← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قد زارنا النرجس الذكي ... وآن من يومنا العشي ونحن في مجلسٍ أنيقٍ ... وقد ظمئنا وثم ري ولي نديم غدا سميي ... يا ليته ساعد السمي فأجابه ابن عمار: لبيك لبيك من منادٍ ... له الندى الرحب والندي ها أنا في الباب عبد قن ... قبلته وجهك السني شرفه والداه باسمٍ ... شرفته أنت والنبي وسأله الوزير أبو عمرو بن غطمش أن يشرفه بالسير معه إلى منزله، فاجتمع الندماء بالقصر، [٩أ] بعد صلاة العصر، لينتقلوا ليلاً بانتقالها إلى دار الوزير المذكور، فبدت من ابن عمار حينئذ هنة أوجنت أن رماه المعتمد ببعض الآنية، فافترقوا بعد نومه ووقوع اليأس من سيره، ومضت الجماعة إلى دار الوزير المذكور، فلما استيقظ المعتمد من السكر، أخبر بما وقع من الأمر، فكتب إليهم بهذين البيتين: لولا عيون من الواشين ترمقني ... وما أحاذره من قول حراس لزرتكم لأكافيكم بجفوتكم ... مشياً على الوجه أو حبواً على الراس وله يستعطف أباه المعتضد إذ دخل مالقة وأخرج منها، في قصيدة أوله:

стр. 982

سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر ... ماذا يعيد عليك البث والحذر وإن يكن قدر قد عاق عن وطر ... فلا مرد لما يأتي به القدر وإن تكن خيبة في الدهر واحدة ... فكم غزوت ومن أشياعك الظفر إن كنت في حيرة عن جرمٍ محترم ... فإن عذرك في ظلمائها قمر ومنها: يا ضيغماً يقتل الفرسان مفترساً ... لا توهنني فإني الناب والظفر قد أخلفتني صروف أنت تعلمها ... وعاد مورد آمالي به كدر وحلت لوناً وما بالجسم من سقمٍ ... وشبت رأساً ولم يبلغني الكبر لم يأت عبدك ذنباً يستحق به ... عتباً وهاهو قد ناداك يعتذر ما الذنب إلا على قوم ذوي دغل ... وفى لهم عهدك المعهود إذ غدروا ومنها: لم أوت من زمني شيئاً ألذ به ... فلست أعرف ما كأس ولا وتر ولا تملكني دل ولا خفر ... ولا سبى خلدي غنج ولا حور رضاك راحة نفسي لا فجعت به ... فهو العتاد الذي للدهر يدخر وهو المدام التي أسلو بها فإذا ... عدمتها عبثت في قلبي الفكر

стр. 983

ذكر الخبر عن حديثه يومئذ بمالقة ودخوله إياها، وانصرافه مفلولا دون ما تخيل من التخييم في ذراها، وأمل من الاستباحة لحماها قال ابن بسام: لما سما باديس بن حبوس إلى قصبة مالقة بعد تقلص الظلال الحمودية عن أرجائها، وأفول النجوم العلوية في سمائها، في خبر خلا منه هذا المجموع حين لم يتعلق بذيله مما وقع إليّ نظم ولا نثر، ولا أشرق في ليله مما حصل في يدي للأدب كوكب ولا بدر، فلذلك أضربت [٩ب] عنه، وأخليت كتابي منه، وأتيت بخبر المعتمد فيها حين أنبأ به شعر، وجرى له على لسان الأدب ذكر، وفاءً بالشرط، وتوفيةً بالقسط: كان أهل مالقة إذا جرى ذكر عباد ارتاحوا إليه ارتياح الغصون تحت النسيم، ورفعوا أصواتهم بالصلاة عليه والتسليم، هذا على ما كان يقذي عيونهم من قبح آثاره، ويصك أسماعهم من هو أخباره، ويلفح وجوههم من وهج ناره، تشيعاً لم يكن له أصل إلا شؤم الحمية، ولؤم العصبية، فاهتبلوا غرةً من باديس أميرهم، وناجوا عباداً بذات صدورهم، وألقوا إليه بأيدي تأميلهم وتأميرهم، فجأجأوا لظمآن لا يروي على طول الشرب، وهزوا سيفاً يكاد يهتك الضريبة قبل الضرب، فجد فيها وشمر، ونادى أهلها وحشر، وكان المعتضد إذا طول اختصر

стр. 984

وإذا تحدث عنه على البعد حضر، ولبى دعاة أهل مالقة بالخيل بين الجلال واللبود، وبالأبطال أثناء الحرير والحديد، وأنفذ إليهم شوكته الوحي سمها، وأطلع عليهم كتيبته البعيد همها، القاسط حكمها، معصبة بابنيه جابرٍ ومحمد، فلأول إطلال عسكره عليها هبت له ريح فتحها، وضحك في وجه بشر صبحها، فحل لأول وقته بحريمها، وتحكم في ظالمها ومظلومها، إلا فرقةً من السودان المغاربة لاذوا بذروة قصبتها وهي بحيث ينشأ تحتها الدجن، ويعجز دون مرامها الظن، إنافة مكان، وإطالة بنيان؛ وقد كان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتضد، حين خلوا بينهما وبين البلد، بإذكاء العيون، وإساءة الظنون، وضبط ما حولها من المعاقل والحصون، فغفلا، واستصرخ السودان المغاربة أميرهم باديس فلباهم بزخرة من تياره، وأقبسهم شرارة من ناره، فلم يرع ابني عباد، إلا صهيل الجياد، وتداعي الأجناد، بشعار الجلاد، فلم تر إلا أسيراً أو قتيلاً، أو فازعاً إلى الفرار ما وجد إليه سبيلاً، وامتلأت أيدي الباديسيين من السلاح والكراع، ورفلوا بين خيار البز وفاخر المتاع، ولجأ ابنا عباد إلى رندة وقد انغمسا في عارها، وصليا بنارها، ورأيا وجه الموت في لمعان أسنتها وشفارها، ومن ثم خاطب المعتمد أباه بالشعر المتقدم الذكر، وقد أخفر ذممه، ونذر دمه، ولولا أنه استجار - زعموا - يومئذ برجلٍ من العباد كان هنالك لتبت يداه، ولحق إسماعيل أخاه.

стр. 985

ورفع إلى المعتمد صدر دولته شعر، عزي إلى بعض الأصحاب، من الوزراء الكتاب، يعرض بأبي الوليد بن زيدون فيه، أوله: يا أيها الملك العلي الأعظم ... اقطع وريدي كل باغٍ ينئم [واحسم بسيفك داء كل منافقٍ ... يبدي الجميل وضد ذلك يكتم] لا تتركن للناس موضع شبهةٍ ... واحزم فمثلك في العظائم يحزم قد قال شاعر كندة فيما مضى ... بيتاً على مر الليالي يعلم " لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم " فلما سمعها المعتمد، عرف الغرض الذي إليه قصد، ووقع على ظهر الرقعة، بهذه القطعة، وهي من جيد نظامه، وحر كلامه: كذبت مناكم صرحوا أو جمجموا ... ألدين أمتن والمروة أكرم خنتم ورمتم أن أخون وإنما ... حاولتم أن يستخف يلملم وأردتم تضييق صدرٍ لم يضق ... والسمر في ثغر الصدور تحطم وزحفتم بمحالكم لمجرب ... ما زال يثبت في المحال فيهزم أنى رجوتم غدر من جربتم ... منه الوفاء وجور من لا يظلم

стр. 986

أنا ذاكم لا البغي يثمر غرسه ... عندي ولا مبنى الصنيعة يثلم كفوا وإلا فارقبوا لي بطشةً ... يلقى السفيه بمثلها فيحلم ولأبي الوليد على ذلك جواب شكرٍ من جملة قصيد، قال فيه: قل للبغاة المنبضين قسيهم ... سترون من تصميه تلك الأسهم أسررتم فرأى نجي غيوبكم ... شيحان مدلول عليه ملهم ما كان حلم محمد ليحيله ... عن عهده دغل الضمير مذمم فرق عوت فزأرت زأرة زاجرٍ ... راع الكليب بها السبنتى الضيغم لي منك فليذب الحسود تلظياً ... لطف المكانة والمحل الأكرم لم تلف صاغيتي لديك مضاعفةً ... كلا ولا ضاع اصطناعي الأقدم بل أوسعت حفظاً وصدق رعاية ... ذمم موثقة العرى لا تفصم فليخرقن الأرض شكر منجد ... مني تناقله المحافل متهم ومن كلام المعتمد الجزل، قوله يوم كبل يخاطب الكبل: إليك فلو كانت قيونك أشعرت ... تصرم منها كل كف ومعصم مهابة من كان الرجال بسيبه ... ومن سيفه في جنة أو جهنم ومما قاله بعد زوال سلطانه وتضعضع بنيانه، لما دخل عليه البلد يوم الثلاثاء منتصف رجب سنة أربع وثمانين، خرج مدافعاً عن ذاته، وذاباً عن حرماته، وظهر يومئذ من بأسه، ومن تراميه - زعموا - على الموت

стр. 987

بنفسه، ما لا مزيد لبشرٍ عليه، ولا تناهي لخلق إليه، وفي ذلك يقول: لما تماسكت الدموع ... وتنبه القلب الصديع قالوا الخضوع سياسة ... فليبد منك لهم خضوع وألذ من طعم الخضوع ... على فمي السم النقيع إن تستلب عني الدنا ... ملكي وتسلمني الجموع فالقلب بين ضلوعه ... لم تسلم القلب الضلوع لم أستلب شرف الطبا ... ع أيسلب الشرف الرفيع قد رمت يوم نزالهم ... إلا تحصني الدروع وبرزت ليس سوى القمي ... ص على الحشا شيء دفوع وبذلت نفسي كي تسي ... ل إذا يسيل بها النجيع أجلي تأخر لم يكن ... بهواي ذلي والخضوع ما سرت قط إلى القتا ... ل وكان من أملي الرجوع شيم الأول أنا منهم ... والأصل تتبعه الفروع [١٠ب] قوله: " ما سرت قط إلى القتال " ... البيت، كقول قيس بن الخطيم: وإني في الحرب الضروس موكل ... بتقديم نفسٍ لا أريد بقاءها

стр. 988

وروى ابن قتيبة قال، قال أبو دلامة: كنت في عسكر مروان بن محمد أيام زحف إلى شيبان، فلما التقى الزحفان خرج رجل منهم ينادي إلى البراز، فلم يخرج إليه أحد إلا أعجله ولم ينهنهه، فغاظ ذلك مروان، فجعل يندب الناس على خمسمائة، فقتل أصحاب الخمسمائة، فندبهم على الألف، ولم يزل يزيد حتى نادى بخمسة آلاف، قال أبو دلامة: وكان تحتي فرس لا أخاف خونه، فلما سمعت بخمسة آلاف اقتحمت الصف، فلما نظر إليّ الخارجي علم أني خرجت للطمع، فبرز إليّ وهو يقول: وخارج أخرجه حب الطمع ... فر من الموت وفي الموت وقع ... من كان ينوي أهله فلا رجع ... فلما وقرت في أذني انصرفت عنه هارباً، فجعل مروان يقول: من هذا الفاضح - إيتوني به، ودخلت في غمار الناس. وقيل كان أبو دلامة مع أبي مسلم في بعض حروبه مع بني أمية، فدعا رجل إلى البراز فقال له أبو مسلم: أخرج إليه، فأنشأ يقول:

стр. 989

ألا لا تلمني إن هربت فإنني ... أخاف على فخارتي أن تحطما فلو أنني أبتاع في السوق مثلها ... وجدك ما باليت أن أتقدما وحدث أيضاً أبو دلامة قال: أتي بي المنصور وأنا سكران، فحلف أن يخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم المهلبي لقتال الثراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت اليوم في عدوك أثراً ترضيه، فنزل عن فرسه ونزع سلاحه، فلما حصل ذلك في يدي وزالت حلاوة الطمع أنشدته: إني استجرتك أن أقدم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب فهب السيوف رأيتها مشهورة ... فتركتها ومضيت في الهراب ماذا تقول لما تجيء ولا ترى ... من بادرات الموت بالنشاب قال: دع عنك هذا، وبرز رجل من الخوارج فقال: اخرج إليه، قلت: أنشدك الله في دمي أيها الأمير، إن هذا أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وأنا والله جائع ما تنبعث مني جارحة من الجوع، فأمر برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت إلى الصف، فلما رآني الخارجي أقبل نحوي وتحدثنا، وقلت: إن معي زاداً أحببت أن تأكله معي وما أريد قتالك، فجعلنا نأكل على ظهور دوابنا والناس يضحكون، فلما استوفيناه ودعني، فلما انصرفت قلت لروح: قد كفيتك قرني فقل لغيري يكفيك قرنه. ثم خرج آخر إلى المبارزة فقال: اخرج إليه فقلت:

стр. 990

إني أعوذ بروح أن يقدمني ... إلى القتال فتخزى بي بنو أسد إن البراز إلى الأقران أعلمه ... مما يفرق بين الروح والجسد [١١أ] إن المهلب حب الموت أورثكم ... وما ورثت اختيار الموت من أحد لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها ... لكنها خلقت فرداً فلم أجد فضحك وأعفاني. رجع: ثم التوت بالمعتمد الحال أياماً يسيرة، والناس بحضرة إشبيلية قد استولى علهم الفزع، وخامرهم الجزع، يقطعون سبلها سياحةً، ويخوضون نهرها سباحةً، ويترامون من شرفات الأسوار، ويتولجون مجابي الأقذار، حرصاً على الحياة، وحذراً من الوفاة، فلما كان يوم الأحد الموفي عشرين من رجب المؤرخ، دخل البلد على المعتمد بعد أن جد الفريقان في القتال، واجتهدت الفئتان في النزال، وفي أثناء تلك الحال، وما كان يناجي باله من البلبال، خاطب أبا بكر المنجم الخولاني بهذه الأبيات: أرمدت أم بنجومك الرمد ... قد عاد ضداً كل ما تعد هل في حسابك ما نؤمله ... أم قد تصرم عندك الأمد قد كنت تهمس إذ تخاطبني ... وتخط كرهاً إن عصتك يد فالآن لا عين ولا أثر ... أتراك غيب شخصك البلد وتراك بالعذراء في عرسٍ ... أم إذ كذبت سطا بك الأسد الملك لا يبقى على أحد ... والموت لا يبقى له أحد ثم أخرج المعتمد في ذلك اليوم إلى أن أطلقت إليه جميع أمهات أولاده وبنيه، وكل ما يختص به من أقرابه وذويه، وعمر بهم مركب فركبوا

стр. 991

البحر ورزقوا السلامة فيه، إلى أن وصلوا إلى أمير المسلمين وناصر الدين، أبي يعقوب يوسف بن تاشفين، ﵀، فبقوا هنالك في كمفه وذرى فضله، تحت إحسان عميم، وبذل نائلٍ جسيم، حتى انقرضت هنالك أيامه، ووافاه حمامه، بعد مرض شديد أصابه، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثمان وثمانين، وكان مولده في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين. ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بالصلاة على الغريب، بعد عظيم سلطانه، وجلالة شانه، فتبارك من له البقاء، والعزة والكبرياء. وبلغني أنه لما أحس بالوفاة، رثى نفسه بهذه الأبيات: قبر الغريب سقاك الرائح الغادي ... حقاً ظفرت بأشلاء ابن عباد بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا ... بالخصب أجدبوا بالري للصادي نعم هو الحق وافاني به قدر ... من السماء فوافاني لميعاد [١١ب] ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه ... أن الجبال تهادى فوق أعواد فلا تزل صلوات الله نازلةً ... على دفينك لا تحصى بتعداد ثم وصى بأن تثبت على قبره. وتنازعت يومئذ لمة من أهل الأدب بأغمات، ورثوه بقصائد مطولات، منهم أبو بحر بن عبد الصمد رثاه بقصيد أوله:

стр. 992

ملك الملوك أسامع فأنادي ... أم قد عدتك عن السماع عواد لما نقلت من القصور فلم تكن ... فيها كما قد كنت في الأعياد قبلت في هذا الثرى لك خاضعاً ... وجعلت قبرك موضع الإنشاد وأنشد على قبره وفعل ما ذكر: قبل الترب ومرغ جبينه وعفر، فأبكى من حضر. وبلغني أيضاً عن بعض بني عباد أنه أنشد في النوم قبل حلول الفاقرة بهم هذه الأبيات: ما يعلم المرء والدنيا تمر به ... بأن صرف ليالي الدهر محذور بينا الفتى مترد في مسرته ... وافى عليه من الأيام تغيير وفر من حوله تلك الجيوش كما ... تفر إن عاينت صقراً عصافير وخر خسراً فلا الأيام دمن له ... ولا بما وعد الأحرار محبور من بعد سبعٍ كأحلام تمر وما ... يرقى إلى الله تهليل وتكبير يحل سوء بقوم لا مرد له ... وما ترد من الله المقادير وكذلك حكي عن رجل أنه رأى في منامه إثر الكائنة عليهم كأن رجلاً صعد منبر جامع قرطبة واستقبل الناس ينشدهم: رب ركب قد أناخوا عيسهم ... في ذرى مجدهم حين بسق سكت الدهر زماناً عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطق

стр. 993

فلما سمع المعتمد ذلك أيقن أنه نعي لملكه، وإعلام بما انتثر من سلكه، فقال: من عزا المجد إلينا قد صدق ... لم يلم من قال مهما قال حق مجدنا الشمس سناءً وسناً ... من يرم ستر سناها لم يطق أيها الناعي إلينا مجدنا ... هل يضير المجد إن خطب طرق لا ترع للدمع في آماقنا ... مزجته بدمٍ أيدي الخرق حنق الدهر علينا فسطا ... وكذا الدهر على الحر حنق قد مضى منا ملوك شهروا ... شهرة الشمس تجلت في الأفق نحن أبناء بني ماء السما ... نحونا تطمح ألحاظ الحدق وإذا ما اجتمع الدين لنا ... فحقير ما من الدنيا افترق قال ابن بسام: والبيتان اللذان أنشدا في المنام رواهما الرواة [١٢أ] في خبر النعمان بن المنذر، وهو أنه نزل تحت شجرة، ومعه عدي بن زيد فقال له: أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك - قال تقول: رب ركبٍ قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال فتكدر على النعمان نعيم يومه الذي كان فيه.

стр. 994

ويتعلق بذيل هذا الخبر الآخر: سل الأرض من غرس أشجارك وشق أنهارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً. وقال بعض الحكماء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات، كل تؤدي عنه الحجة، وتشهد له بالربوبية. وجلس أبو العتاهية بحانوت وراقٍ فأخذ كتاباً وكتب على ظهره: أيا عجباً كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده جاحد وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فلما انصرف اجتاز بالموضع أبو نواس فقال: لمن هذه - لودتها لي بجميع شعري، قيل له: لأبي العتاهية: فكتب تحتها: سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيفٍ مهين فصاغه في قرار ... إلى قرارٍ مكين يجول شيئاً فشيئاً ... في الحجب دون العيون حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون وإلى هذا المعنى ذهب أبو الطيب بقوله:

стр. 995

تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن ما لهن أفواه إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه ومنها قول نصيب: فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكنوا أثنت عليك الحقائب وقال أبو تمام، وله بهذا المعنى بعض الإلمام: من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعة غير مزجاةٍ من الكلم وأخذه بعض أهل عصرنا، وهو الوزير أبو محمد بن عبدون، فقال للمتوكل: فجاءته لم تبصر سوى البشر هادياً ... وسله ولم يسمع سوى الشكر حاديا هوادٍ على أعجازها قيم الندى ... فأربح بها مشري حمد وشاريا وهذا المعنى الذي افتنوا فيه نظماً ونثراً هي النصبة الدالة بذاتها التي وصفها الجاحظ في أقسام البيان. رجع: وكان أبو بكر الداني مائلاً لبني عباد بطبعه، إذ كان المعتمد

стр. 996

الذي جذب بضبعه، وله في البكاء على أيامهم، وانتثار نظامهم، عدة مقطوعات، وقصائد مطولات، يشتمل عليها جزء لطيف، صدر عنه في صيغة تأليف، وهيئة تصنيف، ضل فيه وأضل " والذر يعذر في القدر الذي حمل " سماه ب - " نظم السلوك، في وعظ الملوك " ترجمة رائقة بلا معنى،، ليست من الغرض الذي نحاه ولا المغزى؛ على أنه كان شاعرا يتصرف، وقادرا لا يتكلف، فوفد هنالك على المعتمد وفادة وفاء، ولا وفادة استجداء، وانقطع إليه انقطاع وداد، لا انقطاع استرفاد، وله أشعار سائرة، ومعه أخبار نادرة، تدل على كرم طعمته، وبعد همته، وأنا أورد هاهنا منها ما يليق بالديوان، ويروق في السماع والعيان. حدث الداني عن نفسه قال: لما أردت الانفصال عنه هنالك بعث إلي بعشرين مثقالا وشقة رازي بغدادي، وكتب مع ذلك: إليك النزر من كف الأسير ... فإن تقبل تكن عين الشكور تقبل ما يذوب له حياء ... وإن عذرته حالات الفقير ولا تعجب لخطب غض منه ... أليس الخسف ملتزم البدور ورج بجبره عقبى نداه ... فكم جبرت يداه من كسير وكم أعلت علاه من حضيض ... وكم حطت ظباه من أمير وكم من منبر حنت إليه ... أعالي مرتقاه ومن سرير زمان ترجعت عن جانبيه ... جياد الخيل بالموت المبير

стр. 997

فقد نظرت إليه عيون نحس ... مضت منه بمعدوم النظير نحوس كن في عقبي سعود ... كذاك تدور أقدار القدير قال الداني: فرددت عليه صلته وكتبت إليه مع ذلك: سقطت من الوفاء على خبير ... فذرني والذي لك في ضميري تركت هواك وهو شقيق ديني ... لئن شقت برودي عن غدور ولا كنت الطليق من الرزايا ... لئن أصبحت أجحف بالأسير أسير ولا أصير إلى اغتنام ... معاذ الله من سوء المصير أنا أدرى بفضلك منك إني ... لبست الظل منه في الحرور غني النفس أنت وإن ألحت ... على كفيك حالات الفقير تصرف في الندى حيل المعالي ... فتسمح من قليل بالكثير أحدث منك عن نبع غريب ... تفتح عن جنى زهر نضير جذيمة أنت والزباء خانت ... وما أنا من يقصر عن قصير وأعجب منك أنك في ظلام ... وترفع للعفاة منار نور [رويدك سوف توسعني سرورا ... إذا عاد ارتقاؤك للسرير وسوف تحلني رتب المعالي ... غداة تحل في تلك القصور تزيد على ابن مروان عطاء ... بها وأزيد ثم على جرير تأهب أن تعود إلى طلوع ... فليس الخسف ملتزم البدور]

стр. 998

قال الداني: فراجعني المعتمد بهذه الأبيات: رد بري بغيا علي وبرا ... وجفا فاستحق لوما وشكرا حاط نزري إذ خاف تأكيد ضري ... فاستحق الجفاء إذ حاط نزرا فإذا ما طويت في الحمد بعضا ... عاد لومي في البعض سرا وجهرا يا أبا بكر الغريب وفاء ... لا عدمناك في المغارب ذخرا أي نفع يجدي احتياط شفيق ... مت ضرا فكيف أرهب ضرا [١٣ أ] وهذا المصراع الأخير، كأنه إلى بيت أبي الطيب يشير: أنا الغريق فما خوفي من البلل ... قال الداني: فراجعته: أيها الماجد السميدع قدرا ... صرفي البر إنما كان برا حاش لله أن أجيح كريما ... يتشكى فقرا وكم سد فقرا ليت لي قوة أو آوي لركن ... فترى للوفاء مني سرا أنت علمتني السيادة حتى ... صرت أرقى على الكواكب قدرا ربحت صفقة أزيل برودا ... عن أديمي بها وألبس فخرا وكفاني كلامك الرطب نيلا ... كيف ألفي درا وأطلب تبرا لم تمت إنما المكارم ماتت ... لا سقى الله بعدك الأرض قطرا

стр. 999

قال الداني: وبلغت حالي عنده من التقريب والترحيب أن أفرطت في الإدلال، وانبسطت في الاسترسال، وخاطبته في أن يكون زادي من نعمائه، وأن يحاول صنعه بعض إمائه، حرصا مني على التشريف، وسعيا إلى الاستزادة من شكر المعروف، فكان ذلك على أحسن وجه، وشكر غاية الشكر ابنساطي، وتحقق به صحة ارتباطي، وكنت خاطبته في ذلك بهذه القطعة: وداع ولكني أقول سلام ... وللنفس في ذكر الوادع حمام أخادع نفسا إن تحققت النوى ... فليس لها بين الضلوع مقام قد ائتلفت أهواؤها بك جملة ... كما ائتلفت في وكرهن حمام وشقت عن النصح المبين جيوبها ... كما شققت عن زهرهن كمام أكرر لحظي في محياك إنه ... لنور الهدى فيه عليك قسام وأحمل من تقبيل كفك سؤددا ... على عاتق الجوزاء منه حسام أملبسي النعمى قديما ومثلها ... حديثا وأحداث الزمان عظام لأجلستني حتى اتكأت ولم يزل ... يدل على المولى الكريم غلام عسى عند حمل العيس رحلي في غد ... يهيأ من زادي لديك طعام وميلي إلى الطاهي وطيب إرادة ... ليثبت لي في وصف ذاك كلام وكيف أزيد المجد صحف محاسن ... سهرت لها والعالمون نيام قال: فأجابني بقوله: كلامك حر والكلام غلام ... وسحر ولكن ليس فيه حرام ودر ولكن بين جنبيك بحره ... وزهر ولكن الفؤاد كمام

стр. 1000

وبعد فإن ودعتني بخداعة ... فحقي أن يجني عليك ملام أعني على نفسي بتزويد نفسها ... بل قول لا شيء علي حرام فدونكه إذ لم أجد لي حيلة ... وقلبي فاعلم في الطعام طعام فهنئته زادا وفي الصدر وقدة ... وللصبر من دون الفؤاد مرام لقد كان فأل من سمائك مؤنس ... وقد عاد ضدا فالعزاء رمام تحليت بالداني وأنت مباعد ... فيا طيب بدء لو تلاه تمام ويا عجبا حتى السمات تخونني ... وحتى انتباهي للصديق منام أضاء لنا أغمات قربك برهة ... وعاودها حين ارتحلت ظلام تسير إلى أرض بها كنت مضغة ... وفيها اكتست باللحم منك عظام وأبقى أسام الذل في أرض غربة ... وما كنت لولا الغدر ذاك أسام فبلغتها في ظل أمن وغبطة ... وسني لي مما يعوق سلام قال ابن بسام: وكان الحصري المكفوف القروي قد طرأ على الأندلس في مدة ملوك طوائفها، فتهادته تهادي الرياض للنسيم، وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم، ولما خلعوا وأخوت تلك النجوم، وطمست للشعر تلك الرسوم، اشتملت عليه مدينة طنجة وقد ضاق ذرعه، وتراجع طبعه، فتصدى إلى المعتمد في طريقه، وهو في تلك الحال، من الاعتقال، بأشعار له قديمة صدرها في الرباب وفرتنى، وعجزها في الاستجداء وطلب اللهى، خارجة عن الغرض والمغزى، مما كان فيه المعتمد يومئذ، وألح عليه بالوصول بتلك الأشعار إليه، فندبه كرم جبلته إلى مقارضته

стр. 1001

عند مفاوضته، فطبع على ثلاثين مثقالا لم يمكنه سواها، وأدرج قطعة شعر طيها معتذرا من نزرها، راغبا في قبول أمرها، فلم يجاوبه الحصري عما حصل حينئذ من قبله لديه، فكتب المعتمد بهذه الأبيات إثر ذلك إليه: قل لمن قد جمع العل ... م ومن أحصى صوابه كان في الصرة شعر ... فتنظرنا جوابه قد أثبناك فهلا ... جلب الشعر ثوابه واتصل فعل المعتمد بالحصري إلى جماعة من زعانف الشعراء، وكل طالب حباء، من مشحوذ المدية، في الكدية، فتعرضوا له بكل قارعة طريق، وجاءوه من كل فج عميق، يحسبون الدفلى من حاله نور اجتناء، ويعتقدون السراب في أمره غدير ماء، وطي الحال، كان ما لا مزيد عليه من الاختلال، وعند ذلك قال: شعراء طنجة كلهم والمغرب ... ذهبوا من الأغراب أبعد مذهب سألوا العسير من الأسير وإنه ... بسؤالهم لأحق فأعجب وأعجب لولا الحياء وعزة لخمية ... طي الحشا ناغاهم في المطلب قد كان أن سئل الندى يجزل وإن ... نادى الصريخ ببابه اركب يركب

стр. 1002

وعند ذلك قال: قل لمن يطمع في نائله ... قد أزال اليأس ذاك الطمعا راح لا يملك إلا دعوة ... رحم الله العفاة الضيعا وسأله رجل يعرف بابن الزنجاري أن يزوده من شعره فكتب إليه [١٤ أ] : لو أستطيع على التزويد بالذهب ... فعلت لكن عداني طارق النوب يا سائل الشعر يجتاب الفلاة به ... تزويدك الشعر لا يغني عن السغب زاد من الريح لا ري ولا شبع ... غدا له مؤثراً ذو اللب والأدب أصبحت صفراً يدي مما تجود به ... ما أعجب القدر المقدور في رجب ذل وفقر أدالا عزةً وغنى ... نعمى الليالي من البلوى على كثب قد كان يستلب الجبار مهجته ... بطشي ويحيا قتيل الفقر في طلبي والملك يحرسه في ظل واهبه ... غلب من العجم أو شم من العرب فحين شاء الذي آتاه ينزعه ... لم يجد شيئاً قراع السمر والقضب فهاكها قطعةً طوى لها حسداً ... " السيف أصدق إنباء من الكتب " ومما قاله في ابنيه، وتعجب من حاليه، قال: بكت أن رأت إلفين ضمهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدهر بكت لم ترق دمعاً وأسبلت عبرةً ... يقصر عنها القطر مهما همى القطر وناحت وباحت واستراحت بسرها ... وما نطقت حرفاً يبوح به سر

стр. 1003

فما لي لا أبكي أم القلب صخرة ... وكم صخرة في الأرض يجري بها نهر بكت واحداً لم يشجها غير فقده ... وأبكي لألاف عديدهم كثر بني صغير أو خليل موافق ... يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر ونجمان زين للزمان احتواهما ... بقرطبة النكداء أو رندة القبر غدرت إذن إن ضن جفني بقطرةٍ ... وإن لؤمت نفسي فصاحبها الصبر فقل للنجوم الزهر تبكيها معي ... لمثلهما فلتحزن الأنجم الزهر قال ابن بسام: وهذه القطعة يشبه أولها قطعة عوف بن محلم، وما أراه إلا بها ألم، وعلى منوالها سدى وألحم، وهي: وأرقني بالري نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشجو الغريب ينوح على أنها ناحت ولم تذر عبرةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح وقال المعتمد أيضاً يبكيهما بما يفت الكبد، ويفت العضد: يقولون صبراً لا سبيل إلى الصبر ... سأبكي وأبكي ما تطاول بي عمري هوى الكوكبان الفتح ثم شقيقه ... يزيد فهل عند الكواكب من خبر ترى زهرها في مأتم كل ليلةٍ ... تخمش لهفاً وسطه صفحة البدر ينحن على نجمين، أثكلت ذا وذا ... وأصبر ما للقلب في الصبر من عذر [١٤ب] أفتح لقد فتحت لي باب رحمة ... كما بيزيد الله قد زاد في أجري توليتما والسن بعد صغيرة ... ولم تلبث الأيام أن صغرت قدري

стр. 1004

توليتما حين انتهت بكما العلا ... إلى غايةٍ، كل إلى غاية يجري فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى ... إذا أنتما أبصرتماني في الأسر يعيد على سمعي الحديد نشيده ... ثقيلاً فتبكي العين بالجس والنقر مع الأخوات الهالكات عليكما ... وأمكما الثكلى المضرمة الصدر فتبكي بدمعٍ ليس للقطر مثله ... وتزجرها التقوى فتصغي إلى الزجر أبا خالدٍ أورثتني الحزن خالداً ... أبا النصر مذ ودعت ودعني نصري وقبلكما قد أودع القلب حسرةً ... تجدد طول الدهر ثكل أبي عمرو قوله: " فلو عدتما لاخترتما العود في الثرى.. " البيت، كأنه من أشعار النساء، وأراه ينظر إلى قول الخنساء في صيغة المبنى، وإن خالفه في المعنى، وهو: فلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وأبو عمرو الذي ذكره هو ابنه المقتول بقرطبة على يدي ابن عكاشة، حسبما يأتي شرحه في موضعه من هذا المجموع إن شاء الله. قال أيضاً فيهما يندبهما بما يوقد الضلوع، ويسكب الدموع: يا عين عيني أقوى منك تهتانا ... أبكي لحزن وما حملت أحزانا ونار برقك تخبو إثر وقدتها ... ونار قلبي تلفى الدهر بركانا نار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيراناً وطوفانا

стр. 1005

ضدان ألف صرف الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوانا بكيت فتحاً فإذ ناديت سلوته ... لقد تلون في الدهر ألوانا يا فلذتي كبدي يأبى تقطعها ... عن وجدها بكما ما عشت سلوانا لقد هوى بكما نجمان ما رميا ... إلا من العلو بالألحاظ كيوانا مخفف عن فؤادي أن ثكلكما ... مثقل لي يوم الحشر ميزانا يا فتح قد فتحت تلك الشهادة لي ... باب الطماعة في لقياك جذلانا ويا يزيد لقد زاد الرجا بكما ... أن يشفع الله بالإحسان إحسانا كما شفعت أخاك الفتح تتبعه ... لقاكما الله غفراناً ورضوانا مني السلام ومن أم مفجعة ... عليكما أبداً مثنى ووحدانا أبكي وتبكي ونبكي غيرنا أسفاً ... لدى التذكر نسواناً وولدانا واجتاز يوماً عليه بموضع ثقافه سرب القطا فهاج وجده، وأثار من لاعج الشوق ما عنده، فقال: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... سوارح لا سجن يعوق ولا كبل [١٥أ] ولم تك والله العليم حسادةً ... ولكن حنيناً أن شكلي لها شكل فأسرح لا شملي صديع ولا الحشا ... وجيع ولا عيناي يبكيهما ثكل هنيئاً لها أن لم يفرق جميعها ... ولا ذاق منها البعد من أهلها أهل وأن لم تبت ليلاً تطير قلوبها ... إذا اهتز باب السجن أو صلصل القفل وما ذاك مما يعتريني وإنما ... وصفت الذي في جبلة الخلق من قبل

стр. 1006

لنفسي إلى لقيا الحمام تشوق ... سواي يحب العيش في ساقه كبل ألا عصم الله القطا في فراخها ... فإن فراخي خانها الماء والظل ومعنى البيت الخامس منها يشبه قو أبي عامر بن شهيد القرطبي: وما اهتزت باب السجن إلا تفطرت ... قلوب لنا خوف الردى وكبود ولست بذي قيد يرن وإنما ... على اللحظ من سخط الإمام قيود وقال السمهري العكلي من شعراء الدولة الأموية بالعراق: لقد جمع الحداد بين عصابةٍ ... تساءل في الأقياد ماذا ذنوبها بمنزلة أما اللئيم فسامن ... بها وكرام الناس بادٍ شحوبها إذا حرسي قعقع اللباب أرعدت ... فرائص أقوام وطارت قلوبها نرى الباب لا نسطيع شيئاً وراءه ... كأنا قناً أسلمتها كعوبها وتجوز المعتمد في قوله: " وما ذاك مما يعتريني " ... البيت، وأجاد فيه ما أراد. وقال من جملة قصيد، وقد دخل عليه بناته للسلام يوم عيد:

стр. 1007

في ما مضى كنت بالأعياد مسرورا ... فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعةً ... يغزلن للناس ما يملكن قطميرا برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا أفطرت في العيد لا عادت إساءته ... فكان فطرك للأعياد تفطيرا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردك الدهر منهياً ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا ودخل عليه ابنه أبو هاشم وهو يرسف في قيوده، ويتقلب في حديده، فخنقت الطفل العبرة، وكان أحبهم إليه، وأحظاهم على صغره لديه، وفيه يقول يوم الجمعة المشهور، إذ أبلى في قتال النصارى: أبا هاشم هشمتني الشفار ... فلله صبري لذاك الأوار ذكرت شخصيك ما بينها ... فلم يثني حبه للفرار وعند بكائه قال: [١٥ب] قيدي أما تعلمني مسلما ... أبيت أن تشفق أو ترحما دمي شراب لك واللحم قد ... أكلته لا تهشم الأعظما يبصرني فيك أبو هاشمٍ ... فينثني والقلب قد هشما ارحم طفيلاً طائشاً لبه ... لم يخش أن يأتيك مسترحما

стр. 1008

وارحم أخيات له مثله ... جرعتهن السم والعلقما منهن من يفهم شيئاً فقد ... خفنا عليه للبكاء العمى والغر لا يفهم شيئاً فما ... يفتح إلا لرضاعٍ فما وذكرت بقوله: " فكرت شخصيك " ... البيت، بيتين أنشدنيهما الوزير أبو بكر - هما لأخيه أبي الحسن البطليوسي - لنفسه: ذكرت سليمى وحر الوغى ... كقلبي ساعة فارقتها وأبصرت بين القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها ومن شعره في الندبة على نفسه قال: غنتك أغماتية الألحان ... ثقلت على الأرواح والأبدان قد كان كالثعبان رمحك في الوغى ... فغدا عليك القيد كالثعبان متمدداً يحميك كل تمدد ... متعطفاً لا رحمةً للعاني قلبي إلى الرحمن يشكو بثه ... لا خاب من يشكو إلى الرحمن يا سائلاً عن شأنه ومكانه ... ما كان أغنى شأنه عن شاني هاتيك قينته وذلك قصره ... من بعد أي مقاصر وقيان من بعد كل غريرةٍ رومية ... تخزي الحمائم في ذرى الأغصان

стр. 1009

وقال من قصيدة: تبدلت من عز ظل البنود ... بذل الحديد وثقل القيود وكان حديدي سناناً ذليقاً ... وعضاً رقيقاً صقيل الحديد فقد صار ذاك وذا أدهماً ... يعض بساقي عض الأسود وقال: غريب بأرض المغربين أسير ... سيبكي عليه منبر وسرير وتندبه البيض الصوارم والقنا ... وينهل دمع بينهن غزير إذا قيل في أغمات قد مات جوده ... فما يرتجى للجود بعد نشور مضى زمن والملك مستأنس به ... وأصبح عنه اليوم وهو نفور برأي من الدهر المضلل فاسد ... متى صلحت للصالحين دهور أذل بني ماء السماء زمانهم ... وذل بني ماء السماء كثير فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... أمامي وخلفي روضة وغدير بمنبتة الزيتون مورثة العلا ... تغني قيان أو ترن طيور [١٦أ] بزاهرها السامي الذرى جاده الحيا ... تشير الثريا نحونا ونشير ويلحظنا الزاهي وسعد سعوده ... غيورين والصب المحب غيور تراه عسيراً أم يسيراً مناله ... ألا كل ما شاء الإله يسير قضى الله في حمص الحمام وبعثرت ... هنالك عنا للنشور قبور

стр. 1010

والثريا وسعد السعود والزاهي الذي ذكر في هذا الشعر أسماء قباب ومصانع سلطانية كان تأنق في بنيانها من قصور إشبيلية. وعلى هذا الشعر أجابه أبو محمد الصقلي المعروف بابن حمديس بأبيات قال فيها: تجيء خلافاً للأمور أمور ... ويعدل دهر في الورى ويجور أتيأس من يومٍ يناقض أمسه ... وزهر الدراري في البروج تدور وقد تنخي السادات بعد خمولها ... وتخرج من بعد الكسوف القمر ومن هذا الجواب يقول: ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير ونعبت غربان بجدار المكان الذي كان فيه، ثم ورد إثر ذلك النبأ بقدوم بعض نسائه عليه فقال: غربان أغمات لا تعد من طيبةً ... من الليالي وأفناناً من الشجر تظل زغب فراخ تستكن بها ... من الحرور وتكفيها أذى المطر كما نعبتن لي بالفال يعجبني ... مخبرات به عن أطيب الخبر أن النجوم التي غابت قد اقتربت ... منا مطالعها تسري إلى القمر علي إن صدق الرحمن ما زعمت ... ألا يروعن من قوسي ولا وتري والله والله لا نفرت واقعها ... ولا تطيرت للغربان بالعور ويا عقاربها لا تعدمي أبداً ... شدخاً وعقراً ولا نوعاً من الضرر

стр. 1011

كما ملائن قلبي مذ حللت بها ... مخافة أسلمت عيني إلى السهر ماذا رمتك به الأيام يا كبدي ... من نبلهن ولا رام سوى القدر أسر وعسر ولا يسر أؤمله ... أستغفر الله كم لله من نظر وقال أيضاً وهو بتلك الحال، من الاعتقال: لك الحمد من بعد السيوف كبول ... بساقي منها في السجون حجول وكنا إذا حانت لنحر فريضة ... ونادت بأوقات الصلاة طبول شهدنا فكبرنا فظلت سيوفنا ... تصلي بهامات العدا فتطيل سجود على إثر الركوع متابع ... هناك بأرواح الكماة تسيل ومما قيل فيه بعد خلعه من ملكه وانتثار سلكه من ذلك قصيد لأبي بكر الداني أنشده [١٦ب] إياه حين فكت عنه القيود، أوله: تنشق رياحين السلام فإنما ... أفض بها مسكاً عليك مختما وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقة ... لعلك في نعمى فكم كنت منعما أفكر في عصر مضى لك مشرقٍ ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما وأعجب من أفق المجرة إذ رأى ... كسوفك شمساً كيف أطلع أنجما لئن عظمت فيك الرزية إننا ... وجدناك منها في البرية أعظما

стр. 1012

قناة سعت للطعن حتى تقصدت ... وسيف أطال الضرب حتى تثلما بكى آل عباد ولا كمحمد ... وأبنائه صوب السحائب إذ همى حبيب إلى قلبي حبيب لقوله ... " عسى طلل يدنو بهم ولعلما " وكنا رعينا العز حول حماهم ... فقد أجدب المرعى وقد أقفر الحمى كأن لم يكن في أنيس ولا القتى ... به الوفد جمعاً والخميس عرمرما ولا حلت الآمال فيك ثباً ثباً ... فقامت إليها المكرمات لماً لما ولا اخضر روض في رباها فخلته ... توشح منهم لا من النور أنعما ولا انعطفت فيه الغصون فعانقت ... وشيجاً بأيدي الدارعين مقوما ولا تخفق الرايات فيها فأشبهت ... قوادم طيرٍ في ذرى الجو حوما ولا جر فيها صعدة الرمح خلفه ... فتاها فقلت الصل أتبع ضيغما وفيها يقول: مؤيد لخمٍ هل تؤمل رجعةً ... فكم أمل أضحى إلى النجح سلما حكيت وقد فارقت ملكك مالكاً ... ومن ولهٍ أحكي عليك متمما تدبتك حتى لم يخل لي الأسى ... دموعاً بها أبكي عليك ولا دما وإني على رسمي مقيم فإن أمت ... سأترك للباكين رسمي مرسما بكاك الحيا والريح شقت جيوبها ... عليك وباح الرعد باسمك معلما ومزق ثوب البرق واكتست الدجى ... حداداً وقامت أنجم الليل مأتما ينجيك من نجى من الجب يوسفاً ... ويؤويك من آوى المسيح بن مريما

стр. 1013

قوله: " ندبتك " ... البيت، أغار فيه على إبراهيم الشاشي وقصر باعه، وضاقت فيه ذراعه، وخلى السبيل له حيث يقول: لا ترحلن فما أبقيت من جلدي ... وما أستطيع به توديع مرتحل ولا من الغمض ما أقري الخيال به ... ولا من الدمع ما أبكي على طلل ومن هذه القصيدة: لله جسمي فما أبقى حشاشته ... على الحوادث والأسقام والعلل يغدو سقامي على مثل الخيال ضنى ... ويقرع الخطب مني صفحة الجبل [١٧أ] ولا يرى في فراشي شبحاً ... وأملك السرج في وجه القنا الذبل ولا يقل ردائيب عاتقي دنفاً ... ويحمل الدرع مسلوباً عن البطل ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد، وهو غلام وسيم، قد اتخذ الصياغة صناعة، وكان لقب في دولتهم من الألقاب السلطانية بفخر الدولة، فنظر إليه وهو ينفخ النار بقصبة الصائغ، فقال من جملة قصيدة: شكاتنا فيك يا فخر العلا عظمت ... والرزء يعظم في من قدره عظما طوقت من نائبات الدهر مخنقةً ... ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما وعاد كونك في دكان قارعةٍ ... من بعد ما كنت في قصر حكى إرما صرفت في آلة الصواغ أنملة ... لم تدر إلا الندى والسيف والقلما يد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما يا صائغاً كانت العليا تصاغ له ... حلياً وكان عليه الحلي منتظما

стр. 1014

للفنح في الصور هول ما حكاه سوى ... هول رأيتك فيه تنفخ الفحما وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذا عمى ما حطك الدهر لما حط من شرفٍ ... ولا تحيف من أخلاقك الكرما لح في العلا كوكباً إن لم تلح قمراً ... وقم بها ربوةً إن لم تقم علما [واصبر فربتما أحمدت عاقبةً ... من يلزم الصبر يحمد غب ما لزما] والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت ... ولو وفى لك دمع الغيث لانسجما بكى حديثك حتى الدار حين غدا ... يحكيك رهطاً وألفاظاً ومبتسما وله فيهم أيضاً من قصيدة يرثيهم أولها: تبكي السماء بدمع رائحٍ غادي ... على البهاليل من أبناء عباد على الجبال التي هدت قواعدها ... وكانت الأرض منهم ذات أوتاد عريسة دخلتها النائبات على ... أساود لهم فيها وآساد وكعبة كانت الآمال تعمرها ... فاليوم لا عاكف فيها ولا باد أن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا ... وقد خلت قبل حمص أرض بغداد نسيت إلا غداة النهر كونهم ... في المنشآت كأموات بألحاد والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا ... من لؤلؤ طافياتٍ فوق أزباد

стр. 1015

حط القناع فلم تستر مخدرة ... ومزقت أوجه تمزيق أبراد حان الوداع فضجت كل صارخةٍ ... وصارخ من مفداةٍ ومن فاد سارت سفائنهم والنوح يصحبها ... كأنها إبل يحدو بها الحادي كم سال في الماء من دمع وكم حملت ... تلك القطائع من قطعات أكباد ومحاسن الداني كثيرة، وفي القسم الثالث من شعره جملة موفورة، ومحاسن المعتمد أيضاً أكثر من أن تعد فقد استوفيتها في كتابي المترجم ب - " الاعتماد على ما ضح من شعر المعتمد بن عباد ". [١٧ب] باب يشتمل على طائفة من الوزراء والأعيان، ممن كان بدولة المعتمد من أرباب هذا الشأن، واجتلاب ملح وطرف لشعراء كانوا بذلك الأوان، مع ما يتعلق بها، ويذكر بسببها فصل في ذكر الوزير الفقيه أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني وإثبات فصول من نثره، مع ما ينخرط في سلكها من شعره، وإيراد جملة من أخباره، وحميد آثاره هو أبو حفص عمر بن الحسن بن عبد الرحمن بن عمر بن عبد الله أبي

стр. 1016

سعيد الداخل بجزيرة الأندلس، وهو كان صاحب صلاة الجماعة بقرطبة على عهد عبد الرحمن بن معاوية وهشام الرضي ابنه. وهوزن الذي نسب إليه، وغلب اسمه عليه، بطن من ذي الكلاع الأصغر. وأفضى أمر إشبيلية إلى عباد، حسبما تقدم به الإيراد، وأبو حفص يومئذ ذات نفسها، وإياة شمسها، وناجذها الذي عنه تبتسم، وواحدها الذي بيده ينقض ويبرم. وكان بينه وبين عباد قبل إفضاء الأمر إليه، ومدار الرياسة عليه، إئتلاف الفرقدين، وتضافر اليدين، واصتال الأذن بالعين. ولما ثبتت قدم المعتضد في الرياسة، ودفع إلى التدبير والسياسة، أوجس منه ذعراً، وضاق بمكانه من الحضرة صدراً، وأحس بها أبو حفص وكان ألمعياً، وذكياً لوذعياً، لو أخطأ الحازم أجله، ونفعت المحتال حيله، فاستأذن المعتضد في الرحلة سنة أربعين وأربعمائة، فصادف غرته، وكفي إلى حينٍ معرته، واحتل صقلية تضيق عن فخره الآفاق، وتهادى عجائب ذكره الشام والعراق، ثم رحل إلى مصر وله هنالك صوت بعيد، ومقام محمود، ووصل إلى مكة، وروى في طريقه كتاب الترمذي في الحديث وعنه أخذه أهل المغرب، ثم رجع إلى الأندلس واستأذن المعتضد في سكنى مرسية: رأياً رآه، وبلداً اختاره وتوخاه، وأميرها يومئذ ابن طاهر؛ فلما غلب الروم على مدينة بربشتر سنة ست وخمسين، وقرف الندب، وتفاقم الخطب، وضاق عن ساكنه

стр. 1017

الشرق والغرب، خاطب المعتضد برقعة يحضه فيها على الجهاد، ويستشيره إلى أين ينتقل من البلاد، فراجعه برسالة من إنشاء الوزير الكاتب أبي الوليد ابن المعلم، وهي ثابتة في أخباره من هذا القسم، يشير عليه فيها بالرجوع إلى بلداه، لا بل استدرجه إلى ملحده، فأذهله عما كان استشعر، وأنساه ما كان حذر، أجل قريب، وحمام مكتوب، ومصرع، لم يكن عنه مدفع؛ فاستقر بإشبيلية سنة ثمان وخمسين، ولقيه المعتضد فأعلى المحل، وفوض إليه في الكثر والقل، وعول عليه في العقد والحل. فلما كان يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة لربيع الأول سنة ستين أحضره القصر، وقد غلب [١٨أ]- زعموا - عليه السكر، وأمر خادمين من فتيانه بقتله، فكلاهما أشفق من سوء فعله، وفر، لا يبالي سيء عباد أو سر، فقام إليه هو بنفسه وباشر قتله بيده، فلم ينل عباد بعده سولاً، ولا متع بدنياه إلا قليلاً، وإلى الله الإياب، وعليه الحساب. فصل من رقعة كان خاطب بها المعتضد من مرسية واستفتحها بهذه الأبيات: أعباد جل الرزء والقوم هجع ... على حالة من مثلها يتوقع فلق كتابي من فراغك ساعةً ... وإن طال فالموصوف للطول موضع إذا لم أبث الداء رب دوائه ... أضعت وأهل للملام المضيع

стр. 1018

وفي فصل منها: وكتابي عن حالة يشيب لشهودها مفرق الوليد، كما غير لورودها وجه الصعيد، بدؤها ينسف الطريف والتالد، ويستأصل الوليد والوالد، تذر النساء أيامى، والأطفال يتامى، فلا أيمة إذا لم تبق أنثى، ولا يتيم والأطفال في قيد الأسرى، بل تعم الجميع جما جما، فلا تخص، وتزدلف إليهم قدماً قدماً، فلا تنكص، طمت حتى خيف على عروة الإيمان الانقضاض، وسمت حتى توقع على جناح الدين الانهياض. وفي فصل منها: كأن الجميع في رقدة أهل الكهف، أو على وعدٍ صادق من الصرف والكشف، وأنى لمثلها بالدفاع عن الحريم، ولما نمتثل أدب العزيز الحكيم في قوله: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾ (البقرة: ٢٥١) وقوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره﴾ (الحج: ٤٠) ومن أين لنا دفعهم بالكفاية أو كيف، ولم نمتط إليهم الخوف، ونساجلهم السيف، بل لما يرأب من صدوعهم ثلم، ولا دووي من جراحهم كلم، ولا رد في نحورهم سهم، إن حاربوا موضعاً أرسلناه، أو انتسفوا قطراً سوغناه، وإن هذا لأمر له ما بعده، إلا أن يسني الله على يديك دفعه وصده:

стр. 1019

فكم مثلها جأواء نهنهت فانثنت ... وناظرها من شدة النقع أرمد فمرت تنادي الويل للقادح الصفا ... لبعض القلوب الصخر أو هي أجلد وألقت ثناءً كاللطائم نشره ... تبيد الليالي وهو غض يجدد وفي فصل منها: والحرب في إجتلائها حسناء عروس تطبي الأغمار بزتها، وفي بنائها شمطاء عبوس تختلي الأعمار غرتها، فالأقل للهبها وارد، والأكثر عن شهبها حائد، فأخلق بمحيدٍ عن مكانها، وعزلةٍ في ميدانها، فوقودها شكة السلاح، وفرندها مساقط الأشباح، وقتارها متصاعد الأرواح، فإن عسعس ليلها مدةً من الانصارم، أو انبجس وبلها ساعةً لانسجام، فيومها غسق يرد الطرف كليلاً، ونبلها صيب يزيد الجوف غليلاً: أعباد ضاق الذرع واتسع الخرق ... ولا غرب للدنيا إذا لم يكن شرق ودونك قولاً طال وهو مقصر ... فللعين معنىً لا يعبره النطق [١٨ب] إليك انتهت آمالنا فارم ما دهى ... بعزمك، يدمغ هامة الباطل الحق وما أخطأ السبيل من أتى البيوت من أبوابها، ولا أرجى الدليل من ناط الأمور بأربابها، ولرب أمل بين أثناء المحاذير مدمج، ومحبوب في طي المكاره مدرج، فانتهز فرصتها فقد بان من غيرك العجز، وطبق مضاربها فكأن

стр. 1020

قد أمكنك الحز، ولا غرو أن يستمطر الغمام في الجدب، ويستصحب الحسام في الحرب، فالسهام تطيش فتختلف، والرماح تلين وتنقصف، فإن جعجعت أيها الساعي المخب في بغاء الفرج، وتحققت بالحث على جلاء تلك اللجج، ووجدت في فتح ذلك الباب المرتج: فنادٍ: أعباد ذا عائذ ... وقدك، على حينها تنصرم تجبك أسود على ضمرٍ ... معودة ما بغت أن يتم كأن المقادير حزب له ... فيمضي على رأيه ما حكم سقته الحمية جريالها ... وصحت مناقبه في الكرم فصاب لأعدائه ممقر ... وغيث لراجيه حلو الديم كنوه بما مد في عمره ... وكان نحور العدا يخترم تقيدنا حر أفعاله ... وكنيته تقتضي ما رسم فمن ذين تفريع أوصافه ... وبالرمز نعني الذكي الفهم وفي فصل منها: وما زلت أعتدك لمثل هذه الجولة وزراً، وأدخرك في ملمها ملجأ وعصراً، لدلائل أوضحت فيك الغيب، وشواهد رفعت من أمرك الريب، فالنهار من الصباح، والنور من المصباح، ولئن كان ليل الفساد مما دهم قد أغدف جلبابه، وصباح الصلاح بما ألم قد قدّ إهابه، فقد كان ظهر قديما من اختلال الأحوال ما أيأس، وتبين من فساد التدبير ما أبلس، حتى تدارك فتق ذلك سلفك، فرتقه جميل نظرهم ورأبه، وصرفه مشكور أثرهم وشعبه:
следующие страницы →