لا يجوز بحال من الأحوال، ولا يبرئه من الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو حانث في يمينه، مأخوذ بظلمه.
٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمر، هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره ويحسنه تارة، وأحمد بن محمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم "١.
وقال ابن كثير: " وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح "٢.
قلت: وهذا الحديث نص صريح في أن الاحتيال إلى محارم الله بأدنى الحيل حرام، وأن ذلك من شأن عمل اليهود الذين لعنهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله ومسخهم قردة وخنازير، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته من صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، وإنما وصفهم النبي ﷺ وشبههم بذلك، لأنهم بيت المكر والخداع والخبث والغدر من قديم الزمان إلى يومنا هذا، فهم البلاء والداء العضال في كل أمة، وهم أصحاب حيلة السبت والشحوم وغيرهما من الحيل.
وقد كانوا على عهد النبي ﷺ يتفننون بأنواع الحيل للكيد له ولأصحابه فرد الله كيدهم في نحورهم فمن ذلك:
أ- أن بني النضير احتالوا على قتل رسول الله ﷺ وهو إلى جنب جدار بيت من بيوتهم، فصعدوا إلى السطح ليلقوا عليه رحى، فنزل عليه الوحي فرجع إلى المدينة وحاصرهم وأجلاهم كما في سورة الحشر٣.
ب- أنهم مكروا به بعد غزوة بدر بإرسال رئيسهم وشاعرهم كعب بن الأشرف إلى
стр. 37
مكة يحرض قريشاً ويندب قتلاهم، ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المؤمنين، فأرسل إليه النبي ﷺ محمد بن مسلمة فقتله، وكفى الله المؤمنين شره١.
ج- أن بني قريظة خانوه ونقضوا ما بينه وبينهم من عهود يوم الخندق كما حكاه الله تعالى في سورة الأحزاب من قوله: ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥) وهم قريش وغطفان ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥) ، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم بنو قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم الرجال ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم النساء والأطفال ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب:٢٧) ٢.
د- إنهم مكروا به وسحروه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، كما فعل لبيد بن الأعصم اليهودي ذلك به٣.
هـ- إنهم مكروا به بوضع السم له حتى يقتلوه فأعلمه الله تعالى ونجاه، كما ثبت في الصحيحين أن يهودية سمته ﷺ في شاة فأكل منها لقمة ثم لفظها وأكل معه بشر بن البراء ﵁ فمات منها، وعفا عنها ولم يعاقبها كرماً منه وشرفاً٤.
وهذا وأمثاله مما يعلم من أخلاق اليهود وطباعهم الشريرة، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته في الحديث الذي نحن بصدده، ومعنى قوله " بأدنى الحيل " أي بأسهلها فمثلا من طلقِ امرأته ثلاثا صعب عليه بالطريق الشرعي أن ترجع ولا يكون ذلك إلا بعد أن تنكح زوجا غيره نكاح رغبة ثم قد يطلقها الثاني من غير مواطئة أو يموت عنها وهو نادر قليل، وقد لا يطلق ولا يموت وهو الكثير الغالب لكن إذا لجأ إلى الحيلة ترجع بأدنى وأبسط وأسهل الحيل فيعطي أحد التيوس المستعارة مبلغا زهيدا في سبيل رجوعها إليه بعد نكاح الثاني.
وكذلك من أراد أن يقرض ألفا بألف وخمسمائة فمن أدنى الحيل أن يقرضه ألفا إلا درهماً ويبيعه سلعة حقيرة تساوي درهماً بخمسمائة درهم، وهكذا التحايل على الحرام ميسور بأسهل الطرق وأدناها.
стр. 38
٤- وقد ناسب الكلام أن نورد الأحاديث الواردة فى نكاح التحليل فهي من أدلة تحريم الحيل من ذلك:
أ- روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان وعبْد الله بن عمر وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق١.
ب- روى ابن ماجة قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا أبي قال: سمعت الليث بن سعد يقول قال لي أبو مصعب مشرح بن عاهان قال عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له " ٢.
وفي إسناده عثمان بن صالح ومشرح بن عاهان، وقد أنكروا على عثمان تفرده بروايته عن الليث وليس بالمشهور من أصحابه، كما ضعف بعضهم مشرح بن عاهان، وهذا طعن مردود، فإن عثمان بن صالح هذا ثقة روى عنه البخاري في صحيحه، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال: " شيخ صالح سليم الناحية "، قيل له: " كان يلقن "، قال: " لا "، ومن كان بهذه المثابة ما يتفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا وإن كان وقع في حديثه بعض غلط، وأما مشرح بن عاهان فقال فيه ابن معين: " ثقة "، وقال الإمام أحمد: " هو معروف "، فثبت أن هذا الحديث جيد وإسناده حسن٣.
قال ابن القيم بعد سرد روايات الصحابة الأربعة علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر ﵃ أجمعين، في تحريم هذا النكاح عن النبي ﷺ ولعن فاعله، فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة قد شهدوا على رسول الله ﷺ بلعنة أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له، وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما
стр. 39
دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا، وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها، ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن المقصود في العقود عندهم معتبرة والأعمال بالنيات، والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل وقد تحققت غاياتها فترتبت عليها أحكامها "١.
ج- روى وكيع بن الجراح عن أبي غسان المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أن رجلا سأل ابن عمر عمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها هذا السائل عن غير مؤامرة منه لتحل لمطلقها، قال ابن عمر: " لا إلا نكاح رغبة، كنا نعده سفاحا على عهد رسول الله ﷺ "
قال ابن تيمية: " وهذا الإسناد جيد رجاله مشاهير ثقات، وهو نص في أن التحليل المكتوم كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ سفاحا "٢.
قلت: والحديث أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان بالسند السابق وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٣.
د- روى أبو سفيان الجوزجاني حدثنا ابن أبي مريم أنبأنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن أبي داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ ، عن المحلل فقال: " لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة ".
وإسناده جيد إلا إبراهيم بن إسماعيل فقد اختلف فيه، وثقه بعضهم، وضعفه البعض، قال ابن عدي: هو صالح في باب الرواية ويكتب حديثه على ضعفه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا الذي قاله ابن عدي عدل من القول فإن في الرجل ضعفا لا محالة، وضعفه إنما هو من جهة الحفظ وعدم الإتقان لا من جهة التهمة، وله عدة أحاديث بهذا الإسناد، روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا يكتب حديثه للاعتبار به، وقد جاء حديث مرسل يوافق هذا؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حميد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا فجاء رجل
стр. 40
من أهل القرية بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحللها له، فقال: لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل ذلك فقال: " لا حتى ينكحها مرتغبا لنفسه، حتى يتزوجها مرتغبا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم تحل له حتى تذوق العسيلة "، وهذا المرسل حجة، لأن الذي أرسله احتج به، ولولا ثبوته عنده لما جاز أن يحتج به من غير أن يسنده ... "١. هذا وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى جملة من أحاديث التحليل وجمعا طرفا منها ومن الآثار الواردة عن الصحابة في تحريم نكاح التحليل فليتأمل فهو مفيد سديد وقد ضربا فيه بسهم وافر من التشديد والتشنيع وإيضاح صوره٢.
وجملة القول أن نكاح التحليل محرم باطل بأدلة الشرع المتضافرة والعلة فيه ظاهرة وهو أنه حيلة على ارتكاب محارم الله بشتى صوره وأضربه الثلاث وهي:
١- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يكون هناك مواطأة عرفية أو لفظية.
٢- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول مع المواطأة اللفظية في صلب العقد أو قبله.
٣- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يحصل بينهما اشتراط على ذلك لفظا لا متقدما ولا مقارنا للعقد بل يدل الحال وتقوم القرائن على ذلك فهذا قائم مقام الاشتراط اللفظي.
٥- قال رسول الله ﷺ : " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " رواه أحمد والبخاري ضمن حديث طويل كتبه أبو بكر ﵁ إلى أنس حين وجهه إلى البحرين٣.
قلت: هذا الحديث اختلف العلماء في تفسيره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب مالك إلى أن معناه أن يكون للنفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة ثلاث شياة على كل واحد منهم شاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخلطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليها ثلاث شياة فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهى عن ذلك، وعليه فهو خطاب للمالك٤.
стр. 41
القول الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن معنى قوله: " لا يجمع بين متفرق " أن يكون لرجل عشرون شاة وللآخر مثلها فيجمع الساعي بينها ويقول هي لواحد ويأخذ عليه شاة فنهى عن ذلك، وعلى ذلك فيكون الخطاب للساعي.
ومعنى قوله: " ولا يفرق بين مجتمع " أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة فالواجب منها شاة واحدة فلا يجوز للساعي أن يفرقها أربعين أربعين ويقول هي لثلاثة نفر فيأخذ عليها ثلاث شياة، ويحتمل عندهم أن يكون الخطاب للمالك نص على ذلك صاحب المحيط من الحنفية وعزاه لأبى يوسف كما نبه عليه العيني في شرحه للبخاري١.
وعليه فتفسر الجملة الأولى من الحديث: أن يكون لرجل أربعون شاة ولأخويه لكل واحد منهما أربعون فيقول أحدهم للساعي: كلها لي حتى لا يأخذ منها كلها إلا شاة واحدة فنهوا عن ذلك.
وتفسير الجملة الثانية: أن يكون لرجل ثمانون شاة فإذا جاء الساعي قال هي بيني وبين إخوتي لكل واحد عشرون فلا يأخذ من واحد منهم زكاة، فنهوا عن ذلك لما فيه من الإضرار بالفقراء بالتنقيص من الأول وبالحرمان في الثاني.
القول الثالث: وذهب الشافعي وأحمد إلى أن الخطاب في الحديث لرب المال من جهة وللساعي من جهة، فأمر كل واحد منهما ألا يحدث شيئا من الجمع والتفرق خشية الصدقة، ومعنى قوله " خشية الصدقة " أي خشية أن تكثر الصدقة أو خشية أن تقل الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، ولما كان الخطاب محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر فحمل عليهما٢.
قلت: وهذا الحديث صريح في تحريم الحيلة لإسقاط الزكاة أو تخفيفها بالجمع أو التفريق وذلك بإجماع الأئمة على اختلاف تفسيراتهم للحديث.
٦- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " البيع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا
стр. 42
إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله " رواه أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجة وحسنه الترمذي١.
قلت: هذا الحديث يدل على أن البائع والمشتري إذا انعقد بينهما البيع بالإيجاب والقبول ثم بدا لأحدهما أن يفسخ البيع فله ذلك ما داما في مجلس العقد مجتمعين لم يتفرقا عنه، فإن تفرقا أو أحدهما نفذ البيع ولزم.
هذا الذي ذكرناه هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال المالكية والحنفية: يلزم العقد بالإيجاب والقبول ولا خيار للمتبايعين٢.
والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وليس لهم عنها جواب سديد، فإنهم ما بين مؤول لها على خلاف ظاهرها أو معارض لها بنص عام أو مطلق، وليس المقام هنا مقام بسط هذه المسألة، ولكن تقرير أن هذا حق أعطاه الشارع للمتبايعين مادام في مجلس العقد، ولا يجوز إسقاط هذا الحق، والحكمة فيه ظاهرة وهو أنه قد يتعجل أحدهما في البيع والشراء فيقدم عليه بلا ترو ولا تبصر فأعطاه الشارع هذا الحق ليتدارك ما عسى أن يكون قد غاب عنه، فإذا عمد أحدهما إلى مفارقة صاحبه قاصداً إسقاط حقه في خيار الفسخ فقد ضاد الشارع في تشريعه، وسعى في مضارة أخيه المسلم، لذلك حرم رسول الله ﷺ مثل هذا الصنيع بقوله: " ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله "، وهذه المفارقة تعتبر في الحقيقة حيلة على إسقاط خيار المجلس، ووجه كونها حيلة أن ظاهرها المفارقة لقضاء مصالحه وباطنها الإضرار بأخيه المسلم فلم ينظر الشارع إلى ظاهر هذه الوسيلة ولكنه نظر إلى حقيقتها فحرمها.
٧- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر " ٣.
اعلم أولا أن الفقهاء مختلفون في العمل بحديث التصرية، فقد أخذ الجمهور بحديث التصرية وعملوا به، وخالفهم الحنفية فلم يعملوا بهذا الحديث٤.
стр. 43
ثم اختلف الذين أخذوا بالحديث هل يتعين التمر أم لا؟
فقال كثير منهم: يتعين، وقال بعضهم: لا يتعين بل يخرج من غالب قوت أهل البلد ولا يختص ذلك بالتمر، وهذا كما قال ابن القيم ﵀ أقرب إلى قواعد الشريعة وإلا فكيف يكلف من قوتهم السمك أو الذرة أو الأرز أن يدفعوا تمرا ولا يجدونه، وأما حكمة التقييد بصاع من تمر فلأنه كان غالب قوت أهل المدينة والعرب عموما١.
وكان رد الحنفية لحديث المصراة لسببين:
أحدهما: أنه من رواية أبي هريرة وهو غير فقيه فيما يزعمون، وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحديث قد جاء من رواية ابن عمر من طريقين رواه أبو داود بطريق والطبراني بآخر، ومن رواية أنس أخرجه أبو يعلى.
ومن رواية عمرو بن عوف أخرجه البيهقي في الخلافيات، وقد ثبت عن ابن مسعود موقوفا عليه كما في صحيح البخاري، والموقوف في مثل ذلك له حكم الرفع لتصريحهم بأنه مخالف للقياس، والموقوف المخالف للقياس مرفوع حكما.
وابن مسعود من أجلاء الفقهاء بالاتفاق، وقولهم أبو هريرة غير فقيه قول ساقط فقد ذكروه في فقهاء الصحابة وذكروا أنه كان يفتي في عهدهم ومن تتبع كتب الحديث يجده حقا بلا ريب، على أن المدار في قبول الحديث إنما هو على حفظ الراوي وأمانته، وأبو هريرة أحفظ الصحابة للحديث على الإطلاق، وقد دعا له ﷺ بالحفظ فكان أجود الرواة حفظا، وأوثقهم نقلا، فالطعن في روايته من ضعف العلم والإيمان.
ثانيهما: أنه يخالف أصول الشريعة كما يخالف القياس الجلي من وجوه:
١- منها أنه تضمن رد البيع بلا عيب ولا خلف في صفة.
٢- ومنها أنه معارض بحديث " الخراج بالضمان " فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه.
٣- ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله.
٤- ومنها أنه إذا تعذر التضمين بالمثل كان الضمان بالقيمة والتمر ليس بمثل ولا قيمة.
٥- ومنها أن المال المضمون إنما يضمن بقدره في القلة والكثرة وقد قدر الضمان هاهنا بصاع القليل والكثير.
стр. 44
ورد ذلك كله بأن الحديث موافق لأصل الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلا بنفسه، وكما أن غيره أصل بنفسه، وأصول الشرع لا يضرب بعضها ببعض كما نهى رسول الله ﷺ عن أن يضرب كتاب الله بعضه ببعض، بل يجب اتباعها كلها، ويقر كل أصل منها على مكانه وموضعه، فإنها كلها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح هذا جواب إجمالي عن اعتراضاتهم.
وأما الجواب عن تفاصيلها فقولهم (أولا) أنه تضمن الرد من غير عيب ولا فوات صفة مردود بأنه ليس في أصول الشريعة المتلقاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد في هذين الأمرين بل أصول الشريعة توجب الرد بغير هذين وهو الرد بالتدليس والغش فإنه هو، ولا الخلف في الصفة من باب واحد فإن البائع يظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله فإذا ظهر للمشتري أنه على صفة ثم بان بخلافها كان قد غشه ودلس عليه فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس ومقتضى العدل، فإن المشتري إنما يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه المبيع مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزه عنه الشريعة، وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تلقوا واشترى منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر، وليس ههنا عيب ولا خلف في صفة ولكن فيه نوع تدليس وغش.
وقولهم (ثانيا) إنه معارض بحديث " الخراج بالضمان " فهذا الحديث وإن أخرجه أصحاب السنن عن عائشة مرفوعا فحديث المصراة أصح منه باتفاق أئمة الحديث قاطبة، فكيف يعارض به، مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله، فإن الخراج اسم للغلة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن فلا يسمى خراجا، وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس فإن الكسب الحادث وهو الغلة لم يكن موجودا حال البيع، وإنما حدث بعد القبض، وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودا حال العقد فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضا عن اللبن الحادث بعد البيع وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض العدل والقياس.
وقولهم (ثالثا) أنه مضمون بغير جنسه وبمقدار واحد في القليل والكثير جوابه أن تضمينه بغير جنسه في غاية العدل لأنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرض للفساد، فإذا حلب صار عرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلما تتنزه الشريعة عنه، وأيضا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على
стр. 45
المشتري، فقد يكون أقل منه أو أكثر فيفضي إلى الربا وأقل الأقسام أن نجهل المساواة.
وأيضا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثر النزاع والخصام بينهما فحسم الشارع الحكيم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله النزاع وقدره بحد لا يتعديانه قطعا للخصومة، وفصلا، للمنازعة، وكان تقديره بالتمر أقرب إلى الأشياء إلى اللبن فإنه قوت أهل المدينة كما أن اللبن كان قوتاً لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل وأيضا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون لها إلى اللبن، فإن قيل فأنتم توجبون صاع التمر في كل مكان سواء كان قوتا لهم أو لم يكن، فالجواب أن هذا من مسائل النزاع وموارد الاجتهاد فمن الناس من يوجب ذلك ومنهم من يوجب في كل بلد صاع عن قوتهم وهذا القول الثاني أقرب إلى قواعد الشريعة كما قدمنا ذلك.
قرر ذلك كله ابن القيم وكذلك الخطابي في معالم السنن وابن دقيق العيد في شرح العمدة والحافظ في الفتح وابن العربي في شرح الترمذي وغيرهم، وقد ذكروه بأبسط من هذا.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر أن الكل مجمعون على أن التصرية حرام، وغش وخداع، غاية الأمر أن الإمام أبا حنيفة وصاحبيه محمدا وأبا يوسف في المشهور عنه يقولون ليس للمشتري رد المصراة بخيار العيب لأنه وجد ما يمنع الرد وهو الزيادة المنفصلة وأما الرجوع بالنقصان ففيه روايتان عن أبي حنيفة، في رواية شرح الطحاوي يرجع على البائع بالنقصان في الثمن لتعذر الرد، وفي رواية الأسرار لا يرجع بالنقصان لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا أفاده العيني في شرح البخاري١، وأجابوا عن الحديث بما سمعت، وقد علمت أنها حجج غير ناهضة فلا نترك السنة الثابتة بمثلها.
ووجه الدلالة من حديث التصرية على تحريم الحيل أن التصرية حبس اللبن في ضرع الناقة أو البقرة أو الشاة عدة أيام حتى يمتلأ باللبن، فإذا عُرضَتْ بهذا الشكل زادت رغبة الناس فيها لظنهم أن كثرة لبنها وكبر ضرعها أمر جبلي، ولا ريب أن هذه حيلة ظاهرها أن كثرة اللبن من أصل الخلقة وباطنها الكذب والخداع والتغرير بالمشتري ليغالي في ثمنها، وقد جاءت الشريعة باعتبار المقاصد في العقوبات فأهملت الصورة ونظر إلى المعنى، فإن حبس اللبن مدة معلومة أمر مباح ما لم يتضرر الحيوان لكن لما اتخذ وسيلة إلى أكل أموال الناس بالباطل صار حراما بهذا القصد.
стр. 46
ولا فرق في الشرع بين من عرَّض وخادع بالقول أو بالفعل، والتصرية نوع من التعريض بالفعل تضمن الغش والخداع.
وأما التعريض بالقول فمثاله ماحكاه ابن تيمية في إقامة الدليل قال: " وقد حكى عن بعض المحتالين أنه كان إذا استوصف السلعة عرَّض في كلامه، مثل أن يقال له: كيف الجمل؟ يقول: احمل ما شئت وينوي على الحيل، ويقال له: كم نحلب؟ فيقول: في أي إناء شئت، فيقول: كيف سيره؟ فيقول: الريح لا تلحق فإذا قبض المشتري ذلك فلا يجد شيئا من تلك الأوصاف، فيقول: ما كذبتك "١.
٨- حيلة العينة وإليك طرفاً من الأحاديث الواردة فيها:
أولا: عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم " ٢.
قلت: هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند قال: أنبأنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن عطاء بن رباح عن ابن عمر.
قال ابن حجر في بلوغ المرام: " ورجاله ثقات وصححه ابن القطان، اه "٣.
ورواه أبو داود من طريق حيوة بن شريح عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " قال المنذري في مختصر السنن: " في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال، اه ".
وقال ابن تيمية بعد أن ذكر هذا الحديث بروايتيه عند أحمد وأبي داود على الترتيب ما لفظه: " وهذان إسنادان حسنان أحدهما يشد الآخر ويقويه، فأما رجال الأول فأئمة مشاهير لكن يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، وأن عطاء لم يسمعه من ابن عمر.
стр. 47
والإسناد الثاني: يبين أن للحديث أصلا محفوظا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور، وحيوة بن شريح كذلك وأفضل، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثل حيوة بن شريح والليث بن سعد ويحيى بن أيوب وغيرهم. قال: وقد روينا من طريق ثالث من حديث السري بن سهل الجندسابوري بإسناد مشهور إليه حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره وبدرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر، أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه حتى يتوبوا ويراجعوا دينهم " وهذا يبين أن للحديث أصلا عن عطاء، اه١.
والحديث يدل على تحريم بيع العينة، وأنه من الكبائر، كما يدل على أن ما ذكر قبلها وبعدها كذلك لأنه قد جعل ذلك خروجا عن الدين، ورتب عليه الذل والصغار حتى يحدثوا توبة ويراجعوا دينهم.
ويرد على دلالة الحديث على التحريم أمران:
أولهما: أنه قرن العينة بالأخذ بأذناب البقر، والاشتغال بالزرع، وذلك غير محرم.
والثاني: أنه توعد على ذلك بالذل وهو لا يدل على التحريم.
ويدفع هذا بأن الأول غير مسلم إذ الحديث محمول على الاشتغال بالزرع على وجه يؤدي إلى التهاون في أمر الجهاد وذلك من أكبر الكبائر.
والثاني غير مسلم أيضا لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فطلب أسباب العزة وتجنب أسباب الذلة من لوازم الإيمان ومقتضياته، والتوعد بالذل ظاهر ظهورا بينا في التحريم، وهو لا يكون إلا لذنب عظيم، لذلك جعل رسول الله ﷺ الفاعل لما يوجب المذلة من الأمور المذكورة في الحديث بمنزلة الخارج عن الدين الناكص على عقبه.
ثانيا: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى، فقالت لها أم ولد زيد: " إني بعت من زيد غلاماً بثمانمائة درهم نسيئة، واشتريته بستمائة نقدا "، فقالت: " أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب، بئس ما اشتريت، وبئس ما شريت ".
стр. 48
قال عبد الهادي: " إسناده جيد "، وعزاه في منتقى الأخبار إلى الدارقطني أيضا ورواه حرب الكرماني من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدته العالية (يعني جدة إسرائيل فإنه إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، والعالية امرأة أبي إسحاق وجدة إسرائيل بن يونس) قالت: دخلتُ على عائشة في نسوة فقالت: " ما حاجتكن "، فكان أول من سألها أم محبة فقالت: " يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ "، قالت: " نعم "، قالت: " فإني بعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، وأنه أراد بيعها فابتعتها بستمائة درهم نقدا، فأقبلت عليها وهي غضبى " فقالت: " بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب "، وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلا، ثم أنه سهل عليها، فقالت: " يا أم المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي فتلت عليها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ (البقرة: من الآية٢٧٥) .
قال الشوكاني في نيل الأوطار: " فيه دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمنه نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول، أما إذا كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أمد فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة قال: والصورة المذكورة هي صورة ببع العينة قال: وليس في حديث الباب - يريد به حديث عائشة رضى الله عنها - ما يدل على أن النبي ﷺ نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله ﷺ يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص عن الشارع، إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة، ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم، لأن مخالفة الصحابي لصحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط، اه "١.
وقال الإمام القرافي ﵀ في الفرق الرابع والتسعين بعد المائة من كتابه (الفروق) : " وهذا التغليظ العظيم لا تقوله رضى الله عنها إلا عن توقيف، فتكون هذه الذرائع واجبة المنع وهو المطلوب.
فإن قيل زيد بن أرقم من خيار الصحابة والصحابة ﵃ كلهم عدول وسادة أتقياء.
فكيف يليق به فعل ما يقال فيه ذلك؟ الجواب: قال صاحب المقدمات أبو الوليد بن
стр. 49
رشد: هذه المبايعة كانت بين أم ولد زيد بن أرقم ومولاته قبل العتق، فيتخرج قول عائشة ﵂ على تحريم الربا بين السيد وعبده مع القول بتحريم هذه الذرائع، ولعل زيد بن أرقم لا يعتقد تحريم الربا بين السيد وعبده، قال: ولا يحل لمسلم أن يعتقد في زيد أنه واطأ أم ولده على شراء الذهب بالذهب متفاضلا إلى أجل.
فإن قيل: إذا قلنا بالتحريم على رأى عائشة ﵂ فما معنى إحباط الجهاد، وإحباط الأعمال لا يكون إلا بالشرك.
الجواب: أن الإحباط إحباطان: إحباط إسقاط، وهو إحباط الكفر للأعمال الصالحة، فلا يفيد شيء منها معه.
وإحباط موازنة، وهو وزن العمل الصالح بالسيء، فإن رجح الشيء فأمه هاويه أو الصالح فهو في عيشة راضية، كلاهما معتبر غير أنه يعتبر أحدهما بالآخر، ومع الكفر لا عبرة البتة بالأعمال الصالحة فالإحباط في الأثر إحباط موازنة.
بقي سؤال وهو: كيف يحيط هذا الفعل جملة ثواب الجهاد؟ قلت: له معنيان:
أحدهما: أن المراد المبالغة في الانكار لا الحقيقة.
ثانيهما: أن مجموع الثواب المتحصل من الجهاد ليس باقيا بعد هذه السيئة، بل بعضه فيكون الإحباط في المجموع من حيث هو مجموع. وظاهر الإحباط والتوبة أنه معصية إما بترك التعلم لحال هذا العقد قبل القدوم عليه لأنه اجتهد فيه ورأت أن اجتهاده مما يجب نقضه وعدم إقراره فلا يكون حجة له، أو هو ممن يقتدى به فخشيت أن يقتدي به الناس فينفتح باب الربا بسببه، فيكون ذلك في صحيفته فيعظم الإحباط في حقه.
ومن هذا الباب في الإحباط قوله ﵊: " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " أي بالموازنة، اهـ١.
نقض مطاعن ابن حزم في حديث عائشة:
وقد طعن ابن حزم في حديث عائشة هذا حيث قال في المحلى٢: " فأما خبر امرأة أبي سفيان ففاسد جدا لوجوه:
أولها: أن امرأة أبي سفيان مجهولة الحال.
стр. 50
الثاني: أن امرأة أبي سفيان لم تسمعه من أم المؤمنين عائشة، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، وهي التي باعت من زيد وهي أم ولد زيد، وهي في الجهالة أشد وأقوى من امرأة أبي إسحاق، ويدل لذلك ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر تقول: سألت عائشة أم المؤمنين وذكرت القصة.
الثالث: أنه لا يمكن أن تقول عائشة: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب، وزيد لم يفته مع رسول الله ﷺ إلا غزوتان فقط أحد وبدر، وأنفق من قبل الفتح وقاتل، وشهد بيعة الرضوان تحت الشجرة بالحديبية، ونزل فيه القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ (الفتح: من الآية١٨) فو الله ما يبطل هذا كله ذنب من الذنوب غير الردة عن الإسلام فقط وقد أعاذه الله تعالى برضاه عنه.
الرابع: لو صح أن زيدا أتى أعظم الذنوب من الربا الصريح وهو لا يدري أنه حرام لكان مأجورا في ذلك أجرا واحدا غير آثم، فكيف يظن بأم المؤمنين إبطال جهاد زيد بن أرقم في شيء عمله مجتهدا فيه.
قال: فهذه أربعة أوجه في بطلان هذا الخبر، ثم لو صح ما كان لهم حجة لأن قول عائشة ليس أولى من قول زيد، وإن كانت أفضل منه إذا تنازعا، انتهى كلامه باختصار.
وقد مربك من الآثار، وأقوال العلماء، ما ينقض هذه الشبهة التي أوردها ابن حزم على حديث عائشة، وجاء في إقامة الدليل لابن تيمية، وفي إعلام الموقعين لابن القيم، ما تنهار به هذه الشبهة أيضا ولا بأس أن نذكر لك خلاصة ما قاله هذان الإمامان الجليلان في هذا الموضوع: (حديث عائشة وأم ولد زيد بن أرقم حديث في إسناده شعبة، وإذا كان شعبة في إسناده حديث فاشدد يديك به، فمن جعل شعبة بينه وبين الله فقد استوثق لدينه، -وأيضا فهذه امرأة أبي إسحاق وهو أحد أئمة الإسلام الكبار وهو أعلم بامرأته وبعدالتها، فلم يكن ليروي عنها سنة يحرم بها على الأمة وهي عنده غير ثقة ولا يتكلم فيها بكلمة، بل يحابيها في دين الله، هذا لا يظن بمن هو دون أبي سفيان- وأيضا فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلت على عائشة وسمعت منها وروت عنها، ولا يعرف أحد قدح فيها بكلمة، وأيضا فإن كلاً من الكذب والفسق لم يكن ظاهرا في التابعين بحيث ترد به روايتهم، وأيضا فإن هذه المرأة معروفة واسمها العالية وهي جدة إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وامرأة أبي إسحاق، وقد حملا عنها هذه السنة، وإسرائيل أعلم بجدته، وأبو إسحاق أعلم بامرأته،
стр. 51
وأيضا فلم يعرف أحد قط من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث ولا قدح فيها من أجله، ويستحيل في العادة أن تروي حديثا باطلا ويشتهر في الأمة ولا ينكره عليها منكر.
وأيضا فإن في الحديث قصة.
والحديث عند الحفاظ إذا كان فيه قصة دلهم على أنه محفوظ، وأيضا فهذا الحديث إذا انضم إلى تلك الأحاديث والآثار التي تفيد تحريم هذا البيع أفادت بمجموعها الظن الغالب إن لم تفد اليقين، وأيضا فلو لم يأت في هذه المسألة أثر لكان محض القياس ومصالح العباد وحكمة الشريعة تفيد تحريم هذا البيع، فإنه ربا مستحل بأدنى الحيل، فكيف يليق بالشريعة الكاملة التي لعنت آكل الربا وموكله، وبالغت في تحريمه، وآذنت صاحبه بحرب من الله ورسوله، أن تبيحه بأدنى الحيل مع استواء المفسدة، ولولا أن عند أم المؤمنين ﵂ علما من رسول الله ﷺ لا تستريب فيه ولا تشك بتحريم مسألة العينة لما أقدمت على الحكم بإبطال جهاد رجل من الصحابة باجتهادها لكن عذر زيد أنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا أمرت بإبلاغه، فمن بلغه التحريم وتبين له ذلك ثم أصر عليه لزمه هذا الحكم.
ومعلوم أن هذا لو كان مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن إثما، فضلا عن أن يكون من الكبائر، فلما قطعت بأنه من الكبائر وأمرت بإبلاغه ذلك علم أنها علمت أن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد وما ذاك إلا عن علم وإلا فالاجتهاد لا يبطل الاجتهاد، ولا يحكم ببطلان عمل المسلم المجتهد بمخالفته لاجتهاد نظيره، والصحابة - ولاسيما أم المؤمنين - أعلم بالله ورسوله وأفقه في دينه من ذلك، وأيضا فإن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس أفتوا بتحريم ذلك البيع وغلظوا فيه في أوقات مختلفة، ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة، بل ولا من التابعين رخص في ذلك، بل عامة التابعين من أهل المدينة والكوفة وغيرهم على تحريم ذلك، فيكون حجة، بل إجماعا.
فإن قيل: فزيد بن أرقم قد خالف عائشة ومن ذكرتم، فغاية الأمر أنها مسألة ذات قولين للصحابة، وهي مما يسوغ فيها الاجتهاد، فالجواب: أن زيدا لم يقل قط أن هذا حلال ولا أفتى بها يوما، ومذهب الرجل لا يؤخذ من فعله، إذ لعله فعله ناسيا أو ذاهلا أو متأولا أو ذنبا يستغفر الله منه ويتوب أو يصر عليه وله حسنات تقاومه.
وإذا كان الفعل محتملا لهذه الوجوه وغيرها لم يجز أن ينسب لأجله اعتقاد حل هذا إلى زيد بن أرقم ﵁، لاسيما وأم ولده إنما دخلت على عائشة تستفتيها، وقد رجعت
стр. 52
عن هذا العقد إلى رأس مالها كما تقدم، فعلما أنهما لم يكونا على بصيرة منه، وقول السائلة لعائشة: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ثم تلاوة عائشة عليها ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (البقرة: من الآية٢٧٥) دليل بين على أن التغليظ إنما جاء لأجل جهالة الأجل كما قيل، فإن هذه الآية إنما هي في التأنيب على الربا، وفي هذا دليل على بطلان العقد الأول إذا قصد به التوسل إلى الثاني وهذا هو الصحيح من مذهبنا وغيره، وأيضا فبيع العينة إنما يقع غالبا من مضطر إليها وإلا فالمستغني عنها لا يشغل ذمته بألف وخمسمائة في مقابل ألف بلا ضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك، وقد روى أبو داود عن صالح بن رستم عن شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي أو قال قال علي ﵁ " نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، وعن بيع الثمرة قبل أن تدرك "، ورواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور مبسوطا قال: " قال علي سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية٢٣٧) وينهد الأشرار ويستذل الأخيار، ويبايع المضطرين، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الضطر، وعن بيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تطعم ".
وهذا وإن كان في راويه جهالة فله شاهد من وجه آخر رواه سعيد قال: حدثنا هشيم عن كوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغي عن حذيفة ﵁ أنه حدث عن رسول الله ﷺ : " أن بعد زمانكم هذا زمانا عضوضا يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤثر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (سبأ: من الآية٣٩) وينهد شرار خلق الله يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطر حرام، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره، إن كان عندك خير فعد به على أخيك ولا تزده هلاكا إلى هلاكه"، وهذا الإسناد وإن لم تثبت به حجة فهو يعضد الأول، مع أنه خبر صدق، بل هو من دلائل النبوة، فإن عامة العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نفقة يضن بها عليه الموسر بالقرض، حتى يرجع عليه في المائة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السلعة إلى بائعها فهي العينة، وإن باعها لغيره فهي التورق، وإن رجعت إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الربا والأقسام الثلاثة يعتمدها المرابون وقد اختلف السلف في كراهة التورق، وكان عمر بن عبد العزيز يكرهه، ويقول: " التورق أخية الربا "، وعن الإمام أحمد فيه روايتان منصوصتان، وأشار في رواية الكراهة إلى أنه مضطر، وأما القسمان الآخران فلا يشك في تحريمهما إن كانا عن احتيال وتواطؤ لفظي أو عرفي؛ والله أعلم"١. اهـ.
стр. 53
ثالثا: ومن الأحاديث الدالة على تحريم العينة ما رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : " يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع " يعني العينة.
وقد انضم إلى هذا الحديث المرسل آثار عن الصحابة تقويه، منها: عن أنس بن مالك أنه سئل عن العينة فقال: "إن الله لا يخدع هذا مما حرم الله ورسوله"، وعن ابن سيرين قال: قال ابن عباس: "اتقوا هذه العينة، لا تبع دراهم بدراهم وبينهما حريرة" رواهما محمد بن عبد الله الكوفي المعروف بمطين في كتاب البيوع وفي رواية عن ابن عباس. فقال: "دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة" ذكره القاضي أبو يعلى الحنبلي وغيره وفي لفظ عن ابن عباس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال، إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله ورسوله، والصحابي إذا قال حرم الله ورسوله أو أوجب الله ورسوله ونحو هذا فإن حكمه حكم ما لو روى لفظ رسول الله ﷺ الدال على التحريم والإيجاب، ليس في ذلك إلا خلاف شاذ، لأن رواية الحديث بالمعنى جائزة وهو أعلم بمعنى ما سمع، فلا يقدم على القول بمثل ذلك إلا بعد التثبت، واحتمال الوهم احتمال مرجوح كاحتمال غلط السمع أو نسيان القلب.
وهذه الآثار إذا انضمت إلى مرسل الأوزاعي تجعله صالحا للاحتجاج به وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد، ومن المعلوم أن العينة عند مستحلها إنما يسميها بيعا، وفي هذا الحديث والآثار الشاهدة له بيان أنها ربا لا بيع، فإن الأمة لم يستحل أحد منها الربا الصريح، وإنما استحل باسم البيع وصورته، ومن الواضح أن الربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه، وإنما حرم لحقيقته ومعناه ومقصوده، وهى قائمة في الحيل الربوية كقيامها في صريحه سواء، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما، ويعلمه من شاهد حالهما، والله يعلم أن قصدهما نفس الربا، لكنما توصلا إليه بعقد غير مقصود وسمياه باسم مستعار، فإن الله سبحانه حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج، وتعريضه للفقر الدائم، والدين اللازم، وتولد ذلك وزيادته إلى غاية تجتاحه متاعه، وتسلبه أثاثه، كما هو الواقع في الشاهد، فمن تمام حكمة الشريعة الكاملة المتضمنة لمصالح العباد تحريمه وتحريم الذرائع الموصلة إليه كما حرم التفرق في الصرف قبل القبض، وأن يبيعه درهما بدرهم إلى أجل وإن لم يكن هناك زيادة، فكيف يظن بالشارع مع كمال علمه وحكمته أن يبيح الحيل والمكر على حصول هذه المفسدة ووقوعها متضاعفة بصورة عقد يتوصلان به إليها.
وأنت إذا تأملت الحيل المتضمنة لتحليل ما حرم الله ، وإسقاط ما أوجبه، وجدت الأمر فيها كذلك، ووجدت المفسدة الناشئة منها أعظم من المحرمات الباقية
стр. 54
على صورها وأسمائها، والوجدان شاهد بذلك، فتغيير صور المحرمات وأسمائها مع بقاء مقاصدها وحقائقها زيادة في المفسدة التي حرمت لأجلها، مع تضمنه لمخادعة الله ورسوله، ونسبة المكر والخداع والغش والنفاق، إلى شرعه ودينه، وأنه يحرم الشيء لمفسدة ثم يبيحه لأعظم منها، ولهذا قال أيوب السختياني " يخادعون الله كما يخدعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون "١.
٩- عن ابن عباس ﵄ قال: بلغ عمراً أن فلانا باع خمراً، فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: " قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها " ٢.
وجه الدلالة من الحديث على تحريم الحيل أن رسول الله ﷺ لعن اليهود كما في الحديث الذي رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما٣، وذلك لاستحلالهم ما حرم الله عليهم بحيلة ظاهرها أنهم انتفعوا بالشحم فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لا بما أذيب من الشحم وصار ودكا لئلا يحصل الانتفاع بما كان أصله حراما مبالغة منهم في البعد عن الحرام بطريق الحيلة، ومع خروجهم بهذه الحيلة من ظاهر التحريم من هذين الوجهين فقد لعنهم الله ولعنهم رسوله ﷺ على هذا الاستحلال نظرا إلى المقصود الذي أرادوه، فإن ما حكمه التحريم لا يختلف المائع منه عن الجامد، والبدل يأخذ حكم المبدل.
قال الخطابي في معالم السنن: " في هذا الحديث بيان بطلان كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى المحرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه "٤.
وقال ابن حجر في الفتح: " وفيه إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم "٥.
ويكفي هذا القدر من الأحاديث الدالة على تحريم الحيل، فقصدنا ضرب الأمثلة
стр. 55
والشواهد، وليس قصدنا في بحثنا هذا الاستقصاء فهذا بحر واسع يصعب غوره، ويطول وأما الإجماع فقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم على تحريم الحيل، وتقرير هذا الإجماع من عدة وجهه:
أحدها: أن المقتضي لهذه الحيل كان موجودا في عهدهم ولم يعملوا بها ولم يدلوا أحدا عليها فعلم أنها لم تكن عندهم من الدين في شيء، إذ لو كانت مشروعة ما استغنى عنها القوم لأنهم أهل حرث وتجارة فلو كانت البيوع الربوية وما شاكلها مشروعة لعملوا بها وأفتوا الناس بجوازها، وكذلك الطلاق الثلاث كان واقعا في عهدهم وكان المطلقون والمطلقات يندمون ويتمنون الرجوع إلى بعضهم كما في قصة امرأة رفاعة القرظي فلو كان الحل يثبت بنكاح التحليل لأوشك أن يدلوا عليه فكيف وقد شددوا فيه حتى سمى النبي ﷺ المحلل التيس المستعار.
وهكذا سائر الحيل كانت أسبابها قائمة، ودواعيها متوافرة ولم يفعلوها فدل ذلك على أنها لم تكن من الدين بإجماع منهم.
الوجه الثاني: أن الكتب المصنفة في أحاديث رسول الله ﷺ وفتاوى الصحابة والتابعين وقضاياهم ليس فيها عن أحد منهم أنه عمل بشيء من هذه الحيل أو أفتى بها، ولو عملوا أو أفتوا به لنقل إلينا كما نقل لنا غيره.
والذين صنفوا في الحيل من المتأخرين حرصوا كثيرا على خبر أو أثر يستندون إليه في ذلك فلم يجدوا شيئا من ذلك إلا ما حكى من المعاريض القولية والفعلية التي لا تدل إلى ما ذهبوا إليه من الحيل المناقضة لمقاصد الشارع، فإن تلك المعاريض إما كتم عن المخاطب ما أراد معرفته أو إفهام له بخلاف ما في نفسه، مع أنه صادق فيما عناه، والمخاطب ضل في تعرف الطريق إلى مقصوده، فكيف وما عناه الصادق في قوله يخدم مصلحة شرعية.
الوجه الثالث: ومع أنهم لم يفتوا بشيء من هذه الحيل، ولم يعملوا بها مع قيام المقتضي لها والرغبة إليها لو كانت جائزة، فقد أفتوا بتحريمها وإنكارِها في قضايا متعددة، وقصص مشهورة، وأمصار متباينة فدل ذلك أن إنكارها كان مشهورا بينهم.
فقد خطب عمر بالناس على منبر رسول الله ﷺ وقال: " لا أوتى بمحلل ولا محلل له
стр. 56
إلا رجمتهما "١ وأقره الصحابة على ذلك، بل أفتى بذلك أيضا عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر ﵃ أجمعين أن المرأة لا تحل بنكاح التحليل.
وأفتى ابن عباس وأنس وعائشة بتحريم مسألة العينة وإفساد العقد بها وأنها خداع لله والرسول؛ لأن ظاهرها البيع وباطنها الربا.
فكان هذا قولهم في التحليل، والإهداء للمقترض، والعينة وغير ذلك مما تقدم طرف منه ومن أراد المزيد فعليه مراجعة إقامة الدليل لابن تيمية، وإعلام الموقعين، وإغاثة اللهفان لابن القيم وغيرها.
стр. 57
الفصل السابع: أمثلة للحيل الجائزة
علمت مما تقدم ضوابط الحيل المحظورة وهي ما ناقض مصلحة شرعية أو هدم أصلاً شرعياً، فإذا كانت الحيلة لا تهدم أصلاً ولا تناقض مصلحة من الشرع فهي غير داخلة في النهي، وربما حصل خلاف بين بعض الفقهاء في بعض مسائل من الحيل مما لم يتضح فيه دليل أنه من النوع المحظور أو النوع المباح فاختلفت آراؤهم وتباينت أنظارهم لذلك.
فالضابط العام في الحيل الجائز ما كان المقصود بها إحياء حق أو دفع ظلم أو فعل واجب أوترك محرم، أو إحقاق حق، أو إبطال باطل، ونحو ذلك مما يحقق مقاصد الشارع. وإليك مسائل مختارة من الحيل الجائزة ومن أدلتها وشواهدها من الكتاب والسنة:
أولا: الكتاب:
١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١.
قلت: في الآية الكريمة دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز، وأنه من كبائر الذنوب كما جاء في الحديث، قال العلماء: هذا إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف، لقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ﴾ ٢، أما إذا كانوا أكثر فالثبات مستحب والفرار جائز فليست الآية باقية على عمومها، قال الشافعي ﵀: " إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة "٣.
ووجه دلالة الآية على الحيلة أن كلا من التحرف والتحيز حيلة ظاهرها الهزيمة والفرار وباطنها والمقصود منها التمكن من الكفار على أبلغ وجه، وذلك إما بالكر بعد الفر، وإما بتقوية الانحياز إلى الفئة الأخرى حتى يكون النصر أرجى.
стр. 58
وهذه حيلة جائزة مشروعة، بل واجبة إذا رؤي منها أنها تدفع الهزيمة وتحقق النصر على الأعداء ولما يترتب عليها من إعلاء كلمة الله، وتقوية المسلمين، وإذلال المشركين.
وهذه الحيلة من باب المعاريض في الفعل، كما أن قوله ﷺ لطلائع المشركين وقد سألوا عن المسلمين: ممن أنتم، فقال لهم ﵊: " نحن من ماء " فتدافع القوم وقالوا: أحياء اليمن كثير، من باب المعاريض في القول، وكلاهما جائز، بل واجبان إذا ترتب عليهما دفع ظلم عن الإسلام والمسلمين، وحد الحيلة منطبق عليها تمام الانطباق، فإنها إظهار فعل لغير مقصود أو إظهار قوله لغير مقصوده، بحيث يتوهم الناظر أو السامع غير ما يقصده الفاعل أو القائل.
ثم إن ضروب الحيل والخداع في الحرب معروفة قديما ولا تكاد تنحصر، والآية وإن اقتصرت على التحرف والتحيز لفظا
لكنها تتسع لغيرهما معنى بطريق القياس والدلالة، ويؤيد ذلك ما ورد في السنة عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الحرب خدعة " ١.
٢- وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ٢.
أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس إلى دين الله سرا وعلانية، بالحكمة والموعظة الحسنة، فما كان من كفار قريش- وقد توارثوا ما كان عليه آباؤهم من الأباطيل جيلا بعد جيل- إلا أن يتفننوا في إيذاء رسول الله ﷺ ، وإيذاء من آمنوا به، بكل وسيلة حتى أنهم ما كانوا يسمحون لهم بإقامة شعائر الله علانية، وأخيرا دبروا مكيدة لقتله ﷺ ، فأطلعه الله عليها، وأمره أن يهاجر إلى المدينة هو ومن آمن معه، حتى يستطيعوا إقامة شعائر الله، ودعوة الناس إلى دينه، من غير أن ينالهم من الظلم والاضطهاد ما كان يفعله معهم كفار قريش بمكة ففعل ﷺ ما أمره الله به، ومن هذا العهد كانت الهجرة من مكة إلى المدينة فريضة على كل مسلم ليكون آمنا على نفسه، حرا في إقامة شعائر دينه، وليكون ظهيرا للنبي ﷺ على الكفار، وليتلقى أحكام الدين عند نزولها، فكان من أصحاب رسول
стр. 59
الله ﷺ من يتسلل خفية إلى المدينة لئلا يناله اضطهاد، ومنهم من يكتم إيمانه، ويخفي إسلامه، ليتمكن من الهجرة بدون أن يمسوا بعذاب، ومنهم قوي شجاع يظهر إيمانه وهجرته ولا يبالي بما يناله من الأذى وأليم العقاب، وهؤلاء جميعا لهم من الله فضل كبير وثواب عظيم.
وبقي بمكة لم يهاجر فريقان، فريق كان أهله وماله ووطنه وقرابته أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فأخلد إلى المقام بمكة بين المشركين، وقعد عن الهجرة لنصرة المسلمين، وعاش بين المشركين يكثر سوادهم، ولا يستطيع أن يقوم بما يطلبه الدين منه على وجهه، وفريق كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولكنه ضعيف مستضعف، لا يقدرون على الأذى الذي ينالهم من المشركين، ولا يستطيعون إلى الهجرة حيلة، ولا يهتدون سبيلا، فأنزل الله في هذين الفريقين ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (النساء: من الآية٩٧) .
يتوعد الفريق الأول بجهنم وبئس المصير، ويعذر الفريق الثاني، وأنه لا لوم عليه ولا تقصير.
والمعنى: (إن الذين توفاهم الملائكة) أي تقبض أرواحهم عند حضور آجالهم (ظالمي أنفسهم) بالمقام مع الكفار، والإخلال بشعائر الدين، وترك الهجرة إلى المسلمين، وتكثير سواد المشركين عليهم يوم بدر، على ما روى البخاري عن ابن عباس: أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى الآية..
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله ﷺ كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (قالوا فيم كنتم) قالت لهم الملائكة عند قبض أرواحهم موبخين لهم على ما كان منهم: فيم كنتم، أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم، يعنون بذلك أنهم لم يكونوا على شيء منه، وإلا لهاجروا لنصرته، وإقامة شعائره، وتلقي أحكامه، ولم يقيموا بين المشركين يكثرون سوادهم على المؤمنين، ويظاهرونهم عليهم (قالوا) أي الظالمون أنفسهم للملائكة معتذرين عما كان منهم (كنا مستضعفين في الأرض) أي لم نكن على شيء من ديننا لاستضعاف الكفار لنا بمالهم من الحمل والطول، فكانوا يرغموننا على ما فعلنا.
فرد الملائكة هذا العذر عليهم و ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: من الآية٩٧) أي كان لكم مندوحة عما فعلتموه مكرهين، بمفارقة أرضهم إلى أرض أخرى، تستطيعون فيها
стр. 60
إقامة دينكم، ونصرة إخوانكم، كما فعل غيركم، ولكنكم اثاقلتم إلى الأرض، ورضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء: من الآية٩٧" ثم استثنى الله سبحانه من هذا الوعيد أصحاب الأعذار الحقيقية فقال: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ (النساء: من الآية٩٨) المراهقين أو الصغار وتكليفهم عبارة عن تكليف أوليائهم بإخراجهم من أرض الكفر إلى أرض الإسلام ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية٩٨) ضاقت بهم الحيل كلها، فلم يستطيعوا سلوك واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعها، فلم يهتدوا إلى طريق منها، والجملة حال من المستضعفين، والاستثناء منقطع ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى الله أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (النساء: من الآية٩٩) في تركهم الهجرة، إذ لم يتركوها اختيارا ولا إيثاراً منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه، ومع ذلك كله فقد نزلهم منزلة المذنبين حيث عبر بكلمة (عسى) التي لا تفيد الجزم بمدخولها وضعا، وبالعفو المشعر بوجود الذنب، حتى لكأنه لا يجوز لأحد من الناس على أي حال، وفي أي عذر، أن يتخلف عن الهجرة، ولا أن يقعد عنها، ولا يخفى ما في هذا التعبير من قطع طماعية الذين يقعدون عنها، ويعتذرون بغير العذر عن تركها ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أي شأنه ذلك لأصحاب الأعذار الصحيحة ولمن تاب بعد ظلمه.
الشاهد من الآيات:
دلت الآيات على الوعيد الشديد، والعذاب الأليم، لمن ترك الهجرة إلى رسول الله ﷺ بالمدينة قبل فتح مكة وهو قادر عليها، بوسيلة ظاهرة أو خفية، يؤخذ هذا من الآية الأولى صراحة، ومن الآية الثانية دلالة، لأنه قيد المستضعفين الذين عذرهم بالقعود عن الهجرة بأنهم ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ (النساء: من الآية٩٨ (وهو شرط في حصول العفو والمغفرة لهم، وإلا لتناولهم الوعيد في الآية قبلها، كما هو ظاهر.
والوعيد على ترك الشيء بالعذاب الشديد فرع عن وجوبه، وتحتم فعله، ومن هنا يثبت أن سلوك الطرق الخفيف إذا تعذرت الطرق الظاهرة أو تعسرت إلى الهجرة لرسول الله ﷺ واجبة محتومة، وفريضة مكتوبة، وهي حيلة مقصودها نصرة الله ورسوله، وإقامة شعائر دينه، على أتم وجه وأكمله، وتلقى أحكامه، ووسيلتها مشروعة، ومن أمثلتها الفرار من المشركين خفية، أو التظاهر بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان حتى يكون حرا في الانتقال من مكان إلى مكان، أو أن يريهم أنه يريد بذهابه إلى المدينة كشف أسرار المؤمنين، والتجسس عليهم، أو أن يوهمهم أنه يريد مقصدا قريبا فإذا أذنوا له لاذ بالفرار إلى المدينة، وما إلى ذلك، وهذه الوسائل واجبة إذا توقفت الهجرة عليها.
стр. 61
وبالتأمل في هذه الحيلة التي دلت الآية على وجوبها - بالطريق السابق - نرى أنه ليس فيها إبطال حق لله أو للعبد، وإنما هي مكيدة ومخادعة لأعداء الله، ويترتب عليها من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يحصى، ويقاس عليها كل حيلة في معناها كالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمثال هذا المقصد، والهجرة من أرض المعاصي والبدع إذا لم تنجح فيهم الموعظة الحسنة إلى أرض تقام فيها السنة، وتحترم فيها شعائر الإسلام.
٣- وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ َلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
قلت: في هذه الآية دلالة واضحة على التحيل لدفع الأذى عن النفس ولو أدى ذلك إلى التلفظ بالكفر، فقد عذب عمار بن ياسر أشد تعذيب حتى أن المشركين ليضعون على صدره الحجر الكبير الذي يلتظى من شدة الحرارة في الرمضاء المحرقة فيجتمع عليه ثقل الحجر وحرارته من أعلى، وشدة حرارة البطحاء من تحته، كل ذلك منزوع الثياب، وبالغوا في تعذيبه ذات يوم حتى يذكر محمد بشر وآلهتهم بخير، فنطق بما أرادوا مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان، ولما أطلقوه ذهب إلى رسول الله ﷺ مسرعاً، وشكا وشرح ما وقع فيه وما وقع له، فقال له المصطفى ﷺ : كيف تجد قلبك، قال: مطمئنا بالإيمان، فقال: " إن عادوا فعد "، وفي ذلك نزلت هاتان الآيتان٢.
فالنطق بكلمة الكفر على الوجه المتقدم حيلة على دفع الأذى عن النفس، ظاهرها الكفر، وباطنها الإيمان وقصد دفع الضرر.
ولقد أفادتنا الشريعة الغراء من خلال نصوصها المتعددة أن عقود المكره وأقواله ملغاة مهدرة لا تترتب عليها آثارها الشرعية، ولا تنفذ هذه التصرفات لانعدام الرضا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " عقود المكره وأقواله مثل بيعه وقرضه ورهنه ونكاحه وطلاقه ورجعته ويمينه ونذره وشهادته وحكمه وإقراره وردته وغير ذلك من أقواله كلها منه ملغاة مهدرة، وأكثر ذلك مجمع عليه، وقد دل على بعضه القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ﴾ ، وقوله سبحانه ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (آل عمران: من الآية٢٨) والحديث المأثور: " عفي لأمتي الخطأ
стр. 62
والنسيان وما استكرهوا عليه "، وقوله ﷺ : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " أي إكراه إلى ما في ذلك من آثار الصحابة "١.
ثانياً: السنة:
١- عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود ﵊، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى، قال: أبو هريرة: " والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية "٢.
قلت: أصح الأقوال عندي ما قاله القرطبي ﵀ قال: " والذي ينبغي أن يقال أن داود ﵇ إنما قضى للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها، ولم يذكر في الحديث تعيينه، إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن يقال إن الولد الباقي كان في يد الكبرى، وعجزت الصغرى عن إقامة البينة فقضى به للكبرى إبقاء لما كان على ما كان "٣.
والشاهد من الحديث لما نحن بصدده أن نبي الله سليمان ﵇ استخرج الحق في هذه الحادثة بحيلة لطيفة أظهرت ما في نفس الأمر، حيث دعا بالسكين ليشقه بينهما ظاهراً، ولم يعزم على ذلك في الباطن، وإنما أراد كشف الحقيقة، فتوصل إلى مراده وتيقن أن الولد للصغرى لجزعها عليه، وعظيم شفقتها، ولم يلتفت إلى قولها أنه ابن للكبرى، لأنه علم أنها آثرت حياته، لأنه ابنها رحمة به وشفقة عليه، ولم تأبه الكبرى به ولم تتأثر من كلامه، قال القرطبي ﵀: " وفي الحديث من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورانية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء "٤.
٢- عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في صلاته فلينصرف، فإن كان في صلاة جماعة فليأخذ بأنفه ولينصرف "٥.
стр. 63
قلت: هذا الحديث يدل على أن خروج الريح من الدبر في الصلاة مفسد لها، وأن المصلي إذا خرج منه ريح يجب عليه قطع الصلاة فورا، ويحرم عليه الاستمرار فيها، لكونه على غير طهارة، ولا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ.
ولما كان خروج الريح أمراً يستحى منه، ويعرض صاحبه لغمز الناس وقالتهم، لاسيما إذا حصل منه أثناء صلاة الجماعة، لذلك أرشد النبي ﷺ إلى مخلص حسن وحيلة لطيفة، وهو أن ينصرف من الصلاة واضعاً يده على أنفه ليوهم الناس أن به رعافا ومن أجله خرج من الصلاة، وذلك حتى لا يأخذه الخجل ويسول له الشيطان المضي في صلاته استحياء من الناس فيأثم مع بطلان صلاته.
ولا يدخل هذا في باب الكذب أو الرياء، وإنما هو من باب الأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح، والتورية عنه بأحسن المعاريض الفعلية وألطفها، وحفظ عرضه من الناس والسلامة من قالتهم.
٣- عن سويد بن حنظلة قال: " خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي فَخُلِّي عنه، فأتينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: أنت أبرهم وأصدقهم، صدقت: المسلم أخو المسلم "١.
٤- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: " أقبل نبي الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ كبير يعرف، ونبي الله ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل "٢.
هذان الحديثان من المعاريض القولية، فالتعريض كلام له وجهان ظاهر وباطن، والذي حصل من سويد بن حنظلة وأبي بكر ﵄ من هذا القبيل، وهو نوع من الحيل التي يترتب عليها صون الدماء وعزة الإسلام وبيان ذلك:
أن قول سويد: " هو أخي " له وجهان، ظاهر وهو أخوة النسب وهي التي فهمها السامع، ومن أجلها ترك وائل بن حجر ﵁، ووجه باطن هو أخوة الإسلام وهي التي خفيت على السامع وقصدها القائل وحلف عليها، ومن هنا حصل البر في يمينه.
فإن قلت: أليس حديث حنظلة هذا مخالفاً لما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: " يمينك على ما يصدقك به صاحبك " وفي رواية: " اليمن على نية المستحلف " وهنا
стр. 64
في حديث حنظلة روعي في اليمين نية الحالف، فالجواب: أن حديث أبي هريرة محمول على المستحلف المظلوم، وحديث حنظلة محمول على المستحلف الظالم، وقد جاء عن إبراهيم النخعي ما يؤيد هذا التوفيق، وإليه ذهب أبوحنيفة وأحمد وجمهور العلماء، وتقدمت الإشارة إلى هذا سابقا.
وكذلك قول أبي بكر ﵁ " هذا الرجل يهديني السبيل " ظاهره طريق السفر وهو الذي يتبادر إلى ذهن السامع ولا يذهب ذهنه إلى غيره، وباطنه الطريق الحق وهو دين الإسلام.
فاستخدم ﵁ التورية القولية حتى لا يؤذي رسول الله ﷺ ، وكل ما كان من هذا القبيل مما فيه نصرة الإسلام، وعون أهل الحق فهو من الحيل الجائزة بل الواجبة أحيانا، وهو من محاسن هذه الشريعة الغراء.
٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتان منهن في ذات الله قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ، وقال: بينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هذا رجل معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأُخِذَ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله، ثم تناولها الثانية فأخِذَ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: إنك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده مهيم؟ قالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر، قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء "١.
وهذا الحديث فيه إشكال بسيط، وذلك أن العقل يقطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم صدق ما جاء به عن الله، ولا ثقة مع تجويزه الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه.
والجواب عن ذلك: أن المراد بالكذب في الحديث المعاريض التي ظاهرها الكذب
стр. 65
وباطنها الصدق، وأطلق عليها لفظ الكذب لكونها على خلاف المتبادر من اللفظ عند السامع لكنه إذا تأملها لم تكن كذباً، وإنما عبر النبي ﷺ عما صدر عنه بالكذبات ولم يعبر بالمعاريض ليؤكد المدح بما يشبه الذم كقول القائل:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
كأنه قال: لم يصدر عن إبراهيم كذب قط وإن كذب فهو هذه المعاريض الثلاثة التي جادل بها دين الله.
وأما توجيه التعريض في الكذبات الثلاث فبيانه ما يلي:
الأولى: أشار الله إليها في كتابه الكريم بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ١، وهذه الآية سيقت في معرض توبيخ إبراهيم ﵇ لقومه على ما يعبدون من الآلهة الباطلة، ولها معنيان ظاهر وباطن، فأما الظاهر فهو غير مراد وهو الذي فهمه قومه، وهو أنه ﵇ نظر نظرة في النجوم ليتعرف من أنباء الغيب ما قدر له في المستقبل من خير أو شر، بناء على معتقداتهم الفاسدة أنه يستدل بها على ذلك فكانت نتيجة ظاهر ما رآه أن قال: إني سقيم، أي قرب أن يلحق بي مرض شديد يمنعني من الخروج معكم لذلك لا أستطيع مغادرة مكاني، وباطنه أنه نظر في النجوم نظرة متدبر ومعتبر على ما هو اللائق بمقام أنبياء الله وغيرهِم من صالحي المؤمنين، فقال: إني سقيم القلب من شرككم بالله واتخاذكم الأصنام أرباباً من دون الله، والباعث له على هذا التعريض حتى ينصرفوا عنه فيخلوا بآلهتهم فيحطمها، وقد تم له ما أراد، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.
فكان ذلك حيلة على هدم الطواغيت وإعلاء كلمة الله.
الثانية: أنهم لما دلهم على الله بالبراهين ولم يستمعوا له وأعرضوا عزم على الكيد لأصنامهم فقال: ﴿وَتَالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ٣، وهذا القول ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم
стр. 66
غزوة تبوك فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، وعدواً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم " الحديث١.
ومن أمثلته أيضاً ما فعله نعيم بن مسعود من إلقاء العداوة والبغضاء بين مشركي العرب وبين اليهود في غزوة الخندق وكان ذلك من أسباب الظفر والنصر، ثم أرسل الله على المشركين ريحاً فرقت ما بقي من أمرهم٢.
ومن أمثلته أيضاً ما حصل من محمد بن مسلمة من تلطفه لعدو الله كعب بن الأشرف اليهودي وقتله على غرة وكفى الله المؤمنين شره٣.
ومن ذلك أيضاً قتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق اليهودي قتله عبد الله بن عتيك ﵁ بأمر من النبي ﷺ ٤.
هذه نماذج وشواهد من دلالة الآيات القرآنية والسنة النبوية على الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع وأنها جائزة، بل تصل إلى درجة الوجوب إذا كان متعلقها واجباً.
ومن الحيل الفقهية، والمخارج الشرعية التي ذكرها الفقهاء في كتبهم ما ذكره ابن القيم ﵀ في كتابيه "إعلام الموقعين" و"إغاثة اللهفان"، فقد ذكر في إعلام الموقعين مائة وسبعة عشر مثالا للحيل الجائزة، وذكر في إغاثة اللهفان ثمانين مثالا للحيل الجائزة، ولا داعي لتكرارها هنا بجملتها، وإنما أحيل القارئ إليها لتمعنها وتدبرها، وإنما كان قصدي هنا الإشارة إلى أن باب الحيل باب واسع، منه الجائز ومنه غير الجائز، وقد مضت الضوابط والأدلة والشواهد على كلا النوعين، وهذا الذي كتبته مختصر من العلم نافع، لا يستغني عنه طالب العلم، ولا يسع القاضي جهله، به تتبين مقاصد الشارع وأسرارها، وبه يعلم الفرق بين ما اشتبه على الناس من مسائل الحيل.
كما أود الإشارة أيضاً إلى كتابين عظيمين أيضاً في هذا الباب أحدهما "إقامة الدليل في إبطال التحليل" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
والآخر "الأذكياء" لابن الجوزي ﵀ حيث أفردها بأبواب خاصة، وأكتفي بذكرهما عن غيرهما.
стр. 67
كما أثر عن السلف من الحيل التي لا تناقض مقاصد الشارع مالا يحصى، وهي في بابها تحتاج إلى مؤلف خاص بها فلتراجع في مظانها من الكتب التي أشرت إليها آنفاً.
هذا ما أحببت بيانه وتوضيحه لأولي الألباب، الذين يمسكون بالكتاب، من أهل العلم والطلاب، والله أسأل أن يجعل عملي خالصاً لوجهه الكريم، وأن يرفع به ذكري، ويحط به وزري، وعلى الله التكلان، وهو المستعان، وبه الاعتصام من كل شيطان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.