Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
أرضة وبياض وطمس. وتشمل كل صفحة من صفحاتها على ٣٣ سطرا ومعدل الكلمات في السطر الواحد ٢٠ كلمة، وخطها مغربي دقيق، إلا أن غلبة العيوب التي أشرت إليها تجعل إقامة نص سليم منها أمرا صعبا. غير أنها تشبه النسخة (م) من جميع النواحي، وكلتاهما ترجع - فيما أقدر - إلى أصل واحد.
وتضم الفئة الثانية من مخطوطات هذا الجزء ثلاث نسخ وهي:
(٣) نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم: ١٣٢٤ (ورمزها: ط) وتقع في ١٩١ ورقة ويبدأ النص فيها ناقصا على الصفحة الثانية من الورقة الثانية، وقد تملكها شخص بمدينة فاس لقاء تسع عشرة أوقية سنة ١٢٠٤، وهي بخط مغربي جميل واضح، فرغ ناسخها أحمد بن الحاج علي بن الحاج أبي القاسم بن محمد بن سودة الأندلسي من نسخها سنة ١٠٠٣، وفي كل صفحة من صفحاتها ٢٥ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة؛ وتعد على وجه الإجمال جيدة الضبط.
(٤) نسخة المجمع التاريخي بمدريد - جيانجوس (ورمزها: س) وهي في ١٥٧ ورقة تمثل القسم الثالث من الذخيرة كاملا، وفي كل صفحة ٢٨ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١١ كلمة، مكتوبة بخط مغربي دقيق، قريب الشبه بخط النسخة (ط) .
(٥) النسخة البغدادية (ورمزها: د) وهي في ٢٩١ صفحة، في الصفحة الواحدة ٢٩ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر ١٠ كلمات، وخطها مشرقي نسخي حديث، وقد تم نسخها مساء نهار الاثنين ٢١ ربيع الثاني سنة ١٣٢٥ هـ. على يد عبد اللطيف آل ثنيان عن نسخة قديمة " مغلطة " فيها بياض كثير بخط مغربي " شكس " - كما يقول الناسخ. ولعلها نسخت عن إحدى النسختين السابقتين، أو عن نسخة تلتقي وإياهما
стр. 1787
في الانتماء إلى أصل مشترك. فهذه النسخ الثلاث لا يقوم بينها من الفروق إلا ما ينشأ عن وهم أحد النساخ دون الآخر، أو عن محاولة ناسخ (د) أن يصحح بعض ما وجده من خطأ بمراجعة النص على الأصول. على أن النسخة الأخيرة أكثر الثلاث أخطاء - رغم وحدة المنتمى - لصعوبة الخط المغربي لدى ناسخها المشرقي.
وبين هاتين الفئتين من المخطوطات فروق هامة أصيلة منها:
(١) أن سياق النص في الفئة الأولى يختلف أحيانا اختلافا جذريا عن سياقه في الفئة الثانية، حتى ليشبه أن يكون تلخيصا واختصارا لما جاء في الأولى.
(٢) كل فئة تتضمن زيادات لا تتوفر في الفئة الأخرى، ولكن الزيادات في الفئة الأولى أكثر وأغرز، ولهذا السبب اعتبرت نص الفئة الأولى أساسا فلم أشر إلى الزيادات إلا في الصفحات الأولى من الكتاب على سبيل التمثيل، أما الزيادات المستمدة من نسخ الفئة الثانية فقد وضعتها دائما بين معقفين.
(٣) في بعض زيادات الفئة الأولى أمر غريب يستوقف النظر، وذلك هو دخول نص قلائد العقيان ضمن نص الذخيرة، وقد نبهت إلى ذلك بأن جعلت ما ينتمي إلى القلائد - على نحو حاسم - مطبوعا بحرف أصغر في المتن، وليس في نسخ الفئة الثانية مثل هذه الزيادات.
هذا ويطيب لي في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الجزيل لصديقي وأخي الدكتور محمود مكي علامة الدراسات الأندلسية فهو الذي أمدني بالنسختين (م) و (س) مكبرتين، وشجعني على هذا العمل، وآثرني على نفسه إذ كان بحاجة إلى نسخة الذخيرة في دراساته وبحوثه، فجزاه الله عني خير الجزاء. وإذا ذكرت أهل الفضل فلن أنسى الصديقين: الدكتور عفيف
стр. 1788
عبد الرحمن المدرس بمعهد المعلمين بالكويت، والأستاذ محمد رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات التابع للجامعة العربية فكلاهما لم يضن على هذا العمل بما يكفل إنجازه، أما الأول فقد صور لي المخطوطات المحفوظة بالمكتبة العامة بالرباط من نسخ الذخيرة، أما الثاني فقد تكرم فأ ﴿سل إلي صور " ميكروفيلم " عن كل ما يحتفظ به المعهد من مخطوطات الذخيرة، فلهذين الصديقين أيضا شكري الجزيل.
وإني لأرجو أن يتاح لي تقديم الأقسام الأخرى من الذخيرة محققة، فقد طال العهد والذخيرة تستدعي التحقيق ليفيد منها الدارسون، معتمدا في ذلك كله على عون الله وتوفيقه.
بيروت في حزيران (يونيه) ١٩٧٤ إحسان عباس
стр. 1789
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على مولانا محمد وآله وسلم
ذكر الجانب الشرقي من جزيرة الأندلس
وتسمية من نجم في أفقه من كواكب العصر
وبرز في ميادينه من فرسان النظم والنثر من
أول المدة المؤرخة صدر هذا الكتاب إلى وقتها
الذي هو سنة اثنين وخمسمائة حسبما شرطنا،
واجتلاب غرر وسائلهم وأشعارهم، وما
اتصل بذلك من نوادرهم وأخبارهم.
قال أبو الحسن ابن بسام: ولما إدارات تلك الفتنة رحاها، على حضرة قرطبة وما والاها - إذ كانت على ما قدمنا ذكره منتهى الغاية، ومركز الراية - فقلصت أذيالها، وانتسفت جبالها، واشتفت الماء من عودها، وألوت بمعظم طارفها وتليدها، شذ قوم من أهلها على حال لو رآها ابن جبير لقال بالتقية، وبين يدي قتال لو أحاط ببني دبيان ليئسوا من البقية، بأذماء أنفس قد نازعهم الموت أرماقها، وبقايا أحوال قد هتكت النوائب أستارها وأوراقها، فأصبحوا طرائد سيوف، وجلاء حتوف
стр. 1790
قد خلعتم لين العيش على خشنه، وأسلمتم غفلات الزمان إلى محنه، يلوذون بآفاق هذه المنكوبة، لواذ الماء بأقطار الزجاجة المصبوبة، فكانوا كما وصف الملك الضليل حيث يقول:
فريقان منهم جازع بطن نخلة وآخر منهم قاطع نجد كبكب
لا بل كما قال صاحبهم القسطلي أبو عمر يضجر من حاله، ويحار من أدباره بين تلك الفتنة وإقباله، ويصف ما حل به وانجلى عن أهله وأطفاله، في قصيدة فريدة [١ب] مدح بها خيران الصقلبي فقال:
تقسمهن السيف والحيف والبلى وشطت بنا عنها عصور وأزمان
كما اقتسمت أخذانهن يد النوى فهم للردى والبر والبحر إخوان
إذا شرق الحادي بهم غربت بنا نوى يومها يومان والحين أحيان
وكان القسطلي - حسبما قدمنا هذا الديوان - من فتنة ذلك الزمان بمنشأ ليلها، وعلى مدرج سيلها، فأوثقته في حبالها، وعركته عرك الرحى بثفالها، ولم يزل يتقلب بين أطباقها، ويترشف أسار ثمادها وأزناقها، فكم له من وفادة أخزى من وفادى البرجمي، ووسيلة أضيع من المصحف
стр. 1791
في بيت الزنديق الأمي، بقصائد لو مدح بها الزمان لما جار، أو رواها الزبرقان لأمن السرار، ورسائل أعذب من ماء الثغور، وأعجب من الدر بين الترائب والنحور، يتخللها بشكوى أحر من الجمر، وعذر في البكاء أوضح من الفجر، لو وجدت شفرة عتابه محزا، أو صادفت ريح عتابه عطفا مهتزا، لا بل كما قال عمرو بن معديكرب:
لقد ناديت لو أسمعت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
أو كما قال أبو عبادة:
أهز بالشعر أقواما ذوي وسن لو أنهم ضربوا بالسوط ما شعروا
كقوله في مبارك ومظفر، غلامين فدمين، كانا يومئذ ببلنسية أميرين، من قصيدة يقول فيها:
فكم جزت من بحر إلي ومهمه يكاد ينسي المستهام ادكارك
أذوا الحظ من علم الكتاب هداك لي أم الفلك الدوار نحوي أدراك
وكيف رضيت الليل ملبس طارق وما ذر قرن الشمس إلا استنارك
وكم دون رحلي من بروج مشيدة تحرم من قرب المزار، مزارك
стр. 1792
وأرضي سيول من خيول مظفر وليلي نجوم من رماح مبارك
وممن كان أيضا مدح صاحب دانية يومئذ، الفتح بن أفلح، بقصيدة وصف فيها مشقة رحلته، وتقلقله لمحنته على عادته، فمنها قوله: [٢أ]
غراب مما أغرب الدهر أطلعت عليك هلال العلم من أفق الغرب
طوت فلوات الأرض نحوك وانطوت كبدر إلى محف، وشهر إلى عقب
كؤوسا تساقتها الليالي تنادما فجاءتك كالأقداح ردت على الشرب
تعاورهن البر والبحر مثلما ترد بأيدي الرسل أجوبة الكتب
يكتبن صفحات السعود نواظرا وينفضن من أقلامهن على القلب
ويقضمن أطراف الهشيم تبلغا إلى الروضة الغناء في المشرب العذب
ويفحصن في رضف الحصى بمناسم تهيم إلى حصبا من اللؤلؤ الرطب
فتلقي جميعا في الصخور كلاكلا تنوء لأرض المسك زهوا على الترب
ولاح لها البرق الذي أغدق الثرى فهن إليه موفضات إلى نصب
فأي رجاء قاد رحلي إليكم وقد أضعفتني مثل راغبة السقب
بعيد من الأوطان مستشعر العدا غريب على الأمواه متهم الصحب
أقل من الرئبال في الأرض آلفا وأن كان لحمي للحسود وللخب
стр. 1793
وأعظم تأنيسا لدهري من المنى وأوحش فيهم من فتى الجب في الجب
فلله من عزم إليك استقادني فأفرط في بعد وفرط في قرب
حياء من الحال التي أنا عالم بها كيف عاثت في سناها يد الخطب
وتسويف يوم بعد يوم تخوفا لعلي لا ألقاك منشرح القلب
وشحا بباقي ماء وجه بذلته لعلي أقضي قبل إنفاذه نحبي
وتأخير رجل بعد تقديم أختها حذارا لدهر لا يغمض عن حربي
فكان في إهدائه الكلام، إلى أولئك العبيد اللئام، كمن يهدي الهنم إلى الصنم، ويجعل الخمار على وجه الحمار.
ولمبارك ومظفر اللذين ذكرا ونظرائهما من أولئك العبدى أخبار سارت بها الركائب، وأحاديث تحدثت بها المشارق والمغارب، وقد أثبت في هذا المكان، بعض ما وجدت منها لأبي مروان بن حيان، حسبما شرطت، وعلى حكم ما بسطت [٢ب] .
جملة أخبار ونوادر، ممن ثار بهذا القطر يومئذ من فتيان ابن أبي عامر، ممن وصف القسطلي بعض أمره، وتعلق شرط الكتاب بطرف من ذكره.
قال أبو الحسن بن بسام: وأبدأ أنا فأقول: كانوا عبدان محنة
стр. 1794
وجنان فتنة، قل الناس فأمروا، وخلا لهم الجو فباضوا وصفروا، وغاظوا الجماعة بقرطبة مدة أيامهم، ودرسوا أحساب الأحرار بأقدامهم، مستمتعين بدنياهم، غافلين عن عادة الله في من جرى مجراهم، فربما سقطت الفتنة عليهم بزعماء الأنام، وزفت إليهم عقائل الكلام، فيعكفون منهم على رسوم ديار، وأصداء قفار، سواء عندهم سجع البلبل ورغاء الإبل، وسيمر في عرض القصص جملة من غرائب ضياع الأدب، في مدة أولئك المجابيب الصقلب، مما فيه عظة لمن اعتبر، وكان له نظر فنظر، وبصيرة فتدبر.
رجع الحديث إلى سياقة نص ابن حيان:
قال أبو مروان: فمن غرائب هذه [الليالي و] الأيام، اللاعبة بالأنام، أن مباركا ومظفرا المذكورين كانا وليا أولا وكالة الساقية ببلد بلنسية، ثم اتفق أن صرفا عنها فدخلا على الوزير عبد الرحمن بن يسار أيام خدمته بها سنة إحدى وأربعمائة، وقد دعيا للحساب، فكلماه ومسحا أعطافه، ولثما أطرافه، فكتب لهما بما نفعهما، وكان سببا لردهما
стр. 1795
إلى عملهما، وعند خروجهما بالكتاب يومئذ لابن يسار بهما، كان مدلا عليه، يسألهما بره وجزاءه على ما تهيأ لهما عند مولاه، فخلع لجام مبارك عن رأس فرسه وقد كان ركبه، فخره فضيحة لا يقدر على حركة، ثم بعد لأي ما رده؛ فلم تمض إلا مديدة وضرب الدهر ضربانه، فقضى لمبارك بالإمارة هنالك، ونالت ابن يسار الوزير المذكور محنة قرطبة بعد ذلك، فجال النواحي، وأم مباركا هذا لا يشك في معرفته بمنزلته، وحرصه على مبرته، فحل بلنسية، فو الله ما أنصفه في اللقاء فضلا عن القرى.
ثم بلغ من سياسة هذين العبدين الفدمين، مبارك ومظفر، في مدة إمارتهما إلى أن تقارضا من صحة الألفة فيها طول حياتهما بما فاتا في معناهما أشقاء الأخوة وعشاق [٣أ] الأحبة: فنزلا يومئذ معا في سلطانهما قصر الإمارة مختلطين، يجمعهما في أكثر أوقاتهما مائدة واحدة، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفراش ومركوب وآلة، ولا ينفردان إلا في الحرم خاصة. على أن جماعة حرمهما كن مختلطات في منازل القصر، ومستويات في سائر الأمر، مع أن لمبارك كان التقدم في المخاطبة هنالك في حقيقة رسوم الإمارة، لفضل صرامة ونكراء كانتا فيه، يقصر فيهما لدماثة خلقه وانحطاطه لصاحبه في سائر أمره، ورضاه بكل فعله، على زيادة مظفر - زعموا - عليه ببعض كتابة ساذجة وفروسية. وبلغت جبايتهما لأول أيامهما إلى مائة وعشرون ألف دينار في الشهر: سبعون ببلنسية وخمسون بشاطبة، فيستخرجونها بأشد العنف من
стр. 1796
كل صنف، حتى تساقطت الرعية وجلت أولا فأولا، وخرجت أقاليمهم آخرا، فأقبلت الدنيا يومئذ عليهما وعلى نظرائهما بكثرة الخراج، وتبوءوا البحبوحة بحيث لا يغادرون عدوا، ولا تطرقهم نائبة تضمهم لها نفقة حادثة، فانتعشوا وكثروا، ولحق بهم، لأول أمرهم، من موالي المسلمين ومن أجناس الصقلب والافرنجة والبشكنس عشيرتهم، ودربوا على الركوب، حتى تلاحق ببلنسية [ونواحيها] جماعة من هؤلاء الأصناف، فوارس برزوا في البسالة والثقاف، وانفتح على المسلمين [ببلد الأندلس] باب شديد في إباقة العبيد، إذ نزع إليهم كل شريد طريد، وكل عاق مشاق، وزهدوا في الأحرار وأبنائهم ممن طرأ منهم عليهم، فلم يواسوهم؛ وانتمت جماعة هذه الأخلاط الممتهنة الأصاغر معهم إلى ولاء بني عامر، وانتفت عن نسبها ابتغاء عرض الدنيا، فكثروا وازدادوا؛ وطلبت هذه العبدى المجابيب لما اتسعت لهم الدنيا فاخر الأسلحة والآلات، والخيل المقربات، ونفائس الحلي والحلل، فصارت دولتهم لأول وقتها أسرى الدول، ولحق بهم كل عريف، ورئيس كل صناعة معروف، فنفق سوق المتاع لديهم، وجلبت كل ذخيرة إليهم.
وشرع هذان الرئيسان مظفر ومبارك، لأول سلطانهما هنالك، في بناء بلنسية وتحصينها وسد عورتها بسور أحاط بالمدينة، تحت أبواب
стр. 1797
حصينة، فارتفع الطمع عنها وأقبل الناس إليها من كل قطر بالأموال، وطمحت بسكانها الآمال [٣ب] واستوطنها جملة من جالية قرطبة القلقة الاستقرار، فألقوا بها عصا التسيار، وأجمل عشرتهم، فبنوا بها المنازل والقصور، واتخذوا البساتين الزاهرة، والرياضات الناضرة، وأجروا خلالها المياه المتدفقة. وسلك مبارك ومظفر سبيل الملوك الجبارين في إشادة البناء والقصور، والتناهي في عليات الأمور، إلى أبعد الغايات، ومنتهى النهايات، بما أبقيا شأنهما حديثا لمن بعدهما. واشتمل هذا الرأي ايضا على جميع أصحابهما، ومن تعلق بهما من وزرائهما وكتابهما، فاحتذوا فعلهما في تفخيم البناء، فهاموا منه في ترهات مضلة، وتسكعوا في أشغال متصلة، لاهين عما كان يومئذ فيه الأمة، كأنهم من الله على عهد لا يخلفه، واتسع الحدس في عظم ذلك الإنفاق، فمنهم من قدرت نفقته على منزله مائة ألف دينار وأقل منها وفوقها، حسب تناهيهم في سروها: من نضار الخشب ورفيع العمد ونفيس المرمر، مجلوبا من مظانه، وجلب إليهم سني الفرش من سائر الحلي والحلل، فنفق سوق المتاع بعقوتهم، وبعثر عن ذخائر الأملاك لقصرهم، وضرب تجارها أوجه الركاب نحوهم، حتى بلغوا من ذلك البغية وفوق ملء فؤاد الأمنية، فما شئت من طرف رائع، ومركب ثقيل، وملبس رفيع جليل، وخادم
стр. 1798
نبيل، وآلات متشاكلة، وأمور متقابلة، تروق الناظرين، وتغيظ الحاسدين، حرسها لهم المقدار إلى مدة.
بلغني أنه دخل دار رجل من أصحابهما يعرف بمؤمل القشالي ووقع البصر بها من سروها واكتمال النعمة فيها على ما لم يشاهد مثله قط في قصر الإمارة بالحضرة العظمى قرطبة، وأخبر المحدث أنه رأى في فرش مجلسه مطارح من صلب الفنك الرفيع مطرزة كما تدور بسقلاطوني بغدادي، وانه كان يقابل ذلك المجلس شكل ناعورة مصوغة من خالص اللجين من أغرب صنعة، يحركها ماء جدول يخترق الدار أبدع حركة، إلى أشياء تطابق هذا السرو: من جودة الآلة والآنية والمائدة وجمال الخدم ورقة الأسمعة وفخامة الهيئة ما لا شيء فوقها.
وكان لمبارك ومظفر جملة ذلك النعيم، وفازا بقبض الخراج، ولم يعرضهما عارض إنفاق بتلك الآفاق، فانغمسا في النعيم إلى قمم رءوسهما [٤أ] وأخلدا إلى الدعة وسارعا في قضاء اللذة، حتى أربيا على من تقدم وتأخر؛ حدثني من رأى ركوب هذين العبدين الزلمتين في بعض أيام الجمع للمسجد ببلنسية بما أنسى مركب المظفر عبد الملك ابن [أبي] عامر مولاهما المتبنك - كان - للنعماء، الوارث لحجابة الخلافة، في فخر
стр. 1799
لباسهما ووفور عدد أصحابهما وحسن خدمتهم لهما، وأن كلا منهما كان يظاهر الوشي على الخز، ويستشعر الدبيقي، ويتقلس الوشي، ويتعطف القسي.
قال ابن حيان، قال لي المحدث: وكنت أعرفهما عبدي غية لمولاهما مفرج العامري، فكانا حظي من الاعتبار بالدنيا، إذ كانا على استخدامهما لها من الجهل والأفن واللكنة من حجج الله تعالى في القسم البالغة الدالة على هوانها عنده، إذ أنالها منها بحبوحة أضحت أبصار [أولي] النهى نحوها شاخصة، وقلوبهم مسلمة لمن له الحول والقوة، وهما عن الاعتبار عنها بمنجاة من مندوحة الجهالة، يحسبان أنهما نالا ذلك بالاستحقاق، وأن لهما على الأيام دركا، يحثتن على ذلك سوق الرعية المضطهدة بسلطانهما، ولا يعبآن بما آدها من كلفهما، ولا يرفقان لمجهود ما بلغ من عنفهما، يقلدانهم شرار العمال، ويستزيدان عليهم في الوظائف الثقال، مع الأيام والليال، حتى لغدا كثير منهم يلبسون الجلود والحصر، ويأكلون البقل والحشيش، وربما أبر ذلك على القوم بعد القوم منهم فلا يقاومونه إلا بالجلاء عن مثواهم، والتخلي عن قراهم، فلا يأسف هذان العلجان ومن تلاهما، ولا يخافان من مواقعة مثله لمن أقام بعدهم، بل يتخذان ما جلا أهله من تلك القرى ضياعا مستخلصة، فإذا وقع عليها اسم كبير منهم
стр. 1800
راجعها أعلها راضين منه بالاعتمال له بالسهمان، راجين في دفاعه من الحدثان، على هذه السبيل سلك اكثر الثوار المنتزين على أكنافها، الثائرين بأطرافها، بعد افتراق سلطان الجماعة بقرطبة آخر دولة بني عامر.
وكان موت مبارك هذا هنالك أنه ركب يوما من قصر بلنسية يبتغي الخروج للنزهة خارج البلد على فرس ورد مطهم قلق الركاب، وأهل بلنسية قد ضجروا لمال افترضه عليهم، فقال لهم يومئذ هذا العلج مبارك: اللهم أن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعم المسلمين نفعه فلا تؤخر عقوبتي يومي هذا؛ وركب إثر ذلك [٤ب] فلما أتى القنطرة، وكانت يومئذ من خشب، خرجت رجل فرسه من حدها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة نابية من القنطرة شدخت وجهه، وسقط لفيه ويديه، وسقط الفرس عليه، وكسر أعضاءه وفتق بطنه، ففاضت نفسه لوقته، وأمن أهل البلد من مقته، وكفاهم الله أمره، فثاروا يومهم ذلك وانهبوا قصره.
ثم اتفقوا على تأمير لبيب الصقلبي، فأحدث أيضا فيهم أحداثا مقتوه بها، فلاذ بالطاغية ريمنده أمير الفرنجة ببرشلونة يومئذ، واستبلغ في الطافه حتى صير نفسه كبعض عماله، فغاظ المسلمين وعرضهم لملك النصرانية، فوثب أهل طرطوشة على لبيب وقضوا عليه، واستصرخوا ابن هود
стр. 1801
فلحق بهم؛ وأظلم الأفق بينه وبين مجاهد لما فاته من أمر طرطوشة، وجرت بينهما حروب خاف الناس وبال عاقبتها على ثغور مثغورة خلال كلمة مختلفة، وقوى منتكثة، ثم آلت حال تلك الناحية إلى تأثير عبد العزيز ابن أبي عامر، حسبما نذكره في موضعه أن شاء الله.
انتهى ما لخطته من كلام ابن حيان، في أخبار أولئك الفتيان.
قال أبو الحسن: على أن أكثر من لفظته يومئذ تلك الفتنة القرطبية، من الطبقة الأدبية، فأفلت من شركها، ونجا من دركها، قوم لم تكن لهم بيوت مشهورة، ولا حظوظ من الأدب موفورة، ولكنهم وجدوا ملوكا أغمارا، لا يعرفون إلا سرى الليل، ومتون الخيل، أسود شعاب، وأساود لصاب، قد ضروا على الدماء، وترأسوا على الدهماء، خالعين لسليمان، المتقدم ذكره صدر هذا الديوان، معارضة للطاعة، واستعراضا للجماعة، متمسكين من طاعة هشام الخليفة، كان قبله حسبما وصفنا، بحبل قد انتكث طرفاه، بغاء لتتميم آمالهم، وحطبا في حبالهم:
لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبه
واحتاجوا في جباية أموالهم، وتدبير رجالهم، إلى ذلك الفل من
стр. 1802
الكتاب القرطبيين الذين أصبحوا يومئذ أيدي سبا وتفاريق العصا، فشاركوهم في نعمتهم، وألقوا إليهم بأزمتهم، متمهدين بتدبيرهم لأكنافهم، مؤتمين بهم في شقاقهم وخلافهم.
وقد كان الملك سليمان أسف على جماعة هؤلاء الفتيان لشرودهم عنه، وانتباذهم منه، وراسلهم بجملة رسائل [٥أ] من إنشاء ابن برد وغيره من كتاب دولته، رجاء في كرة الدولة بهم، مقتنعا منهم بالطاعة، حسبما فعله مجاوروهم من أهل الثغور، ليكون من وراء التدبير، ويأمن من الهضيمة، في إنفاذ الصريمة، فصموا عن رقاه وطردوا رسله، وخرسوا عن إجابته على كتبه، وتجردوا لحربه - حسبما قد وصفته في أخبار سليمان وكاتبه ابن برد أول هذا الديوان -.
ومنهم مجاهد المنتري يومئذ على دانية والجزائر الشرقية نذكر أيضا طرفا من خبره النادر، لأنه من غلمان ابن أبي عامر، وأن كان لم يذكره القسطلي أبو عمر، فأخباره تتعلق بأخبار من ذكر، لأنه على قوالبهم صب، ومن ثناياهم أنصب، وفي سبيلهم من الخلاف أوضع وخب. على أن إليه كانت هجرة أولي البقية، وذوي الحرية، من هذه الطبقة الأدبية القرطبية، للين جنابه، وذكاء شهابه.
стр. 1803
نسخت من كتاب أبي مروان ابن حيان، قال: كان مجاهد فتى أمراء دهره، وأديب ملوك عصره، لمشاركته في علم اللسان، ونفوذه في علم القرآن، عني بذلك من صباه وابتداء حاله، إلى حين اكتهاله، ولم يشغله عن التزيد عظيم ما مارسه من الحروب برا وبحرا، حتى صار في المعرفة نسيج وحده، وجمع من دفاتر العلوم خزائن جمة، وكانت دولته أكثر الدول خاصة، وأسرارها صحابة، لانتحاله العلم والفهم، فأمه جملة العلماء، وأنسوا بمكانه، وخيموا في ظل سلطانه، واجتمع عنده من طبقات علماء قرطبة وغيرها جملة وافرة، وحلبة ظاهرة. على أنه كان - فيما بلغني - مع أدبه من أزهد الناس في الشعر وأحرمهم لأهله، وأنكرهم على منشده، لا يزال يتعقبه عليه كلمة كلمة، كاشفا لما زاغ فيه من لفظة وسرقة، فلا تسلم على نقده قافية، ثم لا يفوز المتخلص من مضماره، على الجهد لديه، بطائل، ولا يحظى منه بنائل، فأقصر الشعراء لذلك عن مدحه، وخلا الشعر من ذكره؛ وكان مع ذلك بهمة، وأكثر الناس علما بالثقافة، فلا يضم من الفرسان إلا الأبطال الشجعان، ولم يكن في الجود والكرم ينهمك فيعزى إليه، ولا قصر عنه فيوصف بضده، أعطى وحرم، وجاد وبخل، فكأنه نجا من عهده الذم. ثم اكثر التخليط مجاهد في أمره، فطورا كان ناسكا مخبتا معتكفا متبرئا
стр. 1804
من الباطل كله، يعكف على دفاتر يقرؤها، وتارة يعود خليعا فاتكا لا يساتر بلهو ولا لذة، ولا يستفيق من شرب وبطالة، ولا يأنس بشيء من الجد والحقيقة، له ولغيره من سائر ملوك الطوائف في هذا الباب [٥ب] أخبار مأثورة مشهورة؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: وقد أثبت أيضا في هذا القسم من الشعراء والكتاب، ورؤساء أهل الآداب، ممن في ذلك الأوان إلى وقتنا هذا، من عرف مكانه، واشتهر إحسانه، وقدمت من تقدم في حلبة البيان، دون من سبق في الزمان، على ما شرطت في صدر هذا الديوان، والله العاصم من الزلل، والموفق لأحسن القول والعمل، بعزته.
فصل في ذكر ذي الوزارتين الأجل الكاتب الماهر [صاحب المظالم] أبي عبد الرحمن بن طاهر، وسياقة قطعة من رسائله، وإيراد بعض شأنه، والتنبيه على مكانته من الفصل ومكانه، وشرح خلعه عن السلطان، وعلى يدي من جرى ذلك وكان:
قال أبو الحسن: كان أبو عبد الرحمن بن طاهر أحد من جمع الحديث إلى القديم، وارتقى من رياسة الأقلام إلى سياسة الأقاليم، واتفق لبني
стр. 1805
طاهر بالفتنة المطغية، رياسة كورة مرسية، - في خبر أضربت عنه لطوله ولأني قد أوردته في كتابي المترجم ب " سلك الجواهر من ترسيل ابن طاهر " - فكان أبو عبد الرحمن يكتب عن نفسه بهذا الأفق، كالصاحب ابن عباد بالمشرق، وله رسائل تشهد بفضله، وتدل على نبله، لاسيما إذا هزل فإنه يتقدم على الجماعة، ويستولي على ميدان الصناعة. ولما حبط أبو بكر ابن عمار سمرات ملوك الأندلس بعصاه، وتردد بنتجعهم بمكايده ورقاه، وإنما كان يطلب سلطانا ينثر في يديه سلكه، وملكا يخلع على عطفه ملكه، جعل أبا عبد الرحمن بن طاهر موقع همه ووجه أمه، ولما ألقى المعتمد إلى ابن عمار بيده، وقلده - على ما شرحناه في أخباره - تدبير دولته وبلده، بعثه على حرب ابن طاهر بغاء بنفسه، وبناء على أسه، فأقبله وجوه الجياد، وأخذ عليه الثغور والأسداد، حتى فت في عضده، وانتزع سلطانه من يده. ولما قال عزمه وفعل، وقام وزن أمره واعتدل، مد يده وبسطها، وكفر نعمة ابن عباد وغمطها، وانتزى له من حينه على مرسية وقعد بها مقعد الرؤساء، وخاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء، مستظهرا على ذلك بجر الأذيال، وإفساد قلوب الرجال، معتقدا أن الرياسة كاس يشربها، وملاءة مجون يسحبها، فقيض له يومئذ من عبد الرحمن بن رشيق، عدو في ثياب صديق: من رجل مدره ختر، وجذيل خديعة ومكر، فلم يزل يطلع عليه من الثنايا والشعاب، حتى أخرجه [٥ب] من مرسية كالشهاب، وأبو عبد الرحمن بن طاهر
стр. 1806
في أثناء تلك الحال، متردد بين النكبة والاعتقال، فبعد لأي ما سعى له الوزير أبو بكر بن عبد العزيز، زعيم بلنسية - كان - في ذلك الأوان، فخلص بعد أبو عبد الرحمن، خلوص الثريا من يد الدبران، والتقى هو وابن عمار ببلنسية بعد ذلك، وقد استوى الغالب والمغلوب، وضعف الطالب والمطلوب، وكان أبن عمار أخفش، فقال له ابن طاهر، وكان كثير النوادر: كذا يا أبا العينا، لا أنت ولا أنا. فصار ابن عمار مع ابن رشيق تحت المثل: " أنفقت مالي وحج الجمل ".
ولابن طاهر عدة نوادر أحر من الجمر، وأدمغ من الصخر: أرسل إليه ابن عمار وقت القبض عليه، وهو معتقل بين يديه، يعرض له خلعة يتسربلها، ويشير إليه بكرامة: هل يقبلها - فقال لرسوله: لا أختار من خلعه - أعزه الله - إلا فروة طويلة، وغفارة صقيلة. فعرفها ابن عمار واعترف بها على رءوس أشهاده، وبحضرة من وجوه قواده وأجناده وقال: نعم إنما يعرض بزيي يوم قصدته، وهيئتي حين أنشدته، فسبحان من يعطي ويمنع، ويرفع من يشاء ويضع.
وحدثني غير واحد من أهل مرسية قال: لما قام البلد على أبن طاهر خرج هو وابن أخيه مخفيين لأنبائهما، هاربين بذمائهما، وكل شيء لهما رصد، وفي كل فج عليهما عين ويد، فلقيا رجلا من أهل مرسية
стр. 1807
يدعى البقيلة، كان عندهم مشهور المنزع، مضروبا به المثل في برد المقطع، وقد حمل قناة فاعتقلها، ولبس فروة فحولها، وفي رأسه قلمون طويل، أبرد من طلعة العذول، فقال ابن طاهر لابن أخيه: يا بني أين المهرب - قد قامت علينا كل قبيلة حتى العرب، ما أرى هذا إلا عمرو بن يكرب أو يزيد بن الصقب.
وحكوا أن ابن أخت لابن رشيق ذا لحية طويلة، وطلعة ثقيلة، وقف عليه يوما وهو معتقل عندهم، فجعل يتوجع له ويتفجع، ويتملق معه ويتصنع، فقال له ابن طاهر: خلاصي بيدك إن شئت، لو أخرجتني في لحيتك لتخلصت وخفيت. إلى نوادر كثيرة، وأوابد عنه مأثورة، إيرادها خارج عن غرض هذا التصنيف، وليست من شرط هذا التأليف.
ولابن طاهر أيضا في الجود نوادر تشهد أن كرمه لم يكن تكرما، وأن مجده لم يكن تكسبا ولا تقحما: مر به ولد ابن عمار بعد مقتل أبيه، في فئته القليلة، وساقته المنكوبة المفلولة، وقد لفظتهم البلاد، وأنكرهم الطريف والتلاد، وتغير لهم الأشكال والأضداد، ورحمهم الأعداء والحساد، فأقبل عليهم ابن طاهر ببقية حال هم جنوا عليه إدبارها، وحكمهم في فضل ثياب هم [٦أ] سلبوه خيارها، وخلى بينهم وبين ماء طالما حلأوه عن برده، ودفعوا في صدره دون ورده، تعالى من لا يذل سلطانه، ولا يجحد إحسانه.
стр. 1808
ما أخرجته من نوادر رسائل ابن طاهر
في أوصاف شتى
فصول من رسائله السلطانيات التي أجراها مجرى الأخوانيات
كتب إليه أبو بكر ابن عمار المذكور، في أثناء ما وقع بينهما، رقعة عتاب وختمها بهذه الأبيات:
عندي حديث إن سمعت قليلا ولدي نصح إن أردت قبولا
يا راكبا ظهر التجني راكضا في حلبتيه أما اعتقدت نزولا
لله درك أو طلبت حقيقتي لوجدتني بدل العدو خليلا
خذ من عنان هواك يوما للنهى وانهج لرأيك في اللجاج سبيلا
وأفق من الأنف الذي تعتده عزا فقد يدع العزيز ذليلا
ومن بعض مخاطبات ابن طاهر له، رقعة حدثت أنه كتبها إليه من موضع معتقله، بقطعة فحم على ظهر آجرة، فيما زعم: قد كنت - أعزك الله - أتيقن من حسن طويتك، وكرم سجيتك، أنك لي أسرع في الملمة من اليمين إلى الشمال، فارتقبت ورودك ارتقاب الصائم للهلال، فلما وافيت تحدثت بملاقاتك، واطلعت إلى مراعاتك، فأبطأ
стр. 1809
ذلك من سنائك، ولزمني أن استعلم السبب الموجب له من تلقائك، وبالله أقسم لو مكنت من رقعة ومداد حاضر، لخاطبك بالمحجر وسواد الناظر، لكن منعت من كل سبب لغير سبب، وألحت علي النوائب بطلب على طلب. وأما الحضرة المكرمة فكنت أعمر إليها مسافة الطريق، وأجد للقول فيه بليل الريق، وستسمع بالمشافهة كيف كان المنع لا التمنع، فلست أجهل ماآتي وما أدع. وأما أمور الفتنة فمهدورة، وعند العاقل مغفورة، وهي كبساط النبيذ، يطوى على ما فيه من المز واللذيذ، ولولا صدع بالفؤاد، وقلب ملي من الخطوب الحداد، لنبذت إليك ما في النفس نبذ النواة، فأنت موضع السر والمناجاة، لا زلت من الحوادث بمعزل، ومن المكارم بمنزل.
قال ابن بسام: وقد حدثت أنه بعد خروج ابن طاهر من البلد، رأى أن يلقي بيده إلى المعتمد، إذ بدأ له من ظاهر ابن عمار ما سكن بعض استيحاشه [٧أ] فأنس، فأصحبه كتبا أدرج له بينها صحيفة المتلمس، ووقف ابن طاهر على مستودعها، بفك طابعها، فكتب إلى ابن عمار رقعة فيها: بالخبر تنجلي الشكوك، ومع الفري تماز المسوك، ورب معمل سلامة، ومرسل استنامة، قد يكشف [له]
стр. 1810
المستور من خل عن صل، بل عن لحم مصل، وهو الأناة ينضح بما فيه، ومرسوم الوعظ ليس بمجديه، ولما بت على مرحلة من جنابك العاطر، مستقيا من سبحانك الماطر، لما أصحبتني من تلك الرقاع، التي خلتها يد الاستدفاع، مثل بين عيني في النوم [شخص] ماثل، يتغنى بقول القائل:
لئن بعثت إلى الحجاج يقتلني إني لأحمق من تخدي به العير
مستصحبا صحفا تدمى طوابعها وفي الصحائف حيات مناكير
فوثبت كالمذعور، وأتيت إلى الطوامير، ففضضت ختامها، واستعربت إعجامها، فصرخت لي بل أقتال؛ فأبن لي - عافاك الله - بأي شيء استحللت دمي، وبعثتني لإراقته على قدمي، لا تبل:
إن الأيادي قروض كما تدين تدان
من استلذ زمانا أرداه ذاك الزمان
وطالب الثار لا ينام، والله ولي الانتقام.
ومن رقعة عتاب له يقول فيها: [أستوهب الله عقلا يعقل عن تكلف ما لا أعلمه، والتسور على ما لا أحسنه ولا أفهمه، وأستعينه على
стр. 1811
عمل يرضيه به عني، وأسأله لك السند الذي يعزى الجود إلى بنانه، ومنطق الفضل إلى لسانه، محزا آهل المعاهد، وحرزا ثابت القواعد، و] قد تصرفت في سهوب الاسهاب، وتعلقت بإطناب الإطناب، وسلكت من البلاغة مسالك لا تجد حيات الأذهان فيها مدبا، وأرواح الأفكار في جوها مهبا، فإن قرعت بابها معك، وقد باشرت بدعك، زادني انغلاقا، وكنت ككون مع عتيق لا يرجو له لحاقا، فالأحجى بذي الحجى سلوك سبيل الاختصار والإيجاز، إذ لا بد من الوقوع تحت الاقتصار والاعجاز، والله يبقيك لإحياء رسم الأدب، وإقامة أود لسان العرب.
وفي فصل منها: وأكرم بخطابك الأثير، المضمن من الدر النثير، ما لم يستخرج مثله غائص من بحر، ولا تقلدت الغواني شكله على نحر، فلله أدبك ما أبرعه، [وحسن لفظك ما أبدعه] ، أوضحت به مناهج العلماء، وصدقت نتائج الحكماء، ولم أزل ألمحه، وأجيل طرفي فيه وأتصفحه، متعجبا من غرائب كلمك، وبدائع حكمك، إلى أن انكشفت لي أغراضه المبتدعة، وجمله المخترعة، عن ظن حكمته في اليقين، وشك غلبته على الصبح المبين: أنا أنزه ميزك الثاقب، ونظرك الصائب، ورأيك الواضح الدلائل، وما أوتيت من علم جوامع [٧ب] الفضائل، عن انتساب مثل ذلك إليك، واشتباه ما فيه عليك، وكنت عهدتك تقضي بالخير على طباع الناس، ولا يوضع على بصيرتك فيه غطاء التباس، حتى فجأني منه ما لو أخبرت به عنك لأنكرته، ولا أدري له سببا، ولا أعرف
стр. 1812
له موجبا، إلا الاصغاء إلى من يضرب ويسعى بالفساد، ويدب بمقارب الأحقاد، ويشغب لكي يذكي نار الحرد، ويطير شرار الضمد، وأنت أجل من أن تلتفت إلى غاش، وتعرج على ساع بالنميمة واش.
ومنها: وأما ذم الزمان وبنيه، فقد أكثر الناس فيه، وكنت أجلب شيئا [منه] للحاجة إليه والتورك عليه، غير أني اقتصرت مخافة التطويل، وتجنبت آفة التثقيل، فقد قالوا: الاطالة تفضي إلى الملالة. وأما من صرحت في مدرجتك باسمه، وشكواه اليك ما جرى عليه بزعمه، فهو سعر نار غدا حريقها، وفجر أنهارا ظل غريقها، وأمره أحقر من أن أحبر فيه كلما، وأعمل في ذكره قلما. ومن قولك - أعزك الله - أن العهد بك بعيد، والشوق اليك شديد، وتعريضك بقرب النزول علي، والخروج عما تريده من الشكوى إلي، خرج لي أن الذي اتفق لي في زيارتك من الإغباب، سطر أسطر هذا العتاب، فمهلا مهلا، وحلا حلا، ورب سامع بأمري لم يسمع عذري، والله ما اعتمدت ذلك جهلا بحقك، ولا قصدته إهمالا لواجب تقدمك وسبقك، بل دفعت إليه ضرورات مكابدة أحوال هذا الزمان، القاطعة عما يريده الإنسان، ولئن نافس الدهر في الورود عليك، والوصول اليك [وأحوج إلى ترك النهوض اليك] فليس ذلك مما يخل بالود، ولا يحل وثيق العهد، بل أنت كالشمس
стр. 1813
إن عدمنا مدارها، فما حرمنا أنوارها، وقد علمنا أن مكانها علي، وحسنها جوهري، وكان من الحكم أن أراجع على النظم، لكن لا آتي معك إحسانا، ولو كنت حسانا، فابسط العذر، وسهل الأمر، [والله يهنيك صحة تكفلك، وسلامة تشملك، برحمته، والسلام على من أراني عتابه، ليعلم كيف ودي جوابه، ورحمة الله] .
وله رسائل مطبوعة، ومنازع إلى الأدب بديعة.
وكتب أبو عبد الرحمن إلى ابن عبد العزيز من طريقه يومئذ رقعة يقول في فصل منها: كتابي وقد طفل العشي، وسال بنا إليك المطي، ولها من ذكرك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، فنغتفر للزمان ما قد أساء [٨أ] ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المن، فهذه النفس أنت مقيلها، وفي برد ظلك يكون مقيلها، فلله مجدك وما تأتيه، لا زلت للوفاء تحييه وتحويه:
стр. 1814
*فدانت لك الدنيا ودامت بك العليا*
إن شاء الله تعالى، بمنه.
وعند انجلاء تلك الظلماء [عنه] خاطب جماعة من الرؤساء، وذلك في جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين، فمن ذلك رقعة خاطب بها صاحب المرية قال فيها: ولما تخلت مني - أيدك الله - يد الزمان ونوائبه، وتجلت عني غمراته وغياهبه، ابتدرت مطالعك ابتدار الفرض، وهصرت من مجاذبتك بالغصن الغض، فاتقا لكمامة الفضل، وعامرا لشريعة الوصل، وحمد الله تعالى مقدم في السر والجهر، على ما درا من الحوادث النكر:
وإذا جزى الله امرءا حسنا فجزى أخا لي ماجدا سمحا
ناديته في كربتي فكأنما ناديت عن ليا به صبحا
ذلك الوزير [الأجل] أبو بكر مثبت رسم الوفاء، وباني مجده على قمة الجوزاء، نبه لي كرم مسعاه، دائبا ووالاه، لم يكتحل سوق الأرق، حتى استنفذني من لجة الغرق، ووافى بي على المنى، وأحلني من بره المحل الأسنى، فأنام الله عنه عيون الأيام، ولا أنساني له شكر ذلك المقام.
وله من أخرى خاطب بها ابن هود: إن الأيام - أيدك الله - تلون ألوانها، وللمساءة إحسانها، ما تذر شعبا إلا تصدعه، ولا وصلا إلا
стр. 1815
تقطعه، إن أمرت عهدا نقضته، أو بنيت قوضته، على أنها قد تعود، ويكون لها الأثر المحمود، ورمتني - أيدك الله - بسهامها، وجرعتني غصص حمامها، فكان لله ستر وقى، وصنع أبقى، مكن النفس من رجائه، ووطن الصبر على قضائه، طمعا في الحظ من ثوابه، وتبلج الفرج من أبوابه، إلى أن تبدى فجره، وتأتى أمره، والحمد لله بحقه، منقذي من الخطب وربقه، هو المبلو بعواطفه، المدعو بعوارفه، وفي كل حال - أيدك الله - أخطرتني ببالك، ومددت علي من ظلالك، ووصلت من سببي، ونفست من كربي، وأوجدتني من ذراك مفزعا، و [أوردتني] من نعمك مشرعا، لا زال برك شاملا، ولا انفك سعدك كاملا، فانك محيي الهمة ومقيمها، ومولي النعمة ومديمها، وكم أحييت من همم، وأوليت من نعم؛ فكافأ الله الولي السني واحدي الوزير الأجل أبا بكر مكافأة ماجد جد في سعيه، وجرد [٨ب] من رأيه، لدرء مهمي وكشفه، حتى انتضاني في كفه، فخلطني بالعلية نفسه، ومهد لي في جنابه وأنسه، أيده الله على شكره، وفسح في عمره.
وله من أخرى كتب بها إلى الحاجب عماد الدولة: كتبت - أيدك
стр. 1816
الله - عند وصولي بلنسية، متخلصا من يد المحنة، متلبسا لله فيها أعظم المنحة، أن تدارك في غمراتها، وجلى المسود من هفواتها، فلله الحمد كثيرا، والشكر نضيرا؛ وإني بلوت من إجمالك في حالتي شدتي ونجاتي ما عقل اللسان، وقبض البنان، وأخجل الحوادث حتى كفت من اعتدائها، وألوت تعثر في استحيائها، فإن أثنيت فمقصر عنك الثناء، وان دعوت فإلى الله يرفع الدعاء. وتلقاني بطريقي كتابك الرفيع فتملكني بره، وحياني بشره، وعظم عندي قدره، فلله ما تبديه من فضل وما تسره، ولله در الوزير الأجل أبي بكر، جوزي بوفائه، وفسح الله له في ظله وبقائه، فانه ما اكتحل في كربتي بنوم، ولا تمتع بمسرة في يوم، ولقد كانت قذى عينيه، حتى حلني من وثاقها بيديه.
ومن أخرى خاطب بها المظفر صاحب لاردة قال فيها: أن الله تعالى يصرف الأمور كيف يشاء، له النعماء والبأساء، فإن عافى واصل المنن، وأن امتحن أحسن، لأنه يمنح الأجر الذي هو أسنى، ويعود بعوائده الحسنى، وما المرء إلا كالنصل، يشحذ بالصقل، تنفذ عليه الأقدار، ليقع
стр. 1817
الاختبار والاعتبار، ويبدو له الزمان وأهله، وحيث منبت الفضل وأصله؛ وكان لك - أيدك الله - من التهمم بجانبي، والارتماض لنوائبي، ما أطاب ذكرك، وأبان قدرك، وأخبر أن الجميل من سجاياك، وأن محاسن الدهر بعض حلاك. ولما تخلصت من تلك الأشراك، وأذن الله منها - وله الحمد - بالانفكاك، أسرعت إلى قضاء حقك وإنه لأعز الحقوق، وتوفية الشكر لك بباهر مجدك السابق غير المسبوق، والثناء على أنعم الله تعالى قبل كل شيء وبعده التي جلت عن الإحصاء، وجلت من الغماء. وقد أوليت ما أثبت لك في الرقاب رقا، ومت تخب به الركائب غربا وشرقا، وأن المستقل بي والجاذب بضبعي لمحيي ميت الوفاء، ومحرز جزل الثناء، قسيمي في المهم، وظهيري [٩أ] على الملم، الوزير الأجل أبو بكر، فاني تبوأت في ذراه محلا ودارا، ورأيت الخطوب تعتذر اعتذارا.
وله من أخرى إلى القادر بالله ابن ذي النون: حكم الزمان - أيدك الله - تعثر الإنسان، ولولا دفاع الله لهوت قدمه، واستوى عدمه، لا يبالي حيث انتحت نوائبه، ولا من ازور جانبه، يلفى الدهر عابسا، ولثوب العذر لابسا. وكتابي من بلنسية وقد وافيتها موافاة
стр. 1818
الآمن بقراره، خارجا من ليل الحوادث واعتكاره، مستبشرا بنهاره، مستشفيا من آثاره، فالحمد لله بما أولاه، حمدا يبلغ رضاه. وما أنا - أيدك الله - في أمري، وما يسره الله من انجلاء ضري، بأجذل مني لتوقف الأيام عن مكانك، وقد أوضعت في بنيانك، تظن أن ما تتلفه، لا تصرفه، وكم لله من لطف خفي، وكرم حفي، وهو المسئول بأحب أسمائه، أن يعيد عزك إلى بهائه. وأن من تلقى راية المجد ابتدارا، وأخذني من أيدي الخطوب اقتسارا، لعلم الوفاء الذي إليه يشار، وشخص السيادة الذي به يستنار، واحدي الوزير الأجل أبو بكر - أدام الله عزه وأحسن جزاءه، ووصل اعتلاءه -.
وكتب أيضا في ذلك إلى بعض إخوانه: علمي - أعزك الله - بصدق وفائك، ومحض صفائك، وأنك ضارب في حالي بأوفى السهام، أوجب أن أسبق اليك بالمشاركة والإعلام، وكتبت عند الخلاص من العقلة، والتخلص من العطلة، بفضل الله الذي له المشيئة الغالبة واليد العالية، هو المردد حمده بما أولى وسنى، المرجو لطفه بعوائد الحسنى. ورعى الله الوزير الأجل أبا بكر، وقارضه وفي الشكر، فلقد بز الأنام طروا، ووافت فعالته الكريمة غرا، لم يقصر عن أمد السعي، مدة
стр. 1819
ذلك البغي، حتى أخذني من أيدي الخطوب عنوة، وأحلني من جزائه وبره صفوة، فلله وفاؤه وسروه، وغايته في العلاء وشأوه.
قال ابن بسام: وخاطبت جماعة من رؤساء الجزيرة يومئذ الوزير أبا بكر [بن] عبد العزيز [المذكر] شاكرين له على ما كان في ذلك من سعيه الحميد [المشكور] ، منها رقعة للمؤتمن بن هود يقول فيها: وقد تتابع عنك - أعزك الله - أحسن الحديث المذيع لخفايا سروك وسرائره، المعرب عن سجايا سنائك ومآثره، منذ انتدبت بشرف منحاك [٩ب] لما يسره الله من حميد مسعاك، فانتضيت من عزمك باترا يفل نصال النوائب، وأيقظت من حزمك ساهرا ينيم عيون الحوادث، وسهل الله الوعد بصدق بصيرتك، وذلل الصعب بيمن نقيبتك، حتى شردت المحنة وعمت المنحة، بتخلص ذي الوزارتين الكاتب الأجل صاحب المظالم أبي عبد الرحمن سندي، والخطير من عددي -[أبقاه الله]- من تلك الغمرة، وانتضائه بالاستقلال من العثرة، واستقرت الحال - أيدك الله - بدءا وعودا، عما قصر أوفر الحمد، ونشر عنك أنضر العهد، فجازاك الله أفضل ما جازى علما من أعلام الوفاء، ووفاك أكرم ما وفى متقدما في أحوال الصفاء، متوحدا بجميل المقام وجليل الغناء، وخاطبتك معلما بحقيقة اعتزازي بما يسر الله على يديك من هذه العائدة، وسناه
стр. 1820
بلطف توصلك إلى هذه الفائدة، فلو خصصت بذلك من يشاركني بالنسبة وهو قسيمي في اللحمة، لم يعدل عندي بما أوليت في جانب من أعزه الله بإتمام النعمة، فقد كان تألمي من إساءة الدهر في هضمه، وتطاول خطوبه النكر إلى ظلمه، بازاء ما يقضيه الاعتداد بفضله، والابتهاج بشرف محله؛ إذ كانت النفس تشفق من حادثة تصيب نبيها من الأخوان، فضلا عن نائبة تحل بساحة جليل من الأعيان، والله تعالى يصرف النوب عن فنائك، ويكف المحاذر دون ألاجائك، بمنه.
قال أبو الحسن: ونأخذ هنا من أخبار الوزير الأجل أبي بكر ابن عبد العزيز المذكور، بهذا الموضع، حسبما اقتضاه سرد الكلام، وأدى إليه شرط النظام.
كان أبو بكر أحد من سبق وادعا، وتجاوز ذروة الشرف متواضعا، كتب أبوه عن الوزير الكاتب أبي عامر بن التاكرني أيام وزارته لعبد العزيز ابن أبي عامر، وأبو عامر أطلع جده، وأرهف حده، وبلغ به الذرى، حتى قيل: " كل الصيد في جوف الفرا ".
стр. 1821
وقد ذكره أبو مروان ابن حيان فقال: وفي العشر الأواخر من [شهر] جمادي الآخرة سنة ست وخمسين نعي إلينا وزير بلنسية، ابن عبد العزيز، وكان - على خمول أصله في الجماعة - من أراجح كبار الكتاب، الطالعين في دمس هذه الفتنة المدلهمة، وذوي [١٠ أ] السداد من وزراء ملوكها، ذا حنكة ومعرفة، وارتياض وتجربة، وهدي وقوام سيرة، إلى ثراء وصيانة؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال أبو الحسن: ووزر أبو بكر بعد أبيه لعبد الملك بن عبد العزيز المتلقب - كان - من الألقاب السلطانية بالمظفر، فقطع ووصل، واضطلع بما حمل، ودارت عليه الرياسة مدارا لم تدره رحى على قطب، واشتملت عليه السياسة اشتمالا لم تشتمله جناجن على قلب: من رجل ركب أعناق خطوبها، صعبها وركوبها، وامترى أخلاف شآبيبها، منهلها وسكوبها، فلما قص يحيى بن ذي النون الملقب بالمأمون آثار آل ابن أبي عامر، واجتث أصلهم من بلنسية آخر الدهر [الداهر]- حسبما سنأتي عليه، إذا انتهينا إن شتء الله إليه - كان ابن عبد العزيز، زعموا، أحد من أقام ميلها، وأوضح لابن ذي النون سبلها، حتى خلصت له وخلص لها، فكافأه ابن ذي النون لأول تملكه إياها بأن ولاه أمورها، وحلاه شذورها، ولاث بحقويه سياستها وتدبيرها، فسامى الفراقد
стр. 1822
وتألف الشارد، وفدح الحاسد، وقهر العدو المكايد، وهو ابن ذي النون قريب على البعد، وحاله عنده جديد على قدم العهد. فلما مات يحيى بن ذي النون صفت مساربه، وخلا له جانبه، وضعف عنه طالبه، وكان خليقا بسموه، مهيبا في صدر عدوه، طاول الجبال بالآكام، وفل السيوف بالأقلام، متشبها في مخالصة الإمارة، من خصاصة الوزارة، بأبي الحزم بن جهور، فتم له من ذلك ما نيف على المراد، وأطال غم الأعداء والحساد، واجتمع عنده من سعة المال، وفخامة الحال، ونضرة الإقبال، وآلات الجلال، ما سار في البلاد، وقصر عنه كثير من الأشكال والأضداد.
ومن أعجب ما هيأ له الزمان، وأغرب ما سارت عنه به الركبان، أن ابن هود لما سما إلى دانية فورد صفوتها، واقتعد ذروتها، فيل أهل بلده رأيه، وعجزوا سعيه، في قصوره عن بلنسية، إذ كانت أدنى لمن يريدها، وأجنى على من يستفيدها، لوفور غلاتها، وتمام أدواتها، واعجاز خواصها وذواتها، ولخلوها عندهم من ملك يفي
стр. 1823
بمقدارها، ويذب عن عقر دارها، فجاهروه بتعجيزهم [١٠ب] وشاعت على الألسنة أعجوبة من ترجيزهم، كلمات في أعجمية مزدوجة، معناها: ما أحمق هذا وأهوجه، عجز عن الأيم ونكح المزوجة؛ وحين تلقفها من الألسنة، انتبه لها لا من سنة، وداخل الطاغية أذفونش مفزع آمالهم، وظهير بطالتهم وباطلهم، على عادتهم، معشر الخلفاء، من استنابته في زحوفهم، وإجابته إلى مر حتوفهم، سعيا عمهم بتنكيل، ومكرا أحاقه الله بهم عما قليل؛ فاشترى منه بلنسية يومئذ [زعموا] بمائة ألف دينار، تقرب إليه بحاضرها، وأعطاه رهنا كفافا بسائرها، فغزا بلنسية وقته في جيش تضاءلت ذرى أطوادها عن أعلامه، وتناكرت وجوه نجومها تحت قتامة، فلم يركز لواءه، ولا رفع بناءه، حتى خرج إليه ابن عبد العزيز منسلخا من عديده، في ثياب جمعته وعيده، فكلمه بما أرق قلبه، وكف غربه، وكان مما قال له: هي بلادك فقدم من شئت وأخر، ونحن طاعتك وقوادك فأقلل منا أو أكثر، في شبيه ذلك من لين القول الذي يسل الأحقاد، ويتألف الأضداد، فانصرف عنه وقد ألحفه جناح حمايته، ووطأ له كنفا من عنايته، ورجع ابن هود وقد نفض يديه، وأصبحت نفقته حسرة عليه، وكان الطاغية بعد ذلك، كلما جرى ذكر ابن عبد العزيز
стр. 1824
شايعه وتولاه، واسترجحه وزكاه، حتى كان يقول - لعنة الله -: رجال الأندلس ثلاثة: أبو بكر ابن عبد العزيز و [أبو بكر] ابن عمار وششنند، وسأجري في أخبار ابن ذي النون طرفا من ذكره، وأشير إلى جهة من مآل لأمره.
بقية ما استخرجته من رسائل ابن طاهر السلطانيات
فصل له من رقعة خاطب بها ابن عباد يقول فيها: من وجد سلفه على مذهب من الخير بين، وسنن من الفضل متبين، سره أن يتحلى بتلك الخلق، ويتجلى من تلك الأفق، وإن الزمان اللدن الذي انقضى، وامحت صورته الحسنى، نظم بين ذي الوزارتين القاضي جدك وبين أبي مولاي، كان ﵀، عقد الصلة، وأربم بينهما حبل الخلة، وشق بينهما المصافاة شق الأبلمة، وأطلعهما نجمين في أكابر تلك اللمة، يفترقان عند الاستعمال، ويحملان يومئذ مضلع الأثقال، إلى أن امتزجت بهما الحال امتزاجا، وكان كل واحد منهما لنفس صاحبه غذاء ومزاجا، ولم يقنع من ذلك الالتفاف، بواقعة الكفاف، حتى أتم
стр. 1825
[١١أ] صنائعه، ورقم وشائعه، خلال ما ابتداه، ونهجه وهياه، فضمنا والرئيس الأجل أباك معتمدي - وكان - رشي الله عنه في زمرة الطلبة، والأسرة منهم المنتجبة، ورتعا في رياض الاصطحاب، واستذرينا من أدواحها بأمثال السحاب، نصيب من بردها ودرها، إلى أن أطلعت الأيام شجر مرها، برائع الفراق، ولم نشف الأشواق، وأقبلت الفتن والمحن تنساق؛ فلما اطمأنت بك قدم الرياسة، واستقرت منك في شخص السيادة والنفاسة، جعلت الهمة تتطلع، والارادة مني تنقاد وتتبع، في الإلمام بمداخلتك، والتسبب لمطالعتك، ليلتئم باعتلاقك ذلك الشعب، ويستريح من برحائه القلب، والأيام على شيمها وشومها، في عوارضها ولومها؛ إلا أني مع ذلك لم أخل مشاهدتي من الذكر لك، والفخر بك، حتى وافى رسولك الناحية، فمددت يد المخاطبة لك، وأحببت فتحها معك، لأعلق منك كفي، بماجد يكون ركني وكهفي، واثقا بحسن المقابلة والقبول، عارضا ودي بمهب الصبا والقبول، فإن مننت بالمراجعة فذلك البغية والمراد، وإلا فما أخطأ الاجتهاد، والله ييسر المرتجى منك، ويدفع محذور النائبات عنك، [بقدرته الباهرة ومشيئته العالية] .
وله من أخرى [اليه] : الآن سفرت من الأيام الخدود، واهتز منها
следующие страницы →