← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

واراه قلب قول أبي الطيب: وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد وأرى أبو الطيب ألم بعض الإلمام. بقول أبي تمام: يلحضه في جده وهزله ... لحظ الأسير حلقات كبله جملة أخبار نوادر، جرت له مع المنصور بن أبي عامر أجتمع عند المنصور ابن أبي عامر أعيان الأوان كالزبيدي والعاصمي وابن العريف ومن سواهم، فقال لهم المنصور: هذا الرجل الوافد علينا صاعد يزعم انه متقدم في هذه الآداب التي انتم سرجها الضاحية، وأهلتها السارية، واحب أن يمتحن ما عنده. فوجه إليه، ودخل والمجلس قد أحتفل فخجل، فرفع المنصور مجلسه وآنسه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي، فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه. فبادره العاصمي بالسؤال عن مسألة من الكتاب، فلم يحضره فيها من جواب.

стр. 2697

وأعتذر أن النحو ليس جل بضاعته، ولا رأس صناعته، فقال له الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ - قال حفظ الغريب. قال: فما وزن أولق - فضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا - إنما يسأل عنه صبيان المكتب. قال الزبيدي: صاحبكم ممخرق! قال له صاعد: وبضاعتي أنا حفظ الأشعار، ورواية الأخبار، وفك المعمى. وعلم الموسيقى. قال فناظره أبن العريف فظهر عليه صاعد، وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا وأنشد عليها شعرا شاهدا، أو أتى بحاكية تجانسها، فأزداد المنصور عجبا. ثم أراه كتاب النوادر لأبي علي فقال: إذا أراد المنصور أمليت على مقيدي خدمته وكتاب دولته كتابا ارفع منه قدرا، واجل خطرا، [لا] لا أدخل فيه خبرا مما أدخله أبو علي. فأذن له المنصور في ذلك، وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم ب - " الفصوص ". فلما أكمله وتتبعه أدباء الوقت، لم تمر فيه كلمة زعموا صحتها عندهم، صحتها عندهم، ولا خبر ثبت لديهم، فقالوا للمنصور: رجل [مقتدر] على تأليف الكذب، [ ... ] من عيون الأدب، يسندها إلى شيوخ لم يرهم ولا أخذ عنهم، حتى إنهم كلفوا المنصور أن يأمر بتسفير كاغد أبيض وتغيير وجهته ليدل على القدم، ففعل وترجم على ظهر ذلك السفر بكتاب " النكت " تأليف أبو الغوث الصنعاني. فترامى إليه صاعد حين رآه، وجعل يقلبه، وقال: إني والله قرأته بالبلد الفلاني

стр. 2698

على الشيخ أبي فلان، وهذا خطه، فأخذه المنصور من يده خوفا أن يفتحه، وقال له: إن كنت رأينه كما تزعم فعلام يحتوي - قال: ورأسك لقد بعد عهدي به ولا أنص به شيئا، ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعرا ولا خبر. فقال له المنصور: أبعد الله مثلك! فما رأيت الذي هو أكذب منك. وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب " الفصوص " في النهر، وفي ذلك يقول بعض شعراء العصر: قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا قل ثقيل يغوص فجاوبه صاعد بقوله: عاد إلى معدنه إنما ... توجد في قعر البحار الفصوص قال ابن بسام: وما أحسب أن أحد يجترئ على إخراج تصنيف، وإبداء تأليف، يضيق عنه التعديل، ويدفع في صدره النقد والتحصيل، لا سيما وأن صاعد علم أن قرطبة - حسب ما ذكرنا - ميدان جياد، وبلد جدال وجلاد، ولكنه أشترط غير المشهور، فلم يظفروا منه بكثير، وأعانهم هو على نفسه بما كان ينفق به من تنحله وكذبه. ولم يكن عند ابن أبي عامر تحرير ولا بصر بالنقد مشهور؛ وإلا فليس يحلو كتاب " الفصوص " المذكور من غريبة مسموعة، ولا من فائدة رائقة بديعة، ولكنه خبر وجدناه فنقلناه.

стр. 2699

وأدخل على المنصور يوما وردة في غير ايامها؛ لم تستتم فتح كمامها. فقال فيها صاعد على الارتجال: أتتك أبى عامر وردة ... يذكرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها رأسها فسر بذلك المنصور، وكان أبي العريف حاضرا، فحسده وجرى إلى مناقضته، وقال لأبن أبي عامر: أن هذه البيتين لغيره، [٣٣] وقد أنشدنيهما بعض البغداديين بمصر نفسه، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه. فقال له المنصور: أرنيه. فخرج أبن العريف وركب وجعل يحث حتى أتى مجلس أبن بدر، وكان أحسن أهل وقته بديهة، فوصف له ما جرى فقال: عشوت إلى قصر عباسة ... وقد جدل النوم حراسها فأليفتها وهي في خدرها ... وقد صرع السكر أناسها فقالت: أسار على هجعة - ... فقلت: بلى، فرمت كاسها ومدت يديها إلى وردة ... يحاكي لك الطيب أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها رأسها وقالت: خف الله لا تفضحن ... في ابنه عمك أنفاسها فوليت عنها على عفة ... وما خنت ناسي ولا ناسها فطار أبن العريف بها وعلقها على ظهر كتاب بخط مصري

стр. 2700

وروى وتحيل بوداد أشقر. ودخل بها على المنصور، فلما رآها أشتد غيظا على صاعد وقال: غدا أمتحنه. فأن فضحه الامتحان. لم يبق في موضع فيه سلطان. فلما أصبح وجه عنه بمجلس حفل. وقد أعد طبقا من سقائف من ضروب النواوير، وصنع على السقائف جواري ياسمين، وتحت السقائف بركة ماء حصاها اللؤلؤ. وكان في البركة حية تسبح. فلما دخل صاعد مثل الطبق بين يديه، فقال له المنصور: إن هذا يوم أما أن تسعد فيه معنا، وإما بالضد عندنا، لأنه قد زعم ق - م أن كل ما تأتي به دعوى، وقد وقعت من ذلك على حقيقة. وهذا طبق ما توهمت أنه مثل بين يدي ملك قبلي في شكله. فصفه بجميع ما فيه. فقال صاعد بديهة: أبى عامر هل غير جدواك واكف ... وهل غير من عاداك في الأرض خائف يسوف إليك الدهر كل عجيبة ... وأعجب ما يلقاه عندك واصف وشائع نور صاغها هامر الحيا ... عليها فمنها عبقر ورفارف ولما تناهى الحسن فيها تقابلت ... عليها بأنواع الملاهي الوصائف كمثل الضباء المستكنة كنسا ... تضللها بالياسمين السقائف وأعجب منها أنهن نواظر ... إلى بركة ضمت إليها الظرائف حصاها الآلي، سابح في عبابها ... من الرقش مسموم اللعابين زاحف ترى ما تشاء العين في جنباتها ... من الوحش حتى بينهن السلاحف فاستغربت له يومئذ تلك البديهة، وكتبها المنصور بخطه. وكان إلى

стр. 2701

ناحية سقيفة فيها جارية تجذف بمجاذف ذهب لم يرها صاعد، فقال له المنصور: أجدت إلا أنك لم تصف هذه الجارية، فقال: وأعجب منها غابة في سفينة ... مكللة تصبوا إليها المهايف إذا راعها موج من الماء تتقي ... بسكانها ما أنذرته العواصف متى كانت الحسناء ربان مركب ... تصرف في يمنى يديها المجاذف فلم تر عيني في البلاد حديقة ... تنقلها في الراحتين المناصف ولا غرو أن شاقت معاليك روضة ... زهتها أزاهير الربى والزخارف فأنت أمرؤ لو رمت نقل متالع ... ورضوى من ذرتها من سلطانك العواصف إذ قلت قولا أو بدهت بديهة ... فكلني لها أني لمجدك واصف فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، ما بين غلائل وطيقان وعمائم، وأجرى عليه المراتب من ذلك اليوم ثلاثين دينار، وألحق في ديوان الندماء مع زيادة الله بن مضر الطبني وأبن العريف وأبن التياني وغيرهم. والحسد موروث، وقديم لا حديث، وليس في الحيوان، أخبث في ذاته من الإنسان.

стр. 2702

وأذكر بفعلة أبن العريف في صاعد بعض ما منيت أنا به في خبر هذا التصنيف مع غير واحد من أهل وقتي، إذ سردت في بعض قصصه كلام ابن حيانهم، وكان على ما نقدم في وصفه متكلم أوانهم، فلما أعوزني لفظه في بعض ما سقت، ولم أجده في كل حديث نسقت. رجعت إلى نحيزتي، واستمطرت غريزتي. وماؤها جامد، ورمادها هامد، كما قال سابق: أخلقت جدتي وبان شبابي ... واستراحت عواذلي من عتابي وأنا يومئذ بإشبيلية، أتصرف مضطرا في بعض الأعمال السلطانية. والكلام إذا لم يحكه قلب فارغ، ولم يسبكه لب من ظلماء الشغل بازغ. لو يرق تطريزه، ولم ينفق أبريزه. وعلى ذلك لما أندرجت لي فيه كلمات رائقات، في أوصاف مختلفات، وبلغت فيه أمد المراد، بألفاظ أعيان ومعان فراد، انثال علي فيه الكلام، انثيال الغمام، قالوا: نعم ما صنف أبن بسام وأتقن لو يستعن، وما أحسن ما قصص، لو لم يتلصص. ولله درهم [٣٤] فالد أماء لا يزيد من القري، وذكاء لا تضيء من الدري. بل دردر أبي الطيب من شاعر نطق بالبدي، وجرى على عتق جده الكندي، فسبق، واستولى على الأمد بقوله إذ صدق: أتيت بمنطق العرب الأصيل ... وكان بقدر ما أحسست قيلي

стр. 2703

فعارضه كلام كان منه ... بمنزلة النساء من البعول وليس يصح في الأوهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل رجع: وخرج المنصور مع صاعد يوما إلى رياض الزاهرة، فمد يده إلى شيء من الترنجان فعبث به ورماه إليه معرضا أن يصفه فقال: لم أدر قبل ترنجان عبث به ... أن الزمرد قضبان وأوراق من طيبة سرق الأترج نكهته ... يا قوم حتى من الأشجار سراق كأنما الحاجب المنصور علمه ... فعل الجميل فطابت منه أخلاق من ليس يقعده من سؤدد قدم ... ولا تقوم له في سوأة ساق وله في الخيري: بعثت إليك من خير داري ... محزمة كأوراق العقيق توكل بالعزوف على التصابي ... وتصطاد الخليع من الطريق وصاعد القائل: لي من سر بني العب ... اس خل وجليس شهد المجد عليه ... أنه العلق النفيس فإذا جالسته لم ... تدر من منا الجليس

стр. 2704

وهذا كقول أبن زرارة: لي صديق. غلطت، بل لي مولى ... من لمثلي بأن يكون صديقي! يتلقى التقاء روح بروح ... بضروب التقبيل والتعنيق ليس في الارض من يميز منا ... عاشقا في اللقاء من معشوق وقال: قلت له والرقيب يعجله ... مودعا للفراق أين أنا - فمد كفا إلى ترائبه ... وقال سر وادعا فأنت هنا وأنشد المنصور يوما قصيدة أبي نواس " إجارة بيتينا أبوك غيور " فعرض عليه أن يعارضه. فأبي صاعد من ذلك إجلالا لأبي نواس، فعزم عليه المنصور فأنشده متمثلا: أني لمستحي علا ... ك من ارتجال القول فيه من ليس يدرك بالروي ... ة كيف يدرك بالبديه فلم ينفعه ذلك عنده، ومكث فيه يوما بقية يومه وليلته. وجاء من الغد فأنشده قصيدته التي أولها: خدال البرى أني بكن بصير ... طوتكن عني خلسة وقتير [ومنها] :

стр. 2705

وباتت كما باتت مهاة خميلة ... لها جؤذر عند الصراة عقير وقد أكلت أشلاؤه فكأنها ... مقسمة عند القداح جزور كما بغمت من شجوها أم واحد ... أتيح لها مثل الزجاج طرير لدن غدوة حتى صغت شمس يومها ... وفي أبريها رنة وزفير تسوف ثراه عن مشق إهابه ... كأن أسابي الدماء عتير قال أبن بسام: وصاعد على تتايعه في الكذب، ولجاجته بين الامتهان وسوء الأدب، قد أخذ بطرف من الترفيق، وخلا بجانب من لقم الطريق، ألا تراه كيف صرح باليأس، عن شق غبار أبي نواس ولكن ابن أبي عامر حمله على الغرر، وعرضه لسوء الخبر، ولعله ذهب إلى قول أبي الطيب: بلغت بسيف الدولة النور رتبة ... أنرت بها ما بين غرب ومشرق إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له: الحق وذكرت بهذا الخبر ما وصف عن أبي عبد الله بن شرف، وذلك لنه قال يوما للمأمون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره

стр. 2706

في ذراه، وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في تأبينه كل مذهب: إن راى المأمون - لا فارق العزة والعلاء - أن يشير إلى أي قصيدة شاء. من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسي أسمه، وتعفي رسمه، فتثاقل أبن ذي النون عن جوابه، علما بضيق جنابه، وإشفاقا من فضيحته وانتشابه. وألح أبو عبد الله حتى أحرج أبن ذي النون وأغراه؛ فقال له: دونك قوله: " لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ". فخلا بها ابن شرف أياما فوجد مركبها وعرا، ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى عذرا، وأرهق نفسه من أمره عسرا، فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل أبن ذي النون بعد: أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة [٣٥]- فقال: لأن أبي الطيب يقول فيها: " بلغت بسيف الدولة النور " وأنشد البيتين وهذه غريبة ولو صدرت عن أبي العباس المأمون، فضلا عن منتزع لقبه يحيى بن ذي النون. وقدما كبا الجموح، وذهبت بالباطل الريح؛ ولم يندم من بني على أسه، ولا هلك من عرف قدر نفسه. وقد حدثت أيضا أن أبي علي بن رشيق ناجى نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، واعمل النظرة بعد النظرة، فأختار من شغره ما لم يطر ذكره ولا لحظ قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، إلى معارضة قوله: " أمن أزديارك في الدجى الرقباء ". فبث عيونه، وأستمد ملائكته وشياطينه، ولم يدع ثنية حتى طلعها، ولا خبيثة إلا أطلعها

стр. 2707

ولا روية إلا واتسع لها فوسعها؛ ثم صنع قصيدة - فيما بلغني - رأى إنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة وسعه؛ ثم حكم نقده، ورضي بما عنده، فرأى أن قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان كنز لا يوجد بالطلب، وميدان لا يستولي عليه التعصب، وصان نفسه ان يحدث عنه بأن تكون الهرة أحسن منه. وقد ذكر عن صاعد، أنه أفتضح في سرقة شعر غير واحد من أهلك تلك ألافاق، من شعراء الشام والعراق، إذ كان ورد بها وهي بغبار السفر، فأشتهر بها في غير ما شعر وخبر. منها قوله يصف إبريقا قد ملئ منه كأس وبقيت في فمه نقطة لو تسقط: وقهوة في فم الإبريق صافية ... كدمع مفجوعة بالإلف معبار كان إبريقا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار فكانوا يولعون بهذا التشبيه، كما قاله - زعم - على البداية، وإنما نقل لفظ أبي البركات العلوي مما أنشده الثعالبي: كأنما إبريقا طائر ... يحمل ياقوتا بمنقار او قول أبي الفرج الببغاء من أرجوزة خاطب بها الصابي: كأنما الحبة في منقارها ... حبابة تطفوا على عقارها

стр. 2708

وكان صاعد مع ما قدمته من صفته بديع الجواب حاضره، طيب المعاشرة، فكه المجالسة، ممتعا محسنا للسؤال. حاذقا في استخراج الأموال. دخل على المنصور يوم أنس وقد تقدم وأتخذ قميصا من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ولبسه تحت ثيابه، فلما خلا المجلس ورأى فرة لما أراد، تجرد وبقي في القميص المخيط من الخرائط، فقال له: ما هذا - قال: هذا رقاع صلاة مولانا اتخذتها شعارا، وبكى، وأتبع ذلك من الشكر بما استوفاه. فأعجب به المنصور وقال له: عندي مزيد. وحكي عنه أنه لم يحضر بعد موت المنصور مجلس أنس لأحد ممن ولي بعده، وادعى وجعا لحق ساقه. وكان صاعد كثيرا ما يمدح بلاد المشرق بمجلس المنصور، ويباهي بأخبارها، ووصف أشربتها وأديارها، فكتب الوزير أبو مروان عبد الملك أبن شهيد إلى المنصور في يوم قر بهذه الأبيات: أما تر برد يومنا هذا ... صيرنا للكمول أفذاذا قد فطرت صحة الكبود به ... حتى لكادت تعود أفلاذا

стр. 2709

فأدع بنا للشمول مصطليا ... نغذ سيرا إليك إغذاذا وأدع المسمى بها وصاحبه ... تدع نبيلا وتدع أستاذا لو معبدا أو عريضة لحقا ... لكان عن ذا وذاك أخاذا ولا تبال أبي العلاء زها ... بخمر قطربل وكلواذا ما دام من أرملاط مشربنا ... من دير عما وطيزناباذا! - وكان المنصور قد عزم ذلك اليوم على الانفراد بالعيال، فأمر بإحضار الأصحاب، واحضر الوزير أبا مروان، وأخذوا في شأنهم، فمر لهم يوم من الطيب لم يشهد، وألونة من اللهو لم تعهد، وطما الأمر وسما حتى تصايح القوم وتزافنوا، ودار الدور، ثم انتهى إلى الوزير ابن شهيد، وكان لا يطيق القيام لنقرس كان يلازمه، فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عياش، فأرتجل الشيخ أبياتا جعل يقود بها وينشد:

стр. 2710

هاك شيخا قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستهلكا لم يطق يرقصها مستثبتا ... فأنثى يرقصها مستمسكا عاقة من هزها معتدلا ... نقرس أنحني عليه فاتكا طرب اللهو وقد حق له ... طربا أرمضه حتى أشتكى [٣٦] من وزير فيهم رقاصة ... قام من طيب يناغى ملكا أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالا على رأسي لكا قهقه الإبريق مني ضحكا ... ورأى رعشة رجلي فبكى وكان أيضا في أصحاب ابن شهيد رجل بغدادي يعرف بالكك، له نوادر تضحك، فحضر معه في بعض مجالس النس، وقد ألح عليه وجع النقرس فجعل يصلي الصلوات كلما حانت واحدة بعد أخرى جالسا، وكان عنده ذلك اليوم أحد أصحاب المنصور ممن يعز عليه ويكرم لديه، فلما حمي الوطيس، وانس الجليس، وطاب المجلس، ودارت الأكؤس، ونسيت أوجاع النقرس، وقام ذلك الصاحب الجليس يرقصن ودار الدور حتى انتهى إلى ابن شهيد، فقام يرقص معتمدا على عادته، فقال له البغدادي: لله درك يا وزير! تصلي بالقاعدة وترقص يا لقائمة! فطاب المجلس بهذا الكلام، وتم حسنه أكمل تمام

стр. 2711

وخلع ابن شهيد على الكك، وانتهى الخبر إلى المنصور، فذهب به كل مذهب الضحك. وكان ابن أبي عامر كثيرا ما يرتاح اليه، ويوالي الإحسان اليه؛ أنصرف مرة من غزوة تخلف عنها أبن شهيد لعذره، فكتب إليه من جملة أبيات: أنا شيخ والشيخ يهوى الصبايا ... فبنفسي أقيك كل الرزايا ورسول الإله أسهم في الفي ... ء لمن لم يحث فيه المطايا فأجابه أبن لبي عامر: قد بعثنا فيها كشمس النهار ... في ثلاث من المها أبكار وامتحنا بعذرة الغيد أن كن ... ت توخى بوادر الأعذار فاتئد وأجتهد فإنك شيخ ... قد جلا الليل عن بياض النهار صانك الله من كلالك فيها ... فمن العار كلة المسمار فافتضهن الشيخ من ليلته، وكتب إليه بكرة:

стр. 2712

قد فضضنا ختام ذاك السوار ... وأصبغنا من النجيع الجاري وصبونا في ظل أطيب عيش ... ولعبنا بالدر أو بالدراري وقضى الشيخ ما قضى بحسام ... ذي مضاء غضب الظبا بتار فأصطنعه فليس ما قضى كفرا ... وأخذه فحلا على الكفار وأهدى له ابن أبي عامر محفنة خيزران إذ نقرس، فقال: لله نفسك فهي أزكى الأنفس ... عقدت علاها بالجواري الكنس عنيت بحالي كلها حتى لقد ... عليت مكارمها بعلة نقرس فتخيرت لي إذ شكت قدمي الونى ... عليا مطية رحلة لم تحبس لا في العتاق ولا الشواحج تنتهي ... نسبا ولا هي بلأمون العرمس إن أهملت لم تنبعث أو أجهدت ... لم تعتذر أو أحرجت لم تشمس محبوكة من خيزران مائس ... لدن مهزته كريم المغرس ويحفني فيها إذا استمطيتها ... بيض الوجوه هبات أروع أشوس ودخل صاعد على المنصور يوما فلما وصل اليه، وجد عودا بين يديه فقال له المنصور: قد تواتر الخبر. وتحدث عنه البشر، أنك فردا في علم الموسيقى، وقد أردت غير مرة الانبساط معا سرا في ذلك، فشق الأمر على صاعد هنالك. ولم يجد من محيد عن أخذ العود

стр. 2713

فتناوله وحبس أوتاره وسوى تسوية أطربت أبن أبي عامر، ثم اندفع ينشده بيتي مجنون بني عامر: أبى القلب إلا حبها عامرية ... لها كنية عمرو وليس لها عمرو تكاد يدي تندى إذا لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الحضر فغضب ابن أبي عامر وتسور، لتوهمه انه عرض بخير، وقال له: يا أبا العلاء، أب الأخوة عرضت أم الأبناء - وهذه إشارة رئيس أنف من أن يجاوبه، على مغزى ما خاطبه. فاخرج الجواب على التذكير، همة إمام غيور. وذكرت بهذا الحديث ما ذكره بعض الرواة عن المعتصم أنه قال يوما للقاضي أبن أبي داود: أتعلم أن أبي دلف من المغنيين الأفراد وإن كان من الشجعان الأنجاد - قال القاضي: فكيف بسماعه - فأحضره المعتصم، وخبا ابن أبي داود. وعوم عليه في الغناء. فلما أندفع يغني هتكت الستارة. فخجل أبو دلف وقال: أجبروني أعز الله القاضي. قال له ابن أبي داود، يا ماجن، هبهم أجبروك غلى أن تغني فمن أجبرك على الإحسان، فقال أبو دلف: ويريبني منك أيها القاضي معرفتك بمحاسن الألحان وتألف الأوزان!!

стр. 2714

وان صاعد [كثيرا] ما تستغرب له الألفاظ ويسأل عنها فيجيب عن ذلك أسرع جواب، على نحو ما يحكى عن أبي عمر الزاهد. ولولا انه كان كثير المزاح لما [٣٧] حمل إلا على الصدق. دخل يوما غلى المنصور وبيده كتاب ورد عليه من عامل له أسمه ميدمان بن يزيد من أهل يابرة، يذكر فيه القلب والتزبيل وما عندهم من معانة الأرض قبل زرعها، فقال له: يا أبا العلاء، وقع إلي من الكتب كتاب القوالب والزوالب لميدمان بن يزيد قال: نعم رأيته في نسخة أبي بكر بن دريد بخط كأكرع النمل، في جوانبها علامات الوضاع. فقال له: أما تستحي من هذا الكذب! ! هذا كتاب عاملنا ببلد يابرة، يعلم بالذي تقدم ذكره من صفة الأرض، وإنما صنعت هذه تجربة لك. فجعل يحلف أنه ما كذب وأنه أمر وافق. وقال له المنصور يوما: ما الخنبشار في اللغة - قال: حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب، وفي ذلك يقول شاعرهم:

стр. 2715

لقد عقدت محبتها بقلبي ... كما عقد الحليب بخنبشار وقال له مرة وقد قدم طبق فيه تمر: ما التمر كل في كلام العرب -[فقال] : يقال تمر كل الرجل تمركلا إذا اتلف في كسائه. وكلن مع ذلك عالما؛ حدث العاصمي النحوي قال: لما سألناه مرارا عن مسائل من النحو بحضرة المنصور فقصر فيها، قال ابن أبي عامر: فإنه من طبقتي في النحو أنا أناظره. ثم سألنا صادا يوما فقال: ما معنى قول امرئ القيس: كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل فقلنا هذا واضح، وإنما وصف فرسا أشهب عقرت عليه الوحش فتطاير دمها إلى صدره فجاء هكذا، فقال صاعد: سبحان الله! أنسيتم قوله قبل هذا في صفته: كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل قال فبهتنا وكانا لم نقرأ البيت قط. وقد اضطررنا إلى سؤاله، فقال: إنما عنى أحد وجهين: إما انه نضح صدره بالعرق وعرق الخيل ابيض، فجاء مع الدم كالشيب، وإما أشياء كانت العرب تصنعها وذلك

стр. 2716

إنها كانت تسم باللبن الحار في صدر الخيل فيتمعط ذلك الشعر. وينبت كأنه شعر أبيض. فأياما عنى من أحد الوجهين فالوصف مستقيم. وكان لأبن أبي عامر فتى يسمى فاتنا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب، وكل ما يتعلق بالأدب، فناظر صاعد بين يديه، فظهر عليه، وبكته حتى أسكته، فازداد المنصور به عجبا: وكان فاتن حسن الخط، واسع المعرفة، فصيح اللسان، حاضر الجواب، إلى عفاف طعمة، ونزاهة نفس، وجمال صورة، وكان ممن تباهى الملوك يخدمته، وتستريح إلى حلمه، وتوفي هذا الفتى فاتن سنة أثنين وأربعمائة. وبيعت في تركته قطعة دفاتر أدبية حسنة الضبط دلت على جودة عنايته. وكان منقادا لما أنزل به من المثلة، فلم يتخذ النساء ولا كشفن له عورة. وكان في ذلك الزمان في بقرطبة جملة من الفتيان المجابيب. ممن أخذ من الأدب بأوفر نصيب. ورأيت تأليفا لرجل منهم يدعى بحبيب مترجما ب - " كتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالبة " وذكر فيه جملة من أشعارهم ونوادر أخبارهم. منهم عمارة الصقلي الفتى الكبير، والصقلبي ميسور، ونجم الوصيف وغيرهم ممن يشتمل عليه ذلك التصنيف، وجعلهم خارج من شرطنا، وليس من جمعنا. ومن عجائب الدنيا الغريبة الوقوع، العجيبة المسموع، أن صاعدا أهدى إلى المنصور إيلا وكتب معه بأبيات يقول فيها:

стр. 2717

يا حرز كل مخوف وأمان كل مشرد ومعز كل مذلل ... عبد جذبت بضبعه ورفعت من ... مقداره أهدى إليك بإبيل سميته غرسية وبعثته ... في حبله ليتاح فيه تفاؤلي فقضي في سابق علم الله تعالى وقدره أن غرسية بن شانجة من ملوك الروم، وهو أمنع من النجوم. أسر بذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه صاعد بالإيل وسماه غرسية على التفاؤل بأسره. وكان أسره في ربيع الأول سنة خمسة وثمانين وثلاثمائة. وهكذا يكون جد للصاحب والمصحوب. ودخل يوما صاعد على المنصور في يوم مطير. وعليه ثياب جدد وخف طري، فمشى على حاشية الصهريج لازدحام من حضر فزلق وسقط في الماء، فضحك المنصور وأمر بإخراجه، وكاد البرد يأتي عليه. فلما نظر إليه [٣٨] أمر بخلع ثياب له، وأدنى مجلسه، ثم قال له: يا أبا العلاء هل قلت في سقطتك شيئا - فأطرق ثم قال: شيئان كانا في الزمان غريبة ... ضرط أبن وهب ثم زلقة صاعد فاستبرد ما أتى به؛ وكان الكاتب أبو مروان الجزيري حاضرا، فقال له: يا أبا العلاء هلا قلت:

стр. 2718

سروري بغرتك المشرقه ... وديمة راحتك المغدقة ثناني نشوان حتى هويت ... في لجة البركة المطبقه لئن ظل عبدك فيها الغريق ... فجودك من قبل ذا أغرقه فقال له المنصور: لله درك يا أبا مروان، قسناك بأهل العراق ففضلتهم فبمن تقاس بعد! فأنهض الجزيري للشرطة. وقد فرق حذاق النظر بين البديهة والارتجال، فجعلوا الارتجال ما كان على طريق الانهمار والتدفق لا يتوقف فيه قائله، كالذي وقع للفرزدق إذ أمره سليمان بن عبد الملك بضرب عنق أسير روما، ودس إليه بعض بني عبس سيفا كهاما فنبا حين ضرب به، وضحك سليمان، فقال الفرزدق: فأن يك سيف خان أو قدر أبي ... لتأخير نفس حينها غير شاهد فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذلك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطن أحيانا مناط القلائد ولو شئت قط السيف ما بين أنفه ... إلى علق دون الشراسيف جاسد ثم جلس وهو يقول:

стр. 2719

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذ أثقل الأعناق حمل المغارم ومن غريب البديهية خبر حبيب، مع الكندي يعقوب، وقد أنشد احمد ابن المعتصم قوله: إقدام عمرو في سماحة خالد ... في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له الكندي: ما صنعت شيئا فإن الأمير أفضل مما ذكرت، وما هؤلاء وقدرهم - فأطرق ثم قال: لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس فتعجب من بديهته يومئذ لأنه كان رجلا مصنعا لا يجب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل أن الكندي لما خرج حبيب قال: أرى هذا الفتى يموت شابا لآن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده. فكان ذلك كذلك، مات وقد نيف على الثلاثين. وكان أبو الطيب كثير البديهية إلا أن شعره نازل فيه. وأهل الشعر في ذلك في سعة من العذر، إذ هو كما قال أبن الرومي: نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضلها قوم لسرعتها ... لكنها سرعة تمضي مع الريح

стр. 2720

وقال أبن المعتز: والقول بعد الفكر يؤمن زيغه ... شتام بين روية وبدية ومن الشعراء من شعره فيهما وعند الأمن والخوف سواء، بمقدار قدره كل واحد، وسكون جأشه. وقوة غريزته. كهدبة بن الحشرم، وطرفة بن العبد، ومرة بن محكان السعدي، إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير بقتله: بني أسد تقتلوني تحاربوا ... تميما إذا الحرب العوان اشمعلت ولست وإن كانت إلي حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت وكعبد يغوث إذ أعطى في نفسه لبني تميم ألف ناقة فأبو إلا قتله، وكانوا قد شدوا لسانه خوفا من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، فقال القصيدة التي أولها: أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا فيا راكب إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران ألا تلاقيا وتيم بن جميل السدوسي وكان قام بشاطئ الفرات، واجتمع

стр. 2721

إليه الأعراب وغلط أمره، فظفر به وحمل إلى باب المعتصم، فلما مثل بين يديه، وكان وسيما جميلا، فأحب المعتصم أن يعلم أين المنظر من المخبر، قال له: تكلم، فقال بعد أن حمد الله ودعا للمعتصم: إن الذنوب تخرس الألسنة، وتعمي الأفئدة، وقد عظمت الجريرة وانقطعت الحجة وساء الظن، ولم يبقى الا العفو أو الانتقام، وارجوا أن أقربهما مني وأسرعها ألي أشبهها بك، وأولهما بكرمك. ثم قال وقد كان قدم [٣٩] السيف والنطع لقتله: أرى الموت بين السيف والنطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي أمرئ مما قضى الله يفلت وأي أمرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يهز علي السيف فيه وأسكت فما حزني أني أموت وإني ... لا علم أن الموت شيء موقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين انعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا خافضين بنعمه ... أذود الردى عنهم وأن مت موتوا فكم قائل لا أبعد الله داره ... وأخر جذلان يسر ويشمت! فعفا عنه المعتصم، وأحسن إليه وقلده عملا. وعلي بن الجهم الذي قال ارتجالا وقد صب عريانا:

стр. 2722

لم ينصبوا بالشاذ ياخ عشية ال ... إثنين مفلولا ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسنا وملء قلوبهم تبجيلا ما ضره أن بز عنه غطاؤه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا إلى غير ذلك من غرائب أهل المشرق. فأما ما جاء في هذا الباب لأهل عصرنا بهذا الأفق، فكالذي وقع لأبي عامر بن شهيد القرطبي مع لمة من أصحابه، فكان حكى أنه قال له: ياابا عامر أنك ات بالعجائب، وجاذب بذوائب الغرائب، ولكنك شديد الإعجاب بما يأتي منك لعطف الزهو عند النادرة تتاح لك، ولكن نريد أن تصف لنا مجلسنا هذا، وكان الذي طلبوه منه يومئذ زبدة التعنيت، ومحة بيضة التبكيت، لأن المعنى الجلف إذ لم يطلب على النفس، وتناوله المحسن أساء فيه، وكانت هيئة ذلك المجلس وصفته مما يقتل لبرده، وهيئته لا يتمكن فيها كلام ولا يتركب عليها معنى: باب غريب معرض في المجلس، ولبد أحمر مبسوط على أرضه، وصدور أخفافهم على حاشيته. وذكر أبوابه وانضمامها على أرجله فقال: وفتية كالنجوم حسنا ... كلهم شاعر نبيل متقد الجانبين ماض ... كأنه الصارم الصقيل راموا انصرافي عن المعالي ... والغرب من دونها فليل

стр. 2723

فأشتد في أثرها مسح ... كل كثير بها قليل في مجلس شابه التصابي ... وطاردت وصفه العقول كأنما بابه أسير ... قد عرضت وسطه نصول يراد منه المقال قسرا ... ينظر من لبده الدنيا ... بحر دم تحته يسيل كان أخفافنا عليه ... مراكب مالها دليل ضلت فلم تدر أين تجري ... فهي على شطة تقيل واتفق أن خرج من عندهم فأجتاز بحانوت بعض معارفه من الطرائفيين وبين يديه رامشنة جميلة في زنبيل ملآن حرشفا، فجعل يديه في لجام دابة ابن شهيد وقال له: صف هذا أبا عامر، فأن صاعدا رام وصف ذلك لأبن أبي عامر فلم يأت بشيء غير ذكر الحرشف. فقال ابن شهيد وهو على ظهر دابته: هل أبصرت عيناك يا خليلي ... قنافذا تباع في زنبيل من حرشف معتمد جليل ... ذي إبر تنفذ جلد الفيل كأنها أنياب بنت الغول ... لو نخست في أست أمرئ ثقيل لقفزته نحو أرض النيل ... ليست ترى طي حشا منديل

стр. 2724

نقل الخيف المائق المجهول ... وأكل قوم نازحي العقول اقسم لا أطعمتها أكيلي ... ولا طعمتها على شمول وكان يوما مع جماعة من أهل الأدب، بمجلس أبن ذكوان، فجيء بباكور باقلى، فقالوا: لا ينفرد بها إلا من وصفها، فقال أبن شهيد: أن لآليك أحدثت صلفا ... فاتخذت من زمرد صدفا تسكن ضراتها البحور وذي ... تسكن للحسن روضة أنفا هامت بلحف الجنان فاتخذت ... من سندس في جناتها لحفا نثقبها بالثغور من لطف ... حسبك منا في بر من لطفا جاز أبن ذكوان في مكارمه ... حدود كعب وما به وصفا قدم در الرياض منتخبا ... منه لأفراس مدحه علفا أكل ظريف وطعم ذي أدب ... والفول يهواه كل من ظرفا رخص فيه شيخ له قدر ... فكان حسبي من المنى وكفى [٤٠]

стр. 2725

وخرج سعدان المؤدب من قرطبة إلى الحجاز وشيعة جماعة، وكان قد باع داره وشد جهاز طريقه تحته في خرجه، فقال فيه يومئذ مؤمن بن سعيد: قد بعت دارك فأرحل غير محتقب ... زاد التقى عن بني الدنيا إلى سقر لما رأيت أذى الأمطار متصلا ... حصنت دارك في خرج عن المطر فلست تخشى على حيطانها زللا ... من واكف يهدم البنيان منهمر زودتك اللعن به مخصوصا به أبدا ... لما غدوت بلا زاد على سفر فأغرب إلى حيث لا ماء وشجر ... كما غنيت بلا ماء ولا شجر وساير أبن عمار في بعض الأسفار غلامين وسيمين من بني جهور، أحدهما أشقر والأخر بعذار أخضر، فكان يميل بحديثه من ظهر دابته إلى الذي وصفه منهما حيث قال ارتجالا: تعلقته جهوري النجار ... حلو اللثى جوهري الثنايا

стр. 2726

من النفر البيض جروا الزمان ... رقاق الحواشي كرام السجايا ولا غرو أن تغرب الشارقات ... وتبقى محاسنها بالعشايا ولا وصل إلا جمان الحديث ... نساقطه من ظهور المطايا شنئت المثلث للزعفران ... وملت إلى خضرة في التفايا قال ابن بسام: وكان الأستاذ أبو الوليد بن ضابط قد بدأ عليه بالقراءة الوزير أبو محمد بن عبدون وهو غلام أبن ثلاث عشر سنة، وكان ابن ضابط المذكور متكسبا بالشعر. فضجر يوما وقال: " الشعر خطة خسف " فقال له أبن عبدون: ................ ... لكل طالب عرف للشيخ عيبة عيب ... وللفتى ظرف ظرف والبديه والارتجال في هذه الأشعار الأندلسية وإن لم تلحق بالأشعار المشرقية، ولا فيها كبير طائل، ولا تقرب مما ألصقته أليها من أشعار الأوائل، فهي نحوي في هذا المجموع الذي أنتحيت، وطلقي

стр. 2727

الذي إليه جريت، ولذلك لا أثبت مذالها ومصونها، وكتبت غثها وسميتها، والأدب طريق يسلكها الصحيح والجرب، وسوق ينفق فيها الدر والمخشلب، ولأخرج من جد إلى هزل، وأنتقل من حزن إلى سهل. رجعت إلى ما قطعت من أخبار صاعد، وما يتعلق بها ويذكر بسببها من الفوائد. إيجاز الخبر ن أسر غرسية الذي ذكر قال أبن حيان: لما قفل ابن أبي عامر سنة أربع وثمانين عن بلد غرسية صاحب قشتيلة، حشر عدو الله جموعه لغزو بلاد الأسلام، فأغتنم المنصور لذلك. فبينما هو يحاول بعض الأمر هنالك إذ وردت عليه كتاب قند الوزير صاحب مدينة سالم يذكر أنه أسرى في نخبة أهل ثغره إلى بلد غرسية فقتل وغنم. ثم أنكمش فتبعه غرسية في قطعه حسنة من نخبة حماته. فثبت الله أقدام الإسلام، وأقام بيد قند يعالجه من جرحه فهلك في يديه، وحز رأسه وجعله في تابوت، وأنفذه إلى حضرة قرطبة، وأختزن جسده إلى ان دفع مع رأسه إلى ولده شانجة عند عقد السلم بعد مدة.

стр. 2728

مقتل أبي مروان الجزيري وكان أبو مروان عبد الملك الجزيري أحد شعراء الأندلس المجيدين وقته وممن أجتمع له بهذا الإقليم نوعا البلاغة في المنثور والمنظوم. وتقدم عصره منعني من ذكره؛ وفي خبر مقتله طول، لكن نلمع منه بلمعة، بعد أن تقدم من نوعي كلامه قطعه. فمن ذلك أن المنصور بن أبي عامر صنع صنيعا في ذلك الأوان، لتطهير أبنه عبد الرحمن، وكان عام قحط فأرتفع السعر بقرطبة، وبلغ ربع الدقيق إلى دينارين، فجلا الناس. فلما كان يوم ذلك الصنيع، نشأت في السماء سحابة عمت الأفق، ثم أتى المطر الوابل فاستبشر الناس وسر أبن أبي عامر فقال الجزيري بديهة: أما الغمام فشاهد لك انه ... لا شك صنوك بل أخوك الأوثق وافي الصنيع فحين تم تمامه ... في النحو أنشأ ودقة يتدفق [٤١] وأظنه يحكيك جودا إذا راى ... في اليوم بحرك زاخرا يتفهق ومنها:

стр. 2729

وتوسطتها لجة في قعرها ... بنت السلاحف ما تزال تنقنق تنساب من فكي هزبر أن يكن ... ثبت الجنان فإن فاه اخرق صاغوه من ند وخلق صفحتي ... هاديه محض الدر فهو مطوق للياسمين تطلع في عرشه ... مثل المليك عراة زهو مطرق ونضائد من نرجس وبنفسج ... وجني خيري وورد يعبق ترنو بسجو عيونها وتكاد من ... طري إليك بلا لسان تنطق وعلى يمينك سوسنات أطلعت ... زهر الربيع فهن حسنا تشرق فكأنهما هي في اختلاف رقومها ... رايات نصرك يوم بأسك تخفق في مجلس جمع السرور لأهله ... ملك إذا جمعت قناة يفرق حازت بدولته المغارب عزة ... فغدا ليحسدها عليه المشرق وعتب عليه المنصور وسجنه في مطبق الزاهرة، وأستعطفه برسائل وأشعار عدة، فلم يسمع منه، ثم صفح بعد عنه، فكتب إليه الجزيري: عجبت من عفو أبي عامر ... لا بد ان تتبعه منه كذلك الله إذا ما عفا ... عن عبده أدخله الجنة فسر المنصور بذلك وصرفه إلى حاله، ورد عليه ما كان أعتقل من ماله. ومن شعره أيضا، مما اندرج له في أثناء نثره الذي ملح فيه، مخاطبته على السنة أسماء كرائمه بزهور رياضه. من ذلك عن بهار العامرية قصيدة أولها:

стр. 2730

حدق الحسان تقر لي وتغار ... وتضل ي صفتي النهى وتحار طلعت على قضبي عيون كمائمي ... مثل العيون تحفها الأشفار وأخلص شيئا بي أذا شبهتني ... در تنطق سلكها دينار أهدى له قضب الزمرد ساقه ... وحباه أنفس عطره العطار أنا نرجس حقا بهرت عقولهم ... ببديع تركيبي فقيل بهار ومن أخرى على لسان نرجس العامرية: حيتك يا قمر العلا والمجلس ... أزكى تحيتها عيون النرجس زهرا تريك بحسنها وبلونها ... زهر النجوم الجاريات الكنس يملكن أفئدة الندامى كلما ... دارت بمجلسهم مدار الأكؤس ملك الهمام العامري محمد ... للمكرمات وللنهى والأنفس ومن أخرى عن بنفسج العامرية: إذا تدافعت الخصوم - ايد الله مولانا المنصور - في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليه مفزعها، وهو المقنع في فصل القضية بينها، لاستيلائه على المفاخر بأسرها. وعلمه بسرها وجهرها. وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنها، والفخر بمشابههما كل مذهب. وما منهما إلا ذو فضيلة، غير ان فضلي عليهما أوضح من الشمس التي

стр. 2731

تعلونا، وأعذب من الغمام الذي يسقينا. فإن كانا قد تشبها في شعرهما ببعض ما في العالم من جواهر الأرض ومصابيح السماء، وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان وهو الحيوان الناطق. مع أني أعطر منهما عطرا، واحمد خبرا، واكرم إمتاعا شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا. وكلاهما لا يمتع إلا ريثما يمنع.ثم إذا أذبل تستكره الأنوف شمه، وتستدفع الأكف ضمه، وأنا أمتع رطبا ويابسا، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء، وأصرف في منافع الأعضاء. فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي، فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهواء لطيف، والمسك خفيف وليس المجد يدرك بالصراع ... وقد أودعت - أيد الله مولانا - قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما، فقديما فضل الحاضر وأن كان مفضولا، ولهذا قالوا ألذ الطعام ما حضر لوقته، وأشعر الناس من أنت في شعره؛ فلمولانا أتم الفضل في ان يفضل بحكمه العدل. وأقول: شهدت لنوار البنفسج السن ... من لونه الأحوى ومن إيناعه

стр. 2732

لمشابه الشعر الأثيث أعاره ال ... قمر المنير الطلق نور شعاعه ولربما جمد النجيع من الطلى ... في صارم المنصور يوم قراعه فحكاه غير مخالف في لونه ... لا في روائحه وطيب طباعه ملك جهلنا قبله سبل الهدى ... حتى وضحن بنهجه وشراعه في سيفه قصر لطول نجاده ... وتمام ساعده وفسحة باعه ذو همة كالبرق في إسراعه ... وصريمة كالحين في إيقاعه تلقى الزمان له مطيعا سامعا ... وترى الملوك الشم من أتباعه [٤٢] قال ابن حيان: وكان عبد الملك بعد أبيه قد فوض إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره أمره، فصار عيسى قيم الدولة؛ فحده رجال العامرية، وحملوا طرفة فتى عبد الملك على مناوأته؛ فسمت نفس طرفة لذلك الفضل همة كانت له، وحظ أدب ميزه عن طبقته. فأستخلص من أعداء عيسى لمة، منهم عبد الملك الجزيري وأبو العباس بن ذكوان، فزين له التقدم عليه. وعرفه الجزيري مل تهيأ لكافور الأسود مولى محمد بن طغج صاحب مصر من الملك باسم مولاه تلك المدة الطويلة، وان محله فوق محل ذلك بابيضاض النفس والجلد، واكتمال الفضل والمعرفة. فأصغى له طرفة وتدبر برايه، وحمل مولاه على ان قدم عبد الملك الجزيري إلى خطة الوزارة. فعارض عيسى في كل أمر حتى كاد يسقطه لولا استخذاء عيسى له. ثم أعتل عبد الملك

стр. 2733

المظفر فأنفرد طرفة بخدمته، وكثر الإرجاف به، فجمل له ابن الجزيري بغية وسوء رأيه، وجسره على ان يضبط الأمر لنفسه باسم الطفل مولاه، على رسم كافور الذي ذكرناه. ثم رأى المظفر أن يخرج عسكرا إلى شرقي الأندلس لإنقاذ ما فيه من الأطعمة، فهش فتاة طرفة لذلك، وسأل مولاه ان يخرج معه عيسى الوزير وقد اسر الإيقاع به، فأجابه مولاه لذلك، فأخذ في التجهيز وأسرف فيما أتاه، ولم يبق من وجوه القواد وصنوف العدد والحلي وكرئم النجائب عند مولاه إلى ما قدر له حتى صار في أبهة الملوك،. وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه، فتثاقل له، وأحس بالشر في صحبته ورام الانفراد بالمظفر في ذلك، فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه، فألقى عيسى بنفسه إلى مفرج صاحب مدينة الزاهرة ثقة المظفر واستغاثه لمحنته. فوصل له رقعة إلى المظفر شرح فبها مراد طرفة. عند ذلك أتي [طرفه] من مأمنه واستعفى الخروج جملة فلم يساعفه مولاه؛ فنفذ لطيته، والعجب يقوده والحين يسوقه. وخلا وجه المظفر لعيسى بعده، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة. فخرج معه وزيره عيسى، والجزيري يغالطه القدح في طرفة، وفي قلبه عيسى النار المتضرمة، وعيسى أعلم الناس بنفاقه، وأحبهم في سفك دمه. فلما صار عبد الملك إلى بعض الطريق دبر عيسى على ابن الجزيري أن ينصرف إلى حضرة ليحصل

стр. 2734

قبض بقايا الخراج والنفقات، ولم يحس بما دبر عليه وعلى صاحبه. فلما وصل المظفر سرقسطة، وطرفة مرتقب قدوم مولاه على مقربة منها، دخل في أبهته وتعبئته وصار إلى قصر مولاه مدلا بمنزلته، فعدل به عن مجلسه ولم تقع عين المظفر عليه، وقيد لوقته، وأخرج إلى الجزائر الشرقية، فلم يكن بين دخول سرقسطة أمير وخروجه عنها أسيرا إلا ساعة. وأتخذ الناس حديثه عجبا، ثم انفذ المظفر إلى الحضرة بضم عبد الملك الجزيري إلى المطبق بالزاهرة، وكتب عيسى الوزير إلى مفرج العامري والى عبد الملك بن مسلمة، وكانا من أعداء ابن الجزيري، وحرضهما على ابادته، فأدخل عليه في مطبقه قوم من السودان وخنقوه، وأشيع موته، وأخرج ميتا بعد أيام، وأسلم إلى أهله ولا اثر به، ودفن في شوال سنة أربع وتسعين. فصرع منه ﵀ يومئذ فارس نثر ونظام، ومزق بقتله وشي الكلام، وكان يشبه في ذكاه وأدبه مع عقربية الطبع، وكثرة الضر وقلة النفع، محمد بن زيات في ذلك الصقع. اخبرني ابن خلف بن حسين قال: سألت الذي تولى قتل ابن الجزيري في محبسه فجعل يصف لي سهولة ما عاناه منه لقضافته وضعف أسره ويقول: ما كان الشقي إلا كالفروج في يدي. دققت رقبته بركبتي فما زاد ان نفخ في وجهي. فعجبن من جهل هذا الأسود.

стр. 2735

رجع ما أنقطع وكان صاعد قد طولب في أخريات تلك الدولة، وانتهت به الحال، إلى ان اغرم في خبر طويل مائة مثقال.، فاستغاث على بن وداعة أحد الفرسان الأبطال ونبهاء الدولة - كان - في ذلك الأوان، وكتب إليه قال فيها: أني على وهني، وما أخذه الدهر مني، ونحته من قدحى، لأربأ بالفضل أن ينحط إلا في مصابه، ويحل رحله في غير معانه. فلم أحوم على أحد طير رجائي، ولا رمقت بأملي إلا من نوة الله باسمه، وناسب بين أحواله، وشاب بين خلاله؛ فسبحان من جعل سنانك عدل لسانك، وبيانك كفء طعانك، فالألسن تتنادم على وصفك، والقلوب تعاقر خمرة حبك، خبيئة أذاعها الله منك، وذخيرة أبرزها الدهر بك، وما زلت في الايام التي تعرفها منقبا على محاسنك، بحاثا لأثارك بالعدوة وذواتها، ومقارعتك الأهوال، ومماصعتك الأبطال، عاركا بجنبيك شوكة [٤٣] الأسنة، ومماجيا أطراف الاعنة، فأذكر بك صعاليك العرب وذؤبانها، وشعراء الفرسان وغربانها، كعنتزة وزيد الخيا، وانت بهمة السرية وقرن الكتيبة؛ وغارة قومك من سليم على فرازة ونذيرها يهتف: أتيتم يافزازة! هذه سليم والموت! وأنا ابن عمك من ربيعة، إذ هي وسيم أحلاف، فالعدنانية تلفنا
следующие страницы →