وحاكيتُ مَنْ أهوى قواماً ونظرةً ... وضوءَ جبينٍ نورُهُ ليس يجحد
أرى لكِ أحشاءً تذوبُ لطافةً ... فما لحشا حبّي غدا وهو جلمد
ولما أناخَ الليلُ منها بكلكلٍ ... تجلَّتْ فولَّى الليلُ وهو مشرد
وأقبلَ في جيشٍ من الزنج حاملاً ... فقابله منها سنانٌ مسدّد
وكيف يبات الليل وهو ضريبة ... إذا كافَحَتْهُ وهي سيف مجرّد
أضاءَتْ لها ندري أَدُرّيُّ كوكبٍ ... تلألأ أم قلبُ الدجنّةِ يرعد
ولاحت فلا ندري وقد غَسَقَ الدجى ... أأومض برق أم تبصَّص أسود ١١٤٤ - المأموني (١) :
وحديقةٍ تهتزُّ فيها دوحةٌ ... لم تُنمها تربٌ ولا أمطارُ
فصعيدها صُفْرٌ ونامي غصنها (٢) ... شَمْعٌ وما قد أثمرته نار ١١٤٥ - يعقوب ملغزاً فيها:
أُحاجيكَ ما صفراءُ فوق سريرها ... على رأسها تاجُ الإمارةِ يلتهبْ
لها دلُّ معشوقٍ لها ذُلُّ عاشقٍ ... لها ضِحْكُ مسرورٍ لها دمعُ مكتئبْ ١١٤٦ - سيف الدين ابن سابق الدين ابن قزل (٣) :
ولم أرَ قبل شمعتنا عروساً ... تجلَّتْ في الدجى ما بين جَمْعِ
نصبناها لخفض (٤) العيشِ جزماً ... فآذن لَيْلُنَا منها برفع
كأنَّ (٥) عقودَ أَدْمُعِها عليها ... سلاسلُ فضَّةٍ أو قُضْبَ طَلْع ١١٤٧ - أبو الحسن ابن عبد الكريم:
طعنتُ الدّجى لما ادلهمَّ ظلامُهُ ... وقد كاد قلبُ النجمِ من فوقه يَجِبْ
стр. 422
ومزَّقتُ من أَنوار شمعي إِهابَهُ ... بأرماحِ كافورٍ أسنَّتُها ذهب
فليس احمرارُ الأفقِ من شفَقٍ ... ولكن دمُ الظلماءِ في أُفقها انسكب ١١٤٨ - الحاجب ذو الرياستين أبو مروان (١) :
ربَّ صفراءَ تردَّتْ ... برداءِ العاشقينا
مثلَ فِعْلِ النارِ فيها ... تفعلُ الآجالُ فينا ١١٤٩ - ابن حمديس (٢) :
قناة من الشمع مركوزةٌ ... لها حَرْبَةٌ طُبِعَتْ من لهبْ
تحرَّقُ بالنارِ أحشاؤُها ... فتدمعُ مُقْلَتَها بالذهب
تمشذَى لنا نورها في الدجى ... كما يتمشَّى الرضى في الغضب
فأَعْجِبْ (٣) بآكلةٍ جِسْمَها ... بروحٍ تشاركها في العطب ١١٥٠ - أبو إسماعيل إبراهيم بن غانم الكاتب الأفريقي ملغزاً (٤) :
وصفراءَ تنشرُ في رأسها ... ذوائبَ صفراً على المجلسِ
تُريكَ إذا حَدَّقَتْ عينها ... عيوناً من الزهرِ والنرجس
تعمُّ الندامى بها كسوةٌ ... فكلُّ نديمٍ بها مكتسي
تمازجُ مشروبهم رقةً ... فتأتي شعاعاً على الأكؤس
وتُهدي إذا حضرت مجلساً ... بساطاً وأنساً إلى الأنفس ١١٥١ - وله فيها (٥) :
وفوارةٍ ماؤها رقةٍ ... يفيضُ على كلِّ راءٍ لها
إذا قابَلَتْهُ كسا الحاضرين ... كساها عموماً وما إن لها
стр. 423
يفيضُ عليهم بمثلِ الغمام ... أتبعَ وأبلُها طلَّها
يصوبُ فتعرقُ أثوابهُمْ ... ويخرجُ منها وما بلَّها
يمازِجُ كاساتِهِمْ رقةً ... ويظهرُ فيها وما حلّها
وليس بملحٍ ولا بالفراتِ ... يُروى العطاشَ إذا علّها
صفاتٌ يظلُّ لها ذو النهى ... كليلَ القريحةِ مختلَّها
إذا ما اهتدى لطريقٍ أرته ... أُخرى فعادَ وقد ضَلَّها ١١٥٢ - ابن حمديس (١) :
وَقُضبٍ من الشمع مصفرةٍ ... تريكَ من النُّورِ نوارها
تذيبُ بياقوتةٍ درَّةً ... وتغمسُ في مائها نارها
تُقلُّ الظلامَ على رأسها ... وتهتكُ بالدَّمعِ (٢) أستارها
كأنا نسلِّطُ آجالها ... عليها فتمحقُ أعمارها ١١٥٣ - شاعر:
أقولُ لصاحبي والراحُ روحٌ ... لجسمِ الكأس في كف النديمِ
وقد حَبَسَ الدُّجى عنا بواكٍ ... تسيلُ نفوسها فوقَ الجسوم
شموعك والكؤوسُ مع الندامى ... نجومٌ في نجومٍ في نجوم ١١٥٤ - آخر (٣) :
أعددتُ لليل إذا الليلُ غَسَقْ ... وقَيَّدَ الألحاظَ من دون الطُّرُقْ
أغصانَ (٤) تبرٍ عَرِيَتْ من الورقْ ... أثمارُهَا مثلُ مصابيحِ الأفق
يُغْني النَّدَامى ضوءُها عن الفَلَقْ ... شفاؤها إن مَرِضَتْ ضربُ العنق ١١٥٥ - أبو عبد الله الوضاحي:
عرائسُ تستضيء بها الكؤوسُ ... كأنّ ضياءَ أوجهها الشموسُ
لها من حُسْنها أبداً نعيمٌ ... لها منه مَدَى الأيامِ بوس
تذوقُ الموتْ ما سَلِمَتْ وتحيا ... إذا ما قُطِّعَتْ منها الروؤس
стр. 424
١١٥٦ - كشاجم (١) :
وصفرٍ من بنات النَّحْلِ تُكْسي ... بواطنها وأظهرها عواري
عذارى يُقْتَضَضْنَ من الأعالي ... إذا اقتضَت من السفلِ العذاري
وليست تنتجُ الأضواءَ حتى ... تُلَقَّح في ذوائبها بنار
كواكبُ لَسْنَ عنك بآفلاتٍ ... إذا ما أشرقت شمشُ العقار ١١٥٧ - علي بن عبد الرحمن الصقلي (٢) :
ثم قامتْ مع السقاةِ علينا ... ناحلاتُ الجسوم صفر الذوائبْ
جَمَدَتْ من دموعها عبراتٌ ... فهي مثل الحليِّ فوقَ الترائب
بليت إذ بكتْ وكلُّ محبٍّ ... هكذا جِسْمُهُ من الدَّمعِ ذائب ١١٥٨ - الحصفكي في مقطوط الشمعة:
شكت رسيسَ الهوى بصفرتها ... فما أصابتْ لديَّ انكارا
فشيعَتْ حين أظلمتْ وبكتْ ... وألهبتْ فوق رأسها نارا
ومزقَتْ ثوبها وأحسبُهُ ... رامتْ به أن تشدَّ نارا
وكلُّ مَنْ جاءَها يعاقبها ... من فمها نَاوَلَتْهُ دينارا ١١٥٩ - أبو المعالي ابن إسرائيل:
وغُصُنٍ من فِضَّةٍ ... أمسى بتبرٍ مثمرا
يجني المِقَطُّ وردةً ... منه وَيُلقي عنبرا ١١٦٠ - شهاب الدين بن عبد المنعم الخيمي، وأجاد:
وشمعةٍ مزَّقَتْ ثوبَ الظلامِ بما ... بثَّتْ من النورِ في الأرجاء متسعا
وأحرقَتْ نارُها ما مَزَّقَتْ فترى ال ... مقطّ يُخرِجُهُ من نارها قِطَعا ١١٦١ - جلال الدين المكرم والدي:
غصن لجيني بدت في رأسه ... صفراءُ عَزَّتْ أنْ تُلامِسَها اليدُ
نَعِسَتْ فأيقظها الغلامُ بقرصةٍ ... فأبانَ منها كوكباً يتوقَّدُ
стр. 425
ورمى به وبه بقيَّةُ ناره ... فكأنه زنبورُ صيفٍ أَسْودُ ١١٦٢ - وله:
غُصُنٌ من فضَّةٍ في رأسه ... دُرَّهٌ تجلو غياهيبَ الدجى
ما لها يوماً إذا ما مَرِضَتْ ... غيرُ قَطْعِ الرأس بِرٌّ يُرْتَجَى
يجتنى منها عقيقاً أصفراً ... ثم يُلْقَى فتراه سَبَجا ١١٦٣ - وله:
نديمي شمعةٌ إن غاب عني ... أنيسي في الدجى كانتْ أنيسي
إذا ما قام مُصْلِحُهَا إليها ... ليضحكَ نورها بعد العبوس
جَنَى من رأسها أزهارَ عاجٍ ... وألقاها خريطةَ أبنوس ١١٦٤ - شرف الدين أبو طالب النابلسي:
يا سيِّداً قد فاق كلَّ الورى ... بفضله يا حَسَنَ المنظرِ
قد شبَّه المملوكُ ما قُطَّ من ... فتيلةِ الشمعةِ للمبصرِ
بقطعةٍ من عنبرٍ أسودٍ ... وبعضُها من ذهبٍ أحمرِ ١١٦٥ - وله:
وشمعةٍ قُطَّ منها رَأْسُها ... ما قُطَّ أسودَ فيه بعضُ لألاءِ
يحكي سويداء قلبي واللهيبُ به ... لهيبهُ عند تذكارِ الأحباء ١١٦٦ - الزكي بن أبي الاصبع (١) :
ومجلسِ أنسٍ دُعينا له ... لنرتعَ فيه رياض الأدبْ
دُخَانُ الألوَّةِ فيه السّما ... من الشمعِ قد زُيِّنَتْ بالشهب
كأنَّ الذي قُطَّ منها إذا ... أُميطَ وفيه بقايا اللهب
فراشُ الربيعِ أرانا الشذورَ ... من الندِّ قد فُصِّلَتْ بالذهب
стр. 426
١١٦٧ - محمد عبد الله بن الشيخ جريك:
وشموعٍ مثلِ المعاصمِ بيضٍ ... رَفَعَتْ أكؤساً من الصهباءِ
وكأنَّ المقطوطَ منها احمراراً ... لونُ خدٍّ مضرَّجٍ بالدماء
وإذا ما انطفا يحاكي عياناً ... قطعةً من ذؤابةٍ سوداء ١١٦٨ - سليمان المسيحي المارديني:
عاشتِ الشمعةُ لما قطعوا ... حَنَقاً من نحرها ذاك الودَجْ
فاعجبوا كيف وقد ماتتْ أتى ... من مضيقِ الموت ذَيَّاكَ الفرج
صار تبرُ النورِ في دائرةِ ال ... فضة البيضاءِ في الحالِ سَبَجْ ١١٦٩ - قال أبو الحسن علي بن سعيد الغماري: ضمني بتونس مجلس أنسٍ مع الأديب أبي إسحاق إبراهيم الغساني، فقام غلام جميل إلى الشمعة فقطعها بإصبعه، فصنعنا في ذلك أبياتاً بيتاً ببيت، وهو الأول:
وَرَخْصِ البَنَانِ تصدَّى لأَنْ ... يقط السراج بمثل العنم
فلم تذهب [ ... ] في قطه ... ولا احتاج في قطعه للجلم
وما ذاك إلا لسكناه في ... فؤادي على ما به من ضرم
تعوَّدَ فيه بحرِّ اللهيب ... فليس به من لهيبٍ أَلَمْ ١١٧٠ - الزكي بن أبي الاصبع:
بيضاءُ تحسبها من لؤلؤٍ خُلِقَتْ ... تفترُّ عن لؤلؤٍ رَطْبٍ قد اتسقا
قامتْ إلى شمعةٍ بيضاءَ تُصْلِحُها ... بلا مقطٍّ فطارت مهجتي فرقا
فأدركتني وقالتْ لا تخف لهباً ... على بنانٍ من الياقوت قد خلقا
فطال ما أُصْلِيَ الياقوتُ جمرَ غضاً ... ثم انطفا الجمرُ والياقوتُ ما احترقا ١١٧١ - شرف الدين المصنف:
ومكحول اللحاظِ كَغُصْنِ بانِ ... من الولدانِ فرَّ من الجنانِ
تناولَ شمعةً ليقطَّ منها ... بمثل الدر من رَخْصِ البنان
فقمتُ إليه أنهاه فولَّى ... وقال إليكَ يا مَنْ قد نهاني
أَلَسْتُ ربيتُ في جنّاتِ عدنٍ ... فجسمي من سعيرٍ في أمان
стр. 427
١١٧٢ - سيف الدين بن سابق الدين في الفانوس (١) :
وكأنّما الفانوسُ في غَسَقِ الدجى ... دَنِفٌ براه شَوْقُهُ وسهادُهُ
حُنِيَتْ أضالعُهُ ورقَّ أديمه ... وَجَرَتْ مدامعُهُ وذابَ فؤاده ١١٧٣ - شرف الدين الصنيعة:
ومحنيِّ الضلوعِ على لهيبٍ ... توقُّدُهُ يذوبُ به حَشَاهُ
عليه غلالةٌ رقَّتْ لتجلو ... محاسِنَهُ وقد سَتَرَتْ هواه
ويخْفي دَمْعهُ الجاري اشتياقاً ... فلا يدري به أحدٌ سواه ١١٧٤ - جلال الدين المكرم والدي:
أقولُ لشمعةٍ ها إنّ حالي ... كحالِكِ في العيانِ لمن يفيقُ
دموعٌ في الهوى تجري وَسُهْدٌ ... وجسمٌ ذائبٌ وحشاً حريقُ
على جسدي المسلسلِ حين أضحى ... أسيراً فاضَ مدمعيَ الطليق
تحنُّ أضالعي ناراً وبيني ... وبين عواذلي سِتْرٌ رقيق
إذا التهبتْ بدا أمري ويخبو ... فيجهله عدوي والصديق
إلى طُرُقِ المحبة يُهْتَدَى بي ... ففي الطلماء تُهْدَى بي الطريق ١١٧٥ - أبو الحسن ابن عبد الكريم (٢) :
كأنما الليلُ وفانوسُهُ ... يجلو دجى الظلمةِ للحسِّ
لُجَّةُ بحرٍ قد طما مَوْجُهُ ... تسبحُ فيه كُرةُ الشمس ١١٧٦ - وله:
يا ربَّ شمسٍ في الدياجيرِ ... مشرقةِ الأرجاءِ بالنورِ
راح بها من عَجَبٍ جمعنا ... ما بين تسبيحٍ وتكبير
وقال بعض القوم من كيسه ... كأس من الصهباء كافوري
وأعربَ الفانوسُ عن نَفْسِهِ ... بأنه خركاةُ بلّور
стр. 428
١١٧٧ - ابن عبد المنعم الخيمي (١) :
ومسامري في الليلِ مثلي ناحلٌ ... متصعدُ الزَّفَراتِ ملتهبُ الحشا
أضحى كما حكم الهوى ولهيبُهُ ... ذا أضلعٍ ما فوقها إلا الغشا ١١٧٨ - وله:
يا حبَّذا الفانوسُ يحمل كَلَّهُ ... أبداً وَيُرْسِلُ نَفْعَهُ للجارِ
فتراه يُمْسِكُ حَرَّه ودخانُهُ ... فيه ويبذلُ خالص الأنوار
وحكى من الراووقِ أكثر شكله ... فكأنه راووقُ نورِ النار ١١٧٩ - محمد بن عبد الله في فانوس غشاؤه أحمر:
ولما دجى الديجورُ واسود جُنْحُهُ ... أتينا بفانوسٍ جلا ظلمةَ الغَسَقْ
كأن ضياءَ النور تحتَ غشائه ال ... معصفر بَدْرُ التِمِّ في حُمْرَةِ الشفق ١١٨٠ - شرف الدين المصنّف:
أو ما ترى الفانوسَ يجمعُ شكلُهُ ... إلفَيْ هوىً من شمعِهِ وضيائِهِ
وجه الحبيبِ يلوحُ تحتَ نقابه ... وحشا المحبِّ يذوبُ من بُرَحَائِهِ ١١٨١ - الشريف أبو الحسن في الطوافة:
ليِّنَة الأعطافِ لا ... يُجْهَلُ حَقُّ قَدْرِهَا
يَنْهَبُ مهما توجو ... هـ رأسُها من عمرها
حياتُها في طَيِّها ... وَمَوْتُها في نشرها ١١٨٢ - أبو ابن عبد الكريم:
وطوافةٍ في ليلها ونهارها ... وإن لم يغبْ جثمانها مكانِهَا
تضمُّ يدي من جسمها شكلَ حَيَّةٍ ... إذا ما انطوتْ راعت فؤادَ جنانها
تراها بجنح الليلِ ترفعُ رأسها ... تنضنضُ تجلو جُنْحَهُ بلسانها ١١٨٣ - ابن إسرائيل في الجلاّسة والقنديل:
ربَّ ليلٍ قطعت ما بين قطري ... هـ غريقاً في لُجَّةِ الأفكارِ
стр. 429
وَمُعِيني على سُهاديَ كأسٌ ... من زجاجٍ أرقُّ من أشعاري
قد أحاطَ الهواءُ منه بماءٍ ... وعلى الماءِ فيه كوكبُ نار
فتراه في حُسْنِ سوسنةٍ بيضا ... ءَ من تحتِ زهرةٍ من بهار
وعليه بالزيتِ طوفٌ رقيقٌ ... هو فيه كمعصمٍ في سوار ١١٨٤ - وله:
انظرْ مصابيحَ القصو ... ر واقضِ منهنَّ العَجَبْ
كأنما ماءُ الخلي ... ج وسناها الملتهب
صَرْحُ زجاجٍ تحته ... دعائمٌ من الذهب ١١٨٥ - شاعر ملغزاً:
مملوكةٌ من جوهرٍ جامدٍ ... وفي حشاها جوهرٌ جارِ
في جوفها ماءٌ ونارٌ وهل ... يجتمعُ الماءُ مع النار ١١٨٦ - محمد بن عبد الله:
أيا ربَّ قنديلٍ جلا الليلَ ضَوْءُهُ ... تراه كأَنْ قَدْ صيغ من جوهرِ البدرِ
صفا مثلَ دمعِ العاشقين وَقَلْبُهُ ... وأحشاؤُهُ فيها لهيبٌ من الجمر
تراه نحيلَ الجسمِ من سَهَرِ الدجى ... يراقبُ نجمَ الليلِ شوقاً إلى الفجرِ ١١٨٧ - شاعر في القنديل:
وقنديلٍ يكادُ سناهُ يجلو ... دياجيرَ الظلامِ بغيرِ نارِ
فكيف وقد حوى قَبَسا منيراً ... تراهُ تخاله بعضَ الدّراري ١١٨٨ - شاعر في قنديل وَسْطَ ياسمين:
كأن قنديلنا في الياسمينِ وقد ... بدا بنورٍ على أعلاهُ ملتهبِ
أرضٌ سن الفضةِ البيضاءِ قبتها ... بلّورةٌ فوقها طَيْرٌ من الذهب ١١٨٩ - شرف الدين المصنّف في ثريّا جامع دمشق:
ومسجدٍ في مشاكيه بجنحِ دجىً ... نورٌ يكشِّفُ عن أبصارنا الظُّلَما
ترى الثريّا ثريَّا فيه طالعة ... حُسْناً وما فيه من سُرْجٍ نجومَ سما
تمرُّ فيه ظباءُ الإِنس راتعةً ... على المحاريبِ من أشكالهنَّ دُمى
стр. 430
١١٩٠ - شاعر في القصبة المعوجّة التي تطفأ بها القناديل (١) :
طفَّايةٌ تبعثُ في ... وَسْطِ القناديلِ هَبَا
كأنها نعامةٌ ... تلقطُ منها لهبا ١١٩١ - العمادُ السَّلماسي (٢) في المشعل:
وشخصٍ على كلِّ الملوك مقدَّمٍ ... له خَدَمٌ تحظى لديه وَتَعْبَثُ
فيودِعُ في أحشائِهِ النارَ دائماً ... ومقدمها من رأسِهِ حين ينفث
ولكنّ مَنْ يدنيه منهم مفسّقٌ ... يَمِينُ وفي أَيْمانه الدهرَ يَحْنَثُ
له أعينٌ من كلِّ صوبٍ ووجهةٍ ... وليس له عينٌ إذا مات يُورَثُ
لتعميمه بالنفعِ أبناءَ آدمٍ ... يوحدُ فيهم تارةً ويثلَّتُ السراج والمسرجة:
١١٩٢ - في التنزيل العزيز: (لله نورُ السَّمواتِ والأرضِ مَثَلُ نوره كَمِشْكاةٍ فيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كأنَّها كوكبٌ دريٌّ يوقدُ من شَجَرةٍ مُبَارَكةٍ زيتونةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غربيّةٍ، يكادُ زِيْتَها يُضيءُ ولو لم تَمْسَسْهُ نارٌ، نورُ على نورٍ يَهْدي الله لنوره من يشاءُ، ويضربُ اللهُ الأمثالَ للنّاسِ، واللهُ بكلِّ شيءٍ عليم) .
قوله: (الله نور السموات والأرض) فيه أربعة أقوال: هادي السموات والأرض، ومدبر السموات والأرض، وضياء السموات والأرض، ومنور السموات والأرض، شمسها وقمرها ونجومها.
(مَثَلُ نوره) فيه ثلاثة أقوال: مثل نوره، أو مثل نور محمد ﷺ ، أو مثل المؤمن، فمن قال: مثل نور المؤمن فيعني في قلب نفسه، ومن قال نور محمد ﷺ فيعني في قلب المؤمن؛ ومن قال مثل نوره ففيه قولان يعني في قلب محمد ﷺ أو في قلب المؤمن.
стр. 431
(كمشكاة فيها مصباح) فيه خمسة أقوال: أحدها أنّ المشكاة لا منفذ لها، والمصباح: السراج، الثاني: المشكاة: القنديل، والمصباح: الفتيلة، الثالث: المشكاة: موضع الفتيلة من القنديل الذي هو كالأنبوب والمصباح للضوء، الرابع: المشكاة: الحديد الذي يُعلَّق به القنديل، وهي السلسلة، والمصباح: هو القنديل، الخامس: المشكاة: صدر المؤمن، والمصباح: القرآن الذي فيه، وقيل المشكاة الكوَّة بلسان الحبشة، وقيل أن كلّ كوّة كوَّةٍ نافذةٍ مشكاة.
(المصباح في زجاجة) فيه قولان: أحدهما أن نار المصباح في زجاجة القنديل لأنه فيه أضوأ، والثاني: المصباح هو العِلْمُ والإيمان والزجاجة قلب المؤمن.
(ودرّي) فيه أربع قراءات: دُرّيء - بالضم والهمز - أي مضيء، ودِرّيء - بالكسر والهمز - أي متدافع، من درأ أي دفع، ودِرِّي - بالكسر وترك الهمز - أي جارٍ كالنجوم والدّراري الجارية، من درا الوادي إذا جرى ودُرِيٌّ - بالضم وترك الهمزة.
(يوقد من شجرةٍ مباركةٍ) فيه قولان: أحدهما الشجرة المباركة إبراهيم، والزجاجة التي كأنها كوكب درّي محمّد صلوات الله عليهما وسلامه، الثاني: أنه صفة لضياء المصباح الذي ضرب به مثلاً، يعني أن المصباح يشتعل من دهن شجرة زيتونة مباركة. وفي جعلها مباركة وجهان: أحدهما أن الله بارك في زيتون الشام وهو أبرك من غيره، الثاني: أن الزيتون يورق غصنه من أوله إلى آخره، وليس له في الشجر مِثْلٌ إلا الرّمان.
وقوله: (لا شرقية ولا غربية) فيه ستة أقوال: أحدها يعني أنّها ليست من شجر الشرق دون الغرب ولا من شجر الغرب دون الشرق لأن ما اختص بأحد الجهتين كان أقلّ زيتاً وأضعف ضوءاً، ولكنّها من شجر ما بين الشرق والغرب كالشام لاجتماع القوتين فيه. الثاني: ليست بشرقيَّة تستتر عن الشمس في وقت الغروب، ولا بغربيّة تستترعن الشمس في وقت الطلوع، بل هي بارزة للشمس من وقت الطلوع إلى وقت الشروق، يكون زيتها أضوأ وأقوى. الثالث: يعني أنّها وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت، وذلك أجود لزيتها. الرابع: يعني أنه ليس في خر الشرق ولا في الغرب مثلها. الخامس: يعني ليست من شجر الدنيا التي تكون شرقية أو غربية وإنما هي من شجر الجنّة. السادس: يعني أنها مؤمنة لا شرقية أي ليست بنصرانية تصلِّي إلى المشرق، ولا غربية أي ليست يهودية تصلي إلى المغرب.
(يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار) فيه قولان: الأول: يعني أن ضياء زيتها
стр. 432
كضوء النهار وإن لم تمسه نار، الثاني: أنّ قلب المؤمن يكادُ أن يعرف الحقّ قبل أن يبين له لموافقته له.
(نور على نور) فيه قولان: أحدهما يعني في ضوء النهار على ضوء الزيت على ضوء الزجاجة؛ الثاني: معناه هي من نسل نبي.
(يهدي الله لنوره من يشاء) فيه وجهان: أحدهما يهدي الله لدينه من يشاء من أوليائه، الثاني: يهدي الله إلى دلائل هدايته من يشاء من أهل طاعته (يضرب الله الأمثال للناس) وهذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمن لوضوح الحق له فيه.
١١٩٣ - وفي الأخبار أن شهر بن حوشب قال (١) : أمر رسول الله ﷺ أن يُجَنِّبوا صبيانهم فحمة العشاء، وأن يطفئوا المصابيح، وأن يوكئوا الأسقية، وأن يُغلقوا الأبواب، وأن يخمِّروا الآنية، فقام رجل فقال: يا رسول الله لا بد لنا من المصابيح للمرأة النُّفَساءِ وللمريض وللحاجة تكون، فقال: لا بأس إذا، إن المصباح مَطْرَدَةٌ للشيطان، مَذبَّةٌ للهوام، مدلَّة على اللصوص - وفي رواية أخرى في السراج بذال معجمة واسقاط على - وأن الفويسقة تضرم على الناس بيوتهم. الفويسقة: الفأرة.
١١٩٤ - وقالت الحكماء: إن الطفل لا يُناغي مضيئاً ولا يُسَرُّ به كما يناغي بالمصباح ويُسَرُّ به، قالوا: وسرور الطفل ومناغاته منفعة له في تحريك القوّة النفسانية، لما في النار من الطبيعة المودعة في ذلك.
١١٩٥ - ومن أسماء السراج: القرط والسراج والمصباح والنبراس والمسرج.
١١٩٦ - ويقال لما يسقط من السرج أيضاً القرط والقراط - بكسر القاف والف بعد الراء - وكذلك ما يخرج من حوافر الخيل إذا صدمت الصخور من النيران، وكذلك ما يخرج من بين الحجرين، ومن بين الحديد والحجر، والأنثى والذكر من الخشب والقصب والحديد، كل ذلك يسمى قراطاً - بكسر القاف وأسقاطاً، واحدها قُرط - بضم القاف - وسَقْطٌ وسُقْطٌ - بفتح السين وضمّها. ويقال لموضع النار من الفتيلة الزِّهْلِقُ - بكسر الزاي واللام - والجمع زَهالِقُ؛ ويقال ما بالدار وابصةٌ، يراد بها ما بها نار، وكذلك ما في الدار نافخُ ضرمة أي نافخ نار، وضوء الزيت أنورُ من ضوء كل شيء غيره مما يُسْتَصْبَحُ به وأقل دخاناً، وأعني بالزيت زيت الزيتون، ولا سيما إذا كان في الزجاج. ولو علم الله شيئاً أنورَ منه لضربه لنورة مثلاً؛ قال النابعة الجعديّ يصف امرأة:
стр. 433
تضيء كضوءِ سراجِ السَّليطِ ... لم يجعلِ الله فيه نُحاسا السليط: الزيت، والنحاس: الدخان.
١١٩٧ - ابن الرومي في السراج (١) :
وحيَّةٍ في رأسها دُرَّةٌ ... تسبحُ في بحرٍ قصيرِ المدى
إذا تولَّت فالعمى حاضرٌ ... وإن تجلَّتْ بان طُرْقُ الهدى ١١٩٨ - ابن قلاقس في مثله:
وهيفاءَ فيها إن تأملتَ أمرَهَا ... عجائبُ لا يبدي سوى الكفرِ سِرَّها
تقومُ ولكنْ ليس تنقل رِجْلَها ... وترنو ولكن ليس تُطْبِقُ شفرها
إذا نظرتَ فيها النواظرُ دوحةً ... رأتْ بأعاليها من النارِ نَوْرها ١١٩٩ - ابن طباطبا:
وليلةِ وصلٍ قد عَصَيْتُ عذولَها ... وخاتلتُ من ضوءِ السراج ختولَها
وصابَرْتُهُ حتى تمحَّقَ ضوءُه ... وذكَّرتُ نفسي من سناه ذحولَها
كأنيَ والمصباحُ يُطْفَأُ صائمٌ ... يراقبُ من شمسِ العشيِّ أفولَها
إذا اخذَ المصباحُ في النَّزْعِ طيبت ... ...ونالت منّيَ النفسُ سُولها
يعذّبني طوراً بطولِ ضيائه ... فيا مدّةً أشكو إلى النفسِ طولها
كذي سنة يُغفي ويرفعُ طَرْفَه ... يلمُّ بعينيه فيأبى قبولها
يروعني ما لاحَ منها كَشَيْبَةٍ ... مخضبة أبصرتُ منها نصولها
كما أسبلتْ ذاتُ الحدادِ قناعها ... على مُقْلَةٍ عبرى وَحَلَّتْ ذيولها
فيا ظلمةً كانت ضياءَ لذي الهوى ... فحلَّلَ عن أسري الرقيبُ كبولها
ويا ضوءَ مصباحٍ دهاني ونقمةٌ ... تعوَّذتُ منها إذا رأيت حُلُولَها
وكم أعينٍ ... أورثها العمى ... وعوّدت منها قبل ذلك حُؤولَها ١٢٠٠ - وله، وكانت في السراج فتيلتان فأمر الغلام بإطفاء إحداهما:
اجعل الزوجَ في سراجك فردا ... واقتصدْ يا غلامُ فالقصدُ أجدى
إن يكنْ فقدك الضياءَ رديئاً ... فافتقادي للبزر أردى وأردى
стр. 434
١٢٠١ - أبو الحسن القزويني (١) :
وقالوا كيف أنت فقلت حيٌّ ... تَقَضَّى حاجةٌ وتفوتُ حاجُ
إذا ازدحمتْ همومٌ في صدورٍ ... عسى يوماً يكونُ لها انفراج
نديمي هِرَّتي وأنيسُ بيتي ... دفاترُ لي ومعشوقي السراج ١٢٠٢ - ابن الحدّاد (٢) :
سامحْ أخاك إذا أتاك بزلَّةٍ ... فخلوصُ شيءٍ قلَّما يتمكَّنُ
في كلِّ شيء آفةٍ موجودةٌ ... إنَّ السراجَ على سَناهُ يدخِّن ١٢٠٣ - قال شرف الدين المصنّف (٣) : رأيت فيما يرى النائم قائلاً يقول لي: ما تقول في السراج والمسرجة؟ فأنشدته شعر ابن الرومي:
وحيَّةٍ في رأسها دُرَّةٌ ... وقد تقدم البيتان،. فقال: هذا في الذّبالة، وأنا سألتك عن السراج والمسرجة، فأنشدته للصنوبري (٤) :
له سراجٌ نوره ظلمة ... كأنما يُوقَدُ من قلبي
الحبُّ أضناني فما باله ... يضنى فما يشكو جوى الحب فقال لي: هذا في السراج، وأنا سألتك عن السراج والمسرجة، فصمتُّ، فقال لي: أراك سكت (٥) ، فقلت له ما تحفظ فيهما أنت؟ فأنشد:
مسرجةٌ تُسْرَجُ من فوقها ... ذبالةٌ في جَوْفِ مصباحِ
كأنها مسرجةٌ فوقها ... تفاحةٌ في غُصْنِ تفاح فاستيقظت وأنا أحفظهما.
стр. 435
قال المصنّف (١) : وهذا التشبيه في المسرجة جيد في مسارج العرب، فإن مسرجتهم قضيب أملس أشبه شيء بقضيب التفاح.
١٢٠٤ - جلس أبو الطيّب المتنبي ليلة عند ابن عبد الوهاب، وابن عبد الوهاب إلى جانب السراج، فأنشد أبو الطيب (٢) :
أما ترى ما أراه أيها الملكُ ... كأنّنا في سماءٍ ما لها حُبُكُ
الفرقدُ ابنك والمصباحُ صاحبه ... وأنت بدرُ الدجى والمجلسُ الفلكُ جعل ابنه وهو قريب من المصباح كالفرقدين.
١٢٠٥ - كان أبو جعفر أحمد بن البنّي (٣) معاصراً لليكي (٤) ، وكلاهما عَلَمٌ في زمانه في الأدب، وكان كل واحد منهما يتمنّى لقاء صاحبه، فرحل كل منهما للقاءِ صاحبه، فاتفق أن وصل البنّي في ليلةٍ مطيرةٍ ذات برد وريح إلى الجزيرة الخضراء بِعَدْوَةِ الأندلس، وقد أمسى، فقصد خاناً وقد أغلق الخاني بابه، فقرع الباب فلم يَفْتَحْ له، ولم يكن قدومه متوقعاً في ذلك الوقت على تلك الحال من المطر والظلام، وألحَّ في طلب البيات، وسأله التجّار أن يفتح له ففتح له، فدخل فلم يجد موضعاً سوى بيت لا عهد له بساكن مدة طويلة، فكنس له فيه موضعاً وأغلق بابه عليه ونام، ثم دُقَّ الباب على الخاني، وإذا بآخر في مثل حاله قد قَذَفَ به الليل والسيل إلى الخان، فضجَّ الخاني، وأقسم أن لا يفتح، وضجَّ الوارد من السيل والمطر وألحّ، ورحمه التجار ورغبوا إليه أن يفتح له، فدخل فأرشده إلى البيت الذي فيه الوارد الأول، فدخل عليه وسلّم وهما في الظلام، فقام له الأول وآثرة بموضعه الذي كنسه لنفسه، وهيّأ له غيره، فعندما أخذا مضجعهما اجتاز بهما الخاني والسراجُ في يده يطوف به زوايا الخان، فدخل عليهما ضوء السراج، فتحركت القوَّةُ الشعرية للبني فقال بديهة (٥) :
стр. 436
ومصباحٍ كأنَّ النورَ فيه ... محيَّا من أحِبُّ وقد تجلَّى فبدر صاحبه، وقال على الفور مجيزاً له:
أشار إلى الدُّجى بلسانِ أفعى ... فشمر ذيله جَزَعاً وولَّى فنهض البني وقال: تكون اليكّي؟! فتبسم اليكّي وقال: تكون البنّي؟ فتعانقا وتعارفا، فسمع بهما تجار الخان فعرفوهما، فلم يُصْبِحا إلاّ على حالةِ رفاهيةٍ من المال والقماش مما جَمَعَ لهما التجار، وسمع بهما والي المدينة، فأوسعَ لهما وأحسن إليهما، وأقاما مدّة مجتمعين ثم افترقا على أحسن حال.
١٢٠٦ - قال مسرور: قام الرشيد هارون يوماً من فراشه إلى صلاة الغداة فصلّى وخرج إلى موضع جلوسه، فرأى في بعض دهاليز القصر قنديلاً مسرجاً من الليل لم يُطْفأ إلى أن طلعت عليه الشمس، فأمر بإحضار الفرّاشين وضربهم في ذلك الموضع، فعجبت وقلت: ما عسى أن يكون قد ضاع من البزر في بقاه هذا القنديل مسرجاً إلى هذا الوقت؟! ثم أخذ مجلسه، ورفعت إليه الأشغال، فرفع إليه مٌشْرِف مطبخِهِ ورقة فيها: إن الطّباخ طلب منه عطراً لتطييب القدور بمبلغٍ كبير، وناولنيها فأشفقتُ من أمرها لما وقفت عليه في صَدْرِ يومي من نظره في القنديل، ودافعتُ المشرف، وأمير المؤمنين يلحظني ولا أشعر، ولم يكن لي بدٌّ من رفعها، فرفعتها إليه، فوقَّع فيها دون أن ينظرها، فعجبت من تفاوت حاليه، فلمّا قام من موضعه وأنا خلفه التفت إليّ وأمسك بأذني وقال: قد رأيت ما فعلته بالفراش في هذا الموضع فأنكرته، وقلت في نفسك: ما عسى أن يكون ضاع من البزر في هذا القنديل؟! ثم حضرت ورقة المشرف فاستكثرتها، ولم يكن ما فعلتُهُ بخلاً بما ضاع في القنديل والبزر، وإنما كان تأديباً للخدّام في أن لا يغفلوا بما يجب عليهم من الخدمة فيما دقّ وجلّ، بحيث لا يتعطّل شغل من الأشغال.
١٢٠٧ - قال رجاء بن حيوة: كنت مع عمر بن عبد العزيز فَضَعُفَ السراج، فقال: يا رجاء أما ترى؟ فقلت: أقومُ فأُصْلِحُه، فقال: إنه للؤمٌ بالرجل أن يستخدم ضيفه، وقام وأخذ البطّة فزاد في دُهْنِ السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
стр. 437
١٢٠٨ - قام (١) أبو بكر بن قزمان الزَّجال في مجلس شراب، فمال على السراج فانطفأ، فقال:
يا أهل ذا المجلس السامي سرادقُهُ ... ما ملتُ لكنني مالت بيَ الراحُ
فإن أكن مطفئاً مصباحَ بيتكمُ ... فكلُّ مَنْ فيكمُ في البيت مصباحُ خواص في السرج:
١٢٠٩ - قال ساغون: إذا أسرجتَ سراجين أحدُهما بشحمِ أسد والآخرُ بشحمِ كبش ووضعتهما قريباً بعضهما من بعض، فإن نار أحدهما تثبُ نحو نار الآخر، كأنهما يقتتلان.
١٢١٠ - قال كيماوس: إذا خُلِطَ شحم الأسد مع كبريتٍ أصفر مسحوق وجُعِلَ في مصباح حديد أخضر أرى عجباً.
١٢١١ - فال أرسطو: شحمُ التمساح إذا عُجِن بالشمع وجُعِلَ في فتيلةٍ وأُسْرِجَ في نهر أو أَجَمَةٍ لم تَصِحْ ضفادع ذلك الموضع ما دامَتْ الفتيلةُ مُسْرَجةً.
١٢١٢ - قال ماسرجويه: إنْ ذُوِّبَ شحم الدّلفين وجُعل في مصباح نحاس، وأُخِذَت خرقةُ كتّانٍ ونُثِرَ عليها زنجار ولُفَّتْ فتيلةً، وجعلت في ذلك المصباح مع ذلك الشحم المذاب، وأُسرجت، فإن كلّ من يكون في ذلك البيت الذي يُسرج فيه بين بدي السراج لا يُبصِر شيئاً من نوره، وكل من وراء ذلك المصباح يرى كلّ شيء.
١٢١٣ - قال كيماوس: إنْ جُفِّفَ دم سُلحفاة وسُحِقَ وطُلِيَ به مسرجة، فكل من أسرجها ضرط.
١٢١٤ - مجرب: إنْ دُقَّ ملح وأُلقي في شراب صِرْفٍ وخُضْخِضَ، وملأتَ به قنينة وجعلتَ في فمها قطعة شمع، وأوقدتها، فإن النار تتصل بالشراب ويفنى الشمع ويبقى الشراب، والنار متّصلة تُسْرَجُ بغير دخانٍ كالشمعة في عنق القنينة زماناً أضوأَ سراج وأنوره يغني عن الشمع والسراج.
стр. 438
دلائل السُّرُجِ على الأنواءِ:
١٢١٥ - قال أرسطو: إنْ ظهر حول السراج شبهٌ بقوس قزح دلّ على المطر، وإن ظهر في فتيلته شيء شبيه بروؤس القطر دلّت على ريحٍ كائنة بحسب كبرها وصغرها، فإنها إذا كانت صغاراً صافية شبيهةً بحبّ الدخن دلّت على رياحٍ، وإن كانت عظيمة ليست صافية دلّت على المطر. وإذا كان التهاب السراج مضطرباً يندفع من ناحية إلى ناحية دلّ على مطر، وإن وقعت منه شرارات كثيرة ولها صرير دلّ على مطر.
١٢١٥ - صفة سراج صنعه أرسطاطاليس للإسكندر، لما أراد دخول الظلمات، لا يطفأ بماءٍ ولا مطرٍ ولا ريح ولا تراب ولا غير ذلك مما تُطفأ به النيران، بل يزداد وقوداً وضياءً: يؤخذ أبدان الذراريح التي يقال لها اليراع، تُسْرَج بالليل كالنار المشتعلة، فإن قدرت عليها فهي أجود، وهي توجد في زمان الباقلاّ، فإن أعوزت خُذْ أبدان الذراريح الحمر الموجودة في كلّ وقت وتربي أجنحة، أيّ نوعٍ أخذ، وتُسحق بزيتٍ رصاصيٍ خالص، وإن كان دهن زنبق فلا تبال، وصيِّرهُ في قارورةٍ نقيّة، وشدَّ رأسها بصاروج، وهو كلس معجون بزيت وقطنٍ مقطع من فوق وملح محرّق، وأحكم به وصل القارورة وادفنها في الزبل شهراً. تجدد الزبل كلّ خمسةِ أيامٍ مرّة، وأخرجه تّجده قد صار دهناً أحمر كلون الذهب، فلا تمسّه بيدك فهو سمّ، فإذا أردت العمل به فاتّخذ أُكْرَةً، ثم تأخذ قُنّة ونَوْرَةً لم يصبها الماء، تسحق النورة وتعجنها مع القنّة بمرارةِ سلحفاة بحرية أو نهرية، والبحرية أجود، فإذا أردت استعماله فاطلِ الكرة منه طلياً جيداً وجفّفها، ثم اطل فوقها بالدواء، ثم أشعل فيها النار، فإنها لا تنطفىء بشيء من المائعات ولا بالتراب الذي يطفئ النار، بل تزداد اشتعالاً، وليكن طليُكَ للدواء بريشة أو قلم شعر فإنه سمٌّ قاتلٌ باللّمس والذوق. وهذا الذي يطفئها إذا طُلي به البدن أو الخشب فكلّ ما يُطْلى به لا يبالي بالنار ولا تعلق به ولا تفعل فيه شيئاً، وهو رطل طَلْقٍ ورطلُ صمغٍ عربي وأربعة أرطال مَغْرةٍ حمراء ورطلان حنس، وما شئت من دقيق حواري وما شئت من بياض بيض، يُدَقُّ الصمغ والطَّلق والمغرة: كل واحد على حدته، ويخلط الجميع، ثم تأخذ خلّ خمرٍ حاذقٍ تمزجه بالماء حتى تكسر حمضه، وتخلط الجميع وتعجنه شديداً وتدهن به ما شئت، ولو طليت به خشبة لم تحترق وهي مدفونة في النار أبداً، فإذا أردت تطفيء الأُكرة المذكورة فخُذ لبّاداً بلَّه بالدواء مرة ومرة ثم والِهِ عليها ولفَّها به سريعاً فإنها تنطفيء.
стр. 439
فراغ
стр. 440
الباب العاشر
في تعبير ما تشتمل عليه من الآثار العلوية وغيرها في المنام
١٢١٧ - قال الحكماء (١) : إذا رأى الإنسان النار في موضعها بمقدارٍ معتدلٍ، والزمان شات، دلّ على الخير والصلاح، فأما إذا لم تكن في موضعها أو كانت كبيرة مجاوزة الاعتدال في الكثرة، أو كان الصيف، فإنها تدلُّ على الشرّ والحرب والمرض والندامة.
١٢١٨ - ومن رأى (٢) أنه قاعد في ضوء السراج باليل دلّ على السرور ومواتاة الأمور، فإن كان خائفاً أو هارباً أو متوازياً أو عازماً على عمل في خفية دلّ على الفضيحة، لأن كلّ ما يكون في ضوء السراج يكون ظاهراً، وإطفاءُ السراج في المنام دليلٌ رديء مذموم، فإن كان صاحب المنام مريضاً دلّ على الموت.
١٢١٩ - قال الشيخ شرف الدين المصنّف: وجرى لي من المنام أمر عجيب في السراج، وذلك أني رأيت كأني جالسٌ وبين يدي ثلاثةُ سُرُجٍ موقودة، وإلى جانبي زوجتي أمُّ بني، وهي تنفخُ إلى أحد السرج لتطفئه، فأدركني عليها غيظٌ شديد، ونهيتها عن ذاك، فألّحت في النفخ عليه، فاضطربت من الغيظ وقلت لها: إن طفيتيه فأنت طالق، فقامت فنفخت في السرج الثلاثة فأطفأتها، وبانتْ بالطلاق، ولم أكن قبل ذلك جرى على لساني للطلاق ذكر، ولا حدَّثْتُ نفسي بطلاقها قطّ، ولا حدّثَتْ نفسها في خلاف أمر آمرها به قط، وكان لي منها ثلاث بنين، فاتفق بعد هذه الرؤيا بأيام قلائل أن مرضت فماتت، وركبت أنا وأولادي الثلاثة البحر. ومالٌ
стр. 441
طائل، فعطبت السفينة وغرق البنون الثلاثة والمال جميعه، ونجوت على لوح مسلوباً من الأهل والمال.
١٢٢٠ - والعرب تقول (١) : من رأى أنَّ بيته احترق انفسد حاله؛ والنار إذا كان لها شرر ولهيب مضطرب دلّت على القتال وإنْ لم يكن معها شرر واضطراب دلّت على المرض والخصومة، وإن كان معها دخان انضاف إلى هذه الأمور هموم وغموم، ومن رأى أنه أوقد ناراً ليستضيء بها فتح له فيما يقصدة ويطلبه، وإن أوقدها ليتدفأ بها في وقت الدفء نال منفعة من الأمر الذي يقصده.
١٢٢١ - ورأى رجلٌ في المنام أن يمينه صارت سراجاً وهو يسير في ضوئها، فاتّفق أن عمي بصره، وكان أخوه يقوده في الطريق.
١٢٢٢ - ومن رأى نوراً عظيماً على جبل أو في مفازه ليستضيء به الناس في أمور معاشهم ظهر للناس إمام أو سلطان عادل مرضيُّ السيرة.
١٢٢٣ - والهواء الصافي (٢) المضيء يدلّ على الخير والصلاح لكلّ أمرٍ رآه، خصوصاً إن كان في قلبه همّ أو ضاع منه شيء فسار في طلبه أو سافر، قال المصنف: وقد جربته، والهواء الكدر المظلم يدلّ على العطلة والبطالة والغموم لكلّ أمرٍ رآه.
١٢٢٤ - والسحاب (٣) يدلّ على الخير والصلاح، لا سيما أن كان محتاجاً إلى مطرٍ، فأما من أراد أن يسافر ويعمل عملاً يكون الصحو أوفق له من المطر، وكان السحاب رديئاً له.
١٢٢٥ - وأما السيول العظيمة والرياح العاصفة واضطراب الهواء فيدلّ على الحرب والخوف لكلّ من رآه.
١٢٢٦ - والحرّ الشديد والبرد الشديد (٤) يدلّ على التعب والبطالة، لأن الإنسان يبطل الأعمال في مثل هذه الأحوال، وإن اشتغلط بالعمل أصابه تعبٌ.
стр. 442
١٢٢٧ - والرعد والبرق (١) إذا لم يكن معهما مطر يدلان على المواعيد الكاذبة والآمال الخائبة، وإن كان الرعد والبرق شديداً دلّ على الخوف والفتنة وقتال الأعداء.
١٢٢٨ - والغيوم البيض المُسِفَّة خير من الغيوم السود المظلمة، لأن الغيوم المظلمة تدل على الحزن، والغيوم المتحركة خير من الغيوم الساكنة الواقفة؛ وإذا رأى الغيوم صاعدة من أسفل إلى فوق كان خيراً له من أن يراها نازلة من فوق إلى أسفل، لأن هذا خارج عن الطبع، وإذا رئيت السحب حمراً خيف على الرائي القتل، أو صفراء خيف عليه المرض، أو خضراء فهو أمان من جور السلطان. وقالت النصارى: تدلُّ على زواج امرأة.
١٢٢٩ - وان رأى قوس قزح يمنة فهو دليل خير، وإن رآه يسرة فهو دليل رديء.
١٢٣٠ - والثلج والبرد العامُّ (٢) تعذيب من السلطان للناس والخاصّ خاص لرائيه، وإن كان معه بَرَدٌ فهو فقر وضرّ وفاقة.
١٢٣١ - والريح الطيبة (٣) الهادئة السهلة الهبوب تدلّ على الأمن والراحة والرخص، خصوصاً إذا استطابها الرائي واستلذّها. والرياح الشديدة العاصفة تدلّ على الحزن والشدائد، خصوصاً إذا تأذى بها. والهواء المظلم الكدر يدلّ على الشر لكل من يراه.
١٢٣٢ - وقالت العرب: الغيم يدلّ على العلم، والطلُّ يدل على الخراب، والرعد والبرق يدلان على الخوف، والريح العاصف تدلّ على الخوف والسيول المضرّة تدل على الفتن والمحن والجوائح وأنواع البلايا، والثلوج تدل على المنافع في المواضع الني ينتفع بها بالثلوج، وعلى المضرّة في المواضع التي يستضرّ بها فيها.
١٢٣٣ - وأما المطر ففيه خلاف، قالت الفلاسفة: كل ما ينزل من السماء مما عاقبته محمودة، فإنه يدل على الخير والصلاح، فإن رأى المطر عاما فهو خير عام، وإن رآه خاصاً فهو خير خاص في أي وقت رآه. وقالت العرب (٤) : رؤيا المطر
стр. 443
تختلف اختلاف الأوقات التي يُرَى فيها، فإن رآه في الشتاء وما أشبهه من وقتي الربيع والخريف الذي يتفق نزول المطر فهو خير، إن كان خاصاً فخاص، وإن كان عاماً فعام؛ وإن رآه في الصيف وفي الأوان الذي يبعد عهد المطر في مثله، فهو طاعون أو حصبة أو جدري أو بعض بلايا الدنيا، إن كان عاماً فعامّ لأهل المدينة أو القرية أو الصقع، وإن كان خاصاً فخاصّ لمن يراه.
١٢٣٤ - فأمّا الطين (١) فلا خير فيه عند الجميع؛ قال المصنّف: وهو من مجرّباتي فإني رأيت شخصاً جالساً في طين، وهو يضع منه على رأسه يكاد يغمره، فشاهدته بعد ذلك وقد مات غريقاً في البحر، اللهم إلاّ أن يكون الرائي من قوّة النفس وصفاتها بحيث لا تحتاج رؤياه إلى مثال، بل تخرج على ظاهرها فيرى الطين في اليقظة كما يراه في المنام، فإن سيّدنا رسول الله ﷺ رأى كأنه في ماء وطين، فخرج إلى صلاة الغداة وصلّى بالناس وقد مُطِروا ووكَفَ سقفُ المسجد، فسجد في ماء وطي، ﷺ .
стр. 444
تمّ الكتاب بحمد الله وعونه
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وافق الفراغ من نسخه في تاسع شهر المحرم سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة بدمشق المحروسة.