Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
ذو الوزارتين الكاتب أبو عبد الله
ابن أبي الخصال أعزه الله
حامل لواء النباهة، بالروية والبداهة، مع منظر ووقار، وشيم كصفو العقار، ومقول أمضى من ذي الفقار، وله أدب بحره يزجر، ومذهب يباهي به ويفخر، وهو وان كان خامل المنشأ نازله، لم ينزله منازله، ولا فرع للعلاء هضابا، ولا ارتشف للسناء رضابا، فقد تميز بنفسه، وتحيز من جنسه، والذي ألحقه بالمجدن وأوقفه بالمكان النجد، ذكاء طبع عليه طبعه، ونجم في تربة النباهة غربه ونبعه، وتعلق بأبي يحيى بن محمد بن الحاج، وهو خامل الذكر، عاطل الفكر، فملك قياد مأموله، وهب من مرقد خموله، وقدح استعماله زناد ذكائه، وأبدى شعاع ذكائه، ولم يزل عاثرا معه ومستقلا، ومثريا حينا وحينا مقلا، إلى أن تورطوا [في] تلك الفتنة التي ألقحوا حائلها، وما لمحوا مخايلها، وطمعوا أن يغتالوا ملكا معصوما، وأبرموا من كيدهم ما غدا بيد القدر مفصوما، وفي أثناء بغيهم، وخلال جريهم الوبيل وسعيهم، كانت ترد عليهم من قبله كتب تحل ما ربطوه، وتروعهم مما تأبطوه: ورد عليهم كتاب في أحد الأحيان راعهم، وأنساهم جلادهم وقراعهم، وهو بمجلس أنس، فاستدعي للمراجعة عن فصوله، والمعارضة لفروعه وأصوله، فأبان عن الغرض، وخلص جوهره من كل عرض، وأبدع في إحكامه، وبرع في قضاياه وأحكامه، فحمل أبا يحيى بن محمد استحسان
стр. 2557
ما كتبه، أن خططه للحين ولقبه، والمدام لرأيه الفائل مالكه، ولعقله في طرق الخبال سالكه، فلم يعمل فيها فكرا، ولم يتأمل أعرافا أتى أو نكرا، فجرت عليه لقبا، واعتله من الاشتهار مرقبا، وصار نرتسما في العلية، متسما بتلك الحلية، وما تزال الدول تستدنيه نائيا، وتنئيه دانيا، فلا أجعله مجنيا عليه ولا جانيا، فما بيده رفع شومه، ولا محو رسومه. وقد أثبت له ما تجتليه فتستحليه، وتلمحه فتستملحه، فمن ذلك قوله في مغن زار، بعدها شحط المزار [٢١٤ب] :
وافى وقد عظمت علي ذنوبه في غيبة قبحت بها آثاره
فمحا إساءته بها إحسانه وأستغفرت لذنوبه أوتاره
وله:
يا حبذا ليلة لنا سلفت اغرت بنفسي الهوى وقد عرفت
زارت بظلمائها المدام فكم نرجسة من بنفسج قطفت
وله يعتذر من استبطاء المكاتبة:
ألم تعلموا والقلب رهن لديكم يخبركم عني بمضمره بعدي
ولو قبلتني الحادثات مكانكم لأنهبتها فكري وأوطأتها خدي
ألم تعلموا أني وأهلي وواحدي فداء ولا أرضى بتفدية وحدي
стр. 2558
كتب الكاتب أبو نصر إلى أبي يحيى بن محمد بن الحاج، سقى الله مصرعه، وأورده منهل العفو ومشرعه:
أكعبة علياء وهضبة سؤدد وروضة مجد بالمفاخر تقطر
هنيئا لملك زان نورك أفقه وفي صفحتيه من مضائك أسطر
وإني لخفاق الجناحين كلما سرى لك ذكر أو نسيم معطر
وقد كان واش هاجنا لتهاجر فبت وأحشائي جوى تتفطر
فهل لك في ود ذوى لك ظاهرا وباطنه يندى صفاء ويقطر
ولست بعلق بيع بخسا وانني لأرفع أعلاق الزمان وأخطر
فراجعه:
ثنيت أبا نصر عناني وربما ثنت عزمه الشهم المصمم أسطر
ونالت هوى ما لم تكن لتناله سيوف مواض أو قنا متأطر
وما أنا إلا ذو عرفت وإنما بطرت ودادي والمودة تبطر
نظرت بعين لو نظرت بغيرها أصبت وجفن الرأي وسنان
وقدما بذلت الود والحب فطرة وما الحب إلا ما يخص ويفطر
في ذكر الكاتب
أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال [٢١٥/أ]
أحد أعيان كتاب الزمان، وحامل جملة الإحسان، بحر معرفة لا تعبره السفن، ولو جرت بشهوتها الرياح، وطود علم لا ترقى
стр. 2559
إليه الفطن، ولو سما بها الإمساء والإصباح، وأدب لا تعبر عنه الألسن، ولو أمدتها الأوتار الفصاح، إلى طول باع، ورقة طباع.
نجم بأفقه من بلد شقورى فأسكت القائلين، واستوفى غاية المحسنين، وهواليوم بحيث لا تشير الأصابع إلا إليه، ولا تنطوي الأضالع إلا عليه، وله بيان لا يتعاطاه ناظم ولا ناثر، وإحسان لا يبلغ مداه أول ولا آخر؛ وقد أثبت من كلامه مما نقلت من خطه الذي خاطبني به، ما يدل على نبله وأدبه.
فصول من نثره
كنت قد انفردت لتحرير هذه النسخة من هذ المجموع في شهور سنة ثلاث وخمسمائة، فلما انتهيت إلى نقل ما كان وقع إلي من ترسيل
стр. 2560
كتاب هذا الجانب الشرقي من الأندلس، لم أقع لهذا الرجل على كلام في نثار ولا نظام، فكاتبه الإخوان في ذلك، ونشطني أيضا على مخاطبته هنالك، فوردت عليه الرقعتان وهو مجتاز على حضرة اشبيلية في جملة أهل العسكر، فراجعه في كتاب طويل، قال فيه في بعض الفصول:
الحذر - أعزك الله - يؤتى من الثقة، والحبيب يؤذى من المقة، وقد كنت أرضى من ودك، وهو الصبح، بلمحة، وأقنع من ثنائك، وهو المسك، بنفحة، فما زلت تعرضني للإمتحان، وتطالبني بالبيان، وتأخذني بالبرهان، وأنا بنفسي أعلم، ولمقداري أحوط وأحزم، والمعيدي يسمع به ولا يرى، وإن وردت أخباره تترى، فشخصه مقتحم مزدرى، لا سيما ممن لا يجلي عن نفسه ناطقا، ولا يبرز سابقا، فتركه والظنون ترجمه، والقال والقيل يقسمه، والأوهام تلحه وتحرمه، وتحييه وتخترمه، أولى به من كشف القناع، والتخلف عن منزلة الاقناع؛ وفي الوقت من فرسان هذا الشان، وأذمار هذا المضمار
стр. 2561
وقطا هذه المناهل، وهداة تلك المجاهل، [من] تحسد فقرة الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزاهير فملقاة في رباها، ولو حلت عن المسك حباها، أو صيغت من الشمس حلاها، فهي تنظر من الوجد يكل عين شكوى لا تكرى، وإذا كانت أنفاس هؤلاء الأفراد مبثوثة، وبدائعهم [٢١٥ب] منثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت نتردما، واستبقت لمتأخر متقدما، فعندها يقف الاختيار، وبها يقنع المختار. وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيهن عن سقط من المتاع، قليل الإمتناع، ثقيل روح السرد، مهلك صر البرد. وهبه قد استسهل استلحاقه، وطامن له أخلاقه، أتراني أعطي الكاشحين في إثباته يدا، وأترك عقلي لهم سدى -! ما إخالك ترضاها لي من الود خطة خسف، ومهواة حتف، لا يستقل عاثرها، ولا يستجد داثرها، ولا يستقيل غبينها، ولا يبل طعينها؛ وقد كنت حرصت حين عرض علي صدر هذا التأليف - حيث عرض - على التماحه، واجتلاء غرره وأوضاحه، وما غربي إلا وعدك، ولا استجرني
стр. 2562
إلا عهدك، وغرضي في تصفحه أن أجد قدوة، وأصادف أسوة، فأنزل عن حذري، وأرجح بين مغيبي ومحضري، وأقع على ألافين وأجاور في التخلف أحلافي، فلم يتمم لي وعدك إنجازا، ولا وجدت لفرصتك انتهازا، بل انقلبت الحقيقة مجازا، والهوادي أعجازا، ولم نحل بطائل، وصرنا تحت قول القائل:
ترك الزيارة وهي ممكنة وأتلك من مصر على جمل
وفي فصل: وأنت المفتتح للصلة، المولي للمنة المشتملة، وان رسولك لوافى بكتابك الخطير، والشمس واجبة سقوط منازع، وحياة الذي يقضي حشاشة نازع، والبيت قد غص بما فيه، وضاق لفظه عن معانيه، والشغل مساهم بل مشاطر، [والخاطر لا طالع ولا خاطر] ، يصور فكري إليه، ويخلع فقري عليه، إلا صبابة لا ترد صبابة، ورسيسا لا يشفي نسيسا، فدونكه واهن الدعائمن واهي العزائم، يتبرأ تابعه من متبعه، ويفر سامعه من مسمعه، ولولا أن الجواب فرض لاعتذرت واقتصرت، لكن أوثر حقك وإن أبقى علي دركا، وبوأني دركان وقد راجعتته [أيضا]- أعزه الله - بشريطة كتمانه وستره، انقيادا لأمره، وتصديا إلى عقوقه ببره.
وأجابني أيضا برقعة قال فيها: وصل من السيد المسترق، والمالك
стр. 2563
المستحق - وصل الله أنعمه لديه، كما قصر الفضل عليه - كتابه البليغ، واستدراجه المريغ، فلولا أن يصلد زند اقتداحه، ويرتد طرف افتتاحه، وتنقبض [٢١٦أ] يد انبساطه، وتغبن صفقة اغتباطه، للزمت معه مركز قدري، وضن بسره صدري، لكنه بنفثة سحره يسمع الصم، ويستنزل العصم، ويقتاد الصعب فيصحب، ويستدر الضجور فتحلب، ولما فجأني ابتداؤه، وقرع سمعي نداؤه، فزعت إلى الفكر، وخفق القلب الأمن والحذر، فطارت من الفقر أوابد قفر، وشوارد عفر، تغبر في [وجوه] سوابقها، ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولاحقها، فعلمت أنها الإهابة والمهابة، والإصابة والاسترابة، حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر، إلا زبرجا يعقب جوادا، وبهرجا لا يحتمل انتقادا، وأنى لمثلي والقريحة مرجاة، والبضاعة مزجاة، ببراعة الخطاب، وبزاعة الكتاب، ولولا دروس معالم البيان، واستيلاء العفاء على هذا الشان، لما فاز لمثلي فيه قدح، ولا تحصل [لي] في سوقه ربح، ولكنه جو خال، ومضمار جهال.
وفي فصل منها: وأنا أربا - أعزك الله - بقدر " الذخيرة "، عن هذه النتف الأخيرة، و [أرى] أنها قد بلغت مداها، واستوفت حلاها، وإنما أخشى القدح في اختيارك، والاخلال بمختارك، وعلى ذلك فوالله ما من عادتي أن أثبت ما أكتب في رسم ينقل، ولا في وضع المراتب عندنا مخاطب نتحفز له ونحتفل، وإنما هو عفو فكر، ونشر ذكر؛
стр. 2564
وقد وجهت من المنظوم طيها ما حضر، وعذري إليك - أعزك الله - في أني خططت والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بالسراج، ويصول عليه صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا، وتارة تحركه لسانا، وىونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤابة، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب، أو حمة عقرب، وتقوسه حاجب فتاة ذات غمرات، وتتسلط على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتخلفه نجما، وترده رجما، وتستل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد، ومشقته حروف برق، بكف ودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلاحظ منه للعين، ولا هداية في الطرس لليدين، والليل زنجي الأديم، تبري النجوم، قد جلنا ساجة، وأغرقتنا أمواجه، فلا مجال للحظة، ولا تعارف إلا بلفظة، ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، أو خضبت به الشبيبة لما نصلت، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه [٢١٦ب] وأنكر البيت وطنبه، والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الحباب، وجلده الجليد، وضربه الضريب، وصعد أنفاسه الصعيد، فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح، والنار كالصديق أو كالرحيق، كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب.
استوفي يا معتمدي هذا الفصل، ولك في الاغضاء الفصل.
стр. 2565
وهذه أيضا المقطوعات التي وجه بها إلي من شعره
قال يصف ليلة أنس مع احد ظباء بني مروان:
وليلة عنبرية الأفق رويت فيها السرور من طرق
وكنت حران فاقتدحت بها نارا من الراح بردت حرقي
حلت بنا عاطلا وقد لبست غلالا فصلت من الحدق
فجاءها الدهر من بنيه هوى بفتية كالصباح في نسق
قامت لنا في المقام أوجههم وراحهم بالنجوم والشفق
وأطلع البدر من ذرى غصن تهفو عليه القلوب كالورق
من عبد شمس بداسناه وهل ذا البدر إلا لذلك الأفق
مد بحمراء من مدامته بيضاء كفا مسكية العبق
فخلتها وردة منعمة تحمل من سوسن على طبق
يشرب بالراح حين أشربها ما غادرت مقتلتاه من رمق
وقال أيضا فيها:
يا حبذا ليلة لنا سلفت أغرت بنفسي الهوى وقد عرفت
стр. 2566
دارت بظلمائها المدام فكم نرجسة من بنفسج قطفت
ثم انطوى [ثوبها] ومن أسف أن صرفت لوعتي وما انصرفت
وقال في ضدها:
بعدت ليلة تولت ذميمة لم تنفق فيض ديمة بعد ديمه
ليلة لة تقدمت لاستحقت شهرة الذكر قبل يوم حليمة
غسلت لمتي بصبح مشيب ومحت ليلة علي كريمه [٢١٧أ]
وورائي من الخضاب قصير وهي زباء والشباب جذيمة
وأرى أبا بكر بن بقي ألم بهذا الغرض في قطعة له كتب بها إلى أحد إخوانه:
نحن كنا في التصافي مثل ندماني جذيمه
فأتى بالصرم يوم دونه يوم حليمة
وتعاطينا التقاضي أينا أقوى شكيمة
تقدح الأيام حتى في المودات القديمة
وقال يعتذر من انفصال صديق دون وداع:
يا روضة بعدت بها أيدي النوى ضن الزمان بنظرة أزدادها
فتركتها والحسن ملء نواظري ثم انثنيت بخاطري أرتادها
أردد إذا هب النسيم فإنه بتحيتي ومودتي يعتادها
وقال يصف٤ نار فحم:
стр. 2567
أما ترى النار وهي راقصة تنفض أردانها من الطرب
تضحك من أبنوسها عجبا إذ حولت عينة إلى الذهب
وقال يصف كأسا صنوبرية الشكل من عنبر، منجمة بذهب، وفيها المدام:
وكأس من الليل مخلوقة تبدت من التبر فيها نجوم
تضن باطنها قهوة إذا مرد الهم فضت رجوم
وقال في كأس غدر:
وكأس من الغدر مخلوقة ولكنها للأمير الوفي
إذا [ما] تظمنها كاشح تبين من سره ما خفي
قفا في المدام على وده ولا تنشداني قفا أو قفي
وقال في رواقص قباح [الوجوه] :
جاء علي بملهيات للهم والقبح جامعات
لم يلتفت ناظري إليها إلا تذكرت سيئاتي [٢١٧]
وقال فيهن وبينهن واحدة أشبه [منهن] :
وليلة طولها علي سنة بات بها الجفن نادبا وسنة
بأربع بينهن واحدة كسيئات وبينها حسنة
стр. 2568
وقال في مسمع محسن أغب ثم زار:
وافى وقد عظمت علي ذنوبه في غيبة قبحت بها آثاره
فمحا إساءته بنا إحسانه واستغفرت لذنوبه أةتاره
وقال في مطيب ورد مفصل بترجمان:
وورد جني طالعتنا خدوده بنشر وبشر يبعثان على الشكر
وحف ترنجان بها فكأنها خدود العذارى في مقانعها الخضر
وقال في [مداعبة] شيخ ثقيل اتفق حضوره معهم في مجلس أنس:
أما لهذا الشيخ من عهد عاد من أجل يقضى ولا من معاد
ليت لنا في سنة قهوة تديل من ظلمته باتقاد
وليتنا نخرج في صفقة جائزة عنه ولو بالجماد
وهل لنا في البيع من حيلة إذا رمينا بثبوت السداد
وقال من قصيدة:
وذي نخوة يختال ثاني عطفه فلولا تناهي لؤمه قلت أصيد
له نظرة الزرقاء في كل بدعة ولكنه عن مسلك الحق أرمد
стр. 2569
وقال فيه:
ومنافق يبدي انفعال منافق متبسما وضميره متهجم
حاجاك مكتتما بما في نفسه ولطيف ذهنك مخرج ما يكتم
وتريد عدلا من سجية جائر ومتى أفاد الشهد يوما أرقم
وقال من قصيدة مراجعة عن شعر:
وما كنهه نظم بطرس وإنما نسقت النجوم الزهر في صفحة البدر [٢١٨أ]
وله من أخرى:
ومن كان في حكم الزمان مصرفا فلا بد أن يلقى مهينا ومكرما
وله من أخرى يتعذر من استبطاء المكاتبة:
ولو وفت الأيام جاشت صدورها بما ضمنته أو تبلغ ما عندي
ولو جرت [الخمس] الرياح تضوعت بما استنشقته من ثنائي ومن ودي
ولو كان عهد للغزالة جددت لكم كل ما أبقى الجديدان من عهد
ألم تسالوا والقلب رهن لديكم فيخبركم عني بمضمره بعدي
فلو قبلتني الحادثات مكانكم لأنهبتها وفري وأوطأتها خدي
ألم تعلموا أني وأهلي وواحدي فداء ولا أرضى بتفدية وحدي
стр. 2570
قال ابن بسام: ثم ختم رقعته إلي بأن قال: هنا - أعزك الله - وقف ذكري، ولا أذكر شيئا من نثري، وهو عندي بالإضافة إلى النظم أصلح، وكلاهما بعيد من الغرض، لولا مكان حقك المفترض.
وهذه أيضا فصول وقعت إلي بعد ذلك من كلامه
فصل له من رقعته تعزية: أطال الله بقاء الأمير مؤيدا اعتزامه، مسددة إلى أغراضه سهامه، نائمة عنه النوب، سامية به الرتب، ولا زالت الرزايا تتخطاه، والحوادث تهابه وتتحاماه.
الأمير [الجليل]- أيده الله - ممن آتاه الله أجره مرتين، وجمعله بين الدارين: جهاد في سبيله مبرور، وأجر بجميل صبره موفور، ومثله تقلد نجاد السعد مثنى، [ووردت عليه الصالحات مثنى] ، فكل له في كلتيهما غابط، ولكلتا يديه باسط، في انفساح عمره، وانشراح صدره، وتأييد صبره، وما ألام دهر تحاماه، ولا ألم رزء تخطاه.
وله من أخرى:
إني أعزيك لا أني على ثقة من البقاء ولكن سنة الدين
فما المعزى بباق بعد صاحبه ولا المعزي وإن عاشا إلى حين
كتبه وقد دهم من المصاب بالأخت البرة - كرم الله [مثواها و] منقلبها
стр. 2571
ورفع في جناته درجتها ورتبتها، ما لفح الأكباد حرة، وصدع الفؤاد ذكره، ولما غار الحزن وأنجد، وصوب [٢١٨ب] الوجد وصعد، أهاب داعي النهى فلبيت، وصدع زاجر الحلم فانثنيت، وما الجزع مما لا يطفا، [ولا يعاف] ما بد من شربه، ويشفق من قرب إلى تربه. هذا وللسلوان مذاهب لا تذهب على ذي نظر، ولا تغيب على ذي تأمل وتدبر، أولها التسليم للقدر المحتوم، والثقة بالعوض الكريم، إلى ما لا يخفى موضعه، ولا يجهل من النفوس موقعه، من فضل الله تعالى في بقاء فلان الذي هو رأس المال، وجماع الآمال، وما زالت لله مع كل محنة منحة تقتومها، ومنة تلازمها، حكمة منه بالغة تسكن إليها القلوب، ويرجع معها الصبر ويثوب، وأنت - أيدك الله - فوق أن تنبه بوعظ، إلى مكان حظ، وأرحب بالنوازل ذراعا، وأكثر عن الأجر ذبا ودفاعا، لكن ناجيت مستريحا، وذكرت تلويحا، والله يجعلها آخر الرزايا، ويحرس الأولياء والولايا [بمنه] .
وله من أخرى: يا سيدي الأعلى، وظهيري لخطب إن تجلى، نداء من قام شاهده في المودة وبرهانه، واستوى في موالاتك إسراره وإعلانه، دمت مقتبل الجد، واري الزند، مستقلا بأعباء السيادة والمجد، في المحل النجد، والطالع السعد.
стр. 2572
كتبت هذه الحروف ذاهبا مذهب الإيجاز، وراغبا مع الحقيقة عن المجاز، فعبء الإطراء ثقيل، ومركب الاسترسال نبيل، وشاهدي منك حاضر، وإليك في كل الأحوال ناظر، وموصله فلان، الواثق بفضلك في ما ينهيه إليك، ويورده عليك، ويستظهر فيه بسعيك الحميد، ويستنجح برأيك الأصيل السديد، وأنت لا تألوه بسروك نصحا، ولمبهم أبوابه فتحا، وهو في تفضيلك أمة لا يثنى ولا يصد، وما قال الا بالذي علمت سعد.
وله من أخرى: أطال الله بقاءك ومقاليد المجد تلقى إليك، ووفود الحمد وقف عليك، وأزمة الفضل في يديك، ولا زلت للمبهمات فارجا، ولسبل المكرمات ناهجا، ناهضا بالبزلاء، صبورا [على العزاء] .
كتبت والأحوال التي استطلعها اهتبالك، واستهدى علمها إجمالك، في ريعان ظهورها، وشرخ شباب نورها، والله بفضله يعيذنا فيها من عين الكمال، ويديم لنا حال الاستواء والاعتدال. وإن الخطاب الكريم نجره، المنير فجره، الذكي نشره، وافى قريبا بالسيادة عهده
стр. 2573
مطرزا بالبلاغة برده، فوردت منه معينا، واجتليت [٢١٩أ] به من البيان سحرا مبينا، ومثلك أهدى مثله، ووالى فضله، وتابع بذله، وأتبع دلوه في السماح رشاءها، وسما إلى همم أملاك جعل إزاءها، والله لا يعدمني الأنس طالعا من أفقك، والدنيا تجري في وفقك، ولا زالت قداحك فائزة، وأحكامك جائرة، وحظوظك لكل أمنية حائزة.
[وله من رقعة خاطب بها بعض الأعيان يعتذر من ذكر المقامة، واستفتحها بهذا البيت:
ما كنت أشتم قوما بعد مدحهم ولا أكدر نعمى بعدها تجب
من يسر فيه - أيده الله - للحسنى، وفاز من لقائه بالحظ الأسى، فله ما تمنى (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) (فصلت: ٣٥) ومن أتى
стр. 2574
الله بقلب سليم. واني مع عدم الاستطاعة، ومزجى البضاعة، أتوهم سقوط الفرض، وأخلد إلى الأرض، وأحمل الأمر محمل العرض، ودونه - أيده الله - مهابة إجلال تنئيه، وكرم خلال يدنيه، فأنا بينهما عصي طيع، هذا يجىء وهذا يرجع، لا جرم أني أفقر إليه من جفن إلى كرى، ومن أذن إلى بشرى، بل من جذيمة إلى نديم، وصعب إلى إبراهيم، بل من الشمال إلى اليمين، والأنف إلى العرنين، بل من دريد إلى الشباب، والقارظ إلى الإياب، وسأستأنف وأستدرك، وأخب نحو علاه وأبرك، وأتوسل بتشيع في مجده غال، وأمت بمنافسة مغال:
فلا تلزمني ذنوب الزمان إلي أساء وإياي ضارا
وهل هو إلا نقصان يقعد عن كمال، وحرمان يبعد عن نوال، أروح وأغدو، أتجنب روضة وأجيل أعدو، أستغفر الله من غربة ركبت مطاها، ووصلت خطاها، وأثرت قطاها، أنضت شبابي بل نضته، وسلت مشيبي وانتضته، فها أنا طليح أو جريح، وأبقت علي دركا، وبوأتني دركا، فضاعت أثناءها الحقوق، وبئس الاسم العقوق. نعم - أدام الله
стр. 2575
سعدك، تحولا إلى الكاف، وإسنادا من الاعتراف بحقك إلى كاف -:
وعيد أبي قابوس في غير كنهه أتاني ودوني راكس فالضواجع
فانطويت على حريق، وتعللت برحيق:
وفضيلة الراح الخروج بأهلها عن عالم هو بالأذى مجبول
فما سلمت مع ذلك من ظنونهم، ولا غبت عن عيونهم، وأنى لي بالسلامة من كاشح يغري، ويد ترميني من حيث لا أدري، تمنحني الفصاحة ضرا، وتمنعنيها نفعا وخيرا، ان مر به ذكري فيها عمز وغمص، أو ادعي لي حظ نفيس بخس ونقص، أو قرىء لي " قبض " قرأ " قبص "، ما هذه المقامة إلا قيامة حشرت الكرام وحاشت، وما استثنت ولا حاشت، أصابت وأشوت، وصابت وأخوت، وعمت لتخص، وباحت لتقص، والمناجى لبيب، " وقد يؤذى من المقة الحبيب ".
اللهم اعصمنا من الدعوة، واجعلني فيها مجاب الدعوة، حتى ندعوها لأبيها، ونؤثر الأقسط عندك فيها، بعزتك.
أولى لهذا المتهم، ساء ما حكم، ويا بعد ما توهم:
أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان
стр. 2576
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
منع الجار صقبا، وادعى لابن طريف عقبا، وما ينام أبو سفيان عن زياد، ولا يترك في ثقيف ثمر الفؤاد، هيهات هيهات!! يدل على الفجر سناه، ويعرب عن الشجر جناه، ويفصح الشناشن أخزم، وينسب الحكم إلى اكثم، وما هو بمطاع ثم أمين، ولا أنا على غيب السيادة بضنين، لاسيما وقد افتتح بمن افتتح، وبمن وزن فرجح، وسعى فأنجح، وملك فأسجح، وأشفى فعف، وكفى فكف، وثناه بمن أتى ما أتاه، وتقيل في الفضل أباه، وتخطاه إلى صنو كماء المزن، وروض الحزن، تجافى جنبه عن المضاجع، وطلق الدنيا غير مراجع، وتجاوزه إلى ابن عم، وكبير في المكارم جم، خلع على المروة عمره، وقلدها أمره، هجر مراتب وخططا، وأبى إلا أن يكن أمة وسطا، ثم جاء بالجلة لفيفا، فنكر معروفا، ومنع الصرف في غير ضرورة مصروفا، وماذا له، في مصون أذاله - ومن أجاءه، إلى قبيح جاءه - ومن جرة إلى هجر أجره - ومن قاده إلى القادة - ومن سامه هلك سامة - ومن
стр. 2577
أداره على فعل ابن دارة - هلا أسر ما أشر، وعشى ولم يغتر - ولما توجه الي بين يدي الوزير الأجل - دام سعده - منها ظن أخطأ، ووهم أسرع وأبطأ، لا تقبله حالي، ولا يفزغ له بالي، أدرجته أثناء تنصلي، ووصلته بتوسلي، إلى علائه وتوصلي:
ليعلم أني لا أظن بمثلها وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
ولن يخفى على ذي بصر نمطها، ولا يغيب مستنبطها، وكيف وهناك فطنة تخلص بين الماء واللبن، وتفرق بين القبيح والحسن، فليصرف هذا اللجام إلى من علكه، ولينط هذا الدم بمن سفكه، فليس المري من جرير، ولا ابن الزبير من ابن الزبير، والوزير الأجل - دام سعده - يحجب عن إدراكه عيبي، ويحرس بكرم نثاه غيبي، ويضعني حيث وضعت نفسي من تأميله، ويعود علي بحسن تأويله، متطولا، إن شاء الله تعالى] .
стр. 2578
[٢١٩ب] ولما نكب الوزير أبو محمد بن القاسم النكبة التي أنبأت بتعذر أوطار، ذوي الأخطار، وأعلنت بكساد الفضل، واستئساد النذل، لأنه كان طود جمال، وبحر إجمال، وناظم خلال، وحين ثل الدهر عرشه، وأحل سواه فرشه، خاطبه كل زعيم جليل مسليا عن نكبته، وانتقاله عن رتبته، فكتب إليه برقعة مستبدعة وهي: مثلك - أنس الله فؤادك، وخفف عن كاهل المعالي ما هاضك وآدك - يلقى دهره غير مكترث، وينازله بصبر غير منتكث، ويبسم عن قطوبه، ويفل شباة خطوبه، فما هي إلا غمرة ثم تنجلي، وخطرة ويليها من الصنع الجميل ما يلي، لا جرم أن الحر حيث كان حر، وأن الدر برغم من جهله در، وهل كنت إلا حساما انتضاه، قدر أمضاه، فإن أغمده فقد قضى ما عليه، وإن جرده فذلك إليه. أما إنه ما تثلم حده، ولبس جوه الفرند خده، لا يعدم طبنا يشترطه، ويمينا تخترطه، هذه الصمصامة، تقوم على ذكرها القيامة، طبقت البلاد أخباره، وقامت مقامه في كل أفق آثاره، فأما حامله فنسي منسي، وعدم منفي، كلا لقد بقيت الحقائق، وانبتت تلك العلائق، فلم يصحبه غير غرار، ومتن عار، كلاهما بالغ ما بلغ، والغ معه في الدماء إذا ولغ، وما الحسن إلا المجرد العريان، وما الصبح إلا الطلق الأضحيان، وما النور إلا ما صادم الظلام، وما النور إلا ما فارق الكمام، وما ذهب ذاهب، أجزل منه العوض واهب، ولئن قضى حق المساهنة في هذه
стр. 2579
الحال التي التوى عرضها، وتأخر للأعذار القاطعة فرفضها، أسف تردد، وارتماض تجدد وذنوب على الأيام لا تحصى وتعدد، وحبا اللئام منها وتعقد، فيعلم الله عز وجهه لقد استوفيت فيه هذه الأقسام، ونهيت فيك حتى المزن عن الابتسام.
وله أيضا: ليست الأذناب كالأعراف، ولا الأنذال كالأشراف، ولا كل أشراف بأشراف، فثم من يزيل ما ولي، ويعمى عن الصبح وقد جلي، إن ذكر نسي، وان عذل فكأنما أغري، وكثيرا ما يمتد شططه، فتحذف نقطة، ويهجر نمطه، وان سامحناه في الضبط، وأمتعناه بالنقط، نبذ الوفاء فحذفنا الفاء، وجفا الكريم، فألغينا الميم، وله بعد ما ألغى ما بقي، ان أشرف فعلى الخطير العظيم، وان اطلع ففي سواء الجحيم، ورب طويل النجاد، عريق في الآباء [٢٢٠أ] والأجداد، ولايته أمان، وعمله إيمان، وخلقه رضوان، تود النجوم أن يخطها في كتاب، وينسقها نسق الحساب، قد ارتقى بخطته باذخ السناء، وأخذ بضبعها رفعا إلى السماء، فهناك - وأنت ذاك - طاب الجنى، ودنت المنى، وأيقن الشرف أنه في حرم وحمى؛ وأقسم بالمبسم البارد، والحبيب الوافد، قسما تبقى على الشباب مدته، وتعز على المشيب حدته، ذكرى من ذلك العهد مدت بسبب، ومتت إلى القلب بنسب، ليحنون على الكرام، وليجترؤن الأيام، وليأخذون فوق أيديها، وليكفن من تعديها، مالها تنحت أثلاثهم سماتهم، تصفهم
стр. 2580
بصفاتهم، وتعلهم بعلاتهم، فأين أنت من الذب، وسنام قد استؤصل بالجب، وكيف ارتياحك لعبد شمس اذ زارت، ومكرمة كالشمس أشرقت وأنارت، لا جرم أنك منها على ذكر، وبمدرجة حمد وشكر، وما هو إلا الشريف الأوحد، ومن لا ينكر فضله ولا يجحد، أبو بكر - أعزه الله - وناهيك انتماء، وحسبك علاء وسناء، فتى دهي في ضيعته هناك بدواه، ورمي بخطوب غير ريوث ولا سواه، ورأيك - أصاب الله برأيك، وجبر الأولياء بسعيك - في تحصين مراعاته، وترفيهه ومحاشاته، ولولا عذر منع، لكان على أفقك النير قد طلع، ولكنه أناب فلانا وحسبه أن يدفع كتابا، ويقضي جوابا، ويتصرف على حكمك جيئة وذهابا.
وكتب إلى أبي بكر بن رحيم يهنئه بولايته خطة الاشراف:
إذا ما شرف الاشراف قوما فإن بني رحيم شرفوه
كفاة للملوك على سبيل ودين نصيحة ما حرفوه
أبو بكر له ولهم كفيل بكل كفاية اذ صرفوه
وما الاشراف إلا عبد قن لهم فمتى تولى استصرفوه
هذه - اعزك الله - بديهة البشرى، وعجالة كعجالة القرى، فأنا لها بالأقبال ضمين، وعلي ألية ويمين، لتحوطنها أقلامك، وليحمدن فيها مقامك، ولتعرفن بالحجول والغرر أيامك، فحالفك السعد، ولا عدمك الملك الجعد، وأبل وأخلق مثلها جديدا بعد، وما حق من بشر باعتلائك، وسرى بأنبائك إلى أوليائك، أن يؤخر مراده [٢٢٠ب] او يضيع عمله واعتقاده، وأن الحاج ابن شقران أملك - أبقاه الله وجبره - أشعرني بهذه المسرة
стр. 2581
والديمة الثرة، ولقد هممت على هذا البرد وحل العقد، وفض النقد، فدافعني انقباضا، وأعلمني أن له في عملك - أبقاه الله - أغراضا، تكون على ذلك أثمانا واعواضا، وأراني عقدا يشهد بعدمه، وصحة ما استحثه في مقدمة، وأنه ليس له سوى غرس قد صار
عليه، بل استدار في ساقيه كبلا، والتوى في عنقه غلالا مغلا، ولك الطول في نظرك بالتخفيف عن مثله من الضعفاء، ومن لا قدرة له على الأداء، وحمل الأعباء، فإن ذلك ذكر في العاجل، وذخر في الآجل، إن شاء الله.
في ذكر الأديب أبي بحر يوسف بن عبد الصمد
واثبات جملة من أشعاره، مع ما يتشبث بها
من مستطرف أخباره
وهو يوسف بن أبي القاسم خلف بن أحمد بن عبد الصمد، جدهم الأول كان السمح بن مالك بن خولان، أحد أمراء الأندلس في ذلك الأوان، قبل دخول بني مروان، من تقديم عمر بن عبد العزيز. وهؤلاء الصمديون قوم من ذوي الهيئات، متقدمون في الكتابة وأدوات أهل النباهات، وأصلهم فيما أخبرت من اقليم الشبتان من كورة جيان، وخدم أبو القاسم والد أبي بحر الخزانة في المرية زمان زهير وخيران
стр. 2582
وفي دولة المنصور بهدهما، ومات في دولة ابن صمادح سنة ثمان وأربعين، وبنوه وقرابته أكثر خدمة المرية، وفيخم يقول بعض أهل الأوان، لما رأى من كثرة عددهم والتباسهم بالسلطان:
ملأوا قلبي هموما مثلما ملأ الأرض بنو عبد الصمد
كاثر الشيخ أبوهم آدما فغدوا أكثر أهل الأرض عد
كلهم ذئب أزل متنه والرعايا بينهم مثل النقد
ونشأ أبو منهم: بحر [نبل] كاسمه، في نثره ونظمه، حسن الحديث حاضر النادر، ذو روية وبديهة. ومن ظريف شعره مما أنشدت له قوله:
فوصلت أقطارا لغير محبة ومدحت أقواما بغير صلات
أموال أشعاري نمت فتكاثرت فجعلت مدحي للبخيل زكاتي [٢٢١أ]
وهذا من غريب المعاني، وإنما ألم بقول ابن رشيق القيرواني:
فإن وجبت علي زكاة شعر جعلت من مساكين الكرام
стр. 2583
جملة من شعره في أوصاف شتى
له من قصيدة أولها:
أدجلوا بالشموس في الأغصان ومشوا بالحدوج في الكثبان
حيث جال الوشاح واصطحب العق د مع المرهف الحسام اليماني
كلما سار ذو سوار راع ليث غضنفر ذو سنان
يا لها من ضراغم وسروج خالطتها هوادج وغوان
كم قطعت الزمان والعيش غض [في ارتياح] ما بين تلك المغاني
واذا غرد الحمام على الأي ك وأصبت مرجعات القيان
صلصلت حولها الجياد وهزت ذابلات أعطافها للطعان
رب ليل قطعته في رياض وندامى وقهوة ومثاني
ووجوه مثل البدور تلالا وقدود كأنها قضب بان
فوق أطواقها سنا صفحات معجمات السطور بالخيلان
وعيون من نرجس وخدود من شقيق على طلا سوسان
فاجتنينا زهر الخدود غضيضا وقبضنا أرواح [تلك] الدنان
لم تزل تسجد الأباريق للشر ب سجود الرهبان للصبيان
نتعاطى الكؤوس والليل خفا ق الحوافي ممزق الطيلسان
ومنها في المدح:
فثناء يسير في كل أفق ومديح يتلى بكل مكان
стр. 2584
يحمل السرج حين يركب بدرا كاملا آمنا من النقصان
[ومنها] :
لست بالألكن الذي يبهم القو ل ولا بالمعجز المتواني
ولعمري لقد [كشفت] دجى الش ك وأوضحت غامضات المعاني
ذل في ذا الزمان نثري ونظمي ذلة السيف في يمين الجبان [٢٢١ب]
وهذا المعنى قد نبهنا عليه فيما سلف، ومنه قول ابن شرف:
تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم
ولأبي بحر من أخرى في الوزير [أبي بكر] ابن زيدون:
زمان يمنع الخيل الطرادا وسير يحسب النخل القتادا
وأيام تغلب كل ضد وتخلع في رضى النعل النجادا
وقد جبن الشجاع فليس يدري أيرتبط الحمار أم الجوادا
عليك الجد في طلب المعالي وليس عليك أن تعطي القيادا
فأسنى المجد ما أدركت سعيا وخير السعي ما كان اجتهادا
ولا يقنعك عيش في خمول فغير الباز من صاد الجرادا
سأبقي حد حسادي كهاما وأجعل نار أعدائي رمادا
стр. 2585
بذكر يخجل المسك انتشاقا وذهن يحرق النار اتقادا
ومنها في المدح:
لك البشر الذي سلتى وسرى وأدرك منتهى أملي وزادا
وما أخشى عليك نفاد لون ومن يخشى على الشمس النفادا
تنزهك العزائم أن تضاهى وتمنعك المكارم أن تسادا
فإن خصتك بالحمد القوافي فقد عمت أياديك العبادا
أجاد نظامها قلمي وحلى ولولا وصف مجدك ما أجادا
[ومنها] :
أبا بكر تقول لي القوافي وجدت البحر فاطرح الثمادا
لك القلم ان خط سطرا يود المسك لو كان المدادا
سللت على المهارق منه حدا فللت به الصوارم والصعادا
فإن زهدت طيا في حبيب فقد زهدت في كعب إيادا
فلا جلب الزمان إليك هما ولا منعتك حادثة رقادا
فإن الناس والأيام عين وجدتكبين جفنيها سوادا [٢٢٢أ]
وله [من] أخرى في المعتمد يقول فيها في وصف طرف:
وأقب تحمله رياح أربع لولا اللجام لطار في الميدان
من جملة العقبان إلا أنه من حسنه في طلعة الغزلان
يمشي إلى ميدانه متبخترا من تيهه كتبختر النشوان
стр. 2586
وعلوت أذنيه بأذن ثالث كالنجم منقضا على شيطان
رمح ولكن هز من أعطافه فالخيل تنقر منه كالثعبان
ومكلل [مما انتضت يد قيصر وبلت ظباه يدا أنو شروان
عشق الطلا وبودها لو عوضت منه مكان الوصل بالهجران]
جردته من غمده وهززته فكأنما جردت غرب لسان
ومنها، وقد حضر المجلس أبو بكر بن اللبانة وأبو تمام الحجام فقال معرضا بهما:
والشعر بهجته إذا نطقت به بين المحافل ألسن الأعيان
ما كان قول الشعر إلا خطة كانت مراتبها على كيوان
حتى تدنس ثوبها بزعانف نشأت على الأوضار والأدران
من صنعة القزاز والجزار أو من صنعة الحجام واللبان
فعجبا من ذلك، وأخجلهما هنالك.
وله من أخرى في المعتمد ويصف يوم الجمعة [الذي بدد الله فيه شيعة الطاغية أذفونش] :
خضعت لعزتك الملوك الصيد وعنت لك الأبطال وهي أسود
رأي يفل الجيش وهو عرمرم ويعفر الجبار وهو عنيد
وهذا مما أراه نظر إلى قول مختار بن النجار من جملة الطارئين على
стр. 2587
الجزيرة، وكان من غرائب الدهر أميا، لا يفهم ولا يقيم حرفا سويا، أنشد المعتمد بن عباد من جملة قصيد فريد قال فيه:
ذلت لعزتك الملوك الصيد يا من إذا نقص الزمان يزيد
وفتحت باب الغرب يا ابن محمد وبلغت أقصاه فأين تريد
ارتاح ابن عباد لقوله وقال له: يا ابن الفاعلة، إلى بغداد. [٢٢٢ب]
لم ترض والسيوف تمائم والحرب ظئر والسروج مهود
ولقد شققت إلى الطعان سعيرها وحملت وطأتها وأنت وليد
ولكل نصر من ظباك مخيلة ولكل فخر من قناك عمود
ومها:
هيهات لا يمضي لحقك شاهد يوم العروبة شاهد مشهود
يوم تواصلت الترائب والقنا فيه وعانقت الأسود أسود
والشمس مرهاء الجفون كليلة والجو مغبر الذرى مسدود
والمرهفات من النجيع كأنها صفحات بيض بينها توريد
والخيل قد نكصت على أعقابها والروم زرع والرؤوس حصيد
وكأنما كانت هناك كنائس قد حان فيها للصليب سجود
لو زلت زال الدين وانتهب الهدى ونبا اليقين ونافق
التوحيد
стр. 2588
لكن وقفت وملء درعك للعدا درع يهد الراسيات شديد
والوجه لا متغير والرأي لا متلبد والعزم لا مردود
نالتك في ذات الإله شدائد تركت لك الأملاك وهي عبيد
ومها:
والملك لا يحميه إلا أروع ثبت الجنان على الجلاد جليد
فاطعن ولو أن الثريا ثغرة واضرب ولو أن السماك وريد
وافتح ولو أن السماء معاقل واهزم ولو أن النجوم جنود
واطلب بملك الأرض حقا إنه فرض على البيض السيوف وكيد
وطل ابن عباد على أملاكها فقد ارتضاك الواحد المعبود
إن الرياسة والنفاسة والعلا حرم تدافع دونها وتذود
وله من أخرى في يحيى بن فافو بسجلماسة:
عزم تضيق بجيشه البيداء ومنى أقل مرامها الجوزاء
وعرامة لو أنها لي لأمة لم تمض فيها الصعدة السمراء
في عفة لو أصبحت مسومة في الناس لم تتقنع الحسناء [٢٢٣أ]
فلتلحظ الغزلان ولتتمايل ال أغصان ولتترجرج الأنقاء
стр. 2589
ومنها:
وأحم مسود القميص كأنما خلعت عليه ثيابها الظلماء
وكأنما خاض الصباح فأرضه مبيضة وسماؤه دهماء
سامي التليل يروق تحت لجامه فرع أحم وغرة بلجاء
أطغيته فمشى العرضنة تأئها يبدو عليه الكبر والخيلاء
وخلغت عنه عنانه في روضة شطأ النبات بها وفاض الماء
مخضرة زهرت كواكب نورها فكأنها تحت السماء سماء
ومنها:
وتطلعت زهر النجوم كأنما نثرت هناك عقودها الحسناء
بتنا نراعي النجم إلا أنه باتت تراعينا مها وظباء
دارت كؤوس الطل وانتشت الربى ومشى القضيب وغنت الورقاء
والقضب تخضع للغدير كأنه يحيى وقد خضعت له الأمراء
ومنها:
كثر القتيل عليه في عريسه فبساطة الأوصال والأشلاء
يمشي كما تمشي المها مترفقا ويصده عن طرفه استحياء
[حتى إذا ما توجته لبدة أو كللته الغفرة الزباء
هدم الجبال بصدره فكأنما في منكبيه الهضبة الشماء]
стр. 2590
وله من أخرى في مجلس أنس بروضة:
وحديقة مخضرة أثوابها في قضبها للطير كل مغرد
نادمت فيها فتية صفحاتهم مثل البدور تنير بين الأسعد
والجدول الفضي يضحك ماؤه كالعقد بين مجمع ومبدد
وترجرجت للناظرين كأنها در نثير في بساط زبرجد
وكان بسرقسطة شيخ يكنى بأبي عبد الصمد، من شعراء ذلك العصر، وأراه من سلف أبي بحر؛ أخبرني ذو الوزارتين أبو عامر بن عبدوس أنه اجتمع [به] قي ذلك الثغر، ورآه قد لبس بياضا في جنازة الكاتب أبي عمر بن القلاس، وقد حضرها المقتدر بن هود، فرثاه بقصيدة نعى فيها تلك الدولة، ووصف أنها بعد ابن القلاس على طرف، وفي [٢٢٣ب] سبيل تمام وتلف، فتعجب منه المقتدر، وجميع من حضر. وكان ذلك الشيخ يستعمل وحشي الالفاظ، ويخاطب العوام بكلام لو خوطب به رؤبة بن العجاج ما فهم عنه؛ وأخبرت أن بعض أصحابه قال له يوما: مالك وللتقعير في كل وصف! فقال له الشيخ: يا قرارة النوك وعنصر السخف، أتنكر أن أستعمل الغريب وفصيح الكلام -! لو كان في طبعك، ما مجه سمعك، أين أنت من قول أوس:
ألم تر أن الله أنزل مزنة وعفر الظباء في الكناس تقمع
стр. 2591
على دبر الشهر الحرام بأرضنا وما حوله بعد السنين يلفع
ومن قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلآ لتقدحي بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال له: وأيهما ألوط بالقلب وأقرب إلى مجاري النفس - قال الشيخ: قول أوس لأنه جزل المقطع، بعيد المرمى غريب المنزع، وأما قول امرىء القيس فهو من باب الغزل وظريف الألفاظ، لا يحرك عالما، ولا يثير من غامض المعرفة كامنا، ولا يتعب مفسرا، وإنما يدر الدمع، ويهيج الوجد، ويثير الصبابة، ويؤكد الكآبة؛ فقال له ذلك الرجل: وهذه صفة المحبوب من الشعر، ألا ترى أن امرأ القيس لم يحز قصب السبق، ولا أعطي غاية الخصل [إلا لإتيانه بهذه الألفاظ السهلة، وأن أبا نواس لم يسبق الناس] إلا بعذوبة ألفاظه، [فمن] احتذى هذه الطريقة نجح، ومن حاد عنها افتضح -
وكان ذلك الشيخ أبو عبد الصمد [قي عصر] أبي حفص بن برد الأصغر، واجتمع في خزائنه زهاء خمسمائة رسالة، أقلها فيما بلغني من عشر ورق، مع قصائد له مطولات، لا يقدر أحد أن يفسر له منها عشرة أبيات، لوحشية ألفاظه، واشتباك معانيه؛ ورسائل ابن برد سائرة لعذوبة كلامه، في نثره ونظامه.
وفي هذا الشيخ يقول [ابن] الصفار السرقسطي:
لأبناء هود قلوب الأسود لها عند لقيا الرزايا جلد
стр. 2592
وأعجب أفعالهم صبرهم على برد شعر ابن عبد الصمد
واخبرت أن بعض أدباء ذلك الثغر استدعى هذا الشيخ لمجلس أنس بهذا النثر: أنا أطال الله بقاء الكاتب الفاضل، سراج العلم، وشهاب الفهم، في عبثت تفاحة، وصفت [٢٢٤أ] أقداحه، وخفقت فوقنا للطرب ألوية، وسالت بيننا للهوى أودية، لكنا لنأيك عنا مقلة سال إنسانها، وصحيفة بشر عنوانها، فإن رأيت أن تتجشم إلينا غاية القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوسا أصدأها بعدك، وأنرت سرجا أدجاها فقدك.
فأجابه [أبو] عبد الصمد: فضضت أيها الكاتب [الهميم] ، والحبر المصقع [العميم] ، طابع كتابك، فمنحني منه جوهرا منتخبا، لا يشوبه مشخلب، هو السحر إلا أنه حلال، [والدر إلا أنه جلال] ، دل على ود حنيت لي عليه ضلوعك، ووثيق عقد انتدب كريم سجيتك إليه، فسألت فالق الحب، وعامر القلب بالحب، أن يصون لي حظي منك، ويدرأ لي النوائب عنك، ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك، وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك، إلا عارض ألم ألم، فقيد بقيده نشاطي، وزوى براحته بساطي، وتركني أتململ على فراشي
стр. 2593
كالسليم، وأستمطر الإصباح من الليل البهيم، وأنا منتظر لادباره.
فكان يستنزل في هذه الألفاظ وغرابة هذا المنزع، ويستبرد في هذا المقطع.
في ذكر الأديب
أبي تمام غالب الملقب بالحجام
وكان معدودا في شعراء عصره، إلا أنه كان متخلفا في شعره، لأن طبعه كان ينبو عن الرقيق السهل، ولا يلحق بالفصيح الجزل، وربما ندرت له أبيات في النظام، كرمية من غير رام، ووجدته قد سلك في الأوصاف طريقة الرمادي، فغرق في بحبوحة ذلك الوادي، وقد أخذت هنا من شعره بطرف، يعرب عما به ذكر ووصف.
جملة من شعره في النسب مع ما يتشبث به من المديح
له من قصيد في الرشيد يقول فيه:
أراعي الفرقدين ولست أعيا كأني ثالث لفرقدين
стр. 2594
غدوا في مشرق الدنيا ونفسي تناجيهم بأقصى المغربين
أأنسى عهدهم وهو بقلبي وأشكو فقدهم وهو بعيني
سقى زمنا سقاهم كل صفو وقد قذيت جفون الحاسدين
وقد حيا بطاسات الحميا قضيب في الغلائل من لجين [٢٢٤ب]
إذا سيم المزاج سقى لماه ونزهنا بروضة وجنتين
تقلد طرفه سيفا ولكن حمائله نبات العارضين
وهذاالبيت من متداولات المعاني، ومنه قول ابن رشيق القيرواني:
وهل على عارضيه إلا حمائل قلدت حساما
ومن مديح هذه القصيدة:
شكوت إليه عدوان الليالي وما ألقاه من تشتيت بين
فأمن من صروف الدهر سري وأصلح بين أيامي وبيني
رآني والظلام علي ثوب فأطلعني طلوع النيرين
وله من قصيد:
مالي حرمت على اتصال مدائحي أعقرت في الشعراء ناقة صالح
ويناسب هذا قول الآخر:
أناقة الله حاجتي عقرت أم نبت الحرف في نواحيها
стр. 2595
وأنشدني له من قصيدة:
دعوت الندى من كل باب قرعته دعاء ولكن كان غير مجيب
فما هو إلا كالحبيب تمنعا عليه من الغيران كل رقيب
فكن طالبا للمجد إن كنت طالبا بهز سنان وانتضاء قضيب
ولا تبغ من زيد وعمرو مكانة لحفظ سوار في بياض عصيب
ومنها:
ليالي كان العيش غضا يظلني نظيرا وماء الورد غير مشوب
وعيني قد نامت بليل شبيبتي فما انتهبت إلا لصبح مشيب
وله من أخرى [أولها] :
أحين وصلت أحدثت الفراقا لقد حملت قلبا لو أطاقا
أحين كرعت في ماء الأماني سقيتني الأسى كأسا دهاقا
ومنها:
عرفت الدهر ثم طلبت منه ليسقي صفوة فسقى زعاقا [٢٢٥أ]
[فكنت كطالب في البحر ماء تشكك في مرارته فذاقا
ولم أر مثل أيام التصابي وقد ضرب الهوى فوقي رواقا]
следующие страницы →