تجلت المعركة عن قتل صاحب برجان، وقتل شراحيل بن عبيدة رحمه الله تعالى. وكان عبيدة قد أراد أن يوغل في أرض العدو بعد هزيمتهم، لكن صرفه عن ذلك رسول مسلمة الذي استعجله بالقدوم بعد أن فتح الله عليه١ وتؤكد أغلب المصادر الإسلامية على فتح المسلمين لمدينة الصقالبة ٢، مما يدل على أن نصرهم كان حاسماً في معاركهم مع برجان.
وتشير الروايات بعد ذلك إلى لطف الله تعالى بالمسلمين حيث صرف عنهم كيد عدوهم عندما أضرموا النار في الحشيش اليابس الذي ينزل عليه المسلمون، فأطفأها الله عنهم ٣.
كما تشير إلى أسماء بعض المجاهدين الذين خرجوا ابتغاء الحصول على الشهادة فرزقوا إياها، ورأوا بشائر صدقهم وإخلاصهم في نزلهم بالجنة وهم ما زالوا على قيد الحياة ٤.
تحقيق في روايات إرسال المدد:
ثم ماذا عن إرسال الإمدادات؟ هل أمدَّ سليمان بن عبد الملك الحملة بقوى جديدة بعد أن وصلت إلى القسطنطينية وحاصرتها، ثم بعد أن تطورت الأحداث فصارت الأمور تسير في غير صالح الجيش المحاصِر؟
من مطالعة الروايات في المصادر المختلفة نجد أن هناك اختلافاً من مصدر لآخر، بل حتى في المصدر الواحد نلاحظ تناقضاً في الروايات؛ فبينما تثبت
стр. 37
روايات كل من اليعقوبي١وابن كثير٢ إرسال المدد، تجد روايات لدى كل من الطبري ٣ وابن عساكر ٤ وابن الأثير٥ تنفي ذلك، في الوقت الذي تجد فيه روايات أخرى لديهم أنفسهم تثبته٦.
وبعد فحصٍ وتدقيق فيما وقفت عليه من روايات في هذا الشأن، ترجح لديَّ ثبوت إرسال سليمان بن عبد الملك الأمداد إلى أخيه مسلمة في أعقاب وقعة برجان ومصاب المسلمين، عندما بعث إليه بخبرها، ومستندي في ذلك وجود رواية مصدرها شاهدا عيان هما الليث الفارسي وأبو سعيد المعيطي، جاءت روايتهما صريحة في هذا الصدد ٧.
ثم إن سليمان كان مرابطاً في دابق شمالي الشام لمتابعة أخبار الحملة عن قرب، وللإمداد وقت الحاجة، لكن يبدو أنه لم يستطع في آخر المدة بعد أن اشتدت الأزمة على المسلمين أن يمدهم لحلول فصل الشتاء ببرده وثلوجه ٨، ومداهمة أجله إياه رحمه الله تعالى، وإلا فقد عقد العزم على أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح القسطنطينية، باذلاً في سبيل ذلك ما بذل، أو يموت، فمات هنالك ٩.
وبهذا يزول التناقض الذي قد يظهر في روايات المؤرخين المشار إليها.
стр. 38
فك الحصار عن المدينة وتحرير مدته:
بعد أن تظافرت أسباب كثيرة حالت دون الاستمرار في حصار مدينة القسطنطينية، وتوفي الخليفة سليمان بن عبد الملك في شهر صفر سنة ٩٩?، فخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، الذي رأى أن من مصلحة الجيش المحاصِر رفعَ الحصار عن المدينة، والعودةَ إلى ديار الإسلام، خوفاً عليهم من غائلة الروم وبلادهم، وبما أصابهم من الضراء وضيق العيش ١، ولهذا فقد أرسل عمر في مستهل خلافته بعثاً عليهم عمرو بن قيس السكوني ٢ إلى مسلمة بن عبد الملك في أربعة آلاف رجل ٣، معهم الطعام والشراب والكسوة والدواب ٤، والخيل العتاق ٥، وزيت الزيتون لعلاج الجرب ٦، لإغاثة الناس وإمدادهم بما يحتاجون، وكان قد استحث الناس على معونتهم ٧، كما أرسل رسولاً بكتاب إلى مسلمة يأمره بالعودة٨ فرأى مسلمة بعد مراجعة مع الخليفة أنه لا بد من فك خناق المدينة، ورفع الحصار عنها.
هذا وأحب أن أنبه هنا إلى أن بعض المراجع العربية الحديثة قد بالغت
стр. 39
كثيراً في الحديث عن هزيمة المسلمين عند القسطنطينية وعن تحطم القوى الإسلامية أمام أسوارها بشكل ملفت للنظر، وحتى الإمدادات البحرية والبرية كان مصيرها الدمار والهلاك على أيدي القوات البيزنطية المظفرة؛ وذلك اعتماداً على المراجع الغربية التي بالغت في هذا الجانب، وصورت الإمبراطور اليون بصورة بطولة خارقة ١، ولم ألاحظ في المصادر العربية القديمة أو المصادر التي تنقل عن شهود العيان صدى واضحاً لتلك الانتصارات أو الهزائم، فهي إذاً تنقل وجهة نظر طرف واحد، وهو منهج غير دقيق.
بل الذي يفهم مما روى ابن عساكر عن شاهد عيان كان مشاركاً في الحصار أن مسلمة لما قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز الذي يأمره فيه بالعودة لم يستجب على الفور وإنما أعاد الرسول بكتاب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يخبره فيه بما بلغ من جهد المحاصَرين وما أشرف على المسلمين من الفرج بقرب موسم حصاد ما زرعوا حول المدينة، ويشير عليه بتركهم حتى يحكم الله تعالى بينهم ٢، وورد في رواية أخرى أن مسلمة دافع رسول عمر وقال: أقم علي أياماً، فإني قد أشرفت على فتحها ٣، فالمشكلة التي كان يعاني منها المسلمون بالدرجة الأولى مشكلة قلة الأقوات في شتاء قارس البرودة، ولو كان هناك هزائم متتالية وتحطم أساطيل لتحدث عنها شهود العيان، فقد ذكروا أشياء أقل من ذلك أهمية.
ورأينا في روايات ابن عساكر كيف تمكنت قوات المسلمين التي يحتمل
стр. 40
جداً أنها كانت مدداً ١ من هزيمة البرجان بعد خدعتهم ومباغتتهم للمسلمين على غرة، وهي روايات موثقة بأسانيد ليست على غرار الروايات الغربية التي لا تعرف هذا النمط من التوثيق
وبعد أن تم رجوع الجيش الإسلامي بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عبد الأعلى بن أبي عمرة لفداء أسراء القسطنطينية، ففاداهم الرجل من المسلمين برجلين من الروم ٢.
هذا وقد اختلفت روايات المؤرخين في تحديد مدة الحصار؛ ما بين سنة ٣، وعشرين شهراً٤، وثلاثين شهراً ٥، وذكرت بعض الروايات أنهم أقاموا عليها سنين ٦.
وقبل تحرير مدة الحصار أحب أن أقف عند بعض التواريخ التي وردت لدى بعض الأساتذة من المؤرخين المحدثين فقد ذكروا أن مسلمة بن عبد الملك وصل إلى القسطنطينية وعسكر عند أسوارها في ١٥ أغسطس سنة ٧١٧ م٧، وهو يوافق الثاني من شهر محرم سنة ٩٩ هـ تقريباً ٨، وهذا التاريخ في نظري
стр. 41
موضع شك؛ لأن وفاة سليمان بن عبد الملك كانت لعشر ليال خلون من شهر صفر سنة ٩٩?١، فيكون بين وصول مسلمة ووفاة سليمان شهر واحد وأيام، بينما استغرقت مدة الحصار على أقل تقدير - كما رأينا - سنة كاملة كان أكثرها في زمن سليمان.
كما ذكروا أيضاً أن القوات الإسلامية رفعت الحصار عن المدينة في ١٥ أغسطس من سنة ٧١٨ م٢، ويوافق في التاريخ الهجري ١٣ محرم سنة ١٠٠? تقريباً ٣، ومعنى هذا أن عمر بن عبد العزيز لم يأمر الجيش بالقفول إلا بعد مضي حوالي سنة من بدء حكمه، لأنه تولى في اليوم الذي توفي فيه سليمان وهو العاشر من شهر صفر سنة ٩٩? ٤، وهذا يخالف ما نصت عليه معظم المصادر من أنه أمر بالعودة سنة ٩٩?٥، ويخالف ما عرف عن عمر من حرص على حياة المسلمين وراحتهم، فلا يمكن أن يُجَمِّرَهم هذا الوقت كله بعد ولايته مع علمه بسوء حالهم.
ولتحرير مدة الحصار أقول ـ بعد استقراء وتأمل للروايات ـ: يُرجّح أن انطلاق الحملة من الشام إلى بلاد الروم كان في سنة ٩٧?٦، فقضت أغلب
стр. 42
شتاء ذلك العام في الضواحي، كما سلف، ثم كان الوصول إلى القسطنطينية، وضرب الحصار عليها في أواخر تلك السنة١، ودخلت سنة ٩٨? والحصار قائم، وبذلك توحي إشارات بعض المؤرخين ٢، وهجم شتاء تلك السنة، وكان ذا برد شديد ٣، ثم ابتدأت أزمة المسلمين الغذائية بعد أن نفد ما لديهم من أقوات، ولم يستطع سليمان أن يمدهم بشيء من المؤن لكثرة البرد والثلوج، إلى أن توفي، فخلفه عمر بن عبد العزيز في العاشر من شهر صفر سنة ٩٩? الذي أمر بعودة الجيوش فورَ توليه٤، لكن قد يكون تنفيذ هذا الأمر استغرق وقتاً ـ بسبب مراجعة مسلمة له في استمرار الحصار ـ فيما بين ذهاب الرسول إلى القسطنطينية، ثم رجوعه منها إلى الشام، ثم عودته إليها مرة أخرى ٥، ويؤكد هذا قول المسعودي: “فقفل (أي مسلمة) بعد كره شديد وخطب طويل”٦.
وبذلك فإنه يرجح أن مدة الحصار كانت أكثر من سنة؛ حيث كان
стр. 43
بدؤه في أواخر سنة ٩٧?، واستمر إلى أن مضت عدة أشهر من سنة ٩٩?، وقد تصل هذه المدة إلى حدود عشرين شهراً ـ حسب رواية الذهبي السابقة ـ لكنها لاتصل بحال إلى ثلاثين شهراً؛ لأنه لو افترضنا أن فك الحصار كان بعد تولي عمر بثلاثة أشهر على أكثر تقدير، فسيكون بدؤه قبيل منتصف سنة ٩٦?، وهذا قبل وفاة الوليد، وهو مخالف لما عليه كافة المؤرخين من أن انطلاق الحملة وحصار القسطنطينية كان في زمن سليمان بن عبد الملك.
ويعزز هذا الترجيح عبارة وردت لدى ياقوت الحموي ذكر فيها: أن سليمان شتى بدابق شتاءاً بعد شتاء ١، فهي تفيد أنه مرّ شتاءان بعد خروج الحملة شتاء سنة ٩٧ والشتاء الذي يليه، ويعزز ذلك أيضاً ما روي من أن مسلمة أقام على حصار الروم شتاءاً وصيفاً وزرع بأرضهم، وهجم عليه الشتاء الآخر، وكان ذا برد شديد ٢.
وكانت تعوز ابن العبري الدقة عندما أرخ انطلاق الحملة في سنة ٩٨?، ثم أرخ رجوعها بتولي عمر بن عبد العزيز أي في سنة ٩٩?، ثم ذكر أن مدة الحصار ثلاثين شهراً!! ٣.
مناقشة رواية دخول المسلمين القسطنطينية وبناء المسجد:
ونقف هنا عند مسألة وردت موجزة عند بعض المؤرخين وهي مصالحة المسلمين أهل القسطنطينية على دخولها، وبناء مسجد فيها ٤. لكن جاءت
стр. 44
رواية ابن أعثم عن دخول مسلمة المدينة مفصلة؛ فذكرت أن اليون طلب من مسلمة المصالحة على أن يؤدي إليه في كل سنة (ألف ألف درهم، وألف ألف أوقية من ذهب، وخمسة آلاف من البقر والغنم، وألف رمكة١، بفحولها، سوى ما يتبع ذلك..) وأن مسلمة رفض هذا العرض، وحلف يميناً مغلظة أن لا يرحل عن المدينة إلا بعد أن يدخلها، أو يقيم عليها، فوافق اليون على ذلك، شريطة أن يكون وحده لا ثاني معه، وله الأمان حتى يخرج، على أن يقف قائده البطال بالجموع على باب المدينة الذي يظل مفتوحاً فإن كان ثم غدر اقتحم المدينة، فقاتل المقاتلة وسبى النساء والذرية، وأخذ الأموال. وتمضي الرواية في ذكر تنفيذ الاتفاق، ودخول مسلمة المدينة بتكبير وشموخ؛ وأنه دخل كنيستهم راكباً، واقتلع صليبهم الأعظم، المصنوع من الذهب والجوهر، فاحتمله معه، واليون يتشفع إليه في تركه، فيأبى، حتى إذا توسط المدينة رفعه منكساً على رمحه وهم ينظرون إليه بتحسر وألم، حتى خرج من المدينة وقت العصر. ثم بعث إليه اليون ما صالحه عليه. وآذن مسلمة جيشه بالرحيل بعد أن خطبهم وذكر لهم وفاة أبيه وأخيه الوليد واستدعاء أخيه سليمان إياه، فبكى الناس، وعرضوا عليه البيعة، فرفض ٢.
عند التمعن في محتوى هذه الرواية يتبين ما يلي:
أولاً: لم تشر رواية ابن أعثم هذه مع تفصيلها في مسألة الدخول إلى بناء المسجد داخل المدينة إطلاقاً، وإنما ذكرت وجود مسجد خارجها، فيما أسمته بمدينة القهر التي بناها مسلمة بإزاء مدينة القسطنطينية، وأن مسلمة لما أزمع على الرحيل هدد اليون إن تعرض لهذا المسجد ٣.
стр. 45
ثانياً: تدور علامات التساؤل والشك حول كثير مما ورد في رواية الدخول هذه التي ساقها ابن أعثم، ومن ذلك:
- ورد في مقدار المصالحة (ألف ألف درهم) والدرهم عملة فارس أعداء البيزنطيين، التي لا يتعاملون بها وإنما يتعاملون بالدنانير.
- ما ورد في مقدار المصالحة يخالف ما هو ثابت في رواية شهود العيان من أنهم لما رغبوا فيها ـ أي المصالحة ـ قبلوا أن يدفعوا عن كل إنسان في القسطنطينية ديناراً ديناراً.
- عندما رفض البيزنطيون الجزية التي عرضها عليهم المسلمون رفضوها أنفة وكبرياء؛ قالوا: “والصغار والجزية ما لا تطيب به أنفسنا أبداً “١، وهذه الرواية تخالف ذلك تماماً، وتفيض بذكر ما صاروا إليه من الذل والصغار والقبول والتنفيذ لكل ما طلب منهم.
- ثم إن مسلمة لم يكن في موقف المنتصر على أهل القسطنطينية حتى يفرض شروطه عليهم ويذلهم بتلك الطريقة المهينة بالنسبة لهم.
ولذلك فإن مسألة دخول مسلمة إلى المدينة مستبعدة وكذلك بناء المسجد داخلها، وإن كان هناك مسجد مبني فهو خارج أسوارها، حيث كان يقيم مسلمة وجنده، عندما بنوا بيوت الخشب أول قدومهم، وظلوا فيها أثناء الحصار، ومن المتوقع بل المفترض أن يكون لهم مسجد جامع يؤدون فيه الجمع والجماعات والأعياد، ومن المحتمل أيضاً بقاء هذا البناء بعد رحيل المسلمين، ولا سيما أن بعض العلماء صرحوا بأنه باق إلى زمانهم ٢.
ومن الغرائب التي وردت عند ابن أعثم: أن مسلمة عندما أراد فك
стр. 46
الحصار أخبر الناس بوفاة أبيه عبد الملك وأخيه الوليد!! ـ وكأن الناس لم يعلموا بذلك، ولا مضى على وفاتيهما زمن طويل ـ مع أن معظم المصادر تكاد تجمع على أن خروج جيش مسلمة الذي نحن بصدده كان في عهد سليمان. وورد عنده أن سليمان بن عبد الملك هو الذي استدعى أخاه مسلمة وكتب إليه يأمره بالانصراف إلى ما قبله، ليوجهه إلى خراسان حيث يزيد بن المهلب ١.
والروايات الصحيحة تثبت غير ذلك؛ لأن سليمان توفي والحصار ما زال قائماً، والذي أمر الجيش بالقفول هو عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. وأمرٌ آخر وهو أن خلاف يزيد بن المهلب على الأمويين لم يكن في عهد سليمان، وإنما كان في عهد يزيد بن عبد الملك، وفي العراق وليس في خراسان.
ومن غرائب بن أعثم أن مسلمة كان يقاتل أهل القسطنطينية في معارك برية مكشوفة خارج أسوار المدينة، ثم يدخلها أهلها والمسلمون يَقتلون ويَسلبون ٢.
وهذا غير ثابت في المصادر التي تنقل عن شهود العيان، ولا كان أهل القسطنطينية يجرؤون عليه، فيعرضون أنفسهم ومدينتهم للخطر، لمعرفتهم الدقيقة بالمسلمين وجرأتهم، وإنما كانوا يقاتلون خلف الأسوار.
الأسباب التي حالت دون فتح القسطنطينية:
لم يدخر المسلمون وسعاً في الإعداد لهذا الفتح والتخطيط له ـ كما لاحظنا ـ وضربوا على أهل المدينة حصاراً أضناهم، وأبدوا من ضروب البسالة والفداء والتحمل والصبر ما أذهل العدو وأرهقه، وجعله يتوسل إليهم طالباً المصالحة وقبول الفداء عن كل رأس من أهل القسطنطينية حتى يرحلوا عنهم. ولما لم يكن هدف المسلمين من جهادهم جمع الأموال واكتنازها فإنهم رفضوا
стр. 47
ذلك، وخيروا أهل القسطنطينية بالإسلام أو دفع الجزية مع الصغار أو القتال، وحيث لم يقبلوا بالخيارين الأولين، كان لابد من الثالث، لكن المسلمين لم يتمكنوا من مناجزتهم؛ بسبب احتمائهم خلف أسوار المدينة، ولذا ظلوا مرابطين عندها رجاء فتحها، حتى تجمعت أسباب كثيرة اضطرتهم إلى إنهاء الحصار في ذلك الحين، ورجاء أن تسنح فرصة أخرى يتحقق فيها ما لم يتحقق هذه المرة.
وقبل أن نقف عند أهم الأسباب والعوامل التي حالت دون إتمام فتح المسلمين للمدينة، نود أن نطرح السؤال التالي: ما مدى حقيقة غدر اليون بمسلمة وسرقة ما لدى المسلمين من طعام؟!
تكاد تتفق معظم المصادر العربية على ذكر خديعة اليون مرة أخرى للمسلمين؛ حيث سرق طعامهم الذي جمعوه وادّخروه لوقت الحاجة؛ فأدخله القسطنطينية، وبيان ذلك: أن اليون لما اتفق مع أهل القسطنطينية على تمليكه، بعد أن أذن له مسلمة في الدخول إليهم، للتفاوض معهم، لما ضاقت بهم الحيلة، خرج إلى مسلمة، وقال: قد أجابوني لفتح المدينة، إلا أنهم اشترطوا أن تتنحى عنهم وتبتعد قليلاً في بعض الوجوه أو الرساتيق، حتى يطمئنوا ويصدقوا بأن أمري وأمرك واحد، وأنهم في أمان من السباء والخروج من بلادهم، فقال مسلمة: أخشى أن هذا غدر منك، فحلف له اليون أن يدفع كل ما في القسطنطينية من ذهب وفضة وديباج ومال وآنية وسبي وجوهر وسلاح ووشي وما يدخره الملوك، فارتحل مسلمة وتنحى، فأمر اليون الرجال المستعدين بسفنهم، فنقلوا طعام المسلمين وعلوفاتهم، فأدخلوها المدينة، وشحنوا بها الخزائن الإمبراطورية، وأخذوا ما أمكنهم من أمتعة الجيش، وبلغ الخبر مسلمة، فتحقق غدر اليون، فأقبل راجعاً، وأدرك شيئاً من الطعام، ثم أصبح اليون محارباً ١.
стр. 48
هذه الخدعة التي حيكت ونقلتها المصادر العربية باطلة من وجهة نظري؛ فهي مبنية على احتمال أن اليون كان مصاحباً لمسلمة حتى وصل القسطنطينية، ثم دخل المدينة واتفقوا على تنصيبه امبراطوراً، وحتى يثبت ولاءه لهم قام بهذه الخدعة، وهي سرقة طعام المسلمين وعلوفاتهم، وقد سبق أن رجحنا رواية ابن عساكر التي تنقل عن شاهد عيان تحدث أن اليون كان ينظم قواته داخل أسوار القسطنطينية وقت وصول المسلمين إليها، وتبين لمسلمة ومن معه حينئذ موقف اليون الغادر فأصابتهم كآبة وهم عظيم، لما رأوا من مخادعته وخيانته، فهل يا ترى يسوغ والحال ما ذكر أن يخرج إليهم ويقابل مسلمة ويخدعه مرة أخرى؟!! هذا أمر، وأمر آخر؛ حتى على افتراض أن ما ذكرته تلك المصادر كان صحيحاً، وهو أن اليون ما دخل القسطنطينية إلا بعد وصول مسلمة، فهل ما ذُكر من تبرير من أجل أن يتنحى المسلمون في بعض الرساتيق، حتى يطمئن أهل القسطنطينية (بأن أمري وأمرك واحد) يعتبر تبريراً معقولاً يمكن أن يصدقه مسلمة ورجاله، أم هو كلام بارد لا يمكن أن يجوز على أقل الناس عقلاً!!، وأمر ثالث وهو أن المصادر البيزنطية لم تشر إلى حادثة سرقة الطعام، أو إحراقه من قريب أو بعيد، ولم تذكر ذلك مطلقاً ١، ولو أن شيئاً من هذا القبيل حدث لهللت له وأبرزته وأضافته إلى مواهب اليون التي وقفت عندها كثيراً.
وكذا الرواية الأخرى التي مفادها أن اليون أشار على مسلمة بحرق ما معه من الطعام حتى يتحقق أهل القسطنطينية العزم منه على حربهم ومناجزتهم، فيعطوا بأيديهم، فأحرقه ٢، فهي رواية متهافتة يراد بها الحط من قدر مسلمة؛
стр. 49
يتضح ذلك من وصفه بأنه قد خدع خديعة لو كان امرأة لعيب بها١، فهل يُصدقُ أن يعمد قائد جيش بنفسه إلى إحراق طعامه وطعام جنده وهو في مواجهة عدوه؟! هذا ما لايمكن أن يصدقه عاقل، وهي فرية مكشوفة ظاهرة للعيان، تذكرنا بقصة طارق بن زياد وإحراق السفن المنسوبة إليه زوراً وبهتاناً.
ومثل هذه الرواية في البطلان الرواية الأخرى التي ساقها الطبري أيضاً عن علي بن محمد المدائني ـ وكلتا الروايتين عنه ـ والتي ذكرت أن اليون كتب إلى مسلمة يسأله أن يدخل من الطعام ما يعيش به القوم، ويصدقونه بأن أمره وأمر مسلمة واحد٢!! والسؤال الذي يبرز نفسه؛ ما قيمة الحصار المضروب على المدينة إذاً، إذا كان يتصور أن مسلمة سيعطيهم من الطعام ما يعيشون به؟!
إن تلك الروايات في نظري يفهم منها أمر مهم وهو تحميل مسلمة بن عبد الملك مسؤولية عدم نجاح هذه الحملة بتحقيق هدفها الرئيس، وما أصاب المسلمين أثناء الحصار من بعض المحن، حتى قال عنه صاحب العيون والحدائق: إنه عاجز، لا رأي له في الحرب، ولا في أصحابه من له رأي يرجع إليه ٣، وقال في موضع آخر كلاماً نابياً عنه ٤، وقالوا عنه بعد فقد الطعام: إنه قد خدع خديعة لو كان امرأة لعيبت بها ٥.
стр. 50
وفي رأيي أن هذا القول عن مسلمة غير دقيق، وقد يكون فيه شيء من التحامل عليه؛ فهو وإن كان لا يعفى من المسؤولية، إلا أنه لا يتحمل نتيجة كل ما حدث، فهو قَدَر نافذ بمسلمة أو بدونه؛ حيث لم يحن بعد زمن الفتح، ومسلمة لم يكن متفرداً بالرأي دون سواه، فقد رأينا مثالاً على مشاورته لأصحابه، لكنه كان يفضل رأي الأغلبية، وإصراره على عدم قبول الفداء من أهل القسطنطينية لمّا عرضوه عليه، كان تنفيذاً لأمر أخيه سليمان الذي وصاه بأن يقيم عليها، حتى يفتحها أو يأتيه أمره، ومن قرأ عن مآثره الحربية وانتصاراته المتوالية على جيوش الروم في أراضيهم، وفي بلاد الخزر استيقن أنه لم يكن وراءها إنسان سهل القياد، عاجز الرأي. نقل ابن عبد ربه عن الأصمعي: “لم يكن لعبد الملك ابنٌ أسدَّ رأياً ولا أذكى عقلاً ولا أشجع قلباً ولا أسمح نفساً ولا أسخى كفاً من مسلمة”١. وقال الجاحظ: “وكان مسلمة شجاعاً خطيباً بارع اللسان جواداً، ولم يكن في ولد عبد الملك مثله ومثل هشام بعده”٢، وقال ابن كثير: بعد أن ذكر انتصاراته في حروبه ونكايته في عدوه من الروم وغيرهم: “كانت لمسلمة مواقف مشهورة ومساعي مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصوناً وقلاعاً، وأحيا بعزمه قصوراً وبقاعاً، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه في كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، هذا مع الكرم والفصاحة”٣، فهل مَنْ هذه صفاته يخدع بسهولة مرات عديدة، ويكون الإخفاق بسببه وحده؟!، ومع ذلك كله فهو بشر يصيب ويخطئ، والمعصوم من
стр. 51
عصم الله وحده ١.
ونعود الآن إلى النظر في الأسباب الحقيقية التي حالت دون فتح القسطنطينية وأدت إلى رفع الحصار عنها:
- يأتي في مقدمة ذلك حلول برد قارس شديد البرودة ذي أمطار وثلوج في شتاء سنة ٩٨?، ومع أن المسلمين استعدوا لهذا الشتاء ببناء بيوت من خشب فشتوا فيها إلا أن قسوة البرد وكثرة الثلوج والأمطار قد أضرت بهم كثيراً، قال صاحب العيون والحدائق: “وسليمان بن عبد الملك مقيم بدابق لا يقدر أن يمدهم بشيء من الأزواد لكثرة البرد والثلوج “ ٢، وروي أن الثلج غطى وجه الأرض نحواً من مائة يوم فاشتد الضيق على المسلمين ٣، وذكر أحد المؤرخين الغربيين أن المسلمين لقوا شدة في ذلك العام عندما كان نزول الجليد لا ينقطع لمدة اثني عشر أسبوعاً ٤، ولا شك أن ذلك أثر على المسلمين تأثيراً شديداً؛ فتوقف نشاطهم وانكمشوا في انتظار حلول الربيع، لأنهم لم يتعودوا عليه، بينما كان ذلك مألوفاً لدى البيزنطيين؛ فاستفادوا منه بإعادة تنظيم دفاعات مدينتهم، ونقلوا المؤن إلى الداخل، وأرسلوا سفارتهم إلى البلغار ٥. وقد مات بسبب ذلك وبسبب الجوع خلق كثير من المسلمين ٦، ونفقت كثير من خيولهم وبغالهم وجمالهم ٧.
стр. 52
- ثم كان من الأسباب الرئيسة في فك الحصار حدوث أزمة نفاد أقوات المسلمين، ومع أن المسلمين قد جمعوا أول ما وصلوا إلى القسطنطينية ما استطاعوا جمعه من الطعام والعلف وادخروه لوقت الحاجة إلا أن ذلك نفد ولم يقم بحاجتهم طوال فصل الشتاء الذي صاحبته الأمطار والثلوج والبرد الشديد كما ذكر، ولاسيما أن عدد الجيش كان كبيراً ومعهم دوابهم التي تحتاج إلى أعلاف ومؤونة في أرض كساها الجليد، ولذلك انتشرت المجاعة والأمراض بين المسلمين، قال عمر بن هبيرة - قائد الأسطول: “بلغنا من حصارهم ما بلغنا، وكان بنا من الأزل والمرض نحواً مما بهم أو أشد” ١، وقال أحد المشاركين في الحملة وهو محمد بن زياد الألهاني: “هلكنا من الجوع ومات الناس” ٢، وروى أحد الجنود قال: “كنت فيمن حاصر القسطنطينية، فبلغنا من حصارهم وبلغ منّا الجوع نحواً مما سمعتم” ٣، وتحدث شاهد عيان هو أبو سعيد المعيطي عن حال المسلمين إذ ذاك؛ فذكر أن مسلمة تفقد الجيش وسأل عن طعامهم، فأخبر أن الناس في شدة وضيق، وأنهم يتقوتون الخزيرة ٤، فحثهم على الصبر. قال أبو سعيد: “وقد جهد عامة الناس، وإنما يأكل الخزيرة منهم أهل القوة، وبقيتهم فيما لا يصفه واصف من أكل توافق الدواب وأشباه ذلك، حتى لقد ذكر أن قوماً أكلوا ميتاً لهم”٥، وتحدث شاهد عيان آخر وهو زيد بن واقد عن ما
стр. 53
أصابه من الجوع والجهد فذكر أنه هم بنزع جلدة الفسطاط التي تكون في أعلى عمود الخيمة، ليطبخها ويلوكها ويتقوى بها، لكنه سمع تكبير الناس فرحاً بالقفول، فذهب عنه الجوع١. وورد أنهم أكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر والعروق والورق وكل شئ غير التراب ٢. وأنه عظم البلاء عليهم لذهاب أقواتهم٣، وأن الناس في معسكرهم أكلوا الميتة والعذرة من الجوع ٤، وأنهم جاعوا جوعاً عظيماً ٥.
ومن الأخطاء التي وردت عند بعض المؤرخين قولهم عند الحديث عن هذه المجاعة التي أصابت المسلمين: أنهم أكلوا الميتة والعذرة من الجوع في الوقت الذي كان في وسط المعسكر كومة من حنطة مثل الجبل العالي يغيظون بها الروم!! ٦ ولاشك أن هذا غير صحيح؛ لأنهم لا يمكن أن يغيظوا الروم بقتل أنفسهم.
وعلى أي حال فلا شك أن تلك المجاعة كانت مما زاد من سوء أحوالهم، وتعرضهم للإصابة ببعض الأمراض ٧، وكانت سبباً في هلاك بعضهم، وهلاك دوابهم ٨، وأخيراً كانت من الأسباب التي أدت إلى رحيلهم عن القسطنطينية ٩.
стр. 54
- وقد ضاعف من أزمة نفاد أقوات المسلمين وحلول المجاعة بهم بعدُ خطوط اتصال الجيش الإسلامي بقيادته، للحصول على ما يحتاج إليه من التموين، ومع أن المسلمين هداهم تفكيرهم إلى زراعة الأرض، فأكلوا مما زرعوا، ومما وقع في أيديهم من غنائم من العدو١، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لسد حاجاتهم.
- أحدثت النار الإغريقية التي استخدمها البيزنطيون، والرياح الشديدة والعواصف، والتيارات المائية العاتية أضراراً بسفن الأسطول الإسلامي، ودمرت عدداً من قطعه ٢، وكانت النار الإغريقية بالذات سبباً فاعلاً من الأسباب الرئيسة التي حدت من فاعلية الأسطول الإسلامي وقدرته ٣.
-مناعة القسطنطينية بموقعها الجغرافي المتميز، وأسوارها العالية، وتحصيناتها القوية، ودفاعاتها المحكمة، وكثرة جيوشها.
- عدم إحكام حصار المدينة من جميع جهاتها؛ فقد ظلت ناحيتها الشمالية المطلة على القرن الذهبي والمتصلة بالبحر الأسود مفتوحة، وذلك بسبب أن التيارات المائية القوية حالت دون وصول المسلمين إليها، ولذا أصبحت تحصل على بعض إمداداتها من حقول القمح الواقعة على شواطئ هذا البحر الشمالية ٤.
- مهاجمة برجان (البلغار) الذين استجاشهم اليون المسلمين من الجانب الأوربي ٥، وعلى الرغم من الهزيمة القاسية التي ألحقها المسلمون بهم آخر الأمر
стр. 55
إلا أنه لم ينقطع نشاطهم العدائي عن المسلمين١.
- ويضيف ابن العبري أن الإفرنج كانوا يغيرون على المسلمين في السفن ٢، ومعنى هذا أنه وصلت قوات إفرنجية مساندة للقسطنطينية وقت حصارها، وحاربت المسلمين بحراً.
- وكان الروم يحاربون المسلمين من داخل أسوار المدينة بالمنجنيقات وأدوات الدفاع المتيسرة لديهم ٣.
- وقد أعطى طول أمد الحصار امبراطور الروم فرصة للتحالف مع بعض القوى المعادية للمسلمين؛ كما فعل مع خان الخزر، ليزيد به قوة جيشه ٤.
- وتشير بعض المراجع إلى وجود عناصر نصرانية ضمن بحارة سفن المسلمين، حدث منها تواطؤ في بعض الأحيان مع بني دينهم ٥.
- وفاة الخليفة سليمان بن عبد الملك المفاجئة ـ وهو المتحمس للفتح ـ حالت دون استمرار الحصار، وبعث الإمدادات والأقوات إلى الجيش.
أهم نتائج الحملة والدروس المستفادة منها:
- عادت هذه الحملة الموجهة لفتح القسطنطينية أدراجها، ولم تحقق الهدف الأكبر الذي كانت تطمح إلى تحقيقه، وهو فتح المدينة ونشر الإسلام فيها، وبعد أن كانت الدولة الأموية قد أخفقت في محاولتين سابقتين ـ كما سلف ـ،
стр. 56
لكن ذلك لم يفت في عضد المسلمين، أو يسرب اليأس إلى نفوسهم، أو يوهن من عزائمهم تجاه الدولة البيزنطية الرابضة على حدودهم الشمالية؛ فقد استمر الضغط على أطرافها طوال العهود التالية، من خلال بعثات الصوائف والشواتي التي اضطلعت بالقيام بهذه المهمة بنجاح ١. وظل هاجس الفتح حياً في نفوس المسلمين إلى أن تحقق لهم بفضل الله تعالى في سنة ٨٥٧هـ على يد السلطان العثماني محمد الفاتح رحمه الله تعالى.
- أثبت المسلمون كفاءتهم الحربية وقدراتهم القتالية وروحهم الجهادية العالية أمام هذا العدو البعيد الدار، وذلك من خلال المناوشات التي حدثت أثناء الحصار، كما برهنوا على مقدرتهم على تحمل الصعاب والمشكلات والظروف مهما كانت قاسية وعسيرة وشاقة.
- ولا شك أن إخفاق المسلمين في الفتح رفع من معنويات الطرف الآخر، وتجددت آماله في القدرة على المواجهة والتحرش بالمسلمين؛ فمن ذلك تجرؤهم في الإغارة على ثغر اللاذقية في سواحل الشام سنة ١٠٠هـ ٢.
- ومن جانب آخر فبعدَ هذه الحملة غض البيزنطيون الطرف عن موقع آخر كانوا يحاولون استعادته من المسلمين، وهو شمالي أفريقية، وركزوا اهتمامهم على أن تكون عاصمتهم بعيدة المنال عن أيدي المسلمين ٣.
стр. 57
- حرم صمودُ القسطنطينية وتأبِّيها على الفتح الإسلامي الشعوبَ القاطنة شرقي أوربا، ولا سيما الوثنية منها كالآفار والسلاف والبلغار والروس من التعرف على نور الإسلام وحضارته، ويمكن لنا أن نتصور مدى التغيير الذي سيعتري الشطر الشرقي لأوربا لو تم ذلك الفتح ١.
- نودي باليون الإيسوري بعد هذه الحملة مخلِّصاً لأوربا النصرانية من المسلمين والعرب ٢، واعتبره بعضهم من أصحاب الوقائع الفاصلة في التاريخ ٣.
- وظلت الدولة البيزنطية تحتفظ بهيبتها أمام دول الغرب الأوربي فترة طويلة ٤.
- كان من إفرازاتها قتلى من الطرفين، وأسرى ٥.
- ومن أهم الدروس المستفادة منها أن الركون إلى أعداء الله تعالى وموادتهم والإصغاء إليهم، والتخلي عن الحذر عند التعامل معهم، سبب رئيس في القصور عن بلوغ الهدف، وعدم التمكين في الأرض، ووقوع الابتلاء، ألا ترى معي وأنت تقرأ هذه الآيات، وكأنها تشخص الموقف الذي نحن بصدده
стр. 58
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ ? [الممتحنة: ١]
- أن قوى الكفر مهما كان بينها من اختلاف وبغضاء وتناحر فإنها تجتمع على حرب الإسلام وأهله، جرياً وفق السنن الربانية التي تشير إلى الصراع الأزلي بين الحق والباطل بمختلف أشكاله وصوره.
стр. 59
الخاتمة:
تتلخص أهم نتائج البحث فيما يلي:
- اهتمام الأمويين بفتح القسطنطينية واتخاذها هدفاً حيوياً، أملاً في تحقق الوعد النبوي الصادق على أيديهم، وكسراً لشوكة الدولة البيزنطية المتربصة بهم.
- أن أدق مصدر من المصادر العربية عن أحداث هذه الحملة هو كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر، لاحتوائه على روايات عن شهود عيان مشاركين في الحملة نفسها، وروايات جديدة لم تستخدم في أي بحث سابق لهذا الموضوع، منها على سبيل المثال:
- رواية عن الدوريات التي تقوم بتأمين الحماية للجيش البري الإسلامي
- رواية تفيد تعرض الروم لبعض سفن المسلمين أثناء العبور إلى العدوة الأوربية وتصدي المسلمين لهم
- روايات تثبت أن قائد الأسطول الإسلامي هو عمر بن هبيرة الفزاري.
- رواية إرسال سفارة من مسلمة إلى اليون وهو في القسطنطينية لمناقشته في نقض عهده مع المسلمين، وفيها تصوير للحوار الذي دار هناك.
- رواية إرسال إمبراطور الروم وفداً إلى عمر بن هبيرة ليتوسط لدى القائد مسلمة لقبول فدية صلح.
- روايات عن استنجاد اليون بملك البلغار، وما جرى بين هؤلاء وبين المسلمين من حروب.
- روايات تصور معاناة المسلمين من الجوع بعد طول أمد الحصار.
- أكد البحث من خلال الروايات الموثقة على حدوث اللقاء بين مسلمة واليون، وحصول الاتفاق بينهما على المناصحة، خلافاً لما تذهب إليه
стр. 60
روايات الغربيين في هذا الصدد، كما أكد على نقض اليون لهذا الاتفاق وغدره بالمسلمين.
- ترجيح الرواية التي أفادت أن دخول اليون إلى القسطنطينية كان قبل وصول القوات الإسلامية إليها، حتى وإن كانت أكثر المصادر الإسلامية تخالفها، لأنها رواية إنسان حكى ما شاهد، وهي في الوقت نفسه تتفق مع الروايات البيزنطية.
- فند البحث الروايات التي ذكرت خدعة اليون فيما يتعلق بطعام المسلمين إما سرقة أو إحراقاً.
- التنبيه إلى انسياق بعض المراجع العربية الحديثة خلف المراجع الغربية في تهويل هزائم المسلمين وانتصارات البيزنطيين، اعتماداً على روايات طرف واحد في النزاع ـ وهو منهج خاطئ ـ بينت روايات شهود العيان المسلمين خلافه.
- الاستنتاج من خلال روايات قريبة من الحدث أن بدء الحصار كان في آخر سنة ٩٧ هـ، وأن انتهاءه كان بعد مضي أشهر من سنة ٩٩هـ، وبهذا تكون مدته أكثر من عام، خلافاً لما رددت بعض المصادر الغربية ومن نقل عنها.
- فند البحث روايات دخول مسلمة إلى القسطنطينية وبناء مسجد فيها.
- أثبت البحث أن القائد مسلمة بن عبد الملك لا يتحمل نتيجة إخفاق الحملة في تحقيق هدفها، بناء على نظر شمولي في صفات هذا القائد، وتأسيساً على العوامل الحقيقية لهذا الإخفاق.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على رسولنا المبعوث رحمة للعالمين.
стр. 61
ملحق رقم (١) :أسماء بعض المشاركين في الحملة الذين ورد ذكرهم في المصادر
- إبراهيم بن نشيط بن يوسف الوعلاني / تهذيب الكمال ٢/٢٢٩
- أصبغ بن الأشعث بن قيس الكندي / تاريخ دمشق ٩/١٦٧
- ابن بلال بن سعد بن تميم السكون/تاريخ دمشق ٦٨/٢١ مات في الغزوة
- جابر التميمي / تاريخ دمشق ١١/١٩٨
- أبو خراسان بن تميم الفارسي/ تاريخ دمشق٥٠/٣٣٧-٣٣٩
- خالد بن عمير الذكواني / تاريخ دمشق١٦/١٧٩ومعجم البلدان ٣/٤٣
- خالد بن معدان / تاريخ الطبري ٦/٥٣٠
- أبو زرعة اللخمي / تاريخ دمشق ٦٦/٢٤٦
- زيد بن واقد / تاريخ دمشق ١٩/٥٢٧
- أبو سعيد المعيطي / تاريخ دمشق ٦٦/٢٦٧ روى بعض الأحداث
- سليمان بن عبد الله الأشعري / تاريخ دمشق ٢٢/٣٣٥
- سليمان بن معاذ الأنطاكي / العيون والحدائق ص ٢٨
- شراحيل بن عبيدة العقيلي / تاريخ دمشق ٣٨/ ١٥٥، قاد مع أبيه المعركة ضد برجان وقتل فيها
- صدقة بن اليمان الهمداني / تاريخ دمشق ٢٤/٤٦
- الضحاك بن مزاحم الأسدي / تاريخ دمشق ٢٤/٣٦٨
- الضحاك بن يزيد السلمي / تاريخ دمشق ٢٤/٣٧٤، قتل في الغزوة
- عبد الرحمن بن صعصعة / تاريخ دمشق ٣٤/٤٣٥ و٣٥/٨
- عبد الله بن جرير البجلي / تاريخ دمشق ٢٧/٢٤٦
- عبد الله بن زكرياء الخزاعي / تاريخ الطبري ٦/٥٣٠
стр. 62
- عبد الله بن سعد بن أوس الهمداني/ تاريخ دمشق ٦٠/١٣٨
- عبد الله بن سعيد ين قيس الهمداني / تاريخ دمشق ٢٩/٦٥
- عبد الله بن مسلم الزهري / تاريخ دمشق ٣٣/١٩٥
- عبد الله بن الحسين، أبو يحيى البطال / تاريخ دمشق ٦٦/٢٤٦
- عمر بن هبيرة الفزاري / تاريخ دمشق ٥٧/١٣١و ٦٨/٢٣٠، القائد البحري
- عبيد الله بن عبد العزيز بن عدي الأكبر/ تاريخ دمشق٦٨/١١وجمهرة أنساب العرب ص ١١٦، قتل فيها
- عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب / تاريخ دمشق ٣٨/٣-٤
- عبيدة بن قيس العقيلي/ تاريخ دمشق ٣٨/١٥٥، قائد المعركة ضد برجان
- كثير بن ميسرة / تاريخ دمشق ٥٠/٦١
- أبو كرب العراقي / تاريخ دمشق ٦٧/١٥٨-١٥٩، قتل في المعارك مع برجان
- الليث بن تميم الفارسي/ تاريخ دمشق ٤٥/٣٧٤، روى كثيراً من أحداث الحملة
- مجاهد بن جبر/ تاريخ الطبري ٦/٥٣٠
- أبو محجن بن عبد الله اللخمي/ تاريخ دمشق٦٧/١٩٩وجمهرة أنساب العرب ص ٤٢٤، قتل فيها
- محمد بن خالد بن الوليد المخزومي/ تاريخ دمشق ٥٢/٣٨٧
- محمد بن زياد الألهاني/ سير أعلام النبلاء ٤/٥٠٢
- محمد بن عبد العزيز بن مروان / تاريخ دمشق٥٤/١٢٥والفتوح ٧/١٩١، قتل فيها
- محمد بن الضحاك بن قيس التميمي/ تاريخ دمشق ٥٣/٢٧٨
- محمد بن مسلمة بن عبد الملك / تاريخ دمشق ٥٥/٢٨٩
стр. 63
- محمود بن الربيع الأنصاري / تاريخ دمشق ٥٧/١١٠
- مسلمة بن عبد الملك بن مروان / تاريخ دمشق ٥٨/٢٧، القائد العام
- مسلمة بن حبيب الفهري / تاريخ دمشق ٥٨/٢١
- المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي/ جمهرة أنساب العرب ص ١٤٥
- الهيثم بن الأسود النخعي / تهذيب الكمال ٣٠/٣٦٣
- يحيى بن إياس الخزاعي / تاريخ دمشق ٦٤/٩٢
- يحيى بن أبي عمرو الشّيباني / تاريخ دمشق ٦٤/١٦٧وتهذيب الكمال ٣١/٤٨٢وتهذيب التهذيب ١١/٢٦٠
- يزيد بن مرة القبطي / تاريخ دمشق ٦٥/٣٨٠
стр. 64
ملحق رقم (٢) :خريطة مدينة القسطنطينية
стр. 65
ملحق رقم (٣) :المسار البري والمسار البحري للحملة
стр. 66
مصادر ومراجع
...
المصادر والمراجع
- ابن الأثير، علي بن أبي الكرم محمد الشيباني (٦٣٠ هـ)
الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، بيروت ١٣٨٧ هـ
- الإدريسي، محمد بن محمد بن عبد الله الحمودي الحسني (القرن السادس)
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة (د. ت)
- ابن أعثم، أحمد بن أعثم الكوفي، أبو محمد (٣١٤ هـ)
الفتوح، الدار السلفية، الطبعة الأولى، حيدر أباد ١٣٩٤ هـ.
- الأعظمي، عواد مجيد
الأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان، منشورات اتحاد المؤرخين العرب، بغداد ١٩٨٠ م
- الأنباري، عبد الرزاق على
تاريخ الدولة العربية، العصر الراشدي والأموي، مطبعة الإرشاد، بغداد ١٤٠٦ هـ
- أومان، ك.
الإمبراطورية البيزنطية، تعريب مصطفى طه بدر، دار الفكر العربي ١٩٥٣ م.
- بارتولد، و.
مادة (البلغار) في دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة محمد ثابت الفندي وزملائه، الطبعة الإيرانية (د. ت)
- باشا، محمد مختار
التوفيقات الإلهامية في مقارنة التواريخ الهجرية بالسنين الإفرنكية والقبطية، تحقيق: محمد عمارة الطبعة الأولى، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ١٤٠٠ هـ.