Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
على دبر الشهر الحرام بأرضنا وما حوله بعد السنين يلفع
ومن قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلآ لتقدحي بسهميك في أعشار قلب مقتل
قال له: وأيهما ألوط بالقلب وأقرب إلى مجاري النفس - قال الشيخ: قول أوس لأنه جزل المقطع، بعيد المرمى غريب المنزع، وأما قول امرىء القيس فهو من باب الغزل وظريف الألفاظ، لا يحرك عالما، ولا يثير من غامض المعرفة كامنا، ولا يتعب مفسرا، وإنما يدر الدمع، ويهيج الوجد، ويثير الصبابة، ويؤكد الكآبة؛ فقال له ذلك الرجل: وهذه صفة المحبوب من الشعر، ألا ترى أن امرأ القيس لم يحز قصب السبق، ولا أعطي غاية الخصل [إلا لإتيانه بهذه الألفاظ السهلة، وأن أبا نواس لم يسبق الناس] إلا بعذوبة ألفاظه، [فمن] احتذى هذه الطريقة نجح، ومن حاد عنها افتضح -
وكان ذلك الشيخ أبو عبد الصمد [قي عصر] أبي حفص بن برد الأصغر، واجتمع في خزائنه زهاء خمسمائة رسالة، أقلها فيما بلغني من عشر ورق، مع قصائد له مطولات، لا يقدر أحد أن يفسر له منها عشرة أبيات، لوحشية ألفاظه، واشتباك معانيه؛ ورسائل ابن برد سائرة لعذوبة كلامه، في نثره ونظامه.
وفي هذا الشيخ يقول [ابن] الصفار السرقسطي:
لأبناء هود قلوب الأسود لها عند لقيا الرزايا جلد
стр. 2592
وأعجب أفعالهم صبرهم على برد شعر ابن عبد الصمد
واخبرت أن بعض أدباء ذلك الثغر استدعى هذا الشيخ لمجلس أنس بهذا النثر: أنا أطال الله بقاء الكاتب الفاضل، سراج العلم، وشهاب الفهم، في عبثت تفاحة، وصفت [٢٢٤أ] أقداحه، وخفقت فوقنا للطرب ألوية، وسالت بيننا للهوى أودية، لكنا لنأيك عنا مقلة سال إنسانها، وصحيفة بشر عنوانها، فإن رأيت أن تتجشم إلينا غاية القصد، لنحصل بك في جنة الخلد، صقلت نفوسا أصدأها بعدك، وأنرت سرجا أدجاها فقدك.
فأجابه [أبو] عبد الصمد: فضضت أيها الكاتب [الهميم] ، والحبر المصقع [العميم] ، طابع كتابك، فمنحني منه جوهرا منتخبا، لا يشوبه مشخلب، هو السحر إلا أنه حلال، [والدر إلا أنه جلال] ، دل على ود حنيت لي عليه ضلوعك، ووثيق عقد انتدب كريم سجيتك إليه، فسألت فالق الحب، وعامر القلب بالحب، أن يصون لي حظي منك، ويدرأ لي النوائب عنك، ولم يمنعني أن أصرف وجه الإجابة إلى مرغوبك، وأمتطي جواد الانحدار إلى محبوبك، إلا عارض ألم ألم، فقيد بقيده نشاطي، وزوى براحته بساطي، وتركني أتململ على فراشي
стр. 2593
كالسليم، وأستمطر الإصباح من الليل البهيم، وأنا منتظر لادباره.
فكان يستنزل في هذه الألفاظ وغرابة هذا المنزع، ويستبرد في هذا المقطع.
في ذكر الأديب
أبي تمام غالب الملقب بالحجام
وكان معدودا في شعراء عصره، إلا أنه كان متخلفا في شعره، لأن طبعه كان ينبو عن الرقيق السهل، ولا يلحق بالفصيح الجزل، وربما ندرت له أبيات في النظام، كرمية من غير رام، ووجدته قد سلك في الأوصاف طريقة الرمادي، فغرق في بحبوحة ذلك الوادي، وقد أخذت هنا من شعره بطرف، يعرب عما به ذكر ووصف.
جملة من شعره في النسب مع ما يتشبث به من المديح
له من قصيد في الرشيد يقول فيه:
أراعي الفرقدين ولست أعيا كأني ثالث لفرقدين
стр. 2594
غدوا في مشرق الدنيا ونفسي تناجيهم بأقصى المغربين
أأنسى عهدهم وهو بقلبي وأشكو فقدهم وهو بعيني
سقى زمنا سقاهم كل صفو وقد قذيت جفون الحاسدين
وقد حيا بطاسات الحميا قضيب في الغلائل من لجين [٢٢٤ب]
إذا سيم المزاج سقى لماه ونزهنا بروضة وجنتين
تقلد طرفه سيفا ولكن حمائله نبات العارضين
وهذاالبيت من متداولات المعاني، ومنه قول ابن رشيق القيرواني:
وهل على عارضيه إلا حمائل قلدت حساما
ومن مديح هذه القصيدة:
شكوت إليه عدوان الليالي وما ألقاه من تشتيت بين
فأمن من صروف الدهر سري وأصلح بين أيامي وبيني
رآني والظلام علي ثوب فأطلعني طلوع النيرين
وله من قصيد:
مالي حرمت على اتصال مدائحي أعقرت في الشعراء ناقة صالح
ويناسب هذا قول الآخر:
أناقة الله حاجتي عقرت أم نبت الحرف في نواحيها
стр. 2595
وأنشدني له من قصيدة:
دعوت الندى من كل باب قرعته دعاء ولكن كان غير مجيب
فما هو إلا كالحبيب تمنعا عليه من الغيران كل رقيب
فكن طالبا للمجد إن كنت طالبا بهز سنان وانتضاء قضيب
ولا تبغ من زيد وعمرو مكانة لحفظ سوار في بياض عصيب
ومنها:
ليالي كان العيش غضا يظلني نظيرا وماء الورد غير مشوب
وعيني قد نامت بليل شبيبتي فما انتهبت إلا لصبح مشيب
وله من أخرى [أولها] :
أحين وصلت أحدثت الفراقا لقد حملت قلبا لو أطاقا
أحين كرعت في ماء الأماني سقيتني الأسى كأسا دهاقا
ومنها:
عرفت الدهر ثم طلبت منه ليسقي صفوة فسقى زعاقا [٢٢٥أ]
[فكنت كطالب في البحر ماء تشكك في مرارته فذاقا
ولم أر مثل أيام التصابي وقد ضرب الهوى فوقي رواقا]
стр. 2596
وقد زفت عروس الكاس نحوي وقد كتبوا لها [شعري] صداقا
ومن كلفني بها وبمن سقاني وصلت بها اصطباحا واغتباقا
غزال لم يزل قلبي عليلا بعلة مقلتيه فلا أفاقا
رقيق الخصر لو شاء احتزاما بخاتمه لكان له نطاقا
ومنها:
سلاما لم يكن إلا وداعا وجمعا لم يكن إلا افتراقا
وهذا كقول المتنبي:
افترقنا حولا فلما اجتمعنا كان تسليمه علي وداعا
وكقول علي بن جبلة:
ركب الأهوال في زورته ثم ما سلم حتى ودعا
وذكرت بهذا المعنى خبرا حكاه الزبير بن بكار قال: سمع أبو السائب المخزومي قول مالك بن أسماء الفزاري:
بكت الديار لفقد ساكنها أفعند قلبي تبتغي الصبرا
بينا هم سكن لجرتهم ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا
فظلت ذا وله يعاتبني في حبهم من لا يرى الأمرا
فقال أبو السالب عند سماع البيت الأوسط: ما أسرع هذا! ما قدموا
стр. 2597
ركابا حتى ودعوا صديقا؛ قال الزبير: يرحم الله أبا السائب، فكيف لو سمع قول العباس بن الأحنف:
ساءلونا عن حالنا كيف أنتم فقرنا وداعهم بالسؤال
ما أنخنا حتى افترقنا فما فر قت بين النزول والإرتحال
وأبو السائب هذا كان له جد يكنى أبا السائب أيضا، خليط رسول الله ﷺ ، إذا ذكر قال: " نعم الخليط كان أبو السائب لا يشاري ولا يماري ". وكان أشراف المدينة يستظرفون أبا السائب هذا وحفيده، واسمه عبد الله، ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه، وكان غزير الأدب، كثير الطرب، وله فكاهات مذكورة، [٢٢٥ب] وأخبار مشهورة.
وقول ابن رباح: " بعلة مقلتيه فلا أفاقا " كقول أبي عامر بن شهيد، من شعر قد تقدم:
فأنا المجروح من غضتها لا شفاني الله منها ابدا
стр. 2598
جملة من شعره في أوصاف شتى
له في الصورة التي بحمام الشطارة البديعة الشكل باشبيلية:
ودمية مرمر تزهى بخد تناهى في التورد والبياض
لها ولد ولم تعرف حليلا ولا ألمت بأوجاع المخاض
ونعلم أنها حجر ولكن تتيمنا بألحاظ مراض
وأنشدني في صفة خاتم:
وخاتم تبر قلد الدر حوله ومن احمر الياقوت ما يتقلد
كأن الثريا بالهلال تعلقت وفي طرفيه المشتري يتوقد
وللطيب فيه مخبأ فكأنه سريره حب قد فشت وهي تجحد
وقال:
زرت الحبيب ولا واش أحاذره والصبح عين لوت بالغمض أشفارا
في ليلة خلت من حسن كواكبها دراهما وحسبت البدر دينارا
стр. 2599
وقال:
أنظر إلى زهر النجوم وقد بدت في البحر تعجب ذاتها من ذاتها
قكأنها سرب الحسان تطلعت لترى من المرآة حسن صفاتها
وذكرت بوصفه صور الكواكب في الماء، قول أبي العلاء:
فدمت إلى مثل السماء رقابها وعبت قليلا بين نسر وفرقد
وصف إبلا وردت الماء ليلا، وهو أزرق صاف وفيه صور النجوم، فكأنها شربت بين هذين الكوكبين، وإنما أخذه من قول الأخطل يذكر سمت إبل قصدته:
إذ طلع العيوق والنجم أولجت سوالفها بين السماكين والقلب
أراد إذا طلع العيوق والثريا يممت هذه الإبل سمت ما بين السماكين والقلب، فكأنها وضعت سوالفها بينهما معرفة، وموضع العيوق وراء الثريا في جانب المجرة الأيمن، والعيوق أقرب إلى القطب من الثريا، وهما يطلعان صبحا، عند اشتداد الحر معا، ويكون [٢٢٦أ] قلب العقرب والسماكان طالعين حينئذ ليلا، فوصف الأخطل أنه سرى الليل، ولا يكون العيوق في وقت أقرب إلى الثريا منه في وقت، ولكن الكواكب إذا كبدت تقارب ما بينهما في رأي العين، ولذلك قال الآخر:
стр. 2600
وعاندت الثريا بعد وهن معاندة لها العيوق جار
أي عدلت عن الطريقين معاندة من أجلها جاور العيوق الثريا، ولم يرد أنهما اجتمعا أو تقاربا قربا والا به عن مجاريهما.
وقال أبو ذؤيب:
فوردن والعيوق مقعد رابىء الضرباء فوق النجم لا يتتلع
أراد أنها وردت الماء سحرا، والعيوق من النجم قريب كقرب الرقيب من الضارب بالقداح، ولم يرد أنها وردت سحرا وهما طالعان، كما فسر بعضهم، بل وهما مكبدان، وذلك عند كون الشمس في الأسد، وهو أشد ما يكون من الحر.
وذكرت بقوله: " لترى من المرآة حسن صفاتها " قول البحتري:
إذا النجوم تراءت في جوانبها ليلا حسبت سماء ركبت فيها
وأخذه الصنوبري فقال:
ولما تعالى البدر وامتد ضوءه بدجلة في تشرين في الطول والعرض
وقد قابل البدر المفضض لونه وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض
توهم ذو العين البصيرة أنه يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
وذكرت أيضا بهذا التشبيه، ما قد أكثر الناس فيه، من ضوء القمر
стр. 2601
[على الماء؛ من ذلك] قول بعضهم حيث يقول:
قام الغلام يديرها في كفه فحسبت بدر التم يحمل كوكبا
والبدر يجنح للأفول كأنه قد سل فوق الماء سيفا مذهبا
وقال التمار الواسطي:
أما ترى الليل قد ولت عساكره مهزومة وجيوش الصبح في الطلب
والبدر في الأفق الغربي تحسبه قد مد جسرا على الشطين من ذهب
وقال القاضي التنوخي: [٢٢٦ب] .
أحسن بدجلة والدجى متصوب والبدر في أفق السماء مغرب
فكأنها فيه بساط أزرق وكأنه فيها طراز مذهب
وقال كشاجم:
والبدر فوق دجلة والصبح لما يشرق
مكحلة من ذهب فوق رداء أزرق
стр. 2602
رجع:
وقال ابن رباح في ثريا المسجد الجامع:
تحكي الثريا في تألقها وقد لواها نسيم وهي تتقد
كأنها لذوي الإيمان أفئدة من التخشع جوف الليل ترتعد
وله فيها:
انظر إلى سرج في الليل مشرقة من الزجاج تراها وهي تلتهب
كأنها ألسن الحيات بارزة عند الهجير فما تنفك تضطرب
وقال:
سرينا إلى الخمار عنها وقد بدا لنا في الدجى نور من الحان ساطع
[فقام إلى صف الدنان كأنها عجائز من قطن عليها مقانع]
وبت بجنب الزق أرشف ريقه كما شد كفيه على الثدي راضع
وقال في مثله:
لم أنس ليلا قطعته وأنا متكىء لاصطحاب زقين
стр. 2603
ونمت سكران بين ذاك وذا تناوم الطفل بين ثديين
وقال في الطائر المعروف بالمقلتين:
صبغوا برقراق العبير جناحه ويرى على فيه احمرار العندم
وأظنه قد غره في ورده ماء اليفاع فظل يكرع في الدم
وقال في البلارجة:
وبعيدة الأوطان في إقبالها بشر بإقبال الزمان المقبل
نشرت جناح الابنوس وصادرت بالعاج فيه وقهقهت بالصندل
وفي النغر:
بدا نغر فاسود أفق بدت به وقد نظمت في الجو منها سلوكها
[وصاحت فما أبقت بقلب مسرة صياح بنات الزنج مات مليكها]
وفي العقاب:
ان العقاب له بطش يهاب به للطير عنه بذاك البطش تكميش [٢٢٧أ [
كأنه في اختراق الجو مندفعا إلى الفريسة ريح ضمها ريش
وفي النسر:
стр. 2604
ترى النسر والقتلى على عدد الحصى وقد مزقت أحشاءها والترائبا
مضرجة مما أكلن كأنها عجائز بالحا خضبن ذوائبا
وفي الأجدل:
وأجدل أقلقه فرط القرم أطلقته بين الكراكي والرخم
فانتهز الفرصة لما أن هجم فعاد للكف وما شكا ألم
يمسح منقارا علاه نضح دم ككاتب يمسح حبرا عن قلم
وفي النحل:
شفؤك من دنياك في خرء نحلة وفيها كما فيها لك الصاب والشهد
وزينة ما أبدت نسيجة دودة لتعلم أن الله في حكمه فرد
وذكرت بقوله: إنه شفاء وهو خرء نحلة ونسيجة دودة، حديثا يروى عن جابر بن عبد الله قال: خرج علي بن أبي طالب ﵁ وجابر بن عبد الله إلى الجبانة، فتذاكرا الدنيا، فتنفس جابر، فقال له علي بن أبي طالب رضي اللع عنه: علام تتنفس يا جابر - أعلى الدنيا - فو الله ما لذاتها إلا سبع: مأكول ومشروب وملبوس ومسموع ومشموم ومركوب ومنكوح، فألذ ما أكل فيها ابن آدم العسل، وهو خرء ذبابة، وألذ ما شرب الماء، وهو كثير موجود، وألذ ما لبس الحرير، وهو قيء دود، وألذ ما اشتم المسك، وهو دم دابة، وأما مسموعها
стр. 2605
فإثم حاضر، ومركبها الخيل، وهو قبر محفور، ومنكوحها مبال في مبال، يريق من الجارية أحسن ما فيها، لتؤتي أقبح ما فيها.
رجع:
وقال ابن رباح في وصف دولاب:
يا حسن ما نظروا من الدولاب والغيم يحسده لدى التكساب
تشدو فيطربنا تردد شجوها فكأنما أخذته عن زرياب
وإذا الظلام أتى تشوق صوتها فكأنما داود في المحراب
وله فيه وقد طار منه لوح فوقف، وهو من أغرب ما وصف:
وذات شدو ومالها كلهم كل [فتى] بالضمير حياها [٢٢٧ب]
وطار لوح منها فأوقفها كلمحة العين ثم أجراها
كأنها قينة وقد قطعت تسع من قال دومها واها
وقال ابن رباح في القلم:
يزداد حسنا في الكتاب إذا بدا نقص به فيريك كل بيان
ان السراج إذا قطعت ذبالة صح الكمال له من نقصان
وله [فيه] :
стр. 2606
لا يفخر السيف والأقلام في يده قد صار قطع سيوف الهند والقضب
فإن يكن أصلها لم يقو قوتها " فإن في الخمر معنى ليس في العنب "
وله فيه:
جواد إذا ما شق في البري رأسه وإن لم يبن شق به فبخيل
وتمنعه أن يوضح الحرف شعره كذي لثغ بعض الحروف يحيل
وقال فيه:
حاز البلاغة غائصا في بحرها فيريك من صدف الكمال الجوهرا
وكأنما علموا بطول نزاعه فلذاك سموا كل سيف أبترا
وقال فيها:
تقلت على الأعداء إلا أنها خفت على السباب والإبهام
أخذت من الليل البهيم سواده وبدت تنمق أوجه الأيام
[وقال] في الجيش:
يا من إذا سار وألعداء يوم وغى ترى ذؤابته محمرة العذب
والجيش كالبحر لكن ماؤه زرد والبيض تطفو عليه موضع الحبب
ومن شعره في وصف العيون والثغور [والخيلان] وما يناسب ذلك من النسيب:
стр. 2607
ترنو بعين خشوع وهي باكية ومن طباع السيوف القطع واللبن
تريك حكم سليمان إذا حكمت وفي اللواحظ ما تتلو الشياطين
وقال:
للأقحوان أرى عليك ظلامة لما عنفت عليه بالمسواك
لا يحمل النور الأنيق تمسه كف بعود بشامة وأراك [٢٢٨أ]
وجلاؤه المخلوق فيه قد كفى من أن يراع عراره بسواك
وله:
تعلم الغصن لينا من معاطفه وأقبل الظبي يستجديه في الغيد
من كل أحور يبدي في تبسمه تألق البرق بين الجمر والبرد
وقال:
خيلان خدك ردت صحيح صبري مريضا
في العين سود ولكن ما زلن في القلب بيضا
وقال في مثله:
خدك مرآة كل حسن تحسن من حسنها الصفات
مالي أرى فوقه نجوما قد كسفت وهي نيرات
стр. 2608
وقال:
يا حبيبا له الفؤاد محل كيف تجفو وأنت في سوادائه
كتب الحسن فوق خدك خالا فامحى الشكل غير نقطة خائه
وقال:
يا طالع البدر المنير جماله ألبسي للحسن ثوب سمائه
أوقدت قلبي فارتمت بشرارة نزلت بخدك فانطفت من مائه
ومن المليح في مثله قول ابن المعتز:
غلالة صبغت بورد ونون الصدغ معجمة بخال
ولكشاجم:
فلم يزل خده ركنا أطوف به والخال في خده يغني عن الحجر
وله في النهود:
وكأنها النهد الذي هو بارز من صدرها سر به قد باحا
في صورة التفاح إلا أنه في شكله لا يألف التفاحا
وقال:
стр. 2609
يا صاحبي بمهجتي خمصانة مالت مميل الغصن في أعطافها
في الصدر منها للطعان أسنة ما أشرعت إلا لحمي قطافها
ان أنكرت قتلي هناك ففتشا تريا دمي قد جف في أطرافها
وقال:
أبقى الشباب عليه من غلائله ما أثرت فيه من لبن غلالته [٢٢٨ب]
وفي ترائبه والحلي يحجبه نهد تصور في قلبي حكايته
وقال:
قد نالني منك في فرط الصدود أذى وكل شيء إذا ما زاد ينقص
إن البياض إذا ما جاز غايته فلا محالة فيه أنه برص
ويناسب هذا [من وجه] قول ابن الرومي:
وما يعيب السواد حلكته وقد يعاب البياض بالبهق
[وقال] :
نظر الحسود فاذ رأى لي [صالحا] والفضل مني لا يزال مبينا
قبحت صفاتي من تغير وده صدا المراة يقبح التحسينا
وقال:
تحملت أعباء الزمان ولم أكن لأحملها فيما لدي من الوهن
стр. 2610
كما حملت ثقلا من الأرض نملة وما هي منه في قياس ولا وزن
وقال:
تصبر وإن أبدى العدو مذمة فمهما رمى ترجع إليه سهامه
كما يفعل النحل الملم بلسعة يريد به ضرا وفيه حمامه
وقال:
صغار الناس أكثرهم فسادا وليس لهم لصالحه نهوض
ألم تر في سباع الطير سرا تسالمنا ويؤذينا البعوض
وقال:
ابخل بسرك لا تبح يوما به فصغيره يأتي بكل عظيم
أو ما ترى سر الزناد إذا فشا يأتي وشيكا سقطه بجحيم
وقال:
وبارد الشعر لم يألم بما حملا أضر منه جميع الناس واعتزلا
كأنه الصل لا تؤذيه ريقته حتى إذا مجها في غيره قتلا
وقال:
стр. 2611
يا ملكا تخضع الملوك له الله أعلى على الملوك يدك
تعجب الناس من جوادك بالأم س وما في شماسة اعتمدك
أراك عند النزول سنبكه وقال: في عين [كل] من حسدك
وقال:
لي صاحب لا كان من صاحب فإنه في كبدي جرحه
يحكي إذا أ [صر لي زلة ذبابة تضرب في قرحة
وقال من قصيدة:
وإني من زماني في خمول دفنت به ومن لي بالنشور
وقد عكست يد النعمى فلاحت مكان الغل من عنق الأسير
[وان سراي في ليل بهيم ولا صبح يشير إلى سفور]
فما للملك ليس يرى مكاني وقد كحلت لواحظه بنوري
كذا المسواك مطروحا هوانا وقد أبقى جلاء في الثغور
стр. 2612
فصل في ذكر الأديب
أبي إسحاق [إبراهيم] بن معلى
قدح البلاغة المعلى، وسيفها المحلى، أحد من بنى منارها، ورفع بالغور اليفاع نارها، ولم أظفر من كلامه لانزعاجي في تحرير هذه النسخة إلا بلمعة كهلال ليلة، أو ظل أثيلة، وقد أوردتها بأسرها، لأنبه على قدره وقدرها.
قال يرثي أعيان وقته بقصيدة أولها:
هل بين أضلعنا قلوب جنادل أم خلف أدمعنا مدود جداول
في كل يوم حزن نجم ساقط ما بيننا وكسوف بدر آفل
سدكت بنا الأرزاء غير مغبة وألحت النكبات غير غوافل
وعلت بنا الأيام في سطواتها فجلت لنا عن كامنات غوائل
وهي الليالي ليس يخفى نقصها فلذاك تطلب كل حر كامل
آها وواها للمعالي إنها رزئت بركني عرشها المتمايل
بدعامتي حسب ونجمي سؤدد وحديقتي أدب وبحري نائل
أخوي صفاء في المودة أجريا في المكرمات إلى المدى المتطاول
стр. 2613
[فبذا تحمل كل عبء مثقل وبذا إقامة كل أمر مائل]
فكأن هذا حاجب في خندف وكأن هذا مالك في وائل
إن طال حزني يوم ذاك فإنني لم أحل بعد من الحياة بطائل
أو سال صبري في الدموع فبعدما دفنت هناك ذرائعي ووسائلي
[ومنها] :
أين الذي يرتاح بشرا بالقرى والحق يصدع مظلمات الباطل
زفر الزمان بذاك زفرة مغضب وسطا بذاك الدهر سطوة صائل [٢٢٩ب]
صلى المهيمن ذو الجلال عليكما والكل من ملأ السماء الحافل
وتظافرت أيدي الغمام فأخملت حلل الربيع عليكما بخمائل
لأرى الرياض على الرياض وأقتدي ببكا السحاب على السحاب الهائل
وله من أخرى يرثي:
فلا تغررك بهجة مستحيل إذا ما الجمر عاد إلى الرماد
أبا الحجاج لو لم يؤت بدع لحج الناس قبرك في احتشاد
وزارك من بني الآمال حفل يضم الأرض من هيد وهاد
[معد للطريق ولا كعهد مضى أغنيت عن إبل وزاد]
فقد بارت بضائعهم عليهم وخلوا السوق مفرطة الكساد
стр. 2614
فسيان الركوب على قتود لعاف والمبيت على قتاد
أمعتنق الصعيد وكان يغدو عليه وهو معتقل الصعاد
أرى لبس الحداد عليك مما يشق على المهندة الحداد
فكم أوردتهن على وريد وكم أهديتهن إلى الهوادي
فإن تبعد فما بعدت صفات قربن لمادحيك على البعاد
وأين قرى مسائك في الموالي وأين قرى صباحك في الأعادي
وأين نداك يهتف كل حين ببغية مجتد ورضاء شاد
وأين بياض بشرك وهو يجلو دجى النكبات حالكة السواد
وأينك في عرائكك اللواتي ألن عرائك النوب الشداد
إذا ما زرت قبرك رضت نفسي لأستسقي به سبل الغوادي
فأمكث لا يطاوعني لساني بذاك ولا يساعدني فؤادي
أحاذر أن يفوه به فأقضي بأن ربى حللت بهن صاد
وكيف يكون عهدي منك هذا وأحمل منه بك للعهاد
وأعجب كيف يقنع فيك قوم بجد في بكائك واجتهاد
وكان يقل لو نحروا المطايا عليك وبادروا عقر الجياد [٢٣٠أ]
وحل الكل يوم حللت عهدا فقاسمك التراب إلى التناد
فيا لهفي عليك ولهف غيري ولهف المجد والحسب التلاد
ولما لم أنل أملي وعاقت عوائق دون سؤلي واعتقادي
سعيت بأن أقيم مقام نفسي أزاهر روضة الأدب المعاد
стр. 2615
فجاءتكم تنم ببعض ودي وتعبق عن صفائي واعتدادي
[وإن لم ترض منتقدا بحالي تبين وجه عذري في انتقاد]
ضلوع ما يفارقها التهاب وجفن وقع انتقاصي في ازدياد
قوله: " وأحمل منه بك للعهاد " كقول ابن المعتز:
وحاشاه من قولي سقى الغيث قبره يداه يروى قبره من نداهما
وأخذه من قول أبي تمام:
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة باسقائها قبرا وفي لحده البحر
وقال ابن المعتز:
لم تمت أنت إنما مات من لم يبق للمجد والمكارم ذكرا
لست مستقيا لقبرك غيثا كيف يظما وقد تضمن بحرا
وبيته الأول من هذين، من قول حبيب أيضا:
ألم تمت يا سليل المجد من زمن فقال لي لم يمت من لم يمت كرمه
стр. 2616
وقال عبد السلام بن رغبان:
سقى الغيث أرضا ضمنتك وساحة لقبرك فيها الغيث والليث والبدر
وما هي أهل إذ أصابتك بالبلى لسقيا ولكن من حوىء ذلك القبر
أخذ [هذا] البيت الأول الراضي فقال يرثي أباه المقتدر:
بنفسي ثرى ضاجعت في ساحة البلى لقد ضم منك الغيث والليث والبدرا
فلو أن عمري كان طوع مشيئتي وأسعدني المقدور قاسمتك العمرا [٢٣٠ب]
ولو أن حيا كان قبرا لميت لصيرت أحشائي لأعظمه قبرا
وينظر في هذا المعنى إلى قول المتنبي:
حتى أتوا جدثا كأن ضريحه في القلب كل موحد محفور
وقال ابن معلى يرثي من قصيدة أخرى:
رزء بكت منه العلا ومصاب شقت عليه جيوبها الأحساب
أعيا مرام الصبر يوم حلوله نفسي وسدت دونه الأبواب
وطفقت التمس العزاء فخانني نفس تذوب وأدمع تنساب
وتلجلج الناعي [به] فسألته عود الحديث لعله يرتاب
أنفى ويوجب أن يقول حقيقة فعل الشفيق، فغلب الإيجاب
стр. 2617
تربت يداه مدى الحياة بمن نعى وغدت بفيه جنادل وتراب
[فلكم حماه على المكارم ان نبا وطن بذي أمل وضاق جناب]
يا عامر لم يبق بعدك عامر لمنازل العلياء فهي خراب
أنعى إلى الإعراب منك معيده غضا كما نطقت به الأعراب
وإلى لباب الفهم فهمك إنه كانت تقر بفهمك الألباب
وإلى السيادة والصبا فلكم أتت تدعو نهاك عن الصبا فتجاب
ولكم نزعت بسهم فكر صائب يرمى الزمان بمثله فيصاب
كم اعذل الأيام فيك بما جنت لو كان للأيام عنك متاب
وأعاتب الزمن الخؤون فيقضي كل العتاب ولم يكن إعتاب
ذبلت بروض المجد بعدك دوحة وخبا بأفق العلم منك شهاب
ناحت بك الأقلام غاية وسعها وبكت بأبلغ جهدها الآداب
وتقطعت نفس الكتابة حسرة وأسى عليك وأسعد الكتاب
لا يبل مهجتك التراب وآنست فيه ثراك كواكب أتراب
وسقى ضريحك بعد أخذ عهوده ألا يغب مجلجل سكاب
وغدا عليك الروض وهو كأنما نشرت به من سندس أثواب [٢٣١أ]
وإذا تنفست الرياح بليلة فعليك منها جيئة وذهاب
يا أيها الشبل المعفر بعدما حمي العرين به وعز الغاب
أرثي لليثك إنه بك مضمر حرقا لها بضلوعه إلهاب
ولو استطعت جعلت موضع قلبه قلبي فيبقى سالما وأذاب
стр. 2618
ولنبت عنه إذا بكاك بأدمع فلكم له في ما اريد مناب
وهذا كقول علي بن بسام البغدادي يرثي علي بن يحيى بن منصور المنجم، مما أنشده أبو اسحاق الحصري:
قد زرت قبرك يا علي مسلما ولك الزيارة من أقل الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه فلطالما عني حملت نوائبي
قال الحصري: وقد أنشدني هذين البيتين أبو بكر بن محمد بن القاسم الأنباري، قال: أنشدني علي بن سليمان لنفسه، فأنشدهما وزاد:
ودمي فلو أني علمت بأنه يروي ثراك سقاه صوب الصائب
لسفكته أسفا عليك وحسرة وجعلت ذاك مكان دمع ساكب
ولئن ذهبت بملء سؤددا فجميع ما أوليت ليس بذاهب
وقوله: " وسقى ضريحك بعد أخذ عهوده " - البيت، من قول طرفة:
وسقى طلولك - غير مفسدها - صوب الربيع وديمة تهمي
وقد تتبع هذا المعنى على ذي الرمة في قوله:
ألا يا اسلمي يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعائك القطر
стр. 2619
لأن في مداومة الانهلال تعفية الرسوم ومحو الآيات؛ على أنه قد احترس من الاعتراض احتراسا قدمه في صدر البيت وهو قوله: " اسلمي "، فدعا لها بالسلامة على تعاقب الأحوال الموجبة بلى الديار، واندراس الآثار؛ وبيت طرفة أسلم. والذي فتق للشعراء هذا الفن فافتنوا فيه وجاءوا بالاحتراس وغيره امرؤ القيس بقوله:
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض واليوم قر [٢٣١ب]
فقوله: " واليوم قر " تتميم للمعنى ومبالغة في اللفظ، وقال [الآخر] :
إذا الله أسقى دمنتين ببقعة من الأرض سقيا رحمة فسقاهما
وقال أبو الطيب:
صلى الإله عليك غير مودع وسقى ثرى أبويك صوب غمام
ومن هذه المبالغة في التتميم أيضا قول امرىء القيس:
كان عيون الوحش حول خبائنا وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
فتناوله زهير فقال:
كأن فتلت العهن في كل منزل نزلن به حب الفنا لم يحطم
стр. 2620
ويسمى أصحاب البديع ما كان مخصوصا من هذا النوع بالقافية: " الإيغال " [والتتبيع] وما كان في أضعاف البيت: " المبالغة " و " التتميم "؛ ومن المبالغة قوله:
من القاصرات الطرف أو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا
وأخذ حسان فقال:
لو يدب الحولي من ولد الذر عليها لأندبته الكلوم
فقصر حسان عنه لأن امرأ القيس قال: " فوق الإتب " وهو ثوب، وأيضا فإن في بيته معنى متقدما وهو قوله: " من القاصرات الطرف " يريد أنها غير متطلعة إلى غير زوجها، وقيل: تقصر الطرف ألايجاوزها إلى غيرها، كما قال أبو الطيب المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه كأن عليه من حدق نطاقا
وأصل هذا المعنى من قول امرىء القيس:
* بمنجرد قيد الأوابد هيكل *
ففرعه الناس فقالوا: قيد العيون وقيد النواظر، فأخفاه أبو الطيب وملحه، والذي نبهه على الزيادة فيه بشار بقوله:
стр. 2621
ومكللات بالعيون طرقني ورجعن ملسا
وأخذ السري فقال:
أحاطت عيون العاشقين بخصره فهن له دون النطاق نطاق
وتناول ابن المعتز ما تناول حسان فقال [٢٣٢أ] [وتجاوز الحد] :
أن فلو مرت به ذرة في رجلها نعل من الورد
لمزقت ديباجتي خده من غير أن جالت على الخد
وقول ابن المعلى: " وتلجلج الناعي به " - البيت، من قول المتنبي، وقد تقدم إنشاده:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقة أملا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وأخذه أبو الحسين ابن الجد فقال من شعر قد تقدم أيضا إنشاده في القسم الثاني من هذا المجموع:
تصاممت عنها مستريحا إلى المنى وقلت عساها في الأحاديث بهتان
رجع:
وأنشدت له يصف خروج أهل بلنسية لحرب العدو في غير ثياب الحرب
стр. 2622
وهزيمتهم [بموضع يعرف ببطرنة] :
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم حلل الحرير عليكم ألوانا
ما كان أقبحهم وأحسنهم بها لو لم يكن ببطرنة ما كانا
قال أبو الحسن: وذكرت بما وصفه عن أهل بلنسية من خروجهم لقتال عدوهم في ثياب الحرير، زينتهم، ما حكاه أبو مروان بن حيان في فصل من تاريخه الكبير، في صفة أهل طليطلة، وقد خرجوا لعدوهم على تلك الهيئة، فانهزموا وقتلوا:
قال ابن حيان: فلم يرع الأسماع إلا ورود الخبر بما صكها من توريط المسلمين في جحيم ذلك المأزق، ومما وقع [من] التعجب منهم أنه أخذ من البياض المقتولين من أهل طليطلة في تلك الوقعة ألف غفارة من لبوس أهل الرفاهية أيام المباهاة، ركبوا بها إلى الطاغية - قصمة الله - كأنهم وفد سلم يشهدون المعاقدة، فيا للرجال لحلوم قوم سكان بثغر مخوف، أبناء قتلى وسلالة أسرى، قلما خلوا من هيعة، عدموا الراعي العنوف منذ حقب، فنبذوا السلاح وكلفوا بالترقيح ونافسوا في النشب، وعطلوا الجهاد، وقعدوا فوق الأرائك مقعد الجبابرة المتفاتنين من أهل موسطة الأندلس، ينتظرون من ينبعث من أهلها للقتال عنهم حسبة، ولا يرفدون المختل ممن
стр. 2623
رابط إليهم بعليقه، فتبا لهم تبا!! فتضعضع ثغرهم بتوالي هذه النكبات، ولحقت المسلمين بهم مضايق سماعها، حتى عم تلك [٢٣٢ب] الثغور الجلاء، وتوزع المسلمين البلاء، وخربت ديارهم، وبادت آثارهم.
وذكرت [أيضا] بهذه الحكاية ما حكاه الفرزدق عن نفسه قال: كنت أخرج أنا وجرير كل يوم إلى المناقضة بالمربد، ويحضرنا وجوه أهل البصرة، وكنت أرسل كل غداة إلى جرير عينا، فإذا لبس زيا لبست أحسن منه أو مثله، أباهيه بذلك، فجاءني عيني عليه يوما فأخبرني أنه في حلة فاخرة وزي من الرفاهية، وأنه على قلوص في مركب نبيل ورحل ظاهر، فسرت في مثل ذلك الزي، وانتهيت إلى المربد فلم أجده، فلم يرعني إلا انقضاض فارس قد اعتقل قناة خطية وظاهر بين درعين، وتقنع بالحديد، فلم يظهر إلا عينة، وجاء حتى ركز قناته إلى جنبي، وأنا أشبه شيء بالهدي تزف إلى بعلها، فإذا جرير رافع عقيرته ينشد:
أعدوا مع الحلي الملاب فإنما جرير لكم بعل وأنتم حلائله
فانصرف الناس بذلك البيت، وانصرفت أخزى منصرف.
وقول ابن المعلي: " لو لم يكن ببطرنة ما كانا " - البيت، يسمي بعض أهل النقد هذا النوع من البديع " الإيماء "، وهو عند بعضهم من أقسام الاشارة، وهي من غرائب الشعر وملحه، ويدل على بعد المرمىٍ
стр. 2624
وليس يأتي بها الشاعر المبرز الماهر، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح؛ قال أبو علي بن رشيق في كتاب " العمدة " له: فمن الإيماء المليح للمتقدمين قول قيس بن ذريح:
أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت لها زفرة تعتادني هي ما هيا
ومثله قول كثير:
تجافيت هني حين لا لي حيلة وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقوله: " وخلفت ما خلفت " إيماء مليح.
ومن أنواع الإشارة: " التلويح " كقول المجنون:
لقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل بي النقص والإبرام حتى علانيا
فلوح بالصحة والكتمان، ثم بالسقم والاشتهار تلويحا عجيبا؛ وإياه عنى المتنبي بعد أن قلبه ظهرا لبطن فقال:
كتمت حبك حتى منك تكرمة ثم استوى فيك إسراري وإعلاني
لأنه زاد حتى فاض عن جسدي فصار سقمي به في جسم كتماني [٢٣٣أ]
فأخفاه وعقده كما تراه، حتى صار أحجية يتحاجاها الناس؛ ومن أجود
стр. 2625
ما وقع في هذا المعنى قول النابغة في طول الليل:
تقاعس حتى قلت ليس بمنقص وليس الذي يرعى النجوم بآيب
والذي يرعى النجوم هنا هو الصبح، أقامه مقام الراعي الذي يغدو فيذهب بالإبل والماشية، فيكون حينئذ تلويحه هذا عجبا في الجودة. وزعم بعض أهل النظر أن الذي يرعى النجوم هنا إنما هو الشاعر الذي شكا السهر وطول الليل، وليس هذا الزعم لذي فهم؛ وقد ذكر أن الآيب لا يكون إل باليل خاصة، ذكر ذلك عبد الكريم بن إبراهيم.
ومن أنواع الإشارة " التفخيم " كقول كعب الغنوي:
أخي ما أخي لا فاحش عند بيته ولا ورع عند اللقاء هيوب
ومن أنواعها " التعريض والرمز واللغز " واشتقاقه من لغز اليربوع، إذا حفر مستقيما ثم أخذ يمنة ويسرة، ليوري [ويعمي] على طالبه، و [منه] قول امرىء القيس، وبعضهم يسميه: " التتبيع ":
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل يعني أنها مخدومة مكفية المؤونة، فأتى في هذا البيت بثلاث إشارات كلها تتبيع، ترك الصفة فأتى بما يتبعها؛ وبعضهم يسمي هذا النوع " الارداف ".
ومما جاء من الإشارة على معنى التشبيه قول الراجز يصف لبنا ممذوقا:
стр. 2626
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
فأشار إلى تشبيه لونه، لأن الماء إذا غلب عليه صار كلون الذئب؛ انتهى كلام ابن رشيق.
قال أبو الحسن: واستقصاء هذه الألقاب في كل باب، مما يضخم حجم الكتاب، وقد تفرق من انواع البديع، في أثناء هذا المجموع، ما فيه كفاية، ويربي على النهاية.
إيجاز الخبر عن وقعة بطرنة التي ذكر
قال أبو الحسن: قد جهدت ان اجد هذا الخبر في ما وقع إلي من كتاب ابي مروان، فأوليه حكمه، واعتمد فيه وصفه الرائق التقطته، من فم من شهد ذلك، وحدث عما [جرى] هنالك [٢٣٣ب] ممن لا يحسن الوصف، ولا يجيد الرصف، بيد أني أنحرى الصواب، وأتتبع الصريح اللباب:
حدثني غير واحد من أهل بلنسية قال: دلفت [إلى] بلنسية
стр. 2627
[سنة خمس وخمسين] قطعة من الافرنجة، كدين آفاق هذه الجزيرة المروع - كان سربها، الذلول بتناصر غوغائها، وتخاذل أمرائها، [يومئذ] صعبها، من طواغيت الروم المحيطين بجهاتها، أبناء المخرجين من جناتها، الموتورين بأيدي المسلمين حماتها، أيام رسوخ أقدامهم في عرصاتها، واجتماع كلمتهم على الذب عن حوزاتها، فسموا إليها لأول إطباق الفتنة، واشتمال [تلك] المحنة، ممضين لأحكامهم المفسوخة، مقارعين عن ملتهم الممحوة المنسوخة، مغتنمين للفترة، متنسمين لروح الكرة، فسال منها يومئذ ببلنسية سيل عرم عفى على ما [كان] بها من بهجة ورونق، ومزق أهلها بأطراف الرماح وظبا الصفاح كل ممزق. قال المحدث: فأناخت تلك القطعة يومئذ ببلنسية سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأهلها: جاهل غر أو مترف مغتر، أو غفل لا خير ولا شر. قد خلوا بشهواتهم، وانخدعوا بإغضاء الدهر عن غراتهم، لا عهد لهم [يومئذ] بصريع إلا من كاس شمول، أو لحظات أعين كحيل، ولا بعان كنيع إلا لعتاب خليل، أو إعراض حبيب وصول، مغفلين للتدبير، غافلين عما يتعاور أطرافهم من الحذف والتغيير، فطار بهم الذعر كل مطار، وسارت عن زعمائهم في استقبال محنتهم تلك أعجب أخبار، ثم كايدهم العدو بإظهار الاضطراب، والاستتار
стр. 2628
عن عيونهم ببعض تلك الهضاب، استدراجا لهم واستطرادا، وجدا في طلب مكروههم واجتهادا، فهاج رعاعهم، ونادى بالنفير مهنتهم وصناعهم، حتى بلغني أن مخنثين من مخنثيها تناديا إلى الخروج، وقد حلما بسبي العلوج، فهما يتنازعون المنى، ويقولان نحن أعلم بفعلات القنا، وهيهات! تلك أقصف للظهور، وهذه أشفى لبعض الصدور، وخرجا ولا سلاح إلا رشاء تجاذباه، ثم اصطلحا بعد فقسماه، لا يستريبان بضيق المنهاج، ولا يشكان في اقتياد الأعلاج، وساعد أولئك الرعاع الحائنين أميرهم [يومئذ] المترف عبد العزيز بن أبي عامر - المتقدم الذكر - فخرج بالعير والنفير، والجم الغفير، يحسب الطعن كالقبل، ولم يكن من محبيهن، ويظن السيوف كالمقل، ولم يتعقب على مشتهيهن، ويتخيل صليل الحسام، بين القصر والهام، ما كان اتسع له درعه، ومرن عليه سمعه، من [٢٣٤أ] نغم الأوتار، وترنم الأطيار، فلم يرع العدو يومئذ إلا خروج أهل بلنسية الأغمار الأغفال، إلى تلك المصارع والآجال:
يمشون مشي قطا البطاح تأودا هيف الخصور رواجح الأكفال
فظفر [العدو] منهم يومئذ بغنيمة أحلى من السرور، وأبرد من النسيم على كبد المخمور، أتاهم من ظهورهم، فحكم السيف في جمهورهم
стр. 2629
فلم يبق إلا من أحرزه أجله، وخفي على [سهم] المنية مقتله.
حدثني من رأى ابن أبي عامر يومئذ متحصنا بربوة بين لمة من فرسانه، ينشد وقد عقد الرعب عذبة لسانه:
خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي اليوم ما تريان
فنجا منها منجى أبي نصر، بعد أن أعطى على القسر، ولم يحفل بما أحاط به من أصحابه المغترين به من قتل وأسر.
في ذكر الأديب أبي عامر بن الأصيلي
واجتلاب جملة من شعره
وكان أبو عامر جوابة آفاق، وناظما وناثرا باتفاق، وله شرف، وسابقة سلف، وقد أثبت بعض ما وقع إلي من شعره، على معرفتي بقدره، لنباهة سلفه واشتهار ذكره.
فصل له من رقعة: أنت - أعزك الله - أشد استثباتا، وأكرم التفاتا، من أن تتأمل ما ينقله الواشون، وتتبع بهواجسك سوء الظنون، فتبين بهرج قول لم يعره الحق نوره، ولا الصدق ظهوره. والوزير
стр. 2630
أبو القاسم بن صارم، ظالم لي وإن كان غير ظالم، [٢٣٤ب] فإنه نقص فاضلا، وقطع واصلا، وتتبع يسيرا، وعظم حقيرا، تقمنا لمسرة ولد له مدلل يحسب أن كسرى من أعوانه، وأن هاروت ينفث عن لسانه، [يتعاطى ما لا يحسن، ويحقر ويمتهن، فيورط أباه في بحور السباب، ويبيح عرضه لألسنة الشعراء والكتاب] وجرى علي بجهتك، التي ألمت بها من أجلك، وتسرت [فيها بظلك، تطاول لم تقبله طباعي، ولا استقرت عليه أضلاعي، إذ لم أعهد مثله] في سائر البلاد، ولا منيت بشكله في حاضر ولا باد، وذلك أن الوزير الأعلى أبا عامر، القائد الشجاع الشاعر - انهض الله همته، وضمخ بمسك الثناء لمته - أراد أن يدخلني تحت قدمه، ويعدني من خوله وحشمه، وتوهم أنه يستطيل بعزته علي، ويستميل بكثرة دراهمه من لدي، فأدركني لذلك إباء أوقع الوحشة بيني وبين أبيه، ونقلني عن حسن ظني فيه، فلم يمهلني غايته غير ثلاث، حتى تسبب إلي بأسباب رثاث، كانت سببا لانزعاجي دون تسليم ولا توديع، وفراري فرار الخائف المروع.
следующие страницы →