← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

السحاءة لفظاً موجزاً / [١٧٤] ومعنى محرزاً، فإذا وردت على أبي علي فأعلمه أن المحب إذا كتم رحم، وإذا نشر [فضح] فلا يعد بعد هذا إلى إفشاء سري، فإن نم بحبي انتهيت عن زيارته والإلمام به، وعوضته من لذته بفيض الدموع، وطول الخضوع، حتى لا يجزع كأساً إلا مشوباً، ولا يزر (١) ثوباً إلا خضلاً بعبرة مقلته، وأنا أقسم بحاجته إليّ، وإدمانه علي، ألا أخلي صدره من زفرة، ولا ضلوعه من جمرة، ولا جفونه من عبرة، فجئت أبا علي، فدفعت إليه السحاءة وقرأها، وأخبرته كلامه، فشهق شهقة توهمت أن ضلوعه تقضقضت، وقال لي: أبهذا القسم أقسم - قلت: نعم، قال لي: أتريد أن أنظم لك منثور ما جئتني به حتى تتوهم أنه كلامه - قلت: بحياتك إلا ما فعلت، فقال (٢) : لم باح باسمي بعد ما كتم الهوى زمناً وكان صيانتي أولى به فلأ [منعن] جفونه طيب الكرب ولأمزجن دموعه بشرابه وحياتة حاجته إليّ وفقره لأواصلن عذابه بعذابه قال أبو عبد الله: ثم استنشدته من شعره فيه فأنشدني عدة مقطوعات، منها قوله (٣) : وفاتر الألحاظ في دجنةٍ كأنها في الحسن ورد الرياض قلت له يا ظبي خذ مهجتي داو بها تلك الجفون المراض فجاوبت من خده خجلة كيف ترى الحمرة فوق البياض وقوله (٤) : إن كنت تنكر ما منك ابتليت به وأن برء سقامي عز مطلبه

стр. 3222

أشر بعودٍ من الكبريت نحو فمي وانظر إلى زفراتي كيف تلهبه وقوله: تمنيت تقبيلاً عليه فجاد لي فقبلته ثنتين في الخد والخد فقلت له جد لي بثغرك إنني [أقول] بتفضيل الأقاح على الورد ومن جيد قوله (١) : سقى الله ارض القيروان وصبرةٍ ففيها ثوى شخص علي عزيز ترى أنني في القرب ممن أحبه على بعد ما بين الديار أفوز وإن كان إدراك المحبين بغيةً على مذهب الأيام ليس تجوز وقال فيه: مدمج الخصر والحشا يتثنى إذا مشى هو بدر بوجهه وبأجفانه رشا ما عليه إذا الضنا شاع في الصب أو فشا جار قاضي صبابتي وهو لا يقبل الرشا وقال فيه (٢) : ومهفهف يحميه عن نظر الورى غيران سكنى الملك تحت قبابه أومى إليّ أن ائتني فأتيته والفجر يرمق من خلال نقابه فلثمت خداً منه ضرم لوعتي وجعلت أطفي حرها برضابه وضمته للصدر حتى استوهبت مني ثيابي بعض طيب ثيابه فكأن (٣) قلبي من وراء ضلوعه طرباً يخبر قلبه عما به

стр. 3223

وينظر في هذا المعني قول ابن المعتز (١) : يا رب إخوانٍ صحبتهم لا يدفعون لسلوةٍ قلبا لو تستطيع قلوبهم نفذت أجسامهم فتعانقت حبا وقال ابن الرومي (٢) : أعانقه والنفس بعد مشوقة إليه وهل بعد العناق تداني وألثم فاه كي تموت حرارتي فيشتد ما ألقى من الهيمان كأن الذي بي ليس يشفي غليله سوى أن يرى الروحان يمتزجان قال أبو عبد الله: وناولته يوماً تفاحةً فقال (٣) : وتفاحة من كف ظبيٍ أخذتها جناها من الغصن الذي مثل قده لها لمس ردفيه وطيب نسيمه وطعم ثناياه وحمرة خده قال أبو عبد الله، وأخبرني أبو علي قال: وعدني يوم عيدٍ بالكون عندي، فصليت وارتقبت مجيئه، فإذا بالسماء قد أرعدت وأبرقت فكتبت إليه والغيث منهمل (٤) : تجهم العيد وانهلت مدامعه وكنت أعهد منه البشر والضحكا كأنما جاء يطوي الأرض من بعدٍ شوقاً إليك فلما لم يجدك بكى قال أبو عبد الله، قال أبو علي (٥) : كنت [أوصي] غلاماً وضيئاً كان يختلف إليّ وأحذره من كثرة التخليط، فخرج يوماً في جماعة من أصحابه فأوقع به، فأخبرت بذلك فقلت:

стр. 3224

يا سوء ما جاءت به الحال إن كان ما قالوا كما قالوا ما أحذق الناس بصوغ الخنا صيغ من الخاتم خلخال / [١٧٥] وهذا المعنى: القول فيه طويل، وقول ابن المعتز يناسبه في المعنى لا في اللفظ، وهو قوله (١) : مضى مالك والمال تسعون درهماً فآب ورأس المال ثلث الدراهم وقال أبو محمد بن صارة الشنتريني: من كل نيك حتى صار من سعةٍ كما تحل يد من عقدٍ تسعينا قال أبو علي: وكنت أميل إلى قينة من قيان القيروان اسمها ليلى، فعلقها بعض خدام (٢) الحصون، وكان يحسب خدمتها وكنسها منزلةً لا تثلم جاه متوليها، فنهيته عنها فلم ينته، فقلت فيه (٣) : ظن أن الحصون ملك سليما - ن وليلى بجهله بلقيسا وله في العصا مآرب أخرى حاش لله أن تكون لموسى وهذا كقول إدريس من جملة أبيات: فقال ومن هذا الذي جاء طارقاً فقلت أنا موسى وهذي هي العصا ما أخرجته من سائر مقطوعاته في أوصاف شتى قال (٤) :

стр. 3225

يا رب لا أقوى على دفع الأذى وبك استغثت (١) على الضعيف الموذي ما لي بعثت علي ألف بعوضةٍ وبعثت واحدةً على النمرود وله في بعض قضاة القيروان: أقولها لو بلغت، ما عسى والطبل لا يضرب تحت الكسا قاضيك إن لك تخصه عاجلاً فامنعه أن يحكم بين النسا وقال: يا سالكاً بين الأسنة والظبا إني أشم عليك رائحة الدم يا ليت شعري من رقاك بعوذة حتى وطئت بها فراش الأرقم أزحمت آساد الشرى في غيلها وأمنت جهلاً من وثوب الضيغم وأنشدت له: قبلت فاها على خوف مخالسةً كقابس النار لم يشعر من الخجل ماذا على رصدي بالنار لو غفلوا عني فقبلتها عشراً على مهل غضي جفونك عني وانظري أمماً فإنما افتضح العشاق في المقل وقال (٢) : يا من يتيه بعارض - يه يريد بالعشاق شراً ما كنت تصلح في الجدي - د فكيف تصلح بالمطرى وهذا كقول أبي بكر الخالدي (٣) : ما كان ينفعه لدي شبابه فعلام يجهد نفسه بخضابه

стр. 3226

وقال ابن رشيق: حجت إلى وجهك أبصارنا طائعة يا كعبة الحسن تمسح خالاً منك في وجنةٍ كالحجر الأسود في الركن ولكشاجم في مثله (١) : فلم يزل خده ركناً أطوف به والخال في خده يغني عن الحجر وأنشدت له (٢) : إن زرته يوماً على خلوةٍ أو زارني في موضع خال كنت له رفعاً على الابتدا وكان لي نصباً على الحال وهذا كقول ابن الميكالي (٣) : أفدي الغزال الذي في النحو كلمني مجادلاً (٤) فاجتنيت الشهد من شفته وأورد الحجج المقبول شاهدها مناظرا (٥) ليريني فضل معرفته ثم اتفقنا على رأي رضيت به والرفع من صفتي والخفض (٦) من صفته وقال ابن رشيق، وهو من أملح ما له (٧) : أومى بتسليمة اختلاس والناس في حومة الوداع أحلى وإن لم تكن سماعاً من نغم الزمر والسماع وافتر عن مبسمٍ شنيبٍ تختمه دارة الرباع

стр. 3227

وقد نوت مقلتاه نوماً وددت لو كان في ذراعي فكان لي موقف افتراقٍ وللهوى موقف اجتماع وقال (١) : همت عذاراه بتقبيله فاستل من عينيه سيفين وذلك المحمر من خده دماء ما بين الفريقين وقال (٢) : غنني يا أعز ذا الخلق عندي " حي تجداً ومن بأكناف نجد " واسقني ما يصير ذو البخل منها حاتماً والجبان عمرو بن معدي في أوان الشباب عاجلني الشي - ب فهذا من أول الدن دردي وقال (٣) : اشترى خنجراً لقت - لي وما ذاك يجمل فسلوه فإن عن مثل ذا الشان يسأل كيف يمشي بنجرٍ من بعينيه يقتل وقال (٤) : شكوت بالحب إلى ظالمي فقال [لي] مستهزئاً ما هو قلت غرام ثابت قال لي اقرأ عليه " قل هو الله " وقال (٥) : / [١٧٦] معتدل القامة والقد مورد الوجنة والخد

стр. 3228

لو وضع الورد على خده ما عرف الورد من الورد قل للذي يعجب من حسنه اقرأ عليه سورة الحمد وقال: ولقد قطعت الليل في دعةٍ من غير تأثيم ولا ذنب بأعز من بصري على بصري وأحب من قلبي إلى قلبي وقال: تلفت فما أفرق ب - ين قيراط ودينار ذهاب الزيت في القندي - ل بين الماء والنار وقال (١) : ومن حسنات الدهر عندي ليلة من العمر لم تترك لأيامنا ذنبا خلونا بها ننفي القذى من عيوننا بلؤلؤةٍ مملوءةٍ ذهباً سكبا وملنا لتقبيل الخدود ولثمها كمثل جياع الطير تلتقط الحبا وقال (٢) : يا من يمر ولا تمر به القلوب من الحرق بغمامة من خده أو خده منها سرق وكأنه وكأنها قمر أحاط به شفق فإذا بدا وإذا مشى وإذا رنا وإذا نطق شغل الجوانح والجوا - رح والخواطر والحدق وقال من قصيدة (٣) : حسبي وحسبك من لومٍ وتثريب بان الذي كان يغريني ويغري بي

стр. 3229

أما الشباب فقد ودعت لذته إلا أباطيل أحلام وتشبيب عرفت حال الليالي في تصرفها وشافهتني أفواه التجاريب وذلل الدهر صعبي فاستكنت له وطال ما كنت من تلك المصاعيب قرعت سني على ما فاتني ندماً من الشباب ومن باللهو للشيب فقد رددت كؤوس اللهو مترعة على السقاة وكانت جل مشروبي وربما أذكرتني صبوة سلفت ورق الحمام إذا غنت بتطريب أنزه السمع والعينين في نغم ومنظرٍ غاية بالحسن والطيب من كل لافظةٍ بالدر باسمةٍ عنه محلاةٍ نوعس منه مثقوب أيام تصحبني الغزلان آنسة هذا على أنني أعدى من الذيب وقال (١) : اختر لنفسك من تعا - دي كاختيارك من تصادق إن العدو أخو الصدي - ق وإن تخالفت الطرائق وأخبرني بعض وزراء إشبيلية قال: جهز عباد بعض التجار إلى صقيلية وكان ابن رشيق كثيراً ما يسمع بذكر عباد فيرتاح إلى جنابه، ارتياح الكبير إلى شبابه، فلما سمع بمقدم ذلك التاجر لزم داره، وجعل يتردد إليه ويغشاه، ويقترح عليه لقاء عباد ويتمناه، والتاجر يعده ويمنيه، ويقرب له ذلك ويدنيه، حتى إذا أسمحت الرياح، وأمكن في ميدان البحر المراح، ذهب التاجر لطيته، وخلى بين ابن رشيق وأمنيته، وأخبر التاجر عباداً بذلك، كأنه يتبجح له بما هنالك، فبالغ عباد في نكاله، وأمر باستصفاء أكثر ماله؛ ثم رام ابن رشيق بعد ذلك ركوب البحر فخشن له مسه، ولم تساعده على ركوبه نفسه، فقال (٢) :

стр. 3230

البحر صعب المذاق مر لا جعلت حاجتي إليه أليس ماءً ونحن طين فما عسى صبرنا عليه ولأبي [علي] قصيدته المشهورة التي أولها: من قضب نعمان أم من كتب يبرين الله في دم عشاق مساكين يقول فيها: عيناك أمكنت الشيطان من خلدي إن العيون لأعوان الشياطين كم ليلة بت مطوياً على حرقٍ أشكو إلى النجم حتى كاد يشكوني وكلما انصدعت من لوعةٍ كبدي ناديت يا رب باديس بن ميمون يا ما اميلحه ظبياً فتنت به -. (١) ووجنتين هما تفاحتا قبلي فاترك سواي وتفاح البساتين كأن لمس بناني حين يلمسه يستخرج الورد من طاقات نسرين فتور عينيك ينهاني ويأمرني وورد خديك يغري بي ويغريني أما لئن بعت ديني واشتريت به دنيا لقد بعت فيك الدين بالدون سبحان من خلق الأشياء قاطبة تراه صور ذاك الجسم من طين ومنها: يا أهل صبرة والأحباب عندكم إن كان عندكم صبر فواسوني إني أدين بدين الحب ويحكم والله قد قال لا إكراه في الدين مولاي [لا] تشمت الأعداء بي وإذا نسيت قولي فاذكر قول هارون حاسب هواك بما أنفقت من عمري والله لو كان عمري كنز قارون لو كنت أملك نفسي يا معذبها قربتها لك في بعض القرابين وكتب إلى المعز بن باديس وقد ولدت له ابنة / [١٧٧] معز الهدى لا زال عزك دائباً وزينت الدنيا لنا بحياتكا

стр. 3231

أتتني أنثى يعلم الله أنني سررت بها إذ أمها من هباتكا وقد كنت أرجو أنها ذو بلاغةٍ يقوم مقامي في بدعي صفاتكا وما نحن إلا نبت جودك كلنا وكل نبات الأرض من بركاتكا وقال (١) : سلمني حب سليمانكم إلى هوى أيسره القتل لما بدا جند ملاحاته قال الورى ما قالت النمل قوموا ادخلوا مسكنكم قبل أن تحطمكم أجفانه النجل وهو القائل في غلام عذر يعرف بابن الكناف: لام العذار بخده تحنكي أصابع جده قد خطها في حائط خوف الخطا من عده ذكر الخبر عن خراب القيروان والإلمام بشيء من أخبار آل زيري الغالبيت عليها - كانوا - وقتهم مع ما يذكر بها، ويتعلق بسببها قال ابن بسام: قد قدمت [أني] أمليت هذا الكتاب بخاطرٍ قد خمدت جمرته، وتبلدت قريحته، وعلى حال] من تصرف الزمان، وإلحاح الحدثان، يتسبب تسبب الهجران، ويتلون تلون الذعر في عين الجبان. وللموت خير من حياةٍ كأنها معرس يعسوب برأس سنان (٢) مع أني لم آخذ هذا الخبر عن سند، ولا استعنت فيه بكتاب لأحد، إنما اختلسته من ذكرة أجريها، أو أحدوثةٍ إنما لذتي بين أن اكتبها وأمليها، والحديث

стр. 3232

طويل، والمحصل قليل، وإنما ألمع هاهنا بشيء من أخبار مملكة آل زيري الصنهاجيين: كيف هبت رياحها، وأشرق صباحها، ثم نشرح بعض الأسباب التي خصت آثارها، وأحصت ليلها ونهارها: لما تغلب آل عبيد الله الناجمين بأفريقية على مصر، فخلص له صميمها، وأهاب له ملكها ونعيمها، وأراد معد بن إسماعيل بن عبيد الله، المتلقب من الألقاب السلطانية بالمعز لدين الله، اقتعاد صهوتها، وإثبات قدمه على ذروتها، دعا زيري بن مناد، وهو يومئذ من صنهاجة بمكان السنام من الغارب، وبمنزلة الوجدان من نفس الطالب، وكان له عشرةً من الولد: آساد شرى، وأقمار سرى، فقال له: ادع لي بنيك، فقد علمت رأيي فيهم وفيك، وكان أصغرهم سناً، وأهونهم عليه شأناً، بلقين بن زيري، فدعا ولده ما عداه، والقدر لا يريد سواه، وكانت من المعز - زعموا - إثارة من علم الحدثان قد عرف بها مصاير أحواله، وأهل الغناء من أعيان رجاله، وكانت عنده لخليفته على أفريقية إذا صار إليه ملك مصر علامة يأنس بها أنس الكبير بذكر شبابه، ويعرفها عرفان العاشق لديار أحبابه، فنظر في وجوه بني زيري فأنكرها، حين تفقد تلك العلامة فلم يرها، فقال لزيري: هل غادرت من بنيك أحداً، فلست أرى لمن هاهنا منهم أيداً ولا يدا، فقال له: إلا غلام، فقال المعز: لا أراك حتى أراه، فلست أريد سواه، فلما رآه عرفه، وفوض إليه من حينه واستخلفه، فاستولى من وقته على الأمور، وزاحمت مهابته الأهواء في الصدور، وبعدت أسفاره واشتهرت أيامه، واشتمل على صرف الأيام والليالي نقضه وإبرامه، بلغ بغزواته سبتةً - في خبر طويل ليس من شطر ما ألفت، ولا في معنى ما صنفت - ثم أجاب صوت مناديه، وخلعها على أعطاف بنيه، حتى انتهت منهم إلى المعز بن باديس، منزف العشيرة، وآخر ملوكها المشهورة، فأول ما افتتح به شانه، وثبت به - زعم - سلطانه، قتل الرافضة ومراسلة أمير المؤمنين ببغداد

стр. 3233

فبعث إليه بعهده، وجاءت الخلعة واللقب من عنده، رأياً اغتر بباديه، وذهل عن عواقبه وبواديه، واتصلت بالعبيدي وأمره يومئذٍ يدور على الجرجرائي، فاضطغنها عليه، وفوق سهام مكروهه إليه؛ وكانت بطون من عامر بن صعصعة: زغبة وعدي والأثبج ورياح وغيرهم من ألفاف عامر، تنزل الصعيد، لا يسمح لها بالرحيل، ولا يخلى بينها وبين إجازة النيل، فأراهم الجرجرائي لحينه ضجة السوق، وأفرج عن لقم الطريق، وأذن لهم في المعز، أمنية طالما تحلبت / [١٧٨] إليها أطماعهم، وعكفت عليها أبصارهم وأسماعهم، فغشاه منهم سيل العرم، ورماه بذؤلول ابنة الرقم، وتهاون المعز بهم أولاً فشغلهم بخدمته، وحملهم أعباء نعمته، وهم في خلال ذلك يتمرسون بجهاته، ويدبون إلى أنصاره وحماته، ويطلون على مقاتله وعوراته، حتىت بان لهم شانه، وهان عليهم سلطانه، فجاهروه بالعداوة، وأرادوه على الإتاوة، وجرت بينهم أثناء ذلك حروب، لم يحمدها غالب ولا مغلوب، ولا أمنها بريء ولا مريب، أضربت عن خبرها لطوله، ولأنه لم يبلغني عن من أثق بتحصيله، كان من أفراها لأديمه، وألصقها بصميمه، وقعة حيدران سنة أربع وأربعين، فإنها أوهنت بطشه، وثلت عرشه، وأرته البوار، وضربت عليه الحصار، وأحاط الأعراب بالقيروان يطؤون حريمها، ويستعرضون راحلها ومقيمها، حتى ماج بعضها في بعض، وتبرأت منها كل سماءٍ وأرض، فلما كان سنة خمسين أعطي الدني، وناشدهم التقية، واشترك المهدية، وقد كان نظر في ماله، وفكر في ما بازائه من أقتاله، فزف إلى زعمائهم بناته وكن اللآلي وأماني الغالي، فأصبحوا له أصهاراً، وقاموا دونه أنصاراً، فلما استحكم بأسه، وأهمته نفسه، استجاش من قبله، واحتمل حرمه وثقله، وخلى الملك لمن حماه وحمله، وجاء أصهاره فكانوا بحيث يسمعون نئيمة، ويمنعونه ممن عسى أن يكيده ويضيمه، حتى بلغ المهدية فأقام بها أسقط من الشمس في الميزان، وأهون من الغفر على القبان، ولم يكن أحد في زمانه بأساً في الملاحم، ولا أطول يداص بالمكارم، ولا أعنى بلسان العرب، ولا

стр. 3234

أحنى على أهل الأدب، منه. ومن مشهور كرمه أنه أعطى المنتصر بن خزرون في دفعةٍ مائة ألف دينار إلى ما وصله به من مركبٍ ثقيل، وزي نبيل، ثم لم يمكث بالمهدية إلا نحو عامين، وانقضت أيامه، وغافصه حمامه، تعالى من لا ينتقل حاله، ولا يتوقع زواله. فصل في ذكر الشيخ أبي الفتيان العسقلاني (١) وإثبات قطعة من شعره ونثره أخبرني بخبر هذا الرجل الفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن الوزير الفقيه أبي محمد إن العربي، وأنه فارقه حياً يرزق وهو السنة [-.] وأنا أقول: إن أبا الفتيان هذا من فرسان هذا الشان، وممن أعطي بسطةً في علمه وبيانه، وخلي بين السحر ولسانه، والذي أثبت من كلامه يضرح قذى العيون، ويجلو وضح الصبح المبين. فصل له من رقعة: مخايل السؤدد - أطال الله بقاء الشيخ - تعثر على عقبه أخامص الكرام، وترقم بمناقبه برود الأيام، فأدام الله تمكينه حتى يصبح سلك المجرة واهي النظام، وتغبر في البسيطة جبهة (٢) بهرام، [ولا زال] يعقل بساحته الأمل الجامح، وتستوقف المراشد والمصالح، إذ كان مفترق المجد قد أصبح في علائه مجموعاً، وشامس الفضل سامعاً مطيعاً، وقد قرن وليه هذه الأسطر برقعة سأل عرضها على الحضرة السامية - رفع الله منارها، وعمر بوفود السعادة ديارها - وأن يتبعها من سديد مقاصده ما يهدي من أمها سبيل النجاح، ويقضي لها بالمغنم وفوز القداح، لا زال أفقه بنجوم

стр. 3235

السعادة منيراً وسرب الحوادث عن ساحته مطروداً مدحوراً. ومن أخرى: أطال الله بقاء الحضرة السامية تجبر من كسر الزمان مهيضاً، وتلزم (١) مسنوناً للمكارم [و] مفروضاً، حتى يصبح عقد الكواكب رفيضاً، وكف المقادر مكفوفاً مقبوضاً. وتطلع (٢) للعافين في فحمة الدجى بوارق [جودٍ] تستطير وميضا وتودع جأش الدهر عزمي مشمرٍ يفل صحيحاً أو [يبل] مريضا بسطاً تسعر الآفاق ناراً ورأفة ترد (٣) هشيم المكرمات أريضا ومقدورة لو زاحم الأفق جيشها لغودر مسدود اللهاة حريضا شملت الورى يا ابن المحسن مسدياً صنائع يبعثن الكسير نهوضا وأعلمت (٤) إغفال الزمان بأنعمٍ أعدن دجنات الحوادث بيضا فأوريت زنداً للمفاخر مصلداً ورفعت طرفاً للسماح غضيضا قمت لنا سوق القريض وقد عفت معانيه صوناً أن يعود قريضا فلولاك لم يلف الهداية ناظم ولم يتوخ المادحون عروضا / [١٧٩] قضيت العلا لما أضيعت حقوقها نوافل يلوى دينها وفروضا منيع المراقي يستجار بعزه إذا أزم الناب الضروس عضيضا وتذعر أسراب الخطوب أو أنساً كما ذعر الليث الهزير ربيضا تقاضى سؤال المستميحين مثل تقضي ديوناً ملحقاً وقروضا وتدأب في حفظ الرعية ساهراً إذا قيد النوم الجفون غموضا

стр. 3236

فمثلك في حكم الرياسة معوز وكم من نقيض لو طلبت نقيضا إذا ما سعى الأملاك خلفك للعلا غدوت سماء والأنام حضيضا وله من أخرى: شهر الصيام زائر يستقبل وفد المغفرة باستقباله، وتنحل ذنوب الأمة بنحول هلاله، وآيب تقدم غرائب الحظ بقدومه، ويعنق جزيل الأجر بين عنقه ورسيمه، جعله الله مطهراً من دنس الآثام، وغرة سائلةً في جبهات الأيام، [جالياً] لغسق المعاصي بوضاءة أيامه، ومكفراً لما اقترف من الجرائم في عامه، فطوبى لمن أقض في هذه المدة مضجعه، واستعمل منطقه بما يرضي الخالق ومستمعه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) (فاطر: ١٠) والله جلت أسماؤه يجعل الحضرة السامية سابقة في هذا المضمار، آمنة من عوارض الكبوة والعثار: بقيت لعقد المعالي نظاما وللأكرمين جميعاً إماما ويخجل جودك وجه السماء برقاً خفوفاً وغيثاً سجاما مقيماً بحيث يضيع التلاد وتحفظ للمكرمات الذماما وتودع آلاؤك السابغات جيد الرياسة طوقاً تؤاما أيا ابن المكارم لا يعرفون عن درة المجد يوماً فطاما ومنها: وهيجاء مثل أوار الحريق تصطلم الدراعين اصطلاما تلثم خد الضحى عثيراً وتسفر فيها المنايا اللثاما فجردت عزمك في النائبات حصناً منيعاً وجيشاً لهاما مساعٍ تشق جبين الضياء إذا اعتكر الدهر طراً ظلاما ويهدي إليك أريج الثناء كما خطرت في الرياض النعامى

стр. 3237

فعش ممسكاً بعرى للبقاء لا يحدث الدهر: فيها انفصاما ولا برح من جعل الأرض قرارا، وأخرج من الشجر الأخضر نارا، يطلع في سمائها السعود [غير] الآفلة، ويقر ببابها النعماء [غير] الناقلة، ويجعل لكل [ليلٍ] يمد جناحه، ونهارٍ تفلق إصباحه، متكفلاً لها بجد يلقي إليه زمام القدر تفويضاً، ويمنح الصخرة الصماء ترويضاً. في ذكر القاضي أبي محمد بن نعمة بن خليل (١) وإثبات جملةٍ من نثره ونظمه وبالسند المتقدم وصل إليّ خبره؛ وهو أحد من يتصرف فيجيد، ويبدئ بيد الإحسان ويعيد، جزل المقاطع، سهل المنازع، وقد أثبت من كلامه ما تراه، وتستدل على غرضه ومنحاه. فصول من نثره مع ما ينخرط في سلطها من شعره أطال الله بقاء الحضرة العالية لغرائب مجدٍ تبتدعها، وفرائض جودٍ تشرعها، وحوادث أيامٍ صعابها، ومستأنف سعودٍ يطرف جنابها، وأدام أيامها التي هي للدهر تمائم، وفي المجد غمائم: غرر من الأيام يوضح فجرها والدهر من ظلم النوائب قاتم كم صرمت عني حوادث لم تكن منجابةً لولا الأجل الصارم

стр. 3238

ملك تملكه الندى وتجمعت في راحتيه غمائم وسمائم فالروض يجدب وهو روض ممرع والغيث يقلع وهو غيث دائم وشتان ما بينهما: تلك سحائب قد يخلف بارقها، وتحذر صواعقها، وروض يجف نباته، وتتصوح زهراته، ومكارم الحضرة العالية تزيد جدة على التكرار، وتماثل الفلك الدوار، وهي تباري الشمس [نهاراً] ، وتزور مزار الطيف سرارا: منن بعثن أهلة مستورة فطلعن في فلك العلا أقمارا ومواهب ومناقب ومناهب رفعت له فوق السماء منارا ولما كانت الأوقات الشريفة موسومة بثناءٍ يسمع، ومرسومة بدعاء يرفع، وأهلت هذه الأشهر المكرمة، وجب على من حضر، بل كافة من يضمه الثغر، إخلاص الدعاء للحضرة العالية، بأن يمد الله عليها ظلاله المسدلة، ويديم لهم ما شملهم من تمام / [١٨٠] المعدلة، وأن يسعد أنحاءها في طاعة إمامها، ويصرف أعداءها في حكم حسامها، ويثبت لها من رأي سلطانه ما تستوفي به أقسام الفخر جميعا، ويزيد لها أحداث الدهر خضوعا: فلقد خدمت بهمةٍ لا ترتضي إلا سميك صاحباً وضجيعا والجيش [أيقن] حين عاد بأنه ألفى بربعك معقلا وربيعا وردوا نميراً من يمينك ريقاً وثرى محل في ذراك منبعا وسهرت دون هجوعهم بعزائم تقضي وطرفٍ لا يذوق هجوعا هذا وكم من مارقٍ مزفته بيدٍ تفيض مكارماً ونجيعا والحمد لله الذي جمع للحضرة العالية شرائط السؤدد، وخصها بالمجد

стр. 3239

الموطد، والنسب إلى أعلى خندف عماداً، وأوراها في موقف الفخر زنادا، أرومة الرسالة وجرثومة الخلافة، إليها انتزع هاشم، وعنها أخذت المكارم، فبعبد مناف بن النضر بن كنانة ذؤابة الفخر: هنالك أبناء الوغى وحماتها وثم العطاء الغمر والعدد الدثر لهم أوجه زهر وأندية خضر وألوية حمر وخطية سمر فأما الفضائل المكتسبة فإن مولاي الأجل ناظم أشتاتها، ومؤلف متنافراتها، فهو تارةً تحت عذب الأعلام، وأخرى بين طروس وأقلام، يستصغر عظيمات التدبير ثقة بحزمه، ولا يغفل صغيرات الأمور تمضي إلا عن علمه، فأما الحلم والأناة واستلذاذ العفو مع القدرة والمحافظة على سر الخدمة فإن الله تعالى وهب له من ذلك ما سلمه إليه معانده، وعرف فضيلته فيه حاسده: مناقب نظمت منها محامده وشيمة عرفت فيها عوائده وللندى غير منزور مؤمله وللردى [غير] معصومٍ معانده يفديه وافد ليلٍ آب زائره بنجحه وبخيل خاب قاصده فأما المواقف المشهودة، والآثار المؤرخة المعدودة، فإنه فيها ملقى النصر، دائم الظفر، ميمون التدبير، مسعود الرأي، مبق عند الانتقام، معتذر مع سعة الأنعام، رحب الحمايل، بسام المخايل: يقصر الناظم عن آلائه فيستعين بحلى الوسائل لم يستعر فيها له فضيلةً حاشا العلا ولا مقال الباطل وإنما يكتبها عن مجده فيستهل نسخة الفضائل لم نرض أن أنالنا فصاحة موهبة إلا ببذل النائل ولا زالت الحضرة السامية تجدد من رسم الأدب داثره، وتلبس من الثناء نفائسه وجواهره.

стр. 3240

وله من رقعة تهنئة: لقد عجبت أيامنا [حين أبصرت] بها أروعاً زينت بحسن علائه إذا سهكت أعطافهن تضمخت بمسكين من أفعاله وثنائه هذا الشهر - أدام الله تمكين الحضرة العالية - مضاهٍ لها في شرف النسب، والطهارة من الريب، والله يكرر عليها مجازه ما ارتقبت فيه ليلة القدر، وانتشر في السماء شعاع البدر، في عز تسكن به الخطوب العرمة، وتنتفض معه الأحداث المبرمة. وفي فصل منها: أرواه الله من تسنيم، وجعله من ورثة جنة النعيم، يرتع في رياض الفردوس النضر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) (القمر: ٥٥) بعد أن يفني مدة الزمان عمرا، ويوسع بنيه نوالاً غمرا، ويحوز من المحامد ما تتطرز به أردان الأيام، وتتقوض فيه هضبات شمام. ومن أخرى في مثله: أجزل الله بالحضرة الأثيرية بركات هذا الشهر الشريف الذي تقضى فيه المناسك بالبيت العتيق، وترد بعده أيام التشريق، ولا زال يلقي رحاله، ويواصل إلفها بكره وآصاله، في عز رفيعٍ سماكه، حاكمة بالبقاء أفلاكه، ومجدٍ راسيةٍ جباله، وسعادةٍ مقرطسةٍ [بها] نباله. إذا انقضت يوماً حبال سعادة غدت محصداتٍ كيف شاءت حباله يضيء وصرف الدهر داجٍ هلاله ويعرف في قحط السنين انهماله وجاه نضير لا يخاف ذبوله ولا ينطفي بالعاصفات ذباله والأرض [في] قبضته يقبض عنها أيدي العوارض، ويسبغ عليها ملابس إنعامه الفائض.

стр. 3241

ومن أخرى: / [١٨١] ولو علم الطرس الذي قد حبوته قلائد من در الكلام المنضد لقاد إليك الشكر حتى تمله وحتى يقول السامعون له قد طلعت علي من الحضرة - لا زالت نجوم السعد بآفاقها طالعة، وركائب لحوادث عن ساحتها ظالعة - رقعة كريمة أجلت ناظري في سطورها فقلت: سوسن نثر على أقحوان، أو قلائد عنبرٍ نظمت في أجياد غزلان، وراودت خاطري على بروز ذلك المرموز فقال: أما تستحس أن تسومني ذلك، وقد أثمدت الخطوب ينبوعي، ومحت الحادثات ربوعي، فقلت: خير لا بد من تأمله، وأمر مطاع لا مندوحة عن تقبله. وله من أخرى: شهادة الخادم - حرس الله أيام الحضرة - شهادة بسعادة مستخدمه، ودلالة على تواصل فضل الله وكرمه، كالأصل إذا زكا أورقت فروعه، والماء إذا استجم فاضت ينابيعه، وعرفت في هذه الساعة وفود قادم على عبدها الأمير شبل الدولة يثري من إنعام الحضرة العالية يده، ويؤرخ بأيامها الزاهرة مولده، فشاركت المذكورة في المسرة بهذه النعمة، اشتراكنا معاً في الخدمة، وإني وإياه فيها فرسا رهان، أو كالأنامل ضمها اليدان، والذ له الأسماء الحسنى يضاعف إحسانه لديها، ويجعل عواقب أمورها من مباديها، حتى يلوذ الكرم بجنابها السعيد، ويعيش الأحرار في فضلها كما يعيش العبيد. وله من أخرى: يا ليت أن سواد طرفي نائل ما نال من شرفٍ سواد مدادي فعساه يطفي لوعة مشبوبةً ألقت عصاها في صميم فؤادي

стр. 3242

وأقول حينئذ: أسعد الله الحضرة السامية بهذا الشهر الميمون، وشحن صحيفتها بأجرٍ غير منون، ولا زالت الأيام تمر بها جديدة وترجع عنها بالية، وهي في أثناء ذلك ضامنة لها عزاً ينشر في الأفق ذوائبه، ومجداً يحلي بالقمرين ترائبه، وسعداً لا تخطئ سهامه، ولا يفض أبداً ختامه، ورزقاً تعذب نطافه، وتدر طول الزمان إخلافه، ورضى من الله تعالى يورث جنات النعيم، ويهدي إلى صراط مستقيم. ولما وصلت إلى هذا المكان من هذه السطور سلمت إليّ تحفة من الحضرة السامية كأنها لون المحب قصد بالهجران، أو نهود الكواعب ضمخت بالزعفران، وحين شممتها وجدت ذات طيبين: طيب الأرومة، وطيب استفادته من اليد الكريمة، وأستغفر الله، أين البرس من الحرير، والملاب من العبير. وفي فصل من أخرى: المكارم - أطال الله بقاء مولاي الشيخ معمور الفناء، ممتعاً بدوام العز والنعماء - فروض مهتبلات، ومساعٍ على الدهر منجحات، وبضائع في اكتساب الشكر مربحات، ولم يزل الحمد أكبر تجائره، وتقليد المنن للأعناق، أنفس ذخائره، ومن تدرع أسباب رياسته، وبهر الألباب بباهر فضيلة نباهته، وبذ الأضراب بكمال ورعه ونزاهته، [و] دنا من قديم فخر آبائه، وطبق الأرض بفيض بحر عطائهن وطاول بطول باع مروته، وتصدر بواسع صدر همته، وأصبح حلية الزمان القديم، وغرةً لامعة في وجه الدهر البهيم، عم الأنام نفعاً، وأتى الجميل خلقاً وطبعاً، وتدارك بقية الأزمان المشفية، وجدد ما أخلق من الآمال المتعفية، فلا زالت قدمه محذوة رفات الأعداء، ويده مضمومة أزمة العلاء: ولا زال محروساً من الخطب بالغاً إلى غاية تجري فيقتصر المجري ولا فقدت عين الرياسة شخصه ومتع بالتأييد والنهي والأمر وأدرك من دنياه غاية سؤله ونال المنى في الآل والمال والعمر

стр. 3243

وقد تعرضت لواسع رأفته، فاستعطفت كريم عاطفته، واسترجعت فائت حظي بمراجعته، وأعوذ بالله أن استنصر به على الزمان فيخذلني، وإلى جوره بعد الاستسلام بعدله فيسلمني، ويطرحني معتمداً من يده، ويسقطني بالجملة عن عدده، ويصرفني عن باب تصرفه بالحرمان، ويذودني عن بحر جوده العذب مشتمل الجوانح على غلة الظمآن، ومتقدم المعرفة رحم، والوفاء بالذمم كرم، وقد ناديت من نداه - دام علاه - سميعاً، وسألت منه جواداً لأمر الجود مطيعاً، واستمطرت من / [١٨٢] جوده غماماً غير جهام، وهززت منه حساماً غير كهام، ومن أقعدته نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام. ومن شعره قد صار يختلق المحال ويبطل من قال ليس على الثرى من يكمل حكمت عليه معجزاتك أنه متمحل فيما حكى متقول لا زلت في كنف السعود وظلها أبداً تحل بحيث شئت وترحل مثل الهلال يسير في درجاته والشمس في أبراجها تتنقل أصبحت يا دار المظفر كعبةً للمجد يلثم ركنها ويقبل فالشهب ليس يغم (١) مطلعها ولا جيد السماء من الغزالة يعطل يا صارم الملك الذي أيامه ابداً تزان بمجده وتجمل صقلته أيدي المكرمات ولم تخل أن الصورام بالمكارم تصقل ملك طفيلي السماح يضيف من لم يستضيف وينيل من لا يسأل مذ ورخوا عهد المعالي باسمه ذهب التنازع واستبان المشكل لو أن مطبوعاً يفارق طبعه لحلا إذا شرب الزلال الحنظل ولما رأينا النحل تقضم علقماً لهواتها فيعود وهو معسل

стр. 3244

وهذا كقول المعري (١) : والنحل يجني المر من نور الربى (٢) فيصير شهداً في طريق رضابه يثني الرجال على القتيل بسيفه فكأنما يحيي به من يقتل وإذا لظلا الهيجاء لثم وجهه أبصرته تحت القنا يتظلل حيث المغاوير الكماة تميد من نشوات ما اعتصر الوشيج الذبل خمر ترى مهج الرجال دنانها لكنها بالسمهرية تبذل و [زعاق] ملحٍ لا يسوغ لشارب كدر وأنت السلسبيل السلسل يا عادلاً في كل ما هو فاعل ما بال كفك في اللها لا تعدل أفنى تلاد يديك علمك أنه لا يفضل الأقوام من لا يفضل القاضي جلال الدولة بن عمار (٣) فصول من رسائله مرحباً بطليعة السرور، ومساعدة الدهور، وبشير النجح والبركة في جميع الأمور، هذه صفة تخص كتاباً وردني من مولاي الأمير - أطال الله بقاءه، وأدام تأييده ونعماءه - على بعد عهدٍ بكتبه وأنبائه، بمعاندة الزمان لي فيه، إلى أن أحكم أسباب البعد بيني وبينه، مع تقارب قلوبنا وامتزاجها في حالي القرب والبعد، كما قال الباهلي: وعاندني فيه ريب الزمان كأن الزمان له عاشق

стр. 3245

وإني لأتذكرك وأتذكر أوقات المسرة بقربك، والأنس بالاجتماع بك، كما يتذكر الشيخ الهم شبابه، والعاشق امفارق أحبابه، وأرغب إلى الله في تسهيل أمر تجمعنا كما نحب، وأدعوه ربي (عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) (مريم: ٤٨) وما ذلك على الله بعزيز. نعم سررت والله يا مولاي بكتابك وأنست بقراءته، وأوجبت حقاً لحامله وهششت والله اليه، كما قال قيس (١) : إذا ذكرت ليلى هششت لذكرها كما هش للثدي الدرور وليد وفي فصل: وأما ذكرته من التحرك إلى جهتنا، فهلم، قرب الله دارك، وأدنى مزارك، ورعى الله جواداً يحملك، وطيب ريحاً توصلك، وبارك الله في ليلٍ أو نهار يفتر عن لقائك، ويبسم عن شهي مشاهدتك. وله من أخرى: وافى كتابك مطوياً على نزه (٢) تقسم الحسن بين السمع والبصر جزل المعاني رقيق اللفظ مونقه كالماء يخرج ينبوعاً من الحجر وصل كتابك يوم عيد النحر فكان عيداً ثانياً، وصادف أنسب واهياً، ف كان له مسنداً بانياً، فارتحت له ارتياح الروض للمطر، ولم أمل بتكرير قراءته وهل تمل عين من النظر، فكم من معنىٍ بديع، ولفظٍ محكمٍ صنيع، وبراعةٍ أتى بها (قلمه] شرعاً، وبلاغة جاش بها بحره طبعاً لا تطبعاً، " وليس بمنكر سبق الجواد " ولا بمتدعٍ جود العهاد، وأما النظم فنظم صفات الإحسان، واستدعى نوافج

стр. 3246

الإستحسان، وأما النثر، فأبهى من منثور الزهر، وأغلى قدراً من الدر والجوهر؛ ولقد هزتني إلى لقاء مولاي لواعج شوقٍ تالد، وبواعث وجدٍ خالد، ودواعي أسف متضرم، لم يخلق البعد جديده، ولا أذوى طول العهد عوده، ولا أنسى تقلب الأحوال جهوده، ولا نقض مرور الأيام مرائره، ولا كدر تكدر العيش / [١٨٣] سرائره. -.. (١) [المجيد بن أبي الشخباء العسقلاني] (٢) - -. الجاذب أشطانه، وإنما هو الآن يرخي حتى يجذب، ويجتمع لكي يثب. وله من أخرى: المودات إذا كانت متينة العقود، صادقة المشهود، موضوعةً على أصل عريق، وأساس وثيق، لم تجزعها (٣) الشبهة المرمضة، ولم تزلزلها الأباطيل (٤)

стр. 3247

المعترضة، وإن تناقلتها ألسن مختلفة، وعلتها برود من اللفظ مفرفة، ولما رأيت زيارة مولاي قد صارت مرقعة، وجنوب (١) مودته قد عادت مروعة، وصرت أرى قوله متناقضاً، وماء البشر من وجهه غائضاً، من بعد ما عهدته (٢) : تنبي طلاقة وجهه عن وجهه (٣) فتكاد تلقى النجح قبل لقائه وضياء وجهٍ لو تأمله امرؤ صادي الجوانح لارتوى من مائه لم أتجاسر على سؤاله عن العلة خوفاً أن يعيب علي الارتياب بوده، وتطرق سوء الظن على عهده، فسألت من يعلم دفائنه، ويخبر ظاهره وباطنه، فأخبرني أن بعض الناس - ولم يسمه - نقل إليه عني، فشن الغارة على وفائه، وزلزل أواخي وده وإخائه، فقلت، عتب والله ولا ذنب، وشكاية ولا نكاية، وأنا أحاكم مولاي إلى إنصافه لا إسعافه (٤) ، وعدله لا فضله، وما كان أجدره برفض قول الماحل (٥) ، وتغليب الحق على الباطل، ولا يرى نفسه بصورة من تستخف حصانه الريح الخافقة، وتشعث من مودته الأقوال الماذقة، ولو انتقضت عندي المعاقد، وقامت علي - أعوذ بالله - الشواهد، لكان مولاي حرياً أن يجري في كرم اللقاء على العادة، ويتأدب بقول أبي عبادة (٦) : أبيت على الخلان إلا تحنياً يلين لهم قلبي (٧) ويصفو لهم شربي وإني لأستبقي الصديق إذا نبا علي وأهنا من خلائقه الجرب (٨)

стр. 3248

والآن فقد أوضعت وأوجفت، وتألفت مولاي واستعطفت، فإن عادت ظلال وده مديدة، وحبال كرمه محصوفة (١) جديدة، فحسن بتلك الشمائل، أن تجمع شمل الفضائل؛ وإن تمادى على هذه الهجرة، ولم يصح من نشوات تلك السكرة. فما ذاك من ذنبٍ علي اجترمته إليه فيجزيني به حيث أعلم ولكن إنساناً إذا مل صاحباً وحاول صرماً لم يزل يتجرم والله جلت قدرته يجعل حفظ المودة عنده أوجب الحقين، وأنفع العلقين، ويرفعه عن السمة بنقض المرائر، وحلية الجائر الغادر. وسافر بعض إخوانه فشغل عن وداعه فكتب إليه: ما أخرني عن خدمة مولاي بالوداع أني متأخر في حلبة ولائه، ولا عارٍ من ملابس إخائه وآلائه، ولوددت لو صحبت ركابه السعيد إلى الصعيد، وقطعت معه عرض المهمة البعيد، وزودت من مجاورته قلباً معموراً بوده، ومن مشاهدته طرفاً لا صبر له من بعده، وإنما حجزني أمران كل منهما يمهد العذر ويبسطه، [ويمحو] (٢) الذنب ويحبطه، وهو شغلي في إنشاء التقليد [العلي] (٣) وتحريره، وفعل ما أمرت به الحضرة السامية وتقريره، ثم خوفي أن أرى مولاي وقد حل انطلاقه، وأسمع [أن قد حان فراقه] ، ونعق غراب بينه فقض أضلعاً، وأفاض نفوساً وأدمعاً، فضعفت عن مشاهدة ذلك المقام، وقصرت [عن تحمل ذلك] الداء العقام، وظللت أنشد، والدموع همع، والفؤاد مصدع: وأخرني (٤) يوم انطلاقك أن أرى على جمرات البين [قلبي يلذع] فؤاد إذا قيل الفراق تساقطت خفوقاً أواخي صبره (٥) تتقطع

стр. 3249

وإني صليب العود في كل حادثٍ ولكن أعوادي [لنأيك خروع] وإذا استنقذ البين هذه النوبة، وخفقت بمشيئة الله رياح الأوبة، وهبت وجهي للشحوب، وجسمي للنصب واللغوب، وهتمت ثنايا الأرض إيضاعاً وإرقالاً، وجعلت مسافة اللقاء لمسافة الوداع أميالا، وأطلت شكر الزمان على ما يجدده لي من مسرةٍ قد خلعت بردها، واستطلت عهدها، وأنشدت: طربت وقد جاء البشير بقربكم وذو الشوق عند اسم الحبيب طروب وقمت إليه راشفاً من ترابه ترى لك يحلو رشفه ويطيب وما يبعد ذلك في قدرة الله الذي يخرج من الشجر الأخضر جذوة نار، ويهب القمر كمالاً بعد نقص وسرار. وله من أخرى / [١٨٤] يعاتب بعض القواد (١) : رأيت فلاناً (٢) عند نظرته لي بالأمس قد قطب حاجبه، وزعزع مناكبه، وأوسع الغلام من [.. .. ..] ذيل كمه؛ فقلت: ماله - أأنزل إليه وحي، أم عصب به أمر ونهي، أم حصل من الخلافة على وعد، أم أنسئ له الأجل مدة العهد، أم قل عقله فعق نفسه وظلمها، وجهل مقادير الأشياء وقيمها، واعتقد أن الدنيا طوع حكمه، والقطر صائب فهمه، أم رأى الملائكة المقربين تتشفع به، والحور العين تشكو لاعج حبه، وثمار الجنة تدلت إلى يده، ونار جهنم تقتبس من زنده، والكوثر يمد من معينه، والسموات مطويات بيمنه، والبراق قد امتطي لحضرته، والفراق [ ... ] قوته، فأجبت بأن شيطان ظني مارد، وتصوري فيه - أعزه الله - فاسد، ولا حقيقة لشيءٍ مما توهمته، وسددته من القول وأقمته، فقلت: إذا لم يكن ذاك فما

стр. 3250

ذلك - قيل: سفه في الرأي وأفن، وتغير في الطينة وعفن، ظن أن الأحرار ملك عهدته، والعالم مجموع في بردته، فحين سمعت ذلك أخذتني لمولاي الحمية، وهزت رأسي الأريحية وقلت: معاذ الله، إن دونه في الحصاة (١) والكيس بطليموس، وفي الحكمة ارسطاليس (٢) ، وإن الحكمة تستنتج من ظنه، والغيث يرشح من شنه (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] وإنه بحمد الله كما قيل: خرق إذا أفضى السماط به كثر العثار وطبق الزلل وإذا السرير سما بقعدته غريت بظاهر كفه القبل فهناك سكنت الألسن الهادرة، ووقفت المرادة (٣) الغادرة، وعاد من حضر يثني على مولاي ويقرظه، ويحمل من شكره ما يؤوده ويبهظه (٤) ، فإن كانت هذه الوكالة واقعة منه بالوفاق، فيجعل ثوابي عليها انحلال العقدة من جبينه، وزوال التمارض من جفونه، وخفض الإصبع من سلامه، وترك النزوة على غلامه (٥) . وله من أخرى في مثله: أرى (٦) سلام سيدي قد تقاصر طويله، وروض جوه قد زاد ذبوله، وماء بشره قد غاضت بحوره، ونشاط لقائه قد استمر فتوره، وما عهدته - اعزه الله - تزدهيه الشبهة وتستخفه، وتصده عن كرم العهد وتكفه، وينزل المين من سمعه بالمكان المهيب، ومن قلبه بالقابل المستجيب، بل هو يرحب إذا حرج المضيق، ويرطب وقد عصب الريق، وتمر به المحفظات وهو راضٍ، وتوقظه المغايظ وهو متغاضٍ.

стр. 3251

إذا أمرته مرة من حفاظه بسوءٍ نهاه خلقه البارد العذب فما الذي أعاد فلقه غاسقاً، وصريحه ماذقاً، فإن يك عن ملل (١) فؤاده، وتشعب وداده: فكم أخٍ غيره يومي ال - مقبل عن أمسي به الذاهب مل فلم يعطف لحب الصبا ال - حاني ولا حق العلا الواجب واستقرت الوزارة لبعض أصحابه ثم توقف الأمر بعد فيها فكتب إليه: الخيرة - أطال الله بقاء سيدنا - تجيء من غير الأمر المختار، و [هي] مخبوءة تحت أستار الأقدار، فكم سبب اجتمعت فيه شوارد الآمال، ولبس ظاهره مسحة من الجمال، كان المكروه منظوماً في تاجه، منطوياً في أثنائه وأدراجه، وآخر ظهر للناس بلونٍ شاحب، ووجهٍ قاطب، كان ضامناً لابتسام الزمن، وكافلاً بالأجمل الأحسن، وبهذا أدب تعالى عباده، وقال في الكتاب المكنون (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة: ٢١٦) فلمح أبو عبادة هذا الأسلوب فقال في معناه (٢) : والشيء تمنعه يكون بفوته (٣) أحظى (٤) من الشيء الذي تعطاه وإذا تصفحت الأمور بعين البصيرة، ونظرت بالخواطر المستنيرة، ونفذت بالألباب الصيرفية لا الزائفية، علم أن هذه الرتبة زليقة الصراط، سريعة الانحطاط، يعلو الإنسان صهوتها ثم هو بعد راجل، ويتحلى بها وقتاً ثم هو مسلوب

стр. 3252

عاطل، وما لم يوسم بها فالخطط تعتقبه، والمنازل ترتقبه؛ أجل، وهذه الدرجة كلما خبرت الأقوام، وتمادت الأيام (١) ، غاض معينها، وزاد حنينها، فمنها الكمد، ومن سيدنا الصيد، ومنها الكلف، ومنه / [١٨٥] التيه والصلف، حتى إذا نغل الأديم، ورعي الهشيم (٢) ، وتشاقت (٣) الخطط، وجار الحكم وقسط، دعي سيدنا لشعب المنصدع، ووصل المنقطع، وغيجاد الممتنع، فهناك يقوم بالأمر، ويسهل الحزن والوعر: مبارك (٤) تطرد اللأواء رؤيته طرد الظلام فرند البلجة الواري (٥) وزير ملك خلت (٦) في عدل سيرته صحيفة الملك من إثم وأوزار يذب عنه وقد ريعت جوانبه برأيه المكتسي أو سيفه العاري وكان يوماً المجيد بمجلس الأنس، ودعوا بعض أصحاب القلانس فلم يحضر لأجل الغناء فكتب إليه: عجبت لمولاي كيف أسند في التخلف إلى عذرٍ هلهال، وسلك طريقاً صعبة المجال، وجعل المانع له من الحضور أمراً يقوي على الهموم، ويقوت النفوس فكيف الجسوم، ويمتزج بالقلب امتزاج تاموره، ويطلق شكائم بهجته وسروره، فإن يك ذلك لدين وثيق، وخلق بالتقوى خليق، فما بلغ مولاي من حفظ الشريعة إلى هذه الرتبة، ولا وضع قدره بعد على هذه الهضبة (٧) ، وإنما هو

стр. 3253

الآن يحكم أمراً، ويصيد بها إذا تعقل عمراً (١) . وإن كان لخوفٍ (٢) من ثقيل، وحذرٍ من غلول، فما كان هناك إلا من يفرق السورة (٣) ، ويستر العورة، فإن حضر طوي هذا البساط، وتوفرت للمسرة أقساط، وإن تفادم وتغاتم دلك (٤) عليه شرح أمور قديمة، وظهور أنباء مكتومة، وجاءنا من حديث البستان الحيري ما يغض من الطيالس والقلانس، وينسي يوم الغبراء وداحس. وله من أخرى في مثله: لما هجر مولاي مجالسنا في الجامع وأوحشها (٥) ، وأطال إليه ظمأ النفوس وعطشها، وأخلى مكانه من طلعته التي تطلع علينا من السرور ما غرب، وتؤنسنا بغرائب الأنس والطرب، وتصرف فكري في ما اقتضى ذلك فلم أعثر على أمرٍ عاذر، ولا ظفرت بسبب ناصر، ذهب وهمي إلى أنه استحدث ودوداً، واستطرف [خلاً] جديداً، فترك هذا الأنام (٦) حتى ينقع أوامه، ويبرد غرامه، وحين ثوت هذه الظنة في نفسي أنفذت فلاناً لاستيضاح الخبر، فحكى أنه ألفى مولاي في الطبقة الدهشية (-) فدهش لما رآه من مجلسٍ حسنٍ، ومقام صبوةٍ وفتن، وأمور بديعة، وأحوال وسيعة، وفاكهةٍ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، وظبيٍ قد كحل بالسحر لحظاته، وأطلق العقارب على وجناته، ونظم السلوك في ثغره، وأنبت ثمر الصبا في صدره، يدير على مولاي كأساً: إذا أخذت أطرافه من بحورها رأيت اللجين بالمدام يذهب

стр. 3254

كأن بخديه الذي جاء حاملاً بكفيه من ناجودها [بات] يقطب فطفقت متعجباً لما وصفه المخبر، وحمد [ت] الله على صدق الحس والتقدير، وعذرت مولاي في التخلف عن الجامع، واستيفاء النهلة من هذه المشارع، وأوسعته ملاماً على التفرد بهذه الحسنة، والفاحشة المتبينة، دون الشيخ أبي الحسن، الذي ينحاز في فعله الحسن، ويضل في أدنى ذلك السنن، اللهم إلا أن يكون خاف أن يجري هذا الصديق على طاعة شيطانه، والبذاء على إخوانه، والتدحرج عن موضعه ومكانه، ليتأبط في الليل شراً، ويسير إلى حيث تسكن الغزلان سراً، وقد قرت أعضاؤهم نوماً وسكراً؛ ومع هذا فأوثر من مولاي أن يقبل على شانه، ويخفض قليلاً من عنانه، فإن الجاه صدعه لا يجبر، والملقي بيده إلى التهلكة لا يعذر، وقد شببنا عن هذه الحال، فيحسن المتاب، ويسمح برد الجواب (١) . وله من أخرى: لو رآني مولاي وقد أرشفت الخمرة فوجدتها مرارة تذم ولا تحمد، وتثير كامن الحزن والكمد، وتصفحت الندام فعدمت منهم أنساً عن الناظر دون الخاطر، وعدم تلك المحامد والمآثر، فأما الماء فالله يعلم أني أتجرعه ولا أكاد أسبغه شوقاً إلى تلك الخلال التي هي أنقى منه أديماً، وأرق نسيما، وأمسك للنفوس رمقاً، وأكثر لذوي (٢) الحاجات تدفقاً: خلائق: إما ماء كرم (٣) ترقرقاً أغادي به أو ماء مزن (٤) تصفقا كأن الصبا جرت عليه ذيولها أصيلاً وفأر المسك عنها تفتقا

стр. 3255

وأما ارتياحي إلى الموالي السادة - حرس الله مددهم، وكثر بساحة المكارم عددهم - فارتياح من رحل وترك قلبه عندهم، وإني وإياهم لكما قال [الأول] (١) : لم ألق بعدهم قوماً فأخبرهم إلا يزيدهم حباً إليّ هم وعلى القاضي السيد منهم السلام [١٨٦] خصوصاً، لأني أعلم عن صورة حاله في هذا الشهر، واحتباس يده عن كأسٍ يحلبها، وفمه عن قبلة يسلبها، وقدمه من الحانة الخمرية، وزيارة الغيد الحورية، فإذا حلت بمشيئة الله أنشوطة هذا العقال، وأطلع الله سبحانه عليه هلال شوال، فأنس وسط القوم، وأخذ بثأره من أيام الصوم، فليذكر هناك صديقاً لم ينسه وقد ضرب البين رواقه، وأطال الفراق اعتياقه، واؤمل من الله تعالى أن يسهل من قرب الدار ما يعيد سلك المسرة منظوماً، والشمل بحضرته السامية ملموماً، فهي الحضرة: تهب منها رياح العلاء، وتحط بها حقائب المدح والثناء، وتبدع في إسداء المنح والآلاء. والبيت الذي أنشده لزياد بن منقذ الحنظلي أخي المرار العدوي. قال ابن بسام (٢) : وأراه أول من استشار معناه، ومنه قول الآخر مما أنشده

стр. 3256

حبيب في حماسته، ويزعم دعبل أن هذا الشعر له (١) : ولما أبى إلا جماحاً فؤاده ولم يسل عن ليلى بمالٍ ولا أهل تسلى بأخرى غيرها فإذا التي تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي وكان (٢) ابن عرارة (٣) السعدي مع سلم بن زياد بخراسان، وكان له مكرماً، فتركه وصحب غيره فلم يحمد أمره، فرجع إليه وقال (٤) : عتبت على سلمٍ فلما فقدته وجربت أقواماً بكيت على سلم رجعت إليه بعد تجريب غيره فكان كبرءٍ بعد طول من السقم وأنشد المبرد (٥) : أخ لي عاداه الزمان فأصبحت مذممةً فيما لديه المطالب متى ما تذوقه التجارب صاحباً من الناس تردده إليك التجارب وأنشد أيضاً (٦) : حياة أبي العباس (٦) زين لقومه لكل امرئٍ قاسى الأمور وجربا ونعتب أحياناً عليه ولو مضى لكنا على الباقي من الناس أعتبا

стр. 3257

وقال مسلم بن الوليد (١) : حياتك يا ابن سعدان بن يحيى حياة للمكارم والمعالي جلبت لك الثناء فكان عفواً ونفس الشكر مطلقه العقال ويرجعني إليك وإن تناءت (٢) دياري عنك تجربة الرجال ويتطرف هذا المعنى أيضاً قول ابن الرقاع (٣) : وإذا نظرت إلى أميري زادني كلفاً به نظري إلى الأمراء ومنه قول الرضي (٤) : ما ساعدتني الليالي بعد بينكم إلا ذكرت (٥) ليالينا بذي سلم ولا استجد فؤادي في الزمان هوى إلا ذكرت هوى أيامنا القدم ومن أخرى له عن الوزير الناصري (٦) إلى بعض القبائل: معلوم أن الله تعالى قد يأذن للنعم إذا خصت بالشكر أن تستدني البعيد القصي، وتستأنس النافر الوحشي، وإذا قرنت بالكفران يرحل منها القاطن، وتستوحش المعاطن؛ ووصل إليّ ما كان منكم من الانحراف عن الحضرة السامية والتظاهر بالخلاف عليها، فتحققت أن الشيطان قد أعمل فيكم كيده، واستنفذ في إضلالكم قوته ويده، وأوضع بكم في مراعي وبية، ودب إليكم من طريق خفية، فزين لكم غير الحسن، وأوطأكم الجانب الأخشن، ووسمكم في أحياء العرب بإخفار الذمم،

стр. 3258

وكفران النعم، وأقول ما يجب أن يفهم: ألم تصلوا إلى هذه البلاد فتعرفوا (١) بها العيش الوحشي، وتحلوا فيها محل الغريب اجنبي، وتعيشوا عيش الغرثان الخميص، وتخطفكم العرب تخطف الأجدل للقنيص، فجمعت الحضرة شتيتكم، ووصلت مبتوتكم، فليت شعري ما الذي سولته لكم أوهامكم، وحدثتكم به أحلامكم -! وإيم الله لئن انقلبتم على الجناب الناصري، وانحرفتم عن اللواء الحمداني، لتصبحن أكلة للعرب، يحطون أعلامكم، ويزلزلون أقدامكم، ويحمونكم ورود الماء المباح، ويمنعونكم حلاوة النعم المراح، فراجعوا حلومكم العازبة، وتجافوا عن ذنوبكم اللازبة، وارجعوا (٢) إلى من أمتد عليكم ظله والزمن هجير، وصفا لكم ورده والعيش كدير، فلو قد فارقتم جنابه الفسيح لتفرقتم في الأرض شيعاً، ونبت لكم مقراً ومضجعاً، وعثرتم عثرة لا يقال لها [لعا] ، وقد قلت ونصحت، وبينت وأوضحت، وسلكت مسلك الحدب الشفيق، وبقي أن يمنح الله حسن التوفيق. ومن أخرى: ما اعتمده سيدنا بالأمس مع عبده من الإكرام خارق للقضية العادلة (٣) ومحسوب في الأوضاع الحائلة، وذلك أن كان مما [لا] يرفع الصيت ويبعده، ويعلي الجد ويسعده، ويشجي الحاسد ويغصه، ويهيض جناح العدو / [١٨٧] ويقصه، فإن الرضى به [يعد] إفصاحاً بالفهم القليل (٤) ، ونكوباً عن محجة التحصيل، وما إخال سيدنا يرضى لعبده بالدخول في هذا الحيز، والخروج عن سمة المحقق المميز، وليس يحب - وإن اشتهر بالعلم شغفه، وزاد [على] ذوي الآداب حنوه وتعطفه - أن يشيم لهم حده، ويهضم علاه وجهده (٥) ، فإن استهام بحب المآثر

стр. 3259

والمساعي، وقويت منه في إكرام أوليائه الدواعي، وأنشد عند قراءة هذا الفصل: لقد حكت الملام لغير داع (١) ثم تجاوزت همته النهج البعيد، وقرع ذؤابة الطود المشيد، واستحسن قول الوليد (٢) : ينزل أهل الآداب منزلة ال - أكفاء إن ناهزوه (٣) في أدبه لم يزهه عنهم وهم سوق في العين وطء الملوك في عقبه فعبده يسل أن يختصر عليه في الإكرام، ويقف به دون ذلك المقام، فاللمحة في البدر تضيء السبيل، والقطرة من الماء تبرد الغليل. ومن أخرى: معلوم أن الزمان قد عادانا بعجابه (٤) ، ونهشنا بأنيابه، وأدار علينا من صروف أحداثه كؤوساًن وجعل كل غريب لنا أنيساً، ولما خرج عن حكم العادة، وسلك في مولاي غير الجادة، وأودعه عوارف يضيق عنها باع الكتاب، وقذف إليه أقاصي خطوب الخطاب، علمنا أنه قد أصاب رشده، وأوجب حمده، وأطلع شمس النهار من مشرقها، ووضع تاج الرياسة على مفرقها. ومن أخرى: خلد الله أيام الحضرة الأفضلية (٥) ، ما فضلت الأسماء حروفاً، وتقدمت واو

стр. 3260

العطف معطوفاً، ولزمت الأفعال اشتقاقاً وتصريفاً: يلفى عليها الحمد موقوفاً وفي عرصاتها شم الملوك وقوفا وتعيد سطوتها سماء عداتها كسفاً وبدر سعودهم مكسوفا ولج سمع العبد في هذه الساعة نبأ جمح عن أقماعه، وتصامم عن استماعه، تعاشياً عن صبحه المبين، وتغليباً للشك على اليقين، وخوفاً على المعز الشامخ أن يصحب شموسه، والمجد (الباذخ] أن تكور شموسه، والمحامد أن تنثر كواكبها، والمناقب أن تتزلزل مناكبها، ولما تلاه الخبر بما أصمت ناعقه، وكذب بارقه، ونطق بأن الجسم الشريف قد التفع شملة الإبلال، وعاد مزاجه إلى الاعتدال، أطال العبد في الترب تعفير خده، وبالغ في شكر الله وحمده، فيا لها نعمةً عدلت بها أحكام الزمان الجائرة، واهتدت ركائب الآمال الحائرة، وأصبح الملك المستنصري سائل الغرة، ضاحك الأسرة، [والحضرة] قد تمكنت في خطابها، وما نزعت برد شبابها، وامتدت بعد القلوص أفياؤها، وأضاءت في ظلمات الخطوب آناؤها: والله أكرم أن [يعذب مهجةً] غذيت بأخلاط العلا أعضاؤها فإذا طمت جسم الخطوب [عرامةً] [أربى على] فيض الحياء حباؤها لو كان ينكر ملكها [رتب] العلا أحد لكان شهودها أعداؤها ثابت بك الأيام عن جهلاتها وتوقرت من أهلها سفهاؤها وبعدل حكمك زال عنا ظلمها وبنور مجدك أشرقت ظلماؤها نار اعتزامك ما يبوخ ذكاؤها وسماء عزك ما تغيب ذكاؤها (١) وعراض فضلك لم تضق أرجاؤها وعفاة جودك ما يخيب رجاؤها فالحمد لله الذي منح الأمة من نعمةٍ أصبحت النوائب بها قد درجت أيامها،
следующие страницы →