Полный текст (3 281 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
وتعجبت للشيب، لا تتعجبي ... هذا غبار وقائع الأيام وقوله " حاسدوك رواته " كقول البحتري:
ليسايرنك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء وأخذه من قول حبيب:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغراً ... عدوك فاعلم أنني غير حامد وقال الحلواني من أخرى:
وإذا أردت ترى فضيلة صاحبٍ ... فانظر لبعين البحث من ندمانه
فالمرء مطوي على علاته ... طي الكتاب وصحبه عنوانه
وكذا دليل الجود في ابن محمد ... باد بصفح جبينه برهانه
وترى الليل فاعلات أمره ... حتى كأن صروفها أعوانه ومعنى البيت الأول من هذه كقول الآخر:
واعتبر الصاحب بالصاحب ... وقول الآخر:
стр. 2977
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد ومعنى البيت الأخير لفظ أبي الطيب:
وأراك دهرك ما تحاول في العدا ... [حتى] كأن صروفه أنصار وقال:
هل بعد [سن] الأربعين تصابي ... ذهب الشباب ولات حين شباب
هل ينفعنك بعد شيبك في الهوى ... توفير مكتسب وحسن ثياب -
هيهات ما فخر المهند في الوغى ... بحلي غمد فوقه وقراب وهذا كقول المعري:
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل وقال:
أنت الذي قسم الزمان لنفسه ... قسمين بين رياسة ومناب
أعطى لمرتبة العلاء نهاره ... منها وجنح الليل للمحراب
قامت على أس الفخار عمادها ... وتزينت بتأدب الحجاب
سهلت مداخلها لطالب حاجةٍ ... فكأنما بنيت بلا أبواب
стр. 2978
ووجدت بخطه، وقد مدح هذا الشيخ الكناني رجل من الأندلس بشعر اتهمه فيه وجرى في مجلسه بصقلية:
يا شاعر العصر قد كلفتني شططا ... فاصرف عنانك عنا، أو تأن خطا
حملتني ذنب غيري ظالماً وأنا ... قد كنت أقسط في إنصاف من قسطا
وما حسدتك في شعر أتيت به ... ومن يحاول لمساً للسهى سقطا
يا فارس الشعر إن كلت فوارسه ... يوماً وسابقها إن أعلمت مرطا
إن ابن دراجكم لو قام من جدث ... وصحت يوماً به من خلفه ضرطا
وليس يحسد طبعي أبجنيسكم ... فكيف أنت، لقد جشمتني شططا
فخذ " قفا نبك " وانسبها لنفسك ما ... في الخلق من كاشف بالبحث عنك غطا
ولا تظنن أن الشعر مكرمة ... فالحر إن رام أن يعلو به هبطا قلت أنا - صاحب الكتاب: - نشدتك بالله يا أبا الحسن إلا ما رفقت بأسيرتك! فإنهما شيخا العشيرة، ولسانا الجزيرة؛ فإن كان ولابد فالرمادي، فإنه كان أقل طيشاً، وأودع عيشاً. وأما ابن دراج فمنخوب القلب، مشترك اللب، يكفيك منه هول الإتهام والإنجاد، وبيع الشعر في سوق الكساد.
وقال من أخرى: [١٠٩]
стр. 2979
طرقتهم ببيض الهند ليلاً ... فعاد الليل عندهم نهارا
أطرت فؤادها في الجو ذعراً ... لبرق في يديك قد استطارا
بنيت الأرض فوقهم سماءً ... وقد أجريت من علق بحارا
فليس تراك ألحاظ الدراري ... وأنت حشوت أعينها غبارا ومعنى هذا البيت والذي قبله كقول التهامي:
فدحوا فويق الأرض أرضاً من دم ... ثم ابتنوا [دون] السماء سماءا وقال من أخرى في الوزير أبي بكر بن عبد العزيز ببلنسية:
أغالب فيك الشك أني حالم ... ومن لم يذق طعم الكرى كيف يحلم ومن المدح:
وقمت بها بين السماطين منشداً ... كما يتغنى الشارب المترنم
بمدح امرئ كل امرئ من عفاته ... يخير فيما عنده ويحكم
كأن الذي سواه قال لكفه ... عليك لهذا الخلق رزق مقسم
لقد علم المأمون أنك صارم ... بيمناه لا ينبو ولا يتثلم
يقولون لي إن الملوك كثيرة ... ورأيك أمضى في البلاد وأحزم
فقلت لهم ما كل بيضاء شحمة ... ولا كل مصقول الصفيحة مخذم
стр. 2980
وله من أخرى يستعطفه لأمر وقع، ولكلام عليه رفع:
أتسمع في مقال الوشاة ... وإن جئت بالعذر لا تسمع -
تقشع غيم بكفتي منك ... وصوح في ساحتي ممرع
فلولا اعتلاقي بحبل الرجاء ... لما حملت قلبي الأضلع
فإن كان قد مات حظي لديك ... وحاشاك بل أنت لي أرفع
فدعني أبيض بشيبي عليك ... فلبس المشيب له أفجع وقد كرر الحلواني هذا المعنى في شعر قد تقدم إنشاده.
وقال من أخرى:
نجم تولد من شمس ومن قمر ... وأين من أبويه الشمس والقمر -
شمس العفاف وبدر المجد بينهما ... تولد النور إلا أنه بشر وهذا كقول ابن عمار يهنئ المعتمد وقد ولد له مولودان:
أهنأ بنجليك من أنثى ومن ذكر ... لا تعدم الضوء بين الشمس والقمر وهو من قول ابن الرومي:
شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا وقد تقدم إنشاده.
стр. 2981
ومن قصيدة الحلواني:
لا أقتضيك مواعيداً بدأت بها ... كما تنفس من أكمامها الزهر
ولا ألومك في تأخير عاجلها ... من بعد علمي بما يجري به القدر
أما ترى الله وهو الله موعده ... مؤخر بنعيم الخلد منتظر - وقال:
وما كنت أدري قبل لؤلؤ ثغره ... بأن اللآلي من نبات المباسم ومنها:
منادية أنسابه حميرية ... متوجة بالمجد قبل العمائم
فما انبسطت إلا لجود أكفهم ... ولا انقبضت إلا لضبط القوائم
يجرون أطراف الرماح إلى الوغى ... كما جرت العقبان سود الأراقم ومعنى البيت منها كقول الآخر:
وما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تخلق لهن يدان
لتقليب هندي وإطاء نائل ... وتقبيل أفواه وقبض عنان وقال الحلواني:
يا نفس ويحك في التغرب ذلة ... فتجرعي كأسي أذى وهوان
وإذا نزلت بدار قوم دارهم ... فلهم عليك تعزز الأوطان
стр. 2982
فالشمس أشرف ما تكون بكبشها ... وسقوطها في كفه الميزان وصدر هذا البيت الأخير كقول الآخر:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا وهو برج اللهو والطرب - وزار بعض إخوانه فحجبه فخاطبه برقعةٍ يقول في فصل منها:
تصديت لقاء سيدي تصدي المحب الكئيب، للقاء رسول الحبيب، وطفت ببابه الكريم، طواف الحجيج بالبيت العظيم، فحال عثور الجد، عن مطالعة القمر السعد، ومنع سوء البخت، عن لقاء الكرم البحت، فحدست أن سيدي - وقته - ظفرت يداه بمن يهواه، فغاب مغيب القمر، تحت غمام الظفر، وتعاطيا بكأس الوصال، مدامي السرور والجريال، وضيق يضيق العناق، مجرى الوشاح والأطواق. هنأه الله ببلوغ أمانيه، وهنأنا فيه بما يرضيه، فحياتنا بسروره مرتبطة، ونفوسنا بما يشتهيه مغتبطة.
стр. 2983
فصل في ذكر الأديب أبي العرب الصقلي
وكان لسانا بهذا الأفق عن العرب أعرب، وكوكبا من المشرق غرب، ولم يقع إلي عند إكمال هذا الديوان، وإخراجه من الخبر [١١٠] إلى العيان، من شعره، إلا ما لا يكاد يعرب عن قدره. ومن أشهر خبر بلغني عنه أنه حضر يوما مجلس المعتمد وقد أدخل إليه جملة وافرة من دنانير الفضة، فأمر له بخريطتين منها. وبين يديه تصاوير عنبر من جملتها صورة جمل مرصع بنفيس الجوهر، فقال له أبو العرب على البديهة معرضا: ما يحمل هذه الدنانير - أيدك الله - إلا جمل، فتبسم المعتمد وأمر به، فقال أبو العرب على البديهة:
стр. 2984
أجد يتسني جملا جونا شفعت به ... حملا من الفضة البيضاء لو حملا
سماح جودك في أعطان مركمة ... لا قد يعرف من منع ولا عقلا
فاعجب لشاني فشاني كله عجب ... رفهتني فحملت الحمل والجملا فطارت يومئذ بهذا الخبر الركائب. وتهادته المشارق والمغارب، وذكرته شعراء الوقت، ورأيت في ذلك عدة قصائد لغير واحد، ولم أحفظ منها إلا قول بعضهم ممن وفد أيضاً على المعتمد، من جملة قصيدة استبردت بجملتها، قال فيها:
يا من بجود يديه يضرب المثل ... ومن مواهبه الأمصار والدول
بحد جودك في جنب اللها أبدا ... يا خاتم الجود جرح ليس يندمل
عند ابن حماد في ذال المكان على ... بعد المسافة والأخبار تنتقل
جرى حديث الصقلي المثاب على ... شعر فصار إليه الحمل والجمل ومن شعر أبي العرب في المعتمد قصيدة أولها:
لولا السرى في ذمام الصارم الذكر ... لم أطرق الحي في أمر على خطر
ما البارد العذب مورودا على ظمإ ... أشهى إلى الصب من وصل على حذر
قالت تجشمت في سبل الهوى غررا ... قلت المتيم مقدام على الغرر
стр. 2985
لا كالهيوب حماه الخوف بغيته ... تهيب الورد حتى عاد بالصدر
توق رقبة أعداء عيونهم ... أذكى من الزرق في الخطية السمر
قلت اليماني حليفي ما يفارقني ... [إني] بغير اليماني غير منتصر
رضيته دون إخوان الصفاء أخا ... ما غيرته صروف جمة الغير
لاح السنا فانبرت من ساعدي فرقا ... تجر ذيلا يعفي شاهد الأثر
صد كوحشية هم الأنيس بها ... إلا التفاتا بجيد الخائف الحذر
تكف بالفرع من لألاء غرتها ... كي لا تمد بياض الصبح بالقمر
حثوا المطي [ ... ] إن لها ... عقبى الإقالة من أين ومن ضمر
حتى تنيخ برب المجد من يمن ... في قبة الملك رب الشعر من مضر ومنها في ذكر جواز المعتمد البحر:
ما كان عندك هول البحر تركبه ... جودا بنفسك إلا جرية النهر وله من أخرى:
أحادينا هذا الربيع فخيم ... وأمنية المرتاد والمتوسم
وحط بنا عن ناجيات كأنها ... قسي رمت بنا البلاد بأسهم وقد قدمت من هذا المعنى جملة في ما مر من الكتاب، ومنه قول الطيني
стр. 2986
شاعر الحكم، مما أنشده ابن عبد الرؤوف:
قد نصبنا من الوجيف وأنضي ... نا قلاصا سياطهن الكلام
فكأن الركاب والركب للضم ... ر قسي من فوقهن سهام وفي هذه القصيدة يقول:
وقد يبلغ التأويب أقصاه والسرى ... فلا تشتكي عبئا ولا تتظلمي
وما طلبت إلا فناء محمد ... وهل دونه للركب من متلوم
جعلت إليه همتي وعزيمتي ... فناولتاه بعد حول مجرم
فقال لي الفال الصدوق مبشرا ... قدمت على التوفيق أيمن مقدم
وأقبلت باب الإذن فاستأذن الندى ... على ملك وافي الجلال معظم
فرفع عن ذاك البهاء حجابه ... وقيل استلم أندى بنان وسلم
فقبلت يمنى راحتيه كأنني ... أقبل ركن البيت سيرة محرم
نظرت إليه والمهابة دونه ... فقسمت لحظي بين بدر وضيغم
بلى ورأيت الشمس والبدر والعلا ... مجسمة في جوهر متجسم
فأغضيت عنه العين أول نظرة ... ومن ير عين الشمس لا يتوسم
كأن عياني كان غير حقيقة ... فلم ألقه إلا بعين التوهم
стр. 2987
وفي المعتمد أيضاً يقول من أخرى:
وقد أزار، وللزوار حكمهم ... عندي من البر والإيناس والأدب
وأفضل البر بر يقتضي طربا ... وأعوزتني أم اللهو والطرب
والدجن يبعث همي من مكامنه ... والشمس ما أخلفتها الريح لم تغب
والسحب للأرض بالسقيا مواصلة ... حتى ارتوت فاستكفت أبيض السحب
سح وهطل وجود صوب درهما ... فسح أنت بها واهطل وجد وصب
إني أعاطيك في الشكوى مفاكهة ... كما تعاطت أكف الشرب بالنخب
والنفس، ما انفردت بالجد، متعبة ... حتى تراوح بين الجد واللعب
برمت باثنين ضاق الصدر بينهما ... فقد المدامة واستيحاش مغترب
وكل ربع وإن حل الجميع به ... قفر إذا لم تكن فيه ابنة العنب
وقد حللت كناسا لا أروع به ... حور الظباء وإن أعرضن من كثب
كالليث عاد كسيرا لا افتراس به ... يطوي على زفرات نفس مكتئب وقال في الزهد:
أرى الدنيا الدنية لا تواتي ... فعالج في التصرف والطلاب
ولا يغررك منها حسن برد ... له علمان من ذهب الذهاب
فأوله رجاء من سراب ... وآخره رداء من تراب
стр. 2988
ولما نفذت الأقدار، بالقبض على ذي الوزارتين أبي بكر بن عمار، بشقورة، على الصورة حسب ما شرحته في أخباره، قال أبو العرب للمعتمد من جملة قصيد:
كأن بلاد الله كفك إن يسر ... بها هارب تجمع عليه الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا وهذا المعنى قد تداولته جماعة من الجاهليين والمخضرمين، والمحدثين والمولدين، وأرى أن أول من أثاره، ورفع مناره، النابغة حيث يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة ... تمد بها أيد إليك نوازع وأخذه أشجع السلمي فقال لإدريس بن عبد الله العلوي، وقد بعث إليه الرشيد من اغتاله بالمغرب:
أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخلافة أو يقيك حذار
إن السيوف إذا انتضاها عزمه ... طالت وتقصر دونها الأعمار
стр. 2989
هيهات إلا أن تكون ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار وقال البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو انهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ليجيرهم من حد بأسك مهرب وقال عبيد الله بن طاهر:
وإني وإن حدثت نفسي بأنني ... أفوتك إن الرأي مني لعازب
لأنك لي مثل المكان المحيط بي ... من الأرض أنى استنهضتني المذاهب وقال سعيد بن حميد:
يا باخلين علينا في حكومتهم ... والجور أقبح ما يؤتى ويرتكب
لسنا إلى غيركم منكم نفر إذا ... جرتم ولكن إليكم منكم الهرب وقال المتنبي:
فإنك كالدنيا إلي حبيبة ... فما منك لي إلا إليك ذهاب والذي هو أشبه وأقرب، بقول أبي العرب، ومنه أراه نقل، وعليه
стр. 2990
عول، قول الأول:
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل
تؤدي إليه أن كل ثنيةٍ ... تيممها ترمي إليه بقاتل واستقصاء المناسبة والملاحظة في كل معنى حبل ممدود، يحل لنا الشرط المعقود، من إيثار الاختصار، وقد مر منه في تضاعيف هذا التأليف جملة وافرة.
في ذكر الأديب الكاتب أبي عبد الله
محمد بن الصباغ الصقلي
أحد أدباء وقته المشاهير، وكلامه يعرب له عن أدبٍ كثير، وحفظ غزير، فصل له من رقعة خاطب بها الأديب أبا حفص القعيني الأندلسي يعزيه في هرة نفقت له، وجلس للعزاء عنها تماجناً، قال فيه:
[الحياة] لبني الدنيا مراحل، والمنايا لجميعهم مناهل، والأعمار كالأسفار، منها القريب الوصول، العاجل الحلول، ومنها البعيد الشقة، الشديد المشقة
стр. 2991
أنفاس معدودة، وآجال محدودة، وليس بناج من محتومها أحد، ولا لمخلوق منها ملتحد، وانتهى إليّ - سهل الله الصبر الجميل سبيلك، وأطفأ ببرد السلوان غليلك - نبأ جلل، وخطب معضل، وهو مصابك بشقيقه نفسك، وموضع راحتك وأنسك، وربيبة حجرك وحجرتك، وآلة حيطتك على حنطتك، وكالئة ذخائرك وقنيتك، واستحواذ فجيعتها على لبك، وما عالجتها به من ذرورٍ وحنوط، وإشفاقك من تعجيل إسلامها إلى التراب، وإبقائك إياها طويلاً في المحراب، وألبتك عليها لتدعون إلى [١١٢] جنازتها مأتماً يشققن عليها المدارع، ويفضن من الوجد بها غروب المدامع، ويعولن عليها بالضراخ والنياح، ويذرين لمصرعها شعورهن مع الرياح.
وفي فصل: ولست بناسٍ ذكر تلك الملح التي كتبت تصف من أخلاقها وآدابها، والمدح التي تورد في أعراقها وأنسابها، والغرائب التي تذكر عن قوتها وأيدها، وحيلها وكيدها، ومكرها بالفار وصيدها، ولعمري ما أفرطت في نعتها بل فرطت، وما صرحت بجميع محاسنها بل لوحت، فلقد كانت لبؤةً إلا أنها تدعى هرة، ونمرةً إلا أنها أكثر منها شرة، ذات نابٍ مطلول، وساعد مفتول، وخصر مجدول، ريانة الكاهل، ظمآنة الأسافل، تطير من قوائمها بأسرع من الجناح، وتستضيء من عينيها بأنوار من المصباح، وتعتد من مخالبها بأمضى من السلاح، وتسطو من
стр. 2992
جرأتها بمثل القدر المتاح، لينة الوبر كالسمور، سوداء الشعر كالديجور، مأمونة الجيب، بظهر الغيب، عظيمة النفس، لطيفة الحس، أمينة على اللحم الموضوع، ولو شفها فرط الجوع، وما خانت قط أمانة، ولا رضيت يوماً خيانة، فهي عوذة الدار، من الفار، وعهد الأمان، من الجرذان.
قال ابن بسام: وكانت للأديب القعيني هذا جارية سوداء كلف بها ثم باعها، وندم فحاول استرجاعها، فزعم المبتاع أنها حامل - وللقعيني في ذلك أشعار كثيرة - فكتب أبو عبد الله هذا رقعةً قال فيها: كشف الله عن قلبك أيها الأديب الحسيب زين الشهوة، ومحا من لبك شين الهفوة، فعلى رأيك يعتمد من اختلفت آراؤه، وبهديك يهتدي من أضل القصد، وبه يقتدي من عدم الرشد. ونقل إليّ بعض من يعرف أحوالك، ويشارف فعالك، خبراً يصم السمع، ويضيق الذرع، وذلك أنك نبذت من يدك كرتك المتكشفة، فتلقاها من أحمدت صولجانه، وأخرجت عن ملكك ضفدعتك المريعة، فتناولها من استحسنت غدرانه، وبلغك من إقبالها عليه، وانصرافها، بكليتها إليه، ما أضرم قلبك شوقاً لا تخبو ناره، وسلّ الوجد بها عضباً لا ينبو غراره، فأنشرت للناس من نفسك قيس الأخيلية، وأحييت لهم منك مجنون العامرية، وعضضت على بيعتها أناملك، وأنضمت في طلبها زواملك، وأطلت في وصف شوقك لها وأوجزت، وقصدت في ذكر الأسف عليها ورجزت، وجمعت لها من المحاسن ما
стр. 2993
افترق، وفتحت من البدائع فيها ما انغلق، وجعلتها نبض حياتك، وموضع شكاتك، وسعنة أوطارك، وجونة عطارك:
ففيها عنبر الهند ... وفيها مسك دارين
وفيها قضب نعمان ... وفيها كثب يبرين
وفيها قامت الحرب ... كما كانت بصفين فأصبحت والظنون بك مرجمة. والألسنة عنك مترجمة، والأقوال فيك كثيرة، والأيدي إليك مشيرة؛ ويا عجبا منك كيف لم تبصر بصيرتك هذا العوار وشهابها ثاقب. ولم تعف نفسك السامية هذه الأقذار وإباؤها واجب، شد ما ملكتك سورة الغرارة وأنت كهل أمين، وهفت بلبك هفوات الهوى وعندك عقيل رصين؛ أفي الحق أن أستفرغ قلبك فلا يخلو، وأنشدك فلا تسلو:
ندمت ندامة الكسعي لما ... تبطنها يباضعها سواكا
رأت ما سد كعثبها وأودى ... بغلمتها فلجت في جفاكا
فلا تذهب بلبك طائشات ... من الصبوات واسترجع نهاكا ما لك وللتمادي في غلوائك، والزيادة في برحائك، نهنه قلبك، وراجع لبك، واذكر خلقها وخلقها، وتأمل وجهها وعنقها، وانظر خدها وقدها، وهل شيء مما يستملح عندها؛ والله ما رأيت
стр. 2994
شخصها قط إلا تخيلت الشيطان، ولا مقلت مقلتها إلا ذكرت السرطان. وأية ضفدعة ماء تعشقت، وقرنبى بها تعلقت، لقد روي زند من خرجت من يديه، وتعس جد من صارت إليه.
وفي فصل منها: فهنيئا أبا حفص راحة بصرك من شخصها المقيت، وفراغ قلبك من الكبد بخلقها المميت، لو غسلتها بكل ماء في البحر، وطيبتها بكل عنبر في الشحر، وضمختها بملاب كل عطار، وفتت عليها من المسك ألق قنطار، ما ازدادت مع الطيب [١١٣] إلا دفرا، ومع الغسل إلا وضرا؛ وكأني بك قد أنشدت بين ابن الرومي في من لا يشبهها إلا في سواد الجلد، ولا يشركها إلا في النسبة إلى الجد، يقول:
أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق وقال الآخر:
مشبهات الشباب والمسك تفديهن ... نفسي من الردى والكروب كيف يهوى الفتى الأديب وصال البيض والبيض مشبهات المشيب ... هيهات! هنا يقال: ظن تخب، واقلب تصب، ما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء تمرة. فأمسك عنها فقد سلت عنك، وابرأ منها فقد برئت منك، واستصغرت آلتك، واعتاضت منك بزعمها أكبر
стр. 2995
أيرا وأكثر خيرا، ووصفت عنه من نشاط العدة، وإفراط العدة، وما شرحت به صدرا، وأوسعت عليه شكرا.
وفي فصل منها: وأما قولك: ما الذي أعجبها من دمامته، وقصر قامته، وعظم هامته، ووسخ عمامته، حتى شغفها حباً، وأصبح فؤادها به صبا، فنعم:
أعجبها من خلقه قمد ... عجارم ضخم القذال نهد
ململم الأقطار عبل جلد ... مثل ذراع البكر أو أشد ولو كنت ممن يربع بالنهار، ويشبع بالليل، كما حكت عنه، لما واجهتك بما لا تريد، وباعت صحبتك في من يزيد، فانقض غزل حبك لها أنكاثاً، وطلق علاقة قلبك بها ثلاثاً.
فراجعه القعيني برقعة طويلة انتصر فيها لنفسه هنالك، وأقام حججاً على صواب ذلك.
فأجابه الصقلي برقعة أخرى يقول في فصل منها: زعمت أنك شديد الغرام، بشقيقه الظلام، وأني أخطأت في عتبك على حبها، وظلمت في نهيك عن قربها، وجعلت أشعارك في النسيب بها حجة لتمييزك، وإنكار التأنيب عليها عذراً من تعجيزك، وطفقت تنشد رافعاً عقبرتك، مستصغراً كبيرتك:
стр. 2996
استودع الله مولى ملكته يدي ... ودعت إلا شجوني إذ أودعه
جسم من المسك أقصته النوى فمضى ... وفي ذؤابته عندي تضوعه
وبدر تم تقاضاه الأفول فيا ... ويلي طويلاً وعندي كان مطلعه
عدمته ذهباً لوناً وفائدة ... واذل من ليست الآداب ترفعه
يا قطعة من فؤادي جذها قدر ... حتام تجفوه عدواناً وتقطعه
أهوى الأصيل إليها من ملابسة ... ثوباً بهياً ولكن ليس تخلعه فجعلتها مسكاً فتيقاً، وذهباً عتيقاً، وقطعةً من فؤادك، ومضنةً لودادك، وسبباً لانقيادك، وألبستها من الأصيل ثوباً لا يخلع، ودرعاً لا ينزع، وزعمت أنك اخترعت في هذا النسيب معنى لم يسمع، فانتصرت لمذهبك، وحليت عاطل مركبك. وما أدري ما أقبل من شعريك، ولا مآخذ من قوليك، أهذا الأول الذي زعمت أنك قلته في عنفوان الصبابة، وإفراط الكآبة، أم حين جلى الله [عن] بصيرتك غيايتها، وكشف عنها عمايتها - حين قلت:
باسوء ما اخترتها في الحب ضفدعةً ... جحوظ عين وقداً مفرط القصر
إذا أردت نكاحاً وهي مجمرة ... عطراً أرت خلق إبراهيم من قذر
الحمد لله جلى في الغرام بها ... بصيرتي فرأى أقذارها بصري فمتى عادت الضفدعة غزالا، وصار هذا النقص كمالا -! وشد ما عميت
стр. 2997
بصيرتك بعد جلائها، وتسامحت سيادتك بعد إبائها، وظمئت إلى سؤر هذا الجازر، وهو من لبن حازر، أتراها بعد أن اختبرت عرده، وبلت زوجه وفرده، وذاقت صابه وشهده، ورأت كل ما يسرها عنده، تصبر على دقة مسبارك، وترضى ملة خشكارك، وهيهات ما سولت لك الأحلام، والله لو عادت إلى ملكك، ما ملت من فركك، ولا رجعت عن تركك، ولو جعلت السندي لها بسطاً، والثريا في أذنيها قرطا، وصيرت بني حام كلهم لها خولاً، وحشرت عليها كل شيء قبلا، ما كانت لتقبل عليك، ولا لتصرف وجه محبتها إليك.
وفي فصل: وأما ما ذكرت من خليدة التي ادعيت عشقها علي، ونسبت حبها إليّ، فقد أذكرتني الطعن وكنت ناسياً، قد كنت رأيتها في المعرض، وعندي من الارتياح إلى الملاح، ما عند الغصون لهيف الرياح، ومن الشغف في أمثالها إلى اللقيا، ما بالرياض إلى السقيا [١١٤] فرأيت لثامها قد حط عن بدر كمال، وإزارها قد غص بردف ريان، وسرحت طرفي منها في روضة حسن أريضة، وحديقة جمال أنيقة، وأعطيت مولاها فيها السول، وبلغته في ثمنها المأمول، وسألها بعض التجار، عن الدار وعن النجار، فترجمت عن منصبها، وأعربت عن نسبها، بغرائب ألفاظ، عزيز سماع مثلها بسوق عكاظ، مسخت القاف كافا، وردت الأوصاف " أوسافا "، قبحت بذلك الكلام حسنها، ورجمت الأسماع بلغة كأنها:
стр. 2998
برد تحدر من متون غمام ... فعاد مبرم حبي لها سحيلا، ولم تسو عندي لذلك فتيلا، وما عجبت كعجبي من وصفكها بقصر الخطا، وتشبيهكها بإبهام القطا، فإن كان نقدك في الشعر ومراميه، واقتضابك لغريب معانيه، بهذه القريحة الصافية، والبصيرة النافذة المتناهية، فقد فت الأولين والآخرين سبقاً، وبرزت على القدماء والمحدثين صدقاً. كيف جاز عليك هذا الغلط وأنت صيرفي الكلام، معنوي النظام، وغيرك بذلك التشبيه كان أليق، وهو به أ " لق، تلك بيضاء قصيرة بزعمك، وهذه سوداء دحداحة بزعمك:
قريبة الأقطار ملمومة ... مغموسة في خضرة جون
لا تخطئ البقة أوصافها ... في النتن والقامة واللون وأما ما عبته من زرقتها - وإن لم تكن كذلك، وكانت الشهلاء في نعتك - فأين أنت من قول القائل:
وأزرق العين فاتر الغنج ... زرقة عينيه آفة المهج
قالوا به زرقة فقلت لهم ... تم بها حسن وجهه البهج
ما زرقة العين مثل كحلتها ... كم بين ياقوتة إلى سبج وفي فصل منها: وهاهنا وقفت وأمسكت، لأن بعض الإخوان أحرقني بنار العتاب، وأخرجني بها عن طبقة الكتاب، وركب في ملامتي راسه، ومد بها إليّ أنفاسه، وأطنب في اللوم وأسهب، وصعد في
стр. 2999
العتب وصوب، يقول في فصل منها: " وقفت على ما أداك إليه ثرة الفضول، من إيرادك تلك الفصول، التي مسخت جواهرها خزفاً، ولآلئها صدفا، ورأيت تلك النصيحة، إليّ صارت فضيحة، والمحاسن التي عادت قبيحة، وألفاظ العذاب، التي آضت سياط عذاب، وتأدب من عاطيت، وجواب من كاتبت، فتأوهت وتفجعت، وحوقلت واسترجعت، وقلت: أما انتبه من سنة غفلته، وذكر بيتي حكمته، إذ يقول:
إذا ما هديت امرءاً مخطئاً ... أضل السبيل إلى قصده
ولم تلقه سامعاً قابلاً ... فحسن له المشي في ضده ولقد سررت بما أصابك، وابتهجت بما نابكن فعساك يوماً تعرف أخلاق الناس، وتزن أحلامهم بالقسطاس، وتنتقد أحوالهم وأفعالهم، وتختبر ضرائبهم وأشكالهم، فتميز الخبيث من الطيب، وتتجانف من بعد عن الدعابة في خطاب، أو إجابة بكتاب ".
هذه شكيمة كبحني بها هذا الصديق بعد أن جمحت ورمحت، وخطام به بعد أن أرقلت وأوجفت، ولولاه لعرضت أكثر من هذا المتاع، وكلت بأكبر من هذا الصاع.
стр. 3000
وله من رقعة إلى ابن الشامي صاحب الخمس، راغباً في أن يكلم له الأمير صمصام الدولة في أن يحرر له أرضاً كان اشتراها:
إذا الحاجات عي بها رجال ... وكان قضاؤها صعب المرام
وقلت حيلة الشفعاء فيها ... فحاول نجحها ببني الشآمي
دراري العلا حفت ببدرٍ ... منير في سماء المجد سام ويعلم - أدام الله تمكينه - مذهبي في التخفيف، وحمل مؤنة التكليف، إلا في ما تلجئ الضرورة إليه، ويحمل الاضطهاد عليه، وكنت من ترفيه النفس عن الامتهان، والقناعة بما تسمح به نفس الزمان، عن حالة يعلم - حرس الله مجده - تقلبي في أثنائها، ومقيلي في أفيائها، حتى عرض لي من سوء القضاء، ما أجار بالنار من الرمضاء، فسول لي الحرص الذي ما شمت له قط بارقاً، والطمع الذي ما ركبت له قط عاتقاً، النظر في إحداث بستان في خرائب أخربت مالي، وشغلتني عن كثير من أشغالي، وصرت منفقاً ما جمعت في الغربة والوطن، وكسبت في الإقامة والظعن، بين جدار فيها أهدمه، وغار أردمه، وأرض أرفع مرة وهادها، وأخفض تارةً نجادها، حتى استوت ساحاتها [١١٥] وتوطت، وغابت مغاراتها وتغطت، وانكشطت أسنمتها وانحطت، وفي بناء حائط أحدق بأقطار، وآمن به على ثماره، وفي حفر بئر ينقع ماؤها صداه، ويبل إذا حمي الهجير
стр. 3001
ثراه، ما لو أقررت به بين يدي القاضي أو شهد به علي لتوجه عليه فيما يلزمه من الفرض، ويحق عليه في الإبرام والنقض، أن يثبتني على رأي الفقهاء، في ديوان السفهاء، إذ لا يقدر على سقي دوحاته، ولا يتوصل إلى إحياء مواته، إلا بدولاب وجابية، يأخذان الماء أخذة رابية، وعند الوصول إلى هذه الفصول، والانتهاء إلى هذا المحصول، قرعت سن النادم، وانتبهت انتباه الحالم، وكنت كتاجر البلور، في ابتياع السنور، ومسرح الدجاج، في مخزن الزجاج: أحدث هذا في ماله من البوار، ما لا يحدثه عابث الفار، وجلب ذلك إلى بضاعته من الفساد، ما لا يحدثه وافد الكساد.
وفي فصل منها: ولا بد لغريق البحر أن يدرج فيخرج، وللتائه في القفر أن يضل فيهلك، أو يدل فيسلك، وقد علم قلة حاجات وليه إليه، وإيثاره التخفيف عليه؛ ومتى أعلم الأمير أن هذه الخرائب التي عانى وليه غراسها، لا يرتجى لها عمارة تعود بفائد، ولا ينتفع الديوان منها بدرهم واحد، وساكنوها منذ أعوام ما أدى واحد منهم خراجاً، ولا صنع لبيته باباً ولا رتاجاً، فهم بين قوم يأكلون الشجر قبل الثمر، ويرعون الأب قبل الحب، وما آمن مع ما أحدقت به من الأسوار، وخرجت في [النفقة] عن المقدار، أن يوجفوا إليه بالجوالق، وينقضوا فيها كالشوانق، كما يفعلون في بستان فلان، الذي أنفق فيه عمره وماله، وصرف إليه همه واهتباله، فهو في الشتاء من علوج الزبر والحفر، وأصحاب الغرس والبذر، فإذا بلغت ثمرته، ووجبت غلته، حام
стр. 3002
عليه بنو حام، ولم يمتنع منهم بحارس ولا حام، ﴿وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها﴾ (الكهف: ٤٢) . وناهيك [بدرة] ظفرت يدي بأختها، ومخشلبة غنيت عن ثقبها ونحتها، ومتى لم يلحظني مولاي بعين رعايته، ويمد إليّ [يد] عنايته، في ما رغبت وسألت، انقلبت بأمل عاطل، وعمل باطل.
في ذكر الأديب أبي محمد
عبد الجبار بن حمديس الصقلي
أحد من وفد أيضاً على المعتد، وهو من جملة من لقيته وشافهته، وأسمعني شعره، وهو شاعر ماهر يقرطس أغراض المعاني البديعةن ويعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرفيعة، ويتصرف في التشبيه ويغوص في بحر الكلام على در المعنى الغريب.
стр. 3003
فمن ذلك قصيدة أولها:
لم نؤت ليلتنا الغراء من قصر ... لولا وصال ذوات الدل والخفر يقول فيها:
إني امرؤ لا أرى خلع العذار على ... من لا يقوم عليه في الهوى عذري
فما فتنت بردفٍ غير مرتدفٍ ... ولا حننت لخصرٍ غير مختصر
ورب صفراء لم تترك بسورتها ... لصولة الهم من عينٍ ولا أثر
تزداد ضعفاً [قواها] كلما خلقت ... بها الليالي حدود الضعف والكبر
لا يعرف الشرب عيباً في مناقبها ... إلا دعاوي بين المسك والزهر
يصافح الراح من كاساتها شعل ... ترمي مخافة لمس الماء بالشرر
إذا النديم حساها خلت جريتها ... نجماً تصوب حتى غاب في قمر ومنها:
стр. 3004
بالله يا سمرات الحي هل هجعت ... في ظل أغصانك الغزلان عن سحري
وهل يراجع وكراً فيك مغترب ... عزت جناحيه أشراك من القدر
يفديك قلبي ولو أستطيع من ولهٍ ... طارت إليك بجسمي لمحة البصر ومن المدح:
الباسط الكف بالجدوى التي وكفت ... بالرزق ما بين منهل ومنهمر
والموسع الأرض إذ جارت أكابرها ... عدلاً يؤلف بين الشاء والنمر
كم آيةٍ لك في الإفضال معجزةٍ ... لها بوادر لا تبقى على البدر قوله: " نجماً تصوب حتى غاب في قمر " معنىً قد طوى ونشر، ومنه قول الحسين بن الضحاك:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك وأخذه أبو نواس فقال:
إذا عب فيها شارب القوم خلته ... يقبل في داجٍ من الليل كوكباً [١١٦] وقد أخذ بعض أهل عصرنا هذا المعنى، وهو الأديب أبو محمد بن صارة الشنتريني فقال:
стр. 3005
وافى بها صهباء من أوصافه ... دق الثنايا دون نيل مرامها
فرأت نديماً منهما شمس الضحى ... في الليل قابضةً على بهرامها وقال فيه أيضاً:
ورشاً خده حديقة وردٍ ... حميت من عذاره بحباب
خلته حين عب في الكاس بدراً ... عب من ذوب كوكب في عباب وقال الصقلي من أخرى:
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح وله من قصيدة:
قد طيب الآفاق طيب ثنائه ... حتى كأن الشمس تذكي المندلا وكرر هذا المعنى فقال:
وكأنما شمس الظهيرة ناره ... وكأنما شجر البسطية عوده وله يستنجز المعتمد بن عباد وقد لزم باب قصره عاماً كاملاً:
стр. 3006
أيا مولي الصنع الجميل إذا انتشى ... ويا مسدي النيل الجزيل إذا صخا
وفي كل أرضٍ من نداه حديقة ... تضوع مسكاً نورها وتفتحا
أأفرد بالحرمان من كل عاطلٍ ... تطوق من نعماك ثم توشحا
أتتني على بعد النوى منك دعوة ... أثارت بنات السير حولاً ولقحا
فجاءك من أهل البديع مصرف ... مهار القوافي في امتداحك قرحا
وكان عليه الخلق ليلاً يجوبه ... إليك فلما لاح وجهك أصبحا
رفعت بأظعاني إلى ما تحده ... علاك فوقع ممسكاً أو مسرحا ثم تصرفت الليالي والأيام، اللاعبة بالأنام، واقتضت بالمعتمد الحال، إلى الاعتقال، بسجن أغمات، وسمع الصقلي هذا شعر المعتمد الذي قد تقدم إنشاده حيث يقول فيه:
قضى الله في حمص الحمام وبعثرت ... هنالك عنا للنشور قبور
تراه عسيراً أم يسيراً نناله ... إلا كل ما شاء الإله يسير فأجابه الصقلي أبو محمد ببيات منها قوله:
أتيأس من يوم يناقض أمسه ... وشهب الدراري في البروج تدور
ولما رحلتم بالندى في أكفكم ... وقلقل رضوى منكم وثبير
стр. 3007
رفعت لساني بالقيامة قد دنت ... فهذي الجبال الراسيات تسير وله من قصيدة في القاضي ابن القاسم بسلا:
لكل محب نظرة تبعث الهوى ... ولي نظرة نحو القتول هي القتل
أترتد بالتكريه رسل نواظري ... ومن شيم الإنصاف أن تكرم الرسل ومنها:
ركبت نوىً جوابة الأرض لم يعش ... لراكبها عيس تخب ولا رحل
أسائل عن دار السماح وأهله ... ولا دار فيها للسماح ولا أهل
ولولا ذرى ابن القاسم الواهب الغنى ... لما حظ منها عند ذي كرم رحل
تخفض أقدار اللئام بلؤمهم ... وقدر عليّ من مكارمه يعلو
فتىً لم يفارق كفه عقد منةٍ ... ولا عرضه صون ولا ماله بذل
له نعم تخضر منها مواقع ... ولا سيما إن غير الأفق المحل
ورحب جناب حين ينزل للقرى ... وفصل خطابٍ حين يجمتع الحفل
ووجه جميل الوجه تحسب حره ... حساماً له من لحظ سائله صقل
مروعة أمواله بعطائه ... كأن جنوناً مسها منه أو خبل
وأي أمانٍ أو قرارٍ لخائف ... على رأسه من كف قاتله نصل
стр. 3008
ومنها:
لقد بهرت شهب الدراري منيرة ... مآثر منكم لا يكاثرها الرمل
ورثتم تراث المجد من كل سيدٍ ... على منكبيه من حقوق العلا ثقل
فمن قمرٍ يبقي على الأفق بعده ... هلالاً ومن ليثٍ خليفته شبل
واصبح منكم في سلا الجور أخرساً ... وقام خطيباً بالذي فيكم العدل
ملكت القوافي إذ توخيت مدحكم ... ويا رب أذوادٍ تملكها فحل وله من أخرى في تميم أمير المهدية ويتفجع على دخول الروم صقلية، أولها:
تدرعت صبري جنةً للنوائب ... فإن لم تسالم يا زمان فحارب يقول فيها:
بلاد جرى فوق البلادة ماؤها ... فأصبح منه ناهلاً كل شارب
فطمت بها عن كل كأسٍ ولذةٍ ... وأنفقت جل العمر في غير واجب
يبيت رئاس السيف في ثني ساعدي ... معاوضةً من جيد غيداء كاعب
يبيت رئاس السيف في ثني ساعدي ... معاوضةً من جيد غيداء كاعب
وما ضاجع الهندي غير مثلمٍ ... مضاربه يوم الوغى في الضرائب
إذا كان لي في السيف أنس ألفته ... فلا وحشة عندي لفقد الحبائب
وكنت وقدي في الصبا مثل قده ... عهدت إليه أن منه مكاسبي
стр. 3009
فإن كان لي في المشرفي مآرب ... فكم في عصا موسى له من مآرب
بعيشك أي الفجعتين استربتها ... خيانة دهري أم خيانة صاحبي [١١٧]
تغدى باخلاقي قديماً ولم تكن ... ضرائبه إلا خلاف ضرائبي
ويا رب نبت تعتريه مرارة ... وقد كان يسقى عذب ماء السحائب
جهلت فجربت الذي أنا عالم ... وقد تجهل الأشياء قبل التجارب ومنها:
وكم عزمات كالسيوف صوادقٍ ... تجردها أيدي الأماني الكواذب
فلي في سماء الشرق مطلع كوكبٍ ... جلا من ضلوعي بين زهر الكواكب
ألفت اغترابي عنه حتى تكاثرت ... له عقد الأيام في كف حاسب
متى تسمع الجوزاء في الجو منطقي ... تصخ من مقالي في ارتجال الغرائب
ليالي بالمهديتين كأنها اللآ ... لئ من دنياك فوق ترائب
إذا شئت أن أرمي الهلال بلحظةٍ ... لنمحت تميماً في سماء المناقب ومنها:
ولو أن أرضي حرة لا تبعتها ... بعزمٍ يقد السير ضربة لازب
стр. 3010
ولكن أرضي لا عدمت فكاكها ... من الأسر في أيدي العلوج الغواصب
لئن ظفرت تلك الكلاب بأكلها ... فبعد يكونٍ للعروق الضوارب
أحين تفاني أهلها طوع فتنةٍ ... يضرم فيها ناره كل حاطب
وأضحت بها أهواؤهم وكأنما ... مذاهبهم فيها اختلاف المذاهب
تخب بهم قب يطيل صهيلها ... بأرض أعيادهم نياح النوادب
مؤللة الآذان تحت [إلالهم] ... كما حرفت بالبري أقلام كاتب وله من أخرى أولها:
شفاؤك في نوىً تنضي الركابا ... ونجحك عن سرىً تطوي اليبابا
فلا تقنع من الدنيا بحظ ... إذا لم تحوه يدك اغتصابا
فشر ليوث [هذي الأرض] ليث ... يشارك في فريسته الذئابا
سأسري تحت نجمٍ من سناني ... إذا نجم من الأنصار غابا
وينجدني على الحدثان عضب ... يفلل قرعه النوب الصعابا
стр. 3011
يماني إذا استمطرت صوباً ... به من عارض المهجات صابا
كأن شعاع عين الشمس فيه ... وإن كان الفرند به ضبابا ومنها:
وكنا في مواطننا كراماً ... تعاف الضيم أنفسنا وتأبى
ونطلع في مطالعنا نجوماً ... تعد لكل شيطان شهابا
صبرنا للخطوب على ضروبٍ ... إذا رمي الوليد بهن شابا
ولم تسلم لنا إلا نفوس ... وأحساب تكرمننا اكتسابا
ولم تخل الكواكب من سقوطٍ ... ولكن لا يبلغها الترابا ومن أخرى:
بلى جر أذيال الصبا فتصابى ... وأوجف خيلاً في الهوى وركابا
قصرت زماني بالشمول مسنةً ... وبالروض كهلاً والفتاة كعابا يقول فيها:
وأقصر أيام الفتى يوم لذةٍ ... صفا ما صفا بالعيش منه فطابا
стр. 3012
ليالي لا ترمي وإن تصب ... بسهمك خوداً فالشباب أصابا
وعصبة لهو غادروا الهم جانباً ... فلم يألفوا إلا السرور جنابا
يديرونها راحاً كأن بكاسها ... إذا لبست درع الحباب حبابا
تنافر لمس الماء وهو يروضها ... تفرك كالبكر الفروق لعابا
فأحبب بذاك العيش عيشاً ذكرته ... وبالعصر عصراً والصحاب صحابا
وليلٍ تخوض النيرات ظلامه ... كأوجه غرقي يغترفن عبابا
سريت بمحبوكٍ من القب كلما ... دعا شأوه وحي العنان أجبا
من الحن فاسم الله إما وضعته ... مكان قطيع طار عنك وغابا
ترى ضحك الإصباح فوق جبينه ... وقيض من ليل المحاق إهابا
تخال الثريا رأسه وهو ملجم ... إذا الجري لم يلبس طلاه سخايا
يحرف بالتأليل أذناً كأنما ... برى قلماً منها يخط كتابا
سما الدر في أرساغه عن زبرجدٍ ... يغادر بالوطء الصخور ترابا
هو الطرف فاركب منه في ظهر طائر ... تنل كل ما أعيا عليك طلابا
إلى قمر تسري إليه كأنما ... عليه سماء الله تغلق بابا
كأني سرّ في حشا الليل داخل ... على حبة القلب المصون حجابا
فبت مروى من مجاجة بارد ... غزا ذكره قلب الغيور فذابا
كأن قطاف اللثم من ثغر روضه ... تكسب من طل الغمام رضابا
стр. 3013
ومنها:
ولم أر كالدنيا خؤوناً لصاحب ... ولا كمصابي بالشباب مصابا
فقدمت الصبا فابيض مسود لمتي ... كأن الصبا للشيب كان خضابا ومن أخرى:
أمتطتك همتك العزيمة فاركب ... لا تلقين عصاك دون المطلب
ما بال ذي النظر الصحيح تقلبت ... في عينه الدنيا ولم يتقلب
فاطو العجاج بكل يعملةٍ لها ... عوم السفينة في سراب السبسب
شرق لتجلو عن ضيائك ظلمة ... فالشمس يمرض نورها بالمغرب
والماء يأجن في القرارة راكداً ... فإذا علتك قذاته فتسرب
طال التغرب في بلاد خصصت ... بوخامة المرعى وطرق المشرب [١١٨]
فطويت أحشائي على الألم الذي ... لم يشفه إلا وجود المذهب
إن الخطوب طرقنني في جنةٍ ... أخرجنني منها خروج المذنب ومنها:
من سالم الضعفاء راموا حربه ... فالبس لكل الناس شكة محرب
كل لأشراك التحيل ناصب ... فاخلب بني دنياك إن لم تغلب
من كل مركوم الجهالة مبهمٍ ... فكأنما هو قطعة من غيهب
لا يكذب الإنسان رائد عقله ... فامرر تمج وكن عذوباً تشرب
стр. 3014
ولرب محتقر تركت جوابه ... والليث يأنف عن جواب الثعلب
لا تحسبني في الرجال بغاثةً ... إني لأقعص كل لقوة مرقب
إن يعله صدأ فكم من صفحةٍ ... مصقولةٍ للماء تحت الطحلب ومنها:
كم من قواف كالشوارد صرتها ... عن مثل جرجرة الفنيق المصعب
ودقائق بالفكر قد نظمتها ... ولو أنهن لآلئ لم تثقب
وصلت يدي بالطبع فهو عقيدها ... فقليل إيجازي كثير المسهب
نفث البديع بسحره في مقولي ... فنطقت بالجادي والمتذهب
لو أننا طير لقيل لخيرنا ... غرد وقيل لشرنا لا تنعب
وإذا اعتقدت العدل ثم زونتني ... رجحت حصاتي في القريض بكبكب
إني لأغمد من لساني منصلاً ... لو شئت صمم وهو دامي المضرب ومن أخرى:
تظن مزار البدر عنها يعزني ... إذا غاب لم يبعد على عين مبصر
وبين رحيلي والإياب لحاجها ... من الدهر ما يبلي رتيمة خنصر
стр. 3015
ولابد من حملي على النفس خطةً ... تعلق وردي في اغترابي بمصدري
وتطرحني بالعزم من غير فترة ... سفائن بيد في سفائن أبحر
وما هي إلا النفس تفنى حياتها ... مصرفةً في كل سعي مقدر
أغرك تلويح بجسمي وأنني ... لكالسيف تعلو متنه غين جوهر
وما هي إلا لفحة من هواجر ... تخلصت منها كالنضار المسجر
وأنكرت إلمام المشيب بلمتي ... وأي صباح في دجى غير مسفر
وما كان ذا حذر غراب شبيبتي ... فلم طار [عن] شخصي لشخص منفر
وأبقت صروف الدهر مني بقيةٍ ... مذكرة مثل الحسام المذكر
وما ضعضعتني للحوادث نكبة ... ولا لان في أيدي الحوادث عنصري ومنها:
وحمراء لم تسمح بها نفس بائع ... لسوم ولم تظفر بها يد مشتري
أقامت مع الأحقاب حتى كأنها ... خبيثة كسرى أو دفينة قيصر
فلم يبق منها غير جزء كأنه ... توهم معنى دق عن ذهن مفكر
إذا قهقه الإبريق للكاس خلته ... يرجع صوتاً من عقاب مصرصر
وطاف بها غمر الوشاح كأنما ... يقلب في أجفانه طرف جؤذر
قصرت بكل كل يوم لهوته ... ومهما يطب يوم من العيش يقصر
следующие страницы →