← История

История · id 10351

الحملة الأخيرة على القسطنطينية في العصر الأموي

سليمان السويكت

Полный текст (66 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم وصلى الله تعالى وسلم على المبعوث رحمة للعالمين؛ عربيهم وأعجميهم، أبيضهم وأسودهم، قاصيهم ودانيهم، لانتشالهم من حمأة الشرك ودرك الرذيلة والهوى إلى صفاء التوحيد ونقاء الفطرة وعبادة رب العباد تعالى وتقدس، أما بعد: ففي خِضَمِّ منظومة قوافل التوحيد التي انطلقت في جميع الاتجاهات تحمل رسالة الإسلام وتُبلِّغ دعوته استرعى الانتباه تلكم الحملات التي اتجهت نحو عاصمة الدولة البيزنطية؛ مدينة القسطنطينية Constantinople ولاسيما الحملة (الأخيرة) في العصر الأموي في عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك (٩٦-٩٩?/ ٧١٥-٧١٧م) التي بذلت فيها جهود، وسخرت لها إمكانات، وخرجت فيها قوى كبيرة، وخطط لها بعناية، فكانت بحق من أشد الحملات الإسلامية خطورة على القسطنطينية في عصر بني أمية، ومع ذلك فقد عجزت عن تحقيق هدفها المنشود. وهي من أكثر الحملات ذكراً في المصادر والروايات التاريخية؛ حتى إنها أفردت بتأليف مستقل ١، ولكن مع كثرة الروايات في المصادر التاريخية العربية عنها، فإنه يكتنفها شيء من الغموض والاضطراب وعدم الدقة، شأنها شأن بعض أحداث التاريخ الإسلامي التي تحتاج إلى إعادة نظر وتدقيق، وتوقُّفٍ عند بعض الروايات فيها لتحريرها وتمحيصها، فكان أن وفقني الله تعالى لجمع المعلومات والروايات المتعلقة بها، والنظر فيها ودراستها

стр. 2

وتحليلها، وتحرير المتشابه منها، أملاً في المساهمة ولو بجهد قليل في خدمة هذا التاريخ. ولاسيما أنني تمكنت بفضل من الله تعالى من الوقوف على روايات جديدة في تاريخ دمشق لابن عساكر عن شهود عيان مشاركين في هذه الحملة أفادتني كثيراً في تقويم الروايات، وكان هذا مما شجعني على المضي في هذا البحث، ومع أن الهدف هو دراسة الروايات العربية لكن الرجوع إلى بعض المراجع الغربية أحياناً كان ضرورة لدعم تحرير بعض الروايات أو للمقارنة، وليتحمل القارئ معي ثقل إدراج بعض النصوص من المصادر القديمة؛ إذ أن طبيعة دراسة الروايات وتحريرها يتطلب ذلك أحياناً. وقد مُهّد للبحث بموجز عن أهمية مدينة القسطنطينية، والمحاولات الأولى لفتحها من قبل الأمويين، ثم بدأ بتفصيل أحداث الحملة؛ استعداداتها، انطلاقها وخط سيرها، قصة ليو١ الثالث الأيسوري Leo III The Isaurian مع المسلمين ووصوله إلى العرش البيزنطي (٧١٧-٧٤١ م) ، ثم عَرَض صوراً من الروايات التي تصف أحداث الحصار والموقفَ الإسلامي والبيزنطي، ثم وضَّح كيف فُكَّ الحصار عن المدينة، ثم توقف مستقرئاً لأهم الأسباب التي أدت إلى عجز المسلمين عن فتح المدينة مرة أخرى، وكان اختتامه باستنباط وتأمل في أبرز النتائج والدروس والعبر التي تمخصت عنها هذه الحملة. والله تعالى المؤمَّل أن يعصم من الزلل ويغفر الخطأ، فهو المستعان وعليه التكلان، وصلى الله تعالى وسلم على المصطفى وآله.

стр. 3

تمهيد عن أهمية القسطنطينية، والمحاولات الأولى لفتحها: بدأت الحياة تدب نشيطة في هذه المدينة عندما اختارها الإمبراطور الروماني قسطنطين الكبير Consantine I (٣٠٦-٣٣٧ م) لتكون عاصمة لدولته سنة ٣٣٠ م، بعد تعميرها وبنائها في موقع قرية قديمة تعرف ببيزنطة. كان هذا المكان يتميز بموقع جغرافي فريد عند أقرب نقطة التقاء بين قارتي آسيا وأوربا في أرضية تلالية مرتفعة أشبه بالمثلث رأسه قبالة الشاطئ الآسيوي وضلعاه متساويان يمتد أحدهما شمالاً حيث القرن الذهبي١، والآخر جنوباً حيث بحر مرمرة، وقاعدته مفتوحة براً تجاه أوربا، ودُعِّم هذا الموقع المتميز بأسوار وتحصينات وأبراج أقيمت عليها عبر العصور، فصارت مدينة القسطنطينية من أمنع مدن العالم وأهمها، ومن ثم أصبحت مركز الثقل للإمبراطورية البيزنطية في جميع مناحي حياتها، ووقفت صامدة أمام محاولات الفتح الإسلامي لها عندما زحف الأمويون إليها وطرقوا أبوابها مرات عديدة٢. وقد كان اهتمام الأمويين بفتح القسطنطينية ظاهراً منذ أن توطد الملك لمعاوية بن أبي سفيان ﵁ (٤١-٦٠?/٦٦١-٦٨٠ م) ؛ إذ رأى أن الدولة البيزنطية عدو خطر اقتطع المسلمون من أملاكه بلاد الشام ومصر، لكن

стр. 4

ظلت عاصمته وأجزاء الإمبراطورية الأخرى سليمة، ولمس هذه الخطورة في فترة الخلاف التي حدثت بينه وبين علي بن أبي طالب ﵁ (٣٥-٤٠?/٦٥٦-٦٦٠ م) ، فرسم سياسة محكمة لمواجهة خطر هذه الدولة تقوم على إشغالها بحروب متواصلة على جبهة حدودها مع الدولة الإسلامية، مع انتهاز الفرص عندما تتاح لغزو القسطنطينية ذاتها، تحفزه هو وخلفاؤه الذين جاءوا من بعده والذين ساروا على منهجه في التصميم على الفتح تلكم الأحاديث النبوية الصريحة الرافعة من شأن الفاتحين والواعدة بالمغفرة والمنزلة الرفيعة لهم، منها: عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص، وهو في بناء له، ومعه أم حرام١، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا"٢، قالت أم حرام: قلت: يا رسول الله: أنا فيهم؟ قالت: "أنت فيهم"، ثم قال النبي ﷺ : "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم؟ قال: لا"٣.

стр. 5

وعن بشر الغنوي أنه سمع النبي ﷺ يقول: لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش١. وعن بشر بن عبد الله بن يسار قال: كان عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ يأخذ بأذني، ويقول: يا ابن أخي إن أدركت فتح القسطنطينية فلا تدع أن تأخذ بحظك منها٢. فكانت هذه الأحاديث مما رفع من قيمة فتح القسطنطينية في نظرهم وشجعهم على اتخاذها هدفاً حيوياً مهماً سعوا جادين إلى تحقيقه، وبذلوا في ذلك وسعهم وطاقاتهم رغبة في تحقق ذلك الوعد النبوي الصادق على أيديهم. هذا وقد وصلت الجيوش الإسلامية في زمن معاوية بن أبي سفيان ﵁ إلى القسطنطينية وحاصرتها مرتين؛ وذلك بعد أن استكملت كافة الاستعدادات التي تساعد على تحقيق الهدف من الغزو٣. كان الحصار الأول بين سنتي ٤٩-٥٠?٤ (٦٦٩-٦٧٠ م) وشارك فيه عدد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم٥، ويذكر شاهد عيان هو أبو عمران التجيبي أنهم صفوا أمام المدينة صفين طويلين ٦، والهدف من ذلك فيما

стр. 6

يظهر والله أعلم إرهاب العدو وبث الرعب والفزع في نفوسهم وإشعارهم أن مدينتهم واقعة تحت الحصار الفعلي، ويلاحظ على هذه الحملة أنها عادت دون أن تحقق هدفها وهو فتح القسطنطينية، لكنها نجحت في صرف همة البيزنطيين عن محارشة المسلمين والتركيز على الدفاع عن ما بحوزتهم من بلاد. وفاز هذا الجيش بفضيلة السبق لغزو هذه المدينة حيث الوعد النبوي بالمغفرة لأول جيش من المسلمين يغزو القسطنطينية١. أما الحصار الثاني فقد تم أثناء ما عرف بحرب السنوات السبع ٢ (٥٤-٦٠?/ ٦٧٣-٦٧٩م) حيث سارت قوة برية وبحرية نحو القسطنطينية ووصلت إليها دون مقاومة ٣، وكان المسلمون قد تمكنوا في هذه السنوات وما قبلها من فتح عدد من الجزر في بحر الروم (المتوسط) مثل قبرص Cyprus، ورودس Rhodes، وكوس Cos، وخيوس Chios، وفتحوا جزيرة أرواد Cyzicus في بحر مرمرة واتخذوها قاعدة بحرية لهم في هذه الحرب، كما فتحوا إزمير، وليكيا Lycia، وقيليقية Cilicia في آسيا الصغرى ٤، وتعرضت القسطنطينية للحصار في هذه السنوات مرات عديدة في فصول الصيف، لكن ذلك لم يؤد إلى نتائج حاسمة بسبب انقطاعه في فصول الشتاء وعدم إحكامه،

стр. 7

ونتيجة لهذا ولعوامل أخرى مثل موقع المدينة الجغرافي الحصين، وطبيعة التيارات المائية في سواحلها المحيطة بها، والنار الإغريقية وغيرها ١ رأى معاوية ﵁ ضرورة عودة هذه الجيوش ٢ فعادت ولم يتحقق هدفها. وكان آخر ما وصى به معاوية قبل موته: “أن شدوا خناق الروم فإنكم تضبطون بذلك غيرهم من الأمم”٣.

стр. 8

الحملة الأخيرة على القسطنطينية في العصر الأموي وبعد التعرف على بعض الجهود السابقة نبدأ الآن في عرض ما يتعلق بهذه المحاولة الجادة المخطط لها بعناية وإحكام، والتي بذلت فيها جهود، وسخرت فيها قوى وإمكانات، تدل على رغبة صادقة في الفتح من قبل المسلمين. الغزو المتواصل لمدن الروم وقلاعهم وإلهاب جبهة الحدود: لئن مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ فإن الهدف الذي سعى إلى تحقيقه وهو فتح القسطنطينية لم يمت في نفوس أخلافه، بل ظل أملاً حياً يراودهم متحينين الفرصة لإنجازه؛ فما أن استقرت الأمور لعبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦ ?/٦٨٥-٧٠٥ م) إذا به يوجه جهوده نحو مملكة الروم التي راق لها انشغال المسلمين عن غزوها برهة من الزمن، بسبب الفتنة حول المُلك في أعقاب وفاة يزيد ابن معاوية (٦٠-٦٤?/٦٨٠-٦٨٣م) ، فقامت بشن غارات على منطقة الثغور الشامية، مستغلة هذه الفرصة، وكان عبد الملك قد اضطر إلى عقد هدنة معها في أول حكمه إبان تثبيته الملك، لقاء مبلغ من المال يدفعه لها ١، لكن فور فراغه من ذلك دعا الناس للجهاد في سبيل الله تعالى، فوردوا عليه من جميع الآفاق، فخطب فيهم وحثهم على الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم وجههم بعد أن استكملوا استعداداتهم إلى بلاد الروم٢، وأمر عليهم ابنه مسلمة ٣.

стр. 9

إن الناظر فيما رواه ابن أعثم عن هذه الحملة التي أعدها عبد الملك بن مروان والمتتبع لسير حركتها ينتهي به النظر إلى أن هدفها كان القسطنطينية بالذات ١، لكن ذلك ليس ثابتاً ولا محرراً؛ فلم يرد في المصادر الأصلية التي اطلعت عليها والتي ينقل بعضها عن شهود عيان٢، ولا حتى في المراجع العربية الحديثة ٣ ما يدل على طَرْق الجيوش الإسلامية للقسطنطينية بعد وفاة معاوية ﵁ حتى عهد سليمان بن عبد الملك، وأما ما قد يفهم من رواية ابن عساكر ٤ عن عبد الله ابن سعيد الهمداني من توجيه عبد الملك ابنه مسلمة في تلك الغزاة نحو القسطنطينية فيعكر عليها ما ورد في الرواية نفسها من قوله: “أردت أن أغزيكم غزاة كريمة شريفة إلى صاحب الروم اليون..” فلم يكن من أباطرة الروم المعاصرين لعبد الملك من يحمل هذا الاسم، مما يدل على أن هناك خلطاً في الرواية وتداخلاً،

стр. 10

وقد ذكر ابن خياط أن مسلمة قاد في عهد أبيه حملة موفقة إلى بلاد الروم فتح فيها بعض الحصون ١ يرجح أن هذا الإعداد المذكور كان لها. وهذا لا ينفي أن عبد الملك كان مدركاً لأهمية القسطنطينية بدليل توجيهه نظر أبنائه إليها، وتمهيده هو الطريق نحوها عندما زحف بنفسه إلى إقليم قيليقية بأرض الروم، وواجه الإمبراطور البيزنطي جستنيان الثاني في فترة حكمه الأولى Justinian II (٦٨٥-٦٩٥ م) مع قواته عند مدينة سيواس Sebastopolis، وأنزل به هزيمة قاسية، مستفيداً من العناصر السلافية في جيش الإمبراطور الحاقدة عليه والتي استمالها عبد الملك فانضمت إلى صفه، واستفادت الجيوش الإسلامية من خبرتها بالمسالك والدروب، فتابع المسلمون إغاراتهم وانتصاراتهم على المدن والحصون ٢. إن غزو معاقل الروم على جبهة الحدود والتوغل في أراضيهم ومدنهم داخل العمق البيزنطي منذ أواخر عهد عبد الملك وطوال عهد الوليد كان هدفاً مدروساً يراد به تحقيق عدة أمور؛ منها: تدريب القوات الإسلامية على مواجهة الروم في حروبهم ومعرفة أساليبهم القتالية، وأدواتهم، ومعرفة المسالك والدروب والطرق في بلادهم، وإزالة القوى والعقبات الواقعة في طريق زحف الجيوش الإسلامية نحو هدفها الرئيس القسطنطينية، ولذلك يلاحظ أنه لم تخل سنة من سنوات حكم الوليد (٨٦-٩٦?/٧٠٥-٧١٥ م) من خروج جيش للغزو والجهاد، ودخول إلى بلاد الروم، وفتحٍ للمعاقل والحصون ٣.

стр. 11

وكان من أهم المعاقل والحصون التي افتتحت زمن الوليد حصن الطوانة١ Tyana الذي هو بمثابة مفتاح الطريق بين الشام ومضيق البسفور ٢، على الرغم من استعصائه، واستماتة الروم في الدفاع عنه، ووصول إمدادات إمبراطورية منجدة، لكن المسلمين صدقوا الله في الجهاد فهزموهم وفتحوا الحصن والمدينة سنة ٨٨هـ ٣. الاستعدادات البيزنطية والإسلامية والتجهيز: تابع الوليد بن عبد الملك الضغط على الدولة البيزنطية ـ كما رأينا ـ بالغزو المتواصل للحصون والقلاع والمدن المتاخمة لبلاد المسلمين، وكان يهدف من وراء ذلك إلى صرف نظر البيزنطيين عن الهدف الرئيس الذي كان يخطط له وهو غزو عاصمتهم، وقد حالف التوفيق المسلمين في معظم غزواتهم، ودخلوا إلى الأعماق البيزنطية، مما أوقع الشك والريب في قلب الإمبراطور (أنسطاس

стр. 12

الثاني Anstasius II ٧١٣-٧١٦ م) ١ بأن وراء هذا النشاط العسكري ما وراءه، ولذلك أرسل سفارة في سنة ٩٥? (٧١٤م) تسعى إلى طلب الصلح وعقد هدنة بين الطرفين، وهدف آخر لها وهو تلمُّس ما وراء ذلك النشاط العسكري من مقاصد، والتحري في العاصمة الإسلامية عن ما يجري من إعداد لغزو العاصمة البيزنطية، ويذكر أن البعثة لم تظفر بما أعلن أنها جاءت من أجله، لكنها أدركت ما يخطط له المسلمون من غزو عاصمتهم، فعادت لتؤكد للحاكم البيزنطي صدق عزيمة المسلمين فيما ينوون من جهادهم وتنصح بضرورة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للدفاع عن العاصمة وصد المسلمين عنها٢، فبادر عندئذ بالاستعداد للمواجهة؛ فكان من الإجراءات والاحتياطات التي اتخذها ما يلي ٣: أعلن في العاصمة عن نبأ حملة مرتقبة للمسلمين يتطلب الإعداد لها التكيف معها. على كل فرد يعيش داخل العاصمة أن يخزن لنفسه مؤونة تكفيه لمدة ثلاث سنوات. على كل فرد غير قادر على تدبير مؤونته أن يغادر المدينة. عُبئت الخزائن الإمبراطورية بالقمح وما يحتاجه المدافعون من طعام. تجديد أسوار المدينة المتداعية ولاسيما المطلة منها على البحر. تزويد الأسوار البرية بآلات الدفاع من منجنيقات وغيرها. أمر الإمبراطور بإعداد حملة لمهاجمة سواحل الشام بقصد عرقلة استعدادات

стр. 13

المسلمين أو القضاء عليها. هذا في الوقت الذي كان يمضي فيه المسلمون قدماً في الإعداد لغزو القسطنطينية، فبعد موت الوليد بن عبد الملك في منتصف شهر جمادى الآخرة من سنة ٩٦? ١تابع أخوه سليمان الإعداد والتجهيز مستغلاً الظروف السيئة التي مرت بها الإمبراطورية؛ من تعاقب الأباطرة، وضعف بعضهم، والصراع حول العرش، والثورات والفتن الكثيرة ٢، وطمع أعدائها ٣، وسوء أحوالها بعد أن سرى الفساد في جميع مرافقها وإداراتها٤، وانحطاط نظامها العسكري٥، والخلاصة أنها كانت تعيش حالة ضعف تام ٦، وكان من الإجراءات التي اتخذت في سبيل الاستعداد للحملة: الاستمرار في غزو أراضي الروم في مناطق الحدود؛ حيث غزا داود بن سليمان الصائفة سنة ٩٧?، فافتتح حصن المرأة ٧، وغزا مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فافتتح بعض الحصون كبرجمة والحديد وحصن ابن عوف ٨، كما غزا عمر بن هبيرة أيضاً ٩، وذلك بهدف إلهاء السلطات البيزنطية،

стр. 14

والتمويه على الهدف الرئيس١. صناعة سفن جديدة في دور الصناعة بمصر لتدعيم الأسطول البحري٢. جُمعت أدوات الحرب من كل صنف للصيف والشتاء، وأدوات الحصار من مجانيق وغيرها، كما تزودوا بالنفط وغير ذلك ٣، بل لقد ساهمت معظم أقطار الخلافة الإسلامية فيما تحتاجه الحملة من عدة وعتاد ٤. حُشد جيش بري كبير من أهل الشام والموصل والجزيرة ٥، وخرج مع الجيش المتطوعة المحتسبون أجرهم على الله تعالى ٦، وجماعة من الفقهاء من الشام والعراق ٧، قال أكثر المؤرخين: إن عدة الجيش. بلغت ١٢٠ ألفاً ٨.

стр. 15

أُعدّ أسطول حربي ضخم لحمل المجاهدين البحريين من مصر وأفريقية،. قدرت قطعه البحرية بألف مركب ١، أو ١٨٠٠ سفينة كبيرة عدا سفن صغيرة أخرى٢. والرواية الأولى أقرب إلى القبول لأنها عن شاهد عيان. عَيَّنَ الخليفة سليمان أخاه مسلمة بن عبد الملك ليكون قائداً عاماً للجيوش كلها البرية والبحرية٣، وهذا الاختيار جاء نتيجة لخبرته الحربية الطويلة في بلاد الروم منذ زمن أبيه عبد الملك، فقد عركته التجربة في بلادهم فصار من أعرف الناس بها، وكان شجاعاً مقداماً، أما قائد الأسطول البحري فهو عمر بن هبيرة الفزاري ٤، وإن كانت بعض المراجع الحديثة ٥ تقول إن أمير البحر هو

стр. 16

سليمان [هكذا] دون تعيين، اعتماداً على المصادر الغربية١، لكن روايات شهود العيان تؤيد القول الأول، كالليث بن تميم الفارسيّ ٢ الذي قال: “كنت ممن غزا على اسمه وعطائه بفيء عمر بن هبيرة إذ ولاه سليمان غازية البحر”٣، وقال: إن عمر بن هبيرة لم يزل على غازية البحر حتى عزله عمر بن عبد العزيز (٩٩-١٠١?/٧١٧-٧٢٠ م) عند القفول من القسطنطينية٤، وصُرّح بإمارة ابن هبيرة على البحر في أحداث الحصار نفسها ٥. همّ الخليفة سليمان بالإقامة في بيت المقدس لجمع الناس والأموال ٦، ولكنه عدل عنها إلى دابق ٧ شمالاً، حيث عسكر هناك ٨، ليرفع من الروح المعنوية للجند، وليكون أقرب إلى ميدان الحرب، وقد حلف أن لا يعود حتى تفتح القسطنطينية أو يموت دون ذلك ٩.

стр. 17

أخرج سليمان العطاء للجيش، وأنفق أموالاً كثيرة من الخزائن، وبين للناس غزوتهم وطولها، وأمرهم بتقوى الله، ومصابرة العدو، والتناصح والتناصف١. أخذ مسلمة معه ما يحتاجه من مواد تساعده على إنجاح مهمته؛ من مؤن وأخشاب لإقامة بيوت تكنُّ المسلمين من شتاء القسطنطينية القارس٢. هذا وقد جاء في رواية للواقدي ساقها كل من الذهبي٣ وابن كثير٤ أن سليمان قبل أن ينفذ الحملة استشار موسى بن نصير وأخاه مسلمة في أيِّهما يبدأ به أولاً القسطنطينية، أم ما دونها من البلاد حتى يصل إليها فيفتحها؟ فكان رأي موسى بن نصير أن يبدأ بما دونها حتى يصلها، سيراً على سَنن الفاتحين الأولين، أما مسلمة فقد رأى أن يبدأ بالقسطنطينية أولاَ، وقد أعجب سليمان هذا الرأي فأخذ به. ويبدو أنهم كانوا على عجلة من أمرهم وإلا فإن رأي موسى كان أحكم وأصوب وأثبتت الأيام نجاحه وصوابه. سير الحملة إلى القسطنطينية وضرب الحصار: استدعى مسلمة بن عبد الملك بشراً الغنوي الذي روى عن أبيه حديث رسول الله ﷺ وهو: “لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، قال: فدعاني مسلمة بن عبد الملك، فحدثته، فغزاها٥. وكان هذا بعد أن تكامل إعداد الحملة وتجهيزها في سنة

стр. 18

٩٧?١، واتُخذت كافة الوسائل والتدابير التي تساعد على تحقيق الهدف، فتحركت الجيوش البرية من مرج دابق نحو القسطنطينية سالكة طريق مرعش ٢ من ناحية الشام ٣، ثم قطعت الدرب مجتازة مناطق الثغور الحدودية، وأفضت إلى ضواحي الروم٤، ثم واصلت زحفها حتى وصلت إلى إقليم الأناضول Anatolikon، فتوغلت فيه حتى وصلت إلى عاصمته مدينة عمورية rumiAmo، فضربت عليها حصاراً لم يلبث أن فُكَّ، بسبب اتفاق مع حاكم الإقليم ستأتي الإشارة إليه بإذن الله. واجتازت الجيوش الإسلامية إقليم الأناضول دون مقاومة، باثة الرعب والذعر في نفوس السكان، وصار الطريق مفتوحاً أمامها، ويستشف من الروايات أن مسلمة استغرق وقتاً قبل الوصول إلى القسطنطينية، وذلك بسبب هجوم الشتاء القارس على الجيش، فشتى بضواحي الروم٥، وكانت الدوريات بقيادة أبي يحيى البطال تقوم بتأمين الجيش وحمايته من مباغتة العدو ٦. اقترب الجيش الإسلامي من بحر القسطنطينية وفتح في طريقه مدينتي ساردس Sardis وبرغامة Pergamum الواقعتين قرب شواطئ بحر إيجه٧، وتقدم إلى أبيدس Apydos على الساحل فعسكر عندها، وبعد ستة

стр. 19

عشر يوماً١ وصلت مراكب المسلمين وأسطولهم البحري إلى أبيدس ومسلمة مقيم عليها عند عين ماء، عرفت فيما بعد بعين مسلمة ٢. أما طريق سير الأسطول البحري فيروي شاهد عيان كان ضمن أفراده هو الليث الفارسي أنهم انطلقوا حتى مروا بمصر فتبعوهم فمضوا جميعاً حتى طرابلس أفريقية وعلو أرض الروم حتى إذا حاذوا القسطنطينية ساروا في بحر الشام حتى دفعوا إلى خليج القسطنطينية ٣، ومعنى هذا أن أسطول الشام توجه جنوباً لينضم إليه أسطول مصر، ثم اجتمع الأسطول كله ليأخذ طريقاً موحداً نحو القسطنطينية. وعبر المسلون من أبيدس بواسطة الأسطول إلى الشاطئ الأوربي٤، وكان عرض الخليج من ذلك الموضع كما يقول صاحب العيون والحدائق غلوة سهم٥، وأثناء العبور تعرض البيزنطيون لبعض مراكب المسلمين فاختطفوها لكن تصدى لهم أحد القادة البحريين فأوقع بهم ـ كما في رواية شاهد العيان الليث الفارسي٦ ـ. وبعد أن تم الانتقال إلى العدوة الأوربية توجهت الجيوش نحو القسطنطينية، وعند الوصول بدأ مسلمة بتنظيم الصفوف لإحكام الحصار على المدينة من ناحية البر، وعسكر عند أحد الأبواب المهمة، ونصب المجانيق عليها٧، وأرست

стр. 20

السفن على الساحل مما يلي العسكر، فصار الاتصال بين مسلمة ـ القائد العام ـ وبين ابن هبيرة ـ قائد الأسطول ـ ميسوراً ١، ثم تحرك جزء من الأسطول وفرض الحصار على المدينة من ناحية بحر مرمرة، وحاولت قطع أخرى من الأسطول عبور مضيق البسفور لمحاصرة المدينة من جهة الشمال ـ بعد أن أحكمت السيطرة على مدخله الجنوبي ـ مستغلة هبوب رياح جنوبية ساعدت على تحركها على الرغم من مواجهتها للتيارات المائية القادمة من الشمال التي تعيق السير، وكادت أن تعبر لولا تغير الرياح المفاجئ الذي أربك حركتها وعرضها للتقهقر، فاستغل الروم هذا التراجع وأمطروا السفن بنيرانهم الحربية المعروفة بالنار الإغريقية ٢، فعطبت كثير من تلك السفن، وأصيب عدد من المسلمين، وأغلق الروم مدخل القرن الذهبي بسلسلة ضخمة من الحديد ٣. وبهذا ظلت الجهة الشمالية للمدينة مفتوحة لم يستطع المسلمون الوصول إليها أو تطويقها، مما أحدث ثغرة في الحصار مكنت البيزنطيين من الاتصال بالمناطق التي يستمدون منها بعض حاجاتهم ومؤنهم. ومع هذا فإن المسلمين حاصروا عاصمة الروم من الجهات الأخرى، وضغطوا عليها، ومنعوا أهلها من كل مرفق براً وبحراً ٤، وقهروهم ٥، وأحدثوا الرعب في نفوسهم؛ بما رأوا من بأس المسلمين وشدتهم، وتحملهم للصعاب. هذا وكان من العوامل التي ساعدت المسلمين على الثبات والصبر على

стр. 21

حصار المدينة على الرغم من برودة الطقس أن مسلمة بن عبد الملك أمر الناس ببناء بيوت من الخشب، وحفر الأسراب١، لتكنهم من البرد، وحفر حول المعسكر خندقاً عميقاً ٢، بل وحفر خندقاً آخر من بحر مرمرة حتى القرن الذهبي لمنع الإمدادات من جهة تراقيا ٣. وأنه لما دنا من القسطنطينية أمر كل فارس أن يحمل معه مدين من طعام على عجز فرسه حتى يصل إليها، وكذلك العلف للدواب، نُقل إليه كل ذلك من الضواحي ومن رساتيق ٤ الروم وجاءه في المراكب، فألقي في ناحية فصار كالجبال، وأمرهم أن يدخروه لوقت الحاجة ففعلوا، ومنها أنه أمر الناس بزراعة الأرض، والإغارة على النواحي، فصاروا يأكلون مما يصيبون من الغارات، ثم أكلوا الزرع لما استوى ٥. ولهذا فقد واصل المسلمون حصارهم لمدينة القسطنطينية، ومنعوا الأقوات من التسرب إلى داخلها من ناحيتهم، وشددوا الضغط عليها، فاستخدموا النفط، واستعملوا نوعاً أشبه بالمدفعية ٦ في دك أسوار المدينة، وأظهروا من ضروب الشجاعة وحب الاستشهاد في سبيل الله تعالى والروح المعنوية العالية ما أغاظ عدوهم وفتّ في عضده وأنزل الرعب في قلبه.

стр. 22

قصة اليون الإيسوري (٧١٧-٧٤١ م) مع المسلمين ووصوله إلى العرش البيزنطي: يرجح أكثر المؤرخين أنه نصراني من أهل مرعش ١، وسماه المسعودي اليون بن قسطنطين المرعشي ٢، وبعد أن قضى فترة طفولته في مرعش؛ حيث تمكن من معرفة اللسان العربي ٣، عاش في إقليم إيسورة في المنطقة الجبلية الواقعة في الطرف الشرقي لآسيا الصغرى، فنسب إليه، فعرف باليون الإيسوري (ليو الثالث) ٤. ويذكر أنه انتقل مع عائلته إلى منطقة تراقيا في عهد جستنيان الثاني، وهناك تولى عدداً من المناصب العسكرية حتى صار أحد القادة المشهورين خاصة بعد حملة ناجحة في منطقة القوقاز حيث ظهرت قدراته العسكرية والسياسية ٥، ثم اختاره الإمبراطور انسطاس الثاني ليكون حاكماً لإقليم الأناضول ٦.

стр. 23

بدأت قصة اليون الإيسوري مع المسلمين عندما انطلقت حملة مسلمة بن عبد الملك التي نحن بصددها نحو هدفها، مجتازة إقليم الأناضول الذي يحكمه، وضربت حصاراً على عاصمته مدينة عمورية ١، فبدأ اليون الاتصال بالمسلمين. وهنا بين يدي نص ثمين أورده ابن عساكر في ترجمة مسلمة بن حبيب الفهري، مفاده أن اليون كتب كتاباً إلى مسلمة بن عبد الملك يخبره بما تحت يده من ولايات، وأنه إن أعطاه ما يسأله قدم عليه فناصحه وقواه على فتح القسطنطينية، فقرأ مسلمة هذا الكتاب على كافة الأمراء الذين معه في الجيش وأهل المشورة، فاجتمع رأيهم على إجابته ما خلا مسلمة بن حبيب الفهري الذي رفض ذلك بحجة أن الروم أهل مكر وخديعة قال: “.. وهذه إحدى مكرهم، فلا تعطه إلا السيف”٢، لكن المجتمعين خالفوه وضحكوا من رأيه وقالوا: كبر الشيخ، وهوّنوا من شأن اليون، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً إزاء جموعهم الغفيرة. فكتب مسلمة إلى اليون يؤمِّنه على ما سأل، فقدم ومعه اثنا عشر ألفاً من أساورته ٣، “ فكاتبه على مناصحته ومظاهرته على الروم، ودلالته على ما فيه سبب فتح القسطنطينية على بطرقته وتمليكه على جماعة الروم”٤. هذا النص رواه الوليد بن مسلم أحد شيوخ الشام الكبار المهتمين بأمر المغازي والفتوح والعلاقات الحربية بين المسلمين والروم خاصة، عن غير واحد من شيوخه، وهو يخالف المصادر البيزنطية التي لم تثبت وجود مناظرات مباشرة بين اليون ومسلمة ٥.

стр. 24

ويؤخذ من هذه الرواية أن بدء اتصال اليون بالمسلمين كان بعد أن اجتازت حملة مسلمة إلى بلاد الروم متجهة نحو القسطنطينية، خلافاً لما رواه الطبري ومن وافقه١ من أن اليون جاء إلى الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك لما هلك إمبراطور الروم فأخبره بذلك، وضمن أن يدفع إليه أرض الروم، فوجه معه مسلمة حتى نزل بالقسطنطينية. وينسجم مع رواية ابن عساكر هذه ما رواه المسعودي ٢، وصاحب العيون والحدائق٣، والمقدسي٤، وابن كثير٥، عن وقت اتصال اليون بالمسلمين. ويستفاد أيضاً أن موافقة مسلمة بن عبد الملك ومن معه على قدوم اليون واستنصاحه كان وفقاً لأهوائهم ورغبتهم العاجلة في الفتح من غير نظر في عواقب موالاة الكفار وموادتهم، كما تنبه إليها ذلك الشيخ اللبيب الحازم مسلمة بن حبيب. ويلفت النظر ذلك العدد الكبير الذي قدم به اليون (١٢ ألفاً) لماذا؟ هل هو لنصرة المسلمين؟ ! أليس الهدف من استصحابه الدلالة على الطريق والعورات والدلالة على ما فيه سبب الفتح٦؟. ويفصح النص بصراحة ووضوح عن الهدف الذي شارطهم عليه مقابل

стр. 25

ما سيؤديه من خدمات وهو (بطرقته وتمليكه على جماعة الروم) ولا أدري كيف يُقبل من رجل أنه سيدل على عورات قوم يسعى إلى ولايتهم، وسيكون مسؤولاً عن مصالحهم والدفاع عنهم؟!. ولهذا يتضح أن قبول مثل هذا الجسم الغريب لينضم إلى الجيش بداية حقيقية للفشل والعجز عن تحقيق الهدف. على أي حال فُكَّ الحصار عن مدينة عمورية تنفيذاً للاتفاق، وواصل الجيش الإسلامي مسيره نحو القسطنطينية كما أسلفنا. وهنا تختلف الروايات العربية حول اليون؛ فأكثرها يذكر أنه صاحَبَ الجيشَ الإسلامي حتى وصل إلى القسطنطينية، وظل مع مسلمة يظهر موالاته ويتحين الفرصة المناسبة للانحياز إلى صف الروم، ليصل إلى هدفه الذي خطط له وهو تسنم عرش الإمبراطوية ـ في ظل ضعف حاكمها عن المواجهة ـ ومن ثم المكر بالمسلمين. وهذا ما تم له ـ وفقاً لهذه الروايات ـ؛ فإنه لما ألحَّ المسلمون في حصار المدينة وضاق الحال بأهلها طلب الروم من مسلمة أن يبعث إليهم اليون، فلما صار إليهم أخبرهم بأنه مستعد للتصدي لمسلمة مقابل تمليكه عليهم، فبايعوه، ١، وعند المسعودي أنه هو الذي استأذن مسلمة في التوسط بينه وبينهم، فلما سار إليهم، دعاهم إلى بيعته فأجابوه ٢. والروايتان كما يظهر متفقتان، وإن بدا اختلاف يسير في مَنْ هو الذي طلب من مسلمة التوسط، هل هو اليون نفسه أم الروم؟ ويمكن أن يقال: إن الروم هم الذين بدأوا بالطلب ثم استأذن اليون من مسلمة تبعاً لذلك، ليهتبل الفرصة التي كان ينتظرها على أحر من الجمر.

стр. 26

ورواية المقدسي السابقة عن كيفية وصول اليون إلى عرش الإمبراطورية ذكرتها معظم المصادر العربية التي تناولت هذا الموضوع ١. وعند صاحب العيون والحدائق أن اليون ظلَّ في عمورية حتى استدعاه مسلمة لما أشرف على فتح القسطنطينية، وأنه هو الذي أرسله إلى أهلها وطلب منهم أن يملِّكوه عليهم حتى يرحل ويدعهم هم وبلادهم ودينهم وكنائسهم، وما زال مسلمة يلح عليهم حتى ملَّكوا اليون بعد أن وعدهم هذا بالغدر بمسلمة ٢. ويظهر من هذه الرواية كأن مسلمة ما جاء لفتح القسطنطينية، وإنما جاء منقذاً لعرش بيزنطة من التردي في هوة الخلافات والضعف، وتنصيب اليون حاكماً عليها. لكن ثمة رواية أخرى عن شاهد عيان تفيد أن اليون وقت عبور القوات الإسلامية إلى البر الأوربي كان جالساً على برج باب القسطنطينية ينضم قواته ويصف رجاله فيما بين الحائط والبحر ٣. ومعنى هذا أن اليون وصل إلى القسطنطينية قبل وصول القوات الإسلامية بوقت كاف تمكن فيه من الوصول إلى العرش البيزنطي، وإعادة تنظيم قواته واستعداداته لمواجهة القوات الإسلامية الزاحفة براً وبحراً، والتي كان على دراية بمدى قوتها وضخامتها. وهذه الرواية فضلاً عن كونها عن شاهد عيان وهو الليث الفارسي أحد المشاركين في القوة البحرية الإسلامية فهي تتفق مع الروايات البيزنطية التي تذكر أن اليون بعد أن نجح في فك الحصار عن

стр. 27

عمورية اتجه غرباً عبر ثيم الأبسيق وهزم القوى البيزنطية التي اعترضت طريقه نحو القسطنطينية بما فيها قوات كان يقودها ابن الإمبراطور نفسه، وعند نيقوميديا Nicomedia جرت بينه وبين أهل القسطنطينية مفاوضات انتهت بتنصيبه إمبراطوراً بعد عزل الإمبراطور الضعيف تيودوسيوس الثالث Teodosius III، وكان ذلك قبل وصول مسلمة بستة أشهر ١ لم يرد في المصادر العربية ما يدل على وقت انفصال اليون عن مسلمة ولا كيف سمح له بالتقدم نحو القسطنطينية، لكن يحتمل أن اليون كسب ثقة مسلمة بسبب ما أعطى من العهود فسمح له بذلك ليمهد له الطريق لفتحها. ويرجح بعض الباحثين احتمالاً آخر وهو أن اليون اتجه غرباً إلى القسطنطينية بغير علم مسلمة ٢

стр. 28

صور من الروايات التي تصف أحداث الحصار والموقف الإسلامي والبيزنطي: على أي حال أصبح اليون إمبراطوراً جديداً للدولة البيزنطية، وصار تبعاً لذلك المسؤول الأول عن الدفاع عن القسطنطينية وتخليصها من الأزمة التي تعيشها، وأسفر عن ما كان يخفيه عن المسلمين من المخادعة والمكر، ومحاولة إضعافهم بكافة ما يستطيع من الوسائل والسبل، ولا غرابة في ذلك؛ فهو يبني لنفسه مجداً، وينافح عن بني دينه ووطنه. وظهر لمسلمة بن عبد الملك خطؤه، واشتد أسفه، وغلبته كآبة وهم عظيم١، ولكن هيهات بعد فوات الأوان. وهنا نقف بعد أن تكشفت الأمور عند بعض الأحداث أثناء الحصار لاستجلائها، ومعرفة الموقف الإسلامي والبيزنطي أثناء وغِبَّ ذلك. استعراض القوى: يصف الليث بن تميم الفارسي وهو أحد المشاركين في الحملة البحرية مشهداً أثار انتباهه وتعجبه؛ فذكر أنه بعد أن تكاملت القوى الإسلامية أمام أسوار القسطنطينية صف المسلمون قواتهم صفاً طويلاً جداً، أو صفين ـ لم ير الليث مثلهما في حياته ـ مع الكراديس٢ الكثيرة، وأظهروا (السلاح في ألف مركب بين محرقات وقوادس فيها الخزائن.. والمعينات فيها المقاتلة ٣، وذلك

стр. 29

لاستعراض القوى أمام العدو، وبث الرعب والخوف في النفوس، وقد فعلوا مثل ذلك في الحصار الأول. ولم يجد إمبراطور الروم بداً من مسايرة المسلمين وإظهار التحدي فصف " رجاله فيما بين الحائط والبحر صفاً طويلاً بحذاء صف المسلمين " وأظهروا السلاح ١. وفد مسلمة إلى اليون: فيما حفظ لنا محمد بن عائذ عن شيخه الوليد بن مسلم عن يزيد بن جابر خبر السفارة التي بعث بها مسلمة بن عبد الملك إلى اليون في القسطنطينية، بعد أن ظهر منه المكر والخديعة، وانحاز إلى صف الروم وصار ملكاً عليهم، لتناقشه في نقض ما أبرم معهم من اتفاق، وتناشده وفاء العهد: “أين ما كنت عاهدت الله عليه من النصيحة لنا وإدخالنا إياها؟ ”، قال بعد أن أذن لهم، وعرف أفراد الوفد ٢: “لئن ظن مسلمة أني أبيع ملك الروم بالوفاء له لبئس ما ظن”، وعرض عليهم أن يصنع لمسلمة وللجيش طعاماً وحماماً، فيدخلون ويصيبون من الطعام والحمام ثم ينصرفون، فردّ أفراد الوفد بحزم رافضين ذلك، وأنهم لن يبرحوا إلا بدفع الجزية عن صغار أو يدخلوا المدينة عنوة، فقال اليون: “إن دون ذلك لصغاراً وقتالاً شديداً..” ثم دعا بغداء فغداهم من الألوان والطرائف، ليظهر للوفد عدم تأثرهم بالحصار، وليؤكد ذلك أوعز للوفد بأن يطلبوا ما يشاؤون ويتشهّوا، فقال البطال: “كفاً من تراب من خلف الخندق”٣، فغضب

стр. 30

وأمر فخرجوا من عنده، وأتوا مسلمة بما كان بينهم ١ أثبتت هذه الرواية وقوع المسلمين في الخدعة نتيجة الغفلة عن المنهج الرباني في التعامل الصحيح مع أهل الشرك؛ قال تعالى: ﴿كيفَ يكونُ للمشركينَ عَهْدٌ﴾ [التوبة: ٧] أي أَمَانٌ، وقال: ﴿كيفَ وإنْ يَظهروا عليكم لا يَرقُبوا فيكم إلاًّ ولا ذِمةً يُرضونكم بأفواههمْ وتأبى قلوبهمْ وأكثرهمْ فاسقون﴾ [التوبة: ٨] ، ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى بصدد هذه الآية تحريض الله تعالى للمؤمنين على معاداة الكفار والبراءة منهم، وأنهم لا يستحقون عهداً ولا أماناً لشركهم بالله تعالى وكفرهم بالرسول ﷺ ، ولأنهم لو ظهروا على المسلمين لم يبقوا ولم يذروا٢. هذه الرواية أكدت ما رجحنا من قبل وهو أن الاتفاق المبرم كان بين مسلمة بن عبد الملك واليون عندما تكاتبوا وأشهدوا على ذلك ٣، وليس بين اليون وسليمان، وأن اليون عرف أفراد الوفد، مما يدل على لقاء سابق بهم قبل هذا اللقاء، وأثبتت غدر اليون ونكثه لما أبرم مع المسلمين من المناصحة وتسهيل دخول المدينة. وفيها ما يؤكد ارتفاع روح المسلمين المعنوية مع بعد الدار وكَلَب العدو عندما أعلنوا أمام الملك ـ في تحدّ ـ أنهم لن يبرحوا إلا بدفع الجزية عن صغار، أو فتح المدينة عنوة. وأظهرت نباهة هذا الملك وحزمه عندما رفض غاضباً أن يعطيهم شيئاً من تراب المدينة، لا كما فعل نظيره الفارسي الذي حمَّل وفد المسلمين ـ في نزق

стр. 31

ـ وقراً من تراب، تفاءلوا به في فتح بلاده١. وفدُ ملك الروم إلى مسلمة وابن هبيرة في بذل الفداء وطلب الصلح: وعند ابن عساكر في رواية أخرى لابن عائذ عن شيخ من موالي ابن هبيرة عن عمر بن هبيرة القائد البحري لأسطول المسلمين المحاصر للقسطنطينية ذكر فيها قصة مجيء رسول ملك الروم إليه، مستجدياً إياه في التوسط لدى القائد العام مسلمة بن عبد الملك لقبول عرض الفداء الذي تقدم به إليه الملك، فرفضه مسلمة، وهو أن يدفع (فدية صلح على كل إنسان بالقسطنطينية من رجل وامرأة وصبي٢ ديناراً ديناراً، على أن ترحلوا عنا إلى بلادكم..) ، فأصرَّ مسلمةُ على أن يؤدوا الجزية عن صغار، أو يدخل البلد عنوة. قال رسول الملك في استجدائه لابن هبيرة ـ بعد أن حكى له ما شاهد من سوء أحوال المسلمين مما حاول ابن هبيرة ستره عنه ـ: “الصغارُ ما لا تطيب به أنفسنا أبداً..”، وطلب منه أن يتوسط لدى القائد مسلمة لقبول العرض، فرد عليه ابن هبيرة من فوره بصواب رأي مسلمة، وأنه غير مخالف له وأنه عونه على ما يريد، وأن ذلك ما أمر الله تعالى به، فغضب الرجل وصلَّب على وجهه وانصرف إلى أصحابه ٣. إن تقدم الروم بهذا العرض على مسلمة ثم على ابن هبيرة دليل على شدة الضراء التي كانوا بها من جراء الحصار المضروب على مدينتهم، حتى وإن

стр. 32

لم يكن محكماً من ناحية الشمال، وحتى مع علمهم بسوء أحوال المسلمين فقد نفد صبرهم، وتطلعوا إلى إنهائه والتخلص منه وبذلوا في ذلك أموالهم. وهنا ما يدل أيضاً على سمو الروح المعنوية لدى المسلمين، وأنهم لا تُنَهْنِهُهُمْ الصعاب، ولا يغريهم بريق المال، وأنهم عندما يسيرون في جهادهم لأعداء الله تعالى وفق ما شرعه لهم على لسان رسوله ﷺ فإنهم يرهبونهم، وتحصل لهم العزة، ويتصل حبلهم بالله سبحانه. وفي هذا النص ما ينبئ عن تلاحم القيادة الإسلامية، واتحاد كلمتها أمام عدوها. هذا وكشفت بعض النصوص عن وجود عناصر عربية نصرانية كانت تعيش في بلاد الروم وكانت تقاتل جنباً إلى جنب في صفوفهم، بل كان بعضهم شديداً على المسلمين؛ كما في قصة خالد بن عمير السلمي الذكواني في مبارزته وصراعه مع الرجل الإيادي أثناء فترة الحصار، والتي انتهت بأسْره، ثم بعثْه إلى هشام بن عبد الملك وهو بحرّان، فقتل بين يديه لما أصر على الكفر ١. استغاثة اليون بملك برجان (البلغار Bulgar) ٢وما كان بينهم وبين المسلمين: ولعل من أهم ما حدث أثناء فترة وقوف المسلمين على القسطنطينية

стр. 33

عندما ألظّ بأهلها الحصار استنجاد إمبراطورهم اليون بملك البرجان؛ ترفل Tervel، وتخويفه من المسلمين، فتحرك هذا الأخير وأوقع بالمسلمين وقعة عظيمة في مخادعة منه كما سنرى بإذن الله تعالى. وقد وردت إشارات موجزة لدى بعض المؤرخين الأقدمين تومئ إلى ما حصل بين المسلمين وبرجان؛ كما عند الطبري رحمه الله تعالى فيما رواه عن الواقدي؛ حيث ذكر في أحداث سنة ٩٨? إغارة برجان على مسلمة بن عبد الملك وهو في عدد قليل من المسلمين، فطلب المدد من أخيه سليمان فأمده، وذكر مكر الصقالبة، ثم هزيمتهم بعد ذلك، وفتح المسلمين لمدينتهم١. لكن التفصيل الشافي لتلك الأحداث هو ما رواه ابن عساكر رحمه الله تعالى بسنده عن شاهدي عيان مشاركين هما الليث الفارسي وأبو سعيد المعيطي٢، وهذه الرواية أقرب ما تكون إلى الحقيقة لقرب رواتها من الحدث، وللتجرد من الهوى؛ فليس هناك ما يدعو إليه، وملخص هذه الرواية: أن اليون كتب إلى صاحب برجان بعد أن اشتد عليه الحصار وخاف ظهور المسلمين يخبره بنزولهم على بلده ويستصرخه لنجدته وقال مخوفاً له إنهم: “إنما يقاتلون الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى..” ٣. وقد استجاب ملك برجان لهذا النداء سريعاً، ونظراً لأن مسلمة لم يعلم بخبر هذه المراسلة فقد أظهر له ملك برجان في كتاب إليه فرحه بغزو المسلمين لبلاد الروم، وعرض عليه المساعدة، فكتب مسلمة إليه بحاجته إلى الميرة والسوق فقط، فاهتبل الملك هذه

стр. 34

الفرصة وكتب إلى مسلمة يخبره بإعداد سوق عظيمة للمسلمين في مكان اختاره تحيط به الجبال والغياض، فلما نزل المسلمون بذلك المكان يريدون التسوق على غير حذر أو خوف من عدو ـ وكان مسلمة قد ولى عليهم رجلاً ـ أحاطت بهم كتائب برجان فقتلوا من قتلوا وأسروا من أسروا، ثم عادوا إلى بلادهم. وجاء الخبر إلى مسلمة ومن معه من المسلمين فأغمهم ذلك وأزعجهم ١. مما يلفت النظر في هذه الرواية تعاضد قوى الكفر لحرب الإسلام ومناهضة المسلمين؛ فلم يصرفهم عن هذا اختلاف الدين أو الجنس أو وجود العداوة بينهما، بل كانت المبادرة سريعة من قبل برجان، لإنزال ضربة غير متوقعة بالمسلمين. ويلفت النظر كذلك تخلي مسلمة بن عبد الملك عن الحذر في مثل هذا الموقف الخطر الذي ينبغي فيه الاحتياط وأخذ الأهبة للعدو، وعدم الركون إلى ما يُظهر من اللين أوالموادعة أوالموافقة، ولاسيما أنهم في حالة حرب، وأنهم ما زالوا يتجرعون غصص غدر اليون بهم. لم تبين الرواية حجم الإصابة التي لحقت بالمسلمين؛ لا عدد القتلى، ولا المأسورين، ولا الفارين، لكن يفهم منها أن مصيبة المسلمين كانت فادحة، لمباغتة العدو لهم على غير أهبة أو استعداد، والتعبير بقوله: “فقتلوا ما شاءوا وأسروا ما شاءوا إلا من أعجزهم”٢ يوحي بذلك، وقريب منه قول ابن كثير: “فقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين وأسروا آخرين، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل”٣.

стр. 35

ويتضح من هذه الرواية عدم دقة رواية الواقدي التي أومأنا إليها قبل قليل ـ كما رواها الطبري ـ والتي تفيد أن برجان أغاروا على مسلمة نفسه وهو في قلة من الناس، والأمر ليس كذلك لأن إغارتهم كانت على المسلمين الذين رغبوا في التسوق وكان الوالي عليهم رجلاً آخر من قِبَل مسلمة لا مسلمة نفسه. ويستفاد من روايات شهود العيان هذه أنها حفظت لنا ألفاظ المخاطبات التي جرت بين اليون وملك برجان وبين هذا ومسلمة ١. وتمضي الروايات في رصد ما جرى بين المسلمين والبرجان في ضوء تتابع الأحداث، مشيرة إلى الموقف الإسلامي الذي اتخذ بعد مصاب المسلمين؛ فقد وُجِّهَ جيش قوي كثيف إلى بلادهم عليه عبيدة بن قيس وابنه شراحيل بن عبيدة، ومضى هذا الجيش حتى دفع في أرض برجان، وكان العدو قد نذر بالمسلمين فلقوهم متأهبين، فكان بينهم قتال شديد، فأنزل الله تعالى نصره على المسلمين، فقتلوا من الكفار مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا وخلّصوا أسرى المسلمين، كما

стр. 36

تجلت المعركة عن قتل صاحب برجان، وقتل شراحيل بن عبيدة رحمه الله تعالى. وكان عبيدة قد أراد أن يوغل في أرض العدو بعد هزيمتهم، لكن صرفه عن ذلك رسول مسلمة الذي استعجله بالقدوم بعد أن فتح الله عليه١ وتؤكد أغلب المصادر الإسلامية على فتح المسلمين لمدينة الصقالبة ٢، مما يدل على أن نصرهم كان حاسماً في معاركهم مع برجان. وتشير الروايات بعد ذلك إلى لطف الله تعالى بالمسلمين حيث صرف عنهم كيد عدوهم عندما أضرموا النار في الحشيش اليابس الذي ينزل عليه المسلمون، فأطفأها الله عنهم ٣. كما تشير إلى أسماء بعض المجاهدين الذين خرجوا ابتغاء الحصول على الشهادة فرزقوا إياها، ورأوا بشائر صدقهم وإخلاصهم في نزلهم بالجنة وهم ما زالوا على قيد الحياة ٤. تحقيق في روايات إرسال المدد: ثم ماذا عن إرسال الإمدادات؟ هل أمدَّ سليمان بن عبد الملك الحملة بقوى جديدة بعد أن وصلت إلى القسطنطينية وحاصرتها، ثم بعد أن تطورت الأحداث فصارت الأمور تسير في غير صالح الجيش المحاصِر؟ من مطالعة الروايات في المصادر المختلفة نجد أن هناك اختلافاً من مصدر لآخر، بل حتى في المصدر الواحد نلاحظ تناقضاً في الروايات؛ فبينما تثبت

стр. 37

روايات كل من اليعقوبي١وابن كثير٢ إرسال المدد، تجد روايات لدى كل من الطبري ٣ وابن عساكر ٤ وابن الأثير٥ تنفي ذلك، في الوقت الذي تجد فيه روايات أخرى لديهم أنفسهم تثبته٦. وبعد فحصٍ وتدقيق فيما وقفت عليه من روايات في هذا الشأن، ترجح لديَّ ثبوت إرسال سليمان بن عبد الملك الأمداد إلى أخيه مسلمة في أعقاب وقعة برجان ومصاب المسلمين، عندما بعث إليه بخبرها، ومستندي في ذلك وجود رواية مصدرها شاهدا عيان هما الليث الفارسي وأبو سعيد المعيطي، جاءت روايتهما صريحة في هذا الصدد ٧. ثم إن سليمان كان مرابطاً في دابق شمالي الشام لمتابعة أخبار الحملة عن قرب، وللإمداد وقت الحاجة، لكن يبدو أنه لم يستطع في آخر المدة بعد أن اشتدت الأزمة على المسلمين أن يمدهم لحلول فصل الشتاء ببرده وثلوجه ٨، ومداهمة أجله إياه رحمه الله تعالى، وإلا فقد عقد العزم على أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح القسطنطينية، باذلاً في سبيل ذلك ما بذل، أو يموت، فمات هنالك ٩. وبهذا يزول التناقض الذي قد يظهر في روايات المؤرخين المشار إليها.

стр. 38

فك الحصار عن المدينة وتحرير مدته: بعد أن تظافرت أسباب كثيرة حالت دون الاستمرار في حصار مدينة القسطنطينية، وتوفي الخليفة سليمان بن عبد الملك في شهر صفر سنة ٩٩?، فخلفه ابن عمه عمر بن عبد العزيز، الذي رأى أن من مصلحة الجيش المحاصِر رفعَ الحصار عن المدينة، والعودةَ إلى ديار الإسلام، خوفاً عليهم من غائلة الروم وبلادهم، وبما أصابهم من الضراء وضيق العيش ١، ولهذا فقد أرسل عمر في مستهل خلافته بعثاً عليهم عمرو بن قيس السكوني ٢ إلى مسلمة بن عبد الملك في أربعة آلاف رجل ٣، معهم الطعام والشراب والكسوة والدواب ٤، والخيل العتاق ٥، وزيت الزيتون لعلاج الجرب ٦، لإغاثة الناس وإمدادهم بما يحتاجون، وكان قد استحث الناس على معونتهم ٧، كما أرسل رسولاً بكتاب إلى مسلمة يأمره بالعودة٨ فرأى مسلمة بعد مراجعة مع الخليفة أنه لا بد من فك خناق المدينة، ورفع الحصار عنها. هذا وأحب أن أنبه هنا إلى أن بعض المراجع العربية الحديثة قد بالغت

стр. 39

كثيراً في الحديث عن هزيمة المسلمين عند القسطنطينية وعن تحطم القوى الإسلامية أمام أسوارها بشكل ملفت للنظر، وحتى الإمدادات البحرية والبرية كان مصيرها الدمار والهلاك على أيدي القوات البيزنطية المظفرة؛ وذلك اعتماداً على المراجع الغربية التي بالغت في هذا الجانب، وصورت الإمبراطور اليون بصورة بطولة خارقة ١، ولم ألاحظ في المصادر العربية القديمة أو المصادر التي تنقل عن شهود العيان صدى واضحاً لتلك الانتصارات أو الهزائم، فهي إذاً تنقل وجهة نظر طرف واحد، وهو منهج غير دقيق. بل الذي يفهم مما روى ابن عساكر عن شاهد عيان كان مشاركاً في الحصار أن مسلمة لما قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز الذي يأمره فيه بالعودة لم يستجب على الفور وإنما أعاد الرسول بكتاب إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز يخبره فيه بما بلغ من جهد المحاصَرين وما أشرف على المسلمين من الفرج بقرب موسم حصاد ما زرعوا حول المدينة، ويشير عليه بتركهم حتى يحكم الله تعالى بينهم ٢، وورد في رواية أخرى أن مسلمة دافع رسول عمر وقال: أقم علي أياماً، فإني قد أشرفت على فتحها ٣، فالمشكلة التي كان يعاني منها المسلمون بالدرجة الأولى مشكلة قلة الأقوات في شتاء قارس البرودة، ولو كان هناك هزائم متتالية وتحطم أساطيل لتحدث عنها شهود العيان، فقد ذكروا أشياء أقل من ذلك أهمية. ورأينا في روايات ابن عساكر كيف تمكنت قوات المسلمين التي يحتمل

стр. 40

جداً أنها كانت مدداً ١ من هزيمة البرجان بعد خدعتهم ومباغتتهم للمسلمين على غرة، وهي روايات موثقة بأسانيد ليست على غرار الروايات الغربية التي لا تعرف هذا النمط من التوثيق وبعد أن تم رجوع الجيش الإسلامي بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عبد الأعلى بن أبي عمرة لفداء أسراء القسطنطينية، ففاداهم الرجل من المسلمين برجلين من الروم ٢. هذا وقد اختلفت روايات المؤرخين في تحديد مدة الحصار؛ ما بين سنة ٣، وعشرين شهراً٤، وثلاثين شهراً ٥، وذكرت بعض الروايات أنهم أقاموا عليها سنين ٦. وقبل تحرير مدة الحصار أحب أن أقف عند بعض التواريخ التي وردت لدى بعض الأساتذة من المؤرخين المحدثين فقد ذكروا أن مسلمة بن عبد الملك وصل إلى القسطنطينية وعسكر عند أسوارها في ١٥ أغسطس سنة ٧١٧ م٧، وهو يوافق الثاني من شهر محرم سنة ٩٩ هـ تقريباً ٨، وهذا التاريخ في نظري
следующие страницы →