← Адаб

Адаб · id 1032

سرور النفس بمدارك الحواس الخمس

أحمد بن يوسف التيفاشي

Полный текст (444 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سرور النفس بمدارك الحواس الخمس هذا الكتاب صورة لاجتماع ثقافتين: الثقافة العربية الإسلامية والثقافة المستمدة من اليونان وهو كذلك صورة للقاء على المستوى الأدبي بين المشرق العربي والمغرب العربي: فقد كان التيفاشي - مؤلف هذا الكتاب وأمثاله من المغاربة المهاجرين يؤلفون للمشارقة وللمغاربة على حد سواء، ويعلمون أن المزج بين الجانبين هو الذي يبقي على الوحدة الثقافية قائمة في العالم الإسلامي. ميزة هذا الكتاب أنه يحيي في أنفسنا موضوعاً ابتعدنا عنه كثيراً، ويقدم لنا الشواهد عليه من مختلف العصور، وبخاصة عصر المؤلف نفسه، ويمثل حلقة هامة في سلسلة الكتب الأدبية، التي تقع موقعاً وسطاً بين المعرفة العلمية والتسلية بالمعرفة، ويكشف عن منجم من الصور التي حاول الشعراء بها تقريب ظواهر الطبيعة إلى النفوس. وبعد: فهذا كتاب يقترن بعشرات الكتب، ويعد في تضافره معها مفتاحاً لبعض ما استعلق من نصوصها، كما يعد من ناحية أخرى خزانة احتفظت ببعض كتب صاعة، وهو في كل ذلك لا يخلو من فائدة وإمتاع.

стр. 2

مقدمة التحقيق عمل في إنجاز هذا الكتاب رجلان، مؤلفه الذي جمع مادته وقسمها في فصول، وذلك هو التيفاشي، ثم رجل ثان عمد إلى ما جمعه التيفاشي فأعاد فيه الترتيب والتبويب، ووضعه في صورة نهائية، وسماه " سرور النفس " بعد أن كان اسمه الأول " فصل الخطاب "، وذلك هو محمد بن جلال الدين المكرم الذي شهر باسم " ابن منظور "؛ وسأعرف ب مؤلف الكتاب ، وبمرتبه ومهذبه، وبالكتاب نفسه. - ١ - مؤلف الكتاب ١ - نظرة في مصادر ترجمته تعد الخطوط الكبرى في حياة التيفاشي محددو واضحة، لأنه هو مصدرها، في تلك الترجمة التي قيدها ابن العديم في " بغية الطلب " وهي تحتوي تفصيلات هامة، أغفلها الذين اطلعوا على تلك الترجمة من بعد مثل الذهبي في تاريخه، وابن فرحون في الديباج المذهب، إذ اكتفى هذان الؤرخان بإيراد الخطوط العريضة من تلك الترجمة؛ ومن الغريب أن الصفدي تجنب تاريخ أستاذه الذهبي، وهو شيء لم يعودنا عليه، ولم يفد من الأخبار التي أوردها ابن العديم، وهو يعرفه حق المعرفة، واكتفى ببناء ترجمة للتيفاشي مستمدة من مقدمة ابن منظور على " سرور النفس " واستخرج من هذا الكتاب ومن غيره بعض أشعاره. وتعد الملاحظات التي نثرها ابن سعيد في كتبه هامة في التعريف إلى التيفاشي، ولهذا يمكن ان يعد ضياع " المشرق " من بين كتب ابن سعيد على وجه الخصوص سبباً في فقدان كثير من المعلومات عنه وعن بني ندى، وعن أخباره مع الشعراء والعلماء المعاصرين.

стр. 3

وفي العصر الحديث كتب عدد من الدراسات عن التيفاشي تخص بالذكر منها: ١ - دراسة الأستاذ حسن حسيني عبد الوهاب (في ورقات ٢: ٤٤٨ - ٤٦٠) . ٢ - دراسة الأستاذ عبد القادر زمامة (مجلة المجمع العلمي العربي (٣٩، ١٢ - ٢٦) . ٣ - دراسة الأستاذ ابن تاويت الطنجي (مجلة الأبحاث، السنة ٢١/ ١٩٦٨؛ ٩٣ - ١١٦) . ٤ - مقدمة كتاب أزهار الأفكار في جواهر الأحجار، تحقيق الدكتور محمد يوسف حسن والدكتور محمود بسيوني خفاجي (القاهرة ١٩٧٧) ٧ - ٢٨. وقد صدق الأستاذ حسين الحسيني عبد الوهاب، في قوله: " إن أهم الأخبار عن حياة التيفاشي تؤخذ من تآليفه المخطوطة والمطبوعة " (١) فهنالك تفصيلات وأحداث لم تعرض لها الكتب التي ترجمت له. ٢ - موجز في سيرة المؤلف: هو أحمد بن يوسف بن أحمد بن أبي بكر بن حمدون بن حجاج بن ميمون بن سليمان بن سعد القيسي، القفصي التيفاشي، ويلقب شرف الدين ويعرف بكنيتين هما: أبو الفضل وأبو العباس. ويمكن أن نستخلص من الأخبار المتيسرة لدينا أن أبا بكر ابن حمدون زرق - فيما رزق - ولدين هما محمد وأحمد، فأما الأول منهما فكان شاعراً، وقد كان في جماعة الشعراء الوافدين على الخليفة الموحدي عبد المؤمن بن علي، وأنشده قصيدة مطلعها (٢) : ما هز عطفيه بين البيض والأسل ... مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي فقيل أن عبد المؤمن قال له: لا تنشد بعدها شيئاً (أو لا تنشد بعده - أي البيت - شيئاً) وأمر له بألف دينار.

стр. 4

وأما أحمد جد المؤلف فنعرف له من الأولاد اثنين يحيى ويوسف؛ وقد كان يحيى شاعراً كذلك، انتقل من قفصة إلى قابس، ومدح أبا الحملات مدافع بن رشيد الهلالي - آخر الأمراء من بني جامع بقابس، وقد نحاه عنها عبد المؤمن (١) - كما مدح غيره من بني هلال؛ وقد أورد له العماد الأصفهاني أبياتاً في مدح مدافع (٢) ؛ كما أورد له التيفاشي المؤلف أبياتاً من تلك القصيدة نفسها في كتابه هذا (٣) ؛ ويبدو أن يحي لقي مصرعه بصقلية. فأما يوسف - وهو والد المؤلف - فقد اتجه وجهة أخرى، فدرس العلوم الدينية، وأصبح قاضياً في مسكانة، ولكنه كان يضم إلى معرفته بشؤون القضاء معرفة بالأحجار، فقد روي عنه ابنه أنه كان جالساً مع طلبة الحضر (٤) على باب ملك المغرب المنصور بن عبد المؤمن

стр. 5

(٥٨٠ - ٥٩٥) وهم ينتظرون الإذن بالدخول عليه والمذاكرة بين يديه، ومعهم القاضي والعدول والأطباء والعلماء في كل فن، فخرج عليهم الخادم الموكل بالإذن ومعه درج عليه ورقة مكتوبة فيها: تحضر الأطباء ومقدمو الجوهريين وتعتبر ما في هذا الدرج من الحجارة "؟ ومعنى الدعوة أن الخليفة كان يريد من العلماء العارفين بالأحجار فحص ما احتواه الدرج وتمييز حجر البازهر من بينها، لأنه من بينها، لأنه نافع ضد السموم، ثم إعطاء الخليفة عشرة أحجار منه وتفريق الباقي على أمناء السوق ومشايخ الأرباع لمنفعة الناس. وكان الذي تولى فحص تلك الأحجار هو يوسف التيفاشي نفسه، يقول: " ففعلت ذلك وامتحنت الأحجار بأن أحضرت الأفاعي، وأرسلت على الفواريج بعد إطعامها حكاكتها، وكانت الحجارة نيفاً عن مائتي حجر، فصح بالمحنة (يعني بالامتحان) دون الستين، وتزيف الباقي فكسر وسحق، وفعل بالباقي منها ما أمر " (١) . وهذه المعرفة إذن لا تقتصر في الحقيقة على الأحجار، بل هي تدل على اتجاه علمي قائم على التجربة؛ سيكون له من بعد أثره البالغ في نفس الابن، ولا ندري هل كانت هذه الحادثة قبل توليه القضاء أو بعده، ولكني أرجح أن تكون قبل ذلك، ولعلها أن تشير إلى أن يوسف التيفاشي طلب العلم في المغرب (بعد طلبه بأفريقية) وانتسب إلى طلبة الحضر (٢) ، وتوثقت صلته بدولة الموحدين، وبالخلفية المنصور منهم على وجه خاص، مكملاً بذلك تلك الصلة التي بدأها عمه محمد وأخوه يحيى، وكفلت لهؤلاء التيفاشي حظوة لدى خلفاء الموحدين؛ فاصبح يوسف جليساً للمنصور - فيما نقدر، يشهد ما يدور في ذلك المجلس من حوار ديني أو فلسفي، وقد أصبحت عن مناظرة جرت بين الفقيه أبي الوليد ابن رشيد والرئيس أبي بكر ابن زهر في المفاضلة بين قرطبة وإشبيلية (٣) .

стр. 6

وكانت قفصة قد دخلت مع سائر إفريقية تحت حكم الموحدين، منذ سنة ٥٥٤ " ووحدت "، وقدم صاحبها علي عبد المؤمن فوصله بألف دينار (١) ، وولي عبد المؤمن عليه والياً من قبله، ولكن القفصيين ثاروا عليه وقتلوه ونصبوا عليهم والياً من بني الرند (٢) ، فعاود عبد المؤمن استيلاءه على المدينة " ٥٦٣/ ١١٦٨ " وهدأت الأحوال مدة إلى أن أصبحت قفصة وغيرها هدفاً لنشاط ابن غانية فاضطر المنصور الموحدي إلى قصدها ومنازلتها، فقتل أتباع ابن غانية وهدم سور المدينة وأمن أهلها، وجعل أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة (٣) . إن الصلات المبكرة التي عقدها التيفاشيون مع الدولة الموحدية تدل على أنهم لم يكونوا يشايعون بلدهم - قفصة - في انقلابهم على الموحدين، وأن يوسف على الأرجح كان قد التحق بطلبة الحضر في عهد عبد المؤمن نفسه، وكان في أيام ابنه المنصور " طالباً " مقدماً، معروفاً بولائه للدولة؛ وكان قد تزوج قبل مجيء المنصور إلى الخلافة، ففي أول سنة من حكم المنصور (٥٨٠/ ١١٨٤) رزق بابنه أحمد، الذي نحاول أن نتعرف إليه في هذه المقدمة، وكانت ولادة أحمد في قفصة نفسها، لا في تيفاشي، وشاهد ذلك قول أحمد نفسه في كتابه الجواهر: " وأخبرني صياد ممن كان يصيد الايايل بأفريقية بمقربة من مدينة قفصة - مسقط رأسي - " (٤) وهذا التحديد وإن لم يرد إلا في نسخة واحدة من النسخ التي اعتمدها المحققان، فإنه مؤكد بقول ابن العديم: " وذكر لي [يعني أحمد التيفاشي] أنه ولد بقفصة من بلاد أفريقية " (٥) ، وكذلك قول الذهبي: " أحمد بن يوسف بن أحمد أبو الفضل المغربي القفصي - وقفصة من بلاد أفريقية - ولد بها سنة ثمانين وخمسمائة " (٦) . أما بلنسبة إلى تيفاش، فهي نسبة حملتها العائلة منذ عهد بعيد، لأنها تنتمي إلى تيفاش - إحدى قرى قفصة - ويقول الأستاذ حسن حسيني عبد الوهاب أنها الآن " بشمال عمالة قسنطينة من القطر الجزائري " (٧) وتوصف في المصادر الجغرافية

стр. 7

بأنها " مدينة أولية (أزلية) شامخة البناء، وتسمى تيفاش الظالمة، وفيها عيون ومزارع كثيرة، وهي في سفح جبل، وفيها آثار للأول كثير، وعليها سور قديم بالحجر، ولها بساتين ورياضات، واكثر غلاتها الشعير " (١) ؛ ولعل أحمد بن يوسف لم يعرف تيفاش، وإن حمل النسبة إليها، فان توجهه لم يكن إلى الغرب، كما فعل أبوه وأقرباؤه من قبل، وإنما كان نحو المشرق. فهو قد نشأ في ظل أبيه القاضي بمسكانه (٢) ، ودرس عليه، وتقيل كثيراً من خطواته؛ ولعل شغفه بعلوم الأوائل إنما كان تأثراً به، واعتماداً على الكتب التي جمعها أبوه في تلك العلوم؛ إذ من المرجح أن ذلك الأب قد وجد في بلاط الموحدين ما وثق صلته بالفلسفة والطب والعلوم الطبيعية، فقد عاشر هنالك ابن الطفيل وابن رشد وابن زهر وغيرهم، من المقبلين - دون حرج - على تلك العلوم، في ظل الخليفة أبي يعقوب يوسف الموحدي. وما كاد أحمد يحرز مبادئ العربية والدين ويحفظ القرآن في قفصة حتى غادرها إلى تونس فسمع فيها على أساتذة منهم أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن جعفر المقدسي (٣) وغادرها وهو صبي إلى مصر (٤) - كما حدث هو عن نفسه - فكان من أهم شيوخه فيها موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (٥) (٥٥٧ - ٦٢٩/ ١١٦٢ - ١٢٣١) واختياره لموفق الدين شيخاً له يؤكد نمو الاهتمام لديه بالفلسفة والطب وسائر علوم الأوائل، فقرأ عليه وتفنن، لأن موفق الدين كان يجمع إلى معرفته بالفلسفة والطب اتقاناً للنحو واللغة العربية وعلم الكلام وغير ذلك من أنواع المعارف؛ ودخول موفق الدين عبد اللطيف إلى مصر مرتبط بالخلاف بين ابني صلاح الدين العزيز والأفضل، ومهاجمة العزيز لدمشق وحصاره لها دون أن ينال شيئاً، وعوده عنها في الثالث من شعبان ٥٩٠/ ١١٩٤ إلى مصر، وفي صحبته موفق الدين (٦) ، أي أن التيفاشي كان له من العمر حينئذ

стр. 8

عشر سنين أو إحدى عشرة سنة، ولعل هجرته إلى مصر إذن كانت في حدود ٥٩٣/ ١١٩٧ إذ ما يزال يصح أن يقال إنه كان صبياً حين هاجر رغم أنه كان قد شارف الرابعة عشرة من عمره. ولا ندري كم أقام في صحبة شيوخه بمصر، ولكنا نجده ينتقل إلى دمشق ليقرأ بها على أشهر علمائها حينئذ تاج الدين أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي (٥٢٠ - ٦١٣/ ١١٢٦ - ١٢١٧) (١) الذي يقول فيه ابن العديم: " ورحل إليه الناس من البلاد لقراءة القرآن واللغة والنحو والحديث والأشعار " (٢) ، ويقول ابن خلكان: " كان أوحد عصره في فنون الآداب وعلو السماع " (٣) . وإذا كان أحمد لم يتميز بصلة قوية تربطه بهذين الأستاذين، شأنه في ذلك شأن مئات الطلبة، الذي أفادوا من علومها، فهذا لا يعني أن موهبته في التحصيل لم تكن متميزة، ولا أن الفوائد التي حصلها منهما كانت قليلة، ولكن يبدو أن صغر السن، وقف به عند حد الأخذ والتلقي، ولم يسمح له أن يتعدى ذلك إلى شيء من صداقة أو علاقة وثيقة. ومهما يكن من شيء فإن أفراده هذين الأستاذين بالذكر، يدل على أنه ربط اسمه بشهرتهما الواسعة، منذ البداية، ليقول إنه كان له حظ الطلب على اثنين من أقدر العلماء في ذلك العصر. وقد طابت له الإقامة بدمشق وأخذ يحدث نفسه بالاستقرار فيها، ولكن حنينه إلى وطنه دفعه إلى مبارحتها (٤) ، فعاد إلى قفصة، وتولى فيها القضاء بعد رجوعه هذا من المشرق (٥) ، وفي هذه الفترة تزوج، ورزق ثلاثة أطفال. ولكن شعوره بالاستقرار في بلده أخذ يضطرب، رغم ذلك كله، ويرتبط ذلك بعاملين، أولهما: أن حنينه إلى دمشق استبد به " وطالبته نفسه بالمقام بدمشق " (٦) ؛ ويبدو أن هذا العامل لم يكن حاسماً إلا حين اتحد به عامل ثان، وهو فقدانه لوظيفة القضاء؛ إذ يقال إنه عزل، وإن عزله إنما كان بسبب العثور على خمر في داره (٧) - وذلك أمر غير مستبعد لمن يقرأ كتبه، ويرى ما فيها من حديث عن الخمر - فقرر مغادرة قفصة،

стр. 9

وفيما هو آخذ في ترتيب شؤون الرحلة رأى فيما يرى النائم كأنه جالس وبين يديه ثلاثة سرج موقودة، وإلى جانبه زوجته أم أولاده، وهي تنفخ إلى أحد السرج لتطفئه، قال: " فأدركني عليها غيظ شديد، ونهيتها عن ذلك، فألحت في النفخ عليه، فاضطربت من الغيظ وقلت لها: إن طفيتيه فأنت طالق، فقامت فنفخت في السرج الثلاثة فأطفأتها وبانت بالطلاق، ولم أكن قبل ذلك جرى على لساني للطلاق ذكر، ولا حدثت نفسي بطلاقها قط، ولا حدثت نفسها في خلاف أمر آمرها به قط، وكان لي منها ثلاث بنين؟ " (١) ويبدو أن التيفاشي لم يعر هذه الرؤيا اهتماماً حينئذ، وأن معرفته بالتعبير كانت محدودة أو معدومة، ولكن الأحداث التالية بدأت تربط نفسها بهذه الرؤيا ربطاً وثيقاً، إذ بعد أيام قلائل من تلك الرؤيا توفيت الزوجة (فبانت بينونةً تامة) ، ولم يثنه حزنه عليها عن عزمه على الهجرة، بل لعله وضعه في حال نفسية حرجة تستدعي النأي عن قفصة، " فباع أملاكه وما يثقل عليه حمله " واتخذ لنفسه مركباً، وشحنه بما تبقى من متاعه، وحمل فيه أبناءه الثلاثة، وأقلع قاصداً الإسكندرية (٢) . وفيما هو بحذاء ساحل برقة، هبت على المركب ريح شديدة حطمته فغرق أولاده الثلاثة ومعظم ما معه من المتاع، ونجا هو بحشاشة نفسه على لوح من خشب، واستنقذ عرب برقة بعض متاعه، وأخذوا المتاع معهم ليبيعوه في إسكندرية، فوجد الفرصة سانحة لمرافقتهم، ولكنه خاف أن هو أعلن أنه صاحب ذلك المتاع أن يقتلوه طمعاً في الاستيلاء على أمواله، فصاحبهم متنكراً - يعني يخفي حقيقة شخصيته - وكان إذا تذكر هذه الحادثة من بعد روى أن عرب برقة سألوه: من هو ومن أين هو وما صنعته. فأخبرهم أنه قواد، فقالوا: الله الأحد - كلمة تدل على نفورهم منه ومن صنعته - وكانت أنفتهم منه سبب خلاصه منهم، حسب تقديره (٣) . ويبدو أنه اتخذ نفورهم منه ذريعة للانفصال عنهم، بعد أن أصبحت الإسكندرية قريبة، فأغذ إليها السير وحده ووصلها قبلهم، وصنع مقامة يذكر فيها ما جرى في طريقه، وبلغ النبأ مسامع الملك الكامل أبي المعالي محمد بن الملك

стр. 10

العادل، ملك الديار المصرية يومئذ، فكتب له إلى الإسكندرية بتخليص ماله فخلص له منه جملة (١) ولم تكن مبادرة الكامل محض تدخل رجل غريب منكوب، وإنما كانت تعني تقديراً منه لعلم التيفاشي وفضله، وظرفه أيضاً، إذ لا يبعد أن تكون المقامة التي أنشأها، والنوادر التي ارتبطت بتلك الفاجعة، قد حملت إلى الكامل صورة مغربي ظريف، وكان الكامل معروفاً بمحبة أهل العلم ومجالستهم ومناظرتهم، وكان بيت عنده بالقلعة جماعة منهم، ينصب لهم أسرة ليناموا عليها بجانب سريره ليسامروه، فنفقت العلوم والآداب عنده وقصده أرباب الفضائل ونالوا منه الأرزاق الوفيرة (٢) ، وكان للمغاربة من ذلك حظ غير قليل، ولهذا خف التيفاشي على نفسه - فيما أرجح - وعاش في كنفه، ونراه في القاهرة حتى سنة ٦٣٠/١٢٣٣ وهي السنة التي خرج فيها الكامل إلى فتح مدينة آمد؛ فانتهز التيفاشي الفرصة، ليستعد عهده بدمشق التي كانت قبلة خواطره منذ أن عزم على فراق الوطن، ويقول ابن العديم إن التيفاشي توجه من دمشق " إلى حلب ومنها إلى آمد فوجد الملك الكامل راجعاً إلى الديار المصرية فعاد معه إليها وسكن بها " (٣) ، وهذه السرعة في ربط مفارقة مصر بالأوبة إليها ربما أشارت إلى أن التيفاشي لم يقض فترة طويلة في الشام؛ وإذا صح هذا فإنه يعني أنه اتخذ مصر دار إقامة، إلا أنه ظل كثير الارتحال إلى الشام وغيرها من الأقطار المشرقية، وعلى هذا فيجب أن نقدر أنه عاد يجدد الصلة بديار الشام والجزيرة العراقية وغيرهما بعد وفاة الكامل (٦٣٥/ ١٢٣٨؛ وهذه مسألة ليس من السهل أن نقطع فيها، أعني: هل سافر إلى الشام وتجول في الجزيرة العراقية مدة طويلة ثم عاد إلى مصر مع الكامل في إحدى عوداته من الأراضي المشرقية (قبيل ٦٣٥) أو أنه سافر سنة ٦٣٠ وعاد مع الكامل بعد إخضاع آمد في السنة نفسها واستقر بمصر، ثم عاد بعد وفاة الكامل إلى الترحال؟ أياً كان الأمر فنحن نعلم أنه قضى فترة من التجواب، تعرف فيها إلى حلب وآمد وحرّان والموصل وجزيرة ابن عمر وغيرهما من البلدان؛ وهو يحدثنا أنه سار من جزيرة ابن عمر إلى آمد ستة أيام بلياليها، وكان الفصل شتاء، فلم يشاهد شمساً لتكاثف السحب، ولم يشاهد أرضاً ولا جبلاً ولا وادياً ولا شجرة لأن كل شيء كان مغطى بالثلج، وكان يعبر على الأنهار وهي جامدة. وفي ذلك الشتاء

стр. 11

نزل في إحدى المدارس، فوضع يده على شباك حديد في تلك المدرسة فما نزع يده إلا وجزء من جلدة كفه قد لصق بالحديد لشدة البرد؛ أصابته وعكة وهو في حران، واحتاج إلى مزورة تعمل باسفاناخ (سبانخ) وبيض، وأخذ خادمه بيضة ليكسرها ويلقيها في المزورة (١) ، فلم تنكسر، فغضب التيفاشي من الخادم وأخذ البيضة وجعل يضربها على جانب الصحفة فلم تنكسر فقوى الضرب، فكان حالها كذلك، فضرب بها الحائط، فانكسرت الطوبة والبيضة صحيحة، إلا أن شقاً خفياً حدث في البيضة كالشعرة، فأدخل السكين فيه وعالج قلع القشرة فإذا البيضة جامدة، فألقاها في المزورة، فنضج بياضها، وظل الصفار منها جامداً قد استلان بعض لين (٢) . وتستحق إقامته في جزيرة ابن عمر بالقرب من الموصل، وقفة خاصة، فقد كانت تلك الجزميرة قبل الهجرة التيفاشي إلى المشرق تحت حكم شمس الدين الجزري محمد بن سعيد بتفويض من السلطان معز الدين سنجر شاه، حيث بقي يصرف الأمور تصريفاً حسناً حتى وفاته في سنة (٦١٠/ ١٢١٣) (٣) وكان لشمس الدين ابنان كلاهما يسمى باسم محمد وهما الصاحب محيي الدين الكبير، وأبو القاسم العماد، وكان الأول منهما فاضلاً أديباً وزر للملك المعظم عيسى واجتمع بالملك الكامل بمصر، فأمسكه مدة، وصار عنده من أكابر دولته، وقد استقل بحكم الجزيرة حتى وفاته (٦٥١/ ١٢٥٧) وكان أخوه العماد عاقلاً لبيباً عالماً أديباً، وتوفي في آخر سنة ٦٥١ أيضاً (٤) . وفي بلاط الصاحب نحيي الدين احتشد عدد كبير من العلماء والأدباء منهم (٥) : ١ - شرف الدين التيفاشي، موضوع هذه الدراسة. ٢ - رشيد الدين الفرغاني. ٣ - أثير الدين الأبهري. ٤ - صدر الدين الخاصي.

стр. 12

٥ - ضياء الدين أبو طالب السنجاري. ٦ - شهاب الدين أبو شامة. ٧ - نور الدين ابن سعيد الأندلسي. ٨ - نجم الدين القمراوي. وقد تبارى هؤلاء العلماء في التأليف لخزانته، كما نباري الشعراء في مدحه (١) ، فألف له ابن سعيد كتاب " المغرب في محاسن أهل المغرب " و " كتاب المشرق في أخبار المشرق " (٢) ، وألف له ابن أبي الإصبع كتاباً جمع فيه أمثال القرآن العزيز وكتب الحديث المشهورة، وغير ذلك من عيون الأمثال نظماً ونثراً (٣) ؛ والأرجح أن التيفاشي وضع خطة لتأليف موسوعة كبيرة، أثناء إقامته عند الصاحب محيي الدين، معتمداً على ما كان لدى الصاحب من كتب، ويؤكد ابن سعيد هذا بقوله في كتابه " المشرق ": " هو - أي التيفاشي - مقر بأنه استعان في هذا الكتاب بالخزائن الصاحبية " (٤) ، وتلك الموسوعة هي " فصل الخطاب " الذي سيكون موضوع بحث مستقل في ما يلي. وثمة ما يوحي بالتردد في القطع حول مكان اللقاء بينه وبين الصاحب محيي الدين. فالصفدي يتحدث عن محيي الدين حاكماً لجزيرة ابن عمر من ٦١٠ - ٦٥١ (٥) كما تقدم القول، ويزيد قائلاً إن التيفاشي عند وروده من المغرب وما اتفق عليه في البحر من سلب ماله وكتبه أتى إلى الصاحب فآواه وأقام عنده (٦) ؛ والادفوي في البدر السافر يقول إن الكامل أحب محيي الدين وأعجب به وأمسكه عنده (أي بمصر) وصار من أكابر دولته (٧) ، وهذا يعني أن ابن ندى حين قدم التيفاشي إلى القاهرة كان بها، فلعله آواه في القاهرة، فلما توفي الكامل وعاد الصاحب إلى جزيرة ابن عمر صحبه التيفاشي.

стр. 13

وإذا اضطرب علينا مكان اللقاء بين الرجلين: التيفاشي وابن ندى، فإن اللقاء نفسه كان حقيقة واقعة، وثمراته كانت كذلك. ففي ظل بني ندى وجد التيفاشي رعاية وطمأنينة، والتقى بعلماء أفاد منهم كثيراً، واطلع بيسر على كتب هامة أثرت في تفكيره، وبخاصة مؤلفات الموفق التلعفري (٦٠٢/ ١٢٠٦) ، فقد قال ابن سعيد: " وكان أبو الفضل التيفاشي يذكر لي هذا الرجل، ويزعم أنه استفاد من تصانيفه في ضروب الفلسفة، ويمتعني بما وقع له من أخباره وأشعاره أيام صحبته رؤساء بني ندى أعيان الجزيرة العمرية " (١) . وحين كان التيفاشي يتعب من التجول، كان يفيء إلى القاهرة، فقد أحس أنها أرحب البلدان صدراً، حتى لقد أنسته ما كان لديه من إعجاب بدمشق، إذ وجدها مركزاً ثقافياً واقتصادياً يلتقي فيه المشرق والمغرب، ويجمع صنوف الثقافات والتجارات، ويمكن التيفاشي من أن يظل على صلة بالمغاربة الكثيرين الذين كانوا يؤمون مصر للاستيطان، أو ينزلون فيها في طريقهم إلى الحج، وكانت الصلة بالحياة التجارية هامة لديه مصل الصلة بالحياة الثقافية؛ إذ هما لديه مترافدتان متعاونتان، وأسواق القاهرة تمكنه من الاطلاع على نماذج السلع التي تهمه، ومن لقاء تجار دخلوا الهند وسرنديب وأقاصي الشرق، فهو يتسقط منهم المعرفة في صورة خبر؛ " اخبرني بعض من دخل الهند من الجوهريين؟ أخبرني رجل من أهل غزنة.. حدثني رجل من أهل عدن؟ أخبرني من دخل سرنديب من التجار؟ أخبرني الشريف الجوهري الذي كان بمدينة القاهرة، وهو المعروف بالخبرة والذكاء في هذا الفن وذلك أنه دخل الهند؟ وأخبرني القاضي الحسيب معين الدين بن ميسر أمين السلطان على معدن الزمرد بالديار المصرية؟ وأخبرني من لا أشك في صدق قوله وثقة نقله، الأمير الأجل الكبير العالم الفاضل سيف الدين قلج (٢) ؟ هكذا هو دائماً يلقى الناس ويدوّن عنهم الفوائد، من طبقة التجار الوافدين ومن كبار موظفي الدولة، ويتجول ويغشى الأسواق ويتفحص ويكتسب خبرة واطلاعاً فهو يقول: " ورأيت بسوق القاهرة المعزية حجارة منه (أي البازهر) كثيرة مغشوشة مصنوعة تباع على أنها بازهر حيواني بسوم دينار المثقال " (٣) . ويقول أيضاً: " وقد حضرت في دكان جوهري خبير بالأحجار من أهل الأندلس بثغر

стр. 14

الإسكندرية، ودخل السوق تاجر أعجمي، فأخرج ثمانية عشر حجراً على أنها بازهر حيواني، ودفعها لدلال، فأوقف عليها أمين السوق، فلم ينكر منها شيئاً، ونادى عليها جملة على أنها بازهر حيواني، فلما وصلت إلينا ورآها الجوهري الذي كنت في دكانه أخرج منها حجرين فأرانيهما وأخبرني أنه ليس في الجميع بازهر خالص غيرهما، وأن الباقي معمول مدّلس، واستدل على صحة قوله بأمرات أبرزها في المعمول وغير المعمول، تظهر للذكر النظر الجيد الفطنة " (١) . أما في حال الثقافة فقد تعرف إلى كثيرين من أهلها ومن الوافدين، وكان يلتقي المعاربة منهم في مجلس الرئيس جمال الدين موسى بن يغمور (٦٦٣/ ١٢٦٥) الذي شغل مناصب متعددة في الدولة، وكان لعطفه على القادمين من المغرب يسمى " كهف المغاربة "، ومن هؤلاء الطبيب أبو الحجاج يوسف بن عتبة الإشبيلي (٦٣٦/ ١٢٣٩) الذي جعله ابن يغمور مشاركاً مع أطباء البيمارستان (٢) واصبح صاحباً ملازماً للتيفاشي. وعلى مائدة ذلك الرئيس نفسه التقى أبا المحامد القرطبي (٦٤٣/ ١٢٤٥) الذي كان مولعاً بالذم (٣) . وتوكدت أواصر العلاقة بين وبين ابن سعيد الأندلسي، وكنا يصطحبان في جولاتهما للقاء الأدباء، ويتناشدان الأشعار، ويدونان الأخبار وقد أهداه ابن سعيد كتاب المغرب ثم أجازه رواية الكتاب نفسه. وجاء في تلك الإجازة: " أجزت الشيخ القاضي الأجل أبا الفضل أحمد بن الشيخ أبي يعقوب التيفاشي أن يروي عني مصنفي هذا، وهو المغرب في محاسن المغرب، ويرويه من شاء، ثقة بفهمه واستنامة إلى علمه " (٤) . وقد سجل التيفاشي قصة الإهداء والإجازة في قطعتين من شعره، فقال إحداهما: سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً ... وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التقييد وقال في الثانية: يا طيب الأصل والفرع الزكي كما ... يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر

стр. 15

ومن خلائقه مثل النسيم إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر أثقلت ظهري ببر لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآناً مع السور أهديت لي الغرب مجموعاً بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر (١) وفي مجلس ابن يغمور تعرف إلى كثير من الشعراء ومنهم سيف الدين المشد قريب ابن يغمور، كما كان كثير التردد على منزل جلال الدين المكرم - الذي سيأتي التعريف به. وفي القاهرة تعرف إلى ابن العديم حين حلها رسولاً، وأوقفه على شيء من تصانيفه، وأهدى إليه كتاباً من كتبه بخطه، وأنشده مقاطيع من شعره (٢) . وقد أصيب بالصمم في السنوات الأخيرة من عمره (٣) ، فأصبح عرضة لسوء الظن في بعض ما يقال، وقد اتفق أن اجتمع يوماً بسيف الدين المشد، فتوهم أنه سمع منه كلاماً لا يليق به، فعاتبه، فقال المشد قصيدة يعرض فيها بعض مصنفاته، وأنه ينشئها " اختلاساً من كاتب وكتاب " (٤) . وكذلك أصيب بعد ذلك بنزول الماء في عينيه حتى عمي، فقدحهما وأبصر واستأنف الكتابة، وعوفي، ثم شرب مسهلاً، وأعقبه بشرب آخر، فأدركه حمامه على أثر ذلك في الثالث عشر من المحرم سنة ٦٥١/ ١٦ مارس ١٢٥٣ بالقاهرة (٥) ، ودفن في مقبرة باب النصر. ٢ - شخصيته وثقافته: يقول ابن العديم مصوراً ما انطبع في نفسه من شخصية التيفاشي: " اجتمعت به القاهرة؟ فوجدت شيخاً كيساً ظريفاً "، وفي هاتين اللفظتين خلاصة السمات التي كان يتميز بها التيفاشي، فالكيس - وهو صفة قلما يوصف بها الشيوخ - صفة تشير إلى خفة وتوقد معاً، وتلحق بالظرف حتى تلتبس به، وصاحب هاتين الخلتين يكون بحسب مفهومنا اليوم " رجلاً اجتماعيا " يلابس الناس ويخف على نفوسهم، وهذا القبول الاجتماعي يصبح ضرورة إذا كان صاحبه " طُلَعَةً " - مثل التيفاشي - لا يفتأ يرود كل الميادين، ويواجه أصنافاً مختلفة من الناس، ويطرح مختلف الأسئلة، يتغلغل في صميم المشكلات، ويحاول أن يدرس

стр. 16

الطبيعة وظواهرها، والمجتمع في شتى نماذجه، حتى ولو كانت تلك النماذج مما يتصل بالعالم الخفي - عالم المباذل والشذوذ؛ ولقد علمته التجربة أن الظرف والانبساط لا يصلح في كل الأحوال، وأنه قد يكون خطراً على صاحبه في بعض المواقف، ولذا نجده يقول: " الواجب بعد هذا كله تجنب الانبساط مع غير أهل الأدب، فإن الانبساط مع العوام مهلك للعرض متلف للجاه والحرمة " (١) ، ولكن يبدو أن هذا المبدأ قاعدة نظرية، وحسب. ولقد كسب له حب استطلاعه سعة في التجربة، وفهماً لدواخل الأمور وبواطن الظواهر، وطبعه على الحذر والترقب، ولكن يبدو أن التجربة الواسعة لم تستطع أن تنزع من نفسه طيبة متأصلة، كانت تبادر حذره فتسبقه وتأخذ عليه الطريق، ولعل في القصة التالية ما يشير إلى ذلك، كان ذات يوم ماراً بدمشق يجتاز جسراً على نهر بردى، فإذا بغلام صغير السن دون البلوغ عريان يبكي، والغلمان يسبحون في النهر دونه، والناس يمرون به يميناً وشمالاً ولا يكلمونه، فأدركته عليه شفقة وأراد أن يتعرف خبره، فسأله عما به، فلم يرد وأمعن في البكاء والضجيج، وتبرع غلام آخر بالحديث نيابة عن الأول وقال للتيفاشي: يا سيدي هذا غلام جاء يسبح، ووضع ثيابه على الحجر فسرقت، وله أم عجوز صالحة تقتله اليوم إن رجع لها عرياناً، وقد جمع له الناس بعض النقود ليشتري بها قماشاً، فحفزت الأريحية التيفاشي إلى أن استخرج منديل نقوده ليدفع له شيئاً، وإذا بشاب من بعد يشير إليه: لا تفعل، فمشى إليه وسأله عن السبب، فقال ذلك الشاب: هذا الغلام العريان مقامر، عادته أن يفعل ذلك ثم يأخذ ما يحصل له ويقامر به، وهو شيطان والناس يعرفون ذلك منه، وإنما يصطاد الغرباء. قال التيفاشي: فوفر علي دراهمي، فجزيته خيراً وانصرفت (٢) ؛ طيبة تشبه الغفلة، ومع ذلك فإنها وسعت مجال تجربته، وكشفت له عن نموذج لم يكن يعرفه من التحيل، وربما أفادته فزادته حذراً. مثل هذه الشخصية يخضع لواقع الحياة أكثر مما يخضع لقانون أخلاقي، ولذلك لم استبعد أن يكون قد عزل عن القضاء لشربه الخمر؛ ذلك لأن الإقبال على الخمر كغيره من المباذل الاجتماعية، موجود يأخذه على أنه قضية مسلمة، ويتحدث عنه حديث عالم الاجتماع. ومن هذه الواقعية أن يقول:

стр. 17

" اعلم أن مجلس الشراب أولى بالسماع من جميع ما عداه من سائر المجالس، وإنه يسيغ الشراب ويشيعه تشييعاً عجيباً حتى يحس سريانه في الجسم وأثره فيه، ولهذا قالت الحكماء: السماع إدام المدام " (١) . وهو مؤرخ اجتماعي حين يحدثنا إن " عوائد الناس الابتداء بالغناء في مجلس الشراب مختلفة، أما أهل المشرق من ملوك العجم وملوك العرب في هذا التاريخ، فإن العادة عندهم أن الملك إذا اخذ القدح في يده ابتدأ المغني في الغناء بغير أمر له بذلك، كأن أخذ الملك للقدح دستوره في الغناء، فإذا ابتدأ المغني بالغناء وضع الملك القدح ثم يستمع ويشرب في وسط ذلك الغناء، وأما ملوك المغرب ورؤساؤه فإنهم يشربون في أول المجلس ساعة على الحديث أو المذاكرة بغير غناء، فإذا أراد صاحب المجلس الغناء نقر بالستارة إن كانت خشباً أو تنحنح أو أبدى إمارة؟ الخ " (٢) . وكان التيفاشي متنوع الثقافة حتى ليصدق فيه ما قاله التوحيدي في زيد بن رفاعة: " اينسب إلى شيء ولا يعرف برهط لجيشانه بكل شيء وغليانه في كل باب " (٣) أعني أنك تجده طبيباً بين الأطباء، وفلكياً بين الفلكيين، وموسيقاراً بين الموسيقيين، مثلما تجده شاعراً وناثراً، ولكنك لا تستطيع أن تقول إنه تميز في شيء أو نال فيه تفوقاً. كان كثير المطالعة، ولهذا تجده يقول في بعض المواقف: " إني امرؤ استنبطت العلوم وحذقت النجوم وطالعت جميع الكتب من العلوم بأسرها على اختلاف أجناسها وأصنافها " (٤) ، ومع ذلك فلم تكن المطالعة مصدره الأهم في المعرفة، بل ربما كان أهم منها المعرفة التي حصلها عن طريق السماع والمشاهدة والاختبار العملي، وأعانه على ذلك دقة في الملاحظة، ومسارعة إلى تقييد ما يلاحظه أو يسمعه أو يجري فيه اختباراً، تستوي في ذلك بسائط الأمور ومعقداتها. يقول " وقد كان عندي حجر بازهر خالص حيواني فجعلته في كيس فيه دنانير ذهب، ثم سافرت سفراً بعيداً، فلما استقرت فتحت الكيس وأخرجت حجر البازهر فلم أعرفه، حتى ظننت أنه قد بدّل علي بتغير جميع صفاته، ثم وزنته فوجدته أقل مما كان، فزاد تشككي، ولم يكن معي من اتهمه فعجبت من ذلك وبقيت متحيراً في أمره، ثم جعلته في حق صغير بعد أن لفقته بابريسم، وغفلت عنه مدة، ثم

стр. 18

أخرجته فوجدت الحجر الذي أعرفه أولاً، وقد زالت عنه الهيئة الرديئة التي اكتسبها من احتكاكه بخشونة الذهب ورجعت إليه جميع صفاته الأولى إلا أن وزنه نقص بما أنحك منه في الكيس)) (١) . ولا ريب في أن التيفاشي كان يتمتع بروح علمية دقيقة، لأنه كان يحاكم ما يسمع إلى التجربة ويتحمل المشاق في سبيل المعاينة الذاتية؛ فقد كان يسمع مثلاً عن أن الزمرد الذبابي إذا عرض للحيات انفقأت عيونها على المكان، وكان عنده فص زمرد ذبابي خالص، فاستأجر حواء ليصيد له أفعى، ففعل، وجعلها في طشت ثم قرب الفص من عينيها، فما لبث أن سمع فرقعة خفيفة كمن يقتل صؤابةً على ظفره، ثم برزت عيناها بروزاً ظاهراً، وبقيت حائرة في الطشت لا تدري أين تتوجه (٢) . وقد مكنته هذه الدقة العلمية من التمرس ببعض الصناعات وإتقانها؛ فقد صنع وهو القاهرة من اليشم الأبيض أواني أهداها لبعض الأمراء ممن يعرف اليشم بدقة فلم يشك ذلك الأمير أن ما أهدي له كان من صنع الصين، ولم يكد يصدق إنها ليست كذلك إلا حين صنع له التيفاشي أواني على شكل مخصوص ووزن مخصوص بحسب اقتراحه (٣) . وفي مثل هذه الشؤون، استطاع التيفاشي أن يقع على حقائق يؤكدها العلم الحديث، ولكنه - على خلاف ما يقوله محققاً كتاب الأحجار - لم يبرأ من الخضوع للخرافة (٤) ، فقد كان في ذلك ابن عصره، ينقل ما جاء في الكتب دون محاكمة، ومن قرأ الفصول التي عقدها عن خواص القطبين وما أشبه ذلك في ((سرور النفس)) عرف مصداق ما أقول (٥) ؛ ويقارب هذا النقل ضعفاً تلك التعليلات التي كان يظنها في عصره علمية أو طبية، وهي نتيجة لقصور العلم والطب حينئذ. وليس يؤاخذ التيفاشي في كل ذلك، فهذه التعليلات نفسها - على فسادها - تدل على أنه كان يحاول أن يجد تفسيراً يقبله العقل. ذلك بعض ما يمكن أن يقال في الاتجاه العلمي لدى التيفاشي، ولو وصلتنا مؤلفاته الأخرى، لا تسع القول في هذا الاتجاه.

стр. 19

فأما الاتجاه الأدبي، فقد يبدو في بعض الأحيان ظلاً للاتجاه العلمي، فهذا الشغف بالعشر الذي قيل في النجوم والرياح وتقلب الفصول والحر والبرد والشموع والنيران، يشير إلى ذلك؛ وعلى هذا لم يسمح التيفاشي لصوت النقد بأن يرتقفع عالياً إلا حين رأى التنوخي يكثر من تشبيه المحسوس بغير المحسوس فيقول: " إني لينغص علي إحسان هذا الرجل مع كثرته - ما أخذ به نفسه من تشبيه الأظهر بالأخفى، وهو شيء كرهه أكابر العلماء ونصوا عليه، وهو قد أغري به لا يكاد يخلي منه تشبيهاته " (١) . وأحياناً يعثر في النقد عثرة من لا يعرف أولياته، فيورد بيتين لأحد الشعراء المحدثين ثم يقول وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه (٢) ، فكيف يكون أبلغ وهو مبتذل اللفظ؟ وهو أحياناً يعمم الحكم استناداً إلى سعة مروياته من الأشعار، كأن يقول: وشعراء المغرب حازوا قصب السباق في وصف الاغتباق " (٣) وفي سائر المواقف النقدية يعد عالة على من تقدمه من النقاد. وقد ذكر من ترجموا له بأن له شعراً حسناً ونثراً جيداً (٤) ، ولم يصلنا شيء من نثره الفني، فأنا نثره في كتبه، فهو بسيط سائغ، دقيق في إبراز الفكرة التي يعالجها؛ وأما شعره فقد وصلنا منه عدد من المقطعات تبلغ أربعاً وعشرين تتراوح بين بيتين وتسعة عشر بيتاً، ولكن أكثرها من القصار؛ وتدور في معظمها على موضوع الوصف (وصف الليل، الهلال، السماء، الزلزال، النار، الشمعة، الفانوس، الأهرام..) ومن الواضح فيها سيطرة الفكرة والعمل الذهني، وطلب الصورة، دون احتفال بمستوى التعبير، ولا يخرج التيفاشي في هذا عن الاتجاه الغالب على شعراء عصره، ولا يتجاوز الموضوعات التي كانت تستأثر باهتمامهم، إذا هم تجاوزوا مقام المدح والرثاء (٥) . ٤ - نظرة في حاله المعيشية بعد الهجرة: كانت الآلات التي ملكها التيفاشي من علم وأدب تؤهله لأن يكون

стр. 20

نديماً للملوك، حينئذ، ولعله فعل ذلك، فنحن نسمع منه حديث العارف لما كان يدور في تلك المجالس، كما مرت الإشارة إلى ذلك من قبل، وهو يصرح أحياناً بقوله: " حضرت مجلس ملك من ملوك المشرق، وفيه جماعة خواصه وندمائه، فغنى صبي دوبيتي، استحسنه الجميع وطربوا عليه وهو: من متيم جفاه مولاه ... جفاه وليس لو إلا وهو لا حول ولا قوة إلا بالله ... فانصرفت من المجلس وأنا أقول نعم لا حول ولا قوة إلا بالله " (١) . وليس بمستبعد أن تكون هذه الخصائص كلها، أعني قدرته على تأليف الكتب باسم بعض الأمراء، ونظم الشعر في مدحهم (وإن لم يصلنا شيء من مدحه فيهم) ومزاولة بعض الصناعات، والاتجار بالأحجار، والتقرب بالهدايا والطرف، هي التي كانت وسيلته إلى كسب الرزق، بعد أن هاجر من بلده إلى المشرق، ثم بعد استقراره بمصر؛ إذ لم يسند إليه منصب يكفل له دخلاً ثابتاً، فيم وصل إليه اطلاعي (٢) . وقد كانت أسفاره تكلفه مالاً، وإن كان يأوي في تنقلاته إلى المدارس والأربطة، ولكنها من ناحية أخرى لم تكن بعيدة عن امتهان التجارة، ويمكن يستشف من شرائه للجواهر، ومن إقدامه على التجارب وبذله المال في سبيلها أنه كان امرءاً ميسور الحال. وقد صمت التيفاشي بعد النكابة التي ذهبت بأولاده ومعظم ماله، وبعد فقد زوجته عن أية إشارة إلى وضعه " المدني "؛ هل تزوج ثانية؟ أو هل قنع بالتسري؟ ومن ثم يمكن أن يثور سؤال آخر وهو: لماذا هذا الاهتمام بكتابة مؤلفات في الشؤون " الجنسية "؟ أكانت علماً؟ أم كانت وسيلة لكسب المال من المترفين؟؟. ليس لدينا أي شيء نقوله إذن عن وضع عائلي أو معيشي، للتيفاشي، بعد هجرته إلى المشرق، وإن كنا نعرف عرضاً أنه كان له فتى يعرف بجمال الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خطلخ الفارسي الأرموي، وأنه كان مثقفاً، وإن ابن سعيد أجازه رواية المغرب مثلما أجاز أستاذه " (٣) .

стр. 21

٥ - مؤلفات التيفاشي (١) : ١ - تفسير التيفاشي؛ ذكره صاحب صبح الأعشى وقال إنه تغلب عليه القصص (٢) . ٢ - كتاب في علم البديع له، متوسط الحجم، ذكره صاحب صبح الأعشى (٣) . ٣ - كتاب في المسالك؛ عرض به السيف المشد في قصيدة له تهكم فيها بالتيفاشي، فقال: خفت أن أملك " المسالك " أو أجنح يوماً لنسخ " فصل الخطاب " (٤) . ٤ - قادمة الجناح في آداب النكاح: ذكره صاحب الروض المعطار في مادة " تيفاش " ونسبه لمن اسمه عمر التيفاشي (٥) ، ويبدو أن لفظة " عمر " مصحفة عن " أحمد " وينقل عنه التجاني في تحفة العروس في عدة مواضع (٦) . ٥ - مشكاة أنوار الخلفاء وعيون أخبار الظرفاء، ذكره صاحب الروض المعطار، وقال فيه " وهو كتاب مطول، حسن ممتع ضاهى به عقد ابن ربه فأبدع (٧) . ٦ - كتاب في التاريخ؛ قال الادفوي في البدر السافر في ترجمة محمد بن سعيد بن ندى الجزري المعروف بالعماد: " وذكره الشريف (أقرأ: الشرف) التيفاشي في تاريخه، وذكر أنه حضر عند الملك الأشرف ابن العادل بسنجار.. الخ " (٨) ؛ ويذكر الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب أن للتيفاشي كتابين في تاريخ الأمم،

стр. 22

وأنهما داخلان في " فصل الخطاب " (١) ، فانظر الحديث عن هذا الكتاب الأخير في موضعه. ٧ - أزهار الأفكار في جواهر الأحجار: ذكر منه بروكلمان ما يربو على عشرين مخطوطة، في المكتبات المختلفة، عدا عما لم يره مثل مخطوطتين بمكتبة الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب، ومخطوطة مكتبة الكونغرس وغير ذلك. وقد عني المستشرقون به فطبع غير مرة وتم تحقيقه في طبعة جديدة هي التي اعتمدتها (القاهرة ١٩٧٧) مذيلة بتعليقات هامة، وقد عده صاحب صبح الأعشى أحسن مصنف في الأحجار ونقل عنه في عدة مواضع (٢) وقال الصفدي فيه: وله مجلد جيد في معرفة الجواهر (٣) ويكاد الغزولي أن يكون قد لخصه في مطالع البدور (٤) . ٨ - سجع الهديل في أخبار النيل، اعتمد عليه السيوطي في حسن المحاضرة في غير موضع (٥) . ٩ - المنقذ من التهلكة في دفع مضار السمائم المهلكة، لم يشر إليه إلا محققاً كتاب أزهار الأفكار، إذ جاء في خاتمة النسخة المحفوظة بطوبقبوسراي أن الكتاب (أي أزهار الأفكار) يتلوه كتاب " المنقذ من التهلكة؟ الخ " " للمؤلف نفسه، لكن الكتاب نفسه غير موجود (٦) . ١٠ - الدرة الفائقة في محاسن الأفارقة: أهدى المؤلف منه نسخة إلى ابن العديم حين لقيه بالقاهرة (٧) . ١١ - درة اللآل في عيون الأخبار ومستحسن الأشعار، انفرد بذكره الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب ولم يذكر مصدره (وكذلك فعل في كتب تفرد بذكرها) وعنه محققاً الأحجار.

стр. 23

١٢ - الديباج الخسرواني في شعر ابن هاني، انفرد بذكره الأستاذ عبد الوهاب وعنه محققاً الأحجار. ١٣ - الشفا في الطب المسند عن المصطفى مما خرجه الإمام أبو نعيم الأصفهاني وجمعه التيفاشي، أوله " اللهم يا من لطف حتى دق عن الأوهام والظنون؟ " جردها من السند ورتبها على ترتيب كتب الطب وسماه: ((الوافي في الطب الشافي " (١) . ١٤ - رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه: ذكر حاجي خليفة أنه من تأليف أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا (٩٤٠/ ١٥٣٣) ؛ فهو لا يعد من كتب التيفاشي، ولا يشبه طريقته في التأليف (٢) . ١٥ - رسالة فيما يحتاج إليه الرجال والنساء في استعمال الباه مما يضر وينفع (٣) ؛ قلت ولعلها منحولة له، كما هي حال الكتاب السابق. ١٦ - نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب (ذكر بروكلمان منه نسخاً ثلاثاً ليست نسخة خزانة الرباط إحداها) ؛ وقد ذكر حاجي خليفة كتاباً بهذا الاسم ونسبه إلى ابن جماعة (٧٦٧/ ١٣٦٦) (٤) ومفتتحه كمفتتح كتاب التيفاشي: " الحمد لله الذي علم طبع الإنسان في الملال " وهذا وهم خالص، فإن مؤلف الكتاب مغربي، وليس لابن جماعة علاقة بالمغرب، فقد جاء فيه: " قال مؤلف الكتاب وقد شاهدت نازلة اتفقت في هذا الأمر بمدينة تونس من بلاد أفريقية؟ " (٥) والمؤلف قريب العصر من عهد الملك المعظم (أي في القرن السابع) وابن جماعة من رجال القرن الثامن (٦) ويصور الكتاب " الحياة الخفية " من المجتمع، ويتميز بما استطاع المؤلف أن يرصده من أحداث ونماذج أثناء تجواله بين تونس ومصر والإسكندرية ودمشق وبغداد، فهو يتحدث عن جانب من الواقع، ويتضمن اثني عشر باباً، ومن أمثلتها:

стр. 24

الباب الأول: في الصفع وما فيه من الفوائد والنفع. الباب الثاني: في القوادين والقوادات وما جاء فيهم من نوادر وأشعار. الباب الثالث: في شروط الزناة. الباب الرابع: في القحاب المبتذلات ونوادرهن؟ الخ. ١٧ - متعة الأسماع في علم السماع: وهو في الموسيقى وأنواع الرقص وخيال الظل، ومنه نسخة وحيدة بالمكتبة العاشورية، اعتمدت عليها في هذه الدراسة، وقد عرف بالكتاب ونشر منه فصلين صديقنا محمد بن تاويت الطنجي ﵀ (١) ؛ والكتاب قيم جداً، وهو (أو أكثره) بخط التيفاشي والنسخة المتبقية منه مضطربة، وخطها عسير جداً؛ ويمثل هذا الكتاب جزءاً من " فصل الخطاب " إذ جاء على الورقة الثانية " وهو الحادي وال؟ من فصل الخطاب " ولما كنا نعلم أن فصل الخطاب يقع في ٢٤ جزءاً (في قول إحدى الروايات) فإن متعة الأسماع قد يمثل الحادي والعشرين منه. وانظر الحديث مستوفى عن فصل الخطاب في موضعه. ١٨ - سرور النفس بمدارك الحواس الخمس: ليس للتيفاشي كتاب بهذا الاسم على وجه الدقة، ولكن هذا الكتاب هو الصورة المحورة من " فصل الخطاب " بعناية ابن منظور. وسيجيء الحديث عن ذلك من بعد. - ٢ - تعريف بمرتب الكتاب ومهذبه وهو محمد بن مكرم - بتشديد الراء - بن أبي الحسن علي (وقيل رضوان) (٢) ابن أحمد بن أبي القاسم بن حبقة بن محمد بن منظور الأنصاري الرويفعي (من ولد

стр. 25

رويفع بن ثابت الصحابي) ولقبه جمال الدين وكنيته أبو الفضل، وقد شهر عند المتأخرين باسم " ابن منظور " ونسي ما عد ذلك، واقترنت شهرته بلسان العرب الذي جمع فيه بين صحاح الجوهري ومحكم ابن سيده وتهذيب الأزهري. وقد ثار في السنوات الأخيرة جدل حول منتمى ابن منظور، أملته النظرة الإقليمية الضيقة، أهو أفريقي أم مصري، حتى قال الأستاذ إبراهيم الأبياري في مقدمته على مختار الأغاني: " ولم يعرض لمكان مولد ابن منظور غير اثنين الزركلي في الأعلام حيث قال: " ولد بمصر وقيل بطرابلس الغرب " ثم الدكتور درويش في كتابه " المعاجم العربية " حيث يقول: ولد في تونس حيث نشأ بها. وما نرى أن كليهما نقل ما نقل عن مرجع بل نراهما قد اجتهدا في لاستنباط، فالمراجع كلها لم تذكر عن هذا البلد الذي ولد فيه ابن منظور شيئاً صريحاً " (١) [كذا] . ولو تأملت هذا الكلام من جميع هؤلاء الدارسين لتملكك العجب، ودهشت لهذا الذي يجري في الدراسات والتحقيقات، من استنامة إلى السهولة والتساهل؛ مع أن الأدفوي يقول في البدر السافر: محمد بن مكرم الأفريقي المحتد القاهري المولد (٢) ؛ وهذا ابن سعيد يروي نقلاً عن المكرم نفسه والد محمد أنه - أي المكرم - ولد بالقاهرة (٣) ؛ فإذا كان الأب نفسه ولد بالقاهرة فبأي حق يفتش الدارسون عن عبقرية أفريقية (تونسية) لدى ابن منظور؟ ويعود الادفوي في ترجمة " مكرم " - الأب - فيقول: مكرم بن رضوان بن أحمد الأنصاري المصري - ويعرف والده بابن المغربية - قدم جده (يعني إلى مصر) من ناحية (اقرأ من باجة) أفريقية (٤) . لا لبس إذن: جد محمد المدعو رضوان أو علياً والمكنى بأبي الحسن قدم - كما يقول ابن سعيد نقلاً عن المركم نفسه - من باجة أفريقية، أي مما يسمى اليوم القطر التونسي، واستوطن القاهرة، وبها ولد ابنه المكرم في صفر سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة - أي كان أصغر من التيفاشي بسنتين - وسمع المكرم من أبي الجود اللخمي وعلي بن نصر بن العطار وعبد الله بن محمد بن مجلي وأبي الحسن بن المفضل الحافظ المقدسي وأبي عبد الله بن يوسف النقاش، وأجاز له

стр. 26

خبق كثير منهم البوصيري والخشوعي والصيدلاني وخرج له المحدث أبو بكر ابن مسدي مشيخة بالسماع والإجازة (١) ، وقد كان ذكياً ذا خاطر متوقد وقدرة على الحفظ باهرة، واختبره الملك الكامل في الحفظ لما سمع عن تميزه في ذلك فوجده ربما حفظ أحد عشر بيتاً من سمعة واحدة فسماه " ملك الحفاظ " ثم سماه " رئيس الأدباء " لتمهره في فنون الأدب، وحظي عند الكامل كثيراً، ونال من صلاته ما جعله ذا نعم طائلة، فاقتنى خزائن شتى من الكتب، كان يبذلها للمستفيدين يطالعون ويحصلون (٢) ، وفي أيامه الأخيرة أضر، من غير أن يفارق الخدم السلطانية، وقد كلفه سلطان مصر حينئذ مساعدة عبد الظاهر الأعمى في تذييل كتاب الكامل لابن الأثير (٣) ؛ وقد كان التيفاشي كثير التردد إلى منزله - مع غيره من العلماء والأدباء - وأورد له في هذا الكتاب مقطعات شعرية كثيرة، وكانت وفاة المكرم سنة ٦٤٥/ ١٢٤٧. وقد خلف المكرم ولدين: حسناً ومحمداً؛ أما حسن أكبرهما فقد ولد بالقاهرة سنة ٦١٣: ١٢١٦، وكان آخذاً في طريقة أبيه، معروفاً بغوصه على المعاني في شعره (٤) ، وله شعر في كتاب التيفاشي، وكانت تربطه بابن سعيد صداقة متينة. وأما محمد فقد ولد في يوم الاثنين ثاني عشر شهر محرم سنة ٦٣٠/ ٣٠ أكتوبر ١٢٣٢ وأخذ عن أبيه وعن جلة من علماء عصره منهم: أبو الحسن ابن المقير ويوسف بن المخيلي وابن الصابوني وعبد الرحيم بن الطفيل وابن الجميزي ومرتضى بن العفيف والجلال الدمياطي، وتفرد بأشياء، وحدث بالقاهرة، وعمر فأكثروا الحديث عنه (٥) وقال الذهبي أنه تفرد في العوالي. وقد خدم في ديوان الإنشاء بمصر مدة طويلة، ثم ولي نظر طرابلس الغرب (أي قضاءها) وكان يتشيع باعتدال، وله شعر ونثر كثير، وله معرفة بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة. وقد شهر ابن منظور باختصاره للكتب، فاختصر الأغاني وهذبه ورتبه على الحروف، وزهر الآداب للحصري، واليتيمة للثعالبي، والذخيرة لابن بسام،

стр. 27

ونشوار المحاضرة للتنوخي، وتاريخ بغداد للخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ دمشق لابن عساكر (١) . وصفة الصفوة لابن الجوزي، ومفردات ابن البيطار، وفصل الخطاب للتيفاشي، وظل يكتب حتى أضر في آخر عمره، وقد ذكر ابنه قطب الدين أن والده ترك خمسمائة مجلدة بخطه، وقيل أن الكتب التي اختصرها هذا المقدار. وكانت وفاته في العاشر أو الحادي عشر من شعبان سنة ٧١١/ ٢٣ أو ٢٤ من ديسمبر (كانون الأول) ١٣١١ (٢) . - ٣ - التعريف بالكتاب ١ - الكتاب الأصلي المسمى " فصل الخطاب " كان التيفاشي في تردده على جلال الدين المكرم يذكر له أنه ألف كتاباً كبيراً أفنى فيه عمره واستغرق دهره، وسماه ((فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب)) وكان محمد بن جلال الدين في ذلك الوقت في سن الطفولة، يسمع باسم الكتاب، ولا يفقه كثيراً مما يتحدث به الأدباء والعلماء المتحلقون في بيتهم، إلا أنه استنكر هذه التسمية وعدها جرأة من المؤلف، إذ إن ((فصل الخطاب)) خاص بالنبي داود الذي قال الله تعالى فيه (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) (ص: ٢٠) فكيف يجرؤ مؤلف على أن يسمي كتابه ((فصل الخطاب)) ؟. ويقول ابن منظور الذي كان عمره يوم توفي التيفاشي يقارب الثانية والعشرين، إنه أنسي أمر الكتاب وشغل عنه ثم تذكره وقد جاوز الستين (٣) ، فأخذ يبحث عنه، حتى اهتدى إليه أخيراً عند واحد من أصدقاء التيفاشي، فحاول الحصول عليه منه فلم يستطع وأنفق ذلك جهداً كثيراً، وأخيراً حصل عليه سنة ٦٩٠ (٤) . فوجده في مسودات وجزازات وظهور، وقد جعله المؤلف من أربعين

стр. 28

جزءاً، غير إن ابن منظور لم يجد منها سوى ست وثلاثين ربطة (١) . فهل الربطة تساوي جزءاً أو أقل من ذلك؟. ذلك ما قاله ابن منظور وهو مصدق فيما يقول، إلا أن الصفدي يقول شيئاً آخر، يقول: " له كتاب كبير إلى الغاية وهو في أربع وعشرين مجلدة جمعه في علم الأدب، وسماه " فصل الخطاب؟ " ورتبه وبوبه وجمع فيه من كل شيء وتعب عليه إلى الغاية " (٢) ، فلم هذا التفاوت في عدد الأجزاء؟ أغلب الظن أن المجلدة عند الصفدي لا تقتصر على جزء واحد، بل ربما جمعت - في بعض الحالات - جزءين من تجزئة المؤلف. وينفرد الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بفرضية لابد من أن يكون لها ما يسوغها، فهو يرى أن فصل الخطاب موسوعة كبيرة لا تقتصر على الآداب كما يقول الصفدي بل تشمل الآداب والعلوم والتاريخ وأنها في أربعين جزءاً لا يقل حجم الجزء عن مائتي صحيفة في القالب الربعي، تتناول: ١ - مظاهر الطبيعة كالليل والنهار والشمس والقمر والسماء والكواكب، وهذا يقع في جزءين. ٢ - العالم الحيواني بما فيه من أصناف المخلوقات (لا ندري كم جزءاً) . ٣ - عالم الأحجار والمعادن (وهذا يجعل كتاب أزهار الأفكار جزءاً من فصل الخطاب) . ٤ - جزء في الطب عنوانه الشفاء انظر رقم: ١٣ في مؤلفات التيفاشي) . ٥ - جزء في الموسيقى عنوانه متعة الأسماع (انظر رقم ١٧ في مؤلفات التيفاشي) . ٦ - تاريخ الأمم (جزءان) . وهذا في مجموعة ربما لم يتجاوز ثمانية أجزاء أو تسعة، فماذا تحتوي الأجزاء الأخرى حتى تبلغ أربعين؟. إن الذي يشجع على وضع مثل هذا هو أن متعة الأسماع يحمل على

стр. 29

الورقة الثانية منه ما يشير إلى أنه الجزء الحادي والعشرون (أو الحادي والثلاثون) من فصل الخطاب، وكذلك وجود الجزءين الأولين المتعلقين بمظاهر الطبيعة، ولكن حتى لو أدرجنا كل ما عددناه من مؤلفات التيفاشي ضمن هذه الموسوعة فإن ذلك لا يفي بالمطلوب. على أن بعض المؤلفات كان منذ البداية على شكل كتاب مستقل، فسيف الدين المشد يعد " المسالك " كتاباً مستقلاً إلى جانب " فصل الخطاب "، وشرح شعر ابن هاني لا يمكن أن يدخل في الموسعة، والدرة الفائقة كتاب منفرد أهداه المؤلف لابن العديم، وهناك كتب في شؤون الباه - إذا صحت نسبتها إلى التيفاشي - لا يمكن أن تندرج كلها في الموسوعة، وهكذا، وإذن فإن شيئاً غامضاً لا يزال يحف بتلك الموسوعة، وربما ظل الحال كذلك لأنها فقدت، ولم يرها أحد مكتملة، حتى ولا ابن منظور نفسه. ٢ - سرور النفس وصلته بفصل الخطاب: لنقل إذن إن ابن منظور حصل على أكبر عدد من أجزاء تلك الموسوعة فماذا فعل فيها؟ يقول الصفدي إنه اختصرها في عشرة مجلدات وسماها سرور النفس (١) وهو يحدثنا أنه لم يطلع على فصل الخطاب لكنه رأى سرور النفس (٢) ، ثم إن الصفدي يفرد الحديث عن كتاب التيفاشي في الأحجار، مما قد يشير إلى أنه لم يكن جزءاً من سرور النفس الذي رآه. من تلك المجلدات العشرة - إن صح كلام الصفدي - ليس لدينا من سرور النفس إلا جزءان أحدهما سماه المؤلف الأصلي: " نثار الأزهار في الليل والنهار " والثاني سماه: " طل الأسحار على الجلنار في الهواء والنار " (٣) . ومعنى ذلك أن ثمانية أجزاء من تلخيص ابن منظور قد صاغت؛ ومما قد يؤكد هذا الضياع شواهد معينة: أولها: أن القلقشندي ينقل عن سرور النفس في تحديد الشام فيقول: وطوله

стр. 30

أكثر من شهر (١) ، وهذا يعني أن سرور النفس يحوي جزءاً جغرافياً. إذ إن هذا القول في الشام لا يرد في الجزءين اللذين وصلانا من الكتاب. وثانيهما: أن السخاوي نقل عن ابن الاكفاني مؤلف " إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد " ما يفيد أن " فصل الخطاب " يعد بين كتب التاريخ التي تدمع بين عيون الأخبار ومستحسنات الأشعار كالعقد والتذكرة الحمدونية وغيرهما (٢) . وثالثها: أن الغزولي ينقل في مطالع البدور قطعة عن الشراب يذكر أن مصدرها سرور النفس ولا وجود لها في الجزءين اللذين نعرفهما، وهذه هي القطعة: قال التيفاشي في كتابه: سرور النفس بمدارك الحواس الخمس - وهو عدة مجلدات - إنني لما رأيت لهج الخلفاء والملوك وشغف جمهور الأمم من العرب والعجم بشرب شراب العنب واختلاف مذاهبهم في استعماله، مع الاتفاق على الميل إليه، على تباين نحلهم، - وقد ذكر عن الأحنف بن قيس أن رجلاً قال له: يا أبا بحر ما ألذ الأشربة؟ فقال له: الخمر، فقال: كيف علمت ولم تذقها؟ قال: لأني رأيت من أحلت له لا يصبر عنها، ورأيت من حرمت عليه يخطئ البهائم [؟]- ووجدت جل من يستعمل هذا المشروب لا يفي له خيرة بشره، ولا يقوم نفعه بضره، وذلك لجهله بوجه استعماله، فإن من المعلوم أن الخمر إنما المقصود من شربها منفعتان، إحداهما للنفس بالتفريح ونفي الهموم، وأخراهما للبدن بحفظ صحته عليه ونفي الأمراض النازلة به، وتحقق عند كل من له أدنى مسكة من عقل أنها إذا استعملت على غير ما ينبغي انعكست هاتان المنعتان مضرتين، فصار عوض السرور هما وغما وضجراً وسوء خلق، وعوض الصحة مرضاً مزمناً، أو موتاً فجأة، حسب ما نشرحه، إلا أنه لا يقتصر الأمر على عكس هاتين المنفعتين فقط، بل يتعدى إلى مضار أخرى عظيمة، إن سلمت المهجة، كذهاب العقل والمال والجاه والذكر الجميل، بل لا يقف الأمر على ذلك، بل يتعدى الضرر إلى الأعقاب، فإن الحكماء أجمعوا قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب، وإن أنجب كان الولد أحمق، انتهى كلام التيفاشي (٣) .

стр. 31

فالغزولي يصرح أن سرور النفس عدة مجلدات، والقطعة التي ينقلها تعد - من حيث مضمونها - مقدمة جزء خاص بالشراب، وهذا الجزء في عداد ما هو مفقود من الكتاب، حتى اليوم. ٣ - ما مدى جهد ابن منظور في سرور النفس: ويتلخص عمل ابن منظور في الجزءين الباقيين بالخطوات الآتية: ١ - حذف من الكتاب ما عده تكراراً، ونفي منه ما يندرج تحت عنوان ما " تمجه الأسماع " - وأغلب الظن أنه يعني شعراً أو خبراً فيه إحماض، فقد كان ابن منظور متحرجاً في هذه الناحية، بينما التيفاشي بعيد عن ذلك؛ ولهذا يمكن أن يقال أن ابن منظور بنى عمله على الاختيار. ٢ - ضم الشيء إلى نظيره، فأعاد ترتيب الأبواب، وقلل من عددها، ونقل مادة من موضع إلى آخر، فهو يعترف بأن " نثار الأزهار " كان بحسب تقسيم المؤلف في أبواب عدة، فرده هو إلى عشرة أبواب، وأن طل الأسحار كان في أبواب كثيرة، فجمع ما فيها في عشرة أبواب أيضاً، وكان القول في الربيع مقالة قائمة برأسها في الجزء السابع من الأقسام الكلية (١) ، فجعله ابن منظور فصلاً صغيراً نسبياً في الباب الأول من الجزء الثاني. ٣ - سمح لنفسه مرة واحدة بإضافة شعر لم يكن في أصل الكتاب (٢) ، دون أن يخفي هذه الحقيقة، ولكني لا أظنه تورط في هذا الأمر في مواضع أخرى. ٤ - أدركه التحرج إزاء بعض الغلو في بعض الأشعار، فغير الرواية، ولكنه لم يخف ذلك أيضاً، بل وضح ما أقدم عليه، فمن ذلك قول الخوارزمي: ناقضت ما قال المؤذ ... ن بالفعال وبالكلام هو قال حي على الصلاة ... وقلت حي على المدام فغير البيت الأول وجعله: قال المؤذن ما أراد وقل ... ت من حسن الكلام (٣)

стр. 32

وما أظنه أقدم على ذلك إلا في موضعين - هذا أحدهما - ومن عجيب شأن ابن منظور أن تستوقفه هذه المبالغات الشعرية فيقدم على التغيير، ولا تستفزه تخرصات المنجمين وأدعيتهم، فيبقيها على حالها. ولكن ما فعله ابن منظور لم ينقذ الكتاب من التكرار بوجه كلي، ولا جعله حسن التبويب، فضم الحديث عن الاغتباق ومدحه وذم الاصطباح مع وصف الليل (الباب الثاني من الجزء الأول) ثم تخصيص باب لمدح الاصطباح وذك وشرب الليل بعده لا يدل على منطق في التقسيم بل الأولى أن يخصص للاصطباح والاغتباق في حالي المدح والذم باب مستقل؛ ومن تصفح فهرس المحتويات أمكنه أن يرى الاضطراب واضحاً في بعض الفصول (١) ، حتى ليمكن أن يقال أن ابن منظور أحسن حقاً باستنقاذ الكتاب، إذ كان من أقدر على قراءة خط التيفاشي، ولكنه لم يعفه من التحكم المخل، والتعسف الضار. ٤ - مصادر الكتاب لو وصلتنا المجلدات العشرة التي اختصرها ابن منظور من فصل الخطاب وسماها سرور النفس، كلنا البحث عن مصادر المادة فيها أمراً بالغ العسر، لتعدد الموضوعات وتنوعها، فإن يكتب موسوعة شاملة لا غنى له عن الاستكثار من المصادر؛ غير أن الجزءين اللذين بقيا من ذلك الكتاب متقاربان في الموضوع، فهما يتناولان الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب جملة والفصول والبرق والرعد والمطر والرياح والنار، يتناولان هذه الموضوعات على مستويات مختلفة: على المستوى العلمي والأدبي شعراً ونثراً، وعلى المستوى شبه العلمي، وعلى المستوى اللغوي والديني، وهكذا. ولا ريب أن هذه الموضوعات الكبرى التي يتناولها الكتابان تتفرع إلى موضوعات دقيقة، وترتبط بموضوعات لاحقة، وهكذا يتسع الموضوع أمام المؤلف فتتعدد المصادر، إلا أنه لا يصرح دائماً بأسماء الكتب التي يعتمدها؛ ففي التفسير يشير مثلاً إلى السجاوندي والحوفي وابن فورك، ولكن لا ندري في بعض المواطن إلى أي حد يعتمد كتاباً له التفسير لم يصلنا، ثم على من يعتمد في ذلك الكتاب نفسه. ورغم حاجته الماسة إلى كتب لغوية، فإنه لا يذكر منها إلا سر

стр. 33

الأدب للثعالبي وكتاباً يسميه " الترتيب " لأحمد بن مطرف الكناني (١) ، وينقل أكثر الفصل بالنار وأحوالها وما يتصل بها من كتاب " النبات " لأبي حنيفة الدينوري (٢) . وفي المعارف العلمية تجده بقسم هذه المعارف إلى ما هو مستمد من العرب وإلى ما هو مستمد من الفلاسفة القدماء والمنجمين، فأما ما كان مستمداً من العرب فهو إذا اتصل بالحيوان كان فيه عالة على الجاحظ، ولذلك نقل عنه كثيراً فيما يتصل بالحمام وطبائعه، وفصلاً استطرادياً عن الخفاش - ليس هناك ما يسوغ إيراده، إلا الشغف ببعض الأمور المتصلة بالعلم (٣) . ويلحق بالمعارف (شبه العلمية) عن العرب تعبير الرؤيا، وهو في هذا المجال يراجع مصادر لا نعرفها؛ فإذا كانت المعارف عن شؤون الجو والكواكب والنجوم والفصول فإنه يستمد مادته من كتب خاصة بهذه المعلومات مثل: كتاب الأنواء لابن قتيبة والأنواء لأبي حنيفة الدينوري والأنواء للسراج والأزمنة والأمكنة للمرزوقي: وفيما يقابل هذه المعلومات من زاوية الفلاسفة القدماء والمنجمين نرى مصادره، تتدرج من أثلولوجيا المنسوب لارسطالطاليس والذي يمثل في الحقيقة بعض آراء افلوطين في تاسوعاته، إلى كتب في الطب مثل سر البيعة لأبي الفرج الطبيب، وهو يعرف كتاب القانون لابن سينا معرفة وثيقة، كما أن لديه حصيلة وافرة من كتب التنجيم والفلك منها كتب لأبي معشر وكوشيار ومكلوشيا والبيروني (وهو لا يذكر هذا الأخير أبداً) وفي مقابل التعبير على مذهب العرب نراه يعرف كتاب أرطاميدورس في هذا الفن، وكتباً أخرى لا يصرح بأسمائها. وتمتد مصادر الأدبي على نطاق واسع؛ فهو إذ يقدم صورة مسهبة للنشاط الشعري المعاصر المتصل بما يعالجه من موضوعات، نجده يرود دواوين الشعراء من مختلف العصور، إلا أن ذوقه المحدث يبعده كثيراً عن الشعر القديم؛ ولما كان ما يروقه من الشعر هو الصور فإنه يتكئ كثيراً على الشعراء المصورين كابن المعتز وكشاجم، والسري وابن طباطبا، ولهذا السبب نفسه يجد ضالته بيسر في كتب التشبيهات ككتاب تشبيهات ابن أبي عون وكتاب تشبيهات الكتاني، والمجموعات الشعرية مثل اليتيمة (وغيرها من كتب الثعالبي مثل خاص الخاص ومن غاب عنه

стр. 34

المطرب والمنتحل) ؛ والكتب التي تلتقي مع كتابه في موضوعات الليل والنهار والسحاب والمطر وما شاكل ذلك، وأهم كتاب قدم له مادة في هذا المجال هو كتاب المعاني للعسكري، وعلى نحو أقل بكثير محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني، فإذا ارتبط الشعر بوصف الحمام والطيور وما تثيره من شوق، ووصف البرق وما يثيره من حنين، فمرجعه الكبير الزهرة لابن داود. ولما كان كتابه يمثل لقاء واسع الجنبات بين المشرق والمغرب، فإن اهتمامه بالمغرب وخاصة أفريقية (تونس) يتجلى باعتماده كتاب الأنموذج لابن رشيق، وهو يعرف كتاب قطب السرور للرقيق معرفة وثيقة، وإن لم يذكره، ولعله احتفظ به ليجعله أحد مصادره الهامة في الجزء الخاص بالشراب من موسوعته، كما يعرف كذلك كتاب " زهر الآداب " للحصري؛ فأما معرفته بالأندلس فقد كفاه أمرها صديقه ابن سعيد في ما خطه من مؤلفات؛ ولست أزعم أنني استطعت رد مادة هذين الجزءين إلى جميع مصادرها، فإن هناك مادة كثيرة لم أستطع أن أعرف من أين قام المؤلف بنقلها. ٥ - قيمة الكتاب: لست أغالي في ما لسرور النفس من قيمة، فهو صورة لاجتماع ثقافتين: الثقافة العربية الإسلامية والثقافة المستمدة من اليونان، وهو كذلك صورة للقاء على المستوى الأدبي بين المشرق العربي والمغرب العربي؛ كان أمثال التيفاشي وابن سعيد وابن دحية الكلبي وغيرهم من المغاربة المهاجرين يمثلون حلقة وصل بين المشرق والمغرب، فيؤلفون للمشارقة وللمغاربة على السواء، ويعلمون أن المزج بين الجانبين هو الذي يبقي على الوحدة الثقافية قائمة في العالم الإسلامي، ولقد أثروا كثيراً في البيئة المشرقية، وخاصة المصرية حين وجهوا أمثال ابن ظافر وغيره إلى اعتماد ذلك المنهج، واستمر أثرهم من بعد في ابن فضل الله العمري والصفدي والكتبي وغيرهم من مؤلفي القرن التالي. والكتاب جزء من موسوعة ضخمة: نجد أمثلتها من بعد في نهاية الأرب ومسالك الأبصار، ومناهج الفكر وغير ذلك، ولذا فإن قيمته جزء من القيمة الكبرى لتلك الموسوعة المبكرة التي حاولت أن تضم جميع ضروب المعارف، بل تفوقت على كل ما جاء بعدها في أنها لم تتنكر للثقافة اليونانية. وتتحدد طبيعة الكتاب بالزمن الذي ألف فيه فالمعارف العلمية التي يحاول

стр. 35

إبرازها كانت في عصر المؤلف علامة على الطريقة العقلية التي تحاول تفسير الظواهر وتعليلها، فإذا الزمن يحيلها إلى أشياء تشبه الأساطير إلا فيما ندر. والشعر الذي احتفل به مؤلف الكتاب، يتصل بموضوعات قلت العناية بها. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن تلك القصائد والمقطعات التي قيلت في تعداد النجوم والمنازل، وفي تصوير تلك النجوم، كانت حينئذ علامة على تعمق الشاعر في النظر إلى الزواهر الكونية، وعلى جهده الفني في ابتكار صور جديدة، ولكن من ذا الذي يعبأ اليوم بكل تلك الصور أو يحاول أن يستكشف ما فيها من براعة: إن أحداً لا يكاد يذكر ذلك التفوق الذي أحرزه ابن طباطبا أو الشريف الموسوي على غيرهما من شعراء عصريهما، ومع ذلك فقد كانا هما وابن مسلمة الأموي وكثيرون آخرون مؤشراً على منتحى أدبي كامل، أهدرت فيه جهود كبيرة. إن الشاعر يستغرقه عصره وتستغرقه التيارات السائدة فيه فلا يكاد يحس أنه خان رسالته الشعرية الصحيحة أو انحرف بوهم " الحداثة " عنها، وإذا به بعد انقضاء تلك التيارات يصبح جزءاً من تاريخ لا يحب أن يبعثه أحد، إلا شاهداً على ذلك الاستغراق. فميزة " سرور النفس " أنه يحيي في أنفسنا موضوعاً عنه كثيراً، ويقدم لنا الشواهد عليه من مختلف العصور، وبخاصة عصر المؤلف نفسه، ويمثل حلقة هامة في سلسلة الكتب الأدبية، التي تقع موقعاً وسطاً بين المعرفة العلمية والتسلية بالمعرفة، ويكشف عن منجم كبير من الصور التي حاول الشعراء بها تقريب ظواهر الطبيعة إلى النفوس. وقد كنت أحسب أن الكتاب استقصائي، لدى مقارنته بأشباهه في هذا المجال، ولكن تبين لي وأنا أراجع المصادر المختلفة بحثاً عن توثيق ما في الكتاب من مادة، أن " منجم الصور " المتصل بظواهر الطبيعة في شعرنا العربي يكاد لا يحصر، وقد أغراني ذلك بادئ الأمر باستدراك ما فات المؤلف، ثم عدلت عن المضي في هذا الطريق الطويل الذي لا يجد اليوم قبولاً كثيراً لدى القراء، وأكتفي بإحالة القراء إلى ما تناثر من شعر سيف الدين المشد - وهو معاصر للتيفاشي - وما حوى من صور كان يمكن للمؤلف أن يستشهد بها، وأن أذكر شاعراً لم يشر إليه المؤلف أبداً وأكثر شعره في وصف الهلال والنجوم والشمس، وذلك هو علي بن محمد بن أحمد بن حبيب (١) .

стр. 36

ومهما يكن من شيء فلدينا هنا كتاب يقترن بعشرات الكتب، ويعد في تضافره معها مفتاحاً لبعض ما استغلق من نصوصها، كما يعد من ناحية أخرى خزانة احتفظت ببعض كتب ضاعت؛ وهو في كل ذلك لا يخلو من فائدة وإمتاع. وكما اعتمد " سرور النفس " على كتب كثيرة ينقل عنها، ويركب من تلك النقول وحدات جديدة، فإنه أصبح بدوره مرجعاً لكثيرين من المؤلفين من بعد. فنحن نجد سمات منه في كتب مثل الغيث المسجم وحلبة الكميت وغيرهما من الكتب التي اعتمدت عليه دون أن تذكره، ولكن من أكثر الكتب اعتماداً عليه مطالع البدور للغزوالي، فهو ينقل عنه، وحيناً يذكر اسمه وحيناً يغفله (١) ، ولعل هذا هو السبب الذي جعل بعضهم ينسب مطالع البدور للتيفاشي نفسه (٢) . ٦ - تحقيق الكتاب: كان النصف الأول من هذا الكتاب وهو " نثار الأزهار " قد نشر في استانبول، عن مطبعة الجوائب (سنة ١٢٩٨) ؛ ولا أعرف أحداً نشر النصف الثاني، ولما كان الجزءان يمثلان وحدة متكاملة رأيت نشرهما معاً، فحصلت على صورة من مخطوطة " سرور النفس " المحفوظة بمكتبة طوبقوسراي في استانبول (تحت رقم: ٢٥٥٧) ، وهي مخطوطة جميلة الخط مشكولة بعض شكل، مرقمة بحسب الصفحات، وجاء في آخرها إنها نسخت بدمشق المحروسة، ووافق الفراغ من نسخها تاسع شهر المحرم سنة ثلاث وسبعين سبعمائة، أي بعد مضي اثنتين وستين سنة على وفاة مرتب الكتاب ابن منظور. وقد جاء على الورقة الأولى منها: الجزء الأول من كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، تهذيب الإمام العالم العلامة، علامة وقته، العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن المكرم بن أبي الحسن الأنصاري الكاتب، عفا الله عنه بمنه. وعلى هذه الصفحة نفسها صورة تملك باسم محمد بن أحمد بن ينال العلائي الدواداري الحنفي. وتقع المخطوطة في ٤٦٠ صفحة، في كل صفحة ١٥ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد (حيث لا يتحدد السطر ببيت من الشعر) ١٦ كلمة: وقد اجتذبني

стр. 37

جمال المخطوطة وشجعني على العمل فيها، ولكني ما كدت أتوغل في شعابها حتى وجدت التصحيف والحذف والوهم غالبة عليها، وقد كنت بدأت العمل فيها في بيروت سنة ١٩٧٤ وبعض ١٩٧٥، فلما شاء الله لي أن أسافر إلى برنستون بالولايات المتحدة لأعمل أستاذاً زائراً في جامعتها، حملت أوراق هذا الكتاب بين ما حملته معي من أوراق، وأكملت العمل فيها، بل الحق أني استأنفته، إذ استعنت بمكتبة تلك الجامعة في الحصول على مصادر لم تكن متوفرة لدي؛ ومع الزمن رأيت أن الكتاب بدأ يستوي نصاً بقراءته على المصادر المختلفة، ولولا ذلك لم أستطع أن أقدمه للقراء؛ على أني أعتقد أن هناك مواطن ما تزال قلقة، وأسماء أعلام لم أستطع الاطمئنان إلى صحتها ومن ثم إلى التعريف بها، وشعراً لم أعثر عليه في المصادر، رجاء توثيق النص وضبطه، رغم كل ما بذلته من جهد خلال ما يزيد على ست سنوات، كان هذا الكتاب في أثنائها محط عناية مستمرة، تكاد لا تنقطع إلا بسفر طارئ أو شغل ملح. وقد كان منهجي في التحقيق - كما هو منهجي في أغلب ما حققت - أن أثبت وجه الصواب في المتن، وأن أدرج القراءة المحتملة في الحاشية؛ وأن لا أعبأ بالخطأ الواضح، إلا إن كانت الإشارة إليه استدراجاً للقارئ بأن يقترح وجهاً أصوب. وحتى لا يتشكك القارئ في حقيقة ما أعنيه بالخطأ الواضح، أذكر له أمثالاً منه وردت في الصفحة ٢٠ من الأصل في أبيات من معلقة امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليقتل فقلت له لما تمطى بصلته ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل سدت بيذبل كان الثريا علقت في مضآيها ... بامراس كان إلى صم جندل هذه خمسة أخطاء كتابية: فهل من المعقول أن أصححها ثم أثبت الخطأ في الحاشية؟ أنا أجد فعل ذلك استخفافاً بوقت القارئ وبجهد الطابع، وكشفاً عن سوء تقدير لدى المحقق؛ فليعذرني الذين لا يعجبهم هذا المنهج، إن كنت أسأت إلى ما يعتقدون صواباً. وقبل أن أختم القول في هذه المقدمة، أرى حقيقاً علي أن أتوجه بالشكر لاثنين من أصدقائي، أولهما الدكتور رضوان السيد الذي أعانني في حل بعض ما

стр. 38

استعصت علي قراءته، وثانيهما الدكتور جورج صليبا الذي راجع بعض المعلومات المتصلة بالفلك والنجوم وكان لتوجيهاته أثرها في ضبط النص. وبعد فهذا كتاب " سرور النفس " - صورة لمحاولة متواضعة، كلفتني الكثير من الجهد الوقت - أقدمه للقراء والدارسين راجياً أن يكون ذا نفع، والله من وراء القصد، وهو يهدي سواء السبيل. بيروت في ٢٥ أغسطس (آب) ١٩٨٠ إحسان عباس

стр. 39

ملحق بالمقدمة أشعار التيفاشي (١) - ١ - نبه نديمك أن الليل قد صخبا ... والليل قوض من تخييمه الطنبا والفجر في كبد الليل السقيم حكى ... سر المتيم عن إخفائه غلبا كأنه بظلام الليل ممتزجاً ... سمراء تفتر أبدت مبسماً شنبا كأنما الفجر زند قادح شرراً ... في فحمة الليل لاقي الفحم والتهبا كأن أول فجر فارس حملت ... راياته البيض في إثر الدجى فكبا كأن ثاني فجر غرة وضحت ... تسيل في وجه طرف أدهم وثبا (الوافي ٨: ٢٨٩) - ٢ - سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً ... وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التقييد لم يدع للمؤرخين مقالاً ... لا ولا للرواة بيت نشيد أن تلاه على الحمام تغنت ... ما على ذا في حسنه من مزيد (بغية الطلب ٢: ١٦٠ ونفح الطيب ٢: ٣٢٥)

стр. 40

- ٣ - يا طيب الأصل والفرع الذكي كما ... يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر ومن خلائقه مثل النسيم إذا ... يهفو على الزهر حول النهر في السحر ومن محياه والله الشهيد إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر أثقلت ظهري ببر لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآناً مع السور أهدت لي الغرب مجموعاً بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ... بكل من فيه من بدو ومن حضر نعم ولاقيت أهل الفضل كلهم ... في مدتي هذه والأعصر الأخر إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ... فقد رددت علي الصدر من عمري وكنت لي واحداً فيه جميعهم ... ما يعجز الله جمع الخلق في بشر جزيت أفضل ما يجزى به بشر ... مفيد عمر جديد الفضل مبتكر (بغية الطلب ٢: ١٦٠ - ١٦١ ونفح الطيب ٢: ٣٢٥) - ٤ - ويوم سرقناه من الدهر خلسة ... بل الدهر أهداه لنا متفضلا أشبهه بين الظلامين غرة ... لحسناء لاحت بين فرعين أرسلا - ٥ - مغناك أغناك من أرض تيممها ... لكسب مال فلا تفرح به ونم فسوف تأكل فيه [رزق] كل فتى ... من سائر الناس من عرب ومن عجم ربع تعدى لما يلقى بساحته ... من لذة وانبساط سائر الأمم وكل ما فيه ممنوع ومحترم ... فلا سبيل به إلا إلى الحرم (نزهة الألباب: ٣٨) - ٦ - قد كان للماضين من ... أرباب مصر همم فالفضل عنهم فضلة ... والعلم فيهم علم إن انقضت أعلامهم ... وعلمهم وانصرموا
следующие страницы →