Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ بالتقية في صدقهم، وأولئك هم الأقلون فيهم، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها، وان أصبحت بصدد من خبالها: هل هي إلا مشفية على بوارها واستئصالها -! ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء، أن لم يكن عندهم لهذه الحادثة الغراء في بربشتر إلا الفزع إلى حفر الخنادق وتعلية الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوءة السوءاء من إلقائهم [يومئذ] بأيديهم اليهم: أمور قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بأعجاز تحل الغير:
أمور لو تدبرها حكيم إذن لنهى وهيب ما استطاعا
ولكن ما الحيلة في أديم تفرى تعبنا، فغلب الصناع، يخالها العاجز سحيلات محلولة، وهي في حكمة القدير مبرمة مفتولة، ضل فيها الحكماء قبلنا، فلنا في الإقصار عن كشفها مندوحة؛ فلنأخذ فيما افتتحنا القول فيه من حديث المصيبة الفادحة في بربشتر:
وهو أن جيش الأردمانيين طنبوا عليها، ووالوا حصرها، وجدوا في قتالها طامعين فيها، وقد أسلمهم أميرهم يوسف بن سليمان بن هود لخطبهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وقعد عن النفير نحوهم، فأقام عليها
стр. 1962
العدو منازلا أربعين يوما؛ ووقع بين أهلها تنازع على القوت لقلته، ولما علم العدو بذلك جد في القتال، فدخل الكفرة المدينة البرانية في نحو خمسة آلاف دارع، فبهت الناس وتحصنوا بمدينتهم الداخلة، ودارت بينهم حرب شديدة قتل فيها من النصارى خمسمائة؛ ثم اتفق من قدر الله تعالى أفضت إلى شط النهر، فانهارت في نفس ذلك السرب بأسره، فعدموا الماء وأيسوا من الحياة، ودعوا إلى تأمينهم على النزول بأنفسهم خاصة دون مال وعيال؛ فأعطاهم أعداء الله ذلك، فلما خرجوا نكثوا بهم وقتلوا معا، ولم يطلقوا منهم غير قائدهم ابن الطويل وقاضيهم ابن عيسى [٤٩أ] في نفر من الوجوه قليل عددهم، فحصلوا من غنائم بربشتر على ما لا يقدر [حصره] كثرة؛ زعموا أنه صار لأكبر رؤسائهم، قائد خيل رومة، في حصته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا كلهن، ومن أوقار الأمتعة من الحلي والكسوة والوطاء خمسمائة حمل. وتحدث أيضا أنه أصيب في هذا القتل والسبي مائة ألف نسمة، وشد الكفار أيديهم بمدينة بربشتر واستوطنوها، وهلك من نساء بربشتر جملة يكثر عدها عند إفلاتهن من عطش القصبة لتطارحهن على الماء
стр. 1963
يكرعن فيه بغير مهل، فكبهن للأذقان موتى. وكان الخطب في هذه النازلة أعظم من أن يوصف أو يتقصى.
قال أبو مروان: وبلغني أنه كانت المرأة تطلع من فوق سور المدينة، فتنادي من يدنو اليها من الكفرة عن جرعة ماء لنفسها أو لطفلها، فيقول لها: هاتي ما معك، ألقي إلي ما يرضيني أسقك، فتلقي اليه ما عندها من كسوة أو حلية أو مال، وتدلي نحوه ما حضرها من قربة أو آنية في رشاء، فتغيث به نفسها أو طفلها. وعرف الطاغية ذلك، فنهى رجاله [عنه] وقال: اصبروا وقتا ويؤخذون جملة. وآل بجماعتهم آخرا أن ألقوا إلى المشركين بأيديهم فارين من الظمأ مع أمان، فلما رأى الطاغية كثرتهم وانتشارهم، هاله ذلك وخاف أن تدركهم حمية في استنقاذ أنفسهم، فأمر أصحابه ببذل السيف فيهم ليخفف من أعدادهم، فقتل منهم يومئذ خلق عظيم تحدث أنهم نيفوا على ستة آلاف قتيل. ثم نادى ملكهم برفع السيف عنهم، وأمر جميعهم بالخروج عن المدينة بالأهل والذرية فابتدروا الخروج عنها مزدحمين على أبوابها، فمات منهم في ازدحامهم [ذلك، من الشيوخ والعجائز والأطفال] جماعة، وجعل كثير منهم يتدلون بالحبال من ذرى السور فرارا من ضغط الازدحام على الأبواب، وبدارا إلى شرب الماء، واستمسك في القصبة من وجوه الناس وجلداء فتيانهم نحو سبعمائة رجل، تحصنوا فيها ولاذوا من موت السيف بموت الغلة. ولما برز جميع من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء
стр. 1964
بابها بعد من خفف منهم بالقتل، وهلك في الزحمة، ظلوا قياما ذاهلين منتظرين لنزول القضاء بهم، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار منهم إلى داره ووطنه بأهله وولده، وأزعجوا لذلك، فنالهم من الازدحام قريبا مما نالهم في خروجهم عنها فلما استقروا فيها [مع عيالهم وذرياتهم] اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم، فكل من صارت في حصته دار حازها، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال، يحكم كل علج منهم في من [٤٩ب] سلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به [منهم] ، يأخذ كل ما أظهره عليه من نشب، ويقرره على ما أخفاه عنه، يعذبه أنواعا من العذاب حتى يبلغ نفسه عذرها منه، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك، فإن عداة الله كانوا يومئذ يتولعون بهتك حرم أسراهم وبناتهم بحضرتهم وعلى أعينهم، إبلاغا في تعذيب قلوبهم، يغشون الثيب ويفتضون البكر، وزوج تلك وأبو هذه موثق بقيد إساره، ناظر إلى سخنة عينه، فعينه تدمع، ونفسه تقطع، ومن لم يرض ذلك منهم
стр. 1965
أن يفعله في خادم أو ماهنة أو وخش أعطاهن خوله وغلمانه يعبثون بهن عبثه، فبلغ فيهم [يومئذ] ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة.
ولما كان ثلاثة أيام من استيلاء الكفرة عليهم، نهدوا لمن كان بقي من المتحصنين بذروة القصبة، وأحاطوا بهم، فنزلوا على أمان وقد سهمت وجوههم، وتغيرت خلقهم، من عبث العطش، فتجافى الكفرة عنهم، وخرجوا يريدون مدينة منتشون - أقرب مدن الإسلام إليهم - فقضي أن لقوا سرية من خيل النصارى، لم يشهدوا فتح بربشتر ولا علموا خبر هؤلاء المسرحين المكروبين، فقتلوهم جملة، إلا من نجا به أجله منهم، وقليل ما هم، فمضوا على هذه السبيل على ما حكم الله فيهم.
ولما عزم ملك الروم على القفول [يومئذ] من بربشتر إلى بلده، تخير من بنات لمسلمين الجواري الأبكار، والثيبات ذوات الجمال، ومن صبيانهم الأيفاع والحزاور الحسان ألوفا عدة، حملهم معه ليهديهم
стр. 1966
إلى من فوقه، وترك بربشتر من رابطة خيله ألفا وخمسمائة، ومن الرجالة ألفين.
قال أبو مروان [ابن حيان] : وأختم هذه الأخبار البربشترية، الموقظة لقلوب أولي الألباب، بنادرة منها يكتفى باعتبارها عما سواها، وتمثل لذوي النهى صورة البلوى التي تتوقع شرواها، وهي ما حكاه لي بعض من أكاتبه بالثغور عن رجل من تجار اليهود، أتى بربشتر البائسة بعد الحادثة [عليها] ، ملتمسا فدية بنات لبعض وجوه من نجا من أهلها حصلن في سهم قومس من وجوه الرابطة فيما كان يعرفه، قال: فهديت إلى منزله الذي كان نزله فيها، واستأذنت عليه، فأجده جالسا مكان رب الدار مستوليا على فراشه، رافلا في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما تخلفهما ربهما يوم محنته، لم يتغير شيء من رياشهما وزينتهما، ووصائف على [٥٠أ] رأسه روقة مضمونات الشعور قائمات على رأسه سماعيات لخدمته؛ فرحب بي وسألني عن قصدي، فعرفته وجهه، وأشرت له إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه، وفيهن كانت حاجتي، فابتسم وقال بلسانه: لسريع ما طمعت من قرب فيما أبرزناه لك، فأعرض عمن هاهنا، وتعرض لمن شئت ممن صيرته بحصني من سبيي وأسراي أقاربك في من شئت منهن؛ فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي
стр. 1967
لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسمي ببعض من هاهنا فإني أصير إلى رغبتك؛ فقال: وما الذي عندك مما تشوقني إليه - قلت له: العين الكثير الطيب، والبز الرفيع الغريب، قال: كأنك تشهيني ما ليس عندي: يا بجة - ينادي بعض أولئك الوصائف: يريد يا " بهجة " [فيغيره] بعجمته - قومي فاعرضي على هذا اليهودي الخداع مما في ذلك الصندوق؛ فقامت اليه، وأقبلت ببدر الدنانير وأجناس الدراهم وأسفاط الحلي، فكشف وجعل بين يدي العلج حتى كادت تواري شخصه؛ ثم قال لها: ادني إليها من تلك التخوت، فأدنت منها عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر بما حار له ناظري وبهت، واسترذلت ما عندي. ثم قال [لي] : لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به، ثم حلف بإلهه وآبائه: لو لم يكن عندي شيء من هذا ثن بذل لي بأجمعه في ثمن مدنيته إليك ما سخت نفسي بها فيه، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها له مع جمالها لولادتي، حسبما كان قومها يصنعونه بنسائنا نحن أيام دولتهم، وقد رد لنا الكرة عليهم، فصرنا الآن فيما ترته؛ وأزيدك بأن تلك الخود الناعمة - وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى ناحية - لمغنية السخين العين والدها التي كانت تشدو
стр. 1968
له على نشواته، إلى أن أيقظناه من نوماته؛ يا فلانة - يناديها بلكنته - خذي عودك فغني زائرنا بشجوك؛ قال: فأخذت العود وقعدت تسويه، وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا، فضلا عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه هو عليه، وأظهر الطرب منه. فلما قطعت ويئست مما عنده، قمت منطلقا عته، واردت لتجارتي سواه، فاطلعت من كثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم [على] ما طال عجبي منه. فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكره لمن تذكره.
قال أبو مروان [ابن حيان] : وقد أفشينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر عليها أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن [٥٠ب] قبلهم من أثارة، ولأشد مما أفشينا عند أولي الألباب ما أخفيناه مما دهانا من داء التقاطع وقد أخذنا بالتواصل والألفة، وأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زمانها، هذا بالإضافة إلى ما عهدناه في القرن الذي سلخناه من آخر أمد الجماعة على إدراك من لحق الذي قبله، فمثل دهرنا هذا فرس بهيم الشية ما إن يباهي بقرحة فضلا عن شدوخ غرة، قد غربل أهليه أشد غربلة فسفسف أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفه أحلامهم
стр. 1969
وخبث ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، واقتطعهم الزيف، وأركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغي بأقوياء، شاء من الناس هامل، يعللون نفوسهم بالباطل، من أدل الدلائل على فرط جهلهم بشانهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية رسوله نبيهم ﵇، وذهولهم عن النظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى لظل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبحبح عراص ديارهم، ويستقرئ بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفا منهم ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا ومحفل من محافلنا مذكر بهم أو داع لهم، فضلا عن نافر إليهم أو مواس لهم، حتى كأن ليسوا منا، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء، بخلنا بالغناء، عجائب مغربة فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، فلله عاقبة الأمور، وإليه المصير.
قال أبو مروان [ابن حيان] : فلما كان عقب جمادي الأولى من سنة سبع وخمسين [بعدها] شاع الخبر بقرطبة بارتجاع المسلمين لبربشتر، وذلك أن أحمد ابن هود الملقب بالمقتدر، المفرط فيها، والمتهم على أهليها لانحرافهم إلى أخيه، صمد لها مع مدد عباد حليفه، وسعى لإصمات سوء القالة عنه، وقد كتب
стр. 1970
الله عليه منها ما لا يمحوه إلا عفوه، فتأهب لقصد بربشتر، فسار نحوها، ورجال ابن عباد نحو من خمسمائة فارس، مقدمته من شداد البرابرة وغيرهم من أبطال الأندلس، فنزل عليها بجمعه، فجالدوا المسلمين بباب المدينة جلادا ارتاب منه كل جبان، وأغوى الله أهل [٥١أ] الحفيظة والشجعان، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر أوليائه، وزلزل أعداءه، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة، فاقتحم المسلمون عليهم وملوكهم أجمعين، إلا من فر من مكان الوقعة ولم يأت المدينة، فأجيل [السيف] في الكافرين، واستوصلوا أجمعين، إلا من استرق من أصغارهم، وابتغوا الفداء من أعاظمهم، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبنائهم، وتملكوا المدينة بقدرة الخالق الباري، وأصيب على منحة النصر المتاح طائفة من حماة المسلمين، الجادين في نصر الدين، نحو الخمسين، كتب الله شهادتهم؛ وقتل فيها من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسمائة راجل، فاستولى المسلمون بحمد الله عليها، وغسلوها من رجس الشرك، وجلوها من صدا الإفك، ثبت الله فيها قدم الإسلام، وجبر صدع من تولى من إخوانهم، بمنه.
стр. 1971
ومن رسائله الإخوانيات
فصل له من رقعة في استفتاح خلطة: قد يتراسل الناس وإن لم تتقدم مباسطة، ولا سلف مخالطة، لأسباب تصل أهواءهم، وأحوال تجمع آراءهم، فتأتلف قلوبهم، وتعود ذات بينهم كأن لم تزل ملتئمة، وتلوح قواعد مؤاخاتهم كأن لم تبرح مستقرة مستحكمة، وقد دعاني إلى الأخذ بحظ من إخائك، والاكتئاب في ديوان أودائك وأصفيائك، سببان: أحدهما ما أرج إلي من طيب أخبارك، وجلي علي من محاسن آثارك، وقدر لدي من فضائلك التي تقاد اليك النفوس بأزمة ودادها، وتقف عليك خالص اعتقادها، فالفضائل حيث كانت مرغوبة محبوبة، والهمم نحوها جانحة طامحة، والأهواء بها كلفة، ولها مكتنفة؛ والسبب الآخر: مكانك من سيدنا الملك [الأعظم]- أدام الله رفعته، وثبت وطأته، ومكن سلطانه ودولته - وحظك الرفيع من أثرته، وحالك المشكورة في خدمته، فإن كل من اتصل به واعتصم بسببه، وفاء عليه ظله الظليل، وأحاط به فضله الجزيل، فقد جمعني وإياه ذمام كبير وسبب موصول، إذ أنا متمسك من حبله بأوثق عروة، ومستضيء من نوره بأنور جذوة.
وله [فصل] من أخرى [في مثله] : قديما تواصل الناس على البعد، وتهادوا ثمر الإخلاص والود، وإن لم يتقدم سبب موجب للتواصل، ولم
стр. 1972
يرد رائد مقتض للتراسل، وما أقول إن مخالطة تمكنت [٥١ب] لا سبب لها، ولا مواسطة تمهدت لا باعث عليها، فإن توق النفس إلى استصفاء الفضلاء، واقتناء مودات الأوفياء، أقوى أسباب الارتباط، وأدعى أبواب الاختلاط، ومحال أن تنجذب نفس، إلى من ليس لها به أنس، أو يكلف ضمير، بمن ليس له منه حظ موفور، وقد تخلت مخاطبتي لك من الأسباب إلا من سبب المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذاهبك ومساعيك، والرغبة في اقتناء خلتك، وادخار صداقتك، لما شهر من أحوالك الجميلة، وظهر من خلالك النبيلة، ومن كان على ما أنت عليه، فمر غوب فيه منجذب إليه، مطلوب إخاؤه، مخطوب صفاؤه، محبوب على البعاد، مفدى حتى من الأضداد.
وفي فصل من أخرى [في مثله] : إن كانت المعرفة لم تحق، فكم أثر أهدى من عين، وكم خبر أغنى عن خبر، لئن كانت الألفة لم تسبق، فرب طارف حديث أكرم من تالد موروث، ورب مستفاد مكتسب، أغبط من عتاد معتقب؛ ووردني لك كتاب [كريم] نطق بلسان تفضلك فأصغى هوى النفس إليه، واستطفى مودات القلوب لديه، وقضى أنك عين الأعيان، وفاضل الزمان، والخاص بنوع الإنسان.
стр. 1973
وفي فصل من أخرى: منابت الفضل باسقة الفروع، حميدة الجميع، طيبة الجنى، جميلة المخبر والمرأى، لا تطلع إلا ما يبهج، ولا تلقح إلا ما ينتج، ولا تروق إلا بما يرف، ولا تثمر إلا ما يشف، وأنت في أطيبها معدنا، وأكرمها موطنا، ومن أزكاها منبتا، وأسراها مغرسا، ولا يرد منك إلا ما يعبق نسيمه، ويلذ شميمه، ويروق منظره، ويفوق مخبره، وما زلت أعرف لك الحق الوكيد، والسبق البعيد، والسعي السديد، فأقول إنك غرة في وجه الدهر البهيم، ومعذرة من إساءة هذا الزمن المليم، فما أخطأت عنك الفراسة، ولا اختلفت فيك الرياسة، بل أوفيت على المقدار المظنون، وأتيت من وراء المتيقن المضمون.
وله من أخرى: ورد كتابك الكريم يعرب عن ود لا تكذب فيك صفاته، وعهد لا تقرع صفاته، وقد كنت أتأمل فيك شواهد التحقيق، وأعلم أنك الواقع عليه معنى الصديق، على أنه في هذا الزمن كالعدم، إلا في الكتب والكلم.
وفي فصل من أخرى: ان عوائد المتكاتبين على أي حال كانوا من اتفاق المعاقد، واختلاف المقاصد، قد جرت على سنن من ذكر [٥٢أ]
стр. 1974
الود وانتحاله، وحسن العهد وجماله، تمتريه كل فرقة، وتتعاطاه كل طائفة، حتى قد كاد يقع الالتباس بين المحق والمبطل، وتختلج الظنون والظنن في عيان المتأمل، بكثرة الدعاوى في الناس والنفاق، وعدم التصافي في الأغلب والوفاق، فالكلام منهل مورود، وحبل ممدود، وباب غير مسدود، فما عسى الموالي المحق أن يكتب به، معربا عن صحة ضميره ومذهبه، ولعل الظنين المستراب به قد سبق من القول في هذا الباب إلى كل ثنية، وأتى من الإسهاب والإغراب بكل قضية سنية، قبل إعمال الروية، فهي ألفاظ مشتركة غير متميزة، وكلمات مختلطة غير متحيزة.
وفي فصل من أخرى [له] : وكنت أضرب صفحا عن ذكر حالي معك والاتباطها، وانجذاب نفسي إليك وانبساطها، وامتزاج ذاتي بك واختلاطها، إلا أني قلت: لا بد للنفوس من أن تظهر ألإعالها، وللحقائق ان تعطي أحوالها، فإن وراء كل دعوى، ستارا من النجوى، يعلم به هل تغلغلت في الضمير ذاهبة، أو أخذت في بعض الجوانب وازبة؛ وعلمت أنه لا بد من شواهد اللسان، مع معاقد الجنان، والله المطلع على الضمائر لم يقبل عقد الإيمان، حتى يصحبه عقد اللسان، ولهذا السبب لا بد
стр. 1975
للمرء أن يقول، وللسان أن يجول، إلا أنه يكتفى بالقليل من الكثير، ويحال على خواطر الضمير.
وله من أخرى: إن أخذت في ذكر فضائلك، أو عطرت كلامي بطيب شمائلك، فلسان الأيام بها أفصح، ولها أشرح، وان عدلت إلى وصف ما أعتقده فيك وأضمره، وأطويه من ودادي لك وأنشره، فشاهد ضميرك به أنطق، وعنه أصدق، فليس إلا الاتفاق والاصطلاح، على ما تتناخى به النفوس والأرواح.
وفي فصل من أخرى: وردني لك كتاب أراني كيف يكون الكلام درا، والبيان سحرا، وبطون المهارق حدائق، وما بين مدب الأقلام بوارق، فلله يد نمنمت وشيه، ونظمت حلية، وقريحة أطلعت أزاهره، ما أطول باعها! وأكثر في فنون الأدب اتساعها! ولله زمان أصحب بعد الامتناع، ووصل بعد الانقطاع، ورفع أعلام السعادة، وبلغ أقصى الآمال والارادة، بورود الكتاب الأثير من شاطبة، وقد تبوأ منها بسطة ذراه، وذكرت أنه وصل اليها على تناه من البهجة، فاتت الظنون، وراقت العيون، وتجاوزت حد [٥٢ب] الجمال، واستوفت غاية الكمال، بالمنظر المعجب، والمرأى المستغرب، الذي لم تفتق الأسماع بمثله، ولا نهضت الأفكار بشكله، والحال مغنية بذاتها، عن صفاتها، فقد رفعها الله عن أن تحيط بها الأوصاف، ومحلها أجل عن أن تصفها الوصاف؛ فإنها نادرة الأيام، وفائدة الزمان، يسير بها الركب، وتحلى بها الكتب، وتدون في صحائف الفخر، وتعمر على مر الدهر، ويبلى العصر، وهي جديدة الذكر.
стр. 1976
وله من أخرى: وحين انتظم أمل، وتناهى جذل، لما أشرفت عليه من صدر الكتاب الكريم، أوقفتني منه على حفزة عتب، وخزت وخز الأشافي، ولدغت الأفاعي، فأمرت الحلو، وكدرت الصفو، وحزنت النفس، وشردت الأنس، فناهيك بكسلي بعد نشاطي، وانقباضي غب انبساطي، وهذه عادة الأيام يجيء كدرها جملا، وصفوها لمعا، والله المستعان على ما يجيئني منك وأنا ذاهل، ويطرقني وأنا غافل.
وفي فصل له: وربما تهيأت الصداقة، وتمكنت العلاقة، على تنائي الديار، وبعد الأقطار، وبالأخبار السائرة، والأنباء المتواترة، ببارع مناقبهم، وباهر مذاهبهم، وجليل فضائلهم، وسامي منازلهم، فتتعارف القلوب، ويجمعهم عقد الوداد، وإن تناءوا في البلاد، وينظمهم سلك الصفاء، وإن لم يكن سبيل إلى اللقاء، فإذا خطب بعضهم وصل بعض ألفاه موطأ الكنف، مهيأ اللطف، سهلا مرامه، سلسا زمامه.
وقد خص الله الوزير الأجل بضروب من المفاخر، وصنوف من المآثر، تتأملها أعين النظار، وتتحملها ألسن الأخبار، ويخطها سواد الليل على بياض النهار، ويحدو بها حادي الرفاق، على أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سراه الركبان، إلى نائي البلدان، حتى لقد
стр. 1977
أسمعوها كل أذن صماء، وأروها كل عين عمياء، وعمروا بها طل قطر وإن شط وبعد، وأنطقوا بها كل لسان وإن عيي وجمد، فألوية الحمد عليه خافقة، وألسنة المجد بفضله ناطقة، وكل أفق بكواكبه منير، وكل قلب بصفاء مودته معمور، والله يبقيه للمكارم نظاما، والأفاضل إماما، ولمحاسن الدنيا تماما.
وفي فصل من رقعة وجدتها له منسوبة، وفي ديوان رسائله [٥٣أ] مكتوبة، وهي فيما أراه لسواه: أما البلاغة فأنت مقيم بردتها، ولا غرو، فمن زاحم في العلم بالمنكب الأشد، وخطا في عرضه الأدب بالباع الأمد، واستولى في مضمار الركاب على الأمد، أتى من الإبداع بالعجب العجيب [واجتنى قطف الاختراع من المكان القريب] ، وتقنص شارده بالسهم المصيب. وما زلت أفض كتبك عن بدائع دونها السحر، ولآلئ يزهى بها النحر، وغرائب يعذب بها لو مازجته البحر، فأعترف بالتقصير؛ ومن ركب في الكتابة عصا قصير، أنى له بمطاولة من ركب عصا فقير - وما كفاك - أبقاك الله - حين قابلتني بما لو قوبل به النجوم لانحطت إليه من سمائها، أو الغيوم لترقرقت عليه من أرجائها، أو السموم لسمحت بنسيمها وأندائها، وذلك ما أبديته، مما أديته، بل
стр. 1978
أهديته، من تلك الرسالة المستبينة الإعجاز، المنتظمة الهوادي بالإعجاز، الآخذة بحاشيتي المجاز، التي رب قلائدها، وأبو فرائدها، وولي خرائدها، واحد أقرانه جلالة، وقريع دهره جزالة، ونسيج وحده أصالة، الكاتب الماهر، وبدر الصناعة الباهر، أبو فلان [ابقاه الله] ، فإنك جلوت [علي] من أبكاره كرائم، [وسقت إلي من نتائج أفكاره تمائم، وفتقت عن زاهر افتراره كمائم] ، وعرضت علي من توليد تفكيره، وبديع منثوره، وأنيق تحبيره، ما هو أحلى من لذة الكرى، وأشهى من درك الغنى، وأعبق من نفحات الأنوار، غب القطار، عند تبلج الأسحار.
وفي فصل من أخرى: ولما تعين علي وظيف المراجعة، بعد طول الممانعة، وشدة المدافعة، نثرت [له] كنائن اعتزازي، وشحذت أسنة أقلامي، وامتريت درة كلامي، فبعد لأي ما انقادت صعابه، وذللت ركابه، وتفتحت شعابه، وكتابي [أعزك الله] طورا يبسط يدي وطورا يقبضها، وتارة يرسلها وأخرى يعترضها، ومرة يقعدها وأخرى ينهضها، حياء من مقابلة بحرك بنطفي، ومحاسن ضيائك بسدفي، ومناطحة طبعك بكلفي، فأما الود، فمنتظم العقد، وأما العهد
стр. 1979
فمستحكم الشد، وأما الجد، فكرياض الورد.
وله من أخرى: وإذا كانت الأعلاق [النفيسة] الثمينة، والجواهر الرفيعة المصونة، يرغب في اقتنائها، ويتنافس في ادخارها واصطفائها، وهي أحجار جوامد، ومتملكات صوامت، فأخلق بأعلاق الشرف المجيد، وجواهر السؤدد التليد، أن تمتد اليها الأيدي والأعناق، وتستهديها الأقطار والآفاق، وتخالس اليها الأيام والليالي [٥٣ب] ولا يعتمد منها إلا الرفيع العالي؛ وعلق صفائك - أعزك الله - أرفع الأعلاق، كما أن عرق سنائك أكرم الأعراق، فقد انجذبت اليك انجذاب الراغب فيك، والحريص عليك، واستشعرت لك ودا قدمته، وعهدا أحكمته، وصفاء أخلصته، وإخاء أمحضته، علما أني أغرسه من تربك في ثرى ثري، وأطلعه من جوهرك في أفق صاح مضى، وإن كانت المواصلة قبل لم يمتد لها سبب، ولا انعقد لها مذهب، والمداخلة لم يفتح لها باب، ولا نازع إليها انجذاب، فقد تعاقبت عليك الأيام من نوائبها ومواهبها، ومساءاتها ومسراتها، وما وجبت مشاركتك فيه، وقد قدمت الرزية، فارتفعت التعزية، وأعقبت العطية، فلزمت التهنية، وأنا أسأل الله أن يهنيك كل سرور، ويجزي بمحابك المقدور.
وله من أخرى: لتتمثل - أعزك الله - منصفا مقامي، وتتخيل مسعفا خجلي واحتشامي، من لدن افتتحت كتابك [إلى] أن اختتمته، وابتدأته إلى أن أتممته، وقد رأيت في مباديه وانتهاءاته، واقتضيت
стр. 1980
من فصوله وغاياته، ما غمر وبهر، ورق وراق، وشق وشاق، من تواضع شريف، وتدان رفيع منيف، ووسمني بسماته، ووصفني بصفاته، وحلاني بحلاه، وأقحمني في علاه، وأثبت في ديوان الكتابة اسمي، وإن كانت الحقيقة لم تثبت فيه رسمي، ومن لي بالعصا في ميدانها، ولست من فرسانها، وكيف لي بتلك الصناعة، وأنا مزجى البضاعة -! كلا، فقد سبق ارتجاجي رهوك، وشأى اجتهادي عفوك، أيام كنت رخي البال، ناظرا إلى الدهر بعين استصغار، وان كنت أنت تخترع فأتبع، وتهيب فأجيب، فالآن إذ أخمدت الخطوب نار رويتي، وارتشفت النوائب ماء بداهتي، فما غادرت فيه شفاعة ولا علالة، ولا أسأرت فيه صبابة ولا بلالة، أرتخي أن أطيل فلا أمل، وأختصر فلا أقل -! هيهات! يأبى ذلك جفن أرق، وقلب محترق، وفكر ناب، وذكر كاب، ولو كنت ممن يبدئ ويعيد، ويحسن ويجيد، لما اغترفت إلا من بحرك، ولا نفثت إلا من سحرك، ولا أغرت إلا على نظمك ونثرك، فأنت قدرتي، وبك أسوتي، وإليك منهى روايتي، ومنك معظم درايتي.
ومن أخرى: إن استدللت - أعزك الله - أو أدللت أو انبسطت، فإخلاذ إلى جنب المقة، واعتمتد على ركن الوفاء والثقة، وانقياد لما تقدم من الذمام السالف، وتأكد من تالد الإخاء [٥٤أ] والطارف، والله يبقيك عينا للزمان، وعنوانا في صحيفة الإخوان.
стр. 1981
ومن أخرى خاطب بها أبا القاسم بن خيرون: وقفت على ما حددته من مقابلة السفرين المشتملين على فنون الآداب، وصناعة الكتاب، وطرق الخطاب، الجامعة لفصاحة الأعراب، ولباب اللباب، وبادرت إلى ذلك بدار من علم أنها نعمة سابغة منجتها، ووصلة وصلتها، لما في تأملها من الإشراف على طرق البلاغة والكتابة، وصناعة الترسيل والخطابة، مع ما يلزمني من حقك أقضية، وواجبك أتصرف فيه وأوفيه، إذ أنت صنو أبي مولاي - مد الله علي ظلكما، وكبت الباغي عليكما، والحاسد لكما - فكم يقرع سمعي من قول الحاسدين من خص أبي مولاي بمعاداة أهل الجهل، وحباه بمولاه أهل الفضل، ولا غرو فغير غريب ذلك من فعلهم بالعلماء، ولا ببديع من صنيع الدهماء، وقد قال الأول:
بيني وبين لئام الناس معتبة ... لا تنقضي وكرام الناس خلاني
إذا لقيت الأصل أبغضني ... وإن لقيت كريم الأصل حياني وقال آخر:
لقد زادني لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل
وأني شقي بالئام ولن ترى ... شقيا بهم إلا كريم الشمائل
стр. 1982
وهو في فصل منها: ومن العجائب العجيبة، والنوادر الغريبة، تحكك من ليس من شانه، ولا يجري في ميدانه، إلى مطالبته، ونصبه لمحاربته، بالإبراق وللإرعاد، والتهديد والايعاد، لا جرم أن يده أقصر، وخطبه أيسر، وهو أصغر وأحقر، فما ريع بذلك الوعيد، ولا رأسه لذلك التهديد، ولا أصبح سربه خائفا، ولا أمسى طائره واقعا، ولا طرفه خاشعا، ولا اضطرب به مستقر، ولا قال أين المفر، بل عد ذلك من دلائل سموه الواضحة، ومخايل علوة اللائحة، وتضاحك منه لاهيا، وأنشد:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
ومن أطرف ما جاءت به الأيام، وتحدثت به الأنام، مناواة جاهل خسيس، لإمام عادل رئيس، لقد استنت الفصال حتى القرعى، ولا تعجبن لجاهل علا، إن البغاث بأرضنا يستنسر، وما لتيس جبان، والجري مع العلماء في ميدان -! أوهمه نفسه إذ لقب [٥٤ب] بالفقيه، وذلك أقصى أمانيه، وهو من العلم، أبعد من النجم، ومن الجهل الشديد، أقرب من حبل الوريد، وكيف يجاري العلماء، ويسامي الكبراء، ويزاحم أهل العلم بالفروع والأصول، والعلة والمعلول -! وماذا
стр. 1983
عليه من العلم [المدار] ، بوثائق ابن العطار، وبعقد وثيقة وهو لا يعرف معانيها وفصولها، [ويطول وهو لا يميز حشوها وفصولها] ، إلى الله الشكوى في دثور العلم وتألب الجهلاء والغوغاء، وتألفهم على من بان فضله عليهم، حتى صاروا على الشر أعوانا، وإن لم يكونوا قبل إخوانا، خوفا على جهلهم أن يظهر، وينتشر من غباوتهم ما استتر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
وذو الجهل في الدنيا بذي الفضل مولع*
إن المقدم في حذق بصنعته أنى توجه منها فهو محسود
وليت لو كانوا من الأكفاء والأنداد، وموضعا لوداد، ومكانا للأقتصاد:
ولو إني بليت بهاشمي خؤولته بنو عبد المدان
صبرت على عداوته ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
اخرج يا دجال، فقد غلب المحال:
قوم إذا ما جنى جانيهم أمنوا للؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
وفي فصل منها: وإني ليبلغني ما يأتي به من هذيانه في النثور والموزون، وتخطيه إلى العرض المصون، والنيل من ذوي الفصل والدين، فأهم
стр. 1984
بمعارضته، ثم أمسك عنه لتفاهته ودناءته، وأذكر قول القائل:
نجا بك لؤمك منجى الذباب حمته مقاذيره أن ينالا
[وقوله] :
* ومن يعض الكلب إن عضا *
لو كنت من أحد يهجي هجوتهم يا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
وله من أخرى خاطب بها [الوزير] أبا المطرف بن الدباغ: مطالعتك - أعزك الله - منتظره، وصلتك مستمطرة، فلا تعتذر إلا من الإغباب، ولا تستكثر قليل ما تصل به من الكتاب، فأنا إلى أخبارك متطلع، ولآثار الصديق المخلص من النفس موقع، وقد علم علام الغيوب شغل بالي بك، واقتضائي الأيام لك، ما تقتضيه لنفسك وذاتك، من آمالك وإرادتك، وإنه ليعتريني حصر عند مجاوبتك، وخجل حين [٥٥!] مكاتبتك، من خلو كتابي إليك، من معنى تشد عليه يديك، وفائدة تعود بمسرة عليك، ولكن الأحوال لا تغرب ولا تغيب، وليس على الأيام عتب ولا تأنيب.
وفي فصل منها: وردني كتابك مشاركا لي بفضلك، في ما أظلم من
стр. 1985
بالك، واغتم من حالك، وتعذر من أمرك، وتأخر من إسعاد دهرك، كأنه نفثة المصدور، وسلوة الموتور، وتعلة الشاكس إلى أخيه، وراحة الباكي مع من يباكيه، وقد علم تعالى أن مساهمي لك في ذلك مساهمة من يخصه ما يخصك، ويمسه ما يمسك، ولكن ما يصنع مع الأيام إذا صمت عن الشكوى، وأبت من العتبى، والأقدار إذا لم ينته لها أمد ولا مدى -! وإن عذرك لواضح أن يضيق صدرك، ويعاصيك [في] بعض الأحيان صبرك، فقد ترى حظوظا أنت بها أحق، وغيرك اليها أسبق، وأحوالا أنت الجاري إلى غاياتها، وغيرك الجاني لثمراتها، إلا أنها الجدود لا تعجل عن آنائها، ولا تحفز في أناتها، وعندك من معرفة الأيام ما يسليك وينفعك، ومن الأدوات ما لا يهملك ولا يضيعك، وأنت في اقتبال سنك، وعنفوان أمرك، وحالك واعدة لك بأكثر مما نفسك، فلا تضجر [بفضلك] فالزمن بين يديك، وعدم الأمائل محوج إليك.
ومن أخرى إليه: إذا اتفق للمرء وفي يصادقه، وسرى يوافقه، وأديب يجاذبه أهداب الآداب، وأريب يناهيه لباب الألباب، فقد ظفر بالأخ الأسنى، وأفاض بالقدح المعلى، وراد من الأنس مرادا خصيبا، وفوق في أهداب المنى سهما مصيبا، فهي الضالة التي تنشد ولا توجد، والغريبة التي توصف ولا تعرف، وهو الاسم الواقع على غير مسمى، كعنقاء مغرب، وأرى أن قد ظفرت منك بذلك المطلوب الذي هو في
стр. 1986
حيز العدم، وتنسمت منك السجايا والشميم، واعتقدتك من الذخائر والعدد، واعتددتك لليوم والغد؛ ووصل كتابك الكريم وبحر القول فيه يزبد، وإنسان البيان منه يسجد، وطرف الاهتبال به يسهر، وطويل باع الشكر عنه يقصر.
وفي فصل من أخرى: قد يجزئ التميم عند عدم الماء، ويكفي التعلل من كمال الشفاء، وتلك حال كتابك الكريم الوارد، وجوابك الأثير الوافد، فإنه سد من الأنس مسدا وإن لم يكف، ونال من جلد الوجد منالا وان لم يشف، أما إنه ماء وان لم يبلغ أن يكون صداء، ومرعى وإن لم ينته أن يكون سعدانا، ورأيتك رحلت على أن المقام ثلاثا فطابت لك حتى [٥٥ب] أتممت عشرا، بل ما لأقمت إلا دهرا، فقد زدت على المثل، وتمليت مسافة الجذل، فهنيئا لك غير منغص، ومزيدا غير منتقص.
ومن أخرى: ورد كتابك فلحظت منه فجر البيان، وشجر الإحسان
стр. 1987
وثمار البديع المزرية، واستخفني باعجابه، واستفزني بإطرابه، فأشهد لو كان خلقا لكان إنسا، أو نورا لكان شمسا، أو روضا لكان حزنا، أو ماء لكان مزنا، وكلما سرحت فيه ناظري، وأجلت في أرجائه خاطري، رأيت الطبع البعيد كيف مواقع إبداعه، ومنتهى اختراعه.
ومن أخرى: قد سقط القول بيننا في الاعتقاد، وتعريفا من سنن التزيين فيه والاحشاد، فلا يحط من ورائه، ولا يريق بالإعادة من مائة، وجعلنا الضمائر - وكفى بها بيانا وتبيينا - لا تنفك محوطة، وبالكفاية منوطة، فلو استطعت لوضعت الذنب والجناح، وسقطت سقوط الندى قبيل الصباح، لا سيما وقد اتصل بي اعتلال طاف بك، أرق عيني، وقرب حيي، فما عرفته إلا بطارئ من أفقك، استوضحته عن خبرك، إلا أنه أنس بتصرفك واستقلالك، ثم تتابعت البشرى بطلوع الكريم خطابك، معلما بابلالك، فمضى الغمة، وقوى الهمة، وسكن القلب، وأزاح الكرب، وأشفقت أن لم تشاركني لوقت العارض، حتى من الله بالشفاء الفائض.
стр. 1988
فصول من كلامه في رسائل الشفاعات والوسائل
فصل من رقعة كتبها شافعا بابن حماد، أحد أفراد القواد: وقد سمت بي همتي التي هو بفضله اسماها، وأطال مداها، أن أقرع باب كرمه شافعا، وأستمطر سحاب نعمة راغبا، في إقالة عثرة عبد من عبيد الدولة، باخع بحق الطاعة، خاضع لعز القدرة، مات بسبب القرابة واللحمة، قد اتخذني سببا إلى علائه، وسلما إلى سمائه، إذ علم أني لدولته - خلدها الله - ولي، وبدر نعمته غذي، وفي كنفها ربي، ووثق أن مثلي من دعاته في القطر الشاسع، وأشياعه في البلد النازح، لا يرد إذا رغب، ولا يصد إذا طلب، ولا يحرم إذا شفع، ولا يحجب إذا قرع، لا سيما وهو طالب عفو مذنب، ورضى عن معتب، والعفو أقرب للتقوى، والصفح أدنى إلى الزلفى، ولمقيل العثرات عند الله جزاء الحسنى.
وفي فصل منها: وقد كنت قدمت في شانه من الرغبة ما يقتضيه، [٥٦أ] فأعلمت أن شدة الموجدة عليه سدت عنه باب رغبتي فيه
стр. 1989
فسلمت بسياسة الدولة التي منها يستملي الدهر إذا أملى حكما، وعنها يقتبس الزمان إذا ارتأى عزما، وعلمت أن لكل أجل كتابا، ولكل أمد حسابا، ثم لم أيأس من عطفات الملك الأجل إذ كان كرمه اكرم شافع إليه، وانجح وسيلة لديه، يناجيه بلسان الشفاعة، ويلم بين يديه بساط الضراعة.
وقد علم أن فلانا المذكور سهم من سهام تلك الدولة على أعدائها، وسيف مسلول دون من يليها من نواحيها وأرجائها، ويقارع من ضادها، ويعاند من حادها، وفي الإبقاء على جمهور من المسلمين كثير، وإحياء من الأرضين كبير، وتأمين سبل مخوفة مقطوعة، ورعية ضعيفة مروعة، وتحقن الدماء في أهبها، وتمنع الدهماء، من كلبها، ويرد على العيون كراها، ويزجى إلى النفوس مناها، [وفلان المذكور عند سيدنا يد قد دميت بسوارها، وصليت من شمس علائها بأوارها، فهو فرع من دولته المنيفة، وواحد من جملته الشريفة وعسى أن يكون العذاب قد انتهى، والملك الأجل قد استبقى] ؛ ولو أمكنني أن أخوض البحر إليه، وأمثل راغبا بين يديه، لفعلت، وكان ضمانا على كرمه ألا أرجع [عنه] صفر اليدين، ولا أنقلب بخفي حنين، فليمثلني - خلد الله ملكه - واطمئا للبساط، سائلا في السماط، قد أطلقت
стр. 1990
لسان الرغبة، وأدللت بذمام الولاية والمحبة، وإن كنت لم أسع في ذلك، إلى هناك، بقدمي، فقد سعت آمالي وهممي، وعرف الجميع، أني الراغب الشفيع، فالعيون ناظرة، والآذان مصيخة، والأعناق متطلعة، والنفوس متشوقة، إلى ما يكون من الملك الجليل، من الفعل الجميل، من مقابلة شفاعتي - إن شاء الله - بالقبول.
وفي فصل من أخرى: من حكم شيمك - أيدك الله - الحالية، وديدن هممك العالية، أن توجب للراغب، وتنعم قبل عزيمة الطالب، واسعف من غير شفاعة ولا مسألة، وتلتزم الحق من غير ذمام ولا صلة، فكيف بك إذا توسل بذمة محبة متوسل، وتوصل بحرمة قرابة متوصل، وضرع من عبيد اصطناعك ضارع، وشفع من صدور أودائك شافع، هنالك لا محالة يوري زاده من غير قدح، ويفضي جده إلى نجح، وينتهي سراه المحمود إلى أبين صبح، ويحوز الشافع جمال القبول، ويفوز المستشفع بثمرة المأمول؛ وفلان من أصحابي [الأخصين] الأخلصين، ومن أشياعك الأودين الأجدين، وكما نحن في أحوالنا كلها مشتركان، كذلك نشترك فيه شرك عنان، فلي شخصه وقربه، ولك
стр. 1991
ضميره وقلبه، وإن لزوتني رعايته من وجه [٥٦ب] فهي لك من وجوه ألزم، إذ حالك معه أقدم، وأنت أرعى وأكرم.
وذكر أنه يخاصم بعض بني عمه -[كثره الله]- وكان الضلع في خصومته عليه، وإن كان الحق في يديه، لأسباب دنياوية، لا لتوجه حكم [ولا] قضية، ورغبته الموصلة برغبتي، المؤيدة بشفاعتي، أن يكون له منك جانب يرقى منه إلى مستعصب مطالبه، ويدرأ منه في نحر مطالبه، ويعيد الشهود عليه شهودا له، والمتألبين عليه إلبا معه، وإذا شد زنده حسن رأيك في يده، ضرب بنصل يقطع الهام في غمده، وسرى بسراج يضيء له مبهم قصده، فإن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.
وفي فصل من أخرى: عبد سيدنا - أدام الله عزه - قد تحيفت الأيام قواه، وتخونت الحادثات عراه، وقربت الثمانون خطاه، فاختلج بنانه حتى كأنه لم يتعلق من الكتابة بأطناب الإطناب، ولا تصرف من البلاغة في سهوب الإسهاب، ولا عد في الدواوين من صدور الكتاب؛ والحضرة الجليلة تنعم باستماع بثه، واغتفار رثه، جريا على الكرم
стр. 1992
المعروف، وسعيا إلى الفضل المألوف؛ وعبده يخدم البساط بالتقبيل، ويسأل أن ينزله منزلة القبول، مهتبلا، مجملا، إن شاء الله.
[وله من أخرى: كيف لا أتحكم - أيدك الله، وأوصلك إلى ما ترضاه - على سيادتك تحكم المدل، وأتقدم في ذلك تقدم المنبسط المسترسل، وقد مهدت لي جانب الإفضال، وأمنت سربي قديما وحديثا من الإملال والاخجال، فإن انسطت فبحق، وإن شفعت فبضمان صدق] .
[ومن أخرى: إذا استحكمت المقة، وتمكنت الثقة، وخلص الصفاء من كل شوب، وسلم الإخاء من كل عيب، ارتفعت أسباب التحفظ والترقب، وعصيت دواعي الانقباض والتهيب، واسترسل المرء راغبا في كل ما عن له، وانبسط شافعا لكل من اتصل به، وذلك عندي - أبقاك الله - رسمي في تواتر من كتبي، في من له به لديك عناية وإكرام، وله إلي وصلة وذمام] .
[ومن أخرى: تلزمني - أيد الله مولاي - علائق لو وقف منها على السر، لتجلى له وجه العذر، من هز فضله في شأن فلان مملوكه وحبيسه بره، ليعطف عليه عطفه الماجد، ويحنو عليه حنو الوالد، على فراخ كزغب القطا، وعيال ليس منهن إلا المفجعة الحرى، دموعها تنهل كالسحاب، وضلوعها تلتهب بنار الاكتئاب، قد شملهم الفرار، ونبا بهم القرار، وعوضوا بالبؤس من النعيم، وأديلوا بالحزن من السرور المقيم، كأتما يتكحلون بالسهاد، وينامون على شوك القتاد] .
стр. 1993
[وأنا أمد إلى مولاي يد الضراعة، وأسأله إن لم يستوجب المذكور الرعاية لنفسه، فليرعه لأصله ومغرسه، وان لم يرق لذاته، فليرق لبنيه وبناته، وأهله وعوراته، وأذكره كلمة المأمون: لو علم الناس حرصنا على العفو لتوصلوا إلينا بالذنوب؛ وقوله: إني لأتلذ بالعفو حتى أخشى أن لا أؤجر عليه. وكان الحجاج قد استأصل بالقتل أسرى ابن الأشعث حتى انتهى إلى فتى منهم فقال: أيها الأمير: لئن أسأنا في الذنوب ما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا -! وأمسك عن القتل مع قساوته، وحقنت عنده هذه الكلمة الدم، وتغمدت الاساءة والجرم. ومولاي بصحة فطرته، وتوقد فكرته، وذكاء فهمه، واتساع حلمه، أحد من اتبع كريم الآثار، وشيد مباني الفخار، ولم أذكره على طريق الحجة، لكن على وجه الذكرى التي هي في الأكرمين ناجعة، وفي المؤمنين نافعة، كما قال الجليل، في التنزيل، (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) (الذاريات ٥٥) ] .
ومن كلامه في ذكر التهنئة وإقامة رسم الهدية.
فصل له من جواب: ورد كتابك ففضضت ختمه عن رياض تفتحت عن أزاهر كلمك، ونشرت طيه عن جواهر حكمك، ولحظته
стр. 1994
بعين التدبر لمعانيه، وجميع ما ضمنته فيه، فوجدته قد أخذ بطرفي الآداب، واكتست عليه حلة الإيجاز والاسهاب، فاطردت مياه البراعة من فروع منثوره، وعبق نسيم البلاغة من مسكه وكافوره، وقابلتني منه أوجه من البر جميلة، فأردت ترك مفارضتك، نكولا عن مبارزتك، وذهبت إلى العدول عنها كلالا عن مناجزتك، وأنى بمناضلتك وقدحك الفائز، وكيف بمجاراتك وشأوي العاجز، تالله لولا مخافة العقوق، وترك واجبات الحقوق، لأضربت عن مجاوبتك تقصيرا، ولو شمرت عن ساعد ذهني تشميرا.
ووصل معه الغزال الأهيف، وكأن عينيه عينا وسنان مالت به نشوة الراح، وثنى عطفه هزة الارتياح، كأنما كحلا سحرا، وأشربا خمرا، ينظر بهما نظر المريب، ويعرض إعراض الحبيب، بجيد أتلع، [٥٧أ] ومنظر أروع، وكأن قرنيه قلمان، وكأن أذنيه جلمان، ينصبهما إذا أوجس، ويثنيهما إذا أنس، وكأنما كسي أيطلاه حلة الشفق، وطرزت بسواد الغسق، يتوحش في الإنس، ويأنس في الكنس، عدوانه رياح، ومثواه قراح، تخاله سهما إذا انصاع، ومعشوقا أشعر برقيب فارتاع، يزداد جماله إذا نفر، وتروق محاسنه إذا ذعر:
كاد يحكي غزالة الإنس لولا رقة في الشوى وقرن علاه
стр. 1995
أنا أهواه لا لشيء ولكن كلفا بالفتى الذي أهداه
وقرنت إلى هذه الهدية الرائقة، والمنحة الفائقة، شطرنجا صغيرا كأن اقليدس قسم أجزاءه، ورقق أشكاله وأنحاءه، يحار في لطيف صنعه الوهم، ويضل في كيفيته الفهم، قد قسم قسمين: قسم أحمر، وقسم كأنه من ناصع الجوهر، تتقابل خيله بلا فرسان، وتنقاد بلا عنان، في أرض مربعة الأقطار، تثير سنابكها العثار، وكأن الرخ إذا برز للمصاع، وأشهر العرصة للقراع، بطل تتقى حملته، ولا تؤمن جولته، يهوي هوي الصقر في الجو، ويصول صولة الأسد في الو، إذا حمل على صف قسمه، وإذا ضرب قرنا قصمه، يكمن فيله كمون الكمي، ويبرز بروز القسور الجري، يرتصد الفرصة، وينتهز الغرة، وكأنما الفرزن إذا جال متبخترا، أو مشى متكبرا، ثمل يترنح، أو سكران يتزحزح، فإذا شد عقده بالبيذق، فإنه مركز دائرة الفيلق، وكأنما الشاه كسرى حفت به مرازبه، أو بدر أحاطت بفلكه كواكبه، هي به قطب كواكب الجوزاء وعليها تدور الدوائر، وقلب الكتيبة وعليها تقتتل العساكر، وكأن الرجل رجل جراد تريش
стр. 1996
سهام الحرب، وتقدح نار الطعن والضرب، تبرز إلى المقاتلة بلا سلاح، ويصرع بعضها بعضا بلا جراح، قد اكتفت عن الصوارم بصرامتها، وعن السابغات بصلابتها:
جيشان يقتتلان لا لعداوة ... أبدا ويصطلحان لا لوداد
أهداه سعد الدولة الندب الذي ... جمعت محبته عرى الأكباد وله من أخرى جمع فيها بين التهنية والتعزية: أحوال الدنيا - أعزك الله - مبنية على التداول والتعاقب، ومساءاتها ومسراتها جارية مجرى التبادل والتقارب، فمن عبرة تفضي إلى عبرة، ومن مساءة تعقب بمسرة، ومن محنة تفتر عن منحة، ومن ترحة تقلع عن فرحة، ولله تعالى في جميع الأحوال المختلفة، والأقدار المتصرفة، حقوق من الصبر على السراء [٥٧ ب] والضراء، وعلى الأولياء المختصين فروض من المشاركة والمظاهرة في كل ما ناب من حزن، وثاب من حسن، قد جرت بها العوائد، واستوى فيها الغائب والشاهد، فتلك ترعى بالدعاء والتهنية، وهذه تتلقى باطراء والتعزية. والله يجعل أيام مسراتك الأكثر إسعادا، وأوقات تهنئاتك الأوفر أعدادا.
وأنهي إلي من تقليدك العهد، وامضائك العقد، للناصر [سيدي] وأسنى عددي أبقاه الله]- على بلنسية - عمرها الله بدوام عزك، وحماها باتصال نصرك - مكان المعتصم ﵀ فقلت: ملك تردد في عنصر، وخاتم تنقل من خنصر إلى خنصر، وقد سددت - أيدك
стр. 1997
الله - ثلما، وشفيت كلما، وسمعت الخطوب رغما، وأوسعتها هما.
ومن أخرى: أطال الله بقاء الوزير الأوحد، الخطير الأمجد، مسرورا بسمو الأحوال والرتب، معصوما من طوارق الأحداث والنوب. إذا تقادمت الذرائع والوسائل، وتناصرت الطبائع والشمائل، كان للود مع ذلك وفور ونماء، ولكرم العهد ظهور وبهاء.
وفي فصل منها: وكيف لا أدخل إلى رضاه من كل باب، ولا أفترس من عداة بكل ظفر وناب، وأطير من السرو، لما تهيأ له من الظهور، بكل جناح، وأتقدم إلى الفخار، بما يبلغه من الأوطار، بغير جناح، وهو ركني الذي يقيم ظهري، ويرد عني صرف دهري، ومعه هواي، الذي يعضد ديني ودنياي، ويدني إلي أملي ومناي؛ أسأل الله تعالى أن يبقيه للوزارة زينا وفخرا، وللرياسة ركنا وذخرا، وللدين عزا وجلالا، وللملك زينا وجمالا.
ولما طلع البشير علي بتصيير الوزارة اليه، ودور رحى الخلافة عليه، جددت لله تعالى حمدا وشكرا، ولنعمه الجزيلة ذكرا ونشرا، وأخذتني هزة الجذل والارتياح، وأسفر لي وجه الأمل والاقتراح، فانتشيت من فرح وطرب، ونيل مراد وأرب، ودعوت الله أن يجعلها ولاية، تبلغ من السعد نهاية، وتضاعفت للدين حماية؛ وقد تعين علي أن أهنئ بالوزارة بل هي المهناة بمصيرها اليه، وظهور رسمها عليه، فهو المعدل لحدودها وسيرها، المحسن لوجودها وصورها، المبين لحجرها وغررها
стр. 1998
لا زال سيدنا زينا للدول والممالك، ونورا في المواطن والمسالك، وفخرا لأهل المشارق والمغرب، وقبلة لذوي الحاجات [٥٨أ] والمآرب.
ومن رسائله في التعازي
فصل له من رقعة: يا سيدي، ومن لا زال جأشه ساكنا، وحرمه آمنا، وباله ناعما، وأنف من عاداه راغما، بودي [أعزك الله] لو خاطبتك بالتهنية لا بالتعزية، وشاركتك بالعطية لا بالرزية، ولكنها الأيام تحلي وتمر، والأقدار تسوء وتسر، والرزايا تتطرف وتتحيف، والمنايا تستدرج وتتخطف؛ واتصل بي وفاة الوالدة [المرجو لك دعوتها، المبلوة بركتها] فساءني يعلم الله أن يطرق خطب حماك، ويطأ رزء ذراك، مشاركة لك في المهم، ووقوعا معك تحت الحادث الملم، إلا أني أرجو أن تشد له عزائم عزائك، وتحمله على كبد احتمالك، وتقلب إليه مجن اصطبارك، وتذكي علبه قبس اعتبارك، فتعلم كثرته وجموحه، وتذكر شموله وعمومه، وتستشعر أنه عرف لا نكر، وعوان لا بكر، فتتأسى بكثرة الباكين، على الهالكين، وتتعزى بسرعة اللاحقين، على السابقين. والنساء كيف كانت مراتبهن، والحرم وإن جلت منزلتهن
стр. 1999
لم يغلق عليهن كأبواب التراب، ولم يسدل دونهن كستور القبور، ورب أم مبرورة، وأخت كبيرة، قد نزعت منزعا من الصيانة، وذهبت مذهبا من مباح الديانة، ود ابنتها وأخوها قبل ذلك لو طواها كفن، وواراها جنن، فتقدمهن أصون لهن، وأولى بهن.
وفي فصل من أخرى: كتبت عن قلب يقشعر، ونفس بين ضلوعها لا تستقر، لخبر الرزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم، بوفاة [الحاجب عز الدولة سيدي] ، كان، لقاه الله الرضوان، وألحفه العفو والغفران، محتضرا في أول الكمال، مخترطا عند الاقبال، مبادرا قبل الإبدار، معاجلا بالسرار، في عنفوان الإقمار، فيا لها حسرة ما أنكاها للنفوس، وجمرة ما أذكاها في القلوب، وروعة ما أفتها في الأعضاء، ولوعة ما أحرها على الأكباد، لكنه أمر يعم ولا يخص، كل نفس لها جارع، وفيها كارع، فمن مبتدر يعاجل، ومنظر يناول:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا ... أقمنا قليلا بعدهم وتقدموا وأنت أعلم بالأيام وصروفها، والأرزاء وصنوفها، والأنفس ومآلها، والأجسام واضمحلالها، والعواري وارتجاعها، والمنائح ومقادير إمتناعها، من أن يغلبك الجزع والتهالك، وينزع بك الجلد والتماسك، فأنت بالأزمان خبير، وبالأحوال بصير، وباستعمال ما في ذكرك من أمثال التأسي [٥٨ ب] ومواعظ التعزي جدير، ومثلك أعد للأمور أقرانها
стр. 2000
وحمل على النفوس أحزانها، ولم يغرب الدهر عليه ببدع من نوائبه، ولم يفجعه بما لم يحسبه من مصائبه، ولم يتجاوز دمع العين حزن القلب، إلى إحباط الأجر وإسخاط الرب؛ وإن كان الله قد سلب بعدله، فقد وهب بفضله، وإن كان أخذ فقد أعطى، وإن كان اخترم فقد أبقى، وبهذا صدع عروة بن الزبير ﵁ عندما مني به في أحد أبنائه، وبعض أعضائه، والله يمتعك بالباقي الراهن، وينفعك بالثاوي الظاعن، ويجعل هذه الرزية منهى بلواك، وآخر رزاياك، وييسرك للتسليم والاحتساب، ويحفظ عليك ما عرضك به من مذخور الثواب، وإن كان قد جرى هذا الأمر، على خلاف حكم الدهر، في تقدم الأسلاف على الأخلاف، فصنع الله لك أجمل، وصنعه في بقائك أعدل، لغنائك عن المسلمين، ومكانك للدنيا والدين، فالملم ببقائك مغتفر، والمهم وإن جل محتقر.
وذكرت أنه خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فقد وقع أجره على الله، وفاز بكرامة الله، وإذا فاز بالسعادة والشهادة وهو فرطك وشافعك، فهو لا محالة مغتبطك ونافعك؛ وقد أخذت بحظى من هذه الحادثة الشنعاء، والداهية الدهياء، في من تستقبل له أحوال، وتناط به آمال ويعد في أكابر العدد، وفي دخله الصديق والولد، والآخر (-) إشفاقا عليك من مضطر فقده، وتصور شديد اكتئابك من بعده، فمثل هذا في مثله لم يكد للمصاب به صدر، ولا يثبت للصدمة الاجاجية صبر، فإن جزع الجازع فالعذر واضح، وإن صبر المصاب فالأجر راجح
следующие страницы →