيط): آثاره إيثارًا اختاره وفضله، ويقال: آثره على نفسه، والشيء بالشيء خصَّه به، وجعله يتبع أثره، والإيثار تفضيل المرء غيره على نفسه، والإيثارية عند علماء الأخلاق مذهب يُعارض الأثرة، ويرمي إلى تفضيل خير الآخرين على الخير الشخصي، وعند علماء النفس اتجاه اهتمام الإنسان

стр. 88

وميول الحب فيه نحو غيره، وقبل ذاته؛ سواء أكان هذا عن فطرة أم عن اكتساب. على أية حال ما جاء في كتب اللغة يعني: أن الإيثار هو أن تُفضّل غيرك على نفسك بأن تكون محتاجًا لشيء، فتؤثر الآخرين بهذا الشيء، فهذا هو الإيثار كما جاء في كتب اللغة. فإذا ما انتقلنا إلى الإيثار في القرآن فسوف نجد هذه المادة تُذكر في هذه الآيات الخمس: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: ٣٧ - ٣٩) وهذه الآية ليست في موضوعنا، وهو إيثار شخص على شخص من باب الأخلاق في القرآن، وإنما هذا بيان يُبين ويتحدث عن نوع من الناس آثر وفضَّل الحياة الدنيا على الآخرة، يقول تعالى في سورة "الأعلى": ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: ١٦، ١٧). الموضع الثالث في سورة "يوسف" يقول ربنا: ﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: ٩٠ - ٩٢). في سورة "طه" يقول ربنا في قصة أتباع موسى وفرعون وما كان من أمره: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي

стр. 89

هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (طه: ٧٢، ٧٣) أي: لن نُفضّل عندك من الدنيا والمتاع والرفعة حين نكون على ما أنت فيه من كفر، ومن معصية لله ومن محاربة لشرع الله ودين الله وموسى ﵇ فهذا الإيثار ليس هو الإيثار الذي نتحدث عنه. لم يبقَ لنا سوى موضع واحد في سورة "الحشر" هو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩) وهذه الآية -كما سنرى في الأحاديث- نزلت في أبي طلحة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- وما كان من أمره، وأنه آثر ضيفه على نفسه، وكان في أشدّ الحاجة هو وأهل بيته للطعام، لكنهم فضَّلوا إطعام الضيف على أنفسهم، فذكر ذلك الله في كتابه فقال: ﴿وَمَنْ يُوْقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هذا إذًا هو الإيثار الذي يريد أن نتحدث عنه في موضوعنا الإيثار في القرآن الكريم. وتأتي السنة المشرفة وهي باب واسع، لتبيّن هذا الإيثار وكيف يكون، والدواعي التي تدعو إليه: نذكر من البخاري ما رواه بسنده عن أبي هريرة ﵁: ((أن رجلًا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلنا: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ : من يظن أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيِّئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيَّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تُصلح سراجها فأطفأته،

стр. 90

فجعل يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكم، فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾)). هذا أبو طلحة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- وما كان من أمره وأمر أهل بيته -رضوان الله عليهم جميعًا. ويروي الإمام البخاري في باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو ردٌّ عليه ليس له أن يتلف أموال الناس، وقال النبي ﷺ : ((من أخذ أموال يريد إتلافها؛ أتلفه الله، إلا أن يكون معروف بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة)) كفعل أبي بكر ﵁ حين تصدَّق بماله، وكذلك آثر الأنصار المهاجرين، ونهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلة الصدقة. وقال كعب بن مالك ﵁: ((قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، قال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخيبر))، ففي هذا الذي ذكره الإمام البخاري ما يُبيّن ما كان من أمر أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- وأنه آثر رسول الله ﷺ والإسلام، ودعوة الإسلام بماله، فتصدق به كله صدقة لله -فرضي الله عنه وأرضاه-، كما أن الأنصار أيضًا آثروا المهاجرين كما سنرى في أحاديث تالية بإذن الله. كذلك أيضًا في هذا السياق يروي الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: ((اجتمع أناس من الأنصار فقالوا: آثر علينا غيرنا -أي: آثر علينا رسول الله ﷺ غيرنا- فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم ثم خطبهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا: صدق الله ورسوله، قال: ألم

стр. 91

تكونوا ضلالًا فهداكم الله؟ قالوا: صدق الله ورسوله قال: ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله؟ قالوا: صدق الله ورسوله، ثم قال: ألا تجيبوني ألا تقولون أتيتنا طريدًا فآويناك، وأتيتنا خائفًا فأمناك، ألا ترون أن يذهب بالشاء والبقران -يعني: البقر- وتذهبون برسول الله ﷺ فتدخلونه بيوتكم، لو أن الناس سلكوا واديًا أو شعبة وسلكتم واديًا أو شعبة سلكت واديكم أو شعبتكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، وإنكم ستلقون بعدي أثرًا، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)). يروي لنا الإمام الدارمي بسنده عن سعيد بن عامر عن هشام صاحب الدستوائي قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى يقول عيسى ﵇ لأصحابه أو لبني إسرائيل: "تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، وإنكم علماء السوء الأجر تأخذون، والعمل تُضيّعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصلاة والصيام، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته، كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئًا أصابه، كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من أخرته، وهو في الدنيا أفضل رغبة، كيف يكون من أهل العلم مَن مصيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه، وما يضره أشهى إليه، أو قال: أحب إليه مما ينفعه، كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليُخبر به، ولا يطلبه ليعمل به، فنسأل الله السلامة والعافية". والشاهد في هذا الحديث هو قول عيسى ﵇: "كيف من يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته"، وكنا نذكر في آيات القرآن قول الله تعالى

стр. 92

﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (الأعلى: ١٦، ١٧) ونذكر ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: ٣٧ - ٣٩). الإيثار في السنة وأقوال العلماء ما ذكره الأئمة الأكارم من علمائنا في باب الإيثار والمواساة، ولنبدأ بالإمام النووي في كتابه الشهير المعروف (رياض الصالحين) حيث ذكر تحت هذا العنوان باب الإيثار والمواساة، ذكر فيه قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: ٩)، وقول الله تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان: ٨) وذكر حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فيما كان من أمر أبي طلحة وأهل بيته وضيفهم، وأن الله عجب من صنيعهم بضيفهما، وأنزل على رسوله هذه الشهادة التي تُتلى على مرّ الأيام والدهور، وهي قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ثم يواصل الإمام النووي ذكر جملة من الأحاديث، فيذكر قول الرسول ﷺ : ((طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة))، وفي رواية لمسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))، وهذا يعني أن المسلم لا بد أن يكون على هذا الفهم من إكرام الآخرين، وألا يبخل بما عنده من طعام؛ فإن طعام الواحد يكفي الاثنين ... إلى آخر ما جاء من توجيهات النبي ﷺ . ويذكر عن أبي سعيد الخدري ﵁ قوله: ((بينما نحن في سفر مع النبي ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ : من

стр. 93

كان معه فضل ظهر، فليعُد به على من لا ظهر له)) أي: من كان معه مركوب فاضل عن حاجته فليعد به على من لا ظهر له، ((ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له))، يقول أبو سعيد فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. وتخيَّلوا لو أن المسلمين فعلوا هذا فأخرج كل مسلم ما زاد عن حاجته، لعلكم معي في أنه لن يبقى معنا وبيننا فقير أو مسكين أو محتاج. ويذكر عن سهل بن سعد ﵁: ((أن جاءت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة فقالت: نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره فقال فلان: اكسنيها ما أحسنها! قال: نعم، فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنها! لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألته وعلمت أنه لا يردّ سائلًا، فقال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه)) رواه البخاري. وفي هذا الحديث نعرف ويتبين لنا مدى ما كان عليه رسول الله ﷺ من إيثار أصحابه على نفسه، وأنه وإن كان محتاجًا إلى الشيء لكنه إن طُلب منه أعطاه لمن طلبه، وأيضًا هذا الحديث يُبيّن حب الصحابة وتعلق الصحابة برسول الله ﷺ . ويختم الإمام النووي هذا الباب بحديث أبي موسى -رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله ﷺ : ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعامهم عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)) أي: فرغ طعامهم أو قارب على الفراغ حين ذاك يجمعون ما عندهم في ثوب واحد، أو في مكان واحد، ثم يقتسمون هذا فيما بينهم بالسوية. رسول الله ﷺ يقول: ((فهم مني وأنا منهم)) وفي هذا من الإيثار ما فيه كما نرى.

стр. 94

يذكر أيضًا لنا الإمام الغزالي -عليه رحمة الله- في الباب الثاني في حقوق الأخوة والصحبة كلامًا رائعًا فيقول: اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقًا يجب الوفاء قيامًا بحق النكاح، فكذا عقد الأخوة فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب بالعفو والدعاء وبالإخلاص والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف، وذلك يجمعه ثمانية حقوق، فيذكر الإمام الغزالي هذه الحقوق، اخترت لكم منها الحق الأول والثاني وهو الحق في المال والحق في النفس، واخترت لكم مما ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة يقول -عليه رحمة الله- قال رسول الله ﷺ : ((مثل الأخوين مثل اليدين تُغسّل إحداهما الأخرى)) ويقول: إنما شبههما باليدين لا باليد والرجل؛ لأنهما يتعاونان على غرض واحد، فكذا الإخوان إنما تتم أخوتهما إذا ترافق في مقصد واحد، فهو من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السّرّاء والضراء والمشاركة في المآل والحال وارتفاع الاختصاص والاستئثار، ثم يقول: والمواساة بالمال مع الإخوة على ثلاث مراتب: أدناها: أن تُنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت لك حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة. الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك، ونُزلوه منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال. قال الحسن: كان أحدهم يشقّ إزاره بينه وبين أخيه. العليا: أن تؤثره على نفسك وتُقدم حاجته على حاجتك، وهذه رتبة الصديقين، ومنتهى درجات المتحابّين، ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضًا،

стр. 95

وهذه الرتبة هي التي وصف الله تعالى المؤمنين به في قوله ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: ٣٨)، وقد روي أن مسروقًا أدان دينًا ثقيلًا وكان على أخيه خيثمة دين قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم، وهذه هي أخلاق السلف -عليهم رضوان الله-، ولعلنا نذكر أيضًا لما آخى رسول الله ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع آثره بالمال والنفس، فقال عبد الرحمن: "بارك الله لك فيهما" فأثره بما آثره به، وكأنه قبله ثم آثره به، وذلك مساواة، والبداية إيثار، والإيثار أفضل من المساواة. وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من أخواني لاستقللتها له، واقتداء الكل في الحقيقة في الإيثار برسول الله ﷺ . هذا بعض ما ذكره الإمام الغزالي في الحق الأول، وهو حق الأخوة في المال، وقد ذكرنا شيء مما قال. أما الحق الثاني في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال، وتقديمها على الحاجات الخاصة، وهذه أيضًا لها درجات كما للمساواة بالمال، فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة. قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فذكره ثانية فلعله أنه قد يكون نسي، فإن لم يقضها فكبر عليه واقرأ عليه هذه الآية ﴿وَالْمُوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ (الأنعام: ٣٦) قال جعفر بن محمد: إني لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردّهم فيستغنوا عني، هذا في الأعداء، فكيف في الأصدقاء.

стр. 96

ثم يقول الغزالي: وكان في السلف من يتفقَّد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم، ويمونهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا عينه، بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياتهم، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت هل لكم ملح هل لكم حاجة، وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفة والأخوة، فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه؛ فلا خير فيها. قال ميمون بن مهران: من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته، وقال ﷺ : ((ألا وإن لله أواني في أرضه، -وهي القلوب- فأحب الأواني إلى الله تعالى أصفاها وأصلبها وأرقها)) أصفاها من الذنوب، وأصلبها في الدين، وأرقها على الإخوان، وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك، أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدًا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ترى لنفسك حقًّا بسبب قيامك بها، بل تتقلد منة بقبوله سعيك في حقك، وقيامك بأمره، ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء الحاجة بل تجتهد في البداية بالإكرام في الزيادة والإيثار. يقول عطاء: "تفقدوا أخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو كانوا نسوا فذكروهم". وقال سعيد بن العاص: "لجليسي علي ثلاث إذا دنى رحبت به، وإذا حدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له"، وقد قال تعالى ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) إشارة إلى الشفقة والإكرام، ومن تمام الشفقة ألا ينفرد بطعام لذيذ، أو بحضور في مسرة دونه، بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده عن أخيه.

стр. 97

أرأيتهم هذه الصورة الرائعة الجميلة في الإيثار التي كان عليها سلف هذه الأمة، فكان من أمرهم ما نرى من عزة ومن كرامة -عليهم جميعًا رضوان الله. أيضًا فيما ذكره الإمام الغزالي نذكر بعض ما قاله في سخاوة رسول الله ﷺ وجوده، فهذا أيضًا عنوان الإيثار يقول: كان ﷺ أجود الناس وأسخاهم، وكان في شهر رمضان كالريح المرسلة، لا يُمسك شيئًا. ويقول: كان علي ﵁ إذا وصف النبي ﷺ قال: ((كان أجود الناس كفًّا، وأوسع الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجةً، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه))، يقول ناعته -أي: واصفه-: ((لم أر قبله ولا بعده مثله، وما سئل عن شيء قط على الإسلام إلا أعطاه، وأن رجلًا أتاه فسأله فأعطاه غنمًا سدَّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا فإن محمد يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، وما سئل شيئًا قط فقال: لا. وحُمل إليه تسعون ألف درهم فوضعها على حصير ثم قام إليها فقسمها ما رد سائلًا حتى فرغ منها، وجاء رجل فسأله فقال: ما عندي شيء ولكن ابتع عليّ، فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال عمر يا رسول الله: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ ذلك، فقال الرجل: أنفق ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا، فتبسم النبي ﷺ ). أرأيتم هذا الخلق وهذا الإيثار وهذا الجود وهذا الكرم الذي علَّمه رسول الله ﷺ لأمته، وقد صدق فيه قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤). يبقى لنا أن نعيش سويًّا فيما كتبته في حقوق الأخوة، والتي قسمتها إلى أربعة أقسام: أخوة الإنسان مع أخيه الإنسان، وهي التي تُعرف بالأخوة الإنسانية، وهناك أخوة النسب من نُنسب إليه وينسب إلينا من الآباء والأمهات والأحباب

стр. 98

والأرحام وما إلى ذلك، وأخوة الإيمان من نرتبط معهم برابطة الدين، وهناك الأخوة في الله. وقد سما الإسلام بهذه الألوان وبيَّن ما فيها من حقوق، وما فيها من معالم الإيثار، ولكننا نقف عند هذا النوع من الأخوة، وهو الأخوة في الإيمان والأخوة في الله لنقتطف بعض ما في حقوق هذه وتلك من معالم الإيثار في دين الله، وفي كتاب الله . لقد وصل الإسلام في هذا التآخي إلى صور فاقة أحلام الفلاسفة وأصحاب المدن الفاضلة، وضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثلة في صدق هذه الأخوة، حتى لقد وجدنا في مجتمع المدينة لونًا من هذا الإخاء كان أعظم من إخاء النسب والرحم، به كان الأنصار والمهاجرون يتوارثون، ويتكافلون، ويتعاونون، واستحق الأنصار شهادة الفخار التي ما زالت تتردّد إلى يومنا هذا في سمع الزمان والتي ذكرناها في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ (الحشر: ٩) الآية. فهؤلاء هم الأنصار الذين يُحبون من هاجر إليهم حبًّا جعلهم يقدون كل غالٍ ونفيسٍ في سبيل إخوانهم المهاجرين، حتى قال المهاجرون في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس ﵁: ((يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، قال ﷺ تطييبًا لخاطرهم: لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم)) وهؤلاء الأنصار -كما نعلم- لا يشعرون بضيق في الصدور إذا ما وجدوا إخوانهم المهاجرين، وقد سبقوهم بالفضل والثناء من الله، والمهاجرون أهل لذلك حقًّا، فهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: ٨).

стр. 99

لقد آثر الأنصار إخوانهم المهاجرين بما عندهم رغم حاجتهم إلى النفقة، وتلكم والله أفضل الصدقة، وأعظم العطاء أن تُعطي الشيء وأنت في أشد الحاجة إليه، وهؤلاء كما رأينا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، أي: كان بهم حاجة شديدة إلى ما آثروا به غيرهم، وقد ذكرنا ما كان من أمر أبي طلحة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه. فهذه قلوب هيمن عليها الإيمان وجمعها رب العالمين على مائدته، وأقامها على قلب أتقى قلب رجل واحد، إنها منة إلهية، وتدبير رباني لا تستطيع الحصول عليه قوى الأرض مهما بذلت في سبيل من جهد ومن مال، بل لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما استطاعت أن تحصل على هذه الذي يسره لرسوله، وجعله من أسباب نصرته ونصرة دينه، حتى لقد كان هؤلاء الأحبة مثلًا حيًّا لحديث رسول الله ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))، ولمسلم: ((المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله)) إنها صورة حية نابضة بالإيمان تُرشدنا إلى كثير من حقوق أخوة الإيمان، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٢، ٦٣). ومما يجمع هذا الحقوق وصف الله لأصحاب رسول الله ﷺ حيث يقول ربنا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩) فهم قوة تُرهب أعداء الله تراهم في ساحات القتال جيوشًا تصول وتجول يخشى بأسهم أهل الكفر والضلال، ولكنك تراهم فيما بينهم يفيضون رقة وأدبًا وخلقًا

стр. 100

وتواضعًا، وودًّا وتراحمًا، والعجب فإن من صفات المؤمن أنه أليف مألوف قال رسول الله ﷺ : ((أقربهم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، المطَّئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون))، فإحساس المؤمن بإخوانه، وشعوره بحاجتهم، وحرصه على ما ينفعهم أسس في العلاقات بين إخوة الإيمان. وإذا كنا نتحدث عن الإيثار في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ فإن صور الإيثار بين الإخوة المتحابين في الله لا تراها إلا في أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم من سلف الأمة الصالح، وإلى يومنا هذا ترى بعض هذه الصور المشرقة بنور الله لمن آمنوا بالله حق الإيمان، وربطت العلاقات الإيمانية والمحبة الإيمانية بين قلوبهم؛ فكان لقاؤهم لله ومن أجل الله، وما أجمل حياة هذا الإخاء أساسها، وما أكرم عيشًا يظله هذا الحب بظله الرحيم. وقد علمنا أن حقوق الإخوان كثيرة: هناك الحقوق المالية والحقوق الأدبية، وهي في النهاية تشكل سياجًا متينًا يحوط هذه الأخوة من كل جانب يحميها من كل خطر ويدفع عنها كل سوء، ولما لا وهي أخوة نبتت في جو طهر وسُقيت من معين الإيمان، ورعتها العناية الإلهية وحرصتها القوة الربانية، إنها أخوة لله وفي الله ومن أجل الله، لا يجتمع أصحابها من أجل غرض من أغراض الحياة الدنيا، ولا عرض من أعراضها الزائلة فتزول بزوال هذا الغرض، وتتحول بتحول هذا العرض إنما هي باقية ممتدة؛ لأنها مرتبطة بالباقي الذي لا يزول، ولذلك بقيت وامتدت إلى يوم القيامة وإلى ما بعد يوم القيامة كما قال ربنا: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (الزخرف: ٦٧ - ٧٣).

стр. 101

فهذا الإيثار لا بد من أن ينبع من هذا المعين، وإلا فما الذي يدعو إنسانًا ليؤثر الآخرين على نفسه، إلا أن يكون هذا من منطلق الإيمان، وإن لم يكن هناك هذا الأساس، فلا فائدة على الإطلاق، ولا يمكن للإنسان من طُلَّاب الدنيا أن يكون من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. انظر في هذا الإيثار إلى ما كان من أمر الأنصار مع المهاجرين، وأنت تقرأ ما رواه الإمام البخاري عن أنس ﵁ إذ قال: ((دعا النبي -صلي الله عليه وسلم- الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها، قال -صلوات الله وسلامه عليه-: أما لا فاصبروا حتى تلقوني -أي: على الحوض- فإنه سيصيبكم بعدي أثرًا)) إذ لم يكن عند النبي ﷺ ما يكفي المهاجرين والأنصار، فدعاهم إلى الصبر وبيَّن لهم أنهم سوف لا يحصلون على الدنيا إلا على القليل، وسوف يتأثر بهذه الدنيا غيرهم، ولا بد لهم أن يصبروا حتى يلقوا رسول الله ﷺ على الحوض، وهناك في الآخرة يكون لهم الحظ الأوفر والنصيب الأعظم. فهذه إذًا هي معالم الإيثار في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والدوافع التي تدفع إنسان ليكون من هؤلاء الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، والأمر يحتاج إلى تربية إيمانية لأمتنا حتى تستقيم على طريق هذا الإيثار؛ لأن بهذا الإيثار السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وطاعته وحسن عبادته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 102

الدرس: ٧ الأخلاق في القرآن الكريم (٢) .

стр. 103

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع (الأخلاق في القرآن الكريم (٢)) الصدق في اللغة الحمد لله، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: الصدق: أولًا: الصدق في اللغة: ما جاء في كتب اللغة في بيان معنى الصدق: وسوف أنتقي من هذه الكتب ما يختصّ بموضوعنا يقول صاحب معجم (مقاييس اللغة) الإمام ابن فارس: صدق الصاد والدار والقاف، أصل يدل على قوة في الشيء قولًا وغيره، من ذلك الصدق خلاف الكذب، سمي لقوَّته في نفسه، ولأن الكذب لا قوة له هو باطل، وأصل هذا من قولهم شيء صدق أي: صلب، ورمح صدق، ويقال: صدقوهم القتال، وفي خلاف ذلك كذبوهم، والصديق الملازم للصدق، والصداق: صداق المرأة سُمي بذلك لقوته، وأنه حق يلزم، والصداقة مشتقة من الصدق في المودة، وفي (لسان العرب) يقول ابن منظور: الصدق نقيض الكذب، وصدقه الحديث أنبأه بالصدق، والمصدق الذي يصدقك في حديثك، والصديق الدائم التصديق، والذي يصدق قوله بالعمل والمبالغ في الصدق، والصَّدْق الثبت اللقاء، وقال ابن درستويه: ليس الصدق من الصلابة في شيء، وإنما الصدق الجامع للأوصاف المحمودة. قال الخليل: الصدق الكامل من كل شيء. ويقول صاحب معجم (مفردات ألفاظ القرآن): الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيًا كان أو مستقبلًا، وعدًا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في القول، ولا يكونان في القول إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام، ويقول: وقد يكونان -أي: الصدق والكذب- بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والأمر والدعاء، ويسوق في ذلك الأمثلة، والصدق مطابقة القول الضمير والمخبر عنه معه، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا؛ بل إما ألا يوصف بالصدق، وإما أن يوصف تارة بالصدق وتارة بالكذب على نظرين مختلفين، كقول كافر إذا قال من غير اعتقاد: محمد رسول الله، فإن

стр. 104

هذا يصحّ أن يقال: صدق لكون المخبر عنه كذلك، ويصح أن يُقال كذب لمخالفة قوله ضميرًا، وبالوجه الثاني: أكذب الله المنافقين حين قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ (المنافقون: ١) الآية، والصديق من كثر منه الصدق، وقيل: لمن لم يكذب قط، وقيل: لمن لا يتأتَّى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل لمن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بفعله ... إلى آخر ما قال الراغب الأصفهاني. هذه إذًا هي معاني الصدق التي ساقها الأئمة، وكلها قائمة على أن الصدق قوة وثبات، وإحاطة، وجمع للأوصاف المحمودة، وجمع للكمال في كل شيء. الصدق في القرآن الكريم والسنة المطهرة فإذا ما نظرنا في كتاب الله لنرى كيف ساق القرآن هذه الكلمة، وهذه المادة مادة الصدق لنعرف، ولنستنتج منها العبر والدروس، حين نستعرض هذه المادة في القرآن الكريم نجدها قد ذُكرت خمس وخمسين ومائة مرة، وذكر الآيات التي وردت فيها هذه المادة لا يتَّسع له وقت هذه المحاضرة، ولكن في مجال التفسير الموضوعي للقرآن الكريم يكفينا أن نقف عند هذه الآيات لنقسّمها إلى مجموعات، كل مجموعة تمثل عنصرًا من عناصر الموضوع، وباجتماع هذه العناصر يبدو الموضوع مشرقًا متكاملًا يدل على عظمة القرآن فيما أرسى من القواعد، وأقام من البنيان. والصدق بناء قام على أساس من أخلاق القرآن، والتي بنيت على توحيد الله والإيمان برسوله، ولو تأمَّلت في الآيات سوف تجد أنها تتحدَّث عن الصدق باعتباره صفة لله وصفة لرسوله، بل وصفة لرسل الله وصفة لأهل الإيمان، وتتحدث عن الصدق وصفًا لمكان أو شيء له أهميته، كما ترى في قوله:

стр. 105

﴿قَدَمِ صِدْقٍ﴾ (يونس: ٢) و ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍِ﴾ (يونس: ٩٣) و ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: ٨٠) و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ (الإسراء: ٨٠) و ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ (مريم: ٥٠) و ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ (القمر: ٥٥)، وفي خمسين موضعًا يعبّر بالصادقين، فترى ألوانًا كثيرة من القضايا والأشخاص يطلب فيها الصدق فيما تقول، أو تفعل. وكما وصف الله الرجال بالصدق وصف النساء فقال: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾، وفي أفعل التفضيل لا ترد هذه الكلمة أصدق إلا وصفًا لله وذلك في موضعين، وهما في سورة "النساء" في قوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٨٧)، وفي قوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا﴾ (النساء: ١٢٢). ومن مادة الصدق جاءت الصدقة مفردة في خمسة مواضع، وجمعًا في ثمانية مواضع، والصدقة يخرجها صاحبها طواعية؛ رغبة في ثواب الله فدلَّت على صدق إيمانه، كما أتت كلمة صدقات -بضم الدال- بمعنى إعطاء المهر للزوجة، وهو ليس ثمنًا لها؛ إنما هو عنوان صدق الرجل في زواجه من هذه الفتاة أو المرأة، والصديق سُمي صديقًا لصدقه في مودة أخيه ومحبته، وقد ذُكرت الكلمة في موضعين في "النور" في جملة من يباح للمؤمن أن يأكل من بيته دون حرج، كما قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (النور: ٦١)، وفي "الشعراء" في تمنّي الكافرين أن يكون لهم صديق مخلص يشفع لهم عند الله قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (الشعراء: ١٠٠، ١٠١). وقد رأينا ما تعنيه كلمة الصديق، وقد وصف الله بها الأنبياء إبراهيم وإدريس ويوسف ﵉، وكانوا من جملة من أنعم الله عليهم، كما وُصفت بهذه الصفة السيدة مريم، والمصدق الذي يقرّ ما سمع ويعترف به، وذلك في عشرين آية تُبيّن أن القرآن مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة، وكل كتاب جاء

стр. 106

مصدقًا لما سبقه من الكتب، ويحيى ﵇ مصدقًا بكلمة من الله، كما جاءت في موضع واحد في سورة "الصافات" في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (الصافات: ٥١ - ٥٣) وفي المتصدقين والمتصدقات نقرأ قول الله في أخوة يوسف ليوسف: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (يوسف: ٨٨)، وفي ثناء الله على المتصدقين والمتصدقات، وما لكل منهما من الأجر نقرأ في سورة الحديد ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ﴾ (الحديد: ١٨)، وفي الأحزاب ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ إلى أن يقول: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: ٣٥). وإذا كنا نتحدث عن الصدق في القرآن، فإن ماله صلة بموضوعنا هو الآيات التي تتحدَّث عن الصدق في سلوك البشر فتُعلي من قيمة الصدق، وتدعو إلى أن يكون خلقًا لبني الإنسان، ومنهجًا تقوم عليه حياتهم، وقد جاء كتاب الله في هذا الجانب من الجوانب التي تأصّل لحياة آمنة مطمئنة. وفي هدي النبوة ما يضيف بُعدًا أخر لهذا الذي جاء به كتاب الله فماذا جاء في سنة رسول الله ﷺ ؟ نقرأ من (صحيح البخاري) ما رواه بسنده عن طلحة بن عبيد الله: ((أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله ﷺ سائر الرأس فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة. فقال: الصلوات الخمس إلا أن تتطوع شيئًا. فقال: أخبرني بما فرض علي من الصيام. فقال: شهر رمضان إلا أن تتطوع شيئًا. فقال: أخبرني بما فرض الله على من الزكاة فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق)).

стр. 107

فهذا صدق مع الله في أداء فرائضه، ولا شك أن الصدق في أداء الفرائض سوف يؤدِّي إلى أداء النوافل، فهذا منهج رسول الله ﷺ في تعليم المسلمين أن يبدأ بالفرائض، ثم تأتي النوافل بعد ذلك. أيضًا يروي الإمام البخاري بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إنما ثلاثة نفر ممن كان قبلهم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا يُنجيكم إلا الصدق، فليدعو كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه، فأخذ كل واحد منهم يذكر أمرًا ذكره)) الحديث؛ ففرج الله عنهم فخرجوا، فهذا الحديث الطويل الذي رواه ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ يبيّن عاقبة الصدق مع الله فيما فرض، وفيما شرع، وأيضًا يبيّن عاقبة الصدق فيما يؤدِّي الإنسان للناس من أمور هي من حقّهم مخلصًا لله في ذلك، وملتزمًا في التعامل مع الآخرين بشرع الله، وهدي الله؛ طاعة لله وطلبًا لثواب الله. ويروي لنا الإمام البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب بن مالك قال: "سمعت كعب بن مالك يُحدّث حين تخلف عن قصة تبوك: فوالله ما أعلم أحدًا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يوم هذا كذبًا، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (التوبة: ١٧) إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) "، فهذا الصحابي الجليل صدق الله وصدق رسوله فكان سببًا لقبول توبته، وأصبح حديثه قرآنًا يُتلى على مر الزمان.

стр. 108

يروي لنا الإمام مسلم أيضًا بسنده عن أنس بن مالك قال: ((نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله. قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا. قال: صدق. قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد علينهنَّ ولا أنقص منهنَّ. فقال النبي ﷺ : لئن صدق ليدخلنَّ الجنة)) وهذا الحديث شبيه وكأنه هو الحديث الذي رواه الإمام البخاري، وذكرناه من قبل. وعن أبي الدرداء قال: ((كنا مع رسول الله ﷺ فشَخَص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أَوَانٌ يُختلس العلم من الناس حتى لا يقدر منه على شيء، فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدُّك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟ قال جبير: فلقيت عبادة بن الصامت قلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء إن شئت لأحدثنَّك

стр. 109

بأول علم يُرفع من الناس الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلًا خاشعًا)) هذا الحديث رواه الإمام الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وروى بسنده عن الحارث قال: "مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث، قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرّدّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إن سمعته حتى قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم". يقول الإمام الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث -أي: راوي هذا الحديث- مقال. على أية حال الذي يعنينا من هذا الحديث الطويل هو قوله ﷺ : "من قال به صدق"؛ فالذي يريد الصدق ويريد أن يتحلَّى بالصدق عليه أن يلتزم بهذا القرآن الكريم في آدابه وأخلاقه ومعاملته، وما جاء به فهذا هو طريق الصدق.

стр. 110

أيضًا يروي لنا بسنده عن أبي موسى الأشعري -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((رأيت في المنام أن أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، فرأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر)). الشاهد في هذا الحديث هو قوله ﷺ : ((ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق)) فثواب الصدق ثواب عظيم، نصر في هذه الدنيا، وتمكين لأهل الإسلام، وربما نعود إلى الحديث عن جزاء الصادقين، كما جاء في كتاب الله . وفي الحديث أيضًا عن النبي ﷺ قال: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا)) فهذا الصدق هو طريق السعادة، وطريق الجنة، وهو يدل الإنسان على كل ألوان البر. والبر -كما نعلم- كلمة جامعة تشمل كثيرًا من شرائع الإسلام، لعل قول الله في سورة "البقرة": ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
следующие страницы →