ال مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن الصحابة والتابعين وعمن تبع نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الفقه درة الإسلام، وثروة أمة الإيمان، ولا يعرف قدره إلا أهله، وهو ذروة سنام العلوم، وتاج العلماء، من حصل عليه وعمل به فقد أخذ بحظي الدنيا والآخرة، وصدق رسول الله ﷺ : " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " ١، وناهيك بقوله لابن عباس: " اللهم فقهه في الدين"٢.
والفقه يحتوي على قواعد كلية ترد إليه جزئيات كثيرة من مسائل الفقه، ويحتوي على مسائل متناثرة، وبه من دقيق المسائل وعويصها ما يعرفه أهل الفقه والفضل، ولقد عنى به الفقهاء عناية فائقة ففتقوا مسائله، وخرجوها على أصول أصحابهم، وفرضوا فرضيات وقع بعضها، وسيقع البعض الآخر، لأن الحوادث لا تتناهى، نظراً لاتساع دائرة الحياة، وتمدن البشر، واتساع مداركهم واختراعاتهم.
ومن مسائل الفقه التي تعد من أدقه فهماً مسائل الحيل، لا أستبق الأحداث، ولكنني إن شاء الله سأسلط الضوء عليها بتوضيح غامضها، وكشف حقائقها.
стр. 2
ولقد كانت البادرة الأولى أنني ألقيت جزءاً منها محاضرة في القاعة الكبرى بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وحصل مالم أتوقعه من الإقبال والحضور من طلبة العلم الذين زادوني همة وألحوا عليَّ بإكمال الجزء المتبقي من الحيل، حيث أشرت إلى الحيل المحظورة وصورها، وضاق وقت المحاضرة عن الحيل الجائزة وصورها.
ولما وجدت حرصهم ومتابعتهم لهذا الموضوع قررت الاستجابة، ولم يكن لي إلا أن أخوض غماره مرة أخرى بإكمال باقيه، وارتقاء مراميه، وأن أجلي غموضه، وأميط لثامه، وها أنا أبين طريقة عرضي لهذا الموضوع:
١- فندت هذا الموضوع وجعلته في مقدمة وتمهيد وسبعة فصول.
٢- حاولت جاهدا أن أسهل أسلوب هذا الموضوع الشائك حتى يتيسر ويسهل تناوله لأكثر طلبة العلم.
٣- دعمته بالاستدلال الكافي من الكتاب والسنة.
٤- ضربت له الشواهد والأمثلة حتى يتضح المقال بالمثال ولم أشأ أن أجعله مستفيضاً في ضرب الأمثلة والشواهد طلبا للاختصار، وتحقيقاً لهدفي منه وهو الإبانة عن هذا الموضوع الشائق الشائك المبتكر إن كان المقصود بالابتكار إخراج عمل عصري جديد، لم يعمل بصفة الاستقلالية، ولم يفرد له بحث مستقل على هذا المنوال، من التوسط في المقال، مع إيفاء الموضوع حقه بالمثال، وإلا فالابتكار بمعنى عدم السبق في التأليف أمر يكاد يكون مستحيلا، فنحن خلف لسلف نقتدي لنهتدي، ونتبع ولا نبتدع، وما ترك الأول للآخر شيئاً، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ١.
وليست أمور الشرع جارية على ناموس العلوم الكونية من علوم الآلات وعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والتجارب الحسية الخاضعة للابتكار والاختراع.
وأخيرا أرجو من إخواني إتحافي بملاحظاتهم القيمة فالمؤمن مرآة أخيه، وما كان من صواب في هذا البحث فمن الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله لذنبي كله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3
تمهيد
الحمد لله الذي أنار عقول المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، الذي أنار الله به دياجير الظلام وختم به دين الإسلام.
أما بعد:
فإن من أشد الضروريات التي طالب بها رب العزة والجلال، أن نعبده وحده ولانشرك به شيئا وبين توحيده في أفعاله وأفعال عباده وأسمائه وصفاته مما يجب الإيمان به والتسليم له.
ثم ألزمنا بمأمورات، ونهانا عن محظورات، وفرض لنا فرائض، وسنَّ لنا سنناً وبهذا تكامل العقد وانتظم وتجانس الدين وانسجم، وتمت كلمة ربك الحسنى وأصبح لدين الإسلام الطريقة المثلى في تحقيق الأمن والسعادة وما يحتاجه أي إنسان في حياته، وما ينجيه في دنياه وأخراه.
وهذه النعمة ألا وهي نعمة الإسلام، التي امتن الله بها علينا كما قال تعالى: ﴿بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١ توجب علينا الشكر لمنعمها وتقتضي منا العمل على تطبيقها في سائر حياتنا، ثم حملها للناس دعوة وجهاداً في سبيل الله .
ويوم كان الإسلام عزيز الجانب مهيب الصولة والجولة تفجرت ينابيع العلم وتدفقت مناهله، وهكذا سنة الله في الأرض، حتى العلم يقوى بقوة الإسلام ويضعف بضعفه.
لقد كان مصدر العلم ولا زال ولن يزال إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهما المنبعان الأساسيان الخالدان، ويليهما من مصادر وأصول التشريع الإجماع وهو راجع إليهما، ثم استصحاب الحال ودليل العقل، وهذه الأربعة متفق عليها.
وهناك أصول أربعة مختلف فيها وهي: شرع من قبلنا، إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، والثاني قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف، والثالث الاستحسان، والرابع المصلحة المرسلة.
ومجمل القول أن مصادر التشريع وأدلة الأحكام إما أصلية، وهي الكتاب والسنة
стр. 4
والإجماع، وإما تابعة وهي: استصحاب الحال ودليل العقل وقلنا إنه تابع لأنه إبقاء لما كان على ما كان من الإثبات أو النفي، ط والقياس، وشرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه، وقول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف، والاستحسان، والمصلحة المر سلة وسد الذرائع. والعرف؛ وسنعطي لمحة موجزة عن هذه الأدلة أصلية كانت أو تبعية تمهيدا للدخول في صلب الموضوع الذي نريده لأن عليها يبني الفقيه فقهه ويلجأ إليها عند حدوث الوقائع والمشكلات فأقول وبالله التوفيق:
المصدر الأول: وهو القرآن الكريم: كلام الله تعالى المعجز في لفظه ومعناه الذي نزل به جبريل الأمين على قلب سيد الأولين والآخرين ﷺ بلسان عربي مبين وهو مابين دفتي المصحف المنقول إلينا نقلا متواترا لا زيادة فيه ولا نقصان ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً﴾ ١ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ وهذا القرآن هو أساس الدين ومصدر التشريع وحجة الله البالغة في كل عصر ومصر، تلقاه عنه أصحابه رضوان الله عليهم، تلاوة له، وحفظاً ودراسة لمعانيه، وعملا بما فيه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: " حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عَشر آيات لا يتجاوزونها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل جميعاً " وهكذا استمر نقله وحفظ المسلمين له جيلا بعد جيل من غير تحريف أو تبديل.
المصدر الثاني: السنة المطهرة وهي سنة رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير وهذا تقسيم لها من حيث ذاتها أو من حيث هي.
وأما أقسامها من حيث الرواية فهي على قسمين:
١- الحديث المتصل وهو ما اتصل سنده إلى رسول الله ﷺ فلم يسقط أحد رواته.
٢- الحديث الغير متصل وهو ما أسقط منه راو فأكثر ويسمى في اصطلاح الأصوليين بالمرسل سواء سقط منه الصحابي أو غير الصحابي، وأما في اصطلاح المحدثين فالمرسل ما سقط منه الصحابي فقط، وأما ما سقط منه غير الصحابي فيسمونه المنقطع.
وأما الحديث المتصل فهو على ضربين:
أحدهما: الحديث المتواتر وهو الذي يرويه جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك من أول السند إلى منتهاه.
стр. 5
مثل حديث " إنما الأعمال بالنيات " وحديث " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار".
ثانيهما: حديث الآحاد أو خبر الواحد، وهو الذي يرويه واحد أو اثنان من أول السند إلى منتهاه، فرواته لا يبلغون حد التواتر في الطبقات الثلاث، أعني طبقة الصحابة وطبقة التابعين وطبقة تابعي التابعين وإن بلغوا حد التواتر فيما بعد، لأن السنة قد دونت بعد عصر تابعي التابعين وأصبحت الأخبار معلومة بهذا التدوين.
وغالب الأحاديث الواردة من هذا الباب، وزاد الحنفية ضرباً ثالثاً وهو المشهور وهو فوق خبر الآحاد ودون المتواتر وهو الذي لم يبلغ رواته عن الرسول ﷺ حد التواتر ولكنهم يبلغونه فيما بعد فإذا روى الحديث عن الرسول ﷺ أحد أو اثنان من الصحابة ثم رواه عنهم جمع من التابعين يمتنع اتفاقهم على الكذب وهكذا حتى نهاية السند في عصر التدوين، فهذا الحديث يسمى مشهورا عند الحنفية والمعول عليه في الشهرة هو الطبقة الثانية أو الثالثة من الرواة أي التابعون أو تابعوا التابعين.
وليس المقام مقام التفصيل في كل من الأنواع المتقدمة وشروط العمل بها ومدى حجتها فمكانه في مظانه أن علمي الحديث والأصول ولكنه الإجمال وبيان العناية التي أولتها هذه الأمة الإسلامية هذه السنة المطهرة حيث حفظوها وكتبوها ورواها كل عن الآخر حتى جاء بعضها متواتراً باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط متصلا إلى رسول الله ﷺ وهذا من خصائص ومزايا وكمال هذه الشريعة وحدها فنقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال خصَّ الله به المسلمين دون سائر الملل١.
ثالثها: وأما الإجماع لغةً فهو الاتفاق والعزم وفي اصطلاح الأصوليين: اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد ﷺ ، بعد وفاته على أمر من أمور الدين.
فقد انقطع التشريع والوحي بوفاة النبي ﷺ واتسعت رقعة الدولة الإسلامية وجدت حوادث ونوازل لم تكن من قبل أملتها الظروف التي نحياها والاتصالات بالأمم الأخرى وما هم عليه من عادات وتقاليد فاقتضى ذلك أن يجتهد الصحابة فمن بعدهم في تلك الوقائع فإن اتفقوا على أمر منها عدَّ ذلك إجماعاً وإن اختلفوا فذلك هو غالب الأحكام ولكل مجتهد نصيب٢.
стр. 6
رابعها: وأما استصحاب الحال ودليل العقل فمعناه إبقاء ما كان على ما كان حتى يقوم الدليل الذي يغيره.
فإذا ثبت حكم معين في الزمن الماضي فإنه يظل ثابتاً حتى يقوم دليل عليه بنفيه وإذا انتفى هذا الحكم بقي منفياً حتى يقوم دليل على ثبوته.
واستصحاب الحال أربعة أنواع:
١- النفي الأصلي أو براءة ذمة.
٢- استصحاب الدليل مالم يرد مغير.
٣- استصحاب الحكم مالم يرد مغير.
٤- استصحاب حال الإجماع إلى مسألة موضع خلاف.
فمثال الأول: وهو براءة الذمة أو النفي الأصلي أن الإنسان مباح له أن يفعل كل شيء حتى يأتي الرسل ويحصل التبليغ، والعقل دليل للنفي، والأحكام الشرعية تدرك بالسمع.
ومثال النوع الثاني: وهو استصحاب دليل الشرع مالم يرد المغير فكاستصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص واستصحاب النص إلى أن يرد النسخ.
ومثال النوع الثالث: وهو استصحاب الحكم مالم يرد مغير كاستصحاب الملك الثابت حتى يأتي المغير بالدفع، وشغل الذمة بالاتلاف حتى يأتي الإبراء.
ومثال النوع الرابع: وهو استصحاب حال الإجماع إلى مسألة موضع خلاف أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها فنحن نستصحب ذلك حتى يأتي دليل يزيلنا عنه.
وهذا النوع ليس بحجة في قول الأكثرية، لأن الإجماع في المثال السابق إنما دل على دوام الصلاة حال العدم. فأما مع الوجود في أثناء الصلاة فهو مختلف فيه ولا إجماع مع الاختلاف لأن حقيقة الإجماع الاتفاق ولا اتفاق هنا١.
خامسها: القياس وقد عرفه علماء الأصول بأنه إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة بينهما في الحكم كإلحاق الأرز بالبر في الحكم وهو تحريم الربا لجامع الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار وإلحاق النبيذ بالخمر في التحريم لجامع الإسكار.
стр. 7
ومن أدلة جوازه قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ١، وقوله ﷺ للخثعمية: " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته قالت نعم قال فدين الله أحق بالقضاء " ٢.
وللقياس مباحث جليلة تراجع في مظانها من كتب الأصول.
سادسها: شرع من قبلنا إذا لم يصرح شرعنا بنسخه وهو من الأصول المختلف فيها وقد حصل الإتفاق على أن ما أمرنا الله باتباعه من هذه الأحكام في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ فإنه يكون ملزماً لنا لا بطريق الشرائع السابقة بل بالنص الوارد في شريعتنا، مثاله شرعية الصوم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣.
كما حصل اتفاق الأصوليين أيضاً على أن ما نهانا عن اتباعه مما في الشرائع السابقة لا يجوز لنا اتباعه، لأن النهي عنه يعد نسخاً صريحاً بالاتفاق، ولا يجوز العمل بالمنسوخ، مثاله حل الأطعمة التي كانت محرمة على اليهود لهذه الأمة المحمدية قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ٤.
وأما الأحكام التي ورد ذكرها في القرآن الكريم أو السنة المطهرة دون أن نؤمر باتباعها أو ننهى عنها فهذا هو مثار النزاع ومحط الخلاف بين علماء الأصول، وهذا ما أحيل القارىء الكريم عليه بكتب الأصول٥.
سابعها: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف: وهو من الأصول المختلف فيها أيضاً فقد ذهب مالك والشافعي في القديم وبعض الحنفية والراجح عند الحنابلة إلى أنه حجة يقدم على القياس ويخصص به العموم وقال الشافعي في الجديد وأبو الخطاب من الحنابلة وعامة المتكلمين أنه ليس بحجة ولكل وجهة٦.
ثامنها: الاستحسان وللعلماء في الأخذ بالإستحسان وتفسيره أقوال ليس هذا مجالها، والصحيح من أقوالهم أنه لا يراد به الاستحسان العقلي المجرد من الدليل، وإنما المراد
стр. 8
به العدول بحكم مسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص فيكون هذا بمثابة تخصيص الدليل بدليل أقوى في نظر المجتهد.
ومن أمثلة ذلك:
١- أن يتيمم فاقد الماء لكل صلاة استحسانا والقياس أن التراب بمنزلة الماء فلا يتيمم حتى يحدث.
٢- ومنه مسألة ما يسمى بالاستصناع وذلك كأن تتعاقد مثلا مع شخص على بناء بيت أو صنع سيارة أو حياكة ثوب، فالمعقود عليه معدوم وقت العقد ولا يصح بيع الشيء المعدوم فكان القياس عدم جواز هذا العقد، ولكنهم أجازوه استحساناً لتيسير المعاملات وجرى عرف الأمة على التعامل به١.
تاسعها: المصلحة المرسلة: ونصوص الشريعة العامة تدل عليها كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ ٢ ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٣.
والمصلحة المرسلة هي جلب منفعة أو دفع مضرة لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين، ومثلوا لذلك بجمع القرآن في عهد أبي بكر، عندما استشرى القتل في القراء بعد وقعة اليمامة، ومثلوا كذلك بتترس الكفار بجماعة من أسرى المسلمين، فإننا لو رميناهم قتلنا مسلماً معصوماً وهذا لا عهد به في الشرع، ولو تركناهم تسلطوا على سائر المسلمين بالغلبة فقتلوهم ولاشك أن حفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشارع وإن أدى إلى قتل القلة من المسلمين الأسارى فهذه مصلحة ضرورية ليس لها أصل معين في نص أو قياس.
وقد قسم الأصوليون المصلحة إلى ثلاثة أقسام:
١- مصلحة ضرورية وهي ما لابد منها في مصالح الدين والدنيا وهي على خمسة أضرب، حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل.
٢- مصلحة حاجية وهي ما احتاج إليها المكلفون مع عدم الضرورة الملجئة إليها بل من باب رفع الحرج والمشقة ومن أمثلتها الرخص التي شرعت في باب العبادات كقصرِ الصلاة، والفطر في السفر، وفي العادات إباحة ما زاد على الضرورة من اقتناء الطيبات مأكلاً ومشرباً وملبساً ومركباً، وفي المعاملات بالقراض والمساقاة والسلم،
стр. 9
وفي الجنايات بالحكم باللوث وتحميل الدية على العاقلة.
٣- مصالحة تحسينية وتسمى أيضاً كمالية وهي مانزلت عن حد الحاجة وعُدَّ تحصيلها من باب محاسن الأخلاق وكريم العادات.
ومثالها أخذ الزينة في الصلاة والتقرب إلى الله بنوافل الطاعات١.
عاشراً: سد الذرائع وسنفرد لها كلاماً مستقلاً وشرحاً مختصراً في موضوعنا " الحيل " للعلاقة الوثيقة بينهما.
الحادي عشر: العرف وهو دليل من أدلة الشرع حيث لا يوجد النص، أو يصادمه ما هو أقوى منه من أدلة الأحكام الأخرى.
والمراد بالعرف ما تعارف الناس عليه واعتادوه ولذلك قيل " العادة محكمة "، وذلك كما لو حلف لا يدخل بيتاً فإنه لا يحنث بدخول المسجد لأنه وإن سُمي بيتاً في اللغة فإنه لا يسمى بيتاً في العرف وكذلك لو حلف لا يأكل لحماً لا يحنث بأكل السمك والخلاصة أن ما تعارف الناس عليه من أوجه المعاملات والتصرفات يحكم بصحته طالما أنه لم يخالف دليلاً شرعياً معتبراً٢.
هذه هي أصول الأحكام وأدلة الشرع التي يبنى عليها الفقيه فقهه، ويلجأ إليها عند وقوع الحوادث والمشكلات وحيث إن موضوع الحيل من أدق الموضوعات، ويتطلب من أراد أن يبحر في عبابه أن يجيد فيه السباحة، وأن يكون من ربانه؛ لذلك كان لزاماً عليَّ أن أعطي هذه المقدمة الضافية المختصرة في الأدلة الشرعية لتعين المطلع على هذا الموضوع فهي أدوات لفهمه، ووسيلة لإيضاح غموضه، ولعلي ألقي الضوء على جانب من جوانب الفقه، جانب حارت فيه العقول وتباينت فيه الأفهام ما بين مجيز له ومانع، هذا الجانب هو جانب الحيل في الشريعة الإسلامية كما أرجو أن أوفق في موضوع شائق شائك تكبدت مصاعبه ومتاعبه لأجلي غموضه وأميط لثامه، ولأجل العلاقة الوطيدة بنا الحيل وسد الذرائع والاشتباه الحاصل بينهما في كثير من المواضع أحببت أن أبين بياناً مختصراً شافياً يزال فيه الالتباس وتتضح به أوجه الافتراق وأوجه الاجتماع بين هاتين القاعدتين قاعدة الحيل وقاعدة سد الذرائع فلنشرع في المقصود بعد بذل المجهود سائلين العون من المعبود.
стр. 10
سد الذرائع:
الذريعة لغة هي الوسيلة إلى الشيء، والجمع الذرائع قال ابن منظور: الذريعة جمل يختل به الصيد يمشى الصياد إلى جنبه فيستتر به ويرمي الصيد إذا أمكنه١.
وأما شرعاً فهي الشيء الذي أصله الحل لكنه يفضي إلى المحرم أو ما استخدم كوسيلة للمحرم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة "٢.
الفرق بين الذريعة والحيلة:
الذريعة والحيلة قد تجتمعان وقد تفترقان، فالحيلة تجتمع مع الذريعة عند القصد وكل منهما تفترق عن الأخرى فيما عدا ذلك؛ فالذرائع والحيل قاعدتان متشابهتان، والكلام فيهما متداخل ولأجل هذا التداخل نلاحظ أن من كتب عنهما كابن تيمية وابن االقيم يتكلم عن أحدهما أثناء الكلام على الأخرى ويستدل لأحدهما بأدلة الأخرى فابن تيمية مثلاً اعتبر الذريعة إن كان إِفضاؤها إلى المحرم بقصد فاعلها من باب الحيل، وعلى تقسيمه توجد ذريعة ليست حيلة وحيلة ليست ذريعة، وذريعة هي حيلة، قال ﵀ فصارت الأقسام ثلاثة:
١- ما هو ذريعة وهو مما يحتال به كالجمع بين البيع والسلف، وكشراء البائع السلعة من مشتريها بأقل ثمن تارة وبأكثر أخرى، وكالاعتياض في ثمن الربوي بربوي لا يباع بالأول نسأ، وكقرض بني آدم.
٢- ما هو ذريعة لا يحتال بها كسب الأوثان فإنه ذريعة إلى سب الله تعالى وكذلك سب الرجل والد غيره فإنه ذريعة إلى أن يسب والده وأن هذا لا يقصدهما مؤمن.
٣- ما يحتال به من المباحات في الأصل كبيع النصاب في أثناء الحول فراراً من الزكاة وكإغلاء الثمن لإسقاط الشفعة٣.
وابن القيم والشاطبي تحدثا عن المقاصد ثم عرضا لسد الذرائع ومنها إلى الحيل لأن الأمور بمقاصدها والذريعة والحيلة يرتبطان بالقصد٤.
стр. 11
أما شواهد قاعدة سد الذرائع فأكثر من أن تحصى ومنها:
١- قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله فَيَسُبُّوا الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ١.
دلت هذه الآية على عدم سب آلهة المشركين مع أن سبها قربة لكن لما كانت وسيلة إلى سب الله منعوا من ذلك.
٢- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢ووجه الدلالة أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا راعنا قصدهم الخير، لكن لما كان اليهود يقصدون فاعلاً من الرعونة سد باب هذه الكلمة إلى غيرها مما لا يحتمل غير المراد.
هذه شواهد من الكتاب، وأما السنة فمنها:
١) ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه؛ فقيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ٣.
٢) ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يكف عن قتل المنافقين خشية أن يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه٤.
٣) أن النبي ﷺ نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، وأمر بتسويتها ونهى عن الصلاة إليها أو عندها، وعن إيقاد المصابيح عليها وما ذلك إلا لئلا تكون ذريعة إلى الشرك فيعبد أصحابها من دون الله٥.
والشواهد كثيرة على قاعدة سد الذرائع وإنما القصد البيان والاختصار، وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيميه ثلاثين مثالاً، واستشهد لها ابن القيم بتسعة وتسعين دليلاً٦.
وبالجملة فقاعدة سد الذرائع ربع الشريعة كما قال غير واحد من الأئمة؛ وذلك لأن المحرمات قسمان: مفاسد وذرائع موصلة إليها، وكذلك القربات نوعان: مصالح وذرائع موصلة إليها فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام ربع الدين.
стр. 12
الفصل الأول: تعريف الحيل
قال ابن منظور: " الحول: الحيلة والقوة، قال ابن سيده: الحوْلُ والحيْلُ والحَوِلُ والحِيَلَةُ والحَويلُ والمحَالةُ والاحْتِيال والتَّحوُّل والتحيُّل كل ذلك: الحِذقُ وجودة النظر، والقدرة على دقة التصَرف، والحِيَل والحِوَل جمع حيلة، ورجل حُوَل وحُوَلَة مثل هُمَزَة، وحُولة وحُوَّل وحَوَاليّ وحُواليّ وحَوَلْوَل: مُحْتال شديد الاحتيال "١.
وقال الجرجاني: "الحيلة اسم من الاحتيال وهي التي تحَوِّل المرء عما يكرهه إلى ما يحبه"٢.
وقال الجوهري: "الحيلة بالكسر والاسم الاحتيال وهو من الواو وكذلك الحَيْلُ والحَولُ يقال: لا حيل ولا قوة لغة فى حول"، قال الفراء: "هو أحْيلُ منك أي أكثر حيلة- وما أحْيلَهُ لغة في ما أحْوَلَهُ"، قال أبو زيد: "يقال ماله حِيلَةٌ ولا مَحَالَةٌ ولا احْتِيالٌ ولا مِحالٌ بمعنى واحد-".
وقال أبو البقاء: "الحيلة من التحول لأن بها يتحول فاعلها من حال إلى حال بنوع تدبير ولطف يحيل به الشيء عن ظاهره"٣.
وقال الراغب الأصفهاني في غريب القرآن: "والحيلة ما يتوصل بها إلى حالة ما في خفية وكذا الحويلة وأكثر استعماها فيما في تعاطيه خبث وقد تستعمل فيما فيه حكمة، وهذا قيل في وصف الله : ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (الرعد: من الآية١٣) أي الوصول في خفية إلى الناس إلى ما فيه حكمه وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم تعالى الله عن القبيح".
ومما تقدم علم أن الحيلة قد تكون مصدر بمعنى الاحتيال.
وقد تكون اسماً لما به الاحتيال.
стр. 13
الفصل الثاني: إطلاقات الحيلة
تطلق الحيلة على عدة معان نوجزها فيما يأتي:
١) تطلق الحيلة ويراد بها الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف، لأن فاعلها يتحول بها من حال إلى، وكل من حاول الوصول إلى أمر أو الخلاص منه فيما يحاول به حيلة يتوصل بها إليه، وهي بهذا المعنى لا تشعر بمدح ولا ذم ولا تتقيد بخفاء أو ظهور في وسيلتها أو غايتها.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: " إن مباشرة الأسباب حيلة على حصول مسبباتها فالأكل والشرب واللبس والسفر حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيل على حصول المقصود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيل على حصول مقاصدها منها "١.
٢) ثم غلب إطلاقها في العرف اللغوي على ما يكون من الطرق الخفية التي يتوصل
بها إلى بلوغ المراد بحيث لا يفطن لها إلا بنوع من الذكاء، وإلى هذا المعنى أشار الراغب الأصفهاني: "والحيلة ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية".
وهذا الاستعمال أخص من وصفها في أصل اللغة فقد اشترط فيها الخفاء هنا في حين لم يشترط في الإطلاق الأول خفاءً أو ظهوراً.
٣) وتطلق الحيلة على الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى الغرض المذموم شرعاً أو عقلاً أو عادة، وإلى هذا المعنى أشار الراغب الأصفهاني فقال: وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث.
وهذا الإطلاق هو الغالب عليها في عرف الناس أيضاً فإنهم يقولون فلان من أرباب الحيل، ولا تعاملوه فإنه محتال، وفلان يعلم الناس الحيل، ولا يريدون بها إلا المعنى المذموم.
٤) تطلق الحيلة في عرف الفقهاء والمحدثين غالباً على الحيل المذمومة شرعاً وهى الطرق والوسائل الخفية التي تستحل بها المحارم وتسقط بها الواجبات ظاهراً، وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو أو لآدمي فهي من هذا القبيل، كحيل اليهود التي من أجلها لعنهم الله تعالى.
стр. 14
٥) وربما أطلقها بعض الفقهاء على المخارج من المضايق بوجه شرعي ويوجد هذا عند فقهاء الحنفية بكثرة قال الحموي في الأشباه والنظائر: " الحيل جمع حيلة، وهي الحذق وجودة النظر والمراد بها هنا ما يكون مخلصاً شرعياً لمن ابتلى بحادثة دينية ولكون المخلص من ذلك لا يدرك إلا بالحذق وجودة النظر أطلق عليه لفظ الحيلة "١.
قلت: وهذا الاستعمال قليل وإن جاز شرعاً وساغ في اللغة ولهذا قال الراغب الأصفهاني: " وقد تستعمل فيما فيه حكمة ".
الموازنة بين الإطلاقات المتقدمة:
الإطلاق الأول هو أعم الإطلاقات الخمسة حيث لم تقيد فيه الحيلة بخفاء أو ظهور، ولا بمدح أو ذم إذ هي كما مرَّ بك: التصرف الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال.
ويليه في العموم الإطلاق الثاني وهو ما يتوصل به إلى المقصود بالطرق الخفية.
ويليه في العموم الإطلاق الثالث وهو ما يتوصل به إلى المقاصد المذمومة بالطرق الخفية.
وأخص مما تقدم الإطلاق الرابع وهو إطلاقها على الحيل المذمومة شرعاً كما هو عرف الفقهاء والمحدثين في الغالب حيث عرفوها بأنها ما يتوصل بها إلى استحلال المحرمات وإسقاط الواجبات وتعطيل مقاصد الشرع من الوسائل التي ظاهرها الحل شرعاً وباطنها إسقاط الحكم.
وأخص من الإطلاق الرابع الإطلاق الخامس وهو إطلاقها على مالم يذم شرعاً.
وقد صنف بعض الفقهاء وخاصة فقهاء الحنفية في هذا النوع من الحيل وعرفوها بأنها المخارج من المآزق بما لا يتعارض ومقاصد الشريعة.
إذا علم هذا فإن الحيل تدخل الحكم الشرعي عموماً، تكليفاً أو وضعاً وما يندرج تحتها من أقسام كالواجب والمحرم والسبب والرخصة وغيرها.
وبيان ذلك أن الحيلة جنس يدخل تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وفعل المندوب وترك المكروه، وتخليص الحق، ونصرة المظلوم وقمع الظالم.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: "وإذا قسمت الحيلة باعتبارها لغة انقسمت إلى الأحكام الخمسة فإن مباشرة الأسباب الواجبة حيلة على حصول مسبباتها، فالأكل وما شابهه
стр. 15
والسفر الواجب حيلة على المقصود منه، والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المقصود عليه، والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور، فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وتخليص الحق ونصر المظلوم وقهر الظالم وعقوبة المعتدي، وتحته التوصل إلى استحلال المحرم وإبطال الحقوق، وإسقاط الواجبات وَلمَّا قال النبي ﷺ : " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم، وكما يذم الناس أرباب الحيل فإنهم يذمون أيضا العاجز الذي لا حيلة له لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه، فالأول ماكر مخادع، والثاني عاجز مفرط، والممدوح غيرهما وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها، وهذه كانت حال سادات الصحابة ﵃ فإنهم كانوا أَبرَّ الناس قلوباً، وأعلم الناس بطرق الشر ووجوه الخداع، وأتقى لله من أن يرتكبوا منها شيئاً، أو يدخلوه في الدين كما قال عمر بن الخطاب ﵁: " لست بخب ولا يخدعني الخبُّ "، وكان حذيفة أعلم الناس بالشر والفتن، وكان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكان هو يسأله عن الشر، والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه بل الذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر "١.
ألفاظ بمعنى الحيلة:
هناك ألفاظ بمعنى الحيلة تستعمل لغة وعرفاً ومنها المكر والخديعة والكيد، فهي ألفاظ متقاربة أو مترادفة تطلق في أصل اللغة على كل فعل يقصد منه فاعله خلاف ما يقتضيه الظاهر وعلى كل فعل يوصل إلى المقصود وليس له ظاهر وباطن ولكن الذهن لا يلتفت عادة إلى أنه يوصل.
ومثال ذلك ما رواه الإمام الشافعي في مسنده عن عروة بن الزبير قال: "ابتاع عبد الله بن جعفر بيعاً فقال علي ﵁: لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأعلم ذلك عبد الله بن جعفر الزبير فقال: أنا شريكك في بيعتك فأتى علي عثمان وقال: تعال احجر علي هذا؛ فقال الزبير: أنا شريكه فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير"٢.
стр. 16
فمشاركة الزبير لعبد الله بن جعفر في الصفقة منعت عثمان من الحجر عليه.
لأن الزبير معروف بحسن التصرف وإدارة المال فكان أن اتخذ هذه الحيلة لمنع الحجر وليس لها ظاهر وباطن، ولكن الذهن لا يلتفت عادة إلى هذه الحيلة.
وأكثر ما تستعمل هذه الألفاظ (المكر والخديعة والكيد) في الفعل المذموم وهو الأشهر عند الناس وذلك بأن يقصد فاعله إنزال مكروه بمن لا يستحقه ومنه قول النبي ﷺ " الخديعة في النار " ١ أي تؤدي بفاعلها إلى النار.
وقد تستعمل تلك الألفاظ في الفعل المحمود وذلك بأن يقصد فاعله إلى استدراج غيره لما فيه مصلحته كما يفعل بالصبي أو المريض إذا امتنع من فعل ما فيه مصلحته كشرب الدواء ومنه قول النبي ﷺ : " الحرب خدعة " ٢ فهذا أمر بالخداع عند لقاء الأعداء لأنه يقصر أمد الحرب ويوفر المال والجهد، ولكون المكر والخديعة والكيد ضربين: حسناً وسيئاً قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ ٤ ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرْضَ﴾ ٥ فخصَّ في الآيات السيء من المكر تنبيهاً على جواز المكر الحسن ووصف نفسه تعالى بالمكر الحسن فقال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَالله خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٦.
ووصف نفسه بالخداع الحسن فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٧ وبالكيد الحسن فقال: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ الله﴾ ٨.
وعلى ذلك الاستدراج والإملاء والاستهزاء منه تعالى كما في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٩ والمعنى في ذلك كله إمهال الله للعبد الجاحد
стр. 17
وتمكينه من أعراض الدنيا حتى يغتر ويؤخذ بذنبه، لذلك قيل " من وسع عليه في دنياه من أهل الفسق ولم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله "، قال الإمام الراغب في كتابه "الذريعة إلى مكارم الشريعة": " وهذه ألفاظ لولا أن الباري تعالى أطلقها في مواضع مخصوصة قاصداً بها معاني صحيحة لما تجاسر بشر عرف الله تعالى أن يخطر ذلك بباله فضلا عن أن يجريه في مقاله وإن قصد بها المعنى الصحيح تنزيها له وتعظيماً فيجب أن تتلى في القرآن حيثما وردت ولا يتعدى بها "١.
стр. 18
الفصل الثالث: ضابط الحيل الجائزة وغير الجائزة
قبل أن نتطرق إلى هذا الضابط، ننظر في أصل معنى الحيلة لغة فإنها سلوك طريق يفضي إلى المقصود على وجه فيه حذق ومهارة وجودة نظر، ولا نستطيع أن نحرمها بإطلاق حينئذ ولا أن نحلها بإطلاق ولا أن نحمدها بإطلاق ولا أن نذمها بإطلاق، لذا وجب النظر في ضابط عام يميز بين ما يجوز من الحيل في نظر الشارع وما لا يجوز فنقول:
ضابط الحيل الجائزة: كل طريق مشروع يترتب على سلوكه تحقيق مقاصد الشارع من فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه وإقامة الحق وقمع الباطل فهذا جائز مشروع.
وضابط الحيل غير الجائزة: كل طريق يترتب عليه إبطال مقاصد الشارع أو العبث بها من إسقاط للواجبات وارتكاب للمحرمات وقلب الحق باطلا والباطل حقا فهذا محظور يذم فاعله ومعلمه.
وبين النوعين الجائز وغير الجائز من الفرق ما بين النور والظلام والحق والباطل والعدل والظلم والبر والإثم.
وقد أجمل الشاطبي في كتابه الفريد في بابه ما ذكرناه فقال: " لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة، وإنما يبطل منها ما كان مضاداً لقصد الشارع خاصة وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة "١.
стр. 19
الفصل الرابع: في كيفية معرفة مقاصد الشارع
سبق وأن قدمنا أن الحيل الجائزة هي التي لا تناقض مقاصد الشارع والحيل المحظورة هي التي تناقض مقاصد الشارع، وحينئذ لابد من إعطاء الفهم الصحيح والبيان الكافي لبيان الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة هذه المقاصد حتى نستطيع أن نعطي كل حيلة ما يناسبها من الحكم.
وإليك ملخص ما قاله الشاطبى في كتابه الموافقات في هذا الصدد قال: " الراسخون من أهل العلم على أن مقاصد الشارع تعرف من ألفاظ النصوص ومعانيها النظرية جميعاً فينبغي أن ينظر إلى الألفاظ على وجه لا يخل بالمعنى وإلى المعاني على وجه لا يخل بالألفاظ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض ".
ومن زعم أن مقاصد الشارع لا تؤخذ إلا من ألفاظ النصوص وظواهرها كالظاهرية أو لا تؤخذ إلا من المعاني النظرية. وإن عادت على الظواهر والنصوص بالتعطيل والإلغاء كما هو رأي المتعمقين في القياس المقدمين له على النصوص، من زعم هذا أو ذاك فقد غلا في جانب الإفراط والتفريط ونظر إلى جانب من الشريعة دون جانب، وذلك بُعْدٌ عن الصراط المستقيم.
فالصواب الذي عليه أكثر العلماء اعتبار الأمرين جميعاً على وجه لا يخل فيه المعنى النظري بالنص، ولا النص بالمعنى النظري وعلى هذا المذهب وحده الاعتماد في تقرير الجهات التي يعرف بها مقاصد الشارع فنقول وبالله التوفيق.
إن مقاصد الشارع تعرف من جهات:
أحدها: الأمر والنهي الواردان عن الشارع فالأمر يقتضي حصول المأمور به من المكلف، فوقوعه عند وجود الأمر به مقصود للشارع، وعدم إيقاعه مخالف لمقصوده وكذلك النهي يقتضي الكف عن الفعل المنهي عنه. فعدم وقوع الفعل المنهي عنه مقصود للشارع وإيقاعه مخالف لمقصوده.
فهذا وجه ظاهر عام لمن اعتبر مجرد الأمر والنهي من غير نظر إلى علة ولمن اعتبر العلل والمصالح.
الجهة الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي ولماذا أمر الشارع بهذا الفعل، ولماذا نهى عن
стр. 20
الفعل الآخر؟ ثم العلة إما أن تكون معلومة أو لا؛ فإن كانت غير معلومة فلابد من التوقف عن القطع على الشارع أنه قصد كذا وكذا حتى يدل دليل على ذلك القصد، وإن كانت العلة معلومة اتبعت، فحيث وجدت وجد مقتضى الأمر والنهي من قصد الشارع إلى إيقاع الفعل في الأمر، وعدم إيقاعه في النهي كالنكاح لمصلحة التناسل والبيع لمصلحة الانتفاع بالمعقود عليه والحدود لمصلحة الازدجار، وتعرف العلة هنا بمسالكها المقررة في أصول الفقه، فإذا تعينت علم أن مقصود الشارع ما اقتضته تلك العلل من الفعل أو عدمه.
ويغلب على باب العبادات جهة التعبد، وعلى باب العادات جهة الالتفات إلى المعاني، والعكس في البابين قليل، ومن أجل هذا لم يلتفت مالك ﵀ في إزالة الأنجاس ورفع الأحداث إلى مجرد النظافة حتى اشترط الماء المطلق فيهما، واشترط لرفع الأَحداث النية وإن حصلت النظافة بدونها، ومنع من إقامة غير التكبير والتسليم في الصلاة مقامهما، ومنع من إخراج القيم في الزكاة، واقتصد على مجرد العدد في الكفارات، إلى غير ذلك من المسائل التي تقتضي الإقتصار على عين المنصوص عليه أو ما ماثله، وغلَّب في باب العادات المعنى فقال فيها بقاعدة المصالح المرسلة، والاستحسان الذي قال فيه إنه تسعة أعشار العلم إلى ما يتبع ذلك.
الجهة الثالثة: إن للشارع في شرع العبادات والعادات مقاصد أصلية ومقاصد تابعة وقد دلنا تتبع النصوص وظواهرها وإشاراتها واستقراء معانيها النظرية أن الشارع لم يشرع من الأسباب العادية والعبادية الموصلة إلى المقاصد التابعة إلا ما عاد من تلك المقاصد على المقاصد الأصلية بالتوثيق والإحكام والتقوية والربط، فاستدللنا بذلك على أن ما كان من تلك الأسباب كذلك مما لم ينص عليه فهو موافق لمقاصد الشارع، وما كان منها مؤديا إلى إبطال المقاصد الأصلية منها وإزالتها فهو مناقض لمقاصد الشارع.
فالتسبب إلى تلك المقاصد التابعة مشروع في الأول وغير مشروع في الثاني.
ومثال ذلك: النكاح فإنه مشروع للتناسل بالقصد الأول ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية من الاستمتاع بالحلال والنظر إلى ما خلق الله من المحاسن في النساء والتجمل بمال المرأة أو قيامها عليه وعلى أولاده منها أو من غيرها أو إخوته والتحفظ من الوقوع في المحظور من شهوة الفرج ونظر العين والازدياد من الشكر بمزيد النعم من الله على العبد وما أشبه ذلك فجميع هذا مقصود الشارع من شرع النكاح بالقصد الثاني، فمنه منصوص عليه أو مشار إليه، ومنه ما علم بدليل آخر، ومسلك استقرىء من
стр. 21
ذلك المنصوص... فحاصل الجهة الثالثة التي يعرف بها مقاصد الشارع أن المقاصد التابعة للمقاصد الأصلية على ثلاثة أقسام:
١- ما يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية وتوثيقها وتقوية الرغبة فيها فلا شك أنه مقصود للشارع، فالقصد إلى التسبب إليه بالسبب المشروع موافق لقصد الشارع فيضخ.
٢- ما يقتضي زوال المقاصد الأصلية عيناً فلا (شك) أيضاً من أن القصد لها مخالف لمقصد الشارع عيناً فلا يصح التسبب بإطلاق، ولا فرق في القسمين بين العبادات والعادات.
٣- ما لا يقتضي تأكيداً ولا توثيقاً ولكنه مع ذلك لا يقتضي رفع المقاصد الأصلية ولا إزالتها عيناً فهذا لا يصح في العبادات، وأما صحته في العادات فللنظر فيه مجال؛ فمن قال بالصحة نظر إلى أنه يجوز حصول الربط والتوثيق بعد التسبب، ومن قال بعدم الصحة نظر إلى أنه لا يقتضي تأكيد المقاصد الأصلية، وقصد الشارع التأكيد فلا يكون ذلك التسبب موافقاً لقصد الشارع فلا يصح.
الجهة الرابعة: مما يعرف به مقاصد الشارع السكوت عن شرع الحكم مع قيام المعنى المقتضي له، فإن ذلك يدل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجودا قبل فإذا زاد زائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فيرد عليه ما أحدث، أي يعتبر من قبيل " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وبيان ذلك أن سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:
أحدهما: أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقرر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها.
وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم، وما شابه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن النبي ﷺ من نوازل زمانه. ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل.
ثانيهما: أن يسكت عنه الشارع وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فالسكوت في هذا الضرب كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ثم
стр. 22
لم يشرع له الحكم كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة، ومخالفة لما قصده الشارع إِذْ فُهِمَ من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه.
ومن أمثلة هذا الضرب: سجود الشكر في مذهب مالك فقد سئل مالك ﵀ عن الرجل يأتيه الأمر يحبه فيسجد لله شكراً، فقال: " لا يفعل، ليس هذا مما مضى من أمر الناس " قيل له إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكراً لله أفسمعت ذلك؟ قال: " ما سمعت ذلك، فأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول هذا شيء لم أسمع له خلافاً "، فقيل له: إنما نسألك لنعلم رأيك فنرد ذلك به، فقال: "نأتيك بشيء آخر أيضا لم تسمعه مني قد فتح على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدا منهم فعل مثل هذا؟ إذا جاءك مثل هذا مما قد كان للناس وجرى على أيديهم لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك، لأنه لو كان لذكر، لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحداً منهم سجد، فهذا إجماع إذا جاءك أمر لا تعرفه فدعه"؛ هذا تمام الرواية ذكرها في العتبية من سماع أشهب وابن نافع قال ابن رشد: "واستدلاله على أن النبي ﷺ لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل صحيح، إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على عدم نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ قال: وهذا أصل من الأصول وعليه يأتي إسقاط الزكاة عن الخضر والبقول مع وجوبها فيها بعموم قول النبي ﷺ : " فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر " أخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه.
لأنا نَزَّلْنَا تَرْكَ نَقْل أخذ النبي ﷺ الزكاة منها كالسنة القائمة في أن لا زكاة فيها، فكذلك ننزل ترك نقل السجود عن النبي ﷺ في الشكر كالسنة القائمة في أن لا سجود فيه. والمقصود من المسألة توجيه مالك لها من حيث أنها بدعة لا توجيه أنها بدعة على الإِطلاق، وإلا فقد وردت أحاديث في سجوده ﷺ شكراً، ذكرها صاحب منتقى الأخبار وترجم عليها باب سجدة الشكر ولعلها لم تبلغ مالكاً أو بلغته ولم تصح عنده، وعلى هذا النحو جرى بعضهم في تحريم نكاح المحلل وأنه بدعة منكرة من حيث إنه وجد في زمانه ﵊ المعنى المقتضي للتخفيف والترخيص للزوجين بإجازة التحليل ليتراجعا كما كان أول مرة، وأنه كما لم يشرع ذلك مع حرص امرأة رفاعة على رجوعها إليه، دل على أن التحليل ليس بمشروع لها ولا لغيرها وهو أصل صحيح، إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها؛ والله أعلم١.
стр. 23
الفصل الخامس: أقسام الحيل
تنقسم الحيل إلى قسمين:
القسم الأول: الحيل الجائزة: وهي ما كان المقصود منها جائزاً شرعاً من إثبات حق أو رفع باطل وهذا القسم يتنوع باعتبار الطرق المفضية إليه إلى نوعين:
النوع الأول: أن تكون الحيلة جائزة موضوعة لذلك المقصود شرعاً، ومن أمثلة ذلك:
ما إذا خافت المرأة أن يغيرها زوجها بالزواج عليها- فالحيلة في منع هذا الأذى أن تشترط هي أو وليُّها في العقد أنه متى تزوج عليها فأمرها بيدها- إن شاءت أقامت معه وإن شاءت فارقته.
ومن أمثلته أيضاً المعاريض التي يقصد بها جلب مصلحة أو دفع مفسدة فإن فيها مندوحة عن الكذب وقد لقي النبي ﷺ طائفة من المشركين وهو في نفر من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبي ﷺ : نحن من ماء فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا: أحياء اليمن كثير فلعلهم منهم وانصرفوا١، وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: احملني فقال: ما عندي إلا ولد الناقة فقال: ما أصنع بولد الناقة؟ فقال النبي ﷺ : وهل يلد الإبلَ إلا النوقُ ٢؟ وكقول الخليل: " هذه أختي "٣، وقول الصديق: " هادٍ يهديني السبيل "٤، وقد رأت امرأة عبد الله بن رواحة عبد الله على جارية له، فذهبت وجاءت بسكين فصادفته وقد قضى حاجته، فقالت: لو وجدتك على الحال التي كنت عليها لوجأتك فأنكر، فقالت: فاقرأ إن كنت صادقاً فقال:
شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا
فقالت: آمنت بالله وكذبت بصري فبلغ ذلك النبي ﷺ فضحك ولم ينكر عليه٥.
стр. 24
وهذا تحيل من عبد الله بن رواحة بإظهار القراءة لما أوهم أنه قرآن ليتخلص من مكروه الغيرة.
وهذا النوع من الحيل لا ارتياب في حله.
النوع الثاني: أن تكون الحيلة جائزة ولكنها لم توضع بالقصد الأول لذلك المقصود شرعاً.
ومن أمثلة هذا النوع أن ينكح المرأة ليعتز بأهلها أو ليستعين بمالها، أو بجمالها فيما لا يغضب الله فإن المقصود جائز ولكن النكاح لم يوضع لذلك شرعاً على وجه القصد، وإنما وضع بالقصد الأول لطلب النسل وعفة الزوجين عما حرم الله والمساكنة والازدواج وقد يستتبع المعاونة والنصرة فإذا نكح المرأة لما لا ينتفع به، أو لأهلها ينصرونه مثلا جاز ذلك النكاح لأن هذا المقصود لا يتنافى مع مقاصد النكاح الأصلية، بل ربما كان موثقاً لها وعلى ذلك قول النبي ﷺ : " تنكح المرأة لأربع لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك " ١.
القسم الثاني من الحيل: الحيل المحظورة: وهي ما كان المقصود منها محرماً محظوراً وهذا القسم يتنوع إلى ثلاثة أنواع.
النوع الأول: أن تكون الحيلة محرمة في نفسها كالاحتيال على فسخ النكاح بالردة، وقد أجاد ابن القيم في هذا الصدد فقال: الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال فمتى كان المقصود بها محرما في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات البين، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق، وهم يتحيلون عليهم ليوقعوهم في واحدة من ستة ولابد، فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه، فإذا عملت حيلهم في ذلك قرت عيونهم، فإن عجزت حيلهم عن من صحت فطرته وتلاها شاهد الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله ﷺ أعملوا الحيلة في إلقائه في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته واستعداده فإن تمت حيلهم كان ذلك أحب إليهم من المعصية وإن كانت كبيرة، ثم ينظرون في حال من استجاب لهم إلى البدعة فإن كان مطاعا في الناس أمروه بالزهد
١ صحيح مسلم بشرح النووي جـ١٠ص٥١.
стр. 25
والتعبد ومحاسن الأخلاق والشيم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة، وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته عوناً له على ظلمه أهل السنة وأذاهم والنيل منهم وزينوا له إن هذا انتصار لما هم عليه من الحق، فإن أعجزتهم هذه الحيلة ومنَّ الله على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر وزينوا له فعلها بكل طريق وقالوا له أنت على السنة وفساق أهل السنة أولياء الله وعبَّاد أهل البدعة أعداء الله، وقبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة وقبور عبَّاد أهل البدعة حفرة من حفر النار، والتمسك بالسنة يكفر الكبائر كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات وأهل السنة إن قعدت بهم أعمالهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم، وأهل السنة هم الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسول الله ﷺ ووصفوه بكل كمال وجلال، ونزهوه عن كل نقص، والله تعالى عند ظن عبده به، وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظن السوء، إذ يعطلونه عن صفات كماله وينزهونه عنها، وإذا عطلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة ولهذا قال الله تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض الجزيئات ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت:٢٣) وأخبر عن الظانين بالله ظن السوء أن عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعَدَّ لهم جهنم وساءت مصيرا فلم يتوعد بالعقاب أحداً عظم ممن ظن به ظن السوء، وأنت لا تظن به ظن السوء فمالك وللعقاب، وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وصلة لهم وحيلة إلى الاستهانة بالكبائر وأخذه إلا من نفسه.
وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم، العارف بأسماء الله وصفاته فإنه كلما كان بالله أعرف كان له أشد خشية وكلما كان به أجهل كان أشد غروراً به وأقل خشية. فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعظم وقار الله في قلب العبد هوَّنوا عليه الصغائر وقالوا له أنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن وربما منَّوه أنه إذا تاب منها - كبائر كانت أو صغائر- كتبت له مكان كل سيئة حسنة.
فيقولون له كثر منها ما استطعت ثم أربح مكان كل سيئه حسنة بالتوبة، ولو قبل الموت بساعة، فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلص الله عبده منها نقلوه إلى الفضول من أنواع المباحات والتوسع فيها، وقالوا له قد كان لداود مائة امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمائة، وكان لسليمان ابنه مائة امرأة، وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان من الأموال ما هو معروف وكان لعبد الله بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسعة المال
стр. 26
ما لا يجهل وينسوه ما كان لهؤلاء من الفضل، وأنهم لم ينقطعوا عن الله بدنياهم، بل ساروا إليه فكانت طريقا لهم إلى الله، فإن أعجزتهم هذه الحيلة- بأن تفتح بصيرة قلب العبد حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما أعده الله فيها لأهل طاعته وأهل معصيته فأخذ حذره وتأهب للقاء ربه ...
واستقصر مدة هذه الحياة الدنيا وحياته الدنيوية في جنب الحياة الباقية الدائمة- نقلوه إلى الطاعات المفضولة الصغيرة ليشغلوه بها عن الطاعات الفاضلة الكثيرة الثواب فيعمل حيلته في تركه كل طاعة كبيرة إلى ما هو دونها، فيعمل حيلته في تفويت الفضيلة عليه، فإن أعجزتهم هذه الحيلة - وهيهات – لم يبق لهم إلا حيلة واحدة وهي تسليط أهل الباطل والبدع والظلمة عليه يؤذونه وينفرون الناس عنه، ويمنعوهم من الاقتداء به ليفوتوا عليه مصلحة الدعوة إلى الله- وعليهم مصلحة الإجابة١.
النوع الثاني: من أقسام الحيل: أن تكون الحيلة مباحة تفضي إلى المقصود المحظور كما تفضي إلى غيره من المقاصد الحسنة كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس التي حرم الله.
ومثل من يسافر إلى الخارج لكي يرتكب محارم الله تعالى، فيصير السفر حراما تحريماً قطعياً ونظيره كثير.
النوع الثالث: أن تكون الحيلة مباحة شرعت لغير هذا المقصود المحظور، فيتخذها المحتال وسيلة إليه، ومن أمثلة ذلك الفرار من الزكاة ببيع النصاب أو هبته أو استبداله قبيل حولان الحول، وهذا النوع هو محل الاشتباه وموضع الزلل وهو المقصود الأول لنا من الكلام على الحيل المحرمة، ولم نتكلم على غيرها من الحيل التي ظهر تحريمها إلا من باب تتميم الفائدة فقط، مع ما يتبعه من الفوائد الأخرى.
وهذا النوع - أعني ما كان المقصود منه محرماً والوسيلة مباحة لم تشرع له - حرام من جهتين: من جهة الغاية والمقصود، ومن جهة الوسيلة والطريق، أما من جهة الغاية فلأن المحتال قصد به إباحة ما حرم الله وإسقاط ما أوجبه، وأما من جهة الوسيلة فلأنه اتخذ آيات الله هزواً وقصد بالسبب ما لم يشرع له، بل قصد ضده فقد ضادَّ الشارع في الغاية والوسيلة والحكمة جميعاً.
وهذا النوع من الحيل على عدة أضرب:
الضرب الأول: الاحتيال لحل ما هو حرام في الحال كالحيل الربوية، وحيلة التحليل، والحيل الربوية نوعان:
стр. 27
١- أن يضم العاقدان في العقد المحرم إلى العوضين أو إلى أحدهما عوضاً ليس بمقصود ليتخلصا به من التحريم ظاهراً، مثل أن يتعاقدا على بيع ربوي بجنسه متفاضلا ولأجل أن يتخلصا من التحريم في زعمهما يضمان إلى العوضين أو إلى أحدهما شيئاً آخر من غير الجنس، كأن يتعاقدا على بيع ألف دينار بألفي دينار ثم يضمان إلى كل من العوضين أو إلى أحدهما ثوباً أو منديلاً لا غرض فيه لواحد منهما إلا أن يتخلصا من حرمة الربا ظاهراً، فمتى كان المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلاً حرمت المسألة عند مالك والشافعي وأحمد ومتقدمي الكوفيين وهو الذي تدل عليه السنة.
٢- أن يضم العاقدان إلى العقد المحرم عقداً ليس بمقصود ليتخلصا به من التحريم أيضاً في زعمهما ومثاله أن يتواطآ على أن يقرضه ألفاً بألف ومائتين، ولأجل أن يتخلصا من التحريم بزعمهما يبيعه المقرض سلعة لا غرض للمقترض فيها بألف ومائتين إلى أجل ثم يبيع المقترض هذه السلعة بعينها إلى المقرض بألف حالة، أو يبيعها المقترض لثالث أجنبي قد فهم غرضهما بألف حالة، ثم يبيعها الثالث للمقترض بنفس الثمن وهو الألف، فآل ذلك في الصورتين إلى أن أقرضه ألفاً حالة ليردها إليه بعد الأجل ألفاً ومائتين ولكن في قالب تصرف جائز ظاهرا.
الضرب الثاني: الاحتيال على حل ما انعقد سبب تحريمه وهو صائر إلى التحريم كما إذا علق الطلاق بشرط كدخولها الدار مثلا، ثم أراد منع وقوع الطلاق عند الشرط، فخالعها لتدخل الدار وهي على غير عصمته فلا يقع الطلاق بعد ذلك إذا عادت إليه بعقد جديد ودخلت الدار، لأن التعليق غير قائم حينئذٍ.
الضرب الثالث: الاحتيال على إسقاط ما هو واجب في الحال كالاحتيال على إسقاط الإنفاق الواجب عليه، وأداء الدين الواجب، بأن يملك ماله لزوجته أو ولده فيصير معسراً فلا يجب عليه الانفاق ولا أداء الدين، وكمن يدخل عليه رمضان ولا يريد صومه، فيسافر ولا غرض له من السفر سوى الفطر.
الضرب الرابع: الاحتيال على إسقاط سبب وجود ما لم يجب، ولكنه صائر إلى الوجوب فيحتال حتى يمنع الوجوب، كالاحتيال على إسقاط الزكاة قبيل الحول بتمليكه ماله لبعض أهله، ثم استرجاعه بعد ذلك، وكالاحتيال على إسقاط حق الشفعة التي شرعت دفعاً للضرر عن الشريك أو الجار قبل وجوبها، فإن السبب قائم وهو الشركة أو الجوار ولكنه لا يقتضي حكمه إلا بالشرط وهو البيع فالبيع هنا كحولان الحول في الزكاة فيعمد المحتال إلى إزالة الشرط بحيلة ليمنع اقتضاء السبب حكمه.
стр. 28
الفصل السادس: أمثلة للحيل المحظورة
بعد الكلام والتفصيل المتقدم أحب أن أسوق بعض الأمثلة على الحيل المحظورة والحيل الجائزة كي يتضح المقال بضرب المثال ويحسن الفهم الكامل للحيل وصورها المتعددة، وسأبدأ بالحيل المحظورة مستدلا لتحريمها من الكتاب والسنة والإجماع
فأما الكتاب فمنه أولا: قال الله تعالى في أول سورة البقرة في وصف المنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ١ وهذا وأمثاله كثير مما ذم الله به المنافقين في كثير من السور المدنية كسورة البقرة والنساء والتوبة والمنافقون وقد سئل القرطبي عن حكمة كفه ﷺ عن قتل المنافقين مع علمهم بأعيان بعضهم فأجاب بأجوبة أمثلها ما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال لعمر ﵁: " أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه " ٢ ومعنى هذا أنه كف عن قتلهم خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم وأن قتله إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم، فيقولون إن محمداً يقتل أصحابه، وهذا كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تأليفاً لهم ولغيرهم ولأن ولايته المنافقين وحسن معاشرتهم ربما أدت إلى استمالتهم فيما بعد ونزعوا عما هم فيه من النفاق.
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: " إنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان من الناس من يظهر الكفر ويخفي الإيمان لضعف المؤمنين وقوة المشركين " إلى آخر ما قاله فليتأمل في موضعه٣.
والشاهد من الآيات على ذم الحيل أن النفاق حيلة ظاهرها الإيمان والتسليم وباطنها الكفر والتكذيب، والمقصود من هذه الحيلة إحراز دمائهم وأموالهم ومشاركة المسلمين فيما قد يحصلون عليه من المغانم وإيذاء المؤمنات وإذاعة أسرارهم إلى الكافرين وقد توعد الله المنافقين بالعذاب الأليم، وأخبر أنهم يخادعونه وما يخدعون إلا أنفسهم ويمكرون به وما يمكرون
стр. 29
إلا بأنفسهم وأنهم فيما قالوا وفعلوا غير صادقين فلهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون، فهذه الحيلة هي رأس الحيل المحرمة ظاهرها الطاعة وباطنها المعصية.
ثانياً: وقال تعالى في سورة البقرة في قصة أصحاب السبت ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وقد فصل الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراف فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢، وخلاصة هذه القصة ما ذكره المفسرون سلفاً وخلفاً أن الله أمر اليهود أن يكون عيدهم الجمعة من كل أسبوع على ما هو ثابت في شريعتنا فأبوا إلا السبت فأجيبوا إلى ما طلبوا وأمروا أن يتفرغوا فيه للعبادة وحرم الله عليهم صيد السمك فيه، ثم ابتلاهم الله سبحانه فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً، ظاهرة على وجه الماء فإذا كان يوم الأحد لزمن سفل اليحر فلم ير منهن شيء حتى يكون يوم السبت الذي بعده وهكذا كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ (أعراف: من الآية١٦٣) ، وقد مكثوا مدة لا يصيدونها في ذلك اليوم كما أمرهم الله، ثم اشتهتها أنفسهم فاحتالوا للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في غيره بشتى الحيل التي ظاهرها الامتثال وباطنها التمرد والعصيان، حتى إذا فشا فيهم ذلك المنكر علانية نصحهم أحبارهم ورهبانهم وأبلغوا في النصح فلم يقبلوا منهم فانقسم هؤلاء الناصحون إلى فرقتين: فرقة كفت عن النهي لعلمها بحال القوم ويأسها من هدايتهم، وفرقة استمرت على نهيهم وتذكيرهم حماسة في دين الله وحرصاً على هداية المعتدين حتى قالت لهم الطائفة التي نهت وكفت عن النهي ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ (لأعراف: من الآية١٦٤) وهو سؤال استفسار فأجابت الطائفة التي استمرت على التذكير بما حكاه الله عنها ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٤) ومع ذلك لم يجدهم التذكير نفعاً واستمروا على الاعتداء ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٥) وهم الطائفتان التي نصحت وكفت والتي نصحت ولم تكف عن النصح: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ
стр. 30
بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (لأعراف: من الآية١٦٥) وذلك العذاب البئيس هو مسخهم قردة فانظر رحمك الله إلى حيل اليهود وخداعهم فهذا دال على أن الأعمال بمقاصدها وحقائقها دون صورها وظواهرها، ودال على أن كل حيلة يترتب عليها العبث بفرع من فروع الشريعة فضلا عن أصل من أصولها محرمة أشد التحريم وأن صاحبها معرض لأن يعاقب بمثل هذه العقوبة الشنيعة ولهذا قال تعالى في قصتهم مهدداً كل من يأتي بعدهم ويتبع آثارهم ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٦٦) أي جعلنا هذه المسخة الشنيعة التي مسخناهم إياها عقوبة لما تقدمها من ذنوبهم التي واقعوها، ولما يأتي بعدها من أمثال ذنوبهم أن يعمل بها عامل فَيُمْسَخ كما مسخوا، وموعظة للمتقين إلى يوم القيامة١.
ولهذا حذر النبي ﷺ أمته من ارتكاب ما فعلته اليهود من استحلال محارم الله بالحيل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ثم مما يقضى منه العجب أن هذه الحيلة التي احتالها أصحاب السبت في الصيد قد استحلها طوائف من المفتين، حتى تعدى ذلك إلى بعض الحنابلة، فقالوا: إن الرجل إذا نصب شبكة أو شَصَّاَ قبل أن يُحْرم، ليقع فيه الصيد بعد إحرامه، ثم أخذه بعد حله لم يحرم ذلك، وهذه بعينها حيلة أصحاب السبت، وفي ذلك تصديق قوله سبحانه: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ (التوبة: من الآية٦٩) ، وقول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن! " وهو حديث صحيح٢.
ثالثاً: وقال الله تعالى في النهي عن المضارة بين الزوجين: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.
ووجه الدلالة من الآية على تحريم الحيل أن الله تعالى حرم على المرأة إن كانت حاملا أن تكتم حملها، وإن كانت حائضاً أن تكتم حيضها، كذا فسر ابن عمر والحسن ومجاهد قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٨) وكن يكتمن الحمل لئلا يشفق الرجل على الولد فيراجعها، ويكتمن الحيض لإطالة أمد العدة فيُلْزمن الرجل من
стр. 31
الإنفاق عليهن ما لا يلزمه شرعاً، وقد اعتبر الشارع قول المرأة في الحيض والحمل، لأن هذا أمر لا يعلم إلا من طريقها، ويتعذر إقامة البينة عليه غالباً، فالآية دلت على تحريم الحيل الآتية:
١- أن تقول المطلقة حضت وهي لم تحض، لتذهب بحق الزوج في الرجعة.
٢- أن تقول المطلقة لم أحض وهي قد حاضت، لِتُلْزمه من النفقة ما لا يلزمه كما هو شائع في عصرنا، أو لتُغْر الزوج بالمهلة، في الرجعة حتى تنقضي العدة فينقطع حقه فيها.
٣- وكذلك يحرم عَلى الحامل أن تكتم الحمل لتُغْر الزوج بانفساح أمد المراجعة حتى تلد فيتعذر عليه مراجعتها.
٤- كما يحرم عليها أيضاً أن تكتم الحمل لتلحق الولد بغيره، كما كان الأمر قبل الإسلام، قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد ففي ذلك نزلت الآية.
فهذه كلها طرق خفية من قبل الذهن لا يلتفت إليها عادة، ويتوصل بها إلى مضارة الزوج.
كما دل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (البقرة: من الآية٢٢٨) أن الرجل إنما يباح له المراجعة ما دامت المرأة في العدة إن أراد معاشرة المرأة بالمعروف، فإن أراد بالمراجعة مضارة الزوجة فلا يباح له ذلك بل يحرم عليه ذلك كما يدل عليه مفهوم الشرط في الآية.
وتقرير كون المراجعة للمضارة حيلة أنها تصرف شرعي جعله الله من حق الزوج ما دامت العدة باقية، فظاهر المراجع المتحيل إرادة العشرة بالمعروف، وباطنه المضارة للزوجة، وهو أن يترك المرأة لا يؤويها إليه، ولا يدعها تبين بانقضاء العدة فتتزوج غيره، وقد يقصد من ذلك أيضاً تطويل العدة عليها، فظاهرها مشروع، وباطنها محظور، فرتب الله الحكم وهو التحريم رتبه على الباطن دون الظاهر، فدل ذلك على أن العقود المشروعة إذا اتخذت وسيلة إلى غير ما شرعت له مما حرم الله كان ذلك حراما، وكذلك إذا اتخذت ذريعة لإسقاط ما أوجبه الله تعالى حقاً له أو لعباده.
رابعاً: وقال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ
стр. 32
الله فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة:٢٢٩) ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ الله وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
دل قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) الآية أنه يحرم الطلاق والرجعة للمضارة كأن يريد بذلك عضلها عن الزواج، أو تطويل العدة عليها، أو إلجائها إلى أن تفتدي نفسها منه بشيء من المال من غير أن يكون هناك نشوز منها أو فاحشة أو ما شابه ذلك فيفعل ذلك حيلة منه إلى ارتكاب المحظور بسبب مشروع في الظاهر فيحرم السبب تحريماً للوسائل.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) على أنه يحرم على الرجل أن يضار زوجته بدون وجه حق ليحتال بذلك على أن تخالعه بمال فما أخذ من مال فهو حرام.
كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٩) على أن الخلع المسموح به شرعاً هو فيما إذا خافا ألا يقيما حدود الله، فإذا كرهت المرأة المقام مع زوجها فلا جناح عليها أن تبذل له مالا ليفارقها، ومن الحيلة أن يتخذ الخلع حيلة على حل اليمين كما أفتى به بعض الفقهاء بناء على أن الخلع فسخ لا طلاق، وصورته: أن يقول الرجل مثلا لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، فلأجل أن تدخل الدار ولا يقع عليها الطلاق يخالعها ثم تدخل الدار وهي مخالعة، فيحصل المحلوف عليه وهي خارجة عن عصمته، ثم يعقد عليها من جديد، هذا بناء على أن الخلع فسخ لا طلاق.
وإليك ما قاله ابن القيم ﵀ في هذا الصدد: " ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلىِ النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعاً، وباطلة على أصول أئمة الأمصار، أما بطلانها شرعا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله، وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء، فإنه لازم، وإنما مكنه من الطلاق، ولم يجعل له فسخه إلا عند التشاجر والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فشرع لهما التخلص بالافتداء، وبذلك جاءت السنة، ولم يقع في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا في زمن التابعين، ولا تابعيهم، ولا نص عليه الأئمة الأربعة وجعله طريقاً للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم
стр. 33
رضي الله عنهم، فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث، وهذا إنما حصل تبعاً للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحل اليمين إنما يحصل تبعاً للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله، وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل حل اليمين، وحل اليمين جاء لأجل البينونة، فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة، والله تعالى لا يشرع عقداً لا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له، فإنه شرع لتخلص المرأة من الزوج، والمتحيل يفعله لبقاء النكاح، فالشارع شرعه لقطع النكاح، والمتحيل يفعله لدوام النكاح "١.
ودل قوله أيضاً: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (البقرة: من الآية٢٣٠) ، على تحريم نكاح التحليل، وهو أن يتزوج بشرط أنه إذا أحلها طلقها، أو ينويه بقلبه، أو يتفقا عليه قبل العقد، أي سواء اقترن الشرط بالعقد أو تقدم عليه، ونكاح التحليل حيلة ظاهرها النكاح المشروع وباطنها السفاح المحظور وهو المقصود للمرأة ولزوجها الأول والثاني، ولهذا لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له، وسمى المحلل تيساً مستعاراً، وقال خليفته الثاني ﵁: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، وهو مشهور محفوظ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أطال ﵀ في هذا الصدد فليراجع كلامه فهو مفيد سديد٢.
خامساً: وقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٣.
стр. 34
ووجه الدلالة منها على تحريم الحيل أن الله ﵎ عاقبهم بتحريق بستانهم لما عزموا حرمان المساكين من حقوقهم المشروعة في الزكاة بحيلة تمنع من إفضاء السبب إلى حكمه، حيث أضمروا وأقسموا أن يجذوا ثمار بستانهم في آخر الليل حيث لا يراهم أحد ولا ينقص منه شيء بسبب الصدقة، فيكون حصادهم وقت الجذاذ في وقت ليس فيه فقراء فلا يلزمهم التصدق عليهم لعدم وجودهم وقت الجذاذ.
وقد ذكر المفسرون أن أصحاب الجنة هؤلاء كانوا بأرض اليمن قريباً من صنعاء، وكانت هذه الجنة لرجل يؤدي حق الله فيها ويطعم الفقراء والمساكين، فلما مات قال بنوه: " إن كان أبونا لأحمق حين يطعم منها الفقراء والمساكين، فلما طاب ثمارها، ودنا قطافها أقسموا ليقطعن ثمارها في وقت يغفل عنه المساكين، وهو آخر الليل وأول النهار حتى لا ينقص من ثمارها شيء بسبب الصدقة "، ثم دار بينهم الحوار المبين في السورة، وحصل لهم العقاب بسبب قصدهم السيء.
وقد سئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أن من أهل النار؟ فقال: " لقد كلفتني تعباً "، وعن الحسن: قول أصحاب الجنة: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (القلم: من الآية٣٢) لا أدري إيماناً كان ذلك منهم، أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة، فتوقف في أمرهم، والأكثرون على أنهم تابوا وأخلصوا١.
هذه طائفة من الآيات الدالة على تحريم الحيل المحرمة التي تناقض مقاصد الشارع تنبئك عن بقية الآيات التي بمعناها.
وأما الأحاديث الدالة على تحريم هذا النوع من الحيل فإليك طرفاً منها:
١- عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " ٢.
دل هذا الحديث على أن الأعداد بمقاصدها، وأن العقود بحقائقها، فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا، ولا يخلصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا، ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح،
стр. 35
وهكذا، وقد ترجم البخاري في كتاب الحيل على هذا الحديث " باب في كتاب الحيل وأن لكل امرئ ما نوع في الأيمان وغيرها ".
قال ابن حجر: " قال ابن المنير: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، وتبع مالكاً في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد، قال: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة، ووجه التعميم أن المحذوف المقدر "الاعتبار"، فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها، وفي المعاملات وكذلك الأيمان الرد إلى القصد "١.
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يمينك على ما يصدقك به صاحبك " ٢.وفي لفظ: " اليمين على نية المستحلف "٣.
وظاهر هذا الحديث أن اليمين على نية المحلوف له ظالماً أو مظلوماً، وهو يعارض حديث: " إنما الأعمال بالنيات "، فإنه يفيد بعمومه أن الأيمان - وهي من الأعمال - على نية الحالف ظالماً أو مظلوماً، ويدفع التعارض بما رُوي عن إبراهيم النخعي أنه قال: " إذا كان المستحلف ظالماً فالنية نية الحالف، وإذا كان المستحلف مظلوما فالنية نية الذي استحلف " ذكره عنه الترمذي، وكذا البخاري تعليقا بصيغة الجزم في كتاب الإكراه من صحيحه، قال الحافظ في الفتح: وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ: " إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ماروى، وإذا كان ظالماً فاليمين على نية من استحلفه "٤.
وإلى مثل هذا ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء٥.
قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي: " وما رُوي لنا التفطن بحقيقة الحال عن أحد قبل إبراهيم النخعي، وهذا بديع من الفقه "٦.
فهذا الحديث يدل على أن التحايل في الأيمان بالمعاريض والتورية ليقطع حق أحد
стр. 36
لا يجوز بحال من الأحوال، ولا يبرئه من الله الذي لا تخفى عليه خافية، وهو حانث في يمينه، مأخوذ بظلمه.
٣- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " رواه الإمام أبو عبد الله بن بطة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمر، هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره ويحسنه تارة، وأحمد بن محمد بن مسلم المذكور مشهور ثقة، ذكره الخطيب في تاريخه كذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم "١.
وقال ابن كثير: " وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح "٢.
قلت: وهذا الحديث نص صريح في أن الاحتيال إلى محارم الله بأدنى الحيل حرام، وأن ذلك من شأن عمل اليهود الذين لعنهم الله في كتابه وعلى لسان رسوله ومسخهم قردة وخنازير، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته من صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، وإنما وصفهم النبي ﷺ وشبههم بذلك، لأنهم بيت المكر والخداع والخبث والغدر من قديم الزمان إلى يومنا هذا، فهم البلاء والداء العضال في كل أمة، وهم أصحاب حيلة السبت والشحوم وغيرهما من الحيل.
وقد كانوا على عهد النبي ﷺ يتفننون بأنواع الحيل للكيد له ولأصحابه فرد الله كيدهم في نحورهم فمن ذلك:
أ- أن بني النضير احتالوا على قتل رسول الله ﷺ وهو إلى جنب جدار بيت من بيوتهم، فصعدوا إلى السطح ليلقوا عليه رحى، فنزل عليه الوحي فرجع إلى المدينة وحاصرهم وأجلاهم كما في سورة الحشر٣.
ب- أنهم مكروا به بعد غزوة بدر بإرسال رئيسهم وشاعرهم كعب بن الأشرف إلى
стр. 37
مكة يحرض قريشاً ويندب قتلاهم، ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المؤمنين، فأرسل إليه النبي ﷺ محمد بن مسلمة فقتله، وكفى الله المؤمنين شره١.
ج- أن بني قريظة خانوه ونقضوا ما بينه وبينهم من عهود يوم الخندق كما حكاه الله تعالى في سورة الأحزاب من قوله: ﴿وَرَدَّ الله الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥) وهم قريش وغطفان ﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (الأحزاب: من الآية٢٥) ، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم بنو قريظة ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم الرجال ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (الأحزاب: من الآية٢٦) وهم النساء والأطفال ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب:٢٧) ٢.
د- إنهم مكروا به وسحروه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله، كما فعل لبيد بن الأعصم اليهودي ذلك به٣.
هـ- إنهم مكروا به بوضع السم له حتى يقتلوه فأعلمه الله تعالى ونجاه، كما ثبت في الصحيحين أن يهودية سمته ﷺ في شاة فأكل منها لقمة ثم لفظها وأكل معه بشر بن البراء ﵁ فمات منها، وعفا عنها ولم يعاقبها كرماً منه وشرفاً٤.
وهذا وأمثاله مما يعلم من أخلاق اليهود وطباعهم الشريرة، ولذلك حذر النبي ﷺ أمته في الحديث الذي نحن بصدده، ومعنى قوله " بأدنى الحيل " أي بأسهلها فمثلا من طلقِ امرأته ثلاثا صعب عليه بالطريق الشرعي أن ترجع ولا يكون ذلك إلا بعد أن تنكح زوجا غيره نكاح رغبة ثم قد يطلقها الثاني من غير مواطئة أو يموت عنها وهو نادر قليل، وقد لا يطلق ولا يموت وهو الكثير الغالب لكن إذا لجأ إلى الحيلة ترجع بأدنى وأبسط وأسهل الحيل فيعطي أحد التيوس المستعارة مبلغا زهيدا في سبيل رجوعها إليه بعد نكاح الثاني.
وكذلك من أراد أن يقرض ألفا بألف وخمسمائة فمن أدنى الحيل أن يقرضه ألفا إلا درهماً ويبيعه سلعة حقيرة تساوي درهماً بخمسمائة درهم، وهكذا التحايل على الحرام ميسور بأسهل الطرق وأدناها.
стр. 38
٤- وقد ناسب الكلام أن نورد الأحاديث الواردة فى نكاح التحليل فهي من أدلة تحريم الحيل من ذلك:
أ- روى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود ﵁ قال: " لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له ".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان وعبْد الله بن عمر وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق١.
ب- روى ابن ماجة قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري حدثنا أبي قال: سمعت الليث بن سعد يقول قال لي أبو مصعب مشرح بن عاهان قال عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له " ٢.
وفي إسناده عثمان بن صالح ومشرح بن عاهان، وقد أنكروا على عثمان تفرده بروايته عن الليث وليس بالمشهور من أصحابه، كما ضعف بعضهم مشرح بن عاهان، وهذا طعن مردود، فإن عثمان بن صالح هذا ثقة روى عنه البخاري في صحيحه، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي وقال: " شيخ صالح سليم الناحية "، قيل له: " كان يلقن "، قال: " لا "، ومن كان بهذه المثابة ما يتفرد به حجة، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات لا ما انفرد به عنهم فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثا عنه وهو ثقة أيضا وإن كان وقع في حديثه بعض غلط، وأما مشرح بن عاهان فقال فيه ابن معين: " ثقة "، وقال الإمام أحمد: " هو معروف "، فثبت أن هذا الحديث جيد وإسناده حسن٣.
قال ابن القيم بعد سرد روايات الصحابة الأربعة علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر ﵃ أجمعين، في تحريم هذا النكاح عن النبي ﷺ ولعن فاعله، فهؤلاء الأربعة من سادات الصحابة قد شهدوا على رسول الله ﷺ بلعنة أصحاب التحليل، وهم المحلل والمحلل له، وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما
стр. 39
دعاء فهو دعاء مستجاب قطعا، وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها، ولا فرق عند أهل المدينة وأهل الحديث وفقهائهم بين اشتراط ذلك بالقول أو بالتواطؤ والقصد، فإن المقصود في العقود عندهم معتبرة والأعمال بالنيات، والشرط المتواطأ عليه الذي دخل عليه المتعاقدان كالملفوظ عندهم، والألفاظ لا تراد لعينها، بل للدلالة على المعاني فإذا ظهرت المعاني والمقاصد فلا عبرة بالألفاظ؛ لأنها وسائل وقد تحققت غاياتها فترتبت عليها أحكامها "١.
ج- روى وكيع بن الجراح عن أبي غسان المدني عن عمر بن نافع عن أبيه أن رجلا سأل ابن عمر عمن طلق امرأته ثلاثا فتزوجها هذا السائل عن غير مؤامرة منه لتحل لمطلقها، قال ابن عمر: " لا إلا نكاح رغبة، كنا نعده سفاحا على عهد رسول الله ﷺ "
قال ابن تيمية: " وهذا الإسناد جيد رجاله مشاهير ثقات، وهو نص في أن التحليل المكتوم كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ سفاحا "٢.
قلت: والحديث أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي مريم حدثنا أبو غسان بالسند السابق وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٣.
د- روى أبو سفيان الجوزجاني حدثنا ابن أبي مريم أنبأنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن أبي داود بن حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ ، عن المحلل فقال: " لا إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق العسيلة ".
وإسناده جيد إلا إبراهيم بن إسماعيل فقد اختلف فيه، وثقه بعضهم، وضعفه البعض، قال ابن عدي: هو صالح في باب الرواية ويكتب حديثه على ضعفه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وهذا الذي قاله ابن عدي عدل من القول فإن في الرجل ضعفا لا محالة، وضعفه إنما هو من جهة الحفظ وعدم الإتقان لا من جهة التهمة، وله عدة أحاديث بهذا الإسناد، روى عنه الترمذي وابن ماجه، فمثل هذا يكتب حديثه للاعتبار به، وقد جاء حديث مرسل يوافق هذا؛ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حميد بن عبد الرحمن عن موسى بن أبي الفرات عن عمرو بن دينار أنه سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثا فجاء رجل
стр. 40
من أهل القرية بغير علمه ولا علمها، فأخرج شيئا من ماله فتزوجها ليحللها له، فقال: لا، ثم ذكر أن النبي ﷺ سئل عن مثل ذلك فقال: " لا حتى ينكحها مرتغبا لنفسه، حتى يتزوجها مرتغبا لنفسه، فإذا فعل ذلك لم تحل له حتى تذوق العسيلة "، وهذا المرسل حجة، لأن الذي أرسله احتج به، ولولا ثبوته عنده لما جاز أن يحتج به من غير أن يسنده ... "١. هذا وقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى جملة من أحاديث التحليل وجمعا طرفا منها ومن الآثار الواردة عن الصحابة في تحريم نكاح التحليل فليتأمل فهو مفيد سديد وقد ضربا فيه بسهم وافر من التشديد والتشنيع وإيضاح صوره٢.
وجملة القول أن نكاح التحليل محرم باطل بأدلة الشرع المتضافرة والعلة فيه ظاهرة وهو أنه حيلة على ارتكاب محارم الله بشتى صوره وأضربه الثلاث وهي:
١- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يكون هناك مواطأة عرفية أو لفظية.
٢- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول مع المواطأة اللفظية في صلب العقد أو قبله.
٣- أن يتزوجها بقصد الإحلال للأول من غير أن يحصل بينهما اشتراط على ذلك لفظا لا متقدما ولا مقارنا للعقد بل يدل الحال وتقوم القرائن على ذلك فهذا قائم مقام الاشتراط اللفظي.
٥- قال رسول الله ﷺ : " لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " رواه أحمد والبخاري ضمن حديث طويل كتبه أبو بكر ﵁ إلى أنس حين وجهه إلى البحرين٣.
قلت: هذا الحديث اختلف العلماء في تفسيره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ذهب مالك إلى أن معناه أن يكون للنفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة ثلاث شياة على كل واحد منهم شاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخلطين مائتا شاة وشاتان فيكون عليها ثلاث شياة فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهى عن ذلك، وعليه فهو خطاب للمالك٤.