← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

يماني إذا استمطرت صوباً ... به من عارض المهجات صابا كأن شعاع عين الشمس فيه ... وإن كان الفرند به ضبابا ومنها: وكنا في مواطننا كراماً ... تعاف الضيم أنفسنا وتأبى ونطلع في مطالعنا نجوماً ... تعد لكل شيطان شهابا صبرنا للخطوب على ضروبٍ ... إذا رمي الوليد بهن شابا ولم تسلم لنا إلا نفوس ... وأحساب تكرمننا اكتسابا ولم تخل الكواكب من سقوطٍ ... ولكن لا يبلغها الترابا ومن أخرى: بلى جر أذيال الصبا فتصابى ... وأوجف خيلاً في الهوى وركابا قصرت زماني بالشمول مسنةً ... وبالروض كهلاً والفتاة كعابا يقول فيها: وأقصر أيام الفتى يوم لذةٍ ... صفا ما صفا بالعيش منه فطابا

стр. 3012

ليالي لا ترمي وإن تصب ... بسهمك خوداً فالشباب أصابا وعصبة لهو غادروا الهم جانباً ... فلم يألفوا إلا السرور جنابا يديرونها راحاً كأن بكاسها ... إذا لبست درع الحباب حبابا تنافر لمس الماء وهو يروضها ... تفرك كالبكر الفروق لعابا فأحبب بذاك العيش عيشاً ذكرته ... وبالعصر عصراً والصحاب صحابا وليلٍ تخوض النيرات ظلامه ... كأوجه غرقي يغترفن عبابا سريت بمحبوكٍ من القب كلما ... دعا شأوه وحي العنان أجبا من الحن فاسم الله إما وضعته ... مكان قطيع طار عنك وغابا ترى ضحك الإصباح فوق جبينه ... وقيض من ليل المحاق إهابا تخال الثريا رأسه وهو ملجم ... إذا الجري لم يلبس طلاه سخايا يحرف بالتأليل أذناً كأنما ... برى قلماً منها يخط كتابا سما الدر في أرساغه عن زبرجدٍ ... يغادر بالوطء الصخور ترابا هو الطرف فاركب منه في ظهر طائر ... تنل كل ما أعيا عليك طلابا إلى قمر تسري إليه كأنما ... عليه سماء الله تغلق بابا كأني سرّ في حشا الليل داخل ... على حبة القلب المصون حجابا فبت مروى من مجاجة بارد ... غزا ذكره قلب الغيور فذابا كأن قطاف اللثم من ثغر روضه ... تكسب من طل الغمام رضابا

стр. 3013

ومنها: ولم أر كالدنيا خؤوناً لصاحب ... ولا كمصابي بالشباب مصابا فقدمت الصبا فابيض مسود لمتي ... كأن الصبا للشيب كان خضابا ومن أخرى: أمتطتك همتك العزيمة فاركب ... لا تلقين عصاك دون المطلب ما بال ذي النظر الصحيح تقلبت ... في عينه الدنيا ولم يتقلب فاطو العجاج بكل يعملةٍ لها ... عوم السفينة في سراب السبسب شرق لتجلو عن ضيائك ظلمة ... فالشمس يمرض نورها بالمغرب والماء يأجن في القرارة راكداً ... فإذا علتك قذاته فتسرب طال التغرب في بلاد خصصت ... بوخامة المرعى وطرق المشرب [١١٨] فطويت أحشائي على الألم الذي ... لم يشفه إلا وجود المذهب إن الخطوب طرقنني في جنةٍ ... أخرجنني منها خروج المذنب ومنها: من سالم الضعفاء راموا حربه ... فالبس لكل الناس شكة محرب كل لأشراك التحيل ناصب ... فاخلب بني دنياك إن لم تغلب من كل مركوم الجهالة مبهمٍ ... فكأنما هو قطعة من غيهب لا يكذب الإنسان رائد عقله ... فامرر تمج وكن عذوباً تشرب

стр. 3014

ولرب محتقر تركت جوابه ... والليث يأنف عن جواب الثعلب لا تحسبني في الرجال بغاثةً ... إني لأقعص كل لقوة مرقب إن يعله صدأ فكم من صفحةٍ ... مصقولةٍ للماء تحت الطحلب ومنها: كم من قواف كالشوارد صرتها ... عن مثل جرجرة الفنيق المصعب ودقائق بالفكر قد نظمتها ... ولو أنهن لآلئ لم تثقب وصلت يدي بالطبع فهو عقيدها ... فقليل إيجازي كثير المسهب نفث البديع بسحره في مقولي ... فنطقت بالجادي والمتذهب لو أننا طير لقيل لخيرنا ... غرد وقيل لشرنا لا تنعب وإذا اعتقدت العدل ثم زونتني ... رجحت حصاتي في القريض بكبكب إني لأغمد من لساني منصلاً ... لو شئت صمم وهو دامي المضرب ومن أخرى: تظن مزار البدر عنها يعزني ... إذا غاب لم يبعد على عين مبصر وبين رحيلي والإياب لحاجها ... من الدهر ما يبلي رتيمة خنصر

стр. 3015

ولابد من حملي على النفس خطةً ... تعلق وردي في اغترابي بمصدري وتطرحني بالعزم من غير فترة ... سفائن بيد في سفائن أبحر وما هي إلا النفس تفنى حياتها ... مصرفةً في كل سعي مقدر أغرك تلويح بجسمي وأنني ... لكالسيف تعلو متنه غين جوهر وما هي إلا لفحة من هواجر ... تخلصت منها كالنضار المسجر وأنكرت إلمام المشيب بلمتي ... وأي صباح في دجى غير مسفر وما كان ذا حذر غراب شبيبتي ... فلم طار [عن] شخصي لشخص منفر وأبقت صروف الدهر مني بقيةٍ ... مذكرة مثل الحسام المذكر وما ضعضعتني للحوادث نكبة ... ولا لان في أيدي الحوادث عنصري ومنها: وحمراء لم تسمح بها نفس بائع ... لسوم ولم تظفر بها يد مشتري أقامت مع الأحقاب حتى كأنها ... خبيثة كسرى أو دفينة قيصر فلم يبق منها غير جزء كأنه ... توهم معنى دق عن ذهن مفكر إذا قهقه الإبريق للكاس خلته ... يرجع صوتاً من عقاب مصرصر وطاف بها غمر الوشاح كأنما ... يقلب في أجفانه طرف جؤذر قصرت بكل كل يوم لهوته ... ومهما يطب يوم من العيش يقصر

стр. 3016

ومن أخرى في المعتمد: أتنكر ضعفاً أمرض الحدق النجلا ... وقد أكثرت فينا لواحظها قتلا يقول فيها: أقائدها قب الأياطل لم تدع ... له عند أعداء إغارته ذحلا حميت حمى الإسلام إذ ذدت دونه ... هزبراً ورشحت الرشيد له شبلا لئن قلت فيه صح تأليف سؤدد ... فبارع نقل من شمائلك استملى ومنها في صفة القصر: ويا حبذا دار يد الله مسحت ... عليها بتجديد البقاء فما تبلى مقدسة لو أن موسى كليمه ... مشى قدماً في أرضها خلع النعلا إذا فتحت أبوابها خلت أنها ... تقول بترحيب لداخلها أهلا وقد نقلت صناعها من صفاته ... [إليها] أفانينا فأحسنت النقلا فمن صدره رحباً ومن نوره سناً ... ومن صيته فرعاً ومن حلمه أصلا نسيت به إيوان كسرى لأنه ... أراني مثلاً ما رأيت له مثلاً كأن سليمان بن داود لم تبح ... أوامره للجن في شيده مهلا كأن عيون السحر نافذة له ... عليهن فصلاً من بدائعه فصلا

стр. 3017

فكان مكان القول يبعث وصفه ... رقيقاً وأذن الدهر تسمعه جذلى ترى الشمس فيه [ليقةً] تستمدها ... أكف أقامت من تصاويرها شكلا تحوز له الأمواه بركة جدول ... تخال الصبا منه مشطبة نصلا إذا اتخذتها الشمس مرآة وجهها ... أجالت عليها من مداوسها صقلا وقد توج البهو البهي بقبة ... فقل في عروس في [جلابيبها] تجلى تجمعت الأضداد فيها مصانعاً ... ولم أر خلقاص قبلها جمع الشملا وأغرب ما أبصرت بعد مليكها ... بها مترع يعدي الشجاعة والبذلا ولما عشينا من توقد نورها ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا فيا دار أغضى الدهر عنك وأكثرت ... أسودك نسلاً فيك يختتل النسلا

стр. 3018

ومن شعره في أوصاف شتى قال: [١١٩] نفوسنا بالرجاء ممتسكه ... والموت للخلق ناصب شركه تبرم أجسامنا وتنقضنا ... طبائع في المزاج مشتركه لولا انتشاق الهواء مت كما ... تموت مع فقد مائها السمكه ننشأ بالبعث بعد ميتتنا ... أما يعيد الزجاج من سبكه ما أغفل الفيلسوف عن طرق ... ليست لأهل العقول منسلكه من سلم الأمر للإله نجا ... ومن عدا القصد واقع الهلكه وقال: جاء به ملآن من صافية ... معمورة منها أقاليم الفرح حل وكاء شده عن مذبح ... طل دم العنقود منه وسفح حتى إذا ما صب منه رينا ... سد على التبر الذي كان فتح

стр. 3019

ترى نجيع البرق منه راشحاً ... كأنه من ودج الليل رشح مدامة للروح أخت برة ... آخذة ثاراتها من الترح قد علمت مزاجها فصرفها ... يجبر ما هاض ويأسو ما جرح يوم كأن القطر فيه لؤلؤ ... ينظم للروض عقوداً أو وشح تقدح نار من زناد برقه ... ويطفئ الماء سريعاً ما قدح لما جرت فيه الصبا عليلة ... رق الهواء فيه للنفس وصح كأنما الكافور نثر ثلجنا ... أوندف البرس لها حتى أتى الليل بصحو لم يكن ... يغتبق الغيث به كما اصطبح كأنما خلف منه قشعم ... يندى علينا ريشه إذا جنح وقد محا صبغ الدياجي قمر ... ديناره في كفة الغرب رجح

стр. 3020

حتى إذا رد حداء عدوهم ... من كان في وادي الرقاد قد سرح نبه ذا هذا وكل طرفه ... يلمح طرف السكر من حيث لمح يسأل في تقويم جيد مائل ... لو [لم] يسامح في الحميا لسمح وجاءه الساقي بكوب مفعم ... لو شاء أن يسبح فيه لسبح يا عاذلي في الراح كم سيئة ... تجاوز الرحمن عنها وصفح أغش خلق الله عند ذي هوى ... من عرض الرشد عليه ونصح حتى إذا فكر عن بصيرة ... ذم [من] الأفعال ما كان مدح وقال: ومشمولة راح كأن حبابها ... إذا ما بدا في الكاس در مجوف لها من شقيق الروض لون كأنما ... إذا [ما] بدا في الكاس منه مطرف شربت على برق كأن ظلامه ... إذا احمر فيه أسود بات يرعف وهذا من قول المعري: إذا ما اهتاج أحمر مستطيلاً ... حسبت الليل زنجياً جريحا وقال أبو محمد أيضاً:

стр. 3021

ما زلت أشرب كاسه من كفه ... ورضابه نقل على ما أشرب حتى انجلى الإصباح عن إظلامه ... كالستر [يرفع] عن مليك يحجب والشهب في غرب السماء سواقط ... كبنات ماء في غدير ترسب وقال في صفة نهر: ومطرد الأجزاء تحسب متنه ... صباً أعلنت سر القذى في ضميره جريح بأطراف الحصى كلما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره كأن حباباً ريع تحت حبابه ... فسارع يلقي نفسه في غديره شربنا على حافاته دور سكرة ... وأقتل سكراً منه عينا مديره كأن الدجى خط المجرة بيننا ... وقد كللت حافاتها ببدوره كلفت بشربي للصبوح مبكراً ... وكم بركات للفتى في بكوره وله في شمعة: قناة من الشمع مركوزة ... لها حربة طبعت من لهب تحرق بالنار أحشاءها ... فتدمع مقلتها بالذهب

стр. 3022

تمشى لنا نورها في الدجى ... كما يتمشى الرضى في الغضب فأعجب لآكلة جسمها ... بروحٍ يشاركها في العطب وله فيها: مصفرة الجسم وهي ناحلة ... تستعذب العيش مع تعذبها تطعن صدر الدجى بعالية ... صنوبري لسان كوكبها إن تلفت روح هذه اقتبست ... من هذه فضلة تعيش بها كحية باللسان لاحسةٍ ... ما أدركت من سواد غيهبها وقال: صدت وبدر التم مكسوف به ... فحسبت أن كسوفه من صدها فكأنه مرآة قبن أحميت ... فمشى احمرار النار في مسودها وقال: سكن القلب هوى ذي صلف ... زاده فيه سكوناً حركه فهو كالمركز يبقى ثابتاً ... كلما دار عليه فلكه وقال:

стр. 3023

يوم كأن نسيمه ... نفحات كافور ومسك وكأن قطر سمائه ... در هوى من نظم سلك متغير غيماً وصح ... واً مثلما حدثت عنك كالطفل يمنح ثم يم ... نع ثم يضحك ثم يبكي [١٢٠] وقال: وحمام سوء وخيم الهواء ... قليل المياه كثير الزحام فما للقيام به من قعود ... ولا للقعود به من قيام حنياته عطفات القسي ... وقطراته صائبات السهام ذكرت به النار حتى لقد ... تخيلت إيقادها في عظامي فيا رب عفوك عن مذنب ... يخاف لقاءك بعد الحمام وقال: قبس بكف مديرها أم كوكب ... ينشق منه عن الصباح الغيهب وأريج مسك فاح عن نفحاتها ... فذوائب الظلماء منه تطيب قالوا الصبوح فقلت قرب كاسه ... إني لمهديها [بها] أتقرب لا تسقني اللبن الحليب فإن لي ... في كل دالية ضروعاً تحلب وذخيرة للعيش مر لعمرها ... عدد يشق على يدي من يحسب دبابة في الرأس يصعد سكرها ... فتجد منا بالعقول وتلعب

стр. 3024

دارت بعقلي سورة من كاسها ... حتى كأن الأرض تحتي لولب باكرتها والليل في حشاشة ... يستلها بالرفق منه المغرب والجو أقبل في تراكب مزنه ... قزح بعطفه قوسه يتنكب صابت فاضحكت النديم بأكؤس ... عهدي به من نقطهن يقطب والبشر في شرب المدامة فارتقب ... منها سرور النفس ساعة تعذب فصل في ذكر الوزير الحكيم أبي محمد المصري شيخ الفتيان، وآبدة الزمان، وخاتمة أصحاب السلطان، وكان رحل إلى مصر واسمه خامل، وسماؤه عاطل، فلم ينشب أن طرأ على الأندلس وقد نشأ خلقاً جديداً، وأجرى إلى النباهة طلقاً بعيداً، فتهادته الدول، وانتهت إليه التفصيلات والجمل، وكلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد، وإياه قصد، فجرى مع كل أحد، وتمول في كل بلد، وتلون في

стр. 3025

العلوم تلون الزمان، وتلاعب بالملوك بأفقنا تلاعب الرياح بالأغصان، حتى ظفر به المأمون بن ذي النون، فشد عليه يد الضنين، فوجد كنفاً سهلاً، وسلطاناً غفلاً، فسر وساء، وارتسم في أي الدواوين شاء، وكان بالطب أكلف، وعليه أوقف، فتعلق بسببه، حتى اشتهر به، ولم يكن من النفوذ فيه حسبما استذاع عنه الخبر، خلا أنه كان - زعموا - بصيراً بطب النظر، وكان مع ما يحملع من هذا الفن حسن البيان مليح المجلس، حاضر الجواب كثير النادر، راوية للشعر والمثل السائر، نسابة للمفاخر، عارفاً بالمثالب والمناقب. وقفت له على شعر مجموع، عاطل اكثره من حلي البديع، وكان بالجملة روضة أدب ممتعاً للمجلس، وهيهات أن يأتي الدهر بمثله، وقد وصفه ابن حيان، في فصل قد أثبته في أول هذا القسم من الديوان. فلما انصرفت الدولة الذنوبية، تحيز أبو محمد إلى إشبيلية، فأنس المعتمد بمكانه، وجعل له حظاً من سلطانه، ولم يزل في من يتردد عليه ويغشاه، حتى أشجاه من الخلع - حسبما وصفناه - ما أشجاه، وبقي أبو محمد على حاله، مشتملاً بفضل جده وإقباله، غير مستريب بدهره، ولا منكر لشيء من أمره، ممتعاً بآلاته، مقبلاً على لذاته، إلى أن توفي سنة ست وتسعين منتصف رجب الفرد. وعلى ذكره، فقد أجريت طرفاً من نظمه ونثره، منبهاً على مكانه، ومشهداً على ما وصفت من شانه.

стр. 3026

فصل له من رقعة خاطب بها المعتمد بن عباد، وقد خرج عنه إلى مالقة، قبل القبض عليه، واستفتحها بهذين البيتين: رحلت وفي القلب جمر الغضا ... وهجري لكم دون شك صواب كما تهجر النفس حر الطعام ... إذا [ما] تساقط فيه الذباب وهذا المعنى مشهور، قد اندرج منه في تضاعيف هذا التصنيف كثير، مثل قول بعضهم: وتجتنب الليوث ورود حوضٍ ... إذا كان الكلاب يلغن فيه كما سقط الذباب على طعام ... فتتركه ونفسك تشتهيه كتبت وقلبي متقلب على جمر الغضا، أحر من الرمضا، وصلت فقطعت، وسامحت فقوبحت، وارتفع علي الباطل فما سومحت، حميت بقرطبة أهلك وبنيك، وحفدتك وذويك، أصبتهم في منزل عالي الحيطان، وثيق الأركان، في شهر كانون، دون كن ولا كانون، ولا ما يدفع عنهم ريب المنون، أكف الرزايا تصافحهم، وجنوب المنايا تضاجعهم، لا يمنعهم من القر شعار، ولا يحميهم منه [١٢١] دثار، فأنفذت الفرش وآلاتها. وما يتعلق بجهاتها، وافتقدت بالطرف، وتاحفت بالتحف، وصنتهم صون الدر في الحقاق، والسواد في الأحداق، والأطواق في الأعناق، ومن عندك

стр. 3027

يعلم هذا ولا ينكره، ويشكره ولا يكفره، وما كانت لك علي نعمة فأعارها، ولا سطوة فأخشاها، وإنما فعلت بالجوهرية التي ركبها الله في نفسي، والطبع الذي جبل عليه حسي: ولكن أشخاص المعالي خفية ... على كل عين ليس تبصر باللب فهل سبق لأحد مثل هذا الوفاء، أو كان له شكل هذا الولاء، فإن قيل إن السموأل أتى بمثله وشكله، ليس الخبر كما ظن، ولا الأمر كما احستب. ومن شعره في أوصاف شتى قال: ريم إذا رمت أن أحظى بموعده ... أقام لي بلسان الخلف أعذارا وإن تلطفت لاستنزال سورته ... أصار قلبي لخيل الهجر مضمارا إذا تذكرت أياماً لنا سلفت ... خطت يد الشوق في الأحشاء أسطارا قال الوشاة ودمع العين منحدر ... ودمعه فوق روض الورد قد حارا يا مجري الدمع في عينيه في ذهب ... أما ترى الدر بالمرجان قد جارا النار يحرقها قلبي بزفرته ... من العجيب فؤاد يحرق النارا وقال: يا ناظراً قد سل من ناظري ... إلى سواد القلب والخاطر طيفك لما نام عن زورتي ... زادك [زاد] الكلف الساهر

стр. 3028

ظلك أضحى لي بلا مريةٍ ... مؤثراً في خدك الناضر ما أرفق الله بأهل الهوى ... إذ صير الجور على الجائر وقد تقدم مثل هذا المعنى لعبد الجليل حيث يقول: دعوت دعاء مظلوم عليه ... فعلق من عذاريه الذنوبا وقال: الحب داء دواؤه القبل ... والرسل بين الأحبة المقل يا حفظ الله ليلةً سلفت ... حيت ببدر سماؤه الكلل بتنا وراح العفاف تلحفنا ... برد وفاء والشمل مشتمل اثنان من شدة التعانق قد ... صارا كفرد بالروح يتصل لو أن جود السماء أمطرنا ... لم يصب الأرض تحتنا بلل حتى إذا غرة الصباح بدت ... وجفنه بالعبير مكتحل فارقني وهو خائف وجل ... نشوان من خمرة الصبا ثمل عيناي منه قريرة أبداً ... والنار بين الضلوع تشتعل وقال: قالوا الصديق شقيق النفس قلت لهم ... إن الصديق مع العنقاء قد طارا

стр. 3029

اسم لعمري بلا جسم ولا نفس ... إلا كلاماً بزور القول قد سارا فما ترى غير من يسقيك من يده ... أرياً وفي قلبه قد أضمر النارا فنادم الكتب ما عمرت إن لها ... عندي وعيشك أسراراً وأخبارا ومن قصيد له ابن حماد بلقين أوله: الرأي يسبق وقع الصارم الذكر ... والعزم يفصل بين الخبر والخبر والناس قد جمعوا في أصل خلقتهم ... لكنهم فرقوا في اللب والنظر كالنور أوله نار وبينهما ... من التفاضل ما يخفى على البشر كما تهدى ابن حماد وقد طلعت ... طلائع السعد تحدوها يد القدر والناس قد رجموا الأقوال من حذر ... وقال بعضهم هذا من الغرر حتى إذا أظلم الخطب المهم لهم ... جلوته بصباح البيض والسمر ليس الجسوم لها صبر ولا جلد ... وإنما الصبر بالأرواح والفكر لا تلق دهرك إلا راكباً خطراً ... فإنما تبلغ العلياء بالخطر بيته الثاني، من متداولات المعاني، ومنها قول الأول: الناس أخياف وشتى في الشيم ... وكلهم يجمعهم بيت الأدم وأخذه التهامي فقال:

стр. 3030

الناس متفقون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار وقوله: " ليس الجسوم لها صبر " ... البيت، هو شبيه بقول الآخر: فالعبد صبر جسماً ... والحر أصبر قلبا وقال من أخرى [يمدحه] ويذم بني رياح: أبا المنصور ما للدهر عين ... سواك فوارها فهو الصلاح ولا تتعرضن إلى رياحٍ ... فأعدى ما على العين الرياح إذا حلفت رياح فاتهمها ... ورأس الحنث ما حلفت رياح قبيلة لها في اللؤم بأس ... وعند المكرمات لها جماح سبال اللؤم لا كانت سبال ... وجوه الذل والخد الوقاح أناس في مفارقهم قرون ... ولكن بالفقاح هو النطاح ولا تتزوجن لهم ببنت ... فللسودان عندهم مراح بأرجلهن يستغفرن دأباً ... فأرجلهن في الدعوات راح وذكرت بمعنى هذا البيت الأخير منها خبراً أورده بعض الرواة عن شاعر أنشد زبيدة بنت جعفر شعراً قال فيه: [١٢٢]

стр. 3031

أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب فجعل عبيدها يقرعون رأسه فقالت: دعوه فإنه أراد خيراً فأخطأ، وهو أحب إلينا ممن أراد شراً فأصاب، سمع قولهم: شمالك أندى من يمين فلان فظن [أن هذا مثل ذلك] . وله من أخرى يستأذن في الجواز إلى الأندلس: فيا أثلاث الجزع من مربع الحمى ... فؤادي على تلك الرسوم ينوح فعل أبي المنصور يدني بسعده ... ركابي منها إنه لنزوج ومنها: فسر إنما العلياء شخص مصور ... وأنت له دون البرية روح أتيت بآي أعجزت كل عالم ... كأنك من بعد المسيح مسيح ولو جيت للإنصاف ما جيت مادحاً ... لأنك من نجر السماح صريح ومن أصبحت [فيه] المكارم جوهراً ... بلا عرض فالمدح فيه قبيح ولكن رأيت الشعر يثبت ذكره ... فلا غرو أن يهدى إليك مديح

стр. 3032

وله من أخرى في باديس بن حبوس: رسخت أصول علاكم تحت الثرى ... ولكم على خط المجرة دار تبدو شموس الدجن من أطواقكم ... وتفيض من ثني البنان بحار إن المكرام صورة معلومة ... أنتم لها الأسماع والأبصار ذلت لكم قمم الخلائق مثلما ... ذلت لشعري فيكم الأشعار فمتى مدحت ولا مدحت سواكم ... فمديحكم [في] مدحه إضمار وهذا من قول أبي نواس: وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني وأخذه المتنبي فقال: وظنوني مدحتهم قديماً ... وأنت بما مدحتهم مرادي والمصري أيضاً القائل، من قصيدة كأخواتها طويلة دون طائل، أولها: دعي لومي فما أنا بالمليم ... ولا من هجر سلمى بالسليم يقول فيها:

стр. 3033

وإن شئت اختبار الناس جهراً ... ولم تك بالتجارب بالعليم فجرب من تشا منهم عياناً ... وقد أصبحت في بردي عديم فإن لم [تلف] ذلك مستحيلاً ... وترعى منه في مرعى وخيم فقل إني دعي في نزار ... وإني ضد لقمان الحكيم رأينا معشراً لبسوا ثياباً ... مجددة على عرض رميم لهم دور مشيدة [] ... وأفعال محيلات الرسوم ومن المدح: وما يحتاج يوم الحرب جيشاً ... فإن عداه كالزرع الحطيم وإن أبقى لهم فرعون سحراً ... ففي يده عصا موسى الكليم وقد تقدم إلى هذا المعنى أبو نواس بقوله، ونذكر خبراً يتعلق بذيله: كان أبو نواس قوي البديه، ويرتجل كل ما يقول ولا يرويه، فقال له الخصيب يوماً وهو يمازجه بالمسجد الجامع، أنت في الشعر غير مدافع ولا منازع، ولكنك لا تخطب، فقام من فوره يقول مرتجلاً: منحتكم يا أهل [مصر] نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصح بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحيةٍ ... أكول لحيات القلوب شروب فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب

стр. 3034

ثم التفت إليه قال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع، فاعتذر إليه وأقسم أنه ما قال ذلك إلا مازحاً. وقول المصري: " معشراً لبسوا ثياباً " ... البيت مع الذي بعده، ألم فيه بقول منصور الفقيه: لبس الثياب وتشييد القصور وفي ... تلك الثياب علتها أنفس خربه لأضربن رجائي ألف مقرعةٍ ... فيكم وأصلب آمالي على خشبه وقال المصري في ابن مجاهد من قصيدة، يرثي مهراً أخذ له، وحكي أن الذئب أكله: وقد أقمت لدهري وهو يظلمني ... حتى وصلت علياً سيد العرب وإن يكن ليس منهم في أرومته ... فإنه منهم في المجد والحسب يا من إليه شكوناه فقال لنا ... شكوى القتيل [إلى] الخطية السلب ومنها: يا ويح قلبي من دهر تعمدني ... بالنائبات فلاذت بي يد النوب حتى بمهر هضيم الكشح ذي هيف ... كأن أجزاءه جأب على نسب حلو الصهيل له في صوته فتن ... كأنه حين يشدو بالثقيل ربي لولا تشكله في حين خلقته ... بالخيل أضحى مع العقبان في نصب يا يوسف الخيل يا مقتول إخوته ... قلبي لفقدك بين الحرب والحرب إن كان يعقوب لم يقنع بكذبهم ... إني لأقنع منهم بالدم الكذب [١٢٣]

стр. 3035

ومنها: وما التناسب......... ... إن لم تكن أنفس القربى ذوي نسب وهذا من قول القائل: ........... ... إذا لم يرافقها أنتساب قلوب وقال من أخرى: ................... ... ....... نفحة الخد جائل لئن كنت من در القلائد عاطلاً ... فإن الظباء المشبهيك عواطل .................. ... وكل رسول قد بعثت مماطل سقاني وخد الفجر يلطمه الضحى ... شمولاً لها من وجنتيه شمائل ................. ... بهاراً فأجدى ما علينا الرسائل عليك زكاة من جمال وغرة ... وأنت بمفروض الزكاة تماطل ومنها: فصاح وشاح هز.......... ... إليك ولكن لم تجبه الخلاخل رعى الله دهراً قد نعمنا بطيبه ... لياله من شمس الكؤوس أصائل لدى روضة غناء قنت قيانها ... وجاوبت الألحان منها البلابل ونرجسها [در] على التبر جامد ... وقهوتها تبر على الدر سائل

стр. 3036

وإن سأل الأقوام عن عرض منزلي ... فإني ما بين السماكين نازل وأني قد قلدت سيف مآثر ... له من علي المكرمات حمائل إلى أبيات غير هذه من قصيدة طويلة اهتدم فيها أبو محمد قصيدتي أبي الطيب والمعري اللتين في وزنها ورويها؛ وقوله: " عليك زكاة من جمال " ... البيت، من قول المعري أيضاً: لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل وعلى [ذكر] هذه الزكاة فما أملح ملح البستي في تلك الفقهيات حيث يقول: أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه لحظ الكمي ملكت الحسن أجمع من نظام ... فأد زكاة منظرك البهي وذلك أن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك الشهي فقال أبو حنيفة لي إمام ... ويفتي لا زكاة على الصبي وقال الحصري الكفيف في مثله: وظبي غرير هز أعطافه اللين ... وسمته ريحان المحب الرياحين

стр. 3037

أقول له والحب يفتي برخصةً ... عليك زكاة [ما] ونحن مساكين فقال ولم يعلم زكاة أردتها ... وكيف أؤديها ولم يحن الحين فقلت زكاة الحسن أعني فقال لا ... أؤديك فالعشاق [ليس] لهم دين جملة من مقطوعات المصري في فنون مختلفة في صفة قصر طليطلة: قصر يقصر عن مداه الفرقد ... عذبت مصادهر وطاب المورد نشر الصباح عليه ثوب مكارم ... فعليه ألوية السعادة تعقد وكأنما المأمون في أرجائه ... بدر تمام قابلته أسعد وكأنما الأقداح في راحاته ... در جماد ذاب فيه العسجد وله في صفة البركة والقبة عليها: شمسية الأنساب بدرية ... يحار في تشبيهها الخاطر كأنما المأمون بدر الدجى ... وهي عليه الفلك الدائر

стр. 3038

يا حبذا العود فكم من فتىً ... باح له اليم بأسراريه غنت عليه الطير رطباً وقد ... غنت به لما قسا جاريه فهو على أخلاقها قد جرى ... وهي على أخلاقه جاريه وبيته الثالث كقول ابن قاضي ميلة: جاءت بعود يناغيها ويسعدها ... فانظر بدائع ما خصت به الشجر غنت على عوده الأطيار مفصحة ... غضاص فلما ذوى غنى به البشر فلا يزال عليه أو به طرب ... يهيجه الأعجمان: الطير والوتر وقال المصر من جملة أبيات خاطب بها صاحب المدينة يشفع للفقيه البر الطليطلي: يا ما جداً أصبح من رفعةٍ ... منزله تحت نجوم الفلك هدا الفقيه البر ما ذنبه ... لقد غدا قبرةً في الشرك أيؤخذ المسكين مع فتية ... قد عقدوا الأمر لحل التكك وقارعوا بالبيض بيض الخصى ... وطاعنوا الأشراج [في] المعترك

стр. 3039

وهذا مثل ما أنشدنيه لنفسه أبو بكر الخولاني المنجم، مما خاطب به بعض الحكام يشفع للقلمندر، وقد أخذ في مثل ذلك سكرانا: إن درء الحدود بالشبهان ... لحديث رواه [كل] الثقات ما أراه إلا تناول تفا ... حاً فنمت عليه في الطرقات [١٢٤] نفحات التفاح والراح والأترج للمرء جد مشتبهات ... فبتلك الشمائل المخجلات الروض غب الغمائم الهاطلات ... وبحلم إليه مذ كنت تعزى ... وبصبر تعزى له وأناة اعف عنه وأعفه من ثمانين تدمي أعطافه المائسات ... واقل ذنبه وعثرته فهو بمرآه من ذوي الهيئات ... وقال: وشادن طالبته قبلةً ... فأظهر الإعراض والصدا ورسل الدر على عسجد ... من سبج فانتظما عقدا فقلت إذ أبصرته باكياً ... نرجسة العين سقت وردا وهذا كقول [الآخر] :

стр. 3040

كأن تلك الدموع قطر ندى ... تسقط من نرجس على ورد وقال في صباه في طريق بلاد المشرق وقافلاً من الحجاز: ألا يا هند قد قضيت حجي ... فهات شرابك العطر العجيبا فقد ذهبت ذنوبي في الليالي ... فقومي الآن نقترف الذنوبا خلطنا ماء زمزم في حشانا ... بماء الكرم فامتزجا قريبا وطاف بها غزال كسروي ... طبيب النفس يدعوه طبيبا أطاعته الجسوم فساعدته ... كذاك يكون من ملك القلوبا بدا غصناً وأطلع بدر تم ... وأضمر في مآزره الكئيبا نراه في تواصله بعيداً ... ونلقى وعده أبداً قريبا وقال: أي هلال أطل فينا ... نطلعه الطوق والجيوب كحيل طرف ثقيل ردف ... مبسمه اللؤلؤ الرطيب يقودنا كيف شاء طوعاً ... لأن أعوانه القلوب

стр. 3041

وله في بعض إخوانه وقد عذر غلام كان يهواه: يا ذا الذي عذر خل له ... أتحت عيش العز معنى الهوان لم ينبت الشعر على خده ... بل دب في أعضائه عقربان رفقاً على نفسك لا تفنها ... فجوهر الأنفس شيء يصان وسقه من مزة عتقت ... لتقتضي الحب بلا ترجمان وله في غلام وسيم رمدت عيناه: قال خلي وجفوني ... لا تغطي مقلتيها سقم عيني أراه ... بعث السقم إليها أم ترى توريد خدي ... نفض الورد عليها قلت لا أدري ولكن ... أنا من قتلى يديها وقال: رمدت عيني فجاءوا ... دون رأيي بطبيب وطبيب العين أغمى ... في مداواة القلوب رمدي من فقد خلي ... فاكحلوني بالحبيب وما أحسن ما قال بعض أهل عصري، وقد تقدم إنشاده: إذا رمدت بحمرته عيون ... شفاها منه إثمد عارضيه

стр. 3042

في ذكر أبي محمد ابن الطلاء المهدوي أحد أضياف المعتمد، وقد أجريت ذكره في ما مر من هذا المجموع، ووصفت أن شعره عاطل من حلي البديع، وأفرط في باب الاستعارة وأبعد، وخرج فيها إلى حيز الإضحاك بما برد، كقوله متغزلاً: بقراط حسنك لا يرثي على عللي ... وكقوله في الوزير الأجل أبي بكر بن زيدون: شبيلية وابن زيدونها ... أتى في قراه على شينها وسمعته ينشد المتوكل شعراً قال فيه: أفاقت بك القطار من برص البلوى ... ومن أشبه شعره في المعتمد قوله من قصيدة أولها: فتحت سعودك كل باب مغلق ... فتهن ذلك وابق يصلح ما بقي يقول فيها ومدح ابن عمار حين دخوله بمرسية وخروج بني طاهر منها حسبما وصفتها:

стр. 3043

إن ابن عمار حكى عمرو القنا ... للمستجير وحاتماً للمملق لما وصلت المغرب الأقصى به ... هجر الكرى فاقتاد ملك المشرق بمصرف الجيش اللهام بحكمة ... سمكته بالإسكندر المتلحق يسري بنية خالص، من خلفها ... صدر كمثل السور خلف الخندق ويصيد عنقاء الأماني التي ... أعيت صواه خلاف صيد الخرنق فبجود وببأسه وبجيشه ... هو فيلق في فيلق في فيلق ومنها: يا أيها الملك السعادة أطبقت ... جفناً عليك فبت بجفن مطبق هبط المطوق جبرئيل منظماً ... لك در كل كرامة فتطوق ما غيرك الملك المطوق وحده ... أبداً بروح القدس فأفتق وارتق ما دولة إلا ونادت بعلها ... وأفاك مقتض البلاد فطلق [١٢٥] فليعترف بالجود كل مشعوذ ... ويقر بالإنصاف كل ممخرق الأرض كالشطرنج فادع ملوكها ... ما الرخ في حركاته كالبيدق يا يوسفي الحسن والصدق استمع ... أحلى محاورة وإن لم تنطق نادتك هيت لك البلاد بأسرها ... فتح، سيرك من ينادي غلق ولو استطاعت مصر إذ لم تدنها ... جعلت تقول عشقت من لم يعشق

стр. 3044

وجميل صنعك في البلاد وأهلها ... مغنيطس فيجذب قوته ثق لكفاك أندلس فنفس كل من ... ترضيك طاعته وإلا خنق من حمص تفتح حمص غير مدافع ... عنها وتفتح جلقاً من جلق وأخبرني أبو بكر الخولاني المنجم قال: كتب إليّ أبو محمد المهدوي بهذه الأبيات يستهدي مشروباً: قل للوزير فتى خولان خولني ... علمي بفضلك ميزاً فهو ميزاني رصدت في فلك الأشواق بدر هوىً ... له رقيب ثقيل مثل كيوان فابعث إليّ براحٍ مثل ريقته ... فمثلها كان يسقى عند رضوان ويا بعد ما بين هذا وبين [قول] بعض أهل عصرنا، وهو أبو حاتم الحجاري يستهدي أيضاً مشروباً من الحكيم أبي الأصبغ البلنسي بقرطبة: يا من سقاني الكؤوس سائغةً ... وكأس أخلاقه غدا أسوغ ساعدني للمبيت ذو هيف ... وذو لسان مستعذب ألثغ أبلغت في وصفه [على] سني ... لكن رأيت السكوت بي أبلغ وقلت والسر لا أبوح به ... من حق هذا الحديث أن يمضغ ما [إن] ترى ساعة الخلو به ... وقد بداني الشيطان أن ينزغ

стр. 3045

والليل قد أسبغت ذوائبه ... على هلال فروعه أسبغ قهقهت أثناء ذاك من ضحك ... قهقهة الجام يا أب الأصبغ فرش جناحي وما قرأت فقل ... قوالب السحر هكذا تفرغ وقال أبو حاتم في مثله: يا سيدي والنهار تبصره ... منسجم الدمع مطلق الأفق وعندي البدر قد خلوت به ... وفوق خديه حمرة الشفق جاذبته الحبل فاستقاد وكم ... جريت جري الجموح في الطلق وقد هززناك كي توجهها ... في الشعر هز القضيب في الورق وقال الأديب أبو محمد بن صارة الشنتريني: أعندك أن البدر بات ضجيعي ... فقضيت أوطاري بغير شفيع جعلت ابنة العنقود بيني وبينه ... فكانت لنا أماً وكان رضيعي

стр. 3046

فصل في ذكر الأديب الفقيه أبي بكر ابن الحسن المرادي القروي وإثبات قطعة من أشعاره، وطريف أخباره وكان أبو بكر هذا فقيهاً فطناً، وشاعراً لسناً، ممن جمع براعة الفقهاء، وبراعة الشعراء والنبهاء، وتصرف تصرف المطبوعين، وتكلم بألسنة المجيدين؛ أشعار كصفحات البدور، ودواوين كأثباج البحور؛ وتقلب أبو بكر بين السهول والحزون، تقلب الميل بين أطباق الجفون، وقلت دولة من دول ملوك الطوائف بالأندلس إلا وقد ابتغى إليها الوسيلة، وأعمل في الهجوم عليها حالاً وحيلة، فتنزوي عن مكانه انزواء الخائف من الرصد، وتغص بإحسانه غصص العين بالمرد، ثم كر إلى أمراء المرابطين بالمغرب فانخرط في أسلاكهم، وعرض بنفسه على أملاكهم، ووقع آخراً منهم إلى محمد بن يحيى بن عمر، فاقتعد صهوة منبره، وولي قضاء معسكره، وأخذ ينجد ويغور، وطفق يدبر ويدير، وإنما أراد أن يسلك في حمل دول المرابطين، مسلك عبد الله بن ياسين، ولم يدر أنها أقدار محتومة، وحظوظ مقسومة، فلم يحصل إلا على بعد السفر، وانقطاع العين والأثر، وتوفي ﵀ بدكول من بلاد الصحراء، حيث لا يروق وجه النهار، ولا يحمد صوب القطار.

стр. 3047

وقد أخرجت مما وجدت من شعره ونثره. ما يستخف رواسي الجبال، ويستوفي ضروب [السحر] الحلال. فصل له من رقعة كتبها عن بعض الأمراء جواباً عن كتاب ورد من بعض العمال الجهال يهول فيه: وقفنا على كتابك الذي طال فقصر، وكبر جرمه فصغر، صدرته بنون التعظيم، وسطرته بمجدك الحديث والقديم، وخاطبتنا فيه بالألفاظ الحجابية، التي تخاطب بها غوغاء الرعية، ارجع - أصلحك الله - عن هذا الأدب، وتأدب في خطابك لذوي الرتب، فقد أطعنا فيك [١٢٦] سلطان الحكم، لانتسابك إلى اسم العلم. واجتاز على مدينة مرسية في مدة رياسة الكاتب الماهر، أبي عبد الرحمن ابن طاهر، فأنزله هنالك بدار اتفق أن يدخل فيها قبل أن تفرش له، وابن طاهر قصد ذلك، ليرى ما يأتي من بديهته هنالك. فكتب إلى ابن طاهر رقعةً قال فيها: بيد أنني نزلت هذا المنزل الجديد بالرحل القديم، نزول السفر، بالبلد القفر، فهو معمور، إلا أنه بور. وما هو إلا أنه محيل قليل السكون والغموض، كثير البراغيث والبعوض، لفقد الستور، ويرضي البراغيث فقد السرير: الطول والعرض، والسماء والأرض، فقد كثر رهطه، وقلت نمارقه وبسطه؛ قراءتي في أكنافه: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى﴾ (طه: ٥٥) .

стр. 3048

وبلغه عن بعض الشعراء بمرسية أنه هجاه، فبعث إليه رجلاً كان يتصرف له يعرف بابن المقدم فصفعه، فاستعدى عليه ابن طاهر، فكتب إليه المرادي بأبيات منها قوله: تعرضني كلب بهجو مخذل ... كقيء السكارى أو هراء المبرسم فأنفذت من وقتي إليه سحائباً ... من الصفع يحدو وفدها ابن المقدم فحامت عليه كالجراد تساقطت ... من الجو في أنوار روض معمم وغنى دوي النعل في صحن رأسه ... " ألا عم صباحاً أيها الربع واسلم " وكان بالمرية مؤدب يسمى وليد بن عبد الوارث وينبز بالبقري كان يقول بقدم الحروف، فألف المرادي في ذلك رسالة راداً علي وقصيدة قال فيها: لا در در سخافة ... شنعاء جاء بها الوليد كفر تكاد له الجبا ... ل على ثقالتها تميد قل للرئيس الأحوص ... ني ورأيه أبداً سديد حمق المؤدب فادعى ... من بينهم ما لا يجيد مكنتموه من الكلا ... م وجهله أبداً يزيد وتركتموه مسرحاً ... أين السلاسل والقيود - أغلا الحديد بأرضكم ... أم ليس يمكنه الحديد

стр. 3049

وكانت بينه وبين الشيخ أبي محمد عبد العزيز التونسي مناقضة في مسائل من العلم، فسافر المرادي عن أغمات، وكتب عند رحلته إليه بهذه الأبيات: قل لعبد العزيز يكثر من بعد ... ي ما شاء منه قيلاً وقالا وتشجع ما غبت عنك فإنا ... قد ضربنا لك الأمثالا " وإذا ما حلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا " وساير المرادي يحيى بن بانو بسجلماسة. فاتفق أن سقط كاتب له كان يكنى بأبي الأصبغ عن دابته، وقام بأثر جرحٍ في وجههن ثم اتفق أن سقط إثر ذلك أيضاً المرادي وقام دون أثرٍ عليه، فقال أبو الأصبغ: وهذا الفقيه أيضاً سقط؛ فقال المرادي من جملة أبيات: فشتان بين وقوعي أنا ... وبين وقوع أبي الأصبغ فذاك سقوط يشج الوجوه ... وهذا سقوط كما ينبغي

стр. 3050

الأديب أبو الحسن البغدادي المعروف بالفكيك من جملة هذه الطائفة المذكورة، على الجزيرة، ومع بديهة كانت له قوية، توفي على الروية، استهدم عدة قصائد، لغير واحد، من أهل الشام والعراق، وغيرها من تلك الآفاق، وكان مع ذلك حلو الحوار، مليح التندير، يلهي ويضحك من حضر، ولا يضحك هو إذا ندر، وقيه يقول النحلي: لو بيع يوماً فكيك ... وبين فكيه دره ضربت من يشتريه ... بخريةٍ ألف مره وكان الفكيك قصيراً دميماً، ورأيته يوماً قد لبس طاقاً أحمر على بياض، وفي رأسه طرطوراً أخضر، وقد عمم عليه عمةً لازورديتن وهو ينشد بين يدي المعتمد شعراً قال فيه: وأنت سليمان في ملكه ... وبين يديك أنا الهدهد فأضحك من حضر.
следующие страницы →