ومهما يكن من شيء فلدينا هنا كتاب يقترن بعشرات الكتب، ويعد في تضافره معها مفتاحاً لبعض ما استغلق من نصوصها، كما يعد من ناحية أخرى خزانة احتفظت ببعض كتب ضاعت؛ وهو في كل ذلك لا يخلو من فائدة وإمتاع.
وكما اعتمد " سرور النفس " على كتب كثيرة ينقل عنها، ويركب من تلك النقول وحدات جديدة، فإنه أصبح بدوره مرجعاً لكثيرين من المؤلفين من بعد. فنحن نجد سمات منه في كتب مثل الغيث المسجم وحلبة الكميت وغيرهما من الكتب التي اعتمدت عليه دون أن تذكره، ولكن من أكثر الكتب اعتماداً عليه مطالع البدور للغزوالي، فهو ينقل عنه، وحيناً يذكر اسمه وحيناً يغفله (١) ، ولعل هذا هو السبب الذي جعل بعضهم ينسب مطالع البدور للتيفاشي نفسه (٢) .
٦ - تحقيق الكتاب:
كان النصف الأول من هذا الكتاب وهو " نثار الأزهار " قد نشر في استانبول، عن مطبعة الجوائب (سنة ١٢٩٨) ؛ ولا أعرف أحداً نشر النصف الثاني، ولما كان الجزءان يمثلان وحدة متكاملة رأيت نشرهما معاً، فحصلت على صورة من مخطوطة " سرور النفس " المحفوظة بمكتبة طوبقوسراي في استانبول (تحت رقم: ٢٥٥٧) ، وهي مخطوطة جميلة الخط مشكولة بعض شكل، مرقمة بحسب الصفحات، وجاء في آخرها إنها نسخت بدمشق المحروسة، ووافق الفراغ من نسخها تاسع شهر المحرم سنة ثلاث وسبعين سبعمائة، أي بعد مضي اثنتين وستين سنة على وفاة مرتب الكتاب ابن منظور.
وقد جاء على الورقة الأولى منها: الجزء الأول من كتاب سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، تهذيب الإمام العالم العلامة، علامة وقته، العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن المكرم بن أبي الحسن الأنصاري الكاتب، عفا الله عنه بمنه. وعلى هذه الصفحة نفسها صورة تملك باسم محمد بن أحمد بن ينال العلائي الدواداري الحنفي.
وتقع المخطوطة في ٤٦٠ صفحة، في كل صفحة ١٥ سطراً ومعدل الكلمات في السطر الواحد (حيث لا يتحدد السطر ببيت من الشعر) ١٦ كلمة: وقد اجتذبني
стр. 37
جمال المخطوطة وشجعني على العمل فيها، ولكني ما كدت أتوغل في شعابها حتى وجدت التصحيف والحذف والوهم غالبة عليها، وقد كنت بدأت العمل فيها في بيروت سنة ١٩٧٤ وبعض ١٩٧٥، فلما شاء الله لي أن أسافر إلى برنستون بالولايات المتحدة لأعمل أستاذاً زائراً في جامعتها، حملت أوراق هذا الكتاب بين ما حملته معي من أوراق، وأكملت العمل فيها، بل الحق أني استأنفته، إذ استعنت بمكتبة تلك الجامعة في الحصول على مصادر لم تكن متوفرة لدي؛ ومع الزمن رأيت أن الكتاب بدأ يستوي نصاً بقراءته على المصادر المختلفة، ولولا ذلك لم أستطع أن أقدمه للقراء؛ على أني أعتقد أن هناك مواطن ما تزال قلقة، وأسماء أعلام لم أستطع الاطمئنان إلى صحتها ومن ثم إلى التعريف بها، وشعراً لم أعثر عليه في المصادر، رجاء توثيق النص وضبطه، رغم كل ما بذلته من جهد خلال ما يزيد على ست سنوات، كان هذا الكتاب في أثنائها محط عناية مستمرة، تكاد لا تنقطع إلا بسفر طارئ أو شغل ملح.
وقد كان منهجي في التحقيق - كما هو منهجي في أغلب ما حققت - أن أثبت وجه الصواب في المتن، وأن أدرج القراءة المحتملة في الحاشية؛ وأن لا أعبأ بالخطأ الواضح، إلا إن كانت الإشارة إليه استدراجاً للقارئ بأن يقترح وجهاً أصوب. وحتى لا يتشكك القارئ في حقيقة ما أعنيه بالخطأ الواضح، أذكر له أمثالاً منه وردت في الصفحة ٢٠ من الأصل في أبيات من معلقة امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليقتل
فقلت له لما تمطى بصلته ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل سدت بيذبل
كان الثريا علقت في مضآيها ... بامراس كان إلى صم جندل هذه خمسة أخطاء كتابية: فهل من المعقول أن أصححها ثم أثبت الخطأ في الحاشية؟ أنا أجد فعل ذلك استخفافاً بوقت القارئ وبجهد الطابع، وكشفاً عن سوء تقدير لدى المحقق؛ فليعذرني الذين لا يعجبهم هذا المنهج، إن كنت أسأت إلى ما يعتقدون صواباً.
وقبل أن أختم القول في هذه المقدمة، أرى حقيقاً علي أن أتوجه بالشكر لاثنين من أصدقائي، أولهما الدكتور رضوان السيد الذي أعانني في حل بعض ما
стр. 38
استعصت علي قراءته، وثانيهما الدكتور جورج صليبا الذي راجع بعض المعلومات المتصلة بالفلك والنجوم وكان لتوجيهاته أثرها في ضبط النص.
وبعد فهذا كتاب " سرور النفس " - صورة لمحاولة متواضعة، كلفتني الكثير من الجهد الوقت - أقدمه للقراء والدارسين راجياً أن يكون ذا نفع، والله من وراء القصد، وهو يهدي سواء السبيل.
بيروت في ٢٥ أغسطس (آب) ١٩٨٠
إحسان عباس
стр. 39
ملحق بالمقدمة
أشعار التيفاشي (١)
- ١ -
نبه نديمك أن الليل قد صخبا ... والليل قوض من تخييمه الطنبا
والفجر في كبد الليل السقيم حكى ... سر المتيم عن إخفائه غلبا
كأنه بظلام الليل ممتزجاً ... سمراء تفتر أبدت مبسماً شنبا
كأنما الفجر زند قادح شرراً ... في فحمة الليل لاقي الفحم والتهبا
كأن أول فجر فارس حملت ... راياته البيض في إثر الدجى فكبا
كأن ثاني فجر غرة وضحت ... تسيل في وجه طرف أدهم وثبا (الوافي ٨: ٢٨٩)
- ٢ -
سعد الغرب وازدهى الشرق عجباً ... وابتهاجاً بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التقييد
لم يدع للمؤرخين مقالاً ... لا ولا للرواة بيت نشيد
أن تلاه على الحمام تغنت ... ما على ذا في حسنه من مزيد (بغية الطلب ٢: ١٦٠ ونفح الطيب ٢: ٣٢٥)
стр. 40
- ٣ -
يا طيب الأصل والفرع الذكي كما ... يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر
ومن خلائقه مثل النسيم إذا ... يهفو على الزهر حول النهر في السحر
ومن محياه والله الشهيد إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببر لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآناً مع السور
أهدت لي الغرب مجموعاً بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ... بكل من فيه من بدو ومن حضر
نعم ولاقيت أهل الفضل كلهم ... في مدتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ... فقد رددت علي الصدر من عمري
وكنت لي واحداً فيه جميعهم ... ما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشر ... مفيد عمر جديد الفضل مبتكر (بغية الطلب ٢: ١٦٠ - ١٦١ ونفح الطيب ٢: ٣٢٥)
- ٤ -
ويوم سرقناه من الدهر خلسة ... بل الدهر أهداه لنا متفضلا
أشبهه بين الظلامين غرة ... لحسناء لاحت بين فرعين أرسلا - ٥ -
مغناك أغناك من أرض تيممها ... لكسب مال فلا تفرح به ونم
فسوف تأكل فيه [رزق] كل فتى ... من سائر الناس من عرب ومن عجم
ربع تعدى لما يلقى بساحته ... من لذة وانبساط سائر الأمم
وكل ما فيه ممنوع ومحترم ... فلا سبيل به إلا إلى الحرم (نزهة الألباب: ٣٨)
- ٦ -
قد كان للماضين من ... أرباب مصر همم
فالفضل عنهم فضلة ... والعلم فيهم علم
إن انقضت أعلامهم ... وعلمهم وانصرموا
стр. 41
فاليوم مصر عدم ... إن كان يرجى العدم
وانظر تراها ظاهراً ... بادٍ عليها الهرم (الوافي ٨: ٢٩٠ وخطط المقريزي ١: ١٢٢)
- ٧ -
ألست ترى الأهرام دام بناؤها ... ويفنى لدينا العالم الأنس والجن
كأن رحى الأفلاك أكوارها على ... قواعدها الأهرام والعالم الطحن (خطط المقريزي ١: ١٢١)
- ٨ -
خليلي لا باق على الحدثان ... من الأول الباقي فيحدث ثان
إلى هرمي مصر تناهت قوى الورى ... وقد هرمت في دهرها الهرمان
فلا تعجبا أن قد هرمت فإنما ... رماني بفقدان الشباب زماني
وعوجا بقرطاجنة فانظرا بها ... جنايتي العادين تنتحبان
وإيوان كسرى فانظراه فإنه ... يخبركما بالصدق كل أوان
فلا تحسبا أن الفناء يخصني ... ألا كل ما فوق البسيطة فان (خطط المقريزي ١: ١٢٢)
стр. 42
أحمد الله سبحانه على نعمه الباطنة والطاهرة، وأسأله الصلاة على سيدنا محمد وآله العترة الطاهرة، وأصحابه العصبة الزاهرة، وأجدد حمده على ما جبلني عليه من تتبع آثار العلماء، واقتفاء سنن الأدباء.
وكنت فما أيام الوالد ﵀ أرى تردد الفضلاء إليه، وتهافت الأدباء عليه؛ ورأيت الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشي القيسي في جملتهم، وأنا في سن الطفولة لا أدري ما يقولونه، ولا أشاركهم فيما يلقونه؛ غير أني كنت أسمعه يذكر للوالد كتاباً صنّفه، أفنى فيه عمره، واستغرق دهره، وأنه سماه " فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب "، وأنه لم يجمع ما جمعه كتاب. وكنت على صغر السن أنكر تجاسره على هذا الاسم الذي عده الله من النعمة، ومنَّ على نبيه بأنه آتاه فصل الكتاب مع الحكمة.
وكنت شديد الشوق إلى الوقوف عليه، وترفي الوالد ﵀ في سنة خمس وأربعين وستمائة، وشُغلْتُ عن الكتاب، وتوفي شرف الدين التيفاشي بعده بمدة، فلما ذكرته بعد سنين، وقد جاوزت الستين، تطلّبتُه من كل جهة، ورمته من كل وجهة، فلم أجد من يدلني عليه، ولا من يذكر أنه نظر إليه؛ فبذلت الجهد في طلبه إلى أن ظفرت به عند شخص كان من أصحابه، فسعيت إلى بابه، وبذلت له جملة لم تكن في حسابه، فلم يسمح لي مع فقره ببيع ولا عارية، ولا استحسنتُ تملكه باليد العادِيَةِ؛ وعدت إلى طلبه منه، واستعنت عليه بمن لا غنى له عنه، فلم يفد فيه سؤال ولا شفاعة. ولم يعط لنا فيه طاعة. إلى أن قدَّر الله تعالى تملّكه في سنة تسعين وستمائة. فرأيته مجرداً في مسودات وجزازت. وظهور وتخريجات. وقد جعله
стр. 43
من تجزئة أربعين جزءاً. لم أجد منها سوى ست وثلاثين ربطة. وهو في غاية الاختلال، لسوء الحظ، وعدم الضبط. ولو لم يكن تكرر وقوفي على خطة في زمن الوالد، وعرفت اصطلاحه، في تعليقه. لما قدرت على قراءة حرف منه غير أني عرفت طريقته في خطه واصطلاحه، وتحققت فساده من صلاحه (١) ، ووقفت منه على أوراق في مفرقات ومفردات. وجزازات تفعل في مطالعها ما لا تفعل الزجاجات. فضممت ما وجدت منه وجدت منه بعضه إلى بعض. وأحرزته بتجليده من الأرضة والقرض.
ورأيته (٢) قد جمع فيها أشياء لم يقصد بها سوى تكثير حجم الكتاب، ولم يراع فيه التكرار، ولا ما تمجّه أسماع ذوي الألباب. فاستخرت الله في تعليق ما يُحتار منه ورغبت في إبرازه إلى الوجود، فإنه ما دام بخطه لا يفهم أحد شيئاً عنه. فأخذت زُبْدَهُ، ورميت زَبَده، وأوردت تكرره، وتركت مكرره، وبذلت في تنقيص جهدي، وجعلته سميري أوقات هزلي وجدّي، فإنه روضة المطالع، ونزهة القلوب والمسامع، ويسر به الخاطر، ويقرّ به الناظر (٣) ، وسميته:
" سرور النفس بمدارك الحواس الخمس "
وإلى الله الرغبة في الصفح عن مصنّفه وعنّي، والعفو عما أثبتناه بقلمينا فإن العفو غاية التمني.
стр. 44
الجزء الأول من هذا الكتاب سماه
نثار الأزهار في الليل والنهار، وأطايب
أوقات الأصائل والأسحار، وسائر ما يشتمل
عليه من كواكبه الفلك الّدوارا
وجعله أبوابا عدة، جمعت أنا جميع ما فيها في عشرة أبواب:
الباب الأول: في الملوين الليل والنهار.
الباب الثاني: في أوصاف الليل وطوله وقصره، واستطابته، والاغتباق ومدحه، وذم الاصطباح.
الباب الثالث: في الاصطباح ومدحه، وذم شرب الليل، وايقاظ النديم للاصطباح.
الباب الرابع: في الهلال وظهوره وامتلائه وكماله، والليلة المقمرة.
الباب الخامس: في انشقاق الفجر، ورقة نسيم السحر، وتغريد الطير في الشجر، وصياح الديك.
الباب السادس: في صفات الشمس في الشروق، والضحى والارتفاع والطفل والمغيب، والصحو والغيم والكسوف.
الباب السابع: في جملة الكواكب وآحادها المشهورة.
الباب الثامن: في آراء المنجمين والفلاسفة الأقدمين في الفلك والكواكب.
الباب التاسع: في شرح ما يشتمل عليه من أسماء الأجرام العلوية وما يتصل بها واشتقاقه.
الباب العاشر: في تأويل رؤيا الأجرام العلوية وما يتعلق بها في المنام على مذهب حكماء الفلاسفة والإسلام.
стр. 45
فراغ
стр. 46
الباب الأول
في الملوين الليل والنهار
١ - في التنزيل العزيز (وآية لهم الليل نسلخُ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلك تقديرُ العزيز العليم. والقمرَ قَدَّرْنَاهُ منازلَ حتَّى عاد كالعُرْجونِ القديم. لا الشمسُ يَنْبَغِي لها أَنْ كل تُدْرِكَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وكلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُون) . (١)
٢ - الليل والنهار يسميان الملوين، ويسميان الجديدين والاحدين والعصرين والقرنين والبردين والأبردين والخافقين والدائرين والحاذقين والخيطين، وهما زنمتا الدهر وابنا سمير وابنا سبات. وذكر أبو العلاء المعري الحَرْسَين، والحَرْسُ الدهر، ولم يسمع مثنىً إلاّ في قوله (٢) :
ويحقُّ في رُزْءِ الحُسَيْن تَغَيُّرُ ال ... حَرْسَينِ بَلْهَ الدر في الأَصدافِ وجمع الحرس أحْرُس، وقد يجمع ما لا يثنى ويثنى ما لا يجمع، وما ذكر من مثنى هذا الباب مسموع لا مقيس. وسميا ملوين لأنهما يملآن الآفاق نوراً وظلمة، وسميا جديدين لتجددهما بالضياء والإظلام على الدوام وسمي النهار نهاراً لظهور ضوء الفجر يجري كالنهر من المشرق إلى المغرب معترضاً حتى يأتي على الظلام، وسمي الليل ليلاً لأنه يلالي بالأشخاص حتى يتشكك الناظر في الشيء فيقول: هو هو، ثم يقول: لا لا - فقد لالا بها. والنهار ضد الليل، ولا يجمع، كما لا يجمع العذاب والسراب، فإن جمعت قُلت في قليله نُهُر، وفي الكثير نُهُر. والنهار ذكر الحُبارَى.
стр. 47
٣ - وقوله: (نسلخ منه النهار) أي ننزع عنه الضوء فيظهر سواده، لأنّ أصل، ما بين السماء والأرض من الهواء والظلمة. والنهار في اللغة الضوء، والليل الظلمة.
٤ - (والشمس تجري) جري الشمس سيرها على عكس دور الفلك. فتقطع الفلك في ثلاثماثة وخمسة وستين يوماً وربع يوم وجزءٍ من يوم عند أهل الهند. وعند أهل الروم في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً إلا جزءاً من ثلاثمائة جزء يوم.
(لمستقر) أي محل استقرار الليل والنهار على الاستواء، اعتدال الزمان عند حلولها أول نقطة الحمل أو الميزان، وقيل استقرارها استعلاؤها على جانب الشمال عند نهاية طول النهار في الأقاليم السبعة المائلة نحو الشمال (١) عن خط الاستواء، فيطول اليوم في الإقليم الأول ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة إلى أن ينتهي في الإقليم ست عشرة ساعة بتفاوت نصف ساعة بين كل إقليمين، حسب بعد الأقاليم من خط الاستواء نحو الشمال وقربها منه. وقيل: لمستقر لها أي محل شرف لها، في الدرجة التاسعة عشرة من الحمل عند ظهور أثرها في نفي آثار الشتاء، واعتدال الزمان والهواء، ومحل رفعه في أوجها يعني الجوزاء عند استقامة الحر وبدوّ الثمار وتمام الرياحين، أو محل قوة لها في بيتها، يعني الأسد عند إدراك الزروع وينع الثمار. وقيل لمستقر لها أي محل استقرار الدَّور واستمرار السير على الاستقامة من غير رجعة وانعكاس، كالخمسة المتحيرة أعني زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد.
٥ - (والقمرَ قدَّرناهُ منازلَ) يعني منازله الثمانية والعشرين المعروفة وهي الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ الموخر، بطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر لكل برج منها منزلتان وثلث، منزلة بالتقريب، فينزل القمر كل يوم منزلاً، حتى إذا اجتمع مع الشمس في منزل انتقص الهلال في ثاني ذلك المنزل كالعرجون القديم. وقيل: قدَّرناه منازل أي قدرنا نوره في منازل، فيزيد في مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية، وينقص في المنازل الاستقبالية. وقيل: أي جعلنا أجزاء جرمه
стр. 48
منازل لعكس أنوار الشمس " فإن جرم القمر مظلم ينزل فيه النور بقبوله عكس ضياء الشمس "، مثل المرآة المجلوَّة إذا قوبل بها الشعاع تضاحل إلى الظل ويضرب بالنور المقبول عليه، وكذا القمر يقبل نور الشمس ويؤديه إلى الأرض، ولا يزال نصف القمر مقابلاً للشمس ونصفه غائباً عنها، فعند اجتماع الشمس يكون نصفه الذي يلي الشمس مضيئاً كله، فيظلم نصفه الذي يلي الأرض، فإذا جاوزها ليلة الاستهلال انحرف عن موازاتها فمالت الظلمة من النصف لم الأسفل إلى النصف الأعلى بقدر ما ينجلي منها ليلة الهلال كالعرجون القديم لا يزال ينحرف عنها حتى يدبر عن الشمس نصفه الأعلى، ويقابلها نصفه الذي يلي الأرض عند الامتلاء، وهو الاستقبال، فيأخذ النور في الاستقبال من نصفه الأسفل إلى نصفه الأعلى، حتى ينتهي إلى الاجتماع وتدور الشمس والقمر على جانب من الأرض إلا ليلة الخسوف، تحول الأرض بينهما فتحجب القمر عن الشمس، فيخسف بظل الأرض.
٦ - وقوله : (لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمر) أي لا يمكنها أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأن دائرة فلك القمر في فلك عطارد، وفلك عطارد داخل في فلك الزهرة، وفلك الزهرة داخل في فلك الشمس فإذا كان طريق الشمس أبعد قطع القمر جميع أجزاء فلكه - أعني البروج الإثني عشر - في زمان تقطع الشمس برجاً واحداً من فلكها. وقيل لم يكن يليق بمصلحة العباد لو جُعلت الثمس في سرعة السير كالقمر، فإنها لو قطعت الفلك في ثلاثين يوماً لولدت الفصول الأربعة في كل شهر، واختلّت الزروع والثمار واستقامة الأحوال.
٧ - وقوله : (ولا الليلُ سابقُ النّهارِ) أي الشمس التي بها الضياء خلقت مضيئة والليل بكرة الأرض التي يغيب ضوء الشمس بطرف منها عن الأرض، وهي في بعدها من الأفلاك بُعدٌ واحد من جميع الجهات، لأنها في العالم بمنزلة الثقل، والأفلاك والكواكب في غاية اللطف، لما أديرت وقعت كثافة الأرض إلى أسفل، فإن اللطيف يتحرك إلى الأعلى، والثقيل الكثيف إلى أسفل، فلما دفعت أجرام الفلك عنه التراب من جميع النواحي دفعة واحدة اجتمع إلى الوسط، وقد جرب ذلك في قنّينة ملئت ماء وألقي فيها حفنة من تراب، ثم أديرت بالخرط، فبدأت أجزاء التراب تجتمع من جميع النواحي حتى استمسكت في الوسط. فإذا كان الليل بالأرض، والأرض تدفع الأفلاك أجزاءها - كما ضربنا من المثال - كان النهار سابقاً لليل، فذلك قوله : (ولا الليلُ سابقُ النهار وكلٌّ في فَلَكٍ يسبحون)
стр. 49
أي يعومون على عكس سير الفلك، كالسباحة على خلاف جري الماء. وخصّ الشمس والقمر بالذكر ههنا، وفي سورة الأنبياء، لأن سيرهما سباحة أبداً على عكس دور الفلك، وسير الخمسة المتحيرة قد يكون موافقاً لدور الفلك عند الرجعة، والجري للاستقامة، والكنوس للدخول تحت الشعاع والاحراق. هذا كلام السجاوندي (١) .
٨ - وقال أبو الحسن الحوفي (٢) : (لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمر) أي لا يصلح لها أن تدرك القمر فيذهب نوره بضوئها، فتكون الأوقات كلها نهاراً لا ليلاً (ولا الليلُ سابقُ النهار) أي يعاقب النهار حتى يذهب ظلمته بضيائه فتكون الأوقات كلها ليلاً، أي لكل واحد منهما حدٌّ لا يتجاوزه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا.
٩ - وقال ابن فُوْرَك (٣) : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأن سير القمر أسرع من سير الشمس. وروي أن ابن عباس ﵄ قرأ: لا مستقر لها، أي أنها تجري في الليل والنهار، لا وقوف لها ولا قرار.
١٠ - وقال يحيى بن سلام (٤) : لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة، لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها.
و (العُرْجُون القديم) العذق اليابس إذا استقوس. قال: وفي استدلال قوم من هذه الآية على أن الليل أصل، والنهار فرع طارٍ عليه، نظر. وفي مستقر الشمس أقوال، منها أن مستقرها آخر مطالعها في المنقلبين، لأنهما نهايتا مطالعها، فإذا استقر وصولها كرت راجعة، وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين.
١١ - وقال أبو نصر القُشَيْري (٥) : ولا الليل سابق النهار أي غالب، فتمحي آية
стр. 50
أحدهما بالآخر، ليكون الليل للاستراحة والنهار للتصرف ولتميز الأوقات ولعلم السنين والحساب، ولا تصير الأوقات كلها ليلاً أو نهاراً.
١٢ - قال الشيخ شرف الدين أحمد التيفاشي المصنف: وليس في هذه الأقوال بيان في أن الليل قبل النهار في الوجود، أو أن النهار قبل الليل، وهو محط السؤال. قال، وأنا أقول: إن الليل والنهار لا يخلو إما أن نعتبر وجودهما بالإضافة الينا أو بالإضافة إلى العالم نفسه؛ فإن كانا بالإضافة إلينا كانا في منزلة المضاف في المنطق كالأب والابن؛ وإذا كانا كذلك لم يكن أحدهما متقدماً على الاخر، فإنا لا نعرف الليل إلا وقبله نهار ولا النهار إلا وقبله ليل، كما لا نعرف الأب من حيث هو أب إلا ومعه الابن، والابن إلا ومعه أب. وسأل الاسكندر (١) بعض الحكماء عن ذلك فقال: هما في دائرة واحدة، والدائرة لا يعرف لها أول ولا آخر. وإن اعتبر وجودهما بالإضافة إلى العالم نفسه، فلا يخلو أن يكون الاعتبار بالإضافة إلى العالم العلوي، وهو من الفلك المحيط إلى مقعر فلك القمر، أو إلى العالم السفلي، وهو من مقعر فلك القمر إلى كرة الأرض، فإن كان بالإضافة إلى العالم العلوي كما اعتبره السجاوندي، كان ذلك باطلاً، إذ العالم العلوي لا ليل فيه ولا نهار، إذ لا ظلام يتعاقب عليه فيسمى نوره نهاراً، بل الأجرام العلوية أجسام شفافة مضيئة نيّرة بطبعها على الدوام، نوراً لا ظلمة تشوبه ولا عتمة تتعاقب عليه. كما في هذا العالم. وإن كنا نرى الشمس والقمر يُكسفان عندنا فإنما ذلك لحائل يحول بين أبصارنا في هذا العالم وبين إدراك نوريهما، وإلا فهما في عالمهما على وتيرة واحدة من النور والضياء والبهجة، لا تبديل لها ولا تغيير، إلى أن يشاء العزيز القدير. وإن اعتبر وجود الليل والنهار بإضافتهما إلى هذا العالم السفلي، وهو من كرة الأرض إلى مقعر فلك القمر، كان اعتباراً حقاً، وهو موضع البحث، إلا أنه يجب أن يوجد اسما الليل والنهار ههنا دالَّين على النور والظلمة، كما قال الخليل: إن الليل عند العرب الظلام، والنهار الضوء، حتى لا يكون مدلول اسمي الليل والنهار على ما نفهمه نحن الآن من تعاقب الضياء والظلام عندنا، فإن كان ذلك كذلك كان الليل متقدماً على النهار بالطبع والذات، على رأي المشرّعين والفلاسفة:
стр. 51
١٣ - أما الفلاسفة فإنهم متفقون على أن جميع أجرام العالم شفافة منيرة أو قابلة للنور مؤدية له، ما خلا كرة الأرض، فإنها كثيفة بذاتها، مظلمة (١) بطبعها، وإن الظلام الموجود في العالم إنما هو منها، وإن ذلك ذاتي فيها لا عرض لها، بل هو ملازم لها ملازمة الظلّ للشخص، والنور للشمس، والضياء فيها إنما هو عرض لها طارٍ على الظلام الذاتي الملازم. قال أبو معشر: الأرض لما وُجِدَت كانت مظلمة من جميع جهاتها، فما قابله منها نور الشمس انزاح الظلام عنه إلى الجهة التي لم تقابلها الشمس، فإذا دارت الشمس إلى الجهة الأخرى المظلمة أنارت وانزاح الظلام إلى الجهة التي كانت مضيئة، هكذا على الدوام.
١٤ - وأما المتشرعون فإنهم - على اختلاف مللهم - متفقون على تقديم الليل على النهار في الوجود، وفي نص التوراة في مفتتحها (٢) : " أولُ ما خلقَ الله السمواتِ والأرضَ كانت تيهاً وتيهاً وظلامٌ على وجه الغمْر، وأرواحُ الله مرفرفةٌ على وَجْهِ الماء، وقال الله: يكونُ نور فكان النور، ورأى الله النور حَسناً، وفصل الله ببن النور وبين الظلام، فسمَّى عند ذلك النهار نهاراً والظلام ليلاً. وكان مساءٌ وما يليه، وصباحٌ وما يتبعه، الجميعُ يومٌ واحد ". هذا نص التوراة، وهو تصريح جلي. قوله (تيهاً وتيهاً) أي قاع صفصف خالية من العمران، والغَمْر ههنا الماء.
١٥ - قال الشيخ المصنف: ومن كتاب " فردوس البيعة " للقسّ أبي الفرج الطبيب (٣) في العلة التي من أجلها خلق الله الظلمة أولا ومن بعدها النور، قال: لأن الفاعل الحكيم شأنه، أن يدرّج مفعولاته من النقصان إلى الكمال، ومثال ذلك تصيبره الجنس الآدمي - الذي هو علّة المخلوقات - آخر المخلوقات، فالواجب أن يجعل النور آخراً لأنه أشرف من الظلمة، ولكيما - إذا وجد النور - بانَ الملائكة الروحانيون به وهو ينظر شريف ما تقدم بخلقه من عظيم أفعاله، وكان هذا علة جاذبة
стр. 52
لهم إلى حسن الطاعة، فالمرئيات في النور بينة جداً، ولو خلق الظلمة بعد النور لكان هذا مما يخفي حسن الإنارة، ولكيما لا يصير للذين يعتقدون أن ههنا خالقين متضادين حجة، بأن يكون خالق الظلمة إذا كان يضاد خالق النور لما رآه قد خلق النور ضادَّه بخلق الظلمة.
فهذه آراء اليهود والنصارى بعد إيراد أقاويل المسلمين والمتفلسفين.
١٦ - وأما مذاهب العرب: فإنهم متفقون في كلامهم على تقديم الليل على النهار، وعلى هذا يؤرخون فيقولون: لخمس بقين ولست بقين من الشهر، والعلة الموجبة لذلك عندهم أن الشهر إنما تعلم بدايته بالهلال، فيكون أوله على ذلك الليل. وفي الحديث: " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " (١) وفيه: " من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر " (٢) فقال ستاً ولم يقل " ستة " فدلّ على أنه ﷺ جعل بداية الشهر الليل، وإنما أراد بالصيام الأيام، إذ الليل لا يصام. وفى رواية " وأتبعه خمساً من شوال ". ووجه الحديثين أن الحسنة بعشر أمثالها، فشهر رمضان بعشرة أشهر، والستة التي بعده بستين يوماً، فذلك عام كامل. ومن روى خمساً فالشهر بعشرة، والخمسة بعده بخمسين يوماً، فتبقى عشرة منها ستة أيام تسقط بنقصان الشهر وأربعة أيام يوم الفطر وثلاثة أيام التشريق.
١٧ - ولأبي منصور صدرُ معنى مستطرف في تقديم الليل على النهار، يصف سوداء:
عُلّقْئُهَا (٣) سوداء مصقولةً ... سوادُ عيني صفةٌ فيها
ما انكسفَ البدرُ على تِمّهِ ... ونورِهِ إلا ليحكيها
لأجلها الأَزمانُ أوقاتُهَا ... مؤرخاتٌ بلياليها ١٨ - وروى أنه ﷺ قال (٤) : " لا تسبوا الليل والنهار ولا الشمس ولا القمر ولا الريح فإنها ترسل رحمة لقوم. وعذاباً لآخرين. وقال
стр. 53
صلى الله عليه وسلم: " الليل والنهار مطيّتان يقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود ". هذا كلام النبوة المشرق بنور المعرفة.
١٩ - وقال بعض الحكماء: الليل والنهار فرسان يركضان بالبشر إلى إنقضاء الأعمار وقال آخر: الليل والنهار رحيان (١) لطحن الأعمار.
٢٠ - وللشيخ المصنف في ذلك:
يا سائلي في شيبِ رأسي شيْبه ... اسمعْ جوابي فيه غيرَ مُعَرّضِ
طحنتْ رحى المَلوينِ عمري فانثنى ... في مفرقي أثرُ الغبارِ الأبيض ٢١ - وللشريف ابن دفتر خوان (٢) :
جيشانِ مختلفان جيشُ دُجُنَّةٍ ... يتغالبان معاً وجيشُ نهارِ
والليلُ يكسو الجوَّ مِسْحَاً أسوداً ... متحرقاً عند الشروقِ بنار
والصبحُ مدَّ على النجوم مُلاءةً ... بيضاءَ يمنعها عن الإبصار ٢٢ - وفي كتاب كليلة ودمنة (٣) تمثل أيام العمر بغصنين نابتين على فم بئر، وإنسان قائم عليها، والليل والنهار كجرذين أبيض وأسود مُجِدّين في قطع الغصنين، وهو لاه عنهما.
٢٣ - شاعر في الأيام (٤) :
ما سبعةٌ كلُّهُمُ إخوانُ ... ليس يموتون وهم شبّانُ لم يَرَهُمْ في موضعٍ إنسانُ ...
стр. 54
٢٤ - وذكر أنه وجد قبل الإسلام بألف عام على حجر مكتوباً في بعض غيران نجد (١) :
خِدْنان (٢) لم يُريا معاً في منزلٍ ... وكلاهما يجري به المقدارُ
لونان (٣) شتى يكسوان خُلُوقةً ... ما عاورته الشمسُ والأمطار ٢٥ - شاعر:
فما مقبلاتٌ مدبراتٌ تواتَرَتْ ... مخالفةَ الاسماءِ واللونُ واحدُ
تصرَّفُ في أبنائهنَّ مرارةٌ ... ومنهن حُلْواتٌ وَسُخنٌ وبارد ٢٦ - ابن الشبل البغدادي (٤) :
ما أسودٌ في حِضْنِهِ أبيضٌ ... وأبيضٌ في حضنه أَسودُ
ما افترقا قطُّ ولا استجمعا ... كلاهما مِنْ ضِدَّه يولد ٢٧ - أعرابي في الليل والنهار (٥) :
والليلُ يطردُهُ النهارُ ولن ترى ... كالليل يطرده النهارُ طريدا
فتراه مثلَ البيت زال بناؤه ... هَتْكَ المقوض سِتْرَهَ الممدودا ٢٨ - والمولّدون يشبّهون الليل والنهار بالزنجيّ والروميّ والحبشيّ والتركي، فمن ذلك قول أبي العلاء المعري (٦) :
ودانَتْ لكَ الأيامُ بالرغم وانضوتْ ... إليك الليالي فارمِ من شئت تُقْصِدِ
بسبعِ إماءٍ من زَغَاوةَ زُوِّجَتْ ... من الروم في نعماك سبعةَ أَعْبُدِ
стр. 55
٢٩ - أبو بكر بن اللبانة (١) :
يجري النهارُ إلى رضاكَ وليلُهُ ... وكلاهما متعاقبٌ لا يسأمُ
فكأنما الإصباحُ تحتك أَشقُر ... وكأنما الإظلامُ تحتك دهمُ ٣٠ - أسعد بن إبراهيم المغربي (٢) :
وقد ذاب كُحْلُ الليلِ في دمع فجرِهِ ... إلى أن تبدَّى الصبحُ كاللمّةِِ الشَّمْطَا
كأنّ الدُّجَى جيشٌ من الزَّنجِ نافرٌ ... وقد أرسل الإصباحُ في إِثرِهِ القبطا ٣١ - أحمد بن درّاج القسطلّي (٣) :
وليلٍ كريعان الشبابِ قطعتُهُ ... بجهدِ السُّرى حتى استثيبت (٤) ذوائبُهْ
وصلتُ به يوماً أَغرَّ صحبته ... غلاماً إلى أنْ طُرَّ بالليل ِشاربه
стр. 56
الباب الثاني
فى أوصاف الليل وطوله وقصره واستطابته والاغتباق ومدحه وذم الاصطباح
٣٢ - في التنزيل العزيز (ومن شرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ) غسقا الليل شدة ظلمته. ووقب أي دخل.
٣٣ - وقال العسكري (١) : من أتم أوصاف الظلمة الذي في كلام البشر مثله قوله : (أو كَظُلْماتٍ في بَحْرٍ لُجَيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظلماتٌ بعضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إذا أَخْرَجَ يَدَهُ لم يكَدْ يرَاهَا) .
٣٤ - وقال النبي ﷺ : " جَنِّبوا صبيانكم فَحْمةَ العِشاء ". وفحمة الليل اشتداد ظلمته.
٣٥ - ومن أسماء الليل: الدَّجْنُ والدُّجى والدجنَّة والكافر، سمي كافراً لأنه يستر الأشخاص، والكَفْر - بفتح الكاف - الستر، ومنه اشتق اسم الكافر لأنه يجحد نعمة الله ويسترها، والكُفُورُ: القرى النائية عن حواضر المدن لأن ساكنها يغيب عن جمهور الناس ويستتر عنهم، وفي الحديث: " لا تسكنوا الكفور (٢) ، فإن ساكني الكفور كساكني القبور ".
٣٦ - وقال الأصمعي: كل ظلماء من الليل حِنْدِسٌ، والليلة الليلاء: الشديدة الظلمة، وكذلك الليل الأليلُ؛ وعسعس الليل: اشتدت ظلمته، وكذلك اكفهرّ وادلهمّ، وليل مكفهر ومدلهم وغيهب وغهيب، كل ذلك شديد السواد.
стр. 57
٣٧ - سأل هشام (١) بن عبد الملك خالد بن صفوان: كيف كان سيرك؟ فقال: قتل أرضاً عالمها، وقتلت أرض جاهلها (٢) ، بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديد ظلماؤها. أطبق سماؤها، وطبَّق سحابها، وتعلّق ربابها، فبقيت مُحْرَنْجماً كالأشقر إن تقدَّم نُحِرَ، وإن تأخر عُقِرَ (٣) ، لا أسمع لواطئٍ همساً، ولا لنابح جرساً؛ تدلّت عليَّ غيومها، وتوارت عنى نجومها، فلا أهتدي بنجمٍ طالع، ولا بعَلَمٍ لامع، أقطع مَحَجَّةً، وأهبط لُجَّةً، في ديمومةٍ قفر، بعيدة القعر، فالريح تخطفني، والشوك يخبطني، في ريحٍ عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشني إِكامها، وقطعني سلامها؛ فبينا أنا كذلك قد ضاقت عليَّ معارجي، وسُدَّتْ مخارجي، إذ بدا نجمٌ لائح، وبياضٌ واضح. وعرجتُ إلى آكام محزئلّة فإذا أنا بمصانعكم هذه، فقرَّت العين، وانكشفَ الرَّيْنُ.
فقال هشام: لله درك، ما أحسنَ وصفك.
٣٨ - ومن أحسن ما جاء في الليل قول ذي الرمة (٤) :
وليلٍ كجلبابِ العروسِ ادَّرعته ... بأربعةٍ والشخصُ في العين واحدُ أخذه ابن المعتز فقال:
وليل كجلبابِ الشَّبابِ. (٥) ... قال العسكري (٦) : جلباب العروس أطرب من جلباب الشباب.
٩ - وقال العلوي (٧) :
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُ ... تحملُ في الجوِّ سودَ راياتِ
لامعةً فوقها أسنَّتُهَا ... مثلَ الأزاهيرِ وَسْطَ روضات
стр. 58
٤٠ - ومن أحسن الاستعارات في الليل قول عبد الصمد بن المعذّل (١) :
أقولُ وجنحُ الدجى مُلْبَدُ ... ولليلِ في كلِّ فجٍّ يدُ
ونحنُ ضجيعانِ في مجسدٍ ... فلله ما ضُمِّنَ المجسد
أيا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلةُ الهجرِ لا تنفد
ويا غدُ إن كنتَ لي راحماً ... فلا تدنُ من ليلتي يا غد ٤١ - قال العسكري (٢) : وأجود ما قيل في طول الليل من الشعر القديم، قول امرئ القيس:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَهُ ... عليَّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقلتُ له لما تمطَّى بِصُلْبِهِ ... وأردفَ أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليلٍ كأن نجومه ... بكل مُغارٍ الفتل شُدَّْت بيذبل
كأن الثريا عُلِّقَتْ في مصامها ... بأمراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جندل قال العسكري: هذا من فصيح الكلام وأبدعه (٣) . شبَّه الليل بالبحر، وترادف ظلماته بالموج، واستعار له سدولاً وهي الستور، واحدها سِدْل، لما يحول منه بين البصر وبين إدراك المبصرات؛ وقوله: " وما الإصباح منك بأمثل " معناه أن صبحك إذا كان فيك فليس فيك راحة، كأنه يريد به طلوع الفجر المتقدم بين يدي ضوء النهار، وقيل معناه: إن ليله كنهاره في البث، وانه لا يجد في النهار راحة كما لا يجدها في الليل، فجعل الليل والنهار سواء فيما يكابده من الوجد والحب.
٤٢ - قال الشيخ المصنف: كنت وقفت لشاعر بعد امرىء القيس على هذا المعنى وفيه زيادة مطبوعة وذهبت عني فنظمت في معناه:
لا أظلمُ الليلَ الطويلَ وأشتكي ... منه وما لي في الصباح رجاءُ
стр. 59
مَنْ كان يطمع في الصباح براحةٍ ... ويسرهُ إنْ لاح منه ضياء
فجوايَ متّصلُ الظلامِ بضوئِهِ ... الليلُ عندي والنهارُ سواء وهذا هو معنى بيت امرئ القيس؛ ثم ذكرت البيت الذي كنت أحفطه وهو للطرماح (١) :
ألا أيها الليل الطويلُ ألا اصبحِ ... ببمٍّ وما الإصباح منك بأروحِ
ولكنَّ للعينين في الصبحِ راحةً ... بطرحِهِما لَحْظَيْهِما كلَّ مَطْرَحِ بمً: اسم مدينة كرمان - بباء موحدة تحتها - ويروى:
أليلتنا في بمّ كَرْمَانَ أصبحي ... بخيرٍ وما الإِصباحُ منكِ بأروحِ وهذا معنى امرئ القيس، واستدرك فقال: " على أن للعينين في الصبح راحة " فجاء بما لا يُشَكُّ فيه، إلا أن لفطه لا يقع من لفظ امرئ القيس موقعاً، والتكلف في قوله " بطرحهما طرفيهما كلَّ مطرح " بيّن، والكراهة فيه ظاهرة؛ ونحوه قول ابن الدمينة (٢) :
أقضّي نهاري بالحديثِ وبالمنى ... ويجمعني والهمَّ بالليلِ جامعُ ٤٣ - وأنشد العسكري لنفسه (٣) :
وأزدادُ في جنحِ الظلامِ صبابةً ... ولا صَعْبَ إلاّ وهو بالليل أَصعبُ ٤٤ - إسحاق الموصلي في معنى النابغة (٤) :
إنّ في الصبحِ راحةً لمحبٍّ ... ومع الليلِ ناشئاتُ الهمومِ هذا مأخوذٌ من ناشئة الليل.
стр. 60
٤٥ - وتمنى بعض المُثْقَلِينَ بالدّين دوام الليل فقال (١) :
ألا ليَت النهارَ يعودُ ليلاً ... فإنّ الصبحَ يأتي بالهمومِ
دواعٍ لا نطيقُ لها قضاءً ... ولاردّاً وروعاتُ الغريم قوله: " ولا ردّاً " من التتميم الحسن.
٤٦ - وقول امرئ القيس: " فيا لك من ليل كأنّ نجومه " إلى آخر الأبيات قالوا: إن البيت الأخير فضل لا معنى له ولا فائدة فيه، لأن الثريا في جملة النجوم، وقد اكتفى بذكرها في البيت الأول " فيا لك من ليلٍ كأنّ نجومه " ولم أجدّ لأحد من علماء البديع من وجَّه وجهاً لامرئ القيس في ذلك؛ قال الشيخ: والوجه عندي أن من عادة العرب إذا ذكرت جملة أن تستثني أشرفها منها وتفرد بالذكر عنها لتدل على شرفه وفضله، ومثله في القران العزيز (فيهما فاكهةٌ ونَخْلٌ وَرُمّان) والنخلُ والرمانُ من جملة الفاكهة، فلما ذكر امرؤ القيس النجوم اسثنى الثريا وأفردها ليدل على شرفها وفضلها.
٤٧ - القاضي التنوخي (٢) :
وليلةٍ كأنها يومُ أَمَلْ ... ظلامها كالدَّهْرِ ما فيه خَلَلْ
كأنما الإصباحُ فيها باطلٌ ... أزهقه الله بحقٍّ فبطل
ساعاتها أَطولُ من يوم النوى ... وليلةِ الهجر وساعاتِ العذل
مُوصَدَةٌ على الورى أبوابُهَا ... كالنارِ لا يخرجُ منها مَنْ دَخَل وهذا مستملح، وإن لم يكن مختاراً من التشبيه، لأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بالمحسوس في التشبيه به خفاء.
٤٨ - ابن المعتز (٣) :
كأن نجومَ الليلِ في حجراتها ... دراهمُ زَيْفٍ لم تُحَرَّرْ على النقد
стр. 61
يريد أن نجومه واقفة ليست تسير كأنها دراهم زيف ليست بنقد فتُصْرَف.
٤٩ - ولبعض المحدثين (١) :
عهدي بنا ورداءُ الليلِ منسدلٌ ... والليلُ أَطوله كاللمحِ بالبصرِ
فالآن ليليَ مذ بانوا فَدَيْتُهُمُ ... ليلُ الضريرِ فصبحي غيرُ منتظر قال: وهذا أبلغ من قول امرئ القيس، إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه، والمعنى أن ليله ممدود لا انقضاء له كليلة الضرير، والدهر كله عند الضرير ليل.
٥٠ - ولآخر في معنى قول امرئ القيس (٢) :
يا ليل ليتك سرمداً أبداً ... ما في الصباحِ لعاشقٍ فَرَجُ ٥١ - وأجود ما قيل في وصف الليل (٣) :
وليلِ يقول الناسُ من ظلماته ... سواءٌ بصيراتُ العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتاً حصينةً ... مُسوحٌ أعاليها وساجٌ كسورها هذا أبدع تشبيه في الليل فإنه شبه أعلاه بِمِسْحِ شَعْرٍ لتكاثف ظلمته وأسفلهُ بساجٍ، وهو الطيلسان الأخضر، لما بشوب ما بين يدي الناظر فيه من يسير الضياء. وكسور البيت: أسافله المرخاة منه.
٥٢ - ولآخر (٤) :
وليلٍ ذى غياطلَ (٥) مُرْجَحِنّ ... رميتُ بنجمه عَرَضَ الأُفولِ
يردّ الطرفَ (٦) حندسُهُ كليلاً ... ويملأ هَوْلُهُ صدْرَ الدليل
стр. 62
٥٣ - آخر (١) :
وليلٍ فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ ... بدا لك من خَصاصةِ طيلسان وصف الليل بشدّة السواد، وكأنّ النجوم تظهر من خروق طيلسان، وشبّه سواد الليل بالطيلسان لخضرته، وشدة الخضرة راجعة إلى السواد، ومنه قوله تعالى (مُدْهَامتانِ) من شدة الخضرة من الريّ؛ والمدهام: الأسود. ومنه سمّي سواد العراق سواداً لنخله وجنانه وكثرة مائه، وذلك أن الماء الكثير البعيد القعر يظهر أسود، ولذلك شبّه امرؤ القيس الليل بالبحر، ويقال لليل إذا اسود أخضر؛ قال الراجز يخاطب ناقته:
وعارضي الليلَ إذا ما اخضرّا ... ٥٤ - وقال الشَّماخُ (٢) :
وليلٍ كلونِ الساجِ أسودَ مظلمٍ ... قليلِ الوغى داجٍ ولونِ الأَرَنْدَجِ أي قليل الأصوات، والأرندج: الجلود السود التي يقال لها بالفارسية رنده، وجمع الساج سيجان.
٥٥ - ومما يحكى من الاستشهاد على أن الساج الطيلسان أن أبا دلامة كان شاعراً خفيف الروح مقبولاً عند خلفاء بنى العباس، وكان ماجناً منهمكاً على الخمر، فحظر عليه الخليفة شُرْبَها، وأمر الشرطيّ متى وجده سكران أن يخرّق طيلسانه ويُحْبَسَ في بيت الدجاج، فأُخِذَ سكران فحبس، فلما أصبح كتب إلى الرشيد (٣) :
أميرَ المؤمنين فَدَتكَ نفسي ... علامَ حبستني وخرفتَ ساجي
أُقادُ إلى السجونِ بغير ذنب ... كأني بعضُ عُمّالِ الخراج
ولو معهم حُبِسْتُ لهانَ ذاكم ... ولكني حبستُ مع الدجاج
دجاجات يُطيفُ بهنَّ ديك ... تناجى بالصياحِ إذا يناجي فضحك منه الرشيد وأطلقه.
стр. 63
٥٦ - وفي شعر ذي الرمة " الرويزي ":
وليلٍ كأثناءِ الرويزيّ جُبْتُهُ ... بأربعةٍ والشخصُ في العينِ واحدُ قال: الرويزيّ الطيلسان، وهي الأكسية الخُضر الرويزية، قال المصنف وكذلك أُثبتَ في " كتاب الأنواء " لأبي حنيفة الدينوريّ.
٥٧ - لغز في السنة:
أربعةٌ وهي ثُلْثُ واحدةٍ ... كثيرةُ العدِّ وهي ثنتان
دائمةُ السير لا يدان لها ... تقطع أرضاً ولا جناحان أراد بالأربعة الفصول، وهي ثلث واحدة: أراد أن الأربعة ثُلث السنة، وكثيرة العدّ أراد الأيام، وهي ثنتان أي أنها في الغالب شتاء وصيف، كما قال (رحلةَ الشتاءِ والصَّيْفِ) والبيت الثاني ظاهر لأنها تسير وتتصرَّم وليس لها عضوٌ تتحرك به.
٥٨ - أبو القاسم الزاهي (١) :
الريحُ تعصفُ والأغصانُ تعتنقُ ... والمزنُ باكيةٌ والزهرُ مُغْتَبقُ
كأنما الليلُ جَفْنٌ والبروقُ له ... عينٌ من الشمسِ تبدو ثم تَنْطَبِقُ ٥٩ - العلوي (٢) :
وربَّ ليلٍ باتت عساكرُهُ ... تحملُ في الجوِّ منه رايات
في كلِّ أفقٍ من السماءِ له ... كمينُ جَيْشٍ من الدجنَّات
تردّ عنه العيونَ خاسئة ... مرتبكاتٍ ذواتِ حيرات ٦٠ - ومن المبالغة في وصف الليل قول عبد العزيز بن خلوف الجروي (٣) من أفريقية:
стр. 64
ومن دونها طَوْدٌ من السُّمْرِ شامخٌ ... إلى النجمِ أو بحرٌ من البيضِ مُتْأَقُ
وأسودُ لا تبدو به النارُ حالكٌ ... وبيداءُ لا تجتازها الريحُ سَمْلَقُ قوله: " لا تبدو به النار " من أعجب المبالغة، مع اختصار لفظ وجزالة معنى.
وذكر ابن رشيق (١) في " أنموذج الشعراء بأفريقية " أن عبد العزيز بن خلوف أخذ هذا المعنى من محمد بن إبراهيم، وذكر له حكاية لطيفة قال: كان لمحمد بن إبراهيم هذا محبوب فماحكه فيه عبد أسود اسمه خلف، فقطعه عنه، فماحكه فيه عبد آخر اسمه فرج، فعمل أبياتاً مشهورة بالقيروان أولها:
أيّ الهموم عليه اليوم لم أعُجِ ... وأيّ بابٍ من الأَحزانِ لم ألِجِ
تأملوا ما دهاني تبصروا قِصصاً ... ظلامُهَا ليس يُمْشى فيه بالسُّرُجِ هذا موضع الاستشهاد.
ما نالني الخُلْفُ إلا وهو من خَلَفٍ ... وعاقني الضيقُ إلا وهو من فَرَج
حتى لقد صار كافورُ المشيب هوىً ... أشهى لنفسيَ من مِسْكِ الصّبا الأَرِجِ ٦٢ - النابغة الذبياني في طول الليل (٢) :
كليني لهمٍّ يا أُميمةَ ناصبِ ... وليلٍ أُقاسيه بطيءِ الكواكبِ
تقاعسَ حتى قلتُ ليس بمنجلٍ ... وليس الذي يرعى النجومَ بآيبِ الذي يرعى النجوم: الصبح، استعار له اسم الراعي لكونه يأتي معقباً وراء النجوم.
٦٣ - شاعر:
ألا هل على الليلِ الطويلِ معينُ ... إذا نزحتْ دارٌ وحنَّ حزينُ
أُكابدُ هذا الليلَ حتى كأنما ... على نجمه أنْ لا يَغُورَ يَمينُ ٦٤ - آخر (٣) :
стр. 65
ما لنجومِ الليل لا تغربُ ... كأنها من خلفها تُجْذَبُ
رواكدٌ ما غاب في غربها ... ولا بدا مِنْ شرقها كوكب ٦٥ - آخر (١) :
كأن بهيمَ الليلِ أعمى مقيَّدٌ ... تحيَّرَ في تيهٍ من الأرضِ مَجْهَلِ
كأنَّ الظلامَ حين أرخى سُدُولَهُ ... يبيتُ على ليلٍ بليلٍ مُوَصَّل ٦٦ - ابن الرقاع (٢) :
وكأنّ ليلي حينَ تغربُ شمسُهُ ... بسوادِ آخرَ مثلِهِ مَوْصُولُ
أَرعى النجومَ إذا تغيَّبَ كوكبٌ ... أَبصرتُ آخرَ كالسرّاجِ يجول ٦٧ - أصرم بن حميد (٣) :
وليلٍ طويلِ الجانبين قطعتُهُ ... على كَمَدٍ والدمعُ تجري سواكبُهْ
كواكبه حَسْرى عليه كأنما ... مقيَّدةٌ دون المسير كواكبه ٦٨ - وذكر عمر بن شَبَّةَ أن الأصل في ذكر الليل الطويل بيت الحارث بن خالد وهو (٤) :
تعالوا أَعينوني على الليلِ إنه ... على كلِّ عينٍ لا تنامُ طويلُ ثم تبعه الناس.
٦٩ - بشار بن برد (٥) :
خليلي ما بالُ الدُّجَى ليس يَبْرحُ ... وما لِعَمودِ الصبح لا يتوضَّحُ
стр. 66
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَهُ ... أَمِ الدهرُ ليلٌ كلُّهُ ليس يبرح
لطالَ عليّ الليلُ حتى كأنني ... بليلين موصولين لا يتزحزح
أَظنُّ الدجى طالتْ وما طالتِ الدجى ... ولكنْ أَطالَ الليلَ همّ مبرح ٧٠ - وله (١) :
كأن جفونَهُ سُمِلَتْ بشوكٍ ... فليس لنومه فيها قَرارُ
جَفَتْ عيني عن التغميضِ حتّى ... كأنَّ جفونَها عنها قصار
أقولُ وليلتي تزدادُ طولاً ... أما لليلِ بعدهمُ نهار ٧١ - شاعر:
صباحي ما لضوئك لا ينيرُ ... وليلي ما لنجمك لا يغورُ؟!
أَقُيِّدَ كلُّ نجمٍ كان يجري ... أمِ الظلماءُ حائرةً تدور ٧٢ - أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي (٢) :
يا ليل هلا انجليتَ عن فَلَقِ ... طُلْتَ ولا صَبْرَ لي على الأَرَقِ
جَفَتْ لحاظي التغميضَ فيك فما ... تُطْبِقُ أَجفانَها على الحَدق
كأنها صورةٌ مُمَثَّلَةٌ ... ناظِرُهَا الدهرَ غيرُ منطبق ٧٣ - التنوخي (٣) :
وليلةِ مشتاقٍ كأنَّ نجومها ... قد اغتصبت عيني الكرى فهي نُوَّمُ
كأن عيونَ الساهرين لطولها ... إذا شَخَصَتْ للأنْجمِ الزُّهْرِ أَنجم ٧٤ - جحظة البرمكي (٤) :
وليلٍ في كواكبه حرانٌ ... فليس لطولِ مُدَّتها انتهاءُ
стр. 67
عدمتُ تبلّجَ الاصباحِ فيه ... كأن الصبحَ جودٌ أو وفاء ٧٥ - جعفر بن محمد (١) :
ربَّ ليلٍ كالبحرهَوْلاً وكالده ... ر امتداداً وكالمداد سوادا
خُضْتُهُ والنجومُ يوقدن حتى ... أطفأ الفجرُ ذلك الإِيقادا ٧٦ - سعيد بن حميد (٢) :
يا ليلُ بل يا أَبَدُ ... أنائمٌ عنكَ غَدُ
يا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أَو تجد
قصَّر من طولك أو ... ضُوعف منكَ الجلد ٧٧ - العباس بن الأحنف (٣) :
أيها الراقدون حولي أَعينو ... ني على الليل حسبةً وانتصارا
خبّروني عن النهارِ حديثاً ... وصفوه فقد نسيتُ النهارا ٧٨ - وله (٤) :
رقدتَ ولم ترثِ للساهر ... وليلُ المحبِّ بلا آخر
ولم تدرِ بعد ذهابِ الرقا ... دِ ما فعل الدمعُ بالناظر ٧٩ - علي بن الخليل (٥) :
стр. 68
لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تزول
ليلي كما شاءت قصيرٌ إذا ... جادت وان صَدتْ فليلي طويل أخذه ابن بسام فقال (١) :
لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعي ... أن نجومَ الليلِ ليست تغورْ
ليلي كما شاءت فإن لم تَجُدْ ... طال وان جادتْ فَلَيْلي قصير ٨٠ - وذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال (٢) :
يقولون طال الليلُ والليلُ لم يَطُلْ ... ولكنَّ من يهوى من الوجد يسهرُ ٨١ - شاعر (٣) :
أخو الهوى يستطيل الليلَ من سهره ... والليلُ من طوله جارٍ على قَدَرِهْ
ليلُ الهوى سنَةٌ في (٤) الهجر مُدَّتُهُ ... لكنه سِنَةٌ في الوصلِ مِنْ قِصَرِهْ ٨٢ - الوليد بن يزيد (٥) :
لا أسألُ الله تغييراً لما صَنَعَتْ ... سُعْدَى وانْ أسهرتْ عينيَّ عيناها
فالليل أطولُ شيءٍ حين أفقدها ... والليل أقصرُ شيءٍ حين ألقاها ٨٣ - شاعر:
ليلٌ طويلٌ كمثلِ أحْرُفِهِ ... أوَّلُهُ في الهجاء آخِرُهُ ٨٤ - وذكر آخر سروره بالسهر فقال (٦) :
يا نسيمَ الروضِ في السَّحَرِ ... وشبيهَ الشمسِ والقمر
إنَّ من أسْهرتَ ناظرَهُ ... لَقَريرُ العينِ بالسهر
стр. 69
٨٥ - ومما يطرب قول محمد بن عبد الملك الزيات (١) :
كتبتْ على فصٍّ لخاتمها ... مَنْ مَلَّ من أَحبابِهِ رقدا
فكتبتُ في فصي ليبلُغَها ... مَنْ نامَ لم يشعرْ بمن سَهِدا
قالتْ يعارضني بخاتَمِهِ ... والله لا كَلَّمْتُهُ أبدا ٨٦ - إبراهيم بن خفاجة (٢) :
يا ليلَ وجدي بنجدٍ ... أمَا لطيفك مَسْرَى
وما لدمعي طليقٌ ... وأنجمُ الجو (٣) أسرى
وقد طما بحرُ ليلٍ ... لم يُعْقِبِ المدَّ جزرا
لا يعبرُ الطرفُ فيه ... غيرَ المجرةِ جِسْرا ٨٧ - ابن الرومي:
يحولُ الحولُ في الوصلِ ... ويبقى ليَ تذكارُهْ
ويومُ الهجرِ والبينِ ... كيومٍ كان مِقْدارُهْ ٨٨ - مؤيد الدولة الطغرائي (٤) :
ليلي وليلَى نومي اختلافُهُما ... حتى لقد صَيّراني في الهوى مثلا
يجودُ بالطولِ ليلي كلّما بَخَلتْ ... بالوصل ليلى وان جادتْ به بخلا ٨٩ - علي بن أبى غالب من أفريقية (٥) :
كأنَّ نجومَ الليلِ بُدِّلَ سيرها ... فصارتْ إلى نحوِ المشارقِ تقصدُ ٩٠ - الخفاجي الحلبي (٦) :
стр. 70
من كان يحمد ليلاً في تقاصره ... فان ليليَ لا يُدْرى له سَحَرُ
لا تسألوني، إلاّ عن أوائِلهِ ... فآخر الليلِ ما عندي له خبر ٩١ - العسكري (١) :
بانوا فلم أَدْرِ ما أُلاقي ... مَسٌّ من الوجد أم جنونُ
ليليَ لا يبتغي بَرَاحاً ... كأنه أدهَمٌ حَرون
أُجيلُ في صفحتيه عيناً ... ما يتلاقى لها جفون ٩٢ - الاسفرايني (٢) :
ألا هاتها ورديةً عنبيةً ... فقد شَوَّشَتْ ريحُ الصبا طُرَّةَ الوردِ
ولحت هلالُ الفطر نِضواً كأنه ... بدوُّ غِرارِ السيفِ من أسفلِ الغمد ٩٣ - العسكري (٣) :
قصر العيشُ بأكناف الغضا ... وكذا العيشُ إذا طاب قصير
في ليالٍ كأباهيم القطا ... لست تدري كيف تأتي فتطير ٩٤ - ابن المعتز (٤) :
يا ليلةً كاد من تقاصرها ... يعثُر فيها العشاءُ بالسَّحَرِ ٩٥ - إبراهيم بن العباس الصولي (٥) :
وليلةٍ من الليالي الزُّهْرِ ... قابلتُ فيها بدرها ببدري
لم يكُ غير شفقٍ وفجر ... حتى تقضَّتْ وهي بكر الدهر
стр. 71
٩٦ - شاعر (١) :
ياربَّ ليلِ سرورٍ خلتُهُ قِصَراً ... كعارضِ البرق في جنح الدجى برقا
قد كاد يعثُر أولاهُ بآخرِهِ ... وكاد يسبقُ منه فجره الشفقا
كأنما طَرَفاه طَرْفٌ اتفق ال ... جفنان منه على الإطراقِ وافترقا ٩٧ - جعفر المصحفي (٢) :
سألتُ نجومَ الليل هل ينقضي الدجى ... فخطَّتْ جواباً بالثريّا كخطّ لا
وكنت أرى بآخر ليلتي ... فأطرق حتى خلته عاد أوّلا ٩٨ - كشاجم (٣) :
وليلةٍ فيها قِصَرْ ... عشاؤها مع السَّحَرْ
صافيةٍ من الكدرْ ... في مثلها التذَّ السهر
تمحو إساءات القدَرْ ... وتترك الدهرَ أَغرّ ٩٩ - علي بن أحمد الجوهري (٤) :
يا ليل أفدي اختك البارحه ... ما كان أذكى ريحها الفائحة
كانت لنا خاتمةً لو درت ... وجدي بها كانت هي الفاتحة ١٠٠ - أبو بكر الخوارزمي (٥) :
وكم ليلة لا أُعْلِمُ الدهر طولها ... مخافة أن يقتصَّ مني لها الدهر
سهاد ولكن دونه كل رقدة ... وليل ولكن دون اشراقه الفجر
وسكري هوى لو كان يحكيه لذةً ... من الخمر سكرٌ لم يكن حرم الخمر ١٠١ - ابن طباطبا وهو أبلغ ما قيل:
стр. 72
وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعةِ اقتربتْ ... حتى تقضَّتْ ولم نشعر بها قصرا
لا يستطيع بليغ وَصْفَ سرعتها ... كانت ولم تعتلق وهما ولا نظرا ١٠٢ - شاعر (١) :
وليل لم يقصّره رقادٌ ... وقصَّره منادمةُ الحبيبِ
نعيمُ الحبِّ أورقَ فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب
ومجلسُ لذةٍ لم نلوِ فيه ... على شكوى ولا عدد الذنوب
بخلنا أن نقطّعه بلفظٍ ... فترجمتِ العيونُ عن القلوب ١٠٣ - أمية ابن أبي الصلت (٢) :
يا ليلةً لم تبنْ من القصر ... كأنها قبلةٌ على حَذَرِ
لم تك إلا كلا ولا ومضتْ ... تدفعُ في صدرها يدُ السحر ١٠٤ - شاعر:
يا ليلتي أحسنتِ مقبلةً ... وأسأتِ عند تبلج الفجرِ
أقصرتِ حين وفى بزورِتهِ ... هلاّ قصرتِ لياليَ الهجر ١٠٥ - شاعر:
يا ليلُ يا ليلُ إلى أين ... ارْبع على ذَيْنِ المحبينِ
ناشدتك الله تقفْ ساعة ... فالصبحُ منا موعدُ المحبين البين ٠٦ ١ - آخر:
إذا نادى المنادي كاد يبكي ... حذارَ الصُّبْح لو نفعَ الحذارُ
وودَّ الليلَ زيد إليه ليلٌ ... ولم يُخلَقْ له أبداً نهار ١٠٧ - أبو الحسن الأنصاري:
وليلةٍ غائبة النحوس ... كثيرة الأَقمار والشموسِ
قصيرة كالنظر المخلوس ... تَمَّتْ فكانت منيةَ النفوس
стр. 73
١٠٨ - البهازهير الكاتب (١) :
وليلة كأنها يومٌ أغَرّ ... ظلامها آنس (٢) من ضوءِ القمرْ
كأنها في مقلة الدهر حَوَرْ ... ما قصرت لو سلمتْ من القصر
حين (٣) أتت مَرَّتْ كلمحٍ بالبصر ... ليس لها بين النهارين أثر
تطابَقَ العشاء فيها والسحر ... ألذّ من طيب الكرى فيها السهر ١٠٩ - ابن سناء الملك (٤) :
ياساقيَ الراح بل ياسائقَ الفرح ... ويا نديميَ بل ياكلَّ مقترحي
لا تخشَ من قصر ليلٍ في تواصلنا (٥) ... أما تراني شربتُ الصبحَ في قدحي ١١٠ - ابراهيم الغزي (٦) :
وليلٍ رجونا أن يدبَّ عذارُهُ ... فما دبَّ حتى صار بالفجر (٧) ذائبا ١١١ - الشريف الموسوى:
وليلةٍ سال بها صُبْحُها ... والصبحُ في المشرقِ كالسَّيْلِ
حتى توهمنا بأنَّ الدجى ... طيفٌ يحيّينا بلا ليل ١١٢ - القاضي الفاضل (٨) :
بتنا على حالٍ تسرُّ الهوى ... وربما لا يمكنُ الشرحُ
بوّابُنا الليلُ وقلنا له ... إن غبتَ عنَّا دخل الصبح ١١٣ - الخفاجي الحلبي (٩) :
إن كان ليلي طويلاً بعد بينكمُ ... فقد نعمت بكم والليلُ كالسَّحَرِ
стр. 74
لا أظلمُ الليل، ليلي في فراقكم ... بليلِ وصلكمُ، فالطول كالقصر (١) ١١٤ - ابن المعتز (٢) :
يا ليلةً نسي الزمانُ بها ... أحداثَهُ كوني بلا فجر
باح الظلامُ ببدرها ووشت ... فيها الصبا بمواقع القطر
ثم انقضتْ والقلبُ يتبعها ... في حيثما سقطتْ من الدهر ١١٥ - شاعر في طيب الأيام:
يا ربَّ يوم لي كظل ... ك أو كظنك لو يقاربْ
رقَّتْ حواشيه وغضَّ ... تْ عينُ واشيهِ المراقب
قَصُرَتْ لنا أطرافُهُ ... قِصَرَ القناع عن الترائب
وتبرَّجَتْ لذاته ... للخاطبين وللخواطب ١١٦ - شاعر:
يومٌ كأن نسيمه من عنبرِ ... وتخالُ أنَّ أَديمَهُ من جوهر
لو باعتِ الأيام آخرَ مثله ... بالعمر أَجمعَ كنتُ أوّلَ مشتري ١١٧ - ابن رشيق (٣) :
أيّها الليل طُلْ بغير جناحِ ... ليس للعين راحةٌ في الصباح
كيف لا أُبغِضُ الصباحَ وفيه ... غاب عنّي أولو الوجوهِ الصِّباح ١١٨ - يحيى بن أحمد التيفاشي عم المصنف:
أتتني وقلبُ البرقِ يخفقُ غَيْرةً ... عليها وعينُ النجم تنظرها شَزْرا
وقد هجعتْ عينُ الوشاة وأَسْبَلَتْ ... علينا الدياجي من حنادسها سترا
فبتنا إلى وجه الصّباح كأننا ... قضيبان لا صدّاً نخافُ ولا هجرا
فيا ليلةً قد قَصَّرَ الوصلُ طيبها ... تُعَدّ إذا أحصى الفتى دَهْرَهُ عمرا
стр. 75
١١٩ - العلوي الاصبهاني في قصر الليل واليوم (١) :
ويوم دجن ذي ضمير متهم ... مثل سرور شابه عارض غم
أو كمضي الرأي يقفوه الندم ... يبرزه في زى ذى حمد وذم
عبوس ذي البأس وبشر ذي الكرم ... كقبح لا خالطه حسن نعم
صحوٌ وغيمٌ وضياء وظلمْ ... كأنه مستعبرٌ قد ابتسم
مازلتُ فيه عاكفاً على صنم ... مهفهفِ الكشح لذيذِ الملتثم
تفاحُهُ وقفٌ على لثمٍ وشم ... وبانُهُ وَقْفٌ على هَصْرٍ وَضَمّ
يا طيبَهُ يوماً تولَّى وانصرم ... وجودُهُ من قِصَرٍ مثلُ العدم ١٢٠ - قال الأصمعي (٢) : قرأت على خَلَف الأحمر شعراً لجرير، فلما بلغت إلى قوله:
ويومٍ كإبهامٍ القطاة محبَّبٍ ... إليَّ هواه غالب لي باطلُهْ
فيا لك يوماً خيرُهُ قبلَ شرِّهِ ... تغيَّبَ واشيه وأقصرَ عاذله قال: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟! فقلت: كذا قرأته على أبي عمرو، قال: صدقت، كذا قال جرير، وكان قليل التنقيح مشرَّد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له ان كان قال: " فيا لك يوماً خيره دون شره "، فاروه هكذا فقد كانت الرواة تصلح من أشعار القدماء، فقلت: لا أرويه بعدها إلا هكذا.
١٢١ - ابن طباطبا (٣) :
بأبي من نعمتُ منه بيومٍ ... لم يكن للسرور فيه نُمُوُّ
يومُ لهوٍ قد التقى طرفاه ... فكأن العشيَّ فيه غدو ١٢٢ - علي بن جبلة العكوك (٤) :