← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

تعلونا، وأعذب من الغمام الذي يسقينا. فإن كانا قد تشبها في شعرهما ببعض ما في العالم من جواهر الأرض ومصابيح السماء، وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان وهو الحيوان الناطق. مع أني أعطر منهما عطرا، واحمد خبرا، واكرم إمتاعا شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا. وكلاهما لا يمتع إلا ريثما يمنع.ثم إذا أذبل تستكره الأنوف شمه، وتستدفع الأكف ضمه، وأنا أمتع رطبا ويابسا، وتدخرني الملوك في خزائنها وسائر الأطباء، وأصرف في منافع الأعضاء. فإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي، فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهواء لطيف، والمسك خفيف وليس المجد يدرك بالصراع ... وقد أودعت - أيد الله مولانا - قوافي الشعر من وصف مشابهي ما أودعاه، وحضرت بنفسي لئلا أغيب عن حضرتهما، فقديما فضل الحاضر وأن كان مفضولا، ولهذا قالوا ألذ الطعام ما حضر لوقته، وأشعر الناس من أنت في شعره؛ فلمولانا أتم الفضل في ان يفضل بحكمه العدل. وأقول: شهدت لنوار البنفسج السن ... من لونه الأحوى ومن إيناعه

стр. 2732

لمشابه الشعر الأثيث أعاره ال ... قمر المنير الطلق نور شعاعه ولربما جمد النجيع من الطلى ... في صارم المنصور يوم قراعه فحكاه غير مخالف في لونه ... لا في روائحه وطيب طباعه ملك جهلنا قبله سبل الهدى ... حتى وضحن بنهجه وشراعه في سيفه قصر لطول نجاده ... وتمام ساعده وفسحة باعه ذو همة كالبرق في إسراعه ... وصريمة كالحين في إيقاعه تلقى الزمان له مطيعا سامعا ... وترى الملوك الشم من أتباعه [٤٢] قال ابن حيان: وكان عبد الملك بعد أبيه قد فوض إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره أمره، فصار عيسى قيم الدولة؛ فحده رجال العامرية، وحملوا طرفة فتى عبد الملك على مناوأته؛ فسمت نفس طرفة لذلك الفضل همة كانت له، وحظ أدب ميزه عن طبقته. فأستخلص من أعداء عيسى لمة، منهم عبد الملك الجزيري وأبو العباس بن ذكوان، فزين له التقدم عليه. وعرفه الجزيري مل تهيأ لكافور الأسود مولى محمد بن طغج صاحب مصر من الملك باسم مولاه تلك المدة الطويلة، وان محله فوق محل ذلك بابيضاض النفس والجلد، واكتمال الفضل والمعرفة. فأصغى له طرفة وتدبر برايه، وحمل مولاه على ان قدم عبد الملك الجزيري إلى خطة الوزارة. فعارض عيسى في كل أمر حتى كاد يسقطه لولا استخذاء عيسى له. ثم أعتل عبد الملك

стр. 2733

المظفر فأنفرد طرفة بخدمته، وكثر الإرجاف به، فجمل له ابن الجزيري بغية وسوء رأيه، وجسره على ان يضبط الأمر لنفسه باسم الطفل مولاه، على رسم كافور الذي ذكرناه. ثم رأى المظفر أن يخرج عسكرا إلى شرقي الأندلس لإنقاذ ما فيه من الأطعمة، فهش فتاة طرفة لذلك، وسأل مولاه ان يخرج معه عيسى الوزير وقد اسر الإيقاع به، فأجابه مولاه لذلك، فأخذ في التجهيز وأسرف فيما أتاه، ولم يبق من وجوه القواد وصنوف العدد والحلي وكرئم النجائب عند مولاه إلى ما قدر له حتى صار في أبهة الملوك،. وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه، فتثاقل له، وأحس بالشر في صحبته ورام الانفراد بالمظفر في ذلك، فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه، فألقى عيسى بنفسه إلى مفرج صاحب مدينة الزاهرة ثقة المظفر واستغاثه لمحنته. فوصل له رقعة إلى المظفر شرح فبها مراد طرفة. عند ذلك أتي [طرفه] من مأمنه واستعفى الخروج جملة فلم يساعفه مولاه؛ فنفذ لطيته، والعجب يقوده والحين يسوقه. وخلا وجه المظفر لعيسى بعده، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة. فخرج معه وزيره عيسى، والجزيري يغالطه القدح في طرفة، وفي قلبه عيسى النار المتضرمة، وعيسى أعلم الناس بنفاقه، وأحبهم في سفك دمه. فلما صار عبد الملك إلى بعض الطريق دبر عيسى على ابن الجزيري أن ينصرف إلى حضرة ليحصل

стр. 2734

قبض بقايا الخراج والنفقات، ولم يحس بما دبر عليه وعلى صاحبه. فلما وصل المظفر سرقسطة، وطرفة مرتقب قدوم مولاه على مقربة منها، دخل في أبهته وتعبئته وصار إلى قصر مولاه مدلا بمنزلته، فعدل به عن مجلسه ولم تقع عين المظفر عليه، وقيد لوقته، وأخرج إلى الجزائر الشرقية، فلم يكن بين دخول سرقسطة أمير وخروجه عنها أسيرا إلا ساعة. وأتخذ الناس حديثه عجبا، ثم انفذ المظفر إلى الحضرة بضم عبد الملك الجزيري إلى المطبق بالزاهرة، وكتب عيسى الوزير إلى مفرج العامري والى عبد الملك بن مسلمة، وكانا من أعداء ابن الجزيري، وحرضهما على ابادته، فأدخل عليه في مطبقه قوم من السودان وخنقوه، وأشيع موته، وأخرج ميتا بعد أيام، وأسلم إلى أهله ولا اثر به، ودفن في شوال سنة أربع وتسعين. فصرع منه ﵀ يومئذ فارس نثر ونظام، ومزق بقتله وشي الكلام، وكان يشبه في ذكاه وأدبه مع عقربية الطبع، وكثرة الضر وقلة النفع، محمد بن زيات في ذلك الصقع. اخبرني ابن خلف بن حسين قال: سألت الذي تولى قتل ابن الجزيري في محبسه فجعل يصف لي سهولة ما عاناه منه لقضافته وضعف أسره ويقول: ما كان الشقي إلا كالفروج في يدي. دققت رقبته بركبتي فما زاد ان نفخ في وجهي. فعجبن من جهل هذا الأسود.

стр. 2735

رجع ما أنقطع وكان صاعد قد طولب في أخريات تلك الدولة، وانتهت به الحال، إلى ان اغرم في خبر طويل مائة مثقال.، فاستغاث على بن وداعة أحد الفرسان الأبطال ونبهاء الدولة - كان - في ذلك الأوان، وكتب إليه قال فيها: أني على وهني، وما أخذه الدهر مني، ونحته من قدحى، لأربأ بالفضل أن ينحط إلا في مصابه، ويحل رحله في غير معانه. فلم أحوم على أحد طير رجائي، ولا رمقت بأملي إلا من نوة الله باسمه، وناسب بين أحواله، وشاب بين خلاله؛ فسبحان من جعل سنانك عدل لسانك، وبيانك كفء طعانك، فالألسن تتنادم على وصفك، والقلوب تعاقر خمرة حبك، خبيئة أذاعها الله منك، وذخيرة أبرزها الدهر بك، وما زلت في الايام التي تعرفها منقبا على محاسنك، بحاثا لأثارك بالعدوة وذواتها، ومقارعتك الأهوال، ومماصعتك الأبطال، عاركا بجنبيك شوكة [٤٣] الأسنة، ومماجيا أطراف الاعنة، فأذكر بك صعاليك العرب وذؤبانها، وشعراء الفرسان وغربانها، كعنتزة وزيد الخيا، وانت بهمة السرية وقرن الكتيبة؛ وغارة قومك من سليم على فرازة ونذيرها يهتف: أتيتم يافزازة! هذه سليم والموت! وأنا ابن عمك من ربيعة، إذ هي وسيم أحلاف، فالعدنانية تلفنا

стр. 2736

والنسب يضم شعبنا. وفي البلد من وترني فاستفاد منه لساني، وظلمني فأنتصر لي حماة كلماتي، فأرسلتها فيه شعثا قباحا، موروثة في الأعقاب، خالدة على الأحقاب، أشرد من نعامة، وألزم له من طوق الحمامة، فهو يبغيني الغوائل، ويبث لي الحبائل. ومن شعره فيه: أبا حسن ربيعة من سليم ... سنان زان عالية الرماح وإني عائد بك من هنات ... نحتن دعائمي نحت القداح فكر على ابن عمك وانشله ... فليس حمى ابن عمك بالمباح فإن الجار عندك بين جنبي ... عقاب الدجن كاسرة الجناح ومنها في المدح: تصد الخيل باسمك في غدير ... على ضما عن الماء القراح تظنك طالعا بيني سليم ... عليها عند مفتضح الصباح إذ ساورت قرنك في مكر ... جعلت له ذراعك كالوشاح فما نفع بعلي بن وداعة، ولا كانت له فيه شفاعة. وكان خاطب أي اهشام بن الحكم الخليفة في تلافي حاله، فما أصغى له لزهده فيه وفي أمثاله. وعوجل علي بن وداعة وقتل في خبر

стр. 2737

طويل، فأنسد باب الفهم بقرطبة يومئذ وطمست العبدى العاقبون له رسمه، وأيس ذوو الأحساب منهم، فتفرقوا شذر مذر، ولم يبقى بها منهم من له خطر. وتناصرت خلال المكروه فيما بعد على صاعد بارتجاج الفتنة، غلاء سعر ورخص شعر، حتى أختل وعجز عن ستر ولده وأهله، وبخل هشام على ذلك كله بتسريحه والأذن له بالانطلاق عن الأندلس فرقا من خبث لسانه. فخرج مستخفيا وجاز بشلطيش على يد أبي زيد البكري رئيسها سنة ثلاث وأربعمائة، فأتصل بصاحب صفلية، وفارق البؤس، وراجع النعمة. ثم رجع إلى الأندلس أثر غلبة سليمان والبرابر على قرطبة مستخرجا لمن تخلف بهامن أهله وولده. وتعرض أيضا لمديح سليمان فما أنجح معه ولا أفلح. وقد كان استطرف أول دولته، فرئمه رئمان العلوق ولم يقره قرضا لاستحالته عن فعل الجميل جملة. ثم عجل الانكفاء إلى صقلية، ومات بها ﵀ سنة عشر وأربعمائة. قوله: " جعلت له ذراعك كالوشاح " أخذه من قول أسر يزيد بن الصعق:

стр. 2738

تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على أبن الصعق جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق ونعقب أخبار صاعد بمصادره وموارد من أخبار أبن أبي عامر، منسوقة الأوائل والأواخر، مقيدة العيون والنوادر، ونلمع بشيء من الأسباب التي ذلت له الصعاب، وأخضعت له الرقاب. وغنما نعتمد من الأخبار أشهرها بسوقا، وأخصرها طريقا، وأمسها بالأدب رحما، وأشبهها بغرض هذا الكتاب أرضا وسما. وبحسبنا من دولة ابن أبي عامر ان ننقل نص ابن حيان: كيف طلعت نجومها، ومن أين نشأت غيومها، ونتلي ذلك كيف مال ظلها وأضطرب حبلها، إذ أكثر ما يقال للحاضر من أين طلع، وللغابر الدابر ما صنع، ونهاية المراد، علم الكون والفساد. تلخيص التعريف بدولة ابن أبي عامر من الأول إلى الأخر هو أبو عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر محمد بن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك المعافري. وعبد الملك جده وهو الداخل بالأندلس مع طارق مولى موسى بن نصير في أول الداخلين من المغرب. وهو في قومه وسيط.

стр. 2739

ونقلت من خط ابن حيان قال: انتهت خلافة بني مروان إلى الحكم تاسع الأئمة فيها، فتناهت في السرو والجلالة والكمال والأبهة، ونظم رواة الأخبار وحملة الآثار من مناقبه ما طار كل مطار في جميع الأقطار، إلا أنه - تغمد الله خطاياه - مع ما وصف من رجاحته، كان ممن استهواه حب الولد وأفرط فيه، وخالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا، دون مشيخة الأخوة وفتيان العشيرة [٤٤] ومن يكمل للإمامة بلا محاباة، فرط هوى ووهلة انتقدها الناس على الحكم وعدوها الجانية على دولته. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختارا ولا مرد لأمر الله. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختار ولا مرد لأمر الله. وذلك انه نفس بسلطانه على ثلاثة رجال من أخوته ولد الناصر: عبد العزيز شقيقه والأصبغ والمغيرة، مع جماعة من ولد الخلفاء كهول وشبان، ما فيهم إلا مضطلع للأمر قوي عليه. فتخطى جماعته إلى أبنه هشام وهو في الوقت طفل ما بلغ الحلم. قال ابن بسام: وحدثت عن احمد بن زياد عن محمد بن وضاح عن رجل يتكلم في الحدثان انه قال: لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء، فإذا انتقل إلى الاخوة وتوارثوه بينهم فقد أدبر وأنصرف. فلعل الحكم بهذا الخبر توهم، فجاذبه عن اخوته؛ وإن كان ذوو اللب والنظر، لا يلتفون إلى مثل هذا الخبر.

стр. 2740

رجع الخبر إلى ابن حيان: وكان جوذر وفائق فتيا الحكم قد أخفيا موته، ودبرا على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة. وكان قال له فائق: إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفرٍ المصحفي. فقال له جوذر: ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ دولة مولانا -! قال له: هو والله ما أقول لك. ثم بعثنا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم، وعرفاه برأيهما في المغيرة، فقال لهما المصحفي: وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر، ولكما الرأي فيما قلتماه؛ فأخذا في تدبير ما رأياه. وخرج المصحفي وجمع حاشيته وجنده، ونعى إليهم الحكم وعرفهم مذهب جوذرٍ وفائق في المغيرة، وقال: إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا. وإن بدلنا استبدل بنا. فقالوا: الرأي رأيك. فبادر المصحفي ببعثه محمد بن [أبي] عامر مع طائفة من الجند وقته إلى دار المغيرة لقتله. قال ابن أبي عامر: فألفيت المغيرة مطمئناً لا خبر عنده. فنعيت إليه أخاه الحكم فجزع. وعرفته جلوس ابنه هشام في الخلافة. فقال: أنا سامع مطيع. فكتبت إلى جعفر بحاله وبالصورة التي ألفيته عليها من السلامة. فراجعني جعفر المصحفي وهو يقول: غررتنا. اقض عليه وإلا وجهت غيرك من يقتله! فقتل ﵀ خنقاً. وكانت علة الحكم الفالج. وكان تقدمه عبد العزيز أخوه بمديدة. وتعطل أخوه الأصبغ ببطالة أزالت عنه الرهبة. فذهبت عن جعفر بن عثمان فيهما الحزة. وتوفر اهتمامه بعدهما بالمغيرة. وكان فتى القوم كرماً ورجلة. وممن أشير نحوه بالأمر بأسباب باطنة، فأخذ له أهبته؛ فلما قضى الحكم نحبه ليلة

стр. 2741

الأحد الثالثة من صفر سنة ست وستين، بادر بالمغيرة على الصفة المذكورة. وافتتح المصحفي أمره بعد بإيثار النصفة، وإطراح الكبر. وكان أول ما أتاه من ذلك صدر تقلده حجابة هشام - وقد رفع فراشه فوق الوزراء أصحابه، وأبدل بالكتان الديباج على سالف العادة - أن قال: إني أستحيي من أصحابي أن أتمهد أفضل من فرشهم. مع عجزي عن درك شأوهم، غير أنا نسلم لأمير المؤمنين اختياره، فإما يساوي بيننا في فرش كرامته، وإما أقرنا على الأمر الأول ولا كفران لنعمته، فأفرش للجميع، مذ زال فرش الديباج، فرش الكتان، فجرى عليهم الرسم إلى آخر الزمان. واستحسن فعل جعفر يومئذ وعد من [بعد] غوره. وعول جعفر في سائر أوقات دولته على هذا النوع من السياسة، فلزم التواضع للناس، وأطلق لهم البشر وألان كنفه ووطأ خلقه. ورأى أنهم بذلك يصلحون له، دون البذل لذات اليد والمواساة في النعمة؛ فاستأثر بالأعمال، واحتجن الأموال ولم ينلهم، وبنى المنازل وهدمهم، وشح بالنشب وسخا بهم. وعارضه من محمد بن أبي عامرٍ فتىً ماجد أخذ معه بطرفي نقيض: بالبخل جوداً، وبالاستبداد أثرة، [و] باقتناء الضياع واصطناع الرجال، حتى غلبه عما قليل. وتحركت حال ابن أبي عامر لأول الدولة، وشارك في التدبير بحق الوزارة، وتقوى على أمره بنظره في الوكالة وخدمته للسيدة صبح أم هشام. وكانت حاله عند جميع الحرم أرفع الأحوال، بقديم الاتصال، وحسن الخدمة، والتصدي لمواقع الإرادة، وطلاقة اليد في باب الإلطاف والهدية فأخرجن له أمر الخليفة هشامٍ إلى حاجبه جعفر في الاستعانة به

стр. 2742

في التدبير والمشورة له في الأمور، والاختصاص به على الجمهور. وكان جعفر لمحمدٍ على بعض ما أريد منه ثقةً به وسكوناً إلى جهته، فامتثل ما أمر به في ابن أبي عامر لغفلته، وتزيد في بره، وأشركه في سره وجهره. وانهمك [٤٥] ابن أبي عامر في مغالطة جعفر، وأراه أنه صاحبه الحائط لخاله؛ وعول جعفر على رأي محمد، ووصل يده بيده، واستراح إلى كفايته، وابن أبي عامر يمكر به ويضرب بين حسدته، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس، ويجعل إليهم بالبذل وقضاء الحوائج، ويتقدم من المعالي إلى ما يحجم جعفر عنه؛ يستضم الرجال وجعفر يدفعهم، ويزيدهم وجعفر ينقضهم، يظن أنه كل يحمله عنه، فيا لك من جامع لمحمدٍ ومفرقٍ عن جعفر! إلى أن هوى نجمه وزال أمره. وكان أول اتصال ابن أبي عامر بالحكم أنه وصف له فاستخلف على قضاء كورة ريه، ثم تصرف في وكالة صبحٍ أم هشام، فاضطلع بكل ما قلد، استهوى هذه المرأة بحسن الخدمة - وهي الغالية على الحكم - فأزلفته، وولي الشرطة والسكة والمواريث؛ والسكة يومئذٍ أعلى الخطط في الإفادة. وقرن له بهذا كله القضاء بإشبيلية، فعلت حاله وعرض جاهه، وعمر بابه في حياة الحكم، وهمته ترتمي به وراء ما يناله من الدنيا أبعد مرمىً، وهو كل ذلك يغدو إلى باب جعفر ويروح، ويختص به ويتحقق نصيحته، إلى أن أحظاه الجد وساعده القضاء، فأسقط جعفراً. فلما انفرد بشأنه وتمكن من سلطانه

стр. 2743

توثق لنفسه وحصن ماله، ورمى إلى الغرض الأقصى من ض بط الملك والحجر عليه والاستبداد دونه. وامتثل رسم المستغلين على سلطان ولد العباسي بالمشرق من أمراء الديلم في عصره، فنال بغيته، وتهنأ ميشته، وأورثه عقبه بعده، من غير اقتدار عليه بجندٍ خاص ولا صيال بعشيرة، ولا مكاثرةٍ بمال ولا عدة، بل رمى الدولة من كنانتها، وعدا عليها بأعضادها، وانتضلها بمشاقصها، وأنفق على ضبطها أموالها وعددها، حتى حولها إليه، وسبكها في قالبه، وسلخ رجالها برجاله، وعفى رسومها بما أوضح من رسومه، وأسقط رجال الحكم من سائر الطبقات: الكتاب والعمال والقضاة والحكام وأصحاب السيوف والأقلام، ومزقهم، وأقام بإزائهم من تخرجه واصطناعه رجالاً سدوا مكانهم، ومحوا ذكرهم، أعانوه على أمره. وأول عروة فض ابن أبي عامرٍ من عرى الملك جماعة الصقلب، استخرج منهم بأسباب المصادرة أموالاً جمةً استأثر بأكثرها، وتتبع لذلك كتابهم وأسبابهم وقتاً بعد آخر، وتقسمتهم أيدي القدر نفياً وقتلاً، صبراً وغلبة، سراً وعلانية، حتى هلكوا عن آخرهم في أسرع مدة. واختلفت مقاتلهم بحسب استيفائهم مدد أعمارهم، فلم يصح لي تاريخ ذلك على حقيقته. فكانت تلك الطائفة أول من ظهر انتقام الله تعالى بابن أبي عامر منها؛ فكانوا جبارين قاسطين في بلاده، متمردين على عباده. فأرسله بقدرته على هذا النمط من خلقه فأبادهم، ونجا أهل السلامة من سورته، وتلك عادته تعالى في من نكب عن سبيله.

стр. 2744

ذكر دفاع ابن أبي عامر العدو صدر الدولة وقيامه بالجهاد دون الجماعة وتوصله بذلك إلى تدبير الملك قال ابن حيان:وجاشت النصرانية بموت الحكم، وخرجوا على أهل الثغور، فجاء صراخهم إلى باب قرطبة فلم يجدوا عند جعفر غناء ولا نصرة. وكان مما غرب به لجبنه وعظيم أفنه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم آنة لغمقه وسوء دجلته، يلتمس بذلك دفاع العدو عن حوزته؛ لم تتسع حيلته لأكثر من ذلك مع وفور جيش السلطان يومئذ وجموم أمواله، فكانت من سقطات جعفر المأثورة؛ فأنف ابن أبي عامر من تلك الدنية، وأشار على جعفر بتجريد الجيش للجهاد، وخوفه سوء العاقبة في تركه، وأجمع الوزراء على ذلك إلا جماعة خاموا عنه، فبادر ابن أبي عامر إليه ووعد من نفسه الاستقلال به على أن يختار الرجال، ويجهز لغزوته مائة ألف مثقال، فنفر بالجيش ودخل على الثغر الجوفي إلى جليقية، فنازل حصن الحامة من أعمال ردمير، فدخل ربضه وأفشى النكاية وغنم، وقفل ووصل الحضرة بالسبي إلى أثنين وخمسين يوماً، فعظم السرور وخلص الجند له، واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كرمه. حدثني أبي خلف بن حسين قال: تذاكرنا جود ابن أبي عامر [٤٦] يوماً

стр. 2745

وبالحضرة محمد بن أفلح غلام الحكم، فقال: عندي من جوده غريبة، أنكحت بنتي على عهد مولانا الحكم والحال بنا ضيقة، فاضطررت لما أصلح به حال الجارية إلى بيع لجام محلى ثقيل الوزن رديء العيار، وكان عندي لزينتي أيام المراكب، وتقاعد فيه التجار فانقطع بي أملي؛ فوقع في نفسي قصد ابن أبي عامر صاحب السكة للذائع من كرمه، وأعظم رغبتي أن يضرب لي في السكة دراهم، فقصدته وعرفته رغبتي، فسارع بأطلق وجه وقال: سر إليّ بدار الضرب؛ فجئته وأوصلني إلى نفسه والدراهم المطبوعة بين يديه، وأومأ إليّ فأخرجت اللجام وأنا خائف من صرفه لسقوط عياره، فوالله ما نظر إليه ولا عايره، وراطلني والله باللجام بحدائده وسيوره. فأخذت ما لم يدر في وهمي أني أظفر بمثله. وعظم ابن أبي عامر في عيني، وقمت عنه وحجري ملآن ولا أصدق بما حصلت عليه؛ فجهزت بني وفضل لي شيء يكفيني؛ وقل مولاي الحكم في عيني وأحببت ابن أبي عامر، حتى لو دعاني إلى معصية الحكم - وهو مالك رقي وإمامي - لما قعدت عنه. مظاهرة غالب مولى الناصر لمحمد بن أبي عامر ومظاهرته على المصحفي إلى أن أسقطه ومات في سجنه قال ابن حيان: وكان بين المصحفي وغالب صاحب مدينة سالم

стр. 2746

شيخ الموالي وفارس الأندلس غير مدافع أشد ما كان بين اثنين من العداوة والتقاطع. فأهم المصحفي شأنه، وناظر الوزراء في ما بدا من تثاقله في الذب عن الثغر، فأشاروا باستصلاحه، وبادر بذلك ابن أبي عامر لما أراده من مظاهرته، فلم يزل يقوم بشأنه ويخدمه داخل الدار من قبل الحرم كعادته حتى تم على إرادته، وخرج الإذن أن ينهض غالب إلى ثنى الوزارة ويدبر جيش الثغر. وابن أبي عامر جيش الحضرة. ثم خرج ابن أبي عامر إلى غزاته الثانية، واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بجعفر. وقفل ابن أبي عامر غانماً، وبعد صيته، فخرج أمر الخليفة هشام بصرف المصحفي عن المدينة، وكانت في يده يومئذ، فخلف عليها ابنه. فخرج ابن أبي عامر نحو كرسيها في ذلك اليوم والخلع عليه، ولا خبر عند جعفر، وإن ابنه لجالس مجلسها في أبهته، حتى صعد ابن أبي عامر نحوه، فولى ولد المصحفي الدبر ناكصاً على عقبه، وأتبع بدابته، وعاد إلى داره. وملك محمد بن أبي عامر الباب بولايته الشرطة، وأخذ على جعفر وجوه الحيلة، وخلاه وليس بيده من الأمر إلا أقله. وكان ذلك - زعموا - بتدبير غالب معه عند اجتماعهما بالثغر، وقال له: سيطير لك ذكر بهذا الفتح ويشغل السرور أهله عن الخوض فيما تحدثه من قصة، فإياك أن تخرج عن الدار حتى يعزل جعفر عن المدينة وتتقلدها، ويزول أمره على الباب والدار ويتم عليه التدبير حتى يزال عن الحجابة. ففعل ذلك وضبط المدينة ضبطاً أنسى به أهل الحضرة من سلف قبل من الكفاة أولي السياسة.

стр. 2747

وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالبه؛ ففطن جعفر لتدبير ابن أبي عامر عليه بعد من وهلته، فكاتب غالباً يستصلحه وخطب أسماء بنته لابنه عثمان، فأجابه غالب لذلك. وكادت تتم مصاهرته له. وبلغ ابن أبي عامر فقامت قيامته، وكاتب غالباً يخوفه الخيلة ويهيج منه الحقد. وألقى عليه أهل الدار وكاتبوه فصرفوا غالباً، ورجع إلى محمد بن أبي عامر وأنكح تلك الابنة إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله؛ فظهر كل الظهور، واستوثق له التدبير، وصار عنده جعفر لا شيء، إلا أنه غالطه زمنه إلى أن أحكم أسباب صرفه. واستقدم السلطان غالباً وقلده خطة الحجابة مشتركاً كع جعفر. ودخل ابن أبي عامر بأسماء بنته ليلة نيروز العام المؤرخ، وكانت أعظم ليلة عرس بالأندلس. ولجعفر في ذلك رسالة إلى السلطان حسنة في بابها تملق فيها وتصنع، وهو قد أيقن بالنكبة؛ وكف عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء من التدبير، وابن أبي عامر يداهنه ولا يكاشفه، وجعفر يشك في أمره، قد استولى عليه الإدبار والحيرة، فلم يصح له رأي ولا روية؛ وانقبض الناس عنه، وانثالوا على ابن أبي عامر، إلى أن صار يغدو [٤٧] إلى قصر قرطبة ويروح وحده وليس في يده من الحجابة سوى اسمها، وابن أبي عامر قائم بشروطها، ينصب الحبائل لسقوط جعفر، والأقدار السماوية تنجده. وكانت لله عند جعفر في إيثاره هشاماً بخلافته، واتباعه شهوة نفسه وحظ دنياه، وتسرعه إلى قتل المغيرة لأول وهلة دون قصاص جريرة استدركته دون إملاء، فسلط عليه من كان قدر أنه يتسلط على الناس باسمه.

стр. 2748

ولما اتفقت على جعفر هذه الأسباب، جد المقدار به وسخط السلطان عليه وعلى ولده وأنسابه وعلى أخيه هشام وسائر طبقته، وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع حساب تصرفوا فيه لأول الزمان. وأخذهم ابن أبي عامر بالخروج عنها، وتوصل بذلك إلى استئصال أموالهم وانتهاك حرمتهم وأبشارهم، واجتثاث أصولهم. وكان هشام ابن أخي جعفر قد بلغ من حسادته لابن أبي عامر أن سرق له في غزاته الثالثة في طريقه رؤوساً للنصارى كانت تساق للحضرة، فنفسه فيها وأمر غلمانه فصبوها في النهر، فقامت قيامة ابن أبي عامر لذلك، وكاشف آل عثمان من ذلك اليوم؛ وتجرد لإبادتهم فاستبلغ في مكروه هشام عاجله بالقتل في المطبق قبل عمه جعفر، فلما [قتل] استقصى ابن عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة، وكانت من أعظم قصور قرطبة. واستمرت النكبة عليه سنين، مرة يحبس ومرة يخلى ويقر بالحضرة وتارة يسير عنها، ولا يراح في الحالتين من المطالبة والأذى. إذا سئم ابن أبي عامر إعناته وكله إلى غالب صهره فيتولى كبره، ويضعف عذابه. والأخبار عنهما في ذلك كثيرة. فلما بان عجز جعفر وضعفه أقر في المطبق بالزهراء إلى أن وافاه هنالك حمامه وأسلم ميتاً إلى أهله؛ وما ترك الناس بعد أن عدوه في قتلى ابن أبي عامر، وزعموا أنه دس له شربة سم قضت عليه. والله أعلم. أخبرني محمد بن إسماعيل كاتب ابن أبي عامر قال: سرت مع محمد ابن مسلمة ثقة ابن أبي عامر إلى الزهراء لنسلم جسد جعفر بن عثمان

стр. 2749

إلى أهله وننظر إلى عينه. وسرنا إلى منزله وما غطى جسده إلا كساء خلق لبعض البوابين ألقاه على سريره. ودعا له محمد بن مسلمة بغاسل بغسله على فرد باب اختلع من ناحية الدار. وخرجنا بنعشه وواريناه، وما جسر أحد شهوده معنا سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه ومن حضره من ولده. فعجبت من عدوان الزمان بعد تصريفه له، وإن لي بالاعتبار بشأنه في الحالتين مع قرب المدة لموعظة: وقفت له في طريقه من داره وقت علة الحكم. وقد تناهى أمره في الجلالة أروم أن أناوله قصة، فوالله ما تمكنت من الدنو إليه لكثافة موكبه، وأخذ الناس الطرق عليه مسلمين وسائلين، فانثنيت حسيراً مبهوتاً. فلم تطل المدة حتى سبله ابن أبي عامر حاله وقبض عليه، وجعل يحمله في الغزوات معه. وسرت في صحبة ابن أبي عامر فاتفق لي أن نزلت في بعض المنازل بجليقية إلى جنب خبائه. وفي ليلة نهى ابن أبي عامر عن وقود النار ليخفى على العدو مكانه، فرأيت والله عثمان بن جعفر يسقي أباه جعفراً دقيقاً قد خلطه بالماء يقيم أوده، والشيخ يحسوه ويحرص عليه، وضعف حال وعدم زاد، فلا أنسى تلك المواعظة. وما يغتر بالأيام إلا ضعيف العقل. وكان مهلك جعفر فيما أخبرني به أبي خلف بن حسين سنة اثنتين وسبعين. ومما طولب به جعفر مال الصقلبي جعفر، كان الحكم وقفه قبل خالد بن هشام وتورع عنه وأوصى أن يوزع في الكور التي كانت

стр. 2750

إليه وقته، تحللاً من مظالم أهلها. فأرجأه عند خالد مدة إلى أن احتاج إليه فقبضه سراً، واندفع إلى جعفر وأخذ خالد بن هشام براءته منه، فسئل جعفر عنه، فقال: كنت خادم الرجل وصاحب سره فعلمت برسمه، وإن رجع في الاستدلال إلى زمامه الماضي الذي كنت أقيد فيه الأموال الباطنة وجد فيه ثبته. فجيء في ذلك اليوم بذلك الزمام وقد قطع منه الدرج الذي فيه ذكر المال الباطن ووصل ما انقطع بذلك من الكلام بما بعده. وأرشد جعفر إلى هذه الوهلة، وحسب أن مع وجودها لا تلزمه الحجة. فعدلوا به إلى بيداء مضلة. قال ابن حيان: ولما أمر بضمه إلى المطبق بالزهراء ودع أهله وولده وداع الفرقة، وقال: لستم تروني بعدها حياً، فقد أتى وقت إجابة الدعوة وأنا أرتقبه منذ أربعين سنة. وذلك أني أسرفت على فلان - رجل [٤٨] سجن بعهد الناصر - وما أطلقته إلا برؤيا، قيل لي: أطلق فلاناً فقد أجيبت فيك دعوته، فأطلقته وأحضرته وسألته، فقال: نعم، دعوت على من شارك في أمري أن يميته الله في أضيق السجون. فعلمت أنها قد أحببت، وندمت بحيث لا غني الندامة، فأطلقت الرجل، قالوا: فما لبث في محبسه إلا قليلاً وأخرج ميتاً، فسلم إلى أهله في أقبح صوره، وما زلت أسمع أنه قتل خنقاً، والله أعلم بالحقيقة، المغضي على محال هذه الخليقة. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان في شأن جعفر بن عثمان. وكان أحد من اجتمع له في ذلك الوقت نوعا البلاغة في النظم والنثر، وهو القائل في نكبته:

стр. 2751

لا تأمنن من الزمان تقلباً ... إن الزمان بأهله يتقلب ولقد أراني والليوث تخافني ... وأخافني من بعد ذاك الثعلب حسب الكريم مذلة ونقيصة ... ألا يزال إلى لئيم يطلب وإذا أتت أعجوبة فاصبر لها ... فالدهر يأتي بالذي هو أعجب وحدث غير واحد أنه استعطف المنصور بهذه الأبيات: هبني أسأت فأين الفضل والكرم ... إذ قادني نحوك الإذعان والندم يا خير من مدت الأيدي إليه أما ... ترثي لشيخ نعاه عندك القلم بالغت في السخط فاصفح صفح مقتدر ... إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا فأجابه بهذه الأبيات وهي لعبد الملك الجزيري: ألآن يا جاهلا زلت بك القدم ... تبغي التكرم لما فاتك الكرم ندمت إذ لم تفز منا بطائلة ... وقلما ينفع الإذعان والندم ومنها: نفسي إذا جمحت ليست براجعة ... ولو تشفع فيك العرب والعجم

стр. 2752

وأخبرت أن المصحفي لما بلغ إليه هذا الجواب قال: لي مدة لا بد أبلغها ... فإذا انقضت أيامها مت لو قابلتني الأسد ضارية ... والموت لم يدن لما خفت فانظر إليّ وكن على حذر ... فبمثل حالك أمس قد كنت قال ابن بسام: ومما يروى لجعفر المصحفي عند ظهور ابن أبي عامر عليه، وانتزاعه ما كان من الحجابة في يديه، وإفضائه به إلى هذه الحال، من الهضم والاعتقال، قوله: تندمت والمغرور من قد تندما ... وهل ينفع الإنسان أن تندما غرست قضيباً خلته عود كرمة ... وكنت عليه في الحوادث قيما أكرمه دهري فيزداد خسة ... ولو كان من عود كريم تكرما جمل وجوامع من كبار الأحداث بالدولة العامرية قال ابن حيان: أول ذلك الوحشة الحادثة بين ابن أبي عامر والخليفة هشام ووالدته صبح. والذي أثارها أسباب الحسد ودواعي المنافسة بين

стр. 2753

أهل القصر الهشامي والعامري؛ وأشاعوا عنه أنه يريد أن يستبد بالأمر، فقام ابن أبي عامر في ركائبه لحسم حدته، وعلم أنه أتي من حاشية القصر. وكان به عدة من الخدم ففرقهم ومزقهم، ولم يدع في خدمة القصر إلا من استشعر له رهبة وهيبة، وأذكى العيون مع ذلك عليهم حتى ملك نفوسهم، ثم نظر في شد الأموال المختزنة فيه مذ عهد الخلفاء، ووصف أن أيدي الحرم تنبسط عليها. قال ابن حيان: أخبرني ولد الخال من بعض ما كانت تفعله السيدة صبح مع أخيها رائق أنها أخرجت عند تمكن الوحشة بينهما وبين ابن أبي عامر مائة كوز على أعناق الخدم الصقالبة مختومة، قد صيرت أشطارها مالاً عيناً ذهباً وفضة، وموهت على ذلك كله بالمري والشهد وغير ذلك من الأصباغ الرفيعة المتخذة بقصر الخلافة، وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك. ومرت بصاحب المدينة فحسبها كما كتبت عليها. وكان في تلك الكيزان ثمانون ألف دينار. فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظها بانهماكه بالعبادة، وأن في تضييعها على المسلمين وعلى الدولة أعظم الآفة. فرأت الدجماعة أن كون الأموال بيد المنصور أسلم، وهو على حفظها أقدر وأقوم. ثم نالته على ذلك بقية علة طاولته فأرجفوا به، فانتقل ابنه عبد

стр. 2754

الملك إليه بالزاهرة لينفذ الأمور عنه. فكشف أعداؤه وجوههم عند استحكام الإرجاف به، وراسلوا حاشية الخليفة هشام سراً، وجهزوا للقيام عليه؛ فلم يكن فيهم فضل لذهاب أعيانهم [٤٩] . واشتد [ذلك] على ابن أبي عامر، فتقدم إلى ابنه عبد الملك أن يعترض ألفي فارس من المصطنعين للدولة والغلمان العامريين، وأن يبيتوا معه بالزاهرة لإنفاذ العزيمة فيما رآه من حمل الأموال إليه. وأحكم الأمر مع الفقهاء والوزراء، فركب ذلك الجيش من بين يديه يوم الثلاثاء الثالث من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، فأتى قصر الخلافة بقرطبة، وأذن لمن وافى من الفقهاء والوزراء بالوصول إلى مجلسه، وشافههم في ذلك، فاعترف الملأ بفضل أبيه المنصور، فقال لهم عبد الملك: إن قوماً ممن يتصل بأسباب الخليفة هشام يؤثر الفتنة ويكره الدعة. فأنكرت الجماعة ذلك. وأحب عبد الملك والوصول بهم إلى مجلس هشام لشافهوه بهذه الكروب العظام. فكره هشام ذلك وامتنع منه وتبرأ منه أعداء ابن أبي عامر؛ وانصدع جمعهم على انتقال المال، فنقل في ثلاثة أيام حتى استنفذ جميع ما ظهر عليه من بيات المال، وتعذر ما كان بجوف القصر من بيت مال الخاصة؛ ودافع عنه أهل الدار لقيام السيدة أم هشام دونه. أخبرني أبي بعظيم ما شاهده من صرامة تلك المرأة لابن أبي عامر وولده ورميها لهما بكل عظيمة، وعبد الملك يومئذ ساكت يتجرع غصصه، لا يرد كلمة. فبلغ عبد الملك رغبته، وانكفأ إلى أبيه بالزاهرة بعد أن ثقف القصر، فسكن جأش ابن أبي عامر بإحراز تلك الأموال

стр. 2755

وكان جملة ما حمل - زعموا - من الورق خمسة آلاف ألف دينار دراهم قاسية، ومن الذهب سبعمائة ألف جعفرية. ثم استبل المنصور، ووصل إلى مجلس الخليفة هشام مع ابنه عبد الملك وسائر عظماء الدولة، فخلا هشام مع ابن أبي عامر واعترف له بالفضل والاضطلاع بالدولة، فخرست ألسنة الحسدة. وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له، إذ كان منهم من لم يره قط، فأبرزه للناس وركب ركبته المشهورة، وقد برزوا له في خلق عظيم لا يحصيهم إلا من أحصى آجالهم، في بهجة ولبوس وهيئة، معمماً على الطويلة، سادلاً للذؤابة، والقضيب في يده، زي الخلافة، وإلى جانبه المنصور راكباً يسايره، وقدامه الحاجب عبد الملك راجلاً يمشي، ويسير الجيش أمامه، ومن المواكب وطوائف الجند والغلمان والفتيان القصريين والعامريين ما عجب من كثرتهم. وفاة المنصور بن أبي عامر قال ابن حيان: وخرج المنصور إلى الغزاة، وقد وقع في مرضه الذي مات منه في صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، واقتحم أرض جليقية من تلقاء مدينة طليطلة، ومرضه يخف وقتاً ويثقل وقتاً. ونفذ على عمل بني غومس إلى أرض قشتيلة، بلد شانجه

стр. 2756

بن غرسيه. وهو كان مطلوبه الذي ألب عليه الجماعة، فأحل الغارات بأقطاره فقويت عليه العلة هنالك، فاتخذ له سرير خشب ودع عليه أغضاءه، وسوي مهاده متطاول الشكل يمكنه الاضطجاع عليه متى خارت قواه. وكان يحمل سريره على أعناق الرجال، وسجفه منسدل عليه، وعساكره تحف به وتطيع أمره. وكان يحمل بين يديه شراع خفيف منصوب ينقل على الأيدي، فإذا حركته الخلفة أنزل سريره إلى جنب الشراع ليقضي ما به من حاجة؛ وتناول وضوءه جاريتان من قوامه كان حملهما في غزاته، فكانتا تسيران وسط الفتيان، وما كان بين نزوله واستقلاله إلا الفترة لقوة الخلفة؛ بذلك قطع أربعة عشر يوماً حتى وصل إلى مدينة سالم. وكان هجر الأطباء في علته تلك لاختلافهم فيها، واقتصر على أوصاف كاتبه الجزيري عبد الملك. وأيقن هنالك بالموت، وكان يقول: إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما فيهم أسوأ حالاً مني؛ وددت أن أقال زلتي وأنا كبعض هؤلاء السودان الحاملين لسريري. وكان تحمل ما كان حوله من الطيب، فاشتغل ذهنه يومئذ بقرطبة وهو بمدينة سالم وقد أيقن بالوفاة. فأمر ابنه عبد الملك بالنفوذ لشدها في طائفة من ثقات غلمانه بعد أن أوصى كلهم أشتاتاً وجماعة. ثم خلا بولده عبد الملك يوصيه ويودعه ويقبض على يده، وكلما ذهب عنه استرده مستدركاً بوصيته. وعبد الملك يبكي فينكر ذلك عليه ويقول: هذا

стр. 2757

أول العجز والفشل؛ إلى أن قضى وطره ما بينه وبين عبد الملك، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر إلى أن ينفذ حكمه فيه. وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن [٥٠] ذكوان فدخلها في صدر شوال من العام، فسكن الإرجاف بموت والده، وعرف الخليفة كيف تركه. قال ابن حيان: قال لي أبي خلف بن حسين: ووجد المنصور بعض الراحة. وأمر أن تدخل عليه جماعة فدخلت في جملتهم ودنوت منه وهو كالخيال لا يبين كلاماً، وأكثر عمله بالإشارة كالمسلم المودع. وخرجنا فكان آخر العهد به. ومات ليلة الاثنين لثلاث بقين لرمضان من العام المورخ، وعلينا في العسكر عبد الرحمن ابنه فعزيناه؛ وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض ولا ينقل تابوته، فدفن في قصره بمدينة سالم. ورأوا أنه اختار الله له، إذ كانت من أطيب ما بناه ﵀. وتلوكم ابنه عبد الرحمن بالعسكر مدة الأسبوع وهو ينتظر رأي أخيه عبد الملك في القفول، والغلمان يضطرون عليه وطمعوا في رد الدولة، فقال لهم عبد الرحمن: اصبروا، فكشفوا ما في أنفسهم له، وقالوا: وإنما نحن في حجر آل أبي عامر الدهر الداهر -! نلحق ببابمولانا الخليفة هشام ولا نتدبر إلا بأمره. فتقدمه إلى قرطبة منهم نحو سبعمائة منهم عبيد الله بن بدر، ثم جاءه بعد إذن أخيه، فقدم هو بسائر العسكر، وتجدد يوم ورد قرطبة من الحزن بابن أبي عامر

стр. 2758

وحركه خدمه، وقيانه قد ألبست المسوح والكسية بعد الوشي والحبر، ما لا شيء فوقه. أخبرني أبي قال: سمعت محمد بن أبي عامر يوصي ابنه عبد الملك في مرضته تلك ويقول في جملة كلامه: يا بني، لست تجد أنصح لك مني فلا تعدين مشورتي: قد جردت لك رأيي ورويتي على حين اجتماع من ذهني، فاجعلها مثالاً بين يديك. قد وطأت لك مهاد الدولة، وعدلت لك طبقات أوليائها، وغايرت لك بين دخل المملكة وخرجها، واستكثرت لك من أطعمتها وعددها، وخلفت جباية تزيد على ما ينويك لجيشك ونفقتك؛ فلا تطلق يدك في الإنفاق، ولا تقبض لظلمة العمال، فيختل أمرك سريعاً، فكل سرف راجع إلى اختلال لا محالة. فاقصد في أمرك جهدك، واستثبت فيما يرفع أهل السعاية إليك. والرعية قد استقصيت لك تقويمها، وأعظم مناها أن تأمن البادرة وتسكن إلى لين الجنبة. وصاحب القصر قد علمت مذهبه، وأنه لا يأتيك من قبله شيء تكرهه، والآفة ممن يتولاه ويلتمس الوثوب باسمه، فلا تنم عن هذه الطائفة جملة. ولا ترع عنها سوء ظن وتهمة، وعاجل بها من فته على أقل بادرة، مع قيامك بأسباب صاحب القصر على أتم وجه؛ فليس لك ولا لأصحابك شيء يقيكم الحنث في يمين البيعة إلا ما تقيمه لوليها من هذه النفقة. فأما الانفراد بالتدبير دونه مع ما بلوته من جهله وعجزه عنه، فإني أرجو أني وإياك منه في سعة ما تمسكنا بالكتاب والسنة. والمال المخزون عند والدتك هو ذخيرة مملكتك، وعدة لحاجة تنزل بك، فأقمه مقام الجارحة من جوارحك التي لا تبذلها إلا عند الشدة تخاف منها على سائر جسدك. ومادة الخراج غير منقطعة

стр. 2759

عنك بالحالة المعتدلة. وأخوك عبد الرحمن قد صيرت إليه في حياتي ما رجوت أني قد خرجت له فيه عن حقه من ميراثي، وأخرجته عن ولاية الثغر لئلا يجد العدو مساغاً بينكما في خلاف وصيتي فيسرع ذلك في نقض أمري، ويجلب الفاقرة على دولتي. وقد كفيتك الحيرة فيه فاكفه الحيف منك. وكذلك سائر أهلك فيما صنعت فيهم بحسب ما قدرت به خلاصي من مال الله الذي في يدي، وخلافتك بعدي أجدى عليهم مما صرفته؛ فلا تضيع أمر جميعهم، وألحظهم بعيني، فإنك أبوهم بعدي، فخرج ذكورهم باستخدامك، وألحف إناثهم جناحك، جبر الله جماعتهم، وأحسن الخلافة عليكم. فإن انقادت لك الأمور بالحضرة فهذا وجه العمل، وسبيل السيرة، وإن اعتاصت عليك فلا تلقين بيدك إلقاء الأمة، ولا تطبيك وأصحابك السلامة فتنسوا ما لكم في نفوس بني أمية وشيعتهم بقطربة. فإن قاومت من توثب عليك منهم فلا تذهل عن الحزم فيهم، وإن خفت الضعف فانتبذ بخاصتك وغلمانك إلى بعض الأطراف التي حصنتها لك. واختبر غدك إن أنكرت يومك. وإياك أن تضع يدك في يد مرواني ما طاوعتك بنانك، فإني أعرف ذنبي إليهم. قال: وسمعته يقول لغلمانه عند هذه الوصية: تنبهوا لأمركم، واحفظوا نعمة الله عليكم، في طاعة عبد الملك أخيكم ومولاكم، ولا تغرنكم بوارق بني أمية، ومواعيد من يطلب منهم شتاتكم. وقدروا ما في قلوبهم وقلوب شيعتهم بقرطبة من الحقد عليكم، فليس يرأسكم

стр. 2760

بعدي أشفق عليكم من ولدي. وملاك أمركم [٥١] أن تنسوا الأحقاد وأن تكون جماعتكم كرجل واحد. فإنه لا يفل فيكم. وما زال يكرر هذا وشبهه لطائفة بعد أخرى حتى ضعف وشغل بنفسه. قيام عبد الملك ابنه بالدولة ولما ورد النبأ بموته ركب عبد الملك إلى هشام ونعى إليه المنصور أباه. فأظهره الإشفاق، وعرفه بما اضطرب من أمر الفتيان وعصايانهم؛ فخرج هشام وأمره بتدبير أمرهم بحسب ما يستقيم به أمر الدولة، وحذره مواقعة الدماء وتلقيح الفتنة، وخلع عليه، وأخرج معه كتابه بولاية الحجابة مكان أبيه، وقرئ على الكافة، وأنشئ به الكتب إلى الأقطار. وعاقب بعض الفتيان العاصين، وأخرج بعضهم إلى سبتة، فما قفلوا عنها إلا عند العسكر الكبير مع أخيه عبد الرحمن، واجتمع الشمل، وتمكنت الطاعة، وأيس الأعداء من دولة بني عامر، وعلموا أنها وراثة. وأسقط عبد الملك سدس الجباية لأول ولايته في جميع أقطار الأندلس عن الرعية، فراقت أيامه، وأحبه الناس سراً وعلانية، وأنصب الإقبال والتأييد عليه انصباباً لم يسمع بمثله، وسكن الناس منه إلى عفاف ونزاهة نفس، فباحوا بالنعمة، وأخذوا في المكاسب والزينة من المراكب والملابس والقيان، حتى سمعت أثمان هذه الأشياء في مدته. وبلغت الأندلس في أيامه إلى نهاية الجمال والكمال وسعة

стр. 2761

الحال، في كنف ملك مقتبل السعد، ميمون الطائر، غافل عن الأيام، مسرور بما تنافس فيه رعيته من زخرف دنياها، فاجتمع الناس على حبه، ونجا من الفتن. وأخباره في ذلك مأثورة. وكان على أهل الأندلس أسعد مولود ولد. بلغني عن أحمد بن فارس البصري المنجم زعيم الصناعة بها على عهد الحكم أنه نظر في مولد عبد الملك هذا وهو طفل فأشار من بعد سعادته إلى أمر كبير لم يدرك هو آخره، فعجب من شاهده من جودة إصابته، وذلك أنه قال: لم يولد قط بالأندلس مولود أسعد منه على أبيه وعلى نفسه وحاشيته، نعم، وعلى أهل الأندلس طراً، وعلى أرضها فضلاً عن ناسها، وأنها لا تزال بخير حياته، وإذا هلك ما أراها إلا بالضد. قال ابن حيان: سمعت هذا الحديث عن ابن فارس من غير ما طريق، فكان كما قال، لقد حدث بالأندلس إثر مهلكه ما هو مشهور. وكان عبد الملك من أحيا الناس، فإذا كانت الحرب عوين منه الأسد المحرب في براثنه حطماً وشدة. من رجل عديم الفهم والمعرفة جملة، صفر من الأدب والتعاليم، حتى ما كان يسايره وينادمه إلا العجم من الجلالقة والبرابرة ممن لا يهش لسماع، ولا يطرب لإيقاع. فارتفعت بذلك عن مجالس لهوه طبقة المعرفة، وقوض عنها كل فاضل وعالم، واعتاض منهم بجفاة البرابر والأعاجم. إلا أنه مع زهده في الأدب تمسك بمن كان استخلصه أبوه من طبقات أهل المعرفة من خطيب وشاعر، ونديم وشطرنجي، ومعدل وتاريخي وغيرهم

стр. 2762

حفظاً لصنائع والده وقياماً برسومه، فقررهم على مراتبهم، ولم ينقصهم سوى الفوز بخصوصيته. وكانت ترفع إليه بطائق أهل الشعر ويصلهم على تساهلهم في مديحه لأمانهم من نظره فيها. وأحرز لهم مع الفائدة عفو القريحة، وذلك بين لمن تأمله في أشعار مادحيه لفتورها. ثم أغرق عبد الملك النزع في دولته، وانهمك في طلب الآلات الملوكية حتى جلب إليه من ذلك كل علق خطير، وتأنق في مراكبه هو وأصحابه بالحلية التامة بخالص اللجين. عهدي به يوم فصوله لغزوته سنة ثمان وتسعين التي احتفل فيها لشانجه بن غرسية، واستكثر فيها من العدة والعدد، فبرز على جواد من مقرباته المنسوبة، بأفخم تلك المراكب المسلسلة، ولبوس درع فضية مطرزة بالذهب، وعلى رأسه خوذة مثمنة الشكل، محددة الرأس، مرصعة الطرق بدر فاخر، واسطته حجر ياقوت أحمر مرتفع القيمة؛ قد لزم وسط الجيش، وطرح الشعاع على سنة وجهه، فما رأى الناس بعده ملكاً يعدله في البهاء والبهجة. وكانت مما راقت به دولته في الجمال ما تلاحق فيها [٥٢] [من] غلمان أبيه العامريين الناشئين في دولة المنصور، وكان قد وفر عنايته بهم، وجد في تدريبهم، ووقف حذاق المنافقين على تخريجهم، فأثمر

стр. 2763

غرسهم، وأمكن جناهم، وراقت جملتهم في الفروسية والرماية، وبلغوا ألفي غلام. وانهمك أيضاً في اصطناع البرابرة العدويين، ودعا القبائل منهم إلى الدخول إليه والخدمة له. وكان من أعظم من هاجر إليه منهم زاوي بن زيري ابن مناد الصنهاجي عم أبي المعز بن باديس بن منصور صاحب إفريقية وصاحب الفرقة الخارجة عليه من أهل بيته. وكان المنصور أيامه قد التوى في الإذن له بالدخول إلى الأندلس حذراً من دهيه ومكره وبعد صيته في المغرب. فأضرب عبد الملك عن الفكر في شأنه وطلب السمعة باستخدام مثله، فأدخله بمن معه من إخوته، وهم من سعة النعمة وبعد الهمم واستصغار الرغائب فيما يكون عليه أشباههم من أبناء الملوك، فاستقلوا ما وصلهم به عبد الملك على كثرته، وما استقر [وا] الدار إلا على قلعة، ولا [....] معروفهم، ولا لبسوا أعالي المراتب السلطانية إلا على ابتذال ومحقرة، ولا قطعوا أمد المقام بالأندلس إلا بذكر الرحلة والتماس التسريح بكرة وعشية، جهلاً وفرط أنفة، والأقدار موكلة بثني عزم عبد الملك عن إسعافهم بسراحهم لما كان قدره - عز وجهه - من الفتنة وتفريق شمل الأندلس بأشباههم، فلم يخرجوا عنها إلى أن قاموا على الجماعة، وشغبوا عليها بعد عبد الملك. وكان شيخهم زاوي أول دخوله الأندلس يظهر [من] أنواع البر والبشر للناس ما لا شيء فوقه. وكان شأنه في الدهي

стр. 2764

والمكر والخلابة عجبا. وكان يرجع في إقامة ما اعتاده من سعة إنفاقه إلى ما جاؤ به من بلده من عقود وذخائر، فيبيع من ذلك النفيس والخطير، وربما اشترى من ذلك عبد الملك فيزيد في حسرته. وكان عبد الملك [راغباً] في رفعة منزلته، وولاه الوزارة أرفع خطط أصحاب السلطان بالأندلس، ووصل إليه الرسول بالصك في ذلك وطلب أن يصله، فقال: لو جئتنا بمال لأسهمناك، وإنما [خطتنا الإمارة] لا الوزارة، وأقلامنا الرماح، وصحائفنا الأجساد. ولم يمتنع عبد الملك مع غطرسة زاوي هذا من إقامة الحد على من وجب عليه من أهله: عدا ابن أخيه على مولى لهم فقتله فأقاده عبد الملك لحينه، وأسلمه أهله السيف فضربت عنقه على قتيله ذلك، بمقبرة كلاع بمشهد عظيم من الناس، وأسلمت جثته إلى أهله. ونبت الأندلس بعد بأخي زيري أبيه فقوض عنها أول المقوضين من صنهاجة بسراح من عبد الملك. قال ابن حيان: وانبسطت حاشية الخليفة هشام بن عبد الملك طول مدته في جميع أحوالها، فحملهم على مرادهم. وانهمك هشام طول أيامه فلم يظهر وقتاً فيها، ولا شهد صلاة، واحتجب في نزهة الباطنة على رسمه في أيامه أبيه المنصور. وبلغه منها عبد الملك بغيته، وجعل يخرجه

стр. 2765

منها مع حرمه مستخفياً بعد طرد الناس عن طريقه، فيضرب به إلى كل ناحية. ثم يعود إلى قصره. ونال في مدة هذا الإنهماك والدعة أهل الاحتيال من الناس عندهم الرغائب النفيسة، بما ازدلفوا به من أثر كريم، أو زخرفوه من كذب صريح، حتى لقد اجتمع عند نساء القصر ثمانية حوافر عزي جميعها إلى حمار عزيز المستحيى بالآية الباهرة، واجتمع عندهن من خشب سفينة نوح ﵇ وألواحها قطعة، وظفرن من نسل غنم شعيب ﵇ بثلاث. وكلفن من هذا ومثله لعفتهن وزهد صاحبهن بأشياء توجهت على أموالهن من قبلها أعظم حيلة، ولهجن مع ذلك بطلب ذوي الأسماء الغريبة من الناس، الموافقة أسماؤهم لمن اجتباه الله من خلقه. مثل عبد النور وعبد السميع وعبد اللطيف وعبد المؤمن وحزب الله ونصر الله وفضل الله، ومثل ياسين واليسع ومن جانسه، يصير الرجل من هؤلاء في الحاشية، ويستعمل على وكالة جهة، ولا يبعد أن يتمول في أقرب مدة، وإن اتفق مع ذلك أن يكون ذا لحية عثولية، وصاحب سبال وهامة، فقد تمت له السعادة، ولا سيما إن كانت لحيته حمراء قانية، فإنها أجدى عليه من دار البطيخ غلة، ثم لا يسأل عما وراء روائه من أصل ولا فضيلة، ولو كان مردداً في بني اللخناء، وعارياً من جميع الخصال، والأخبار في مثل هذا عنهن كثيرة [٥٣] مأثورة. فباهت حرم هشام بمثل هذه المعاني الشاذة، وبذلن [من] الأموال في التماسها بما لم يسمع مثلها، ولم تزل الدولة

стр. 2766

تزداد انهماكاً إلى أن مات عبد الملك، وكبت كبوة لم تستقلها آخر الدهر. قال ابن حيان: وكانت ولاية عبد الملك وفرق النصرانية بأسرها منتقصة، وعهدها قريب بالاجتماع على المسلمين، وأطماعها بموت حتفها المنصور ثابتة. وكانت الأفرنجة في آخر وقت المنصور قد تمسكت بالمسالمة، فلما سمعت بموته طمعت، واحتاج عبد الملك إلى التثاقل عنهم توطيداً للحضرة، إلى أن اعتدلت فيها الدولة، وأخبار الثغور توافيه كل وقت بما لا يوافقه. وكان أهم جموع طوائف الطواغيت عليه يومئذ أميراً شيطانهم الرجيم، ومغويهم الزعيم، شانجه بن غرسيه بن فرذلند صاحب قشتيلة. وكان يليه في النكاية منتدس [بن] عندشلب قومس غليسية، وكافل ملكهم أذفونش بن برمند، وسائر القواميس عندهما سقط وحاشية. فقدم عبد الملك الحذر منهما، فألقى مولاه واضحاً الفتى صاحب مدينة سالم على شانجه، فصالحه واضح سنة ثلاث وتسعين ولاطفه إلى أن تمهدت قواعد الدولة. وجرد عبد الملك يومئذ إلى ثغر قلمرية قاصية الثغر المواجه لأرض غليسية جيشاً كثيفاً، وبقي في وجه منتدس بن عندشلب، وصمد عبد الملك بلد الإفرنجة إذ لم تزل عند ولاة الأندلس مبدأ كل علة. فاستعد لقصدهم، واقتحم أرضهم في جموعه وأوغل في بسيط برشلونة، وحطم غير ما مدينة

стр. 2767

وعاد قافلاً سالماً غانماً. فهابته الإفرنجة وأذعنت إلى السلكن وجاء رسولها إلى قرطبة، وقد أعد عبد الملك لوروده أكمل العدة من ترتيب الجنود، فكان يوم دخل ذلك الرسول بقرطبة آخر أيام الزينة، إذ انتقض الملك على أثره سريعاً ووقعت الفتنة. قال ابن حيان: سمعت بعض المشايخ يومئذ يقول: إنه ما كان بالأندلس مثل ذلك في أمد الدولة، بما اجتمع له من كثرة الجمع والزينة والعزة السلطانية. وأما التجار الغرباء فدخلوا يومئذ إلى موضع هيئة التجافيف والأعلام المصورة وسائر القطع العجمية والقنا الهندية، وموقف خيل الركاب بالسروج الثقال، والتراس المذهبة والمفضضة، معها بغال الركاب الرائقة في زيها المشهور، وما اتصل بذلك من عدة غريبة. وتوصل أولئك التجار إلى ذلك المكان قبل إباحته للنظارة بإذن التمسوه من عبد الملك، فلم يختلفوا في استيساع ما عاينوه، واتفقوا - وكانوا جملة عراقيين ومصريين وغيرهم - على أنه ما شاهدوا لأحد من ملوكهم مثله. ولما أحكم عبد الملك الشد الفتن الفرنجة دبر قصد شانجه، فخرج نحوه صائفة سنة أربع وتسعين، وأوغل في أرضه وخام عنه شانجه ولم يظهر له، وقفل عبد الملك إلى قرطبة. فاضطر شانجه إلى السلم ووفد بنفسه إلى قرطبة، فأعظم عبد الملك مورده، وضمن أن يغزو معه قومه. فخرج مع عبد الملك سنة خمس وتسعين، فاقتحم جليقية وغادر أعمال بني غومس مصطلمة، وهدى المسلمين شانجه إلى عورات قومه، وانتهى بهم إلى مدينة ليونه وهي من أمنع المعاقل، ولم يكن المنصور بلغها لصعوبتها

стр. 2768

وطمع عبد الملك فيها ونازلها فأعيت عليه، وقفل إلى قرطبة. وبقي شانجه في مسالمته ثلاثة أعوام يستعد لحربه. فأحس عبد الملك بغدره، فسابقه بالغزو سنة ست بعدها، وضحى عبد الملك يومئذ بمدينة سالم، ووافاه هنالك رسول الروم من القسطنطينية بكتابه إليه، يسأله المواصلة على سبيل سلفه مع ملوك المروانية. وساق له هدية وعدة من أسارى الأندلس طير عليهم بأطراف جزائره البحرية، فسر عبد الملك بذلك، وإذا كتابه مكتوب بالذهب على رسم ملوك الروم الذي فات الصنعة. وذكر صاعد ورود ذلك الرسول في شعر قال فيه: زلزلت بالمرهفات صاحب قس ... طنطين حتى اتقاك بالكتب يطلب فيها رضاك مجتهداً ... من قبل أن يتقيك بالهرب فليس بالفائت البعيد مع الل ... هـ إذا [ما] هممت بالطلب وتمادى استعداد شانجه سراً لغزو عبد الملك فسابقه [٥٤] سنة سبع وتسعين، وظهر المسلمون عليهم. ثم قفل إلى قرطبة آخر ذي الحجة منها. ثم غزا سنة ثمان غزوته الأخير في شوال، فاعتل في مدينة سالم، ورجع إلى قرطبة محرم سنة تسع وتسعين. فكانت آخر غزاة نفذت إلى بلاد الحرب لوشكان موته في صفر منها. وضبط أخوه عبد الرحمن الأمر بعده لنفسه.

стр. 2769

فصل في ذكر الوزير أبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي الدارمي، وإثبات جملة من أشعاره مع ما يتشبث بها من طريف أخباره بلغني أنه خرج من بغداد إذ مات أبوه، وأساء عشرته أخوه، وسنه دون العشرين، فلحق بالأمير محمود، وشهد حروبه بأرض الهنود، وله فيه غير ما قصيد، إلى أن توفي فولي أكبر ولده بعده، فبقي أبو الفضل على حاله عنده، إلى أن خرج بعض إخوته عليه، فنهض لحربه، فدبر وزراؤه في طريقه الفتك به، وشاوروا أبا الفضل في القضية، فأبى من تلك الدنية، وأودع أذن الأمير، ذلك التدبير، فخاف وزراؤه أن يفتضحوا، وعاجلوه قبل أن يصبحوا، وقيدوه قبل أن يقدم أخوه، فسبقهم أبو الفضل إليه، ونص ما فعلوه بأخيه عليه. فشكر له وفاءه لصاحبه، وقال: الوفاء حلية الأحرار، والغدر ثوب الأشرار، ووصل القوم بعد بأخيه، ففك عن أغلاله، وحبسه عند بعض عماله، وضرب أعناق الغدرة، وقرب أبا الفضل واستوزره، إلى أن خرج عنه في خبر طويل

стр. 2770

ولحق بشروان شاه، وصحبه إلى أن توفي أيضاً وولوا أخاه، فكاتب أبو الفضل الخليفة أبا جعفر القائم ببغداد في الوصول إليه، فاتفق ورود كتابه إثر وفود رسول المعز بن باديس عليه، فطلب الخليفة رجلاً يسفر بينهما، فأرشد إلى أبي الفضل، فوجه عنه وورد، فجهزه وخرج مستتراً من بلد إلى بلد حتى وصل حلب، فاشتهر خبره وطلب، فمدح معز الدولة بقصيدته التي ا، لها: " عهود الصبا من بعد عهدك آمل " فأمر له بثياب سرية، وحمله على فرس عربية. ثم انفصل عنه واجتاز بمعرة النعمان، وبها المعري أحمد بن سليمان، فوصل إليه، وأنشده قصيدته اللامية، فقبل المعري بين عينيه، وقال له: بأبي أنت من ناظم! ما أراك إلا الرسول إلى المغرب. فوصل مصر ووزيرها يومئذ صدقة ابن يوسف بن علي الملقب بالفلاحي، فقصد مجلس قاضي القضاة بها، وأثبت عقداً على رجل مشهور، كان يومئذ ببلاد المغرب بشهادات زور، ولما ثبت ذلك من الطومار، خرج من مصر في زي التجار، يؤم بلاد إفريقية، فوقع على خبره صاحب الإسكندرية، وطلبه فأعجزه. وبلغ
следующие страницы →