Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
وشفعه، فأجاب إسماعيل إلى أبيه، ودخل إشبيلية ليلا، ونكب [به] عن قصره إلى بعض دوره بالقرب منه، ومنعه أن يدخل عليه أحد، وصرف الله على عباد جميع ما كان احتمله إسماعيل ابنه من ماله وذخائره لم يحرم منه شيء، حتى إن زامله من زوامله قصرت عنه عند جده في السير وغادرها في الصحراء رازحة، فوقعت إلى بعض فرسان والده الذين سرحهم لاقتفاء أثره، فقبض عليها وصرفت إلى اشبيلية بحملها لم يقطع لها حبل، فزعموا أن وقرها كان مالا صامتا وذخائر تفوق قيمة، وأظفر الله عبادا بولده فيما آتاه من ذلك، فاثر الشفاء على المغفرة، إلا أنهم - زعموا - لحقته [٣٨ ب] لهذا الحادث وفظاعته وطرقه من مأمنه وفساد لأكرم أعضائه عليه، وعمدة ثقاته لديه، خشية فلت عزمه، وحيرت قلبه، فعيت به عما صمد له من أذى قرطبة والجعجاع بأهلها، فتنفس مخنقهم قليلا، وكفت الغارات عنهم وقتا، وسارع سعرهم إلى الانحطاط.
قال أبو مروان: وبلغني أن الذي دبر عليه هربه عن أبيه وتولى كبره، وزيره وصاحبه، أبو عبد الله محمد بن أحمد البزلياني المهاجر إليه عن وطنه مالقة، مختارا له على ملكه باديس، فاعترف له عباد في جهله على نفسه وسوء مورده حجة للعذر في تحكمه عن ذي اللب المقرر لحوطة نفسه، فإن هذا الفتى إسماعيل كان رمى إلى هذا الكهل بمقاليده وفوض إلى رأيه، فلم يبارك له فيه، وشكا إليه بعض ما يناله من فظاظة والده وقسوته ورميه المتالف به، فحسن عنده - زعموا - العقوق له، والذهاب عنه إلى أطراف أعماله العريضة، كيما يقرر عليه، وبنفسه؛ فلما قذف به والده [ما] تعاظمه من حرب قرطبة
стр. 1927
اعتزم إلى إنقاذ أمره في الفرار عنه من طريقه ذلك، فعمل في النكوص عنه بما قد مناه، وهجم على قصر أبيه وأخذ ذخائره. وخرج مبادرا. ووزيره هذا البزلياني معه قد تولى كبر ما أحدثه، ونفذ في مقدار ثلاثين فارسا من خاصة غلمانه، بعد أن غرق سفن المعابر الراتبة قدام القصر بالنهر، كيما يعتاص وصول الخبر إلى أبيه، بالمتنزه الذي كان فيه بعدوته، إلى أن يبعد في مهربه، فاتفق أن بادر إليه بعض غلمانه النازلين معه بالقصر، وقد أنكر مدخل إسماعيل وخطفه، فقطع النهر سباحة، وسبق إلى مولاه عباد فأيقظه من نومه، وعرفه بالحادثة، فسقط في يده، وبادر بإحراج عدة من فرسانه، وأنذر عليه قواد الحصون، فلجأ إلى قلعة الحصادي - حسبما قدمناه - واستقر بعد في اعتقال والده مدة يقلب الرأي في أمره ظهره لبطنه، ولا يبين من قوة غضبه عليه ما يؤنس من استبقائه له، وقد عجل على أبي عبد الله البزلياني لأول ما اعتقله عنده، لفرط حنقه عليه، فضرب عنقه، وقتل معه نفرا من خواص إسماعيل، فاستوحش من أبيه، ولم يشك أنه لاحق بهم، فدبر من مكانه، موضع اعتقاله، الهجوم على أبيه، والتسور على قصره من قبل عورة عرفها كيف [٣٩أ] يفتك به ويصير مكانه، وساعده الموكلون به على الأمر وقد مناهم ببلوغ الأمل بتمامه، فقاموا معه في ما أراد من ذلك، والقدر يجد بهم به، إلى أن وقع في يد والده كرة أخرى فبطش به ولم يقله، وتفرد بقتله جوف قصره، فلم يقف أحد على مصرعه لطمس آثاره وآثار جميع أصحابه وغلمانه وخواصه، بعد أن جلد بعضهم، وقطع أطرافهم، وتجاوز إلى الضعفاء من حرمه ونسائه فأتى على خلق منهم سرا وجهرا، ومثل بهم أنواع المثلة، حتى طهر أثر ولده هذا وقطع دابره، فكأن لم يكن قط أميرا، ولا أنفذ
стр. 1928
حكما، ولا قاد جيشا، والله يملي لمن شاء، ويستدرج من يريد، له القوة البالغة.
وما ابن عباد ببدع فيما أتاه في هذا، فقد يضطر الملوك مع ذي أرحامهم السامين إلى نيل مرامهم من مستجرئ عليهم، إلى ما يحملهم على انتهاك أكثر من ذلك حبا للحياة الدنيا الغريرة، ومنجاة بالرغبة من الفرقة المبيرة، على أن العفو أقرب للتقوى لا محالة، مع أن أسباب الملوك الاضطرارية لا تحمل الاستقصاء، ولا تعرض للتمحيص، قرن الله بأعمالهم الصلاح، وجنبهم بمنة الجناح.
قال ابن بسام: وكان خاطب المعتضد يومئذ جماعة [من] حلفائه وقص عليهم نبأة [مع ابنه] ، فمن جواب بعضهم له في فصل قال فيه: تقديم الوصف - أيدك الله - للوداد والاعتقاد، من المتعارف المعتاد، فيستفتح به أول المكتوب، كما يستفتح الشعر بالنسيب، لكني - أيدك الله - أربا بحبلها عن شاهد غير الضمير، وواصف غير ما في الصدور، وبرهان غير الناظر المشهور، وأرمي شاكله الغرض، وأصف ما أباتني ليالي على قضض ومضض، ثم ما رد باقي الأنس، وشفى لاعج النفس، فإن الأنباء وردتني عن المنصور أبي الوليد ابنك ابني - أعزه الله - بانزعاجه أولا، وأبطأت الجلية كملا، فأشفقت على يقيني أن الداخلة تصده، والحقيقة ترده، وأن شهامته جمحت به، وصرامته صرمت منه، وأنه حسام دلق من غمده، وسهم نفذ وراء غرضه وحده، وأن ريح الصبا عصفت عليه وهو لدن المعطف، وغرة الشباب اهتبلته وهو سلس المقود
стр. 1929
لين المصرف، والمرء للخطل والزلل، وكل مخلوق ففيه النقص والخلل.
ومن جواب ابن أبي عامر له: الدنيا رنقة المشارب، جمة النوائب، تسلك بأهلها كل سبيل، وتريهم من خطويها [٣٩ب] كل معلوم ومجهول، تقطع ما اتصل، وتمنع ما تبذل [وتسوء من حيث تسر، وتخون من حيث تفي، لا تمتع بحال، ولا تدوم] على وصال، وهذا أصح دليل على هوانها وصغارها، وأوضح تمثيل في تفاهة شأنها ومقدارها، وان كثر فيها التنافر، وعظم فيها التقاطع والتدابر، فنسأل الله ألا يصرفنا عن التوفيق، ولا يعدل بنا عن سواء الطريق.
وإن كتابك ورد بما لم يقع في تقدير، ولا عن مثله في ضمير، من الداهية الدهياء، والمعضلة الشنعاء، والحال الحادثة مع من رين على قلبه وعقله، وغبن في حظه ورشده، فزاغ عن نهاه، واتخذ إلهه هواه، ولقد وقفت بك، عمادي، على عبرة المعتبرين، وعظة المتدبرين المبصرين، فإن الذي رمتك به الأيام لغريبة الغرائب، تؤذن بانقطاع الخير، وارتفاع البر، أفلا راعى أولا ما أوجب الله تعالى [تقدست أسماؤه] للآباء على الأبناء - فإنه قرن ذكرهم بذكره، وشكرهم بشكره، فقال: (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان: ١٤) وقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) (الاسراء: ٢٣) إلى ما جاء في العقوق، فقد قيل: إن العقوق هلك، والمروق شرك؛ وقيل: عقوق
стр. 1930
الوالدين يعقب النكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد. ثم هلا راعى آخرا ما سوغته من النعم التي غبط بها، وحسد فيها، وما خصصته [به] من العزة التي بذ فيها الأنداد، وشأى فيها الأتراب والحساد -! ولكن الشيطان الغرارة أغواه، وسلطان الجهالة أرداه، مع قرناء سوء [قيضوا له] زينوا له ضلالة، وأفسدوا عليه حاله، وبحق قيل: الوحدة خير من الجليس السوء (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) (الكهف: ١٧) وقد صنع الله لك صنعا جميلا، ودفع عنك جليلا، وأجراك على ما عودك من فضله (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (فاطر: ٤٣) فالحمد لله على نعمة خولها، وولاية أجملها، ومكيدة نقضها، وسعاية دحضها. وفي علمه احتراق نفسي لهذا الحادث الكارث، ومشاركتي في هذه الملمة المدلهمة، التي لم أخلها من حالتي الإشفاق والجزع، وخطتي الارتماض والتفجع، وان الأمر عندك وزنه عندي، ومأخذه منك مأخذه مني.
ومن جواب ابن مجاهد [له] من إنشاء ابن أرقم: وافتني - أيدك الله - مساهمتك الكريمة، ومشاركتك السليمة، الصادرة عن الصدر السليم، المقتضية للحمد والشكر العميم، وقد كان سبق كتاب قبل بما لزمني في الحادثة الأولى، فقلت: حسام [٤٠أ] دلق، وسنان زلق، وشباب عصف، وجواد جمح فأسرف، وعثرة تستقال، وغرارة يرفع بها ذلك الاختلال، ثم بعد نفوذه وردني النبأ على عقبها، بما
стр. 1931
صغر تلك على عظمها، فترددت شرقا، واضطربت قلقا، حتى استوضحت من قبلك الأمر على آخره، وتلقيت عنك الخطب بموارده ومصادره، منسوقة مراتبه ومناقله، مشروحة أعجازه وأوائله، فما ساهمت إلا من تلقى ما أنهيته بنفسك، وشرب ما عاطيته بكأسك، وشاطرك الحال بنصفين، وكان هو أنت في القضية سيين، فتجرع ما تجرعت [واستفظع ما استفظعت، واستغرب ما استغربت] واعتبر بما اعتبرت، وفي الأيام والليالي معتبر، وإنها - لكما ذكرت ووصفت - عقيمة معجبة، وعنقاء مغربة، وما شهدت لها أخت إلا من أحد الفرس وأخرى من بني العباس، كما ذكرت، وقديما استغوى الشيطان، وكان للمرء سلطان، والزمان بمثلها جواد، ولإطلاع الغرائب معتاد، وقد أوتي صاحب الخضر على علمك من أقرب الولد رحما، وأضعفهم نفسا وجسما، ومن سوق بني أمية وغيرهم الجماء الغفير، والعدد الكثير، وكثيرا ما شهدنا وسمعنا بقاتل نفسه، وهي أكرم النفوس عليه، وآكل جسمه وهو أحب الجسوم إليه، وقد يفيض الداء من الدواء، ويشرق المرء بالماء، ويؤتى الحذر من مأمنه، ويجتنى القبيح من حسنه، والأدواء تثور في الولد، كما تثور في الجسد، وتتولد في القلب والكبد؛ وقرناه السوء يكدرون الأصفياء، كما يكدر المشرب العذب الدلاء، وما ندري يا سيدي [إلا] أنك أردت إقالته والله قد عثره، واعتقدت استعاذته والله قد غيره
стр. 1932
وأيأسك منه بقبيح فعله، وأسلاك عنه بعظيم جرمه، وكنت معه والله مع غيره، وأردته وأراد الله سواء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع:
وليس لأمر حاول الله جمعه مشت ولاما شتت الله جامع
وقال الله تعالى لنوح ﵇ بعد قوله (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) (فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: ٤٦) وقوله للخضر ﵇ (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) (الكهف: ٨١) :
وكل مصيبات الزمان إذا أتت فهن سوا ما لم يصبن صميمي
وما زادت هذه على أن وقى الله صميمك، وصان حريمك.
قال ابن بسام: ولما [٤٠ ب] أنشأ أبو محمد رسالته المتقدمة الذكر، تناغت لمة من كتاب العصر في معارضتها، وقد ذكرت بعض من أجاب عنها، وأذكر أيضا فصولا لمن انتصف على زعمه بالمعارضة منها، منهم من أفردت فصلا في ذكره، ومنهم من لم يقع إلي شيء من أمره، فلم أجد إلى ذكره سبيلا، ولا على موضعه من الصناعة دليلا، وكنت جديرا بتأخير رسالة من أفردت في ذكره فصلا، حتى أقبسها له لألاء، وأضعها في يده لواء، ولكن أذكر الشيء بما تعلق به، أو كان من سببه، لأقيد ما شرد، وأنسق ما تفرق وتفرد.
وله: أتم الله أيها الأمير، الجليل مجده، الجميل معتقده
стр. 1933
المشهور فضله وسؤدده، عليك نعمه ظاهرة وباطنة، وأجزل لك به قسمه متوافية زاكية، وآتاك من كل حظ أجزاله، ومن كل صنع أجمله، ومن كل خير أتمه وأكمله، فإن الأيام قد وصلت بيننا إلى التراسل سببا، وجعلت لنا في التواصل أربا، فإذا أمكن سبب قدمته، وإذا تهيأ رسول اغتنمته، توكيدا للحال معك، وتجديدا للعهد بيني وبينك، فمثل الحظ منك لا يهمل، سبب الحق الذي لك لا يغفل، ومكاتبة الصديق عوض من لقائه إذا امتنع اللقاء، واستدعاء لأنبائه إذا انقطعت الأنباء، وفيها أنس تلذ به النفس، وارتياح تلتذ منه الأرواح، وارتباط يتصل به الاغتباط، واعتقاد يتبين به الوداد، ومثل خلتك الكريمة عمرت معاهدها، ومثل عشرتك الجميلة شدت معاقدها، ومثل مكارمتك المبرة حمدت مصادرها ومواردها، فإني متطلع إلى أخبارك أراعيها، وحريص على أوطارك أقضيها، ومستمطر لكتبك الكريمة أجتليها، فمنذ صدر عني فلان لم أتلق عنك خبرا، ولم ألحظ من تلقائك أثرا، وذلك لا محالة لامتناع البحر وارتجاجه، وتعذر المسلك وإرتاجه، وإذ قد ذل صعبه، وهان خطبه، فأنا أعتقد أن كتابك بازاء كتابي هذا مجدد عهدا، ومهد عنه حمدا، فإنه ما دخل إلينا ولا تكرر علينا إلا وذكرك الجميل في فمه يبدئه ويعيده، وثناؤه يلهج به ويشيده، في شكر الأمير الأجل والإشادة بتعظيم أمره، وتفخيم قدره، فإنه لا يعرف عندنا إلا بوسمه، ولا يناضل [إلا] بسهمه، ولا يجاهد إلا عنه، ولا يحتسب إلا فيه. ومن جرى على البعد هذا المجرى، وشكر شكره النعمى، فحقيق بالإنعام [٤١أ] خليق بالإكرام.
стр. 1934
فصول من جملة رقاع لغير احد في ذلك
فصل من رقعة لبعضهم يقول فيها: ما أبصرك - أيدك الله - بل أذكرك! وكيف يوقظ اليقظان، وينبه النبهان، وحاشا أن تعلم الخمرة العوان، إن الدنيا على الغير موضوعه، وعلى المكاره مطبوعة:
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جف جانب
ونقل الطباع لا يستطاع، ولا تبديل لحكم الجليل، والدنيا منكرة لمتعارفيها، مسلطة بنوائبها على بنيها، المتهالكين فيها، لاسيما الأحرار، فإنها تطالبهم بثار:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
ومنها: وماظنك بدنيا قلما تسمح بحبرة، إلا أتبعتها بعبرة، ولا تجود بمنحة، إلا كدرتها بمنحة، ولا تسقي شرابا، إلا شابته صابا، ولا تهب نسيما، إلا قلبته سموما، تكاد تسوء بالساعات، وقلما تسر إلا في الفلتات، ثم تغري بنا الآفات:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع
وفي فصل: والأنام أغراض، لسهام الأعراض، قلما تتخطاها إن فوقت، ولا تخطئها إن رشقت، وقد يمقها من لا يثقها، ويتيامنها
стр. 1935
من لا يامنها، وأي أمان، من زمان، يدب دبيب العقربان، ويثب وثوب الأفعوان، ما أمكنها إمكان وعن لها مكان، ويسعى بالنميمة، بين الفروع والأرومة، وهيهات أن تصطفى حية رقشاء لين مسها قاتل سمها، يهوي إليها الجاهل، ويحذرها العاقل، وأي ناج من بأسها، ولو كان في سويدائها، هي والله ما علمت وتعلم، قريبة العرس من المأتم، هكذا عرفت، وبهذا وصفت:
ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نار وفي فصل منها: وإني منيت - أيدك الله - من زمني الخؤون، بشقيقة المنون، وكادت تكون، فيا لها [من] حادثة عظمى، وصدمة صما، كدرت شربي، وروعت سربي، واعجب لسهم رمي به راميه، ونصل دهي به منتضيه، أشد ما كان له استبصارا، وبه انتصارا، [وعليه اقتصارا] ، وليس يمكر من الأزمان، عكس الأحوال وقلب الأعيان؛ وتفصيل هذا المجمل، وإيضاح هذا المشكل، الذي رمزت بذكره، وعرضت بأمره، أن العاق المشاق، الجلف السفيه، المتمذهب بغير مذهب أبيه [٤١ب] ومن سلف من منسليه، ابني إسماعيل، الفاعل بي أسوأ الأفاعيل، أحدث حدثا أشنع، مثله يستفظع، بما كان منه، واستذاع عنه، من استهانة عقوقي، واطراحه حقوقي، وشذوذه عن أشكاله، وعدوله عن سنن آله، وإن جمعه بي منسبه، فقد نفاه عني مذهبه، كالذي استواه الشيطان، كأنما اقتاده في أشطان، وإذا قضى القدر، عشي البصر، وما جرأه على قبح فعاله، ومجانبته المعهود من حاله، إلا قرناء سوء قيضوا له، [إذ] جعلوا يضربون له أسداسا
стр. 1936
لأخماس، ويكيدونه بكيد الوسواس الخناس، حتى أوردوه أنشوطة، لم يكن مثلها أغلوطة، هوى به الهوى هوي الدلو أسلمه الرشاء، ولا غرو فقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، وذلك أني لما أرضعته لبان مقتي، وملكته عنان ثقتي، وأدنيت زلفته، وأبديت رفعته، وأقبلته عين القبول، وأحللته مني محل الصلة من الموصول، وقلدته أعنة السياسة، ووسمته بسمة الرياسة، وأوطأت عقبه الرجال، وتجاوزت به حدود الآمال، نقلا من حال إلى حال، حتى مدت نحوه الأعناق، وسارت بذكره الأفذاذ والرفاق، ونيطت به الآمال، ولاذ به الأمال، وجعلت السيف والقلم من خدمه، ووضعت الوجوه تحت قدمه، يقول فيسمع لمقاله، ويصول فيرتاع لمصاله، حتى لقد كادت الأقدام أن تستوي لولا فضل الأبوة، ونقص البنوة، فلما رأى الدولة قد ألقت إليه بأزمتها، وأقادته بأعنتها، استأسد وتنمر، واستشعر الأشر والبطر، وحاول الشفوف، وربما كان فيه الحتوف، ونزع إلى الاستبداد، منزع الغبي إلى العناد، ورفض الحقوق، وآثر العقوق، وكفر بالنعمة ونام عن شكرها، فطويت عنه بأسرها، والشكر للنعمة نتاج، والكفر بها رتاج.
[وفي فصل منها] : فعلت مرمى قوسه ومنزع سهمه، كأنما كنت نجي سره، وولي أمره، وقد تبصر الظنون بغير عيون، فتتبعت
стр. 1937
خبره، وقفوت أثره، بخيل كالسيل بالليل، تعجز طالبها، وتدرك هاربها، فلم ينتبه إلا وقد أحيط به، ففزع إلى الاعتراف، وهو يذهب بالاقتراف.
[وفي فصل] : ومداراة الحية كيف تنفع، وهي إذا أمكنها اللسع تلسع؛ ولما أبى إلا الإباء، وأسر الشحناء، وحاول العظيمة، وتناول الجريمة، وكاد - وايم الله - يهدم بنيان الله، لولا دفاع الله، ألف أغمارا من العبدان كانوا عكوفا عليه، ورتبا حواليه [٤٢أ] وأطمعهم في ما صرعهم، وأكثر المطامع، تئول إلى المصارع، ولو أنهم أيقنوا أن أنفسهم نعوا، وإلى دمائهم بأقدامهم سعوا، لتثبطوا، وما تورطوا، لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وإذا حان الحين، عميت العين، ورب ساع بقدمه، على دمه، فلما جن عليه الليل، والليل أخفى للويل، تساقوا بينهم المدام، ليقدموا بها أشد ٌقدام [ورب إحجام أنجى من إقدام] ، فأخذوا الثبات، وعقدوا النيات، وتسوروا الأسوار، وتخطوا غير ما دار، وداعي الهوى يدعوهم، وحادي الردى يحدوهم، وقد اعتقلوا الردينيات، وتأبطوا الهندوانيات، وشمروا ذيلا، وادرعوا ليلا، واقتحمواالمهالك، في أضيق المسالك، وترقوا الجدران، بأشد تمرد وعصيان، فسقط العشاء بهم على سرحان، فما تمالكت أن سمعت حسيسهم، ولحظت شخوصهم، فملئوا فرقا، وتصيروا فرقا، أيدي سبا، يجدون هربا، ويرومون الخلاص، ولات حين مناص
стр. 1938
ونفوسهم تودع أجسادها، وتستحث آمادها:
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ولم يمتروا الأرض قدرة القدير، تنقض التدبير، ولله عاقبة الأمور. وما كان رجاء القوم، إلا استغراقي في النوم، وأيقظني القدر، وما بي من حذر.
وفي فصل: فلما رأى اللعين أن سهمه قد طاش، وقد راش منه ما راش، وأيقن أنه حريق ناره التي سعر، وغريق تياره الذي فجر، شرد شراد الظليم، على حين لا حليف ولا حميم، وترامى من شرفات القصر، ترامي المذعور بالقسر، وهو ينشد:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما يجتني عليه اجتهاده
فأعجلت إليه هنالك من عثر وشيكا عليه، واستاقه استياق العاني، فيا وقفة المذنب الجاني، يشكو إلى من يصم عنه، ويتبرأ منه، وسيقت بطانته أسارى، من غير خمر سكارى، فأقروا بما دبروا، فالحمد لله جاعل تدميرهم في تدبيرهم، وإبادتهم في إرادتهم، ومن حفر لأخيه [بئرا] سقط فيها، واستحضرت مشيخة العلماء وجعلت الأمر بينهم شورى، إشارة للعدل في القضا، واتباعا لأمر الله تعالى في الغضب والرضى، فكلهم
стр. 1939
حد إنفاذ الحد، وتلوا قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في [٤٢ب] الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا) الآية (المائدة: ٣٣) .
فكان ما كان مما لست أذكره فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
فاعتبر ياسيدي من هذه الفتن المضلة لأبناء الزمن، وانظر كيف يستدرجهم الشيطان، في مدارج العصيان، حتى إذا قحمهم الغرر، أسلمهم القدر، وكل ذلك مسطور ومأثور، وفي عقوق هذا من البنين، آية للعالمين، وما كان هذا اللعين، في ما جناه، فاجتناه، وسبه، فألهبه، وكاده، فأباده، إلا كالبقرة تبحث على مديتها بقرنيها، وكالنملة تطلب حتفا بجناحيها، فتبا للأولاد، يتقربون بالولاد، ويتابعون بالوداد، في مصارع الحساد، إن هم إلا فهود، بأهب أسود، يتقلبون بما صغروا، ويستأسدون إذا كبروا.
وفي فصل: ولعل قائلا قد سلب المعقول، يصول يوما فيقول، ويطعن ويغمز، حيث لا مطعن ولا مغمز، وينحلني الفظاظة والقسوة، ويعتدها وصمة علي وهفوة، ورب سامع بخبري لم يسمع عذري، ولست ببدع ممن ظلم فانتصر، وخولف فما اصطبر، ولا بنكير
стр. 1940
ممن أرضى باريه، باسخاط أهليه، إن لي في من سلف أسوة، وبالنبي ﵇ قدوة، ولو نظر بعين الحقيقة، ولم يعدل عن سنن الطريقة، لكان من أنصاري، في إقامة أعذاري: هذا خليل الرحمن، وكان في الأنبياء من كان، لما تبين أن أباه عدو لله تبرأ منه، وقد تل أيضا ﵇ ابنه الذبيح للجبين، ووضع في حلقه السكين، وهو من أبر النبيين، اتباعا لأمر الله حتى فداه الرب الكريم، بالذبح العظيم، وصبر على ما لو حل بالصخر لفلقه، أو بالحجر لفرقه؛ وهذا عمر بن الخطاب، وكان من كان في الأصحاب، قد قسا قلبه علة أبي شحمة، لم تأخذه فيه [رأفة ولا] رحمة، حين جلده، حتى فقده، وصبر غير مكتئب، صبر المحتسب، إرضاء لباريه، وتقربا إليه بما يرضيه. وكان لبعض بني العباس، وهم أئمة الناس، في ابنه العاق ما قد درس خبره، وطمس أثره، ولولا أن الإطالة، تفضي إلى الملالة، لأوردت من خبره الأشنع، ما فيه مقنع، وأحدثهم عهدا في هذه العصور، عبد الله الأمير وأبو عامر المنصور، فأما عبد الله فقد قتل ابنه محمدا، لما أحس منه تمردا، وكان قرة عينيه، فما عيب ذلك عليه؛ وأما [٤٣أ] المنصور، وحسبك به جزالة وحزامة في الأمور، فقد فعل بابنه عبد الله ما فعل لما عصى، وشق العصا، هذا وما بلغا هذا المبلغ، ولا ولغا في الدم كما كاد هذا اللعين أن يلغ، ولو اقتصصت، فوق ما نصصت، لأطلت وأمللت
стр. 1941
لكن اجتزيت، بمن سميت، وأي عذر [يقوم] لمن مكنه الله في بلاده، وحكمه في عباده، ألا ينفذ حده الذي حده، ويؤثر فرضه الذي فرضه، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) (المائدة: ٤٧) ولولا عقاب المسيء، لقل من لا يسيء:
والظلم في خلق النفوس فان تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
ولا غرو ان أسهبت وأطنبت في خبر المغرور، فانها نفثة مصدور، وما أطقت تجرع الغصص [في كتم هذه القصص] التي فيها عبرة لأولي الألباب، وما كان هذا الذي طرا، حديثا يفترى، ولا هذا الذي طرق، نبأ يختلق.
ومن رقعة أخرى أيضا في ذلك مجهولة [القائل] : المحن على ضروب، والنوائب تجري بمعضلات الخطوب، فتفجأ بالرقم الرقماء، وتطرق بالداهية الدهياء، وتأتي بالغريبة الشنعاء، فلا واقي سواه، ولا مجير من بغتاتها حاشاه، وهب الحازم ارتقب الخطوب معدا لها من سننها، ولقي المكاره بسلاحها وجننها، كيف له بعلم خفيات الضمائر، وخبيئات البواطن والسرائر - إلا أن لطفه الخفي، وصنعه الكافي الحفي، يكلآن من توكل عليه، ويعضدان من اعتضد به [واستند إليه؛ وكنت] قد اختصصت ولدي الخائن الجاني إسماعيل بضروب
стр. 1942
من الإنعام، والإحسان والمبرة والإكرام، وملكته زمام أعنة الجنود، وأظللته بظل خافقة البنود، وأرضعته ثدي الحرب، وجرأته على مقارعة الطعن والضرب، وأنفذت أمره ونهيه، وأجزت فعله ورأيه، فقصرت عليه أقاصي المطامع، وأشير نحوه بالأصابع، ودعي بالرئيس الأمير، ولقب بالمؤيد المنصور، إلا أن ظن المرء يخطئ ويصيب، ولله أستار دون علم الغيوب، وليس على المرء ضمان العواقب، ولا كلف سوى الاجتهاد في المطالب، فإنما هو بشر، يقضي بما ظهر، ولله ما بطن واستتر:
فان كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء، ففي سوء القضاء لي العذر
وكان ينبئ ظاهره من الاجتهاد منتهى الاستطاعة، ويجزي أمره إلى غاية اللازم من حدود الطاعة، إلى أن علق به أغواه من شياطين الإنس فزين له زخرف الغرور [٤٣ب] والفسوق، وقذف به في هوة الخذلان والعقوق، فأحال طينته إلى أخبث الترب، وقد تعدي الصحاح مبارك الجرب، ونقله من الطبع الكريم، إلى الخلق الذميم، وعوضه من طاعة الرب والأب، آفة الكبر والعجب، وحين لبس ثوب الغرة والخيلاء، وقاد الجيوش ملء الفضاء، واستضاف إليه من استضاف من شرار القرناء، طمع في بلد، لا تكون عليه فيه يد أحد، ليستعمل السفه والجهل، ويهلك الحرث والنسل، ويأبى دفاع الله من ذلك
стр. 1943
فهو أراف بخلقه من إسلامهم للمهالك، وطار النبأ إلي، وسقط الخبر علي، فبلغ ، من الكفاية غاية الأمل، وخاب سعيه، وفال رأيه، وندم ولات حين مندم، فتحركت مني الرحمة التي قطعها، وحنت الرأفة التي نبذها وخلعها، فعفوت [عنه] واعتلق بحبل الإنابة، وأسرع الدخول في باب الإجابة، وهو منطو على شر ضمائره، ومسر لأخبث سرائره:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا لمن بات في نعمائه يتقلب
وقلبت توبته الظاهرة، وأقلت زلة قدمه العاثرة، ولم أخله فاضل اهتبالي واعتنائي، ولم أمنعه غير قربي ولقائي، فأطغاه ذلك وأبطره، وأطمعه في نيل ما كان أضمره، فرام التي لا شوى لها ولا بقاء معها:
أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
* *
سبكناه ونحسبه لجينا فأبدى السبك عن خبث الحديد
ولعمري لئن أجلته آباء سرو وصدق، لقد سرى فيه للخؤولة لئيم
стр. 1944
طبع وعرق، ولا غرو في هذه الحال، فقد يستحيل الزعاق من الزلال، وينام عرق الأب ويسري عرق الخال:
وأول خبث الماء خبث ترابه ... وأول خبث المرء خبث المناكح فعاقد سقاطا من خساس صبيان العبيد المتصرفين في أحط المراتب عندي، المنحطين عن الكون في جملة جندي، إذ لم يجد مساعدا على هذه القضية، من فيه أقل مسكة وبقية، فاستهوى ضعف عقولهم، واستنفر قليل تحصيلهم، وسلحهم بسلاحي، وراشهم بفضل جناحي، ودعاهم إلى عصيان ربهم وأمري [٤٤أ] والتعرض لهتك سلطانه وستري، وتسنموا منيف الأسوار تنسم الوعول، بعد أن سقاهم صرف الشمول، التي تذهب بوافر العقول؛ يظنوني نائما ويحسبوني غافلا، والله ليس بغافل عما يعمل الظالمون؛ وكان عدد الفتيان الفجار، كعدد خزنة أهل النار، فأطلعني الله تعالى على حسهم، وأسمعني خفي ركزهم، فثرت من الفراش، رابط الجاش، فولوا على الأعقاب حين رأوا شخصي، متساقطين على الأذقان إذ سمعوا صوتي، وعاد الخائن الحائن إلى سور المدينة بعد أن خرق اليه، ورائد الموت يجول بين عينيه، فغير بعيد ما أسرته الخيل أسرا، وقيد إلي عنوة وقهرا، وكذلك شيعته المارقة، وصحابته الجانية الفاسقة، فلم يفلت منهم بحمد الله أحد
стр. 1945
ولا أجاره مكان ولا بلد، حتى أخذ الله تعالى بثاره منهم، وأقام حدوده فيهم؛ وأنا متأس في هذه الرزية، بكبار ملوك الإسلام والجاهلية، فقد تعدى عقوق الأبناء، إلى كبار البشر والأنبياء، حتى قال الله تعالى لنوح ﵊: (إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح) (هود: ٤٦) والرب تعالى يخرج الخبيث من الطيب، ويقضي ما شاء في علم الغيب، لكني على العلات، ورعاية الحرمات، أرضي طاعة الله تعالى في من عصاه، وألتزم أمره في من خالف رضاه:
وإن السيف في الباغي جزاء أحق به من النسب القريب
بقية ما استخرجته من رسائله السلطانيات
فصل له من رقعة [عن ابن مجاهد] إلى المنصور بن أبي عامر: من اختار - أيدك الله - لحلته أزكى المعادن، واعتمد لمقته أسنى المواطن، كان جديرا أن يغتبط بجناها، ويرتبط بفوز عقباها، ويعلم أنها على الأيام صقيلة الأرجاء لا يصدئها الإهمال، صدقة المضارب لا يفلها الإعمال، وأنت الذي لا يدانى شرفه، ولا يسامى سلفه، ولا تجارى أعراقه، ولا يبارى إعراقه، فمن ظفر بصفاتك عتادا، فقد أصمى سهمه وقرطس، ونزل ساحة الفضل وعرس، ووثق بأنه
стр. 1946
ورد وردا لا تكدره الدلاء، واعتقد عقدا لا يغيره الإصباح والإمساء؛ وتلك حالي في ما منحته من صفاتك، ووليته من ولائك، والله يحرس حظي من وفائك، ويرفع المضار عن حوبائك، [بمنه] .
ومن أخرى عنه إلى المظفر بن الأفطس: إذا تشاكلت - أيدك الله - الأحوال والضروب، تقاربت الأهواء والقلوب، وقد قيل [٤٤ب] : الشكول أقارب، والمذاهب مناسب:
ولن تنظم العقد الكعاب لزينة كما تنظم الشمل الشتيت الشمائل
وما تشتت لنا، بحمد الله، شمل، ولا انقطع بنا حبل، ولا غب بيننا وصل، بل نحن على ثلج تواصل يقتضيه التشاكل والتآلف، ونهج تداخل يستدعيه التعاقد والتحالف؛ وإني - علم الله - بمكانك لمباه، وبزمانك لمظاهر مضاه، أعتقد لك العقد الذي لا تجاذب أهدابه، ولا ينازع جلبابه، وقد نظمتنا من الأحوال المشاكلة والأسباب الواشجة ما كلانا له مراع، وإلى قضاء الحق فيه وحفظ الحظ منه ساع، ورب حال جددت تآلفا وودا، وأكدت وشدت على مر الأيام عهدا وعقدا، وبنت ما لا يهدمه الدهر ولو انتحاه من خطوبه بمعول، وأنحى عليه بجران وكلكل، والله يصل ما بيننا بالدوام والثبات، ويحرسه من الانصرام والانبتات.
стр. 1947
وله من أخرى: لئن ضنت الأيام بالمرغوب، ولوتنا في نيل المطلوب، فلا ضير نعلم أي القسمين أرجح فنتأسف على تركه، وأي الحظين أربح فننتظم في سلكه، وحق لمن نظر بعين الفكر أن لا يبالي بحالة تعترض، أو عزيمة تنتقض، أو حبل يرث، أو شعب ينتكث، فربما كان الاعراض احكاما، وأصبح الانتقاض إبراما، والهجران وصالا، وظل النقصان كمالا، والله ولي السلامة، في الظعن والإقامة.
ووافاني كتابك العزيز، فأول ما سرحت طرفي في مسطوره، وأعلمت فكري في منثوره، استطار الركاب فرحا، وعادت الغمرات مرحا، ثم أنشدت ورددت:
أهم بشيء والليالي كأنها تطاردني عن كونه وأطارد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم فند قوم فوائد
وعسى الله أن يعيد عهدا تجري فيه السوانح، وتسقط به البوارح، فيصفو جمام، وينقطع هيام، ويسل حسام، ويحمد مقام.
وله من أخرى إلى المنصور بن أبي عامر: إني - أيد الله الملك الكريم - لما أضاءت لي أهله مفاخرة في سماء الفخار، وأشرقت شموس مكارمه على مفارق الأحرار، وأبصرت شمائله الزهر تثير من الهمم كامنها، ومحاسنه الغر توقظ من الآمال نائمها، تيقنت أن بحق انقادت له القلوب في أعنتها، وتهادت اليه النفوس بأزمتها، فآليت أن لا ألم إلا بحماه، ولا أحط رحلا [٤٥أ] إلا في ذراه، علما بأنه نثره الفخر، وغرة
стр. 1948
الدهر، فيممت ساريا في طالع نوره، متيمنا بيمن طائره، بأمل متحقق الربح، موقن [بالفلج و] النجح، حتى حللت بدرجة المجد، وأنخت بذروة السعد، فجعلت أنثر من جواهر الكلام، ما يربي على جواهر النظام، وأنشر من عطر الثناء، ما يزري بالروضة الغناء، وحاش للفضل أن يعطل ليلي من أقمارك، ويخلي أفقي من أنوارك، فأرى منخرطا في غير سلكك، منحطا إلى غير ملكك، لا جرم أنه من استضاء بالهلال، غني عن الذبال، ومن استنار بالصباح، ألغى سنا المصباح؛ تالله ما هزت آمالي ذوائبها إلى سواك، ولا حدث أطماعي ركائبها إلى حاشاك، ليكون لذلك في أثر الوسمي للماحل، وعلي جمال الحلي للعاطل، بسيادتك الأولية، ورياستك الأزلية التي يقصر عن وصفها إفصاحي، ويعيا عن بعضها بياني وإيضاحي، فالقراطيس عند بث مناقبك تفنى، والأقلام في رسم آثارك تحفى.
وفي فصل منها: والسعيد من نشأ في دولتك، وظهر في جملتك، واستضاء بغرتك، لقد فاز بالسبق من لحظته عيون رعايتك، وكنفه
стр. 1949
حرز حمايتك، فأنت الذي أمنت بعدله نوائب الأيام، وقويت بفضله دعائم الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتخضع لجلالتك أعزة النفوس، بسابقة أشهر من الفجر، وفطنة أنور من البدر، وهمة أبعد من الدهر:
لقد فاز من أضحى بكم متمسكا يمد إلى تأميل عزكم يدا
سلكت سبيل الفضل خلقا مركبا وغيرك لا يأتيه إلا تجلدا
ليهنيكم مجد تليد بنيتم أغار لعمري في البلاد وأنجدا
[وفي فصل] : وإنما أهدي إلى مولاي خدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في خدمته وعديده:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ولكنها في مفخر أستجده
وكل نوال كان أو هو كائن فلحظة طرف منك عندي نده
فكن في اصطناعي محسنا كمجرب يبن لك تقريب الجواد وشده
إذا كنت في شك من السيف فابله فاما تنفيه وإما تعده [٤٥ب]
وما الصارم الهندي إلا كغيره إذا لم يفارقه النجاد وغمده
وله من أخرى عن ابن مجاهد إلى ابن أبي عامر يعلمه بغدر أخيه حسن له، قال فيها بعد الصدر: وان الموفق مولاي ﵁ كان رمى إلي بعهده، وقلدني الامر من بعده، وبايعني بذلك من كان في قبضة سلطانه، واشمال ديوانه، ولما اتفقت الآراء، ويئس الأعداء
стр. 1950
مد أخي حسن بيعتي يدا، وأظهر في طاعتي معتقدا، فما آن لمداد عهده أن يجف، ولا حان ليد عاقده أن تنحرف، حتى داخل صاحب اشبيلية في الغدر والخلاف، فأنفذ إليه رجلا يدعى سلمة من جنده ليتصرف على إرادته، فأجمعوا أيديهم والقضاء أملك، وأزمعوا كيدهم والقدر يضحك، وتوخوا صدري من صلاة الجمعة، فوافوني قد انسربت في كلة الأمن، ونمت في حجر حسن الظن، فما استيقظت إلا لصفح صفائحهم تصلت علي، ولا انتهبت إلا لضوء رماحهم تشرع إلي، إلا أن الله كان بازائي ظهيرا، وتلقاني نصيرا، وبين يدي رفدا، ومن ورائي مددا وردءا. فما كان إلا أن تساقط فراشهم في مصابيح الفرج، وأتسعت شبههم في موارد الثلج، وفزت وقد انجلت الكرة عليهم. فأما سلمة المذكور فانه رمى عن قوسه إلى نفسه، وسطا بسهمه على جسمه، فانثنى في بطاحه، مقتولا بسلاحه؛ وأما حسن فمر مستمرئا لما استمراه، مستمرا لما استحلاه، قد عارض النعمة بجحدها فسلبت عنه، وقارض الحسنة بضدها فانتزعت منه، على أنه كان بين الجفن والناظر نازلا، وبين الضمير والخاطر جائلا، قد قاسمته العيش نصفين، والحياة شطرين، له النوم ولي السهر، وله الأمن ولي الحذر، وله الصفو ولي الكدر، أشقى لينعم، [وأمتهن ليكرم] ، إلى أن واصلته
стр. 1951
الرفاهية فمل، ونادمته النعمة فاعتل، ومسه الخير فمنع، وغرته الأماني فانخدع، حتى ذاق وبال أمره (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (فاطر: ٤٣) .
وله من أخرى [عنه] إلى المظفر بن الأفطس: وما أشك في ما ذكرت من أخذك معي بالنصيب الأوفر، والقسط الأكبر، من المصاب بفقد الموفق مولاي ومعظك، كان، - لقاء الله رضوانه، وألحفه عفوه وغفرانه - فقد كان إذا عد الأفاضل لا يثني خنصره إلا عليك، وإذا ذكر الرؤساء لم يشر بتصحيح الوفاء إلا اليك، فنحن لا نستوحش بفقد فاضل وذاته موجودة، ولا نرتاع لموت جليل [٤٦أ] وحياته ممدودة، فانك إذا قال قائل منا: كسدت لوفاة الموفق سوق الأدب، وبارت بضاعة الطلب، وهوى نجم العلم، وكبا زند الفهم، وعفا رسم الحلم، وطفئ سراج الرأي، استثنى بك المجيب، وعزي بمكانك المصيب، وأطبق الإجماع أنك جماع الفضائل ونظامها، وفي يديك لواؤها وزمامها.
وله [فصل] من أخرى: أأظمأ إلى ماء نهر قد تغلغلت في حياضة، وأذاد عن لألاء زهر قد توغلت في رياضه، وأتعطل من حليك وقد فاض فض البحور، وأتعرى من حلك وقد ضفت ملابسها على
стр. 1952
الجمهور -! كلا والله، إني لعاجز مع تمكينها وإعراضها، وقلة عللها وأعراضها، ولقد رفع الله من هذا الأدب الذي جددت رسومه بعد دثورها، وأطلعت نجومه بعد غؤورها، ونهجت سبلة بعد انشعابها وطموسها، وبصرت أعلامه بعد ذهابها ودروسها، حتى مالت إليه الأعناق، وانثالت عليه الرفاق، وطمحت نحوه الأحداق، وحق لشيء نفقته أن يعز وينفق، ولنجم أطلعته أن ينير ويشرق، ولغصن سقيته أن يسبق ويورق، وجددته عن قدم، وأوجدته من عدم، ونشرته من كفن، وبعثته من جنن، فهو يثني بآلائك ثناء الأزهار للأمطار، ويعبق بشيمك عبق الأنوار بالأسحار، ويشير إليك إشارة المصنوع إلى الصانع، ويدل عليك دلالة الليل على النجوم الطوالع.
وفي فصل من أخرى: ان سبقت إلى الفضل فالمعهود منك السبق، وان أوجبت [لك] علي حقا فقديما كان لك الحق، وقد أبى الله أن يرتدي برداء الحمد، ويتقعد ذروة المجد، إلا من قرع أنف الأنفة، بيد النصفة، وعصى سلطان الحمية الجاهلية، بالانقياد لأحكام الملة الحننيفية، وما أربحه متجرا، وأرجحه مفخرا، لمن أهداه إليه توفيق، وهداه عليه تحقيق، وأنت - أيدك الله - ذلك الناظر بعين اليقين، الساهر
стр. 1953
في مصالح الدنيا والدين، وبحق علا قدرك، وسما ذكرك، وأصبحت في رؤساء الأندلس المشار إليه، والكبير المعتمد عليه.
ومن رسائله في ذكر الجهاد واستنفار كواف البلاد
فصل له من رقعة: ورد كتابك يحض على ما أمر الله به من الألفة، واتفاق الكلمة، وإطفاء نار الفتنة، وجمع شمل الأمة، في هذه الجزيرة المنقطعة عن الجماعة، فلله [٤٦ب] رأيك الأصيل، وسعيك الجميل، ومذهبك الكريم، وغيبك السليم!! ما أصدق قيلك، وأهدى دليلك، وأوضح في سبيل البر سبيلك!! وقد كنت - علم الله - جانحا إلى ما جنحت إليه، ويلوح لي ما يلوح إليك: من أنا على طرف إلا ما كفى الله، وعلى قلة إلا ما وقى الله.
وله فصول [اقتضبتها] من رسالة فيها طول، كتبها على ألسنة أهل بربشتر، عنوانها: من الثغور القاصية، والأطراف النائية، المعتقدين للتوحيد، المعترفين بالوعد والوعيد، المستمسكين بعروة الدن، المستهلكين في حماية المسلمين، المعتصمين بعصمة الإسلام، المتآلفين على الصلاة والصيام، المؤمنين بالتنزيل، المقيمين على سنة الرسول، محمد نبي الرحمة
стр. 1954
وشفيع الأمة، إلى من بالأمصار الجامعة، والأقطار الشاسعة، بجزيرة الأندلس من ولاة المؤمنين، وحماة المسلمين، ورعاة الدين، من الرؤساء والمرءوسين، سلام عليكم، فانا نحمد الله اليكم، حمد من أيقن به ربا، وجعله حسبا، ولي المؤمنين، وغياث المستغيثين، مجري الفلك في البحر بأمره (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) (الحج: ٦٥) ونصلي على المصطفى من أصفيائه، محمد خاتم أنبيائه، المبتعث بأنواره الساطعة، وحجاجه القاطعة، على حين عفت رسوم الدين، وخوت نجوم اليقين، فجلا الشك، وأدحض الإفك، فعليه من السلام أفضل سلام، ما وحد الرحمن، وثني الفرقدان.
أما بعد: حرسكم الله بعينه التي لا تنام، فانا خاطبناكم مستنفرين، وكاتبناكم مستغيثين، وأجفاننا قرحى، وأكبادنا حرى، ونفوسنا منطبقة، وقلوبنا محترقة، على حين نشر الكفر جناحيه، وأبدى الشرك ناجذيه، واستطار شرر الشر، ومسنا وأهلنا الضر، أحسن ما كنا بالأيام ظنا، وملتنا ظاهرة، وفئتنا متناصرة، لا تشل لنا يد، ولا يفل لنا حد، حتى انقلبت العين، وبان الصبح لذي عينين.
[وفي فصل منها] : وأي أمان من زمان قلما يخضر منه جانب إلا جف جانب، ولا تبرق منه بارقة إلا اتبعتها صاعقة، إلا ما وقى الله. وننبئكم
стр. 1955
- معشر المسلمين - بعض ما نابنا في ثغورنا، عسى أن تكونوا سببا لنصرتنا، فالمؤمنون إخوة، والمسلمون لحمة، والمرء كثير بأخيه، وإلى أمه يلجأ اللهفان، وإلى الصوارم تفزع الأقران، والسعيد من وعظ بغيره والشقي من عميت عيناه، وصمت عن الموعظة أذناه. ونقص عليكم من نبأنا، وما انتهت إليه حال ملأنا، ما والله يوجع [٤٧أ] القلوب سماعه، كما قصم الضهور وأسخن العيون اطلاعه.
وفي فصل منها: فأحاطت بنا كإحاطة القلادة بالعنق. يسوموننا سوء العذاب، بضروب من الحرب والحرب، أناء ليلها ونهارها، تصب علينا صواعقها، وترمي إلينا بوائقها، فانا لله وإنا إليه راجعون، على ما رأت منا العيون، من انتهاك تلك النعم المدخرات، وهتك ستر الحرم المحجبات، والبنات والمخدرات، وما تكشف من تلك العورات المسترات، فلو رأيتم - معشر المسلمين - إخوانكم في الدين، وقد غلبوا على الأموال والأهلين، واستحكمت فيهم السيوف، واستولت عليهم الحتوف، وأتخنتهم الجراح، وعبثت بهم زرق الرماح، وقد كثر الضجيد والعويل والنياح، ودماؤهم على أقدامهم تسيل، سيل المطر بكل سبيل، ورءوسهم قد أمهم تطير، وقلوبهم في أجسادهم تسيطر، ولا مغيث ولا مجير، وقد صمت الآذان، بصرخ الصبيان، ونياح النسوان
стр. 1956
وبكاء الولدان، وعلت الأصوات وفشت المنكرات، وتمرد الشيطان، واشتهر الطغيان، وظهرت الصلبان، وأفصحت النواقيس، وجلحت الأباليس، وسعرت طغاة الخنازير، وصارت الدور كالتنانير، دماء تسفك، وستور تهتك، وحرم تنتهك، ونعم تستهلك، وأقفاء تصفع، وأعضاء تقطع، وأعياث ترتكب، وأثاث ينتهب، ومصاحف تمزق، ومساجد تحترق، فلا الأخ يغي أخاه، ولا الابن يدعو أباه، ولا الأب يدني بنيه. (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه) (عبس: ٣٧) ولا المرضعة تلوي على رضيعها، ولا الضحجيعة ترثي لضجيعها، كأنهم في مثل اليوم الذي ذكره الجليل، في محكم التنزيل، (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وتر الناس سكارى وما هم بسكارى) (الحج: ٢) ؛فما ظنكم - معشر المسلمين - وقد سيقت النساء والولدان، وما بين عارية وعريان، قودا بالنواصي إلى كل مكان، طورا على المتون، وطورا على البطون، ومشيخة الرجال، مقرنين في الحبال، مصفدين في السلاسل والأغلال، مقتادين بشعور السبال، ان استرحموا لم يرحموا، وان استطعموا لم يطعموا، وان استسقوا لم يسقوا، وقد طاشت أحلامهم، وذهلت أوهامهم، وسخنت أعيانهم، وتغيرت ألوانهم.
стр. 1957
وفي فصل منها: وما ظنكم - معشر المسلمين - وقد رأيتم، [٤٧ب] الجوامع والصوامع بعد تلاوة القرآن، وحلاوة الأذان، مطبقة بالشرك والبهتان، مشحونة بالنواقيس والصلبان، عوضا من شيعة الرحمن، [والأئمة والمتدينون] ، والقومة والمؤذنون، يجرهم الأعلاج كما تجر الذبائح إلى الذابح، يكبون على وجوههم في المساجد صاغرين، ثم أضرمت عليهم نارا حتى صاروا رمادا، والكفر يضحك وينكي، والدين ينوح ويبكي، فيا ويلاه، ويا ذلاه، ويا كرباه، ويا قرآناه، ويا محمداه، ألا ترى ما حل بحملة القرآن، وحفظة الايمان، وصوام شهر رمضان، وحجاج بيت الله الحرام، والعاكفين على الصلاة والصيام، والعاملين بالحلال والحرام، فلو شهدتم - معشر المسلمين - ذلك لطارت أكبادكم جزعا، وتقطعت قلوبهم قطعا، واستعذبتهم طعم المنايا، لموضع تلك الرزايا، ولهجرت أسيافكم أغمادها، وجفت أجفانهم رقادها، امتعاضا لعبدة الرحمن، وحفظة القرآن، وضعفة النساء والولدان، وانتقاما من عبدة الطغيان، وحملة الصلبان.
وفي فصل منها: وقد ندب الله مسلمي عباده إلى الجهاد في غير ما آية من الكتاب، يضيق عن نصها الخطاب، ترغيبا وترهيبا، فوعد المطيعين جزيل ثوابه، والعاصين أليم عقابه، والرواية عنه ﵇ في فصل الجهاد، وما يجازي فيه رب العباد، أشهر من أن تذكر، وأكثر
стр. 1958
من أن تحصر، فالله الله في إجابة داعينا، وتلبية منادينا، قبل أن تصدع صفاتنا كصدع الزجاج، فهناك لا ينفع العلاج.
وفي فصل منها: ولا بد للحق من دولة، وللباطل من جولة، والحرب سجال، والدهر دول، و (لكل أمة أجل) (يونس: ٤٩) ؛ ولولا فرط الذنوب، لما كان لريحهم علينا [من] هبوب، ولو كان شملنا منتظما، وشعبنا ملتئما، وكنا كالجوارح في الجسد اشتباكا، وكالأنامل في اليد اشتراكا، لما طاش لنا سهم، ولا سقط لنا نجم، ولا ذل لنا حزب، ولا فل لنا غرب، ولا روع لنا سرب، ولا كدر لنا شرب، ولكنا عليهم ظاهرين، إلى يوم الدين، فالحذر الحذر! فإنه رأس النظر، من بركان تطاير منه شرر ملهب، وطوفان تساقط منه قطر مرهب، قلما يؤمن من هذا إحراق، ومن ذلك إغراق، فتنبهوا قبل أن تنبهوا، وقاتلوهم في أطرافهم قبل أن يقاتلوكم في أكنافكم، وجاهدوهم في ثغورهم، قبل أن يجاهدوكم في دوركم، ففينا [٤٨أ] متعظ لمن اتعظ، وعبرة لمن اعتبر، فانظروا إلى ثغورنا كيف تهتضم، وإلى أطرافنا كيف تخترم، وفيئنا كيف يقتسم، وأموالنا كيف تصطلم، ودماؤنا مطلولة، وحدودنا مفلولة، وأنتم عنا لاهون، في غمرة ساهون
стр. 1959
وكأنا لسنا منكم، ولا نحن سداد دونكم مضروبة، وجنن نحوكم منصوبة.
وفي فصل منها: وأنه إن استلبت الأطراف، لم تتعذر الأصناف، والبعض للبعض سبب، والرأس من الذنب، غير أنا دنونا وبعدتم، وشقينا وسعدتم، ورأينا وسمعتم، وليس الخبر كالعيان، ولا الظن كالعرفان، ولقد آن أن يبصر الأعمى وينشط الكسلان، ويستيقظ النومان، ويشجع الجبان.
إيجاز الخبر بحادثة بربشتر التي ذكر
ورجع المسلمين إليها
قال أبو مروان [ابن حيان] : وفي سنة ست وخمسين وأربعمائة تغلب العدو على مدينة بربشر قصبة بلد برطانية. الواسط لما بين بلدتي لاردة وسرقسطة، ركني الثغور العلا، وهي الأم البرزة، التليد حلول الإسلام فيها لأول فتوح موسى بن نصير، التي لم تزل من أقادم معمورات من تناسخ عمارة الأندلس من القرون الحالية، اتخذت بأكرم البقاع وأوثق البناء، راكبة لنهر ماردة سورا مضروبا لأهل الثغور القصى، [والدفع] في وجوه
стр. 1960
العدى، تناسخها قرون المسلمن منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، منذ أول عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس بها القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا فجأة، صدر شهر رمضان من العام، فصك الأسماع وأطار الأفئدة وزلزل الأرض الأندلسية قاطبة، وصير للكل شغلا تسكع الناس في التحدث به والتسآل عنه والتصور لحلول مثله أياما لم يفارقوا فيها عادتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والإسناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل.
ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، قلما تتنافر أشكالهم، بصلاحهم يصلون، وبفسادهم يردون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين، بما لا كفاية له مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق، ذيادا [٤٨ب] عن الجماعة، وحوشا إلى الفرقة، والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكد الله عليهم في التبين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، خائض في
стр. 1961
أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها، وان أصبحت بصدد من خبالها: هل هي إلا مشفية على بوارها واستئصالها -! ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء، أن لم يكن عندهم لهذه الحادثة الغراء في بربشتر إلا الفزع إلى حفر الخنادق وتعلية الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوءة السوءاء من إلقائهم [يومئذ] بأيديهم اليهم: أمور قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بأعجاز تحل الغير:
أمور لو تدبرها حكيم إذن لنهى وهيب ما استطاعا
ولكن ما الحيلة في أديم تفرى تعبنا، فغلب الصناع، يخالها العاجز سحيلات محلولة، وهي في حكمة القدير مبرمة مفتولة، ضل فيها الحكماء قبلنا، فلنا في الإقصار عن كشفها مندوحة؛ فلنأخذ فيما افتتحنا القول فيه من حديث المصيبة الفادحة في بربشتر:
وهو أن جيش الأردمانيين طنبوا عليها، ووالوا حصرها، وجدوا في قتالها طامعين فيها، وقد أسلمهم أميرهم يوسف بن سليمان بن هود لخطبهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وقعد عن النفير نحوهم، فأقام عليها
стр. 1962
العدو منازلا أربعين يوما؛ ووقع بين أهلها تنازع على القوت لقلته، ولما علم العدو بذلك جد في القتال، فدخل الكفرة المدينة البرانية في نحو خمسة آلاف دارع، فبهت الناس وتحصنوا بمدينتهم الداخلة، ودارت بينهم حرب شديدة قتل فيها من النصارى خمسمائة؛ ثم اتفق من قدر الله تعالى أفضت إلى شط النهر، فانهارت في نفس ذلك السرب بأسره، فعدموا الماء وأيسوا من الحياة، ودعوا إلى تأمينهم على النزول بأنفسهم خاصة دون مال وعيال؛ فأعطاهم أعداء الله ذلك، فلما خرجوا نكثوا بهم وقتلوا معا، ولم يطلقوا منهم غير قائدهم ابن الطويل وقاضيهم ابن عيسى [٤٩أ] في نفر من الوجوه قليل عددهم، فحصلوا من غنائم بربشتر على ما لا يقدر [حصره] كثرة؛ زعموا أنه صار لأكبر رؤسائهم، قائد خيل رومة، في حصته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا كلهن، ومن أوقار الأمتعة من الحلي والكسوة والوطاء خمسمائة حمل. وتحدث أيضا أنه أصيب في هذا القتل والسبي مائة ألف نسمة، وشد الكفار أيديهم بمدينة بربشتر واستوطنوها، وهلك من نساء بربشتر جملة يكثر عدها عند إفلاتهن من عطش القصبة لتطارحهن على الماء
стр. 1963
يكرعن فيه بغير مهل، فكبهن للأذقان موتى. وكان الخطب في هذه النازلة أعظم من أن يوصف أو يتقصى.
قال أبو مروان: وبلغني أنه كانت المرأة تطلع من فوق سور المدينة، فتنادي من يدنو اليها من الكفرة عن جرعة ماء لنفسها أو لطفلها، فيقول لها: هاتي ما معك، ألقي إلي ما يرضيني أسقك، فتلقي اليه ما عندها من كسوة أو حلية أو مال، وتدلي نحوه ما حضرها من قربة أو آنية في رشاء، فتغيث به نفسها أو طفلها. وعرف الطاغية ذلك، فنهى رجاله [عنه] وقال: اصبروا وقتا ويؤخذون جملة. وآل بجماعتهم آخرا أن ألقوا إلى المشركين بأيديهم فارين من الظمأ مع أمان، فلما رأى الطاغية كثرتهم وانتشارهم، هاله ذلك وخاف أن تدركهم حمية في استنقاذ أنفسهم، فأمر أصحابه ببذل السيف فيهم ليخفف من أعدادهم، فقتل منهم يومئذ خلق عظيم تحدث أنهم نيفوا على ستة آلاف قتيل. ثم نادى ملكهم برفع السيف عنهم، وأمر جميعهم بالخروج عن المدينة بالأهل والذرية فابتدروا الخروج عنها مزدحمين على أبوابها، فمات منهم في ازدحامهم [ذلك، من الشيوخ والعجائز والأطفال] جماعة، وجعل كثير منهم يتدلون بالحبال من ذرى السور فرارا من ضغط الازدحام على الأبواب، وبدارا إلى شرب الماء، واستمسك في القصبة من وجوه الناس وجلداء فتيانهم نحو سبعمائة رجل، تحصنوا فيها ولاذوا من موت السيف بموت الغلة. ولما برز جميع من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء
стр. 1964
بابها بعد من خفف منهم بالقتل، وهلك في الزحمة، ظلوا قياما ذاهلين منتظرين لنزول القضاء بهم، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار منهم إلى داره ووطنه بأهله وولده، وأزعجوا لذلك، فنالهم من الازدحام قريبا مما نالهم في خروجهم عنها فلما استقروا فيها [مع عيالهم وذرياتهم] اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم، فكل من صارت في حصته دار حازها، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال، يحكم كل علج منهم في من [٤٩ب] سلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به [منهم] ، يأخذ كل ما أظهره عليه من نشب، ويقرره على ما أخفاه عنه، يعذبه أنواعا من العذاب حتى يبلغ نفسه عذرها منه، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك، فإن عداة الله كانوا يومئذ يتولعون بهتك حرم أسراهم وبناتهم بحضرتهم وعلى أعينهم، إبلاغا في تعذيب قلوبهم، يغشون الثيب ويفتضون البكر، وزوج تلك وأبو هذه موثق بقيد إساره، ناظر إلى سخنة عينه، فعينه تدمع، ونفسه تقطع، ومن لم يرض ذلك منهم
стр. 1965
أن يفعله في خادم أو ماهنة أو وخش أعطاهن خوله وغلمانه يعبثون بهن عبثه، فبلغ فيهم [يومئذ] ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة.
ولما كان ثلاثة أيام من استيلاء الكفرة عليهم، نهدوا لمن كان بقي من المتحصنين بذروة القصبة، وأحاطوا بهم، فنزلوا على أمان وقد سهمت وجوههم، وتغيرت خلقهم، من عبث العطش، فتجافى الكفرة عنهم، وخرجوا يريدون مدينة منتشون - أقرب مدن الإسلام إليهم - فقضي أن لقوا سرية من خيل النصارى، لم يشهدوا فتح بربشتر ولا علموا خبر هؤلاء المسرحين المكروبين، فقتلوهم جملة، إلا من نجا به أجله منهم، وقليل ما هم، فمضوا على هذه السبيل على ما حكم الله فيهم.
ولما عزم ملك الروم على القفول [يومئذ] من بربشتر إلى بلده، تخير من بنات لمسلمين الجواري الأبكار، والثيبات ذوات الجمال، ومن صبيانهم الأيفاع والحزاور الحسان ألوفا عدة، حملهم معه ليهديهم
следующие страницы →