Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
سعيد الداخل بجزيرة الأندلس، وهو كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه. وهوزن الذي نسب إليه، وغلب اسمه عليه، بطن من ذي الكلاع الأصغر.
وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، حسبما تقدم به الإيراد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وإياة شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقض ويبرم. وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ومدار الرياسة عليه، إئتلاف الفرقدين، وتضافر اليدين، واصتال الأذن بالعين. ولما ثبتت قدم المعتضد في الرياسة، ودفع إلى التدبير والسياسة، أوجس منه ذعراً، وضاق بمكانه من الحضرة صدراً، وأحس بها أبو حفص وكان ألمعياً، وذكياً لوذعياً، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة سنة أربعين وأربعمائة، فصادف غرته، وكفي إلى حينٍ معرته، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر وله هنالك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي في الحديث وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في سكنى مرسية: رأياً رآه، وبلداً اختاره وتوخاه، وأميرها يومئذ ابن طاهر؛ فلما غلب الروم على مدينة بربشتر سنة ست وخمسين، وقرف الندب، وتفاقم الخطب، وضاق عن ساكنه
стр. 1017
الشرق والغرب، خاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد، ويستشيره إلى أين ينتقل من البلاد، فراجعه برسالة من إنشاء الوزير الكاتب أبي الوليد ابن المعلم، وهي ثابتة في أخباره من هذا القسم، يشير عليه فيها بالرجوع إلى بلداه، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان حذر، أجل قريب، وحمام مكتوب، ومصرع، لم يكن عنه مدفع؛ فاستقر بإشبيلية سنة ثمان وخمسين، ولقيه المعتضد فأعلى المحل، وفوض إليه في الكثر والقل، وعول عليه في العقد والحل. فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة لربيع الأول سنة ستين أحضره القصر، وقد غلب [١٨أ]- زعموا - عليه السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر، لا يبالي سيء عباد أو سر، فقام إليه هو بنفسه وباشر قتله بيده، فلم ينل عباد بعده سولاً، ولا متع بدنياه إلا قليلاً، وإلى الله الإياب، وعليه الحساب.
فصل من رقعة كان خاطب بها المعتضد من مرسية واستفتحها بهذه الأبيات:
أعباد جل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع
فلق كتابي من فراغك ساعةً ... وإن طال فالموصوف للطول موضع
إذا لم أبث الداء رب دوائه ... أضعت وأهل للملام المضيع
стр. 1018
وفي فصل منها: وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما غير لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الوليد والوالد، تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى، بل تعم الجميع جما جما، فلا تخص، وتزدلف إليهم قدماً قدماً، فلا تنكص، طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانقضاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض.
وفي فصل منها: كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادق من الصرف والكشف، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم، ولما نمتثل أدب العزيز الحكيم في قوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ (البقرة: ٢٥١) وقوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره﴾ (الحج: ٤٠) ومن أين لنا دفعهم بالكفاية أو كيف، ولم نمتط إليهم الخوف، ونساجلهم السيف، بل لما يرأب من صدوعهم ثلم، ولا دووي من جراحهم كلم، ولا رد في نحورهم سهم، إن حاربوا موضعاً أرسلناه، أو انتسفوا قطراً سوغناه، وإن هذا لأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديك دفعه وصده:
стр. 1019
فكم مثلها جأواء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدة النقع أرمد
فمرت تنادي الويل للقادح الصفا ... لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد
وألقت ثناءً كاللطائم نشره ... تبيد الليالي وهو غض يجدد وفي فصل منها: والحرب في إجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد، فأخلق بمحيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها، فوقودها شكة السلاح، وفرندها مساقط الأشباح، وقتارها متصاعد الأرواح، فإن عسعس ليلها مدةً من الانصارم، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلاً، ونبلها صيب يزيد الجوف غليلاً:
أعباد ضاق الذرع واتسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق
ودونك قولاً طال وهو مقصر ... فللعين معنىً لا يعبره النطق
[١٨ب] إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى ... بعزمك، يدمغ هامة الباطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجى الدليل من ناط الأمور بأربابها، ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبق مضاربها فكأن
стр. 1020
قد أمكنك الحز، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب، فالسهام تطيش فتختلف، والرماح تلين وتنقصف، فإن جعجعت أيها الساعي المخب في بغاء الفرج، وتحققت بالحث على جلاء تلك اللجج، ووجدت في فتح ذلك الباب المرتج:
فنادٍ: أعباد ذا عائذ ... وقدك، على حينها تنصرم
تجبك أسود على ضمرٍ ... معودة ما بغت أن يتم
كأن المقادير حزب له ... فيمضي على رأيه ما حكم
سقته الحمية جريالها ... وصحت مناقبه في الكرم
فصاب لأعدائه ممقر ... وغيث لراجيه حلو الديم
كنوه بما مد في عمره ... وكان نحور العدا يخترم
تقيدنا حر أفعاله ... وكنيته تقتضي ما رسم
فمن ذين تفريع أوصافه ... وبالرمز نعني الذكي الفهم وفي فصل منها: وما زلت أعتدك لمثل هذه الجولة وزراً، وأدخرك في ملمها ملجأ وعصراً، لدلائل أوضحت فيك الغيب، وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح، ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد أغدف جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد قدّ إهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما أبلس، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه:
стр. 1021
فعاد الشمل منتظماً هنيا ... وآض الصدع ملتئماً سويا ثم توليت فكفيت، وخلفت فأربيت، وبرعت فأوريت، فالناس مذ بوأتهم رحب جنابك في عطن يربي على لين الدمقس، وتحت منن تعلو على منى النفس، وفي زمان كالربيع اعتدل هواؤه، وتشاكهت أرضه وسماؤه، واخضر بالنبت أديمها فكأنها الرقيع، وتعميم بالنور جميمها فتقول هو الترصيع، ففضلكم في الأعناق أطواق، ومجدكم للآفاق إشراق، وحيثما حللت: الأرض عراق، فأنا أول من هو إلى تلك الحضرة مشتاق، فلا تحرمني وصلاً كنت جاهداً في إنباطه، ولا تصدني عن منهل كنت صدراً في فراطه، فأحق الورى بجزيل تلك الآلاء، وأخلقهم بمنزل تلك السماء، أنصحهم له جيباً، وأصحهم فيه غيباً:
أعباد كلاً قد علوت فضائلاً ... تقاصر عنها كل أروع ماجد
فأولها جود أرانا أكفهم ... جموداً ككف لم تؤيد بساعد
وسعي لما تبغي يخيل سعيهم ... تلاعب ولدان أطافت بوالد
ونصر لمن واليت يردي عدوه ... ردى أهل جو في وقيعة خالد
[١٩أ] منعت بني جالوت ما قد أباحهم ... سواك بحربٍ قيدت كل شارد
فمن شاء فلينظر أسوداً بروضةٍ ... تراعي عصا راعٍ وتعنو لرائد
عجائب مجدٍ أعجزت من سواكم ... ومن سرها المشهور صدق المواعد
стр. 1022
فإن راث أمري فادركني برحلةٍ ... إلى مأمن فالخوف أعجل طارد
وحد مكاناً آته فرضاكم ... هواي وإن أغشى كريه الموارد
فقد جد أمر هد شرع محمدٍ ... وما مخبر عن حالة مثل شاهد
لكل يبين الرأي عند وفاته ... وهل من دواء بعد نهش الأساود
أضاعوا وجوه الحزم يوماً فعزهم ... على أمرهم من ليس عنه بهاجد وفي فصل منها: فالثمرة من ساقها، والجياد على أعراقها، ولئن لذت تلك الثمرة لذائق، وشدخت غرة تلك القرحة لرامق، لما يبين كنه المجتبى قبل تفطر أكمامه، ومما يصحح عتق الجنين قبل أوان فطامه، فلذوي الأبصار أدلة على العتق لائحة، ولأولي الألباب شواهد على الكرم واضحة، وبحق أدركت، فعلى السوابق سلكت، وبمشاعر المعالي نسكت فتنسكت:
" وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل "
" وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل "
وقول رسول الله أعدل شاهد ... فحكمته شرع ومنطقه فصل
يقول: بنو الدنيا معادن، خيرها ... إذا ما زكوا من كان قدماً له الفضل
стр. 1023
وصلى الله على رسوله فقد نبه بتصحيح، ودل دلالة نصيح، فإن المعادن لا تؤتي غير معهود فلزها، كما لا تصح الدوائر إلا على نقطة مركزها، فمن طلب النبل في غير معادنه، واستثار الخير من غير مكانه، أعجزه من مطلبه مرامه، وطاشت في سهمته أقلامه، بل قد ضل قصد السبيل، واعتسف الفلاة بغير دليل، فسقط العشاء به على سرحان، وأفضى القضاء به إلى الطوفان، وإنما هو الفجر أو البحر.
ومن شعره أيضاً يحض على الجهاد،
ويستنفر كواف البلاد
قوله:
بيت الثر فلا يستزل ... طرق النوام سمع أزل
فثبوا واخشوشنوا واحزئلوا ... كل ما رزءٍ سوى الدين قل
صرح الشر فلا يستقل ... إن نهلتم جاءكم بعد عل
بدء صعق الأرض نشء وطل ... ورياح ثم غيم أبل
стр. 1024
قد رجت عاد سحاباً يهل ... فإذا ريح دبور محل
نقبوا فالداء يحل ... واغمدوا سيفاً عليكم يسل ومنها:
يدنا العليا وهم ويك شل ... فلم استرعى الأعز الأذل
عجب الأيام ليث صمل ... ذعرته نعجة إذ تصل
" خبر ما جاءنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل " قوله: " فثبوا واخشوشنوا ... " من قول عمر بن الخطاب، ﵁: " اخشوشنوا واخشوشنوا وعليكم باللبسة المعدية "؛ وقوله: " بدء صعق الأرض نشء وطل " ... معنى مبتذل، ومنه المثل " السقط يحرق الحرجة "، وقال الأول:
والشيء تحقره وقد ينمي ... وقال الفرزدق:
стр. 1025
قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم [١٩ب] وقال نصر بن سيار من أبيات كتب بها لمروان:
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدأها الكلام وقال أبو تمام، وعليه عول الفقيه، ولكنه استحقه بما زاد فيه، وهو:
كم من قليلٍ حدا كثيراً ... كم مطرٍ بدؤه مطير وأخذه أبو عبادة فقال:
وأول الغيث طل ثم ينسكب ... وقال ابن الرومي:
ولا تحقرن سبيباً ... قد قاد خيراً سبيب وقال أبو العلاء، وحرفه إلى بعض الأنحاء، ولكنه إليه أشار، وحواليه دار.
فأول ما يكون الليث شبل ... ومبدأ طلعة البدر الهلال وكان له فيه إلمام، بقول أبي تمام:
стр. 1026
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدراً كاملا وقال العباس بن الأحنف وقصد به قصده، وكان ينفق مما عنده:
الحب أول ما يكون لجاجةً ... تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى ... جاءت أمور لا تطاق كبار وقال الآخر، وكأنه نحا به نحواً غريباً، ولكنه نظر إلى المعنى نظراً مريباً:
فلا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف تحز الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر ومن كلام المحدثين ما أجروه مجرى الأمثال: " رب عشق جني بلفظة، وصبابة غرست من لحظة ". إلى غير ذلك مما لا يحد شهرةً، ولا يحصى كثرةً.
وقال الوزير أبو حفص من جملة قصيدة:
أيا أسفاً للدين إذ ظل نهبةً ... بأعيننا والمسلمون شهود
أفي حرم الرحمن يلحد جهرةً ... ويجعل أشراك الإله يهود
ويثلب بيت الله بين بيوتكم ... وقادره عن رد ذاك قعيد
ويوضع للدجال بيت بمكة ... ويخفى عليكم منزع وقصود
стр. 1027
أعيذك أن تدهنوا فيمسكم ... عقاب كما ذاق العذاب ثمود
وأقبح بذكر يستطير لأرضكم ... يؤم به أقصى البلاد وفود
ولا عجب أن جانس الحوض ضفدع ... وقدماً تساوي مطلب وشهود
يقود امرءاً طبع إلى علم شكله ... كما انمازت الأرواح وهي جنود وهذا المصراع الأخير، إلى معنى الحديث يشير: " قلوب المؤمنين أجناد مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف "، وأخذه السحن فقال:
إن القلوب لأجناد مجندة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف [٢٠أ] وقال الوزير أبو حفص من أخرى:
تبارك من تفرد بالبقاء ... وأسلك خلقه سبل الفناء
وشتت شملهم بعد انتظامٍ ... وكدر وردهم إثر الصفاء
ولم يجر الأمور على قياسٍ ... فليست دارنا دار الجزاء
فتبصر محسناً يجزى بقبح ... وذا ضعةٍ يقاد إلى السناء
وقد كنت اعتلقت اجل ملكٍ ... وأعمهم بنقب أو هناء
стр. 1028
ومن يجهد لدنياه حريصاً ... فليس بحائر غير العناء
ومن يثق الزمان يجده خباً ... ويصرعه على حين الرجاء
إذا كان الدواء به اعتلالي ... فأي الخلق أرجو للشفاء وهذا كبيت عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري وأرى الوزير أبا حفص إنما عول فيه قول أبي بكر ﵁ وقد قيل له: لو سلنا لك الطبيب، فقال: " الطبيب أعلني ".
فصل في ذكر الفقيه القاضي أبي الوليد الباجي، من باجة الأندلس،
والإتيان بلمعةٍ من أخباره التي زاحمت في بيوت شرفها الكواكب،
وقطعةٍ من أشعاره التي ملأت بفوائدها وطرفها المشارق والمغارب
قال ابن بسام: نشأ أبو الوليد هذا وهمته في العلم تأخذ بأعنان السماء
стр. 1029
ومكانه من النثر والنظم يسامي مناط الجوزاء، وبدأ في الأدب فبرز في ميادينه، واستظهر أكثر دواوينه، وحمل لواء منثوره وموزونه، وجعل الشعر بضاعته فوصل له الأسباب بالأسباب، ونال به مأكل القحم الرغاب، حتى جن الإحسان بذكره، وغنى الزمان بغرائب شعره، واستغنت مصر والقيروان بخبره عن خبره، ولم تزل أقطار تلك الآفاق تواصله، وعجائب الشام والعراق تغازله، حتى أجاب، وشد للركاب، وودع الأوطان والأحباب، فرحل سنة ست وعشرين، فما حل بلداً إلا وجده ملآن بذكره، نشوان من قهوتي نظمه ونثره، ومال إلى علم الديانة، وقد كان قبل رحلته تولى إلى ظله، ودخل في جملة أهله، فمشى بمقياس، وبنى على أساس، فلم يبعد أن أصبح نسيج وحده، في حله وعقده، حتى صار كثير من العلماء يسمعون منه، ويرتاحون إلى الأخذ عنه، وحتى علم العلم أن له أشكالاً، وتيقن أهل العراق بالأندلس رجالاً، ثم كر، وقد نفع وضر، وأحلى وأمر، واستقضي بطريقه بحلب، فأقام بها نحواً من عام، ثم نازعه [٢٠ب] هوى نفسه، إلى مسقط رأسه، ومنبت غرسه، من أرض الأندلس، فورد وعشب بلادها ناب وظفر، وصوب عهادها دم هدر، ومالها لا عين ولا أثر، وملوكها أضداد، وأهواء أهلها ضغائن وأحقاد، وعزائمهم في الأرض فساد وإفساد، فأسف على ما ضيعه، وندم لو أجدى عليه ذلك أو نفعه، على أنه لأول قدومه رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصلة ما انبت من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون لو صادف أسماعاً واعية، بل نفخ في عظامٍ ناخرة
стр. 1030
وعكف على أطلال دائرة، بيد أنه كلما وفد على مهلك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه بالتأنس والتقريب، وهو في الباطن يستجهل نزعته، ويستثقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه، ﵀، بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنه كان يرجو حالاً تثوب، ومذنباً يتوب، ولم يخل مع ذلك من تأليف الدواوين وتدريسها، وتشييد المكارم وتأسيسها.
بلغني عن الفقيه أبي محمد بن حزم أنه كان يقول: لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد الباجي، وقد ناظره بميورقة ففل من غربه، وسبب إحراق كتبه، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافه، فلم يطرح إنصافه، أو حاول الرد عليه، فلم ينسب التقصير إليه.
وتوفي أبو الوليد الباجي، ﵀، سنة أربع وسبعين، وهو بسبيله من تصنيف الدواوين، في علوم الدين؛ وقد أخرجت ما وجدت من كلامه في هذا الفن الذي أنا في إقامة أوده.
ووجدت للوزير الكاتب أبي محمد بن عبد البر رقعةً كتبها عن مجاهد أمير دانية، وقته، إلى المظفر ببطليوس في صفته، يقول في فصل منها: الآفاق - أيدك الله - وإن وارت الأنوار والشهب، والأبعاد وإن كثفت
стр. 1031
الأستار والحجب، فلن تحجب أنوار الفضل والكرم، ولن تسد مطالع المآثر والهمم، ولن تقطع تعمال التواصل والوداد، وتدآب التضافر والإنجاد، وتلك حالنا فإننا على بعد الدار، وشحط المزار، ننطوي على أنفس متجاورة متلاصقة، ونأوي إلى مذاهب متوافقة، والفقيه الحافظ أبو الوليد الباجي غذي نعمتك، ونشأة دولتك، هو من آحاد عصره في علمه، وأفراد دهره في فهمه، وما حصل أحد من علماء الأندلس متفقهاً على مثل حظه وقسمه، وقد تقدم له بالمشرق صيت وذكر، وحصل بجزيرتنا ولك فيه جمال وفخر، فإنه إليك تنعطف أسبابه، وعليك تلتقي وتلتف آرابه، لكن شددت عليه يدي، وجعلته علم بلدي، يشاور في الأحكام، ويهتدى إليه في الحلال والحرام، فقد ساهمتك به، وشاركتك فيه، كما تساهمنا وتشاركنا في الأحوال السلطانية، والأمور الدنياوية.
стр. 1032
ما أخرجه من أشعاره في أوصاف شتى
فمن ذلك قوله:
إذا كنت أعلم علماً يقيناً ... بأن ميع حياتي كساعه
فلم لا أكون ضنيناً بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه وقوله في صفة قلم:
وأسمر ينطق في مشيه ... ويسكت مهما أمر القدم
على ساحة ليلها مشرق ... منير وأبيضها مدلهم
وشبهتها ببياض المشيب ... يخالط نور سواد اللمم [ودخل بغداد والحرمان قد كساه سرابيل، ورماه بطير أبابيل، وقاضي
стр. 1033
قضاتها السمناني ناصح الدين تاج الإسلام يباري القطر، ويحلي ديباج الفقر، فقلده معهود تحفيه، وسقاه ماء أمانيه، وأهبه من نوم فاقته، وطبه بجودٍ أسرع في إفاقته، واشتمل عليه اشتمالاً مع صون ماء وجهه عن إراقته، أناله ما أحسبه والله وأكسبه، فاقتصر على نداه، واهتصر أفنان جناه. وقال يمدحه:
يا بعد صبرك أتهموا أم أنجدوا ... هيهات منك تصبر وتجلد
يأبى سلوك بارق متألق ... وشميم عرف عرارة ومغرد
في كل أفق لي علاقة خولةٍ ... تهدي الهوى وبكل أرض ثمهد
ما طال عهدي بالديار وإنما ... أنسى معاهدها أسىً وتبلد
ولقد مررت على المعاهد بعد ما ... لبس البداوة رسمها المتأبد
فاستنجدت ماء الدموع لبينهم ... فتتابعت حتى توارى المنجد
طفقت تسابقني إلى أمد الصبا ... تلك الربى ومنال شأوي يبعد
لو كنت أنبأت الديار صبابتي ... نحل الصفا بفنائها والجلمد
لله أيام الشباب وحسنها ... وغصونهن المائسات الميد
أيام أنفض للمراح ذؤابتي ... بين اللدات ودرع بردي مجسد
أتقنص الظبيات في سبل الصبا ... فيصيدهن لي العذار الأسود
стр. 1034
حتى علاني الشيب قبل تحلمٍ ... وأبر ما سبق المشيب المولد
وحجيت سن الحلم في زمن الصبا ... وبصرت فالتاح السبيل الأقصد
وسقتني الدنيا زعاق خمارها ... وسعى إليّ من الخطوب معربد
ما هالني صعب المرام ولا الذي ... تستبعد الأيام عندي يبعد
استقرب الهدف البعيد بهمةٍ ... أدنى منازلها السها والفرقد
أسري إذا اعتكر الظلام وقادني ... أمل مطالبه العلا والسؤدد ومن مديحه:
حيث التقت ظبة السماحة والعلا ... ورست قواعده وحل المقود
فجنابه لا يستباح وجاره ... لا يستضام ونبعه لا يقصد
حرم المكارم لا [ينال] فناءه ... ذام ولا للفضل عنه مبعد
عالي محل النار في كلب الشتا ... إذ بالحضيض لغيره مستوقد
هذا الشهاب المستضاء بنوره ... علم الهدى هذا الإمام الأوحد
هذا الذي قمع الضلالة بعد ما ... كانت شياطين [الضلال] تمرد وله في المعتضد بالله:
عباد استبعد البرايا ... بأنعم تبلغ النعائم
مديحه خيم كل نفسٍ ... حتى تغنت به الحمائم
стр. 1035
وله يرثي ابنيه:
رعى الله قلبين استكانا ببلدة ... هما أسكناها في السواد من القلب
لئن غيبا عن ناظري وتبوءا ... فؤادي لقد زاد التباعد في القرب
وأبكي وأبكي ساكنيها لعلني ... سأنجد من صحب وأسعد من سحب
فما ساعدت ورق الحمام أسى ... ولا روحت ريح الصبا عن أخي كرب
ولا استعذبت عيناي بعدهما كرى ... ولا ظمئت نفسي إلى البارد العذب
أحن ويثني نفسي على الأسى ... كما اضطر محمول على المركب الصعب وله يرثي ابنه محمدا:
أمحمد إن كنت بعدك صابرا ... صبر السليم لما به لا يسلم
ورزئت قبلك بالنبي محمد ... ولرزؤه أدهى لدي وأعظم
فلقد علمت بأنني بك لاحق ... من بعد ظني أنني متقدم
لله ذكر لا يزال بخاطري ... متصرف في صفوه متحكم
فإذا نظرت فشخصه متخيل ... وإذا أصخت فصوته متوهم
وبكل أرض لي من أجلك روعة ... وبكل قبر عبرة وترنم
فإذا دعوت سواك حاد عن اسمه ... ودعاه باسمك مقول بك مغرم
стр. 1036
حكم الردى ومناهج قد سنها ... لأولي النهى والحذق قبل متمم
فلئن جزع فإن ربي عاذر ... ولئن صبرت فإن صبري أكرم وله يمدح الأمير معز الدولة أبا علوان ابن أسد الدولة:
محل الهوى من سر حبك آهل ... وصرف النوى عن شمل شوقي غافل
ولله طيف لا يلم كأنما ... له من سهادي في الزيارة عاذل
غدا نافرا لا أستطيع اقتناصه ... ولو أن لي يوم الكثيب حبائل
تبيت جفوني صاديات من الكرى ... ولكنها من ماء دمعي نواهل
لئن أمطرت روض الخدود سحابها ... لقد صديت منا قلوب مواجل
خليلي ها فاستعرضا الركب منهما ... فقد درجت في الريح منها رسائل
أسروا إلى الليل البهيم سراهم ... فنمت عليه في الشمال شمائل
متى نزلوا ثاوين في الخيف من منى ... بدت للهوى بالمأزمين مخايل
فلله ما ضمت منى وشعابها ... وما ضمنت تلك الربى والمنازل
ولما التقينا للجمار وأبرزت ... أكف لتقليب الحصى وأنامل
أسرت إلينا بالغرام محاجر ... وباحت به منا جسوم نواحل
سقى أثلاث الجزع من أم مالك ... عشار سحاب مترعات حوافل
стр. 1037
وله يمدحه:
لرياهم في عرف ربعك عنوان ... ومن حسنهم في حسن مغناك تبيان
وفيك من الحي الذين تحملوا ... مخايل أغصان تميس وكثبان
وكم ليلة فيها تعسفت حولها ... وكالئها مني مشيح ويقظان
سرينا كما يسري الخيال وغضضت ... على ركبنا من ناظر الليل أجفان
لبسنا برود الليل حتى تشققت ... جيوب تضيء بالصباح وأردان
حويت معز الدولة الملك فاعتزى ... بذكرك في الآفاق ملك وسلطان
فللمجد سلك قد أجيد نظامه ... وأنت لذاك السلك در ومرجان وله:
تجنب بجهدك ما صوروا ... وإن كان في ستر أو [ميثره]
فإن الرسول ﵇ ... أحق العذاب لمن صوره وله:
تبلغ إلى الدنيا بأيسر زاد ... فإنك عنها راحل لمعاد
وغض عن الدنيا وزخرف أهلها ... جفونك واكحلها بطول سهاد
وجاهد عن اللذات نفسك جاهدا ... فإن جهاد النفس خير جهاد
فما هذه الدنيا بدار إقامة ... فيعتد من أغراضها بعتاد
وما هي إلا دار لهو وفتنة ... وإن قصارى أهلها لنفاد وله:
стр. 1038
يا قلب إما تلهني كاذبا ... أو صادفا عن الهدى جائرا
تشغلني عن عمل نافع ... في موقف ألقاك لي ضائرا
أحر بأن تسلمني نادما ... إن لم ألق الله لي عاذرا
وحاق بي ما جاء عن ربنا ... (ووجدوا ما عملوا حاضرا) وله في معنى السفر:
إذا كنت ربي في طريقي صاحبا ... وتخلفني في الأهل ما دمت غائبا
فسهل سبيلي وزاو عني شرها ... وشر الذي ألقاه في الأهل آبيا وله في معنى الحمد والشكر:
الحمد لله ذي الآلاء والنعم ... ومبدع السمع والأبصار والكلم
من يحمد الله يأتيه المزيد ومن ... يكفر فكم نعم آلت إلى نقم وله:
الحمد لله حمد معترف ... بأنه نعماه ليس نحصيها
وأن ما بالعباد من نعم ... فإن مولى الأنام موليها
وإن شكري لبعض أنعمه ... من خير ما نعمة يواليها وله في قيام الليل:
قد أفلح القانت في جنح الدجى ... يتلو الكتاب العربي النيرا
فقائما وراكعا وساجدا ... مبتهلا مستعبرا مستغفرا
له حنين وشهيق وبكا ... يبل من أدمعه ترب الثرى
стр. 1039
إنا لسفر نبتغي نيل المدى ... ففي السرى بغيتنا لا في الكرى
من ينصب الليل ينل راحته ... عند الصباح يحمد القوم السرى وله:
وتيقن بأنك الدهر تملي ... في كتاب المستحفظين الكرام
ثم تؤتى يوم الكتاب كتابا ... ناطقا بالفجور والآثام
وأرى عثرة اللسان، وإن لم ... تبد، أنكى من عثرة الأقدام
وأرى القول كالسهام فإن كا ... ن قبيحا عادت علي سهامي
ومن الغي أن أصاب بسهم ... وأنا مالك يمين الرامي] الوزير أبو عامر بم مسلمة:
طائل الدهر، وعلم بردة ذلك العصر، وأحد جهابذة الكلام، وجماهير النثار والنظام، من قوم طالما ملكوا أزمة الأيام، وخصموا بألسنة السيوف والأقلام، لم يزالوا أقمارا في آفاق الكتائب، وصدورا في صدور المراتب، وكان أبو عامر هذا من شرفهم بمنزلة الفص من الخاتم، وبمكان السر من صدر الحازم. ولما ثلت تلك العروش الأموية، واختلت تلك الدولة القرطبية، تحيز إلى المعتضد، لأملاك قديمة كانت له في البلد، فعاش بفضل وفره، وتصون عن الدخول في شيء من أمره، إلا عن زيارة
стр. 1040
لمام، ومنادمة في بعض الأيام، جذبه إليها، وغلبه مضطرا عليها، ولم يزل يتخادع له عن ذلك استدفاعا لشره، ومداراة على بقية عمره، حتى مات مستورا بماله، مبقي على أشكاله، وله منظوم مطبوع، ونثر بديع، وقد وقع إلي من إملاءاته، وغرائب أداوته، تأليف جمعه للمعتضد سماه على ما اقتضاه مطابقة الزمان، ومذهب الأوان " حديقة الارتياح في صفة حقيقة الراح " دل على كثرة روايته [٢١ أ] وجودة عنايته، إلى غير ذلك من نظمه ونثره، وأوردت منه طرفا شاهدا على ما أجريت من ذكره.
جملة من شعره
نقلت من خطه قال: كتبت يوما بهذه الأبيات إلى الأديبين أبي علي إدريس وأبي جعفر بن الأبار مستدعيا لهما:
أيا شقيقي إخاء ... ويا قسيمي صفاء
ومن هما في ذوي الفه ... م جوهر الأدباء
تفضلا وأجيبا ... إلى ندي نداء
لتأنسا بحديث ... وقهوة وغناء
стр. 1041
قال، فأجابني إدريس:
يا صنو ماء السماء ... في رقة وصفاء
ويا سراج ضياء ... يجلو دجى الظلماء
بهرت سيما ذكاء ... في بهجة وذكاء
وحزت في العلياء ... قوادم الجوزاء
يا حاتم الكرماء ... وأحمد الشعراء
بادهتنا بلآل ... سواطع اللألاء
قريض حسن كدر ... على طلى الحسناء
يقود في كل معنى ... معنى الغنى والغناء
وقد أجبنا إلى ما ... دعوت من آلاء
[لا زال] نجمك أسمى ... من نجم كل سماء قال الوزير أبو عامر: وبعث إلي أبو الأصبغ بن عبد العزيز باكور بهار وكتب معها:
وبهار ألم قبل الأوان ... في بهاء يروق رأي العيان
أمكن القطف في مدى شهر تشري ... ن على غير عادة الإمكان
سبق الزهر في الفضائل طرا ... وكسا بالجمال فضل الزمان قال، فأجبته:
стр. 1042
يا إماما في السبق يوم الرهان ... كل حين يؤمني بالأمان
وصل النرجس المكر يحكي ... سبق عباد المليك اليماني
يا بهار الرياض أنت بهار ... باهر الأنوار والريحان قال الوزير أبو عامر: وأعلمت ابن الأبار بخبر البهارة، وكان عليلا وقلت له: إني نادمتها ليلتي، وجعلتها مؤنستي على قهوتي، فكتب إلي:
بالله كيف النديمه ... يا ذا السجايا الكريمه
عذراء تعبق شما ... وأنت تعبق شيمه
أحبب بها بكر نور ... من البهار يتيمه
فتلك عندي والعو ... د لا نديما جذيمه
فاصبب فديت عليها ... من المدامة ديمه
والدهر يمضي فبادر ... من الزمان غنيمه
وانعم بدولة ملك ... ثنى الغيوث لئيمه
عباد المنصف المج ... د باللهى المظلومه وله في وصف مشروب زبيب:
مزة ماتت زمانا ... بحجاب يحتويها
لبثت في بطن أم ... غيبتها عن بنيها
ألحدتها الشمس دهرا ... ثم عاد الروح فيها
كان ماء المزن عيسى ... إذ وضعناه بفيها
стр. 1043
فانبرى منها سراج ... رائق من يجتليها
وبدت منها شموس ... غربت في مطلعيها
عزبت ألبابنا إذ ... غربت في شاربيها والمصحفي قبله القائل:
[٢١ ب] ولما تولى بابنة الكرم جائر ... عليها فأصلها بزعمكم الشمسا
ولم يبق من جثمانها غير جلدها ... غدت للذي تحويه من روحها رمسا
وصلت بها الماء القراح محافظا ... فراح لها جسما وراحت له نفسا وذكر الوزير أبو عامر أنه ما رآه، ولا نظر إليه، ولا اعتمد عليه، ولا قصده، ولو سمعه لما أورده.
وقال:
ومهفهف غض الشباب منعم ... فيه أطرت إلى الجماح جناحي
قد جاء يسعى بالمدام فقلت لا ... إني هجرت تعاطي الأقداح
لا تسقني راح الكؤوس وسقني ... سحر العيون يقم مقام الراح
فأقام لي من لحظه ورضابه ... راحا وقام الخد بالتفاح
وضللت في ليلي فأبدى غرة ... أغنت عن المصباح والإصباح قال: وبلغني أن ابن الأبار صد عنه يوما من يهواه، وواصل سواه، فكتبت إليه:
стр. 1044
قد هجر الأنس والسرور ... إذ هجر الشادن النفور
وغيضت غيضة التمني ... فطرف نوارها حسير
وأقفر الربع بعد أنس ... فعمر لهو الفتى قصير قال: فراجعني بهذه الأبيات:
يا من به تزدهي الدهور ... ومن له تخضع البدور
ومن إذا احتل في علاه ... فكل جفن به قرير
قد عوتب الشادن الغرير ... فعاد من وصله اليسير
ومن لي بالجواب تيها ... وهو بما قلته خبير
فافتر عن واضح شنيب ... فيه لميت الهوى نشور
ثم تلاقت لنا عيون ... تخالفت تحتها الصدور
ترجم بالثغر عن معان ... ضن بإعلانها الضمير
ولم نزل نعمل الحميا ... واللحظ ما بيننا سفير
مدامة أفنت الليالي ... وأرضعت ثديها الدهور
تخالها في الكؤوس سرا ... وهي لشرابها سرور
حتى إذا ما الصدود أودى ... تناولت مزجها الثغور
فاهنأ بما قد هنا محب ... خطرك في نفسه خطير
كان لك الله من وفي ... وفى به دهرنا الغرور
إن الورى أصبحوا أجاجا ... وإنك السائغ النمير
стр. 1045
لطفت ظرفا وطبت حتى ... ترجم عن خلقك العبير
لا زلت بالفضل لي مليا ... فإنني بالثنا فقير [١٢٢ أ] وقال الوزير أبو عامر:
أهلا وسهلا بوفود الربيع ... وثغره البسام عند الطلوع
كأنما أنواره حلة ... من وشي صنعاء السري الرفيع
أحبب به من زائر زاهر ... دعا إلى اللهو فكنت السميع
بث على الأرض درانيكه ... فكل ما تبصر فيها بديع قال الوزير أبو عامر: وكتبت إلى ابن الأبار يوما بهذه الأبيات:
قل لأبي جعفر المنتقى ... من سر قحطان وخولان
انظر إلى الظبي الأنيق الذي ... يختال في أبراد إحسان
كأنما مقلته بابل ... حفت بسحر الإنس والجان
كأنما شاربه بهجة ... زمرد من فوق مرجان
كأنما أردافه عالج ... وقده غصن من البان قال، فأجابني منها قوله:
وابأبي ذاك الغزال الذي ... يجول في سر وإعلان
مقرطق يبسم عن لؤلؤ ... رصعه الحسن بمرجان
أفديه من أحور أجفانه ... نامت لكي تسهر أجفاني
стр. 1046
لما بدا لي جيده متلعا ... قلت لمن قد ظل يلحاني
لا فزت منه بجميع المنى ... إن كان هذا عند رضوان
من أين للظبي كأجفانه ... أو مثل ذاك الخوط للبان
ما هو إلا [ ... ] برهان ... وحجة اللوطي على الزاني قال: وكتب إلي ابن الأبار أيضاً بهذه الأبيات:
يا مفصح الكف واللسان ... بالطول طورا والبيان
عندي من عنده فؤادي ... ومن تجنيه قد براني
أظنها نومة لقردي ... أو غفلة الغر من زماني
وليس سر السرور إلا ... ضرة أخلاقك الحسان قال فأجبته:
يا مالك السحر والبيان ... وناظم الدر والجمان
أكرم بمولى أجاب عبدا ... فأقبل الدهر بالأمان
وانتزحت دولة التنائي ... واقتربت دولة التداني
وكل شيء يكون عندي ... ملكك يا ناظر الزمان
وقد بعثت المدام تحكي ... جزءا من اخلاقك الحسان الوزير أبو الوليد محمد بن عبد العزيز المعلم:
بديع ذلك الزمان، أحد وزراء المعتضد الكتاب الأعيان، وممن
стр. 1047
شهر بالإحسان، في صناعة النظم والنثر، ولم أقع له عند نقلي هذه النسخة إلا على التافه النزر، وعلى ذلك فقد كتبت له منهما ما يشهد أنه كان من أهل الرواية والعلم، وذوي الدراية والفهم.
فصول له من مقامة
قال في أولها: سقى عهدك أيتها الدمنة الزهراء كل عهد، وجاد قطرك أيتها الروضة الغناء كل قطر، وسال عليك من أدمعي كل ملث هطال، وتناوحت عليك من أضلعي كل جنوب وشمال، منشرة أنوارك، لا معفية آثارك، ومهدية أرجك ونسيمك، لا مغيرة أطلالك ورسومك، فكم لنا في واديك من بلهنية زمان أنيق، وفي مغانيك من رفاهية عيش رقيق، نعل بكأسي عتبا وإعتاب، ونرتع في جنبتي صبا وتصاب، غدونا من عشيق إلى صديق، ورواحنا من صبوح إلى غبوق، وخليلنا مساعد، وعدونا مباعد، ورقيبنا أعمى، وزماننا أعشى؛ حتى إذا استيقظ الدهر من هجعته، وهب من غطيط رقدته وسكرته، ضرب فوقنا بجرانه، وصرف إلينا لهذم سنانه، ولبس لنا جلدة النمر، وقلب لنا ظهر المجن، وألقى علينا بعاعه، وطمس ذوننا شعاعه، مستردا ما وهب وأعطى، ومكدرا ما منح وأصفى:
أبدا تسترد ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا
стр. 1048
فما لبث أن صدع مروتنا، وفصم عروتنا، وحل عقدنا، ونثر عقدنا.
وفي فصل منها: وكان لي أليف، وعقيد شريف، من صرحاء الإخوان، وصيابة الفتيان، ومصاص أعيان الزمان، وحين سولت لي همتي ما سولت، وخيلت لي أمنيتي ما خيلت، أجلنا قداح الرأي، وأسهمنا بين القرب والنأي، شاور في أمري قريحته، ونخل لي نصيحته، وقال: أرى أن لا تريم بيضتك وأرومتك، وأن توطن أرضك ولا تفارق عشيرتك، وأربأ بك عن مضلات المنى، وأعيذك من ترهات لعل وعسى، فتحسب كل بيضاء شحمة، وتظن كل سوداء تمرة، وربما سقط العشاء بك على سرحان، وكل الناس بكر، وفي كل واد بنو سعد:
والرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا وإن أبيت إلا التحول، فعليك من الرؤساء، بأحلم الحلماء، ومن القرباء بأشرف الشرفاء، ولا تغرنك المناصب، دون المناسب، ولا المقول
стр. 1049
دون المعقول، ولا الدراهم دون المكارم، وازهد في أكثر كل عين، واذكر قول [ابن] الحسين:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجده فلما سمعت ووعيت، ارتكنت وتوليت، ثم أبيت قبولا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وناقضت نصحه بقول حبيب:
وإن صريح العزم والرأي لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا ومغترا بقول الثاني:
تلقى بكل بلاد أنت نازلها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران وفي فصل منها: وصرح لي الدهر عن أهله، ووجدت الناس اخبر تقله، من أمير لا أسميه، ووزير أقحمت الواو فيه، وكاتب أمي، وقاض جبلي، وأمة مبورة، في قرية مصورة، وإذا اختلفوا أنشدوا:
ومن تكن الحضارة أعجبته ... فأي رجال بادية ترانا
стр. 1050
[٢٣ أ] فبينا أقرع السنين، وأعض الكفين، وأخضب بلا حناء، وأنشد في الأمراء:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... كلفا به نظري إلى الأمراء إذ قرع البشير بابي، وطرق المستأذن حجابي، فائل: رسول مولاك، وكتابه وافاك، فقمت أتساقط من الجذل، وأعثر في دعاثر العجل، مقبلا فاه، وصائحا: زاه.
وفي فصل منها: وأفضنا في وصف معاليه، واستنشدني فأنشدته ما قلته فيه، فقال: بزاعة الفصحاء، وبراعة الشعراء، دعني من زخرف شعرك، وصفه لي بمنصف نثرك، فللمنظوم رونق، وأنت فيه ذو طولق، فقلت: على الخبير سقطت، وأنا الكفيل بما سألت وشرطت، وأسمعته سجعا لا نظما، ونثرا لا شعرا، فقلت: هو الإمام الطاهر، والكوكب الزاهر، والأسد الخادر، والبحر الزاخر، أوهب الملوك للذخائر، وأعفاهم عن الجرائر، وأرفعهم قدرا، وأوسعهم صدرا، وأطيبهم ذكرا، أعطر من العنبر، في كل منبر، وأفوح من المسك الذكي
стр. 1051
في كل ندي، الحليم فما يغضب، والجواد وما يرغب، والشجاع وما يرهب، والقوي وما يعنف، واللين وما يضعف، والرفيق إذا ساس، والمصيب إذا قاس، ينبوع كل جذل، ودافع كل وجل، وحسبك بي عنده من جليس رئيس، أكلم منه سحبان، وآخذ عن لقمان، وأستنزل كيوان:
له كبرياء المشتري وسعوده ... وسطوة بهرام وظرف عطارد وقمر إلا أنه بشر، وجبل إلا أنه رجل، بحر علم، وطود حلن، وعالم في عالم؛ الأصمعي عنه ناقل، ولجاحظ عنده باقل، إذا ركب ضاق عنه الأفق، وإذا تبدى وسع الدهر ندى، وإن نطق بين وصدق، وإن كتب أبدع وأغرب، نداه سحائب، وكتبه كتائب، مشرفياته من لسانه وبيانه، وخطياته من أقلامه وبنانه، تمشق فيها جياد فهمه، ويمري درر أشوالها من آدابه وعلمه، ويسحب لها من فكره مضمارا، ويثير من مداده قسطلا وغبارا، ويرتب فيها الحروف، ترتيب الصفوف، ويمشق بها في المهارق، مشقه في الطلى والمفارق، هذا إلى روحانية ملك، في تجلة ملك. فاستطير فرحا، وازدهي مرحا، وخف فقام إلي، ورف يقبل بين عيني، وكأنه إنما نشر من قبر، أو صحا من سكر، وقال: أصبت والله القرطاس، وبنيت على أساس، وفزت بالقدح المعلى، وتحليت من الجلى، والحديث ذو شجون: متى الحركة - وفيم التلوم
стр. 1052
والمقام - وكنت شاكيا فقلت: رويد الإبلال، وبعيد الإقلال، قال: فسر في كنف السلامة، إلى وطن الكرامة.
وله من رقعة كتبها عن المعتضد إلى الوزير الفقيه أبي حفص الهوزني، قال فيها: وردني كتابك الأثير المقابل بين النثر البليغ والنظم البديع، تصرفت فيهما تصرف من إذا حاك الكلام طرز، وإذا غشي ميدان البيان برز، وأخذ بآفاق العلوم، وأشرقت خواطره فيها كإشراق النجوم، وإنها لفضيلة بعد فيها شأوك، وفات جهد لمجارين لك عفوك؛ فأما ما صدرته به من بالغ إطراء، وسابغ ثناء، فأمر أعلم أنه صدر عن عهد كريم، ومعتقد سليم، أنا معتقد عليهما بجميل القرض، والمجازاة الحسنة بهما في وكيد الفرض. واقتضيت ما تلا ذلك من وعظك المبرور، واحتسابك المشكور، في الحال التش أشرت إليها فأقنعت، ورمزت بها فأسمعت، بصحة دينك، وبرد يقينك، حتى نظرت إلى ما دهم المسلمين من كلب العدو عليهم: يجوسون البسيط من ديارهم، ويستبيحون المحوط من ذمارهم، ليس إلى الانقياد عن أحكامهم دفاع، ولا سوى الانحياز من أمامهم امتناع، قد تبين لهم أن تخاذلنا لهم علينا ناصر، وتواكلنا مظاهر مؤازر، فلا يعدمون من يتخلى لهم
стр. 1053
عن بلد، أو يعطيهم الجزية عن يد ﴿ولو شاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض﴾ (محمد: ٤٧) .
ولقد شرحت من تلك [٢٣ ب] النصب ما يسهر النواظر، ويبلد الخواطر، ولا يدع ركن عز إلا أوهاه، ولا بناء جلد إلا أرداه، ولا عد صبر إلا أغاضه، ولا ثمد دمع إلا أفاضه، وإن الحذر أن تغشى التي لا شوى لها، وتفجأ التي لا لعا منها، فيرام من ذلك استكفاف سيل من التلف قد انحدر، وينظر في أعقاب نجم من التلافي قد انكدر، إلا أن يعود الله علينا برحمته، ويهيأ لنا أسباب عصمته.
وأما ما ندبت إليه، وحضضت عليه، من إحفاد السعي فيما يقمع المشركين - بددهم الله - ويجمع عليه كلمة المسلمين، فيعلم الله أني قد ناجيت بذلك وناديت، وراوحت فيه وغاديت، وبثثت رسلي إلى ذلك داعين يصلون التذكرة، ويوكدون التبصرة، ويتلون المواعظ، ويستشيرون الحفائظ، فصمت المسامع، واتفقت في التثاقل المنازع، وخلج بالخذلان، وتجوزت الجمجمة في ذلك الإعلان، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى.
وفي فصل منها: وأما إزماعك للتنقل، وأن أرسم لك مكان التحول، فأي مكان يكون ذلك سوى وطنك الذي تعرفت فيه سابغ الأمن
стр. 1054
وتلقيت فيه طائر اليمن، ولم تعدم المحل الرفيع، والجانب المنيع، والسكون مني إلى من لم يزل يعتمدك بإيثاره، ويشاركك في خاص أسراره، ويرفع قدرك فوق أقدار الأكفاء، ويحط عن منزلتك منازل النظراء، وإن كان قد جرى قدر بمارقة فكانت سليمة لم يتبعها إلا حال لك محوطة محفوظة، وساقة بعين الصيانة مكلوءة ملحوظة.
وهذه أيضاً جملة من شعره
له في المعتضد من قصيد أوله:
دون الأحبة بالوعساء أعداء ... وسلم كل بعيد الهم هيجاء
والحب كالمجد لا ينفك من كبد ... فيه يلذ لنا بؤس ونعماء
حفيظة منك عين الله تكلؤها ... وشيمة شيم منها العين والطاء
وهيبة لم تزل تعنو إليك بها ... والدين يخبط منه الليل عشواء
مدوا إليك أكف البغي فانجذمت ... وقد خلت منهم بالسيف أقفاء
وقادة في وجوه القوم أخجلها ... من حد سيفك توبيخ وإدماء
أبناء دأية من مقطوف هامهم ... على الجذوع لها وقع وإقعاء
قوم هم نبذوا الإسلام قاطبة ... عنهم كما نبذ الأموات أحياء ومعنى البيت الثاني منها كقول حبيب:
стр. 1055
كأنه كان ترب الحب مذ زمن ... فليس يعجزه قلب ولا كبد وأخذه أبو الطيب فقال:
وقد صغت الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد وقال من أخرى:
سحبت على أثر الخيال ذيولا ... وسرت تعود من الصدود عليلا
عللت منك بكل وعد كاذب ... وسرى خيالك بالرضى تخييلا
لو كنت صادقة رحلت إلى الصبا ... وخضبت شيبي بالشباب محيلا
سقيا لعهدك والشباب ملاءة ... تثني عيون عني حولا [٢٤ أ]
أيام أمرح في الصبابة خالعا ... رسني وأسحب في المجون ذيولا
وأصيد بين حمائلي وحبائلي ... صيدا وغيدا ما يدين قتيلا ومنها:
يا هذه عني إليك فإن لي ... أملا بأعنان السماء كفيلا
من لم يبت عند ابن عباد فقد ... ضل السبيل وأخطأ التأميلا ومنها في وصف حربه مع صاحب سبتة:
فأرح جيادك فهي أطلاح السرى ... وقد الجيوش إلى العدا أسطولا
أنشأتهن سفائنا ومدائنا ... وجنبتهن كتائب ورعيلا
دهم تخال البيض في أوساطها ... بلقا وفي أطرافها تحجيلا
قرعت بأسواط الرياح فأسرعت ... في الماء تعمل كلكلا وتليلا
следующие страницы →