حبيب في حماسته، ويزعم دعبل أن هذا الشعر له (١) :
ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ولم يسل عن ليلى بمالٍ ولا أهل
تسلى بأخرى غيرها فإذا التي تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي
وكان (٢) ابن عرارة (٣) السعدي مع سلم بن زياد بخراسان، وكان له مكرماً، فتركه وصحب غيره فلم يحمد أمره، فرجع إليه وقال (٤) :
عتبت على سلمٍ فلما فقدته وجربت أقواماً بكيت على سلم
رجعت إليه بعد تجريب غيره فكان كبرءٍ بعد طول من السقم
وأنشد المبرد (٥) :
أخ لي عاداه الزمان فأصبحت مذممةً فيما لديه المطالب
متى ما تذوقه التجارب صاحباً من الناس تردده إليك التجارب
وأنشد أيضاً (٦) :
حياة أبي العباس (٦) زين لقومه لكل امرئٍ قاسى الأمور وجربا
ونعتب أحياناً عليه ولو مضى لكنا على الباقي من الناس أعتبا
стр. 3257
وقال مسلم بن الوليد (١) :
حياتك يا ابن سعدان بن يحيى حياة للمكارم والمعالي
جلبت لك الثناء فكان عفواً ونفس الشكر مطلقه العقال
ويرجعني إليك وإن تناءت (٢) دياري عنك تجربة الرجال
ويتطرف هذا المعنى أيضاً قول ابن الرقاع (٣) :
وإذا نظرت إلى أميري زادني كلفاً به نظري إلى الأمراء
ومنه قول الرضي (٤) :
ما ساعدتني الليالي بعد بينكم إلا ذكرت (٥) ليالينا بذي سلم
ولا استجد فؤادي في الزمان هوى إلا ذكرت هوى أيامنا القدم
ومن أخرى له عن الوزير الناصري (٦) إلى بعض القبائل: معلوم أن الله تعالى قد يأذن للنعم إذا خصت بالشكر أن تستدني البعيد القصي، وتستأنس النافر الوحشي، وإذا قرنت بالكفران يرحل منها القاطن، وتستوحش المعاطن؛ ووصل إليّ ما كان منكم من الانحراف عن الحضرة السامية والتظاهر بالخلاف عليها، فتحققت أن الشيطان قد أعمل فيكم كيده، واستنفذ في إضلالكم قوته ويده، وأوضع بكم في مراعي وبية، ودب إليكم من طريق خفية، فزين لكم غير الحسن، وأوطأكم الجانب الأخشن، ووسمكم في أحياء العرب بإخفار الذمم،
стр. 3258
وكفران النعم، وأقول ما يجب أن يفهم: ألم تصلوا إلى هذه البلاد فتعرفوا (١) بها العيش الوحشي، وتحلوا فيها محل الغريب اجنبي، وتعيشوا عيش الغرثان الخميص، وتخطفكم العرب تخطف الأجدل للقنيص، فجمعت الحضرة شتيتكم، ووصلت مبتوتكم، فليت شعري ما الذي سولته لكم أوهامكم، وحدثتكم به أحلامكم -! وإيم الله لئن انقلبتم على الجناب الناصري، وانحرفتم عن اللواء الحمداني، لتصبحن أكلة للعرب، يحطون أعلامكم، ويزلزلون أقدامكم، ويحمونكم ورود الماء المباح، ويمنعونكم حلاوة النعم المراح، فراجعوا حلومكم العازبة، وتجافوا عن ذنوبكم اللازبة، وارجعوا (٢) إلى من أمتد عليكم ظله والزمن هجير، وصفا لكم ورده والعيش كدير، فلو قد فارقتم جنابه الفسيح لتفرقتم في الأرض شيعاً، ونبت لكم مقراً ومضجعاً، وعثرتم عثرة لا يقال لها [لعا] ، وقد قلت ونصحت، وبينت وأوضحت، وسلكت مسلك الحدب الشفيق، وبقي أن يمنح الله حسن التوفيق.
ومن أخرى:
ما اعتمده سيدنا بالأمس مع عبده من الإكرام خارق للقضية العادلة (٣) ومحسوب في الأوضاع الحائلة، وذلك أن كان مما [لا] يرفع الصيت ويبعده، ويعلي الجد ويسعده، ويشجي الحاسد ويغصه، ويهيض جناح العدو / [١٨٧] ويقصه، فإن الرضى به [يعد] إفصاحاً بالفهم القليل (٤) ، ونكوباً عن محجة التحصيل، وما إخال سيدنا يرضى لعبده بالدخول في هذا الحيز، والخروج عن سمة المحقق المميز، وليس يحب - وإن اشتهر بالعلم شغفه، وزاد [على] ذوي الآداب حنوه وتعطفه - أن يشيم لهم حده، ويهضم علاه وجهده (٥) ، فإن استهام بحب المآثر
стр. 3259
والمساعي، وقويت منه في إكرام أوليائه الدواعي، وأنشد عند قراءة هذا الفصل:
لقد حكت الملام لغير داع (١)
ثم تجاوزت همته النهج البعيد، وقرع ذؤابة الطود المشيد، واستحسن قول الوليد (٢) :
ينزل أهل الآداب منزلة ال - أكفاء إن ناهزوه (٣) في أدبه
لم يزهه عنهم وهم سوق في العين وطء الملوك في عقبه
فعبده يسل أن يختصر عليه في الإكرام، ويقف به دون ذلك المقام، فاللمحة في البدر تضيء السبيل، والقطرة من الماء تبرد الغليل.
ومن أخرى:
معلوم أن الزمان قد عادانا بعجابه (٤) ، ونهشنا بأنيابه، وأدار علينا من صروف أحداثه كؤوساًن وجعل كل غريب لنا أنيساً، ولما خرج عن حكم العادة، وسلك في مولاي غير الجادة، وأودعه عوارف يضيق عنها باع الكتاب، وقذف إليه أقاصي خطوب الخطاب، علمنا أنه قد أصاب رشده، وأوجب حمده، وأطلع شمس النهار من مشرقها، ووضع تاج الرياسة على مفرقها.
ومن أخرى:
خلد الله أيام الحضرة الأفضلية (٥) ، ما فضلت الأسماء حروفاً، وتقدمت واو
стр. 3260
العطف معطوفاً، ولزمت الأفعال اشتقاقاً وتصريفاً:
يلفى عليها الحمد موقوفاً وفي عرصاتها شم الملوك وقوفا
وتعيد سطوتها سماء عداتها كسفاً وبدر سعودهم مكسوفا
ولج سمع العبد في هذه الساعة نبأ جمح عن أقماعه، وتصامم عن استماعه، تعاشياً عن صبحه المبين، وتغليباً للشك على اليقين، وخوفاً على المعز الشامخ أن يصحب شموسه، والمجد (الباذخ] أن تكور شموسه، والمحامد أن تنثر كواكبها، والمناقب أن تتزلزل مناكبها، ولما تلاه الخبر بما أصمت ناعقه، وكذب بارقه، ونطق بأن الجسم الشريف قد التفع شملة الإبلال، وعاد مزاجه إلى الاعتدال، أطال العبد في الترب تعفير خده، وبالغ في شكر الله وحمده، فيا لها نعمةً عدلت بها أحكام الزمان الجائرة، واهتدت ركائب الآمال الحائرة، وأصبح الملك المستنصري سائل الغرة، ضاحك الأسرة، [والحضرة] قد تمكنت في خطابها، وما نزعت برد شبابها، وامتدت بعد القلوص أفياؤها، وأضاءت في ظلمات الخطوب آناؤها:
والله أكرم أن [يعذب مهجةً] غذيت بأخلاط العلا أعضاؤها
فإذا طمت جسم الخطوب [عرامةً] [أربى على] فيض الحياء حباؤها
لو كان ينكر ملكها [رتب] العلا أحد لكان شهودها أعداؤها
ثابت بك الأيام عن جهلاتها وتوقرت من أهلها سفهاؤها
وبعدل حكمك زال عنا ظلمها وبنور مجدك أشرقت ظلماؤها
نار اعتزامك ما يبوخ ذكاؤها وسماء عزك ما تغيب ذكاؤها (١)
وعراض فضلك لم تضق أرجاؤها وعفاة جودك ما يخيب رجاؤها
فالحمد لله الذي منح الأمة من نعمةٍ أصبحت النوائب بها قد درجت أيامها،
стр. 3261
وهدت من المخاوف أعلامها (١) ، والبخل قد هدم بنيانه المرصوص، والكرم قد ريش جناحه المقصوص، ولم يبق له سحاب إلا وهو يغدق ويهمع، ولا منادى إلا وهو يلبي ويسمع (٢) :
يا ماجداً نصر الشريعة حيث لا بيض تشام ولا ذوابل تشرع
والنصب منصوب اللواء وشائع في أهله بغض الذي يتشيع
عمت عوارفه (٣) فما من موضعٍ إلا ونائله إليه موضع
سائل به ودم الفوارس سائل يسقاه ظمآن التراب فينقع
واليوم قد كتبت (٤) سنابك خيله نقعاً جبين الأفق منه مقنع
فهناك تلقى الصدر لا متضايق والروع لا نخب الضلوع مروع
والشمس تهوى أن تقبل كفه فتذاد بالسمر اللذان وتمنع
فاقنع بما ملكت يداك من العلا إن كنت بالشهب الثواقب تقنع
فأما حال العبد فعلى الحالة التي يؤمل من الحضرة العلية كشف ضبابها، وانتكاث أسبابها، وكأنه من العبودية يقتضي ألا يغبه مزن مكارمها، ولا تتجاوز عنه جفون مراحمها، فيصبح وقد حفت به الشدائد / [١٨٨] وضاقت عنه المصادر والموارد.
أتتركني يا دهر في البؤس مفرداً ومالك رقي مفرد فيك واحد
إذا همم الأقوام شابت وأظلمت فهماته بيض الوجوه خرائد
فيا قاضي الدين الذي قام حافظاً حماه واهن العزم (٥) قاعد
стр. 3262
ومن ساد أهل العصر طراً وألقيت له في عراص الفرقدين وسائد
أناديك في نادٍ يحف بي الردى وتنزل فيه النازلات الشدائد
تخاطبني فيه الخطوب فصيحة ويسهر عيني ضيق العين بارد
يطارحني صوتاً، سروري ناقص إذا هو غناني وهمي زائد
وللحضرة العالية الأفضلية، الري العالي في انتباش العبد من هذه الغماء، وكأن ما تهب له من العنايى زكاة عما ملأها الله من رزق الزمان، ومكنه لها من قواعد العز والسلطان، وتقرباً إليه جل اسمه إذا انشقت [السماء] فكانت وردةً كالدهان.
قوله: فهناك تلقى الصدر.. البيت، كقول المعتمد بن عباد (١) :
وردتم تضييق صدرٍ لم يضيق والسمر في ثغر الصدور (٢) تحطم
وقال المعتمد أيضاً في صفة [مجلس] ، من شعر قد تقدم إنشاده (٣) :
هذي المدام وهذا النقل من جسدي غن لنفسك أشعاري بألحاني
وله من أخرى:
أطال الله بقاء الحضرة السامية الصارمية (٤) ، ما عظم رجب في الإسلام، وولج الضياء في الظلام، ووشيت الطروس بأسنة الأقلام:
ترد العفاة شرائعاً من جودها نسخت بهن شرائع الإعدام
стр. 3263
وترى قلائد حمدها وثنائها منظومة بترائب الأيام
وإذا عصت نوب الزمان وخالفت وقفت لديك مواقف الخدام
إذ كانت أيام الحضرة العالية شاهدةً لها بجود يريش أجنحة الكرام المقصوصة (١) ، ويقوم بفرائض المجد المنصوصة، وحلمٍ تطلق القدرة عنانه، ويستعير الجنان رجحانه، ووفاءٍ يعلم الدهر حفظ العهود، وينقل طبعه إلى الخقل المحمود، ورأي يقطع والسيوف مغمدة، ويسري والعوذ العتاق مقيدة، وبشر يخجل ضوء الشارق، ويضيء في جبينها إضاءة البارق، وجودٍ (٢) تأمر مكارمه الزمان لينتصر بالصارم ذي الفضائل، لا الصارم ذي الحمائل، وينتجع الأنواء المظفرية، فيهتتنها لها بالشهر والسنة حفظاً للسنة المرتبة، لا اعتماداً على القضية المستوجبة، والله تعالى يديم أيامها الزاهرة، دوام نعمها المتظاهرة، فإن ذلك يرويه القريب والشاطن (٣) ، ويتمثل به المقيم والظاعن:
ومرت بك الأيام وهي كوافل بنيل الذي ترجوه منها ضوامن
فيا صارماً أثنت عليه عداته وأصدق من يثني العدو المباين
وفت بشروط الجود في المحل كفه ومزن السحاب الجود للأرض خائن
يضيف إلى إنعامه بشر وجهه كما جمع الحكمين في الحج قارن
ولولا الذي قدمت من حسناته لما وجدت للدهر فينا محاسن
فلا سره ما بين عينيه ظاهر ولا حقده ما بين جنبيه كامن
صفت لك من صفو السعود موارد وجادت عليك المعصرات الهواتن
تقسم طول الدهر أنمناً وخيفةً فمالك مرعوب [وعرضك آمن]
стр. 3264
وله من أخرى:
أطال الله بقاء الحضرة السامية معمورة بوفود السعادة ديارها، مش -[دودة إلى] قصدها أنساع العير وأكوارها، مفلولة عنها أنياب النوب وأظفارها، ولا زال من مد الظل ولو شاء جعله ساكناً (١) ، يمد عليها الظل ما سرى في الليل سفر، وطلع في السماء غفر (٢) ، وخرج عن أيدي الكرام وفر، وأنس بالركبان مهمه قفر:
يطوع لها العاصي من الخطب عزةً ويدخل قسراً تحت أحكامها الدهر
ولا زال يعلي في الخليقة أمرها على كل أمرٍ من له النهي والأمر
وفي فصل منها:
يا صارماً حاز الثناء بأنعم لا تنقضي أوقاتهن فتنقضي
لما انتضته يد الإمام حققت هذي البرية حسن رأي المنتضي
متواهن عن كل جرمٍ طرفه فإذا رأى أكرومة لم يغمض
علقت يداه بكل لدنٍ أسمر يوم اللقاء وكل عضبٍ أبيض
وتراه حين تضيق أثواب العلا متمايساً في السؤدد المتفضفض / [١٨٩]
يا عاشق العليا ومبغض ماله نفسي فداؤك من محب مبغض
لا تسألني عن زماني هل بدت لي منه صفحة مقبلٍ أو معرض
أنت الزمان فإن وجدتك ساخطاً يسخط علي وإن رضيت فقد رضي
كم قوضت يمناك عنا شدةً لولاك بعد الله لم تتقوض
ونهضت من ثقل المعالي بالذي لو سيم يذبل بعضه لم ينهض
[وبقيت تسهر] (٣) كل طرفٍ للعدا وتحل هضب سعادةٍ [لم تخفض]
стр. 3265
[وتقطف] (١) من إنعام الحضرتين ثماراً، وتعيد جدب (٢) الزمان ربيعاً، وتفيض على بني الآمال ربيعاً، فقد وفت لها حين خانت اليد بنانها، وسئمت الضلوع جنانها، وصدحت بالكلمة العلوية على المنبر، وسهام العدا تقع خلفاً وأماماً (٣) ، ورهج خيولهم يسحب على الموت غماماً، وكم لها من مقامٍ نتق قلوب العداة نتقاً، وجمع قطري الرسالة فتقاً ورتقاً، فلا قلص الله ظلها عن هذا الثغر الذي يكاد ترابه بكرمها يورق، ونبته (٤) بحسنها يشرق.
ومن أخرى له:
شهر الصيام [ذو] فضلٍ مشهور، ورتبته علت (٥) جميع الأيام والشهور، فما تنتهك للشرع فيه حرمات، ولا تسمع للأوتار نغمات، ولا تنطق باللغو أفواه، ولا ترشف رضاب الكؤوس شفاه، وإذا اعتبرت أوقات الحضرة المنصورة، وجد أكثرها على هذه الصفة المذكورة، إلا أن الشهر اختصه الله بشرف القضية، وفرض صيامه على جميع البرية، فلا زال على الحضرة العالية عائداً، ولها للأعمال الصالحة شاهداً، تطلع في لياليه الحسنات شموساً، وتجمع بين الشفق والفلق تسبيحاً وتقديساً، خاطرة (٦) في جلابيب عز يعتلق الدهر بأسبابه، وكرمٍ يغرق البحر في عبابه، ومجدٍ تعشو النيرات إلى أنواره، وتعتصم الملوك الخائفة بجواره، وتترب بمكارمها الأيدي التربة، وتثبت بسعدها بروجهم المتقلبة، ويجدون ترابها في أفواههم عسلاً، وفي أجفانهم كحلاً، ويرون وظائف النوب عنهم ترفع، وآنف الحوادث تجدع:
стр. 3266
قد ود هذا النهر أن هلاله أضحى على غرر الشهور [يرفع]
ألبسته تقوى وألبس حلةً من سرمدٍ وكلاهما لا ينزع
وبرزت في جيشٍ تغص به الفلا وترى ذكاء بنفعه تتقنع
لجبٍ شكت كف البسيطة ثقله حتى لكادت تحته تتصدع
لابد تعرف بالعراق (١) جياده ونسيم ذكرك فوقها يتضوع
وعلى مطاها دارعون سيوفهم تدع السراب كأنما هو أيدع (٢)
وتقيم شرع بني النبي بأرضه والبيض ترعف والذوابل تشرع
لم ترض معروف العوارف نفسه فتراه يغرب في السماح ويبدع
وإذا تمنى المال يودع كفه خابت أمانيه وبات يوزع (٣)
تركت سيوفك كل خالع طاعةٍ وفؤاده من خوف بأسك يخلع
ومن أخرى:
لقد أسعد الرحمن من بات ثانياً إليك عناني رغبةٍ وثناء
إذا ما الحيا جاراك في حلبة الندى رمى فوق فوديه قناع حياء
وما يتساوى قط بحر وجدول ولا كل أعضاء الفتى بسواء
إذا لم تحط نظماً ونثراً بمدحه فما حيلة الكتاب والشعراء
فككت إساري منعماً وتركتني لآلائك الحسنى من الإسراء
والذي جعل الأرض بساطاً يبسط قدرها في الآفاق، ويجعل أيامها ينابيع الأرزاق، حتى لا ينطق بسوى شكرها لسان، ولا يرى لغيرها على أحدٍ إحسان.
стр. 3267
وفي فصل من أخرى:
وحضر فلان، وعليه من نعمته آثار قد حلت عطله، وسدت خلله، وظهر في زي يكبت كل عذولٍ وشامت، وينطق بالمنة عنه وهو صامت، وقد سير من ذلك ما سير غوراً ونجداً، ونظم في ترائب الأيام منها عقداً، ولا زالت مننه لذوي الآداب قاطرة، وعراصه بلطائم الثناء عاطرة، يتغاير النثر والنظم على مدائحه، وتفيض على العافين غروب مواهبه ومنائحه. ولما اعتزم العودة إلى ذلك الظل المديد، والعيش الرغيد، زودته هذه الرقعة مستدعياً له الزيادة من كرم العادة، والحظوظ السنية المستفادة.
ومن أخرى:
أنبئت - أطال الله بقاء مولاي - بشيءٍ أنا فيه مكذب ومصدق، ومدافع ومحقق، واحتجت بحكم ذلك إلى مطالعته، وعلم كنه حالته (١) ،
فالخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
عرفت أن هذا الراقص البغدادي قد رفض مودته خلفا، وسلك به من الخلافة (٢) عسفا، فوصله وهجر ديوانه، وأرضاه وأسخط خلانه، واستبذل فيه مصوناً من قدره، واستذل عزيزاً من تأتيه وبره، وصار يهب النفس بلمسةٍ [من] إهابه، وجميع سقي النيل برشفةٍ من رضابه، وينشد إذا تراكضت خيول اللهو واللعب، وغلظ عليه قول الملاحي المؤنب:
غزال تمتعت في قربه ونازعني الكاس حتى غلب
إذا ما تنفس في نومه تنفس عن مثل ما قدر شرب
стр. 3268
فيا ليل ليتك لا تنقضي وما صبح ليتك لا تقترب
فوجدت والله من إشناعة هذه الحال ما يجده الخائف غابة واقيه، والسليم عدم طبيبه وراقيه، خوفاً على جاه مولاي أن يميل، ويشنع فيه القال والفيل، فيصل إليّ من المصاب بذلك ما يعشي الناظر، ويخذل الناصر، لا سيما والنسب حظه من الشرف الخطير، وقسطه من الإعظام والتوقير، والصغير يعد به كثيراً، والحصاة تحسب معه ثبيراً، ولو كان مولاي مد على هذه السقطة سجفاً، وشرب ذلك العقار مزجاً لا صرفاً، لجاز أن تخفى القصة، وتنساغ قليلاً (١) هذه الغصة، فالعقل نعم الرقيب، والليل نهار الأديب، ويجب أن يتحقق مولاي أني ما أطلقت هذه اللفظة إلا وقد حصر الكتمان، والتقت حلقتا البطان، وسمعت ما يصم الآذان.
وله من أخرى (٢) :
ما زال يختار الزمان ملوكه حتى أصاب المصطفى المتخيرا
قل للألى ساسوا الورى وتقدموا قدماً هلموا شاهدوا (٣) المتأخرا
تجدوه أوسع في السياسة منكم صدراً وأحمد في العواقب مصدرا
إن كان رأياً شاوروه أحنفاً أو كان بأساً (٤) نازلوه عنترا
قد صام والحسنات ملء كتابه وعلى مثال صيامه قد أفطرا
ولقد تخوفك العدو بجهده لو كان يقدر أن يرد مقدرا
стр. 3269
إن أنت لم تعث إليه ضمراً جرداً بعثت إليه كيداً مضمرا
تسري وما حملت رجال أبيضا فيه ولا ادرعت (١) كماة أسمرا
خطروا إليك فخاطروا بنفوسهم وأمرت سيفك فيهم أن يخطرا
عجبوا لحلمك أن (٢) تحول سطوةً وزلال خلقك كيف عاد مكدرا
لا تعجبوا من رقةٍ وقساوةٍ فانار تقدح من قضيب أخضرا
فلذاك عدك حين يعرض عارض وسطى البنان وعد غيرك ختصرا
لو رام قسطنطينة لا جلقاً (٣) بك لم يدع في أرضها متنصرا
ولقد قضت أي الكتاب لكل من نصر الشريعة أن يعان وينصرا
فلا برحت الحضرة - حرس الله أيامها - تفتر (٤) عن مباسمها الحسان، وتفتخر بمناقبها قبائل غسان، فلو شاهد أهل جفنة (٥) جفانها، وأهل جبلة بن الأيهم ضرابها وطعانها، لعلموا (٦) أن الله أتاح السماحة والبسالة ملكاً منهم يحفظ ما ضيعه الناس من عهود، ويسرح ما ذخروه من نقودها، فما يزيد المدح مناقبه ضياء، ولا مراتبه اعتلاء، وإنما هو في ذلك كالمسك يطيب بنفسه (٧) طبعاً، ويزيد المحارض (٨) تضوعاً ونشراً، وإن أطال العبد في نشر فضائلها مقوده، واستخدم في ذلك لسانه ويده، فإنما هو كمن يوقد في الشمس ذبالاً، ويهدي إلى الفرات نطافاً أوشالاً، والذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، يجعل أمداد (٩) النعيم على
стр. 3270
الحضرة مغدقةً، ووفود المواهب بساحاتها محدقة، ويمتع الدنيا بمحاسنها التي يتطامن لها ذو الأبصار، وتتأرجح تأرج القطر في جميع الأقطار.
وله من أخرى:
فولجت منزلاً قد استعار من قلب العاشق حراً ورهجاً، ومن أخلاق مالكه ضيقاً وحرجاً (١) ، كأنما زفرت فيه النار، ونقط على جدارنه (٢) بالقار، فجلست طويلاً إلى أن حضر الإخوان، وقدم الخوان، فرأيت أرغفة قد أحكمت في الصغر والألطاف، ولم تتعوذ قط من الأضياف، وقد مرت عليها أيام، وعنيت بقول ابن بسام (٣) :
أتانا بخبزٍ له يابسٍ كمثل الدراهم في خلقته
إذا ما تنفست عند الخوان تطاير في البيت من خفته
وثلاثة صحافٍ، واسعة الأكناف، بعيدة الأوساط من الأطراف، قد جعل في قرارة كل منها ما [لا يدفع السغب، ولا تجده / [١٩١] اليد إلا بالتعب، فجلنا جولةً وعينيه تطرف علينا شمالاً ويميناً، وتتفقد منا حركةً وسكوناً، وقمنا ولم نقارب الكفاف، وقد ظن بنا الإسراف، فحضرنا مجلس المعاقرة فأديرت علينا قهوة قد خصت باللون الكدر، وكثرت بالماء الخضر (٤) ،
كالمهل تغلي في البطون أو أنها يوماً تعد لكافرٍ لم تحرم
فحسونا أولاً وثانياً، وكرعنا منها حميماً آنياً، وقلنا لعل ما يحضر من الملهيات يصلح فاسدها، وينفق كاسدها، ولم يكن بأسرع من أن افتتحت قينة يحرم لها السماع، وتستلذ الصمم الأسماع:
стр. 3271
تكدر صفو الراح في شدوها وتنفر الأنقار (١) من ضربها
لم تكن العلجة مطبوعة بل كان مطبوعاً على قلبها
فسمعنا ولأمر الله سلمنا: فحين جر الظلام علينا الذيل (٢) ، وغشى النهار الليل، زفت إلينا خريدة رأسها مقطوع، ووسطها مشعوب مرقوع (٣) ، قد حفظت عن عادٍ عهده، واستعارت من يأجوج قده، تبص كعيون الجنادب، وتضيء في الظلماء كنار الحباحب، فقوضنا خياماً، وسكرنا هماً لا مداماً؛ فالحمد لله الذي صد مولاي عن هذا المقام ومنعه، وحمى عما حضرناه مستمعه.
وله من أخرى إلى نفيس الدولة يستدعيه:
أنا - أدام الله تمكن مولاي - كالماء تتفرق أجزاؤه فيلتئم، وكعرق الفصاد تمزقه المباضع (٤) فيلتحم، وذلك أنه - أدام الله عزه - ارتد عن شريعة الوداد، ودان دين المحافظة بالإلحاد، واستعمل [من] الجفوة ما ينفر الطرف عن هجوعه، ويوحش الصدر من صحبة ضلوعه، فقسوت عليه أياماً، وأوسعته (٥) في النفس ملاماً، ووجدت طعم السلوة طيباً، والصبر من الصبر عنه ضرباً، وتشخصت لي أخلاقه مرة المقاطف، خربة المكاسر والمعاطف:
وإذا أفاق الجحد واندمل الهوى رأت القلوب ولم تر الأحداق
فما هو [إلا] أن اجتمعت به اليوم في المجلس المعمور حتى هبت علي رياح صفاته فطبت تلك الكلوم، وجددت تلك الرسوم، وأرتني المخفر من عهوده مخفوراً،
стр. 3272
والمحصى من ذنوبه منسياً مغفوراً، فاستحال السلو شوقاً مبرحاً، والناضر (١) من المعتبة هشيماً مصوحاً:
وما زال داعي الشوق حتى أجبته بمطروفةٍ تدمى لواهي الأنامل
وصدرت هذه الرقعة وأنا أود كلفاً، لو كنت فيها ألفاً، تفاؤلاً بعودة رياح الألفة، وتسكيناً للقلب من نزوات الرجفة:
من الوفاء وفاء لا يغيره مر الزمان بإعراض وإقبال
وعندي الآن ذاك الصديق الذي يخطف العقول ويذهبها، ويغير على الألباب وينتهبها، ويحطم الرماح كرانه، ويؤمن في مضمار المسرة خوانه، وليس والله تتصور لي الأقداح، وتلثم مراشف الراح، إلا ومولاي يحاسبني كؤوسها ويجهز إليّ خميسها؛ وأسأله أن تكون قراءة هذه الرقعة وقد ركب سمت الطريق، وقابل الأمر بالتحقيق.
وله من أخرى، وقد قبض على الوزير وقت الظهر، وافرج عنه في العشاء الآخرة:
من كرم الله وجزيل إسعافه، وجميل صنعه وألطافه، أن جعل سيدنا كالنجوم تغيب ثم يرتفع في غدٍ سمتها، أو كملكة الشطرنج يقال: قد فاضت ثم تعيش لوقتها؛ وقضي لحضرته بأن تزل الخطوب عنها زليل التراب عن متن الصفا، وتتحاملها النوائب [في هبطوها] وطلوعها، منذ خطرت الشمس في الحلل الجلنارية، إلى أن صارت في [الثياب] السوسية، ونزل سيدنا إلى داره بالسعد المصحب، وفي
стр. 3273
الموكب المتلاغظ اللجب، وترك الوزارة تدعو (١) من زانها وجملها، لمن رقع هلهلها وسملها (٢) ، وإن أكتابت لبعده، وعبقت أعطافها بلطائف مجده:
يضوع ثراها بالندى فتخالها رياضاً وكانت قبل وهي صوائح
صفا جوها بعد الكدور بعدله وطابت حشاياها الظماء القوامح (٣)
فالحمد لله على ما منّ من سرعة الإقالة، وانقضاب تلك الحبالة، وتفضل به من حسن الرعاية والكفالة، ولا زالت مواهبه - جلت آلاؤه - تقع عند سيدنا من وراء الاقتراح، وتسخر له أعطاف الغدو والرواح.
وفي فصل من أخرى (٤) :
وصلت رقعة مولاي والصبح قد سل على الآافق مقضبه، وأزال بأنوار الغزالة غيهبه، فكانت بشهادة [الله] (٥) / [١٥٢] صبح الآداب ونهارها، وثمار البلاغة وأزهارها، قد توشحت بضروبٍ من الفضل تعطيه (٦) قاصية المدى، وتجريه (٧) في مضمار الأدب مفرداً:
فكأن روض الحزن تنشره الصبا ما ظلت من قرطاسها أتصفح
فأما ما تضمنته من وصفي فقد صارت حضرته [السامية] (٨) تتسمح في الشهادة بذلك مع مناقشتها في هذه الطريقة، وأنها لا توقع ألفاظها إلا في مواضع الحقيقة،
стр. 3274
فإن كنت قد بهرجت عليها فلتراجع (١) في نقدها (٢) ، تجدني لا أستحق من ذلك الإسهاب فصلاً، ولا أعد لكلمة واحدةٍ منكم أهلاً؛ والله ينهضني لشكر هذا الإنعام الذي يقف عليه (٣) الثناء ويضلع، ويحصر دونه البليغ (٤) المصقع:
هيهات: تعيي الشمس كل مرامقٍ ويعوق دون مناله العيوق
وفي فصل (٥) :
وأما الفصل الذي ذكر أنه ألفاه في رسائل الكتاب وهو (٦) : " وأما فلان فيحل في قومه محل العميد، ويفرح بالضيوف فرح حنيفة بابن الوليد، قدوره عمارية، وعطسات جواريه أسدية، تراهن أبداً يمسين في حلل الشباب، ويهوين لو خلق الرجال خلق الضباب، يتضوعن عن النشر العبقسي، ويرتضعن مراضع ثعالة المجاشعي ". [وما أمرت حضرته السامية من ذكر ما فيه عندي، فقد تأملته طويلاً، وعثر الخادم فيه بما أنا ذاكره، راغباً في الرضى بما بلغت إليه المقدورة وتجليل ذلك بسجوف الصفح] (٧) .
قوله: " فرح حنيفة بابن الوليد " اشار إلى ما قتل خالد بن الوليد المخزومي من بني حنيفة؛ وقوله: " قدوره عمارية " اشار إلى قول الفرزدق (٨) :
стр. 3275
أو أن قدراً بكت من [طول ما] حبست على الحفوف (١) بكت قدر ابن عمار (٢)
ما مسها دسم مذ فض معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار
وقوله: " عطسات جواريه أسدية " فأراد قول الأول في هجاء بني أسد:
إذا أسدية عطست فنكها فإن عطاسها طرف الوداق (٣)
وقوله: " يهوين لو خلق الرجال خلق الضباب " فذكر الجاحظ أن للضب أيرين وللضبة جرين (٤) ، وأنشد قول النميري (٥) :
تفرقتم لا زلتم قرن واحدٍ تفرق أير الضب والأصل واحد
وأنشد قول القائلة (٦) :
وددت بأنه لا زلتم ضب وأني ضبيبة كديةٍ وجدت خلا
وأما قوله: " يتضوعن عن النشر العبقسي " فإن من أمثال العرب: هو أخسر صفقةً من شيخ مهوٍ (٧) بطن من عبد القيس، وكان من خبره أن إياداً كانت أفسى العرب، فوفد وافدهم إلى الموسم بسوق عكاظ، ومعه حلةً نفيسة
стр. 3276
فقال: يا معشر العرب إني قد بعت فساء إيادٍ لوافد عبد القيس بحلتي هذه؛ وافترقا راضيين، وقد شهد عليهما أهل الموسم، فصارت عبد القيس أفسى العرب، وقيل لابن مناذر (١) : كيف الطريق إلى عبد القيس - قال: شم ومر.
فإن عبد القيس من لؤمها تفسو فساءً ريحه يعبق
من كان لا يدري لها منزلاً فقل له يمشي ويستنشق
وأما مراضع ثعالة فيقال: هو أعطش من ثعالة (٢) ، رجلٍ من بني مجاشع، كان ضل الطريق هو وابن عم له، فعطشا، فالتقم كل واحدٍ منهما أير صاحبه يشرب بوله، فلم يغنيا عنهما شيئاً وماتا عطشاً، فوجدا على تلك الحال؛ ولذلك قال جرير يعير بني دارم (٣) :
رضعتم ثم بال على لحاكم ثعالة حين لم تجدوا شرابا
وقيل: ثعالة: الثعلب، في تفسير هذا الخبر عن ابن حبيب، وخالفه ابن الأعرابي وحكى ما ذكرناه، وأنشد أيضاً قول جرير (٤) :
ما كان ينكر في غزي (٥) مجاشعٍ أكل الخزير ولا ارتضاع الفيشل
وله من أخرى يعزى بموت ولد فخر الدولة غريقاً (٦) :
стр. 3277
غير بدعٍ من الزمان - أطال الله [حضرة] (١) سيدنا - أن تنكث حباله، وتصرد نباله، وتراش في قصد الكرام سهامه [وترهف نصاله] وتفهق بالغدر فجاجه، ويمزج (٢) بالسم أجاجه، ويثار في النفوس عجاجه (٣) ، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب (٤) غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت ضرائبه (٥) ، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، فقل ما يراع روع بما جناه، وتجذل نفس / [١٩٣] بما منحه وأقناه، فإذا اصطلم [يوماً] أنف المجد [و] جدع، [وفطر قلوب المكارم وصدع] ، وخرج عن العادة المألوفة فابتدع، فهناك يحسن أن تطلق بذمه الألسن، ويجب أن يلقى بجيش اللوم اللجب.
ولما طرق الفادح بمن لا أسميه تفادياً (٦) من تحقيق الخبر بمصرعه، وصوناً له من مورد الحمام ومشرعه، رأيت (٧) المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقدٍ متناثر، والقمر قد سئم هالته، والصبح قد خلع (٨) الليل عليه غلالته، وشاهدت الكتابة مقصورة المدود، والبلاغة مخموشة، الخدود (٩) والأدب قد اسودت سحنته، واشتدت على الزمن (١٠) وامتدت إحنته، إذ طرق بما يتجاوز القدر، ويوحش الأضالع من صحبة الصدر.
стр. 3278
شمس العلا غربت بحيث ترى أبداً غروب الشمس والبدر
من بره بك أن يخط له جنن بقرب عطائك الغمر (١)
وكأنما هو درة دفنت في جنب ما ولدت من البحر (٢)
وتنزهت عن أن يصافحها سمك (٣) الصفيح وظلمة القبر
فتعالى الله كيف استرد ذلك البدر قبل تمامه، وذبل ذلك الزهر في كمامه (٤) ، قبل أن تشرف بموكبه الأعلام، وتروى من بنائه الأقلام، ويعبق دست الوزارة يفضح (٥) العقود الدرية، وتعسعس معه الليالي البدرية.
وقبل يرى من جوده ما رأيته ويسمع فيه ما سمعت من العذل
هذا والله هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها (٦) ، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النفوس حمل الأوزار، وتأنف العيون (٧) من لقائه بالدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دأبها، وتخضب بالنجيع [أهدابها، إلا] أنه نزل بالحضرة (٨) ممن شدت بالتقوى (٩) مريرته، وتساوت في طاعة الله علانيته وسريرته، فالجزع لا يصبح مالكه، والخطوب لا تخطب تهالكه، والنازل يطيف منه بالعود البازل، الذي يتحقق أن الدنيا نسيمها شرار، وطعمها مرار، والمقيم فيها موجف، والرائد منبت معجف.
стр. 3279
وذكرت بهذا الفصل ما أنشدته لبعض أهل عصري يصف غلاماً وسيماً [عام فانحسر منه العزم ونجا] (١) بعد أن أشرف على الموت من جملة أبيات:
شجاني المقام الصعب لما شهدته وقد ضاقت الأنفاس والنفس تذهب
وقد بهتت فيه اللواحظ إذ رنت إلى درةٍ تطفو [أواناً] وترسب
كأن خليج الماء كان مجرةً وأنت بها شمس تلوح وتغرب
كسيت إصفرار الروض عند ذبوله ولكن على الحالين مرآك أعجب (٢)
عدا الماء من ماء الصبا فيك غيرة وما خلت أن الماء للماء يغضب
ستبقى بهذا النهر للناس عبرة مؤرخة في الكتب تتلى وتكتب
وتبنى على شاطي نجاتك كعبة يحج لها بالحب من يتقرب
وله من أخرى:
لدي (٣) - أطال الله بقاء مولاي الشيخ - نفس ترى النعم مع المهانة نقماً، وتجد طعم العيش مع عدم الإنصاف علقماً، ولو سمتها خروجاً عن هذا الأسلوب، ونزولاً عن ذلك الظهر المركوب، لرأت الخروج من الصدر أخف عليها محملاً، وأعذب لديها منهلاً:
لكل امرئٍ من دهره ما تعودا (٤)
وهذا بث اقتضاه كثرة تعجب مولاي من انقاطعي عن الحضرة التي بأنوار مجدها توضحت، وفي بحبوحة عزها درت وسرحت، وما أطلق من الألفاظ التي لو حاسب لسانه عليها لأنف من ذكرها، واستغفر من إثمها ووزرها، وقبيح بمثله ممن
стр. 3280
أعطاه السؤدد مقادته، وركب متن الشرف وجادته، أن يأكل لحم أخيه حياً، ويرى غيبة خلطانه طعاماً مرياً، ولو عرف أصل ذلك وفرعه، وناجت به الحقيقة لسانه وسمعه، فكيف أن يزري وهو لا يدري، ويتكلم وهو لا يعلم، ويستحسن قواريض من القريض تترك شمل المحامد مفرقاً، وأديم الأعراض ممزقاً، ولقد كنت مزمعاً على فراق العادة، واتباع قول ابن ميادة (١) : / [١٩٤]
وحكت لهم مما أقول قصائداً تخب بها صهب المعارى وجونها
ورأيت أن أنبه مولاي على ما أنكرته: أن يكون بين أمرين: إما أن يسأل عن السبب الموجب لبعدي عن تلك الحضرة، أو يمسك عن الخوض في ما لا تحيط به الخبرة، فلعله إذا علم الحقيقة مهد المعذرة، وبرد لفحات اللوم المستعرة، وتبين (٢) أني ما ثنيت عناني عن هذا المورد إلا وقد ترنقت مشارعه، ولا زويت وجهي عن ذلك المنتجع إلا وقد ذوت مراتعه؛ وبعد ذلك فبين أضلعي ولاء تشتبك أواصره والأنساب منقصمة، ويشرق صباحه وأسرة الشمس مظلمة، إذا حفت به الحفائظ رق نسيمه، وتساوى في الإخلاص حديثه وقديمه:
فغن أنصف فإن يداً تولت كسوري تهتدي لمكان جبري
وإن أحرم قضاء العدل أرجع إلى كنفين من هجرٍ وصبر
стр. 3281
انتهى
القسم الرابع من كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبكماله كمل جميع الديوان، والحمد لله على ذلك كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وسلم تسليما، وذلك ضحوة يوم الأحد السابع من شهر ربيع الثاني سنة ست وعشرين ومائة وألف عرفنا الله خيرها، ووقانا بمنه سوء كل ضير.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
والحمد لله رب العالمين