← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط فأشار إلى تشبيه لونه، لأن الماء إذا غلب عليه صار كلون الذئب؛ انتهى كلام ابن رشيق. قال أبو الحسن: واستقصاء هذه الألقاب في كل باب، مما يضخم حجم الكتاب، وقد تفرق من انواع البديع، في أثناء هذا المجموع، ما فيه كفاية، ويربي على النهاية. إيجاز الخبر عن وقعة بطرنة التي ذكر قال أبو الحسن: قد جهدت ان اجد هذا الخبر في ما وقع إلي من كتاب ابي مروان، فأوليه حكمه، واعتمد فيه وصفه الرائق التقطته، من فم من شهد ذلك، وحدث عما [جرى] هنالك [٢٣٣ب] ممن لا يحسن الوصف، ولا يجيد الرصف، بيد أني أنحرى الصواب، وأتتبع الصريح اللباب: حدثني غير واحد من أهل بلنسية قال: دلفت [إلى] بلنسية

стр. 2627

[سنة خمس وخمسين] قطعة من الافرنجة، كدين آفاق هذه الجزيرة المروع - كان سربها، الذلول بتناصر غوغائها، وتخاذل أمرائها، [يومئذ] صعبها، من طواغيت الروم المحيطين بجهاتها، أبناء المخرجين من جناتها، الموتورين بأيدي المسلمين حماتها، أيام رسوخ أقدامهم في عرصاتها، واجتماع كلمتهم على الذب عن حوزاتها، فسموا إليها لأول إطباق الفتنة، واشتمال [تلك] المحنة، ممضين لأحكامهم المفسوخة، مقارعين عن ملتهم الممحوة المنسوخة، مغتنمين للفترة، متنسمين لروح الكرة، فسال منها يومئذ ببلنسية سيل عرم عفى على ما [كان] بها من بهجة ورونق، ومزق أهلها بأطراف الرماح وظبا الصفاح كل ممزق. قال المحدث: فأناخت تلك القطعة يومئذ ببلنسية سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأهلها: جاهل غر أو مترف مغتر، أو غفل لا خير ولا شر. قد خلوا بشهواتهم، وانخدعوا بإغضاء الدهر عن غراتهم، لا عهد لهم [يومئذ] بصريع إلا من كاس شمول، أو لحظات أعين كحيل، ولا بعان كنيع إلا لعتاب خليل، أو إعراض حبيب وصول، مغفلين للتدبير، غافلين عما يتعاور أطرافهم من الحذف والتغيير، فطار بهم الذعر كل مطار، وسارت عن زعمائهم في استقبال محنتهم تلك أعجب أخبار، ثم كايدهم العدو بإظهار الاضطراب، والاستتار

стр. 2628

عن عيونهم ببعض تلك الهضاب، استدراجا لهم واستطرادا، وجدا في طلب مكروههم واجتهادا، فهاج رعاعهم، ونادى بالنفير مهنتهم وصناعهم، حتى بلغني أن مخنثين من مخنثيها تناديا إلى الخروج، وقد حلما بسبي العلوج، فهما يتنازعون المنى، ويقولان نحن أعلم بفعلات القنا، وهيهات! تلك أقصف للظهور، وهذه أشفى لبعض الصدور، وخرجا ولا سلاح إلا رشاء تجاذباه، ثم اصطلحا بعد فقسماه، لا يستريبان بضيق المنهاج، ولا يشكان في اقتياد الأعلاج، وساعد أولئك الرعاع الحائنين أميرهم [يومئذ] المترف عبد العزيز بن أبي عامر - المتقدم الذكر - فخرج بالعير والنفير، والجم الغفير، يحسب الطعن كالقبل، ولم يكن من محبيهن، ويظن السيوف كالمقل، ولم يتعقب على مشتهيهن، ويتخيل صليل الحسام، بين القصر والهام، ما كان اتسع له درعه، ومرن عليه سمعه، من [٢٣٤أ] نغم الأوتار، وترنم الأطيار، فلم يرع العدو يومئذ إلا خروج أهل بلنسية الأغمار الأغفال، إلى تلك المصارع والآجال: يمشون مشي قطا البطاح تأودا هيف الخصور رواجح الأكفال فظفر [العدو] منهم يومئذ بغنيمة أحلى من السرور، وأبرد من النسيم على كبد المخمور، أتاهم من ظهورهم، فحكم السيف في جمهورهم

стр. 2629

فلم يبق إلا من أحرزه أجله، وخفي على [سهم] المنية مقتله. حدثني من رأى ابن أبي عامر يومئذ متحصنا بربوة بين لمة من فرسانه، ينشد وقد عقد الرعب عذبة لسانه: خليلي ليس الرأي في صدر واحد أشيرا علي اليوم ما تريان فنجا منها منجى أبي نصر، بعد أن أعطى على القسر، ولم يحفل بما أحاط به من أصحابه المغترين به من قتل وأسر. في ذكر الأديب أبي عامر بن الأصيلي واجتلاب جملة من شعره وكان أبو عامر جوابة آفاق، وناظما وناثرا باتفاق، وله شرف، وسابقة سلف، وقد أثبت بعض ما وقع إلي من شعره، على معرفتي بقدره، لنباهة سلفه واشتهار ذكره. فصل له من رقعة: أنت - أعزك الله - أشد استثباتا، وأكرم التفاتا، من أن تتأمل ما ينقله الواشون، وتتبع بهواجسك سوء الظنون، فتبين بهرج قول لم يعره الحق نوره، ولا الصدق ظهوره. والوزير

стр. 2630

أبو القاسم بن صارم، ظالم لي وإن كان غير ظالم، [٢٣٤ب] فإنه نقص فاضلا، وقطع واصلا، وتتبع يسيرا، وعظم حقيرا، تقمنا لمسرة ولد له مدلل يحسب أن كسرى من أعوانه، وأن هاروت ينفث عن لسانه، [يتعاطى ما لا يحسن، ويحقر ويمتهن، فيورط أباه في بحور السباب، ويبيح عرضه لألسنة الشعراء والكتاب] وجرى علي بجهتك، التي ألمت بها من أجلك، وتسرت [فيها بظلك، تطاول لم تقبله طباعي، ولا استقرت عليه أضلاعي، إذ لم أعهد مثله] في سائر البلاد، ولا منيت بشكله في حاضر ولا باد، وذلك أن الوزير الأعلى أبا عامر، القائد الشجاع الشاعر - انهض الله همته، وضمخ بمسك الثناء لمته - أراد أن يدخلني تحت قدمه، ويعدني من خوله وحشمه، وتوهم أنه يستطيل بعزته علي، ويستميل بكثرة دراهمه من لدي، فأدركني لذلك إباء أوقع الوحشة بيني وبين أبيه، ونقلني عن حسن ظني فيه، فلم يمهلني غايته غير ثلاث، حتى تسبب إلي بأسباب رثاث، كانت سببا لانزعاجي دون تسليم ولا توديع، وفراري فرار الخائف المروع.

стр. 2631

جملة من شعره في أوصاف شتى قال يتذكر وطنه بسرقسطة ويضمن بيتين من إنشاد الثعالبي لبعض أهل عصره: على سرقسطة أبكي دما وأمواهها العذبة المحييه وقوم كرام فواحسرة على الجمع منهم أو التثنيه وأصبحت في بلدة أهلها سباع لأهل النهى مؤذيه كأن بلنسية زينت لشاطبة فاحتفت مرسيه تعوضت منها بأرض أرى أفاعيل أربابها ملهيه فكم كاس ذل تجرعتها ولم أبدها وهي لي مخزيه وكم ليلة بتها طاويا ونفسي عن الكشف مستحييه " وقد يلبس المرء حر الثياب ومن تحتها حالة مضنية " " كما يكتسي خده حمرة وعلتها ورم في الريه " عسى الله يعقبنا صحة فمن عنده الداء والأدويه

стр. 2632

وقال وهو بقلمرية من عمل الطاغية اذفونش - قصمه الله -: قلقت وحق بأن يقلقا مصون غدا غرضا للشقا حللت بلادا كستني بها يد الليث من سقم يلقما [٢٣٥أ] وردت قلمرية طامعا فلم ألف برا ولا مرفقا حرمت كأني دون الورى طلبت العقوق بها الأبلقا [ورمت الرجوع ومن لي به وقد غلق الباب من غلقا إذا الشوق مر على خاطري شرقت وحق بأن أشرقا] أأحبابنا هل لنا رجعة وهل لي بكم أبدأ ملتقى ٣ - توركت بحر الأسى بعدكم وإني لأحذر أن أغرقا وصرت وإن كنت ذا همة وحزم بأيدي النصارى لقى يقول أناس ولو أنصفوا لكذب في الذي صدقا فلان حريص به نهمة إلى الرزق من قبل أن يرزقا وليس، ولكن نحوسي أبت بسوق النباهة أن تنفقا ولو وفق المرء في سعيه تخير في رزقه وانتقى تلون دهري بأحداثه علي فشبهته عقعقا وكان أبو عامر مشحوذ المدية في الكدية، وهي التي بلغته كما ترى إلى بلاد النصارى.

стр. 2633

وهو أيضا القائل، وقد تطوف على بلاد الساحل، فما حظي أيضا منها بكبير طائل: إلى أين الفرار ولا فرار ومن لي بالقرار ولا قرار أرى الأوغاد يعتمرون دورا ومالي في بلاد الله دار إذا ركبوا المذاكي والمطايا فمركوبي على شرفي حمار أجول فلا أرى إلا رعاعا كبارهم إذا اختبروا صغار أباجة لا وقاك الله شرا فأهلك أهل مفسدة شرار أشلب لا جزاك الله خيرا فلا خير لديك ولا خيار أشنتمرية قبحت دارا كؤوس المخزيات بها تدار أشلطيش ألا غرق وشيك تموج على ثراك به البحار أأونبة تعدتك الغوادي ولا هطلت بساحتك القطار ألبة كنت صالحة ولكن أتى ابن حليفة وأتى الشنار بلاد عريت من كل خير فملبس أهلها مقت وعار [٢٣٥ب] غلطت فزرتها فرأيت قوما منازلهم وإن عمرت قفار ترد علي أشعاري ويجفى رسولي، والنباهة لي شعار شتوت بها على كره فغطى على جدي ومعرفتي الغبار وله مما كتب به الحصري: حلفت بمحكم السور ومنزل محكم السور

стр. 2634

ومن بعدت جلالته عن الإدراك والنظر وما سن النبي لنا وما أبقى من السير وإلا لست منه ومن أبي بكر ومن عمر لقد أولى الزمان يدا سأشكرها مدى عمري أطال يدي وفضلني بلقيا الفاضل الحصري أقول لمن ينافسه رويدك لست ذا بصر تخل عن البديع له وسلم فيه للقدر شهدت له على علمي بسبق البدو والحضر وجئت إليه معترفا بما في الباع من قصر وما أدللت من أشر ولا استرسلت من بطر ولكن خاطري أبدى له ودي على خطر جعلت بضاعتي تمرا وجئت بها إلى هجر ذكرناه بواجبه وهل يخفى سنا القمر طمعنا أن نفاكهه فجئنا النجم بالشرر فكيف نطوله طولا ومن للعور بالحور وليس الغرف من بحر كمثل النحت في الحجر وهبط [أيضا] إلى الأشبونة [أيام كوني بها] وقد أصحبه المنصور إلى قائدها كتبا في معناه، فحسن بها مثواه، وأجزل بها قراه، وزرته ونزلت عليه في منزله أول التقائي به في لمة من أهل الأدب، فلما انصرفنا عنه خاطب كل واحد منا بأبيات شعر يشكر على ما تهيأ له هنالك من البر، واعتمد بمخاطبته أيضا غلاما وضيء الوجه [وسيما] ، وكان زاره معنا

стр. 2635

يسمى عيسى، وخرج في وصفه إلى النسيب؛ فمن شعره مما خاطبني به أبيات أولها: يا دوحة العلم والآداب والخطب ومن غدا فارسا في حلبة الطلب ماذا تحيط به من علم مسألة سألتها منك بين الجد واللعب ورد الخدود وورد الروض أيهما أجل عندك يا ذا العلم والأدب وقهوة الريق والصهباء واحدة أم قهوة الريق تخزي قهوة العنب وما سألتك عن جهل بأمرهما لكن نزعت إلى شيء من الطرب [٢٣٦أ] فراجعته بأبيات منها: طوقت كل أديب طوق لؤلؤة غرفتها من بحور العلم والأدب لكن أجدت روي السين من شغف إذ همة الليث في المسلوب لا السلب فراجعني [ثانية] بأبيات قال فيها: إيه أبا حسن يا راقم الصحف ما إن أجدنا روي السين من شغف لكن طربت لما ألقاه من حرق وما أكابده من شدة الكلف وما انتفاعي بمحبوب أفارقه عما قريب ولم أربح سوى الدنف [هذا الذي في الهوى قسرا يزهدني ولو سكت لكان العذر غير خفي] وله في الوزير الفقيه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري بالأشبونة، قصيدة مخمسة وتضمن أبيات المتنبي، يقول فيها:

стр. 2636

دبار على دار الفناء ومينها نفضت يدي من سامها ولجينها فقلت ونفسي قد تصدت لحينها ذو النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترق جاران دارهما عمر فلا تحسبن المجد سكرا ولا كرى فما المجد إلا همة تذر الورى ونفس ترى أشهى من الدعة السرى وتضرب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر وأخذك من دنياك ما كان أحزما وكفك فيها عن عسى ولعلما وصدك عن وصل الأوانس كالدمى وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر ورب أمير مفرط في احتياله قبضت يميني نخوة عن شماله ونزهت نفسي رفعة عن نواله ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر أهيل زماني ودكم غير خالص فلست إليكم ما بقيت بشاخص شكرت وشكري رعدة في الفرائض إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص [٢٣٦ب] على هبة فالفضل في من له الشكر تجنت في أشبونة آل أخطل وأملت ركني في الخطوب ومعقلي قطعت إليه كل البيداء مجهل وأقدمت إقدام الأتي كأن لي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر

стр. 2637

سعيت ومن أمثالهم " من سعى رعى " إلى أن لقيت الناس أجمع أكتعا فتى لوذعيا باسم الثغر أروعا مفدى بآباء الرجال سميدعا هو الكرم المد الذي ماله جزر سريت إليه أهتدي بضيائه ويرشدني في القفر طيب ثنائه وما زلت أستسلي بطول بقائه وأستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبر الخبر إليك ابن إبراهيم أدى بنا الهوى ومن عرف الأطواد حاد عن الصوى أممناك والإخلاص مستحكم القوى وجئناك دون الشمس والبدر في النوى ودونك في أحوالك الشمس والبدر سمي رسول الله خير مرتجى ويا كوكبا يذكو إذا حادث دجا ويا مقلد المحيا إذا الباب أرتجا دعاني إليك العلم والحلم والحجى وهذا الكلام النظم والنائل النثر لمجدك عندي حلي فخر نعوته وود كماء المزن صح ثبوته فدع كل شعرور فطبعي يفوته وما قلت من شعر تكاد بيوته إذا كتبت يبيض من نورها الحبر [قال ابن بسام] : وكان الوزير الفقيه أبو عبد الله [محمد] بن إبراهيم، سويداء قلب ذلك الأقليم، ومجلسه بالأشبونة مرمى جمار المنثور والمنظوم، هو المقتول هنالك المظلوم، - رفع الله درجته، وقتل قتلته -؛ ولما

стр. 2638

كسف ذلك النير المشرق، وأظلم عليهم بغتة الأفق، انطلقت [بالغرب يومئذ] أيدي الدهماء، إذ عدموا من كان يفيض عليهم أنوار الآراء، فيقبلونها [٢٣٧أ] قبول الكواكب لشعاع ذكاء، ويدني من لباناتهم ما شسع، ويستنزل بها ما امتنع، بآراء سديدة الأنحاء، كالسيوف في المضاء، وسياسات لطيفة: من شدة ولين، وحركة وسكون، وكنت قد علقت منه في ذلك الغرب بالحبل المتين، وأستندت منه إلى ثبير الحصين، وتبوأت منه أرحب مربع، وأخصب مرتع، وفي وصف سؤدده وفضله، وكيفية قتله، طول خارج عن غرض هذا المجموع. ولأبي عامر الأصيلي في تأبينه قصيدة أولها: على مصرع الفهري ركني وموئلي بكيت وأبكي طول دهري وحق لي أؤبن من مات الندى يوم موته وقلص ظل الجود عن كل مرمل وما كان صمتي منذ حين لسلوة ولكن عظم الرزء أخرس مقولي إلى أي طود يسند الشعر بعده وقد حط منه الدهر أركان يذبل تولى ابن إبراهيم فالغرب بعده لكل غريب الدار حلقة جلجل فأصبحت الآمال بعد محمد تنادي ألا بعدا لكل مؤمل خليلي مالي لا أذوب وإنني لأطوي الحشا منه على غلي مرجل وفي من يحاك المدح جزلا كأنما أتى عن لبيد قوة ومهلهل

стр. 2639

ألا أيها النوام هبوا لتسمعوا جدال قتيل بالرزايا مجدل أما إنه والحق أبلج واضح لقد جئتم بالعار يا آل أخطل غدرتم فكان الغدر منكم سجية فتى العلم والمجد التليد المؤثل لئام رعاع جاهلون تحاسدوا على قتل صنديد أغر محجل سقى الله قبرا ضم جسم محمد سحاب تترى بالحيا المتنزل وجازاه عن إحسانه وأثابه جزاء المنيب القانت المتبتل سأندبه عمري وإن قال قائل " رويدك لا تهلك أسى وتجمل وأتبعه ذكرا بشعر كأنه " نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل " فصل في ذكر الأديب أبي الفضل جعفر بن محمد بن شرف [٣٢٧ب] ذو مرة لا تناقض، وعارضة لا تعارض، وطرأ أبوه على جزيرة الأندلس من بلدة القيروان، حسبما نشرحه إن شاء الله في ما يأتي من هذا الديوان؛ وأبو الفضل هذا [يومئذ] لم يصب قطرة، ولا خرج من الكمامة زهرة، ومن المرية درج وطار، وباسم صاحبها أنجد ذكره وغار، وهو اليوم بها قد طلق الشعر ثلاثا، ونقص غزله [بعد قوة] انكاثا، وارتسم في حذاق الأطباء، واشتمل بما بقي له هناك من الجاه والثراء

стр. 2640

ولم أظفر من شعره، إلا بما يكاد يفي بقدره، وقد أثبته على نزره، لئلا يخل بكتابي إهمال ذكره. فصل له من رقعة في فتح بلنسية: من ذكر - أعزك الله - عهدك الكريم والتزامه، وأبصر مجدك العميم وانتظامه، ووضع نفسه حيث وضعها ماضي الذمام، وأنزلها منك حيث أنزلتها تلك الأيام الكرام، وعلم أن ربطك مبرم الشد، وضبطك محكم العقد، وإن وافاك أكبر من رضوى جسدا، وأكثر من حزوى عددا، تخطى بقدم العهد، وتحظى بقدم الود، حتى زار الصفائح بالصحائف، وباشر الكتاب بالكتب اللطائف، وحياك بلسان الأقلام، تحت لسان الأعلام، حين أشرق وجه الدين فأسفر، وزهق حزب الملحدين فنفر، وأقبل الفتح في لمة التأييد، يرفل في ثوب النصر الجديد؛ وجاء الوعد الناجز ببلنسية تجذبها أعنة الأقدار، وتسوقها أحكام الجبار، فالآن قد نشر الميت من لحده، وعاد الحسام إلى غمده، فسبحان من سبب ما سبب، وأدب بالموعظة من أدب، محص الذلة فأزالها، وقدر العثرة فأقالها، وأعاد نعمة كان قد أذهب خضراءها، وأباد غضراءها، وفتح بابا سد رتاجه، وصد منهاجه، حتى خر شامخه، وذل باذخه، [ثم نشر ميته، ونجد بيته] ، قهبت ريح النصر، ومد بحر الظفر بعد الحسر:

стр. 2641

فقل - أعزك الله - في فتح عم الله ببهجته قلوب المؤمنين، وخص بالفضل فيه أمير المسلمين [وناصر الدين] ، ووفى به ضمانه، وأرجح بفخره وأجره ميزانه، حتى اقتدح بحسامه، ووسم بأعلامه، وورخ بسعيد أيامه، دعا مانعه فأجاب، وجلى عاتمه فانجاب، فتح سالت تلاعه بماء النعمة، وجالت سوامه في ضمان العصمة. وفي فصل [منها] : ومن زكاة الجاه التي هي من الفروض [٢٣٨أ] وأداء المفروض، مشاركة موصله جارنا القديم، وصديقنا الحميم، له هناك أطلال رسمها داثر، وجدها عاثر، يرجو تجديد خرابها، وتعمير يبابها، وإليك إسناده، وعليك اعتماده، ومن كان منك نعين فقد أوى إلى ركن، واعتصم بحصن، فلك الفضل في تصديق أراجيه، وإظهار جميل الرأي فيه. وله مت قصيد [فريد] أوله: مطل الليل بوعد الفلق وتشكى النجم طول الأرق ومرت ريح الصبا مسك الدجى فاستفاد الروض طيب الغبق وألاح الفجر خدا خجلا جال من رشح الندى في عرق جاوز الليل إلى أنجمه فتساقطن سقاط الورق واستفاض الليل فيها فيضة أيقن النجم لها بالغرق وهذا كقول أبي الحسن مولى البكري:

стр. 2642

ونجم الدجى في لجة الصبح يغرق * وطمى الشرق عليه فانتحى من هلال غائب في زورق فانجلى ذاك السنا عن حلك وامحت تلك الدجى عن بهق بأبي بعد الكرى طيف سرى طارقا عن سكن لم يطرق زارني والليل ينعى شرقه وهو مطلوب بباقي لبرمق ودموع الطل تمريها الصبا وجفون الروض غرقى الحدق فتأنى في إزار ثابت وتثنى في وشاح قلق وتجلى وجهه عن شعره فتجلى فلق عن غسق نهب الصبح دجى ليلته فحبا الخد ببعض الشفق سلبت عيناه حدي سيفه وتحلى خده بالرونق وامتطى من طرفه ذا حسب يلثم الغبراء إن لم يعنق أشوس الطرف عرته نخوة فتهادى كالغزال الخرق لو تمطى بين أسراب المها نازعته في الحشا والعنق [٢٣٨ب] وهذا كقول سعيد العروضي يصف فرسا: من الظلمان آباؤه فورثته الساق والجؤجؤا

стр. 2643

حسرت دهمته عن غرة كشفت ظلمتؤها عن يقق لبست أعطافه ثوب الدجى وتحلى خده بالفلق وانبرى تحسبه أجفل عن لسعه أو جنة أو أولق مدركا بالمهل ما لا ينتهي لاحقا بالرفق ما لم يلحق ذو رضى مستتر في غضب ووقار منطو في خرق وعلى خد كعضب أبيض وأذن مثل سنان أزرق كلما نصبها مستمعا ندب الشهب إلى مسترق حاردت حرد شبا خطية لا تجيد الخط ما لم تمشق كلما شامت غراري حده خفقت خفق فؤاد الفرق في ذرا ظمآن فيه هيف لم يدعه للقضيب المورق يتلقاك بكعب مصقع يقتفي شأو غرار مفلق إن يدر دورة [طرف] يلتمع أو يجل جول لسان ينطق وترى من هزه مختلفا جال في متنيه من متفق عصفت ريح على أنبوبه وجرت أكعبه في زنبق كلما كلمته باعد عن متن ملساء كمثل السرق ومنها: جمع السرد قوى أزرارها فتآخذن بعهد موثق أوجست في الحرب من وخز القنا فتوارت حلقا في حلق كلما دارت بها أبصارها صورت فيها مثال الحدق

стр. 2644

وهذا كقول [أبي محمد] ابن عبدون: ودموع طل الليل تجلو أعينا ترنو إلينا من عيون الماء [٢٣٩أ] زل عنها متن مصقول القرا يرتمي في مائها بالحرق لو نضا وهو عليها ثوبه لتفرى عن شواظ عرق أكهب من هبوات أخضر من فرند أحمر من علق وأرتوت صفحاه حتى خلته بحيا من سحب كفيك سقي يا بني معن لقد طابت بكم شجر لولاكم لم تورق لو سقي حسان إحسانكم ما بكى ندمانه في جلق أو دنا الطائي من حيكم ما حدا البرق [لربع] الأبرق طنبت منكم تجيب في حمى طالب شأو المعالي لحق إن من أنجبت من نجل زكوا فانتهوا غاية ذاك الطلق قل لمن خاف زمانا جائرا أو شكا من صرف دهر موبق بمعز الدولة الأوحد أو عزها أو سيفا فاعتلق تجل عيناك إذا زرتهم بنظام للعلا متسق أبدعوا في الفضل حتى كلفوا كاهل الأيام ما لم يطق قوله: " وتشكى النجم طول الأرق " كقول ابن رشيق: أشكو " لى النجم حتى كاد يشكوني *

стр. 2645

وقال أبو جعفر التطيلي: وطال على النجوم سراه حتى أتت وكأنما تطأ القتادا وقال: قد أذن الشرق للصباح وحيعل الفجر بالفلاح وانجاب جيش الدجى ببيض قد جئن في سمرة الرماح [سألت] لها مسكة الدياجي أمام كافورة الصباح واندمج الليل في مضيق وانبلح الصبح عن براح نبهته والنسيم يهدي الش ميم في آنف الرياح فقام كسلان دون أين واهتز نشوان دون راح [٢٣٩ب] يظهر للسخط وهو راض ويدعي السكر وهو صاح كأنه كلما تثنى يصغي إلى نغمة الوشاح وقال: أمسك بصدغك أم شامة غفلنا عن الأمر حتى التبس إخال العذار أراد انتشارا فصلت بلحظك حتى احتبس قد اختلس الشيب من بعضها شبابا وما الدهر إلا خلس فخالط فيها ضياء البياض ظلام السواد فصارا غلس كأن المحب شكا من هواك سرا إليك بما [قد] أحس فأودع أذنك سر الهوى فسود صدغك حر النفس

стр. 2646

ومعنى هذا البيت الأخير معنى غريب، وإنما نبهه عليه أبو حفص ابن برد بقوله يصف كلف البدر، [وقد تقدم] : والبدر مالمرآة غير صقلها عبث العذارى فيه بالأنفاس ومن أخرى: في ضمان الطيف بقيا رمقي صدقت عيني أم لم تصدق زارني بل عادني من مرضي إذ شفاني زارني في قلق نعمت عيناك بالطيف وقد نفثت الفجلا به عن حنق وفي صفة الليل: فهو يبدي بلقا عن دهمة ثم يبدي شهبة عن بلق وكأن الفخر في ذيل الدجى وافد يقرع باب الأفق أببه الروضة عن قلب شج لتنائيه وجفن غرق لاح فاهتزت إليه قضبها ورماه نورها بالحرق وكأن الصبح في آثاره صارم يضرب وجه الغسق كلما عن لرايات الدجى سقطت منه سقوط الصعق ونجوم الليل صرعى كلما نهضت عن نكبة لم تطق [٢٤٠أ] سبحت جوزااؤها في بحره والثريا راحة المعتلق كايدته شعرياها برهة والسها عنه ضعيف الرمق

стр. 2647

وكأن النسر في مغريه قد تولى طائرا عن قلق ولتالي النجم قلب راكض كلما يوجس بخوف يخفق وذراع الليث قد مددها فهي إن تظفر بحبل تعلق قد بكى جفق الحيا عن أدمعي واشتكى نجم الدجى من قلقي غضبت وشحك من ليلتنا فعلمنا غيظها بالقلق صمت الخلخال عن تنقيلها حين أفشى السر نطق النطق بسمت إذ كشفت عن نحرها كابتسام الفجر قبل الفلق ثم أدنت طرة من وجنة كتداني ليلة من شفق قد تداوينا من الشوق بها غير أنا بعدهم لم نفق ومنها: سبقت جدواكم فاطردت كأنابيب القنا المتسق قد رمى الدهر بسهم نافذ وشبا ماض وحد ذلق طلب الغاية في كل مدى فهو يجري في عنان مطلق بشر وجه تحته ماء ندى وفرند السيف تحت الرونق لبسوا ثوب المعالي حلة عطروها بالثناء العبق كنجوم صعدت في ذروة أو شموس طلعت عن مشرق لو أطقنا وهو الحظ لنا لفديناهم بنور الحدق وله: بتنا وأجفان الكمائم نوم والليل أعمى والكواكب تنظر

стр. 2648

والروض يأرج والظلام يبله بنداه إلا أنه لا يقطر حتى استثارته الصبا وكأنه دمع تحدر أو عقود تنثر فهناك صاح بنا الصباح وبيننا ضم يموت الشوق فيه وينشر وله: أتت والروض يعطف جاذبيها كما يتأود الغصن الرطيب [٢٤٠ب] وما بالرمل ان خافت سليمى عيون عداتها إلا الكثيب وليس على شعاب الحزن بأس إذا زار الحبيب بها الحبيب إذا صدق الغرام فكل قلص وإن بعدت مسافته قريب وله: ولما تلاقينا وقد ضمنا الهوى كما اجتمع الحيان ضمهما الحلف تمازج ما بين النجاد وعقدها وأجدب باقي الدمع إذ أخصب الرشف مزاجا تخال الكأس مانعها الحيا به وتماري أنها قهوة صرف فتهمي بطي الثوب في الثوب كلما تلوى بذا عطف تلوى بذا عطف ضجيعين مات الحس بيني وبينها وننشر أحيانا كما تنشر الصحف وله: بتنا نشد على القلائد بيننا حذر الرقيب لعلها لا تنطق والريح ما نبست لنا بسريرة يوما ولا نفث الحلي المحنق خفنا فأخفتنا خمائل روضة أنف وأخملنا العناق الضيق وله: أتت تنفض الأعطاف من بلل الندى وقد رشفت ماء الندى الورق الخضر

стр. 2649

تحف بها الظلماء وهي مروعة تضل فتهديها الصبابة والذكر فبتنا وقد بات العناق يضمنا على دعة حتى استراب لنا الفجر فبانت وفي عيني من قسماتها خيال وفي ثوبي من طيبها عطر [وله] : ألمي لفقد الدمع عند فراقه ألم الجراحة بالدم المحصور [-] [وله] : وما ذقت طعم النوم إلا وللصبا تنفس مشتاق وللروض مدمع وللصبح في الآفاق جيب مشقق وللورق في الأغصان نوح مرجع فخفت ما بي أن فيهن أسوة وأنا جميعا كلنا متوجع وله: إذا نالك الدهر بالحادثات فكن رابط الجأش صعب الشكيمه ولا تهن النفس عند الخوب إن كان للنفس عندك قيمه فوالله ما لقي الشامتون بأحسن من صبر نفس كريمه [٢٤١أ] وله: أتى الليل يطلب غزو النهار في أنجم ما درى عدها فجاء النهار بشمس الضحى وقال: كفتني ذي وحدها وله:

стр. 2650

تسل وخل عنك الهم جانب ولا تحفل بطارقة النوائب ودع عنك الأوائل واطرحها سدى إن المدار على العواقب ولا تيأس وإن بعدت ظنون فإن الدهر يأتي بالعجائب فكم ظن يكذب وهو حق وكو أمل يصدق وهوكاذب وله في الثريا: اسقنيها وللظلام ركود ونجوم الدجى هبوط صعود والثريا كأنها قدم أو راحة في الظلام أو عنقود وله: رأى الحسن ما في خده من بدائع فأعجبه ما ضم منه وصرفا وقال لقد ألفت فيه نوادرا فقلت له لا بل غريبا مصنفا وقال يصف كتفا بيضاء مدهونة: وواضحة كمثل النصل تجري مع الأبصار كالماء القراح حوت حلك المداد بجسم نور كمخضر الفرند على الصفاح جرت منها السطور على بياض كجري المسك في ثغر الملاح كأن سواده في صفحتيها بقايا الليل في وجه الصباح وله: ولما استقلت بالشباب ركابه وأيقنت من شمل الصبا بتفرق

стр. 2651

وله في الصباح: وأبيض فياض على القوم كلما أدار سلافا شجها بقراح نفى كل منسوب إلى المجد والعلا فساروا وقد طاروا بكل جناح إذا ارتاحت الدنيا إليه أصابها بنار أطلت من وراء رياح وله يصف خاتما: وأبيض من شطر الغنى رد ظهره إلى كوكب عالي المكانة غال [٢٤١ب] أدير كدور البدر ثم لبسته فلم تر منه العين غير هلال وله: وواثق باليالي الخادعات له يغتر بالبيض لا يخشى من السود وقال سعدي يحميني فقلت له هل يطلب النحس إلا كل مسعود وله: لا تقبلن قوام ذي عوج فرجوعه أدنى من الرجع كالصخر يعلو حين ترفعه بالفسر ثم يعود للطبع وله: ألا كل خطب نالني أو ينالني إذا أنت لم تغضب علي فهين فلا تغل في عتب فعتبك موجع ولا تعم عن عذري فعذري بين رأيتك مثل السيف أما غراره فماض وأما صفحه فهو لين وأنت إلى الخيرات أسبق سابق وان أوغلوا في الصالحات وأمعنوا لئن حسنوا في موطن دون موطن فإنك في كل المواطن تحسن

стр. 2652

وله: عجبت لها كيف استطاعت لحاظها بأن طعنت قلبي بغير سنان فقالت وكيف استطعت أنت على هوى تفوه به عيناك دون لسان فقلت لها سري وسرك في الهوى يلوح وإن لم تنطق الشفتان وله: قد وقف الشكر بي لديكم فلست أقوى على الزياده ونلت أقصى المراد منكم فصرت أخشى من الإعاده وله يصف الثريا: ألا فاسقنيها والصباح كأنه على الأفق الشرقي ثوب ممزق ولاحت لرائيها الثريا كأنها على جنبات الأفق كيس مفتق وله: أتى زائرا والصبح يكشر نابه لريان من ماء الندى متضوع ولاحت على الأفق الثريا كأنها مواقع دمع الساجد المتضرع وله: بادر صباحا والثريا قد بدت تختالفي ثوب الصباح المذهب تبدو وينهجها الصديع كأنه أثر السجود على الصعيد الطيب وله في وصف درقة: [٢٤٢أ]

стр. 2653

جاءتك فادية الكماة بنفسها بيضاء يغمرها العجاج فتسطع فتظل تقصدها الحتوف كأنما فيها لكل شبا وحد موضع فإذا تعاورت الطبا صفحاتها ورمت جوانبها الرماح الشرع وردت ورود الإبل وهي روية تدني السقاة من الحياض وترجع ومن حكمه: الفاعل في الزمان السوء كالمصباح في البراح، قد كان يضيء لو تركته الرياح. ومنها: لتكن بالحال المتزايدة أغبط منك بالحال المتناهية. لتكن بقليلك أغبط منك بكثير غيرك، فإن الحي برجليه، وهما ثنتان، أقوى من الميت على أقدام الحملة، وهي ثمان. المتلبس بمال السلطان كالسفينة في البحر، إن أدخلت بعضه في جوفها أدخل جميعها في جوفه. الحازم من شك فروى وأيقن فبادر. رب سامح بالعطاء على باخل بالقبول. ابن آدم، تذم أهل زمانك وأنت منهم، كأنك وحدك البريء، وجميعهم الجري، كلا بل جنيت وجني عليك، فذكرت ما لديهم، ونسيت ما لديك. أعلم أن الفاضل الزكي لا يرتفع أمره حتى يطهر قلبه، كالسراج لا تظهر أنواره أو يرتفع مناره، والناقص الدنيء الذي لا يبلغ لنفعه إلا بوضعه كهوجل السفينة، لا ينتفع بضبطه، إلا بعد الغاية من حطه. وله فصل من رسالة: توصل الهمم - أدام الله عزك - كتوسل الذمم، ورب راق بوسيلة، ذي اشتياق

стр. 2654

الرشد٨ ولما طلع بك المجد من معالمه، وأينع المجد في كمائمه، فلاح محياك قمرا زاهرا، زهرا عاطرا، وأنار بأفقك منار الأنوار، ودار على قطبك مدار الفخار، ووقف لديك بالقلوب ارتياحها، وطار إليك بالنفوس جناحها، فجوارح الجوانح ظهور، ونواظر الخواطر إليك صور، وقد تخليتك نظرات الغيوب، ويممتك خطرات القلوب، فخفت إليك بأرواحها، وتلقتك القلوب بالتماحها، فقد يرقب الصباح، ويلمح القمر اللياح، وليس على عاشق الفضل جناح. وكتب: أطال الله بقاء الوزير الجليل الأمجد الأوحد وأعلى مرتقاه في رفيع العز، ومنيع الحرز؛ الوزير كالمطر الجود يملأ الحياض، وينبت الرياض، بل كالقمر، يقذف بالنور، ويذهب بالديجور، وقد ألحفني من سناه، وسقاني سقياه، ما أنار فأضوى، وجاد فأروى، فلله أيادي الوزير [٢٤٢ب] ما أنزلها بكل فناء، وأسمعها لكل نداء، حتى رعى قصدي وهو قصي، ووعى صوتي وهو خفي، فالآن أضرب بحسام اعتناؤه جرده، وآوي إلى زمام وفاؤه وكده، والله يديم بقاءه، ويعلي ارتقاءه، حتى أظهر في سمائه، وأشهر بأرفع أسمائه. وله فصل من رقعة: مثلي - أعزك الله - في عناء بلا غناء، كما خص الماء، زبده الزبد، ووعده الأبد، وأستغفر الله، ما استهديت بغير منار، ولا اقتدحت بغير عفار:

стр. 2655

ولكن حرمت الدر والضرع حافل * وما يوجع الحرمان من كف حارم كما يوجع الحرمان من كف رازق وما فعلت تلك الأبيات، والرجاء الذي في بطون الحاملات، أزعجته الأرحام، أم ولدت ثم وثدت، أم وضعت ليلا، وأرضعت غيلا، فهي لا تدب ولا تشب، والنجم آفل، والكفيل غافل - ومهما يكن من أمر فما ضاعت إلا في ضمانك، ولا جاعت إلا على خوانك، هلا حلبت ما در وطب، وطبعت والطين رطب -! فلا أمان من الزمان: ومن ذا الذي يبقى على الحدثان * وله: ذو فطنة تبصر الأشياء غائبة كأن كل سماع عندها نظر كأنما الدهر مرآة تقابله إذا تأملنا لاحت له الصور وله: أذا أعرضت نحو الصباح لوى بها من الليل مسود الجوانح أسحم كأن على أخفافها كلما سرت برقا تعق الليل والليل مظلم إذا قطعت غفل الظلام بعزمة مضت ورداء الصبح بالفجر معلم نظرنا إليها ضاحكين إلى المنى بها وهي من أين عوابس سهم وله:

стр. 2656

كم طالب للعز لم يختر له وقتا يليق ولا أعد مكانا طلب التعزز فاستفاد مذلة ومن التعزز ما يجر هوانا ومن قصيد: والأجر إلا في نواك ذخيرة والصبر إلا في هواك جميل جودي علي فما عليك ملامة ذنب الحبيب وإن جفا محمول أنكرت ما أتلفته من مهجتي ودمي بخدك شاهد مقبول [٢٤٣أ] وله: وما ضر لو كان الترحل واحدا فكان مشوق حيثما كان شائق وقال: زارت على خطر وقد عقد الكرى راحا براح والنجم مرفوع الذرى والليل منشور الجناح حتى دنت فتساقطت ما بين ريحان وراح لله ما منح الهوى وأتاح من وصل الملاح خلط الغلائل بالحما ئل والقلائد بالسلاح بتنا على رغم الروا صد والحواسد واللواح من فوق آكام الريا ض وتحت أذيال الرياح في ليلة قادت إلي الوصل من بعد الجماح فقضى الرضى بالقرب وار تاح الوصال إلى السماح وأتى العناق على ضعي ف بين أثناء الوشاح تهفو عليه الوشح بي ن الغصن والكفل الرداح

стр. 2657

بتنا يضيق بنا التعا نق بين أردان فساح والروض يمرح في الربى والريح تصفق في براح حتى إذا ارتاب الظلا م بفتح أجفان الأقداح وجلا احمرار الفجر عنه بياض صبح في اتضاح وكأنما غسلت دماء الفجر أمواه الصباح عاد الفراق إلى القطي عة بيننا بعد اصطلاح ولأبي الفضل: سروا ما امتطوا إلا الظلام ركائبا ولا اتخذوا إلا النجوم إلا النجوم صواحبا وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى فبات بأطراف الأسنة شائبا وليل كطي المسح جبنا سواده كأنا امتطينا من دجاه النوائبا خبكنا به الظلماء حتى كأننا ضربنا بأيدي العيس إبلا غرائبا لأمر سرينا نمتطي العيس في الدجى ركابا ونقتاد الجياد جنائبا وركب كأن البيض أمست ضرائبا لهم وهم أمسوا لهن مضاربا إذا ما سروا داسوا الهضاب نزاهة عن الخفض وارتادوا الذرى والغواربا فما يحملون السمر إلا عواليا ولا يركبون الخيل إلا سلاهبا إذا أوبوا ساروا شموسا منيرة وإن أدلجوا أسروا نجوما ثواقبا يردن جمام الماء بالقاع أزرقا ويرتدون نور الروض بالحزن عازبا إذا اعتقلوا للطعن سمرا عواليا أو اتشحوا للضرب بيضا قواضبا رأيت أسودا ينبرون لا تجارى يستسلن مذانبا [٢٤٢ب]

стр. 2658

فانك من قوم إذا أعجزتهم مطالبهم مدوا السيوف طوالبا فما اتخذوا إلا ظباها وسائلا ولا سلكوا شباها مذاهبا إذا علقت بالمورد السوء خيلهم رجعن على برح وعفن المشاربا وله: أرح خطاك فحلي النجم قد نهبا وقد قضى الشوق من وصل الدجى أربا سل النجوم هل ارتابت بصفحتها لما أثرن اليهن القنا السلبا إذا استمرت بمجرى النجم سالكة خلت المجرة من آثارها ندبا تهفوا الركاب فتهديها أسنتها كأنما عارضت أطرافها الشهبا وباتت الخيل يقدحن الحصى حنفا حتى تضرم حبل الليل والتهبا والليل مثل عذار الكهل شيبه جور الزمان على الأحرار فاختضبا تلك الفوارس لا تثني أعنتها عن وجهه أو ينال السيف ما طلبا باتوا على نشوة ما نالها طرب وقد أداروا بكاسات السرى نخبا إذا أناروا القنا في ليل مظلمة شالوا النجوم على أطرافها لهبا

стр. 2659

فصل يشتمل على طوائف مقلين من سكان هذا الجانب الشرقي من الأندلس، تتمة لمعانيه، واستيفاء لغايات الإتقان فيه وقد أذكر الشاعر ليس له شعر كثير، ولا إحسان مشهور، إما لاشتهار ذكره، أو لخبر يتعلق بشعره. منهم: أبو عبد الله بن عائشة: من بلنسية، أي فتى [هو] طهارة أثواب، ورقة آداب، وأكثر ما عول على [علم] الحساب، فهو اليوم فيه آية لا يقاس عليها، وغاية لا يضاف إليها، وله من الأدب حظ وافر، وفي أهله اسم طائر، يقول من الشعر ما يشهد له بكرم الطبع، وسعة الذرع. كان يوما مع أبي اسحاق بن خفاجة وجماعة من أهل الأدب تحت دوحة خوخ منورة، فهبت ريح صرصر، أسقطت عليهم جميع الزهر، فقال ابن عائشة: ودوحة قد علت سماء تطلع أزهارها نجوما هب نسيم الصبا عليها فخلتها أرسلت رجوما كأنما الجو غار لما بدت فأغرى بها النسيما [٢٤٤ب] وينظر هذا إلى قول إدريس من بعض الوجوه:

стр. 2660

وإخوان صدق قد أناخوا بروضة وليس لهم إلا النبات فراش فخلتهم والنور يسقط فوقهم مصابيح تهوي نحوهن فراش وأنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن فرج الجياني لنفسه في ما يجانس [هذا المعنى] : أضحى ابن عبدوس معشق معشر قد خلطوا في حبه تخليطا فهو السراج وهم فراش حوله يتهافتون على سناه سقوطا وكان ابن فرج في هذه الملح من أهل البدية، فأما طويل القصيد فقلما رأيته نجح فيه. وكان يوما بقرطبة فمر به غلام وسيم به بعض صفرة، فقال بعض من حضر: إنه لمليح لولا صفرة فيه، فقال ابن فرج: قالوا به صفرة عابت محاسنه فقلت ما ذاك من عيب به نزولا عيناه تطلب في آثار من قتلت فلست تلقاه إلا خائفا وجلا وكان يوما مع لمة من أهل الأدب في مجلس أنس فاحتاج صاحب المنزل إلى دينار، فوجه عنه إلى السوق، فدخل به عليهم غلام من أهل الصرف، في نهاية من الجمال [والظرف] ، ورمى بالدينار إليهم من فيه تماجنا، فقال ابن فرج [في ذلك] : أبصرت دينارا بكف مهفهف يزهو به من كثرة الإعجاب

стр. 2661

أومى به من فيه ثم رمى به فكأنه قمر رمى بشهاب. ولما أنهضه أمير المسلمين إلى بساطه، وأوضعه في بساط العين وفسطاطه، هب من مرقد خموله، وشب جذوة مأموله، فبدا منه انزواء عن الحظوة، والتواء في تسنم تلك الربوة، وكان له أدب واسع المدى، يانع كالزهر بلله الندى، ومظم مشرق الصفحة، عبق النفحة، إلا أنه قليلا ما كان يحل ربعه، ويذل له طبعه، يدع الألباب حائرة، والقلوب إليه طائرة، فمن ذلك قوله في ليلة سمحت له بفتى يهواه، ونفحت له هبة بددت شمل جواه] : لله ليل بات في جنحه طوع يدي من مهجتي في يديه فبته أسهر أنسا به ولم أزل أسهر شوقا إليه [٢٤٥أ] عاطيته حمراء مشمولة كأنها تعصر من وجنتيه وله فيه وقد طرزت غلالة خده، وركب من عارضه سنان على صعدة قده: إذا كنت تهوى خده وهو روضة به الورد غض والأقاح مفلج فزد كلفا فيه وفرط صبابة فقد زيد فيه من عذار بنفسج وكان في زمن عطلته، ووقت اضطراره وقلته، ومقاساته من العيش أنكده، ومن التحرف أجهده، كثيرا ما ينشرح بجزيرة شقر ويستريح، ويستطيب هبوب تلك الريح، ويجول في أجارع واديها، وينتقل من نواديها إلى بواديها، فإنها صحيحة

стр. 2662

الهواء، قليلة الأدواء، خضلة العشب، قد أحاط بها نهرها كما تحيط بالمعاصم الأساور، والتوى عليها كالأرقم المساور، والأيك قد نشرت ذوائبها على صفحه، والروض قد عطر جوانبه بنفحه، وأبو اسحاق بن خفاجة منزع نفسه، ومضرع أنسه، وبه نفح له بالمنى عبق وشذا، وضرح عن عيون مسراته القذى، وغدا على ما أحب وراح، وجرى متهافتا في ميدان ذلك المراح، وسنه قريب عهد بالفطام، ودهره ينقاد للإسعاد في خطام، فلما اشتعل رأسه شيبا، وزرت عليه الكهولة جيبا، أقصر عن تلك الهنات، واستيقظ من تلك السنات، وشب عن ذلك الطوق، وأقصر عن الحنين والشوق، وقنع باهداء تحية، وما يستشعره في وصف تلك المعاهد من أريحية، فقال [٢٤٤أ] : ألا خلياني والأسى والقوافيا أرددها شجوا فأجهش باكيا أؤبن شخصا للمسرة بائنا وأندب رسما للشبيبة باليا تولى الصبا إلا توالي فكرة قدحت بها زندا من الوجد واريا وقد بان حلو العيش إلا تعلة تحدثني عنها الأماني خاليا ويا برد ذاك الماء هل منك قطرة فها أنا أستسقي لمائك صاديا وهيهات حالت دون حزوى وعهدها ليال وأيام تخال لياليا فقل في كبير عاده عائد الصبا فأصبح مهتاجا وقد كان ساليا فيا راكبا يستعمل الخطو قاصدا ألا عذ بشقر رائحا أو مغاديا وقف حيث سال النهر ينساب أرقما وهب نسيم الأيك ينفث راقيا وقل لأثيلات هناك وأجرع سقيت أثيلات وحييت واديا وليس ببدع ان تعديت في الهوى فحييت من أجل الحبيب المغانيا فصل في ذكر الشيخ الماهر أبي محمد بن السيد البطليوسي: إمام

стр. 2663

الأوان، وحامل لواء الإحسان، وهو بالأندلس كالجاحظ بل أرفع درجة، وأنفع لمن شام برقه أوشم أرجه، وشلب بيضته، ومنها كانت حركته، ونسب إلى بطليوس لتردده بها، ومولده في تربها، ومن حيث كان فقد طبق الأرض رقعتة ذكر، وسبق أهلها بكل نزعة فكر، وقد أثبت من محاسنه ما يبهر الألباب ويسحر، ويحسده الوسمي المبتكر، فمن ذلك قوله يصف طول ليلة: ترى ليلنا شابت نواصيه [كبرة] كما شبت أو في الجو روض بهار كأن الليالي السبع في الأفق جمعت ولا فضل فيما بينها لنهار وأنشدني لنفسه من جملة أبيات: خليلي ما للريح أضحى نسيمها يذكرني ما قد مضى ونسيت أبعد نذير الشيب إذ حل عارضي صبرت بأحدق المها وسبيت تلاحظني العيان منها بنظرة فأحيا ويقسو قلبها فأموت فيا قمرا أغرى بي النقص واكتسى كمالا ووافى سعده وشقيت وأنشدني من أخرى له: أيا قمرا في وجنتيه نعيم لعيني وفي الأحشاء منه جحيم إلى كم أقاسي منك روعا وقسوة وصرما وسقما إن ذا لعظيم وإني لأنهى النفس عنك تجلدا وأزعم أني بالسلو زعيم

стр. 2664

وانشدني أيضا لنفسه يستدعي بعض إخوانه، يسمى راشدا: [٢٤٥ب] عندي [مسكوب] من الراح عبق فيه منى مصطبح ومغتبق يحكي شذا المسك إذا المسك فتق كأنه من خلقك [الحلو] خلق كأنما كؤوسه تحت الغسق في راحة الساقي نجوم تأتلق [تخالها وهي تلظى كالحرق أحشاء صب ملهب من الحرق ترى لدى المزج إذا الماء اندفق فيها حبابا لاح كالدر انتسق] وأنت أنسي والمفدى بالحدق فاطلع طلوع القمر التم اتسق في يومنا هذا إذا الظهر نطق يا راشدا إذا دجى الغي سبق [وماجدا كم حاز في السبق السبق] لله معنى طابق اسما لك حق توافقا فيك إذا الاسم اتفق وأنشد لأخيه أبي الحسن الكاتب من جملة قصيدة: يا رب ليل قد هتكت حجابه بزجاجة وقادة كالكوكب يسعى بها ساق أغر كأنها من خده ورضاب فيه الأشنب بدران: بدر قد أمنت غروبه يسعى ببدر جانح للمغرب فإذا نعمت برشف بدر غارب فانعم برشفة آخر لم يغرب حتى ترى زهر النجوم كأنها حول المجرة ربرب في مشرب والليل منحفز يطير غرابه والصبح يطرده بباز أشهب وما أحسن قول المعري في هذا التشبيه، وعلى لفظه عول فيه:

стр. 2665

يا ليل [بالله أذق غرابها موتا من الصبح بباز كرز] وقال تميم بن المعز: وكأن الصباح في الأفق باز والدجى بين مخلبيه غراب و [قد] أخذ هذا المعنى أبو محمد أخوه [المذكور] فقال، ونقله إلى ذكر الشباب: أرى الدهر يأبى أن يرى وهو مسعف بما الهمة العليا تكلفنيه طوى جدتي طي السجل وعاضني بثوب بلى [أمسى] يبادلنيه وطار غراب للشبيبة راعه موافاة باز للمشيب تليه ولم أنس من ليل الشباب وظله أثيث جناح بات يلحفنيه وعهدا تولى باللبانة خلته لمى الحب في أفواه مرتشفيه وله يصف فرسا، وهو مما اندفع في التمثيل له والتشبيه، وخلع عليه شيات لاحق والوجيه: ٢٤٦أ] . وأقب من نسل الوجيه ولاحق قيد العيون وغاية المتأمل ملك النواظر والقلوب بحبه فمتى ترق العين فيه تسهل ذي منخر رحب وزور ضيق وسماوة خصب وأرض ممحل
следующие страницы →