Полный текст (3 281 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
ويلطفها فتلقي عصاها، ويعطفها فتعطي جناها. ولبئس الجار لها الكفر، يطيرها عن موضعها، وينفرها عن مشرعها، ويبقى صاحبها مبلساً من إلباسها، وحشاً من إيناسها.
فصل: من ربى النعمة في حجر الشكر، وأرضها ثدي الحمد، وكفلها بأداء الحق، رأى في شخصها النماء، وتعرف من عمرها البقاء، وأمن عليها التحول والالتواء.
فصل:
- الشكر حرم للمنة، وأمان بيد النعمة.
- إذا أقفل باب النعمة فالشكر مفتاحها.
- الشكر عوذة على العرافة، وتميمة في جيد النعمة.
- من شكر النعمة التحف بها، ومن كفرها عري منها.
- الكفر غراب ينعب على منازل النعم.
- الشكر بيد النعمة أمان، وعلى وجه العارفة صوان.
- مهر النعمة الشكر، وطلاقها الكفر.
@فقر في صف القلم والمداد والكتاب
- الكتاب من حلية الملائكة، قال الله تعالى: ﴿كرماً كاتبين
стр. 492
يعلمون ما تفعلون﴾ (الافطار: ١١ و ١٢) .
- المداد كالبحر، والقلم كالغواص، واللفظ كالجوهر، والقرطاس كالسلك.
- الدواة كالقلب، والقلم كالخاطر، والصحيفة كاللسان.
- العقل أب، والعلم أم، والفكر ابن، والقلم خادم.
- ما أعجب شأن القلم، يشرب ظلمةً ويلفظ نوراً.
- قد يكون قلم الكاتب، أمضى من سنان المحارب.
- القلم سهم تنفذ به المقاتل، وشفرة تطبق بها المفاصل.
- إذا أخذ الكتاب شكتهم للكلام، واخترطوا ظبات الأقلام، فكم من عرشٍ يثل، ودمٍ يطل، وجبار يذل، وجيشٍ يفل.
- لولا القلم ما عبئت كتائب، ولا سريت مقانب، ولا انتضيت سيوف، ولا ازد لفت صفوف.
- على غيث القلمٍ يتفتح زهر الكلم.
- ما أصوغ القلم لحلي الحكم.
- قاتل الله القلم، كيف يفل السنان، وهو يكسر بالأسنان.
- فصاد القلم خدر في أعضاء الخط.
قال ابن بسام: وهذا محلول من قول القائل حيث يقول:
من خط يوماً ببريةٍ فسدت ... أصاب أعضاء خطه خدر - رداءة الخط قذىً في عين القارئ.
стр. 493
@فصول له تنخرط في سلك الأمان
: إن أفضل ما تناجي المسلمون به، ووجهوا بصائرهم إليه، وصححوا نياتهم فيه، ولم يلوهم لاو عنه، ولا لفتهم لافت دونه، ما قرب من رضى الله، وأبعد من سخطه، وعمل فيه بأمره، واحستب فيه خلافة رسوله في أمته، من الإصلاح بين المتحاربين وتحذيرهم في سفك الدماء، وتأريث نار الشحناء، وتوكيد رر الحقود، وإيقاظ عيون الحروب، من فساد الدين، ووهن اليقين، وذهاب الرجال، ونفاذ الأموال، واجتياح النعم، واستنزال النقم. قال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (النساء: ١١٤) وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ (الحجرات: ٩) .
فصل: إن الحرب مثكلة للنفوس، متلفة للأموال، للندامة في العواقب، تلذ مباديها للأشرار، وتنجي كلاكل عاقبتها على الأخيار. وقلما يقدح شعلها، ويغلي مرجلها، إلا فراش الشر وذبان الطمع، ممن لا يحفل بعار، ولا يستحيي من فرار، فإن هلك لم يفقد، وإن نجا لم يحمد. ثم ترتكض جماهير الناس وأولو الذكر، والأعاجم أخطاراً، والأحاسن آثاراً، في لججٍ تبعد عنها السواحل، وينوءون بفوادح تهد عنها الكواهل، فأصح
стр. 494
الناس لباً، وأبعدهم نظراً، وأخيرهم أحساباً، من حض على الصلح، ونسب إلى إبراء الجرح، ولم يأل إرشاداً وتبصيراً، ومن سوء العواقب تخويفاً وتحذيراً، وبادر نار الفتنة بالإطفاء، وعصب المتحازبين بالإرخاء، وشوكة الحرب بالخضد، فحقن الدم، وحمى الحرم، وأوطن النعم.
: أما بعد، فقد آن أن توقظوا سواهي العقول، وأن تريحوا عوازب الأحلام، فتسلوا السخائم، وتغمدوا الصوارم، وتعيدوا السهام في كنائها، وتقفوا الأسنة في مراكزها، وتسلموا الخيول في مرابضها، وتعلموا أن الله القادر عليكم الآخذ بنواصيكم أقلها استئصال آثار النعم عليكم، وسطوات أبرزها تحكم أيدي البلاء فيكم، فكم صال بناركم لم يشرككم في قدحها، وشقيٍ بفتنكم ولم يغمس معكم يداً فيها، وموفور سعيتم لذهاب وفره، ومستور أعنتم على انكشاف ستره، فلا العظة تسمعون، ولا على أنفسكم ترعون؛ أما والله لتجرعن الخطبان، ولتقرعن الأسنان، ولتحاولن الأوبة ولا مآب لكم، والتوبة ولا قبول منكم.
: بايع الإمام عبد الله فلان بانشراح صدرٍ، وطيب نفس، ونصاحة جيبٍ، وسلامة غيبٍ، بيعة رضىً واختيار، لا بيعة إكراه وإجبار، على السمع والطاعة، والمؤازرة والنصرة، والوفاء والنصيحة، في السر والعلانية، والجهر والنية، والعمل على موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، من بعيدٍ وقريب، وغريبٍ ونسيب، ويقسم
стр. 495
على الوفاء به والقيام بشروط بيعته، بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والقائم على كل نفسٍ بما كسبت، ويعطيه على ذلك كله ذمة الله وذمة محمدٍ ورسوله، وذمة الأنبياء والمرسلين، والملائكة والمقربين، وعباد الله الصالحين.
ومتى خلعت ربقةً بخترٍ أو غدر، أو طويت كشحاً على نكث أو حنث، فعليك المشي إلى بيت الله الحرام ببطحاء مكة من مستقرك ثلاثين حجة، نذراً واجباً لا يقبل الله تعالى إلا الوفاء به؛ وكل زوجة لك مهيرة، أو تنكحها إلى ثلاثين سنةً، فطالق تحتك طلاق الحرج ثلاثاً. وكل أمة أو غرة أو عبد لك أو تملكه فأحرار لوجه الله العظيم. مال لك من صامتٍ أو ناطقٍ أو تملكه إلى ثلاثين سنةً غير عشرة دنانير أو قدرها فصدقة على الفقراء والمساكين، وقد برئ الله تعالى منك ورسوله وملائكته. والله بجميع ما انعقد عليك في هذه البيعة شهيد، وكفى به شهيداً، وعلى الأعمال والنيات مثيباً.
: أما بعج، فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك إلينا على قدمك دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك. ولكنا، بما وهب الله تعالى لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السياسة، تأملنا من ساس جهتك قبلنا، فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين حزامته عوراء، وقدم مداراته شلاء، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه، فأدتك حاجتك إلى طلاب الطعم الدنية، وقلة مهابتك إلى التهالك على المعاصي الوبية. وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك
стр. 496
ونعتبر بالنظر في أمرك، فمهدنا لك الترغيب لتأنس إليه، وظللنا لك الترهيب لتفرق منه، فإن سوت الحالتان طبعك، وداوى الثقاف والنار عودك، فدلك بفضل الله عليك، وبإظهاره حسن السياسة فيك؛ وأمان الله لك مبسوط منا، ومواثيقه بالوفاء لك معقودة علينا، وأنت إلى جهتك مصروف، وبعفونا والعافية منا منكوف، إلا أن تطيش الصنعية عندك، فتخلع الربقة وتمرق من الطاعة، فلسنا بأول من بغى عليه، ولست بأول من بدت لنا مقاتله من أشكالك إن بغيت، وانفتحت لنا أبواب استئصاله من أمثالك إن طلبت.
أمان غريب الصنعة: أما بعد، فإنكم سألتم الأمان أوان تلمظت السيوف إليكم، وحاولت المنايا عليكم، وهمت حظائر الخذلان أن تفرج لنا عنكم، وأيدي العصيان أن تتحفنا بكم. ولو كلنا لكم بصاعكم، ولم نرع فيكم ذمة اصطناعكم، لضاق عنكم ملبس الغفران، ولم ينسدل عليكم ستر الأمان. ولكنا علمنا أن كهولكم الخلوف عنكم، وذوي أسنانكم المعاصين لكم، ممن يهاب وسم الخلعانن ويخاف سطو السلطان، وأنهم لا يراسلونكم في ميدان معصية، ولا يزاحمونكم منهل حيرة، ولا يماشونكم إلى موقف وداع نعمة. ولولا تحرجنا أن نقطع أعضادهم بكم، ورجاؤنا أن يكون العفو على
стр. 497
المقدرة تأديباً لكم، لشربت دماءكم سباع الكماة، وأكلت لحومكم ضباع الفلاة. وقد أعطيناكم بتأميننا إياكم عهد الله تعالى وذمته، ونحن لا نخفرهما أيام حياتنا إلا أن تكون لكم كرة، ولغدرتكم ضرة، فيومئذٍ لا إعذار لكم ولا إقصار عنكم، حتى تحصدك ظباة السيوف، وتقتضي ديون أنفسكم غرماء الحتوف.
وفي العتاب: أظلم لي جو صفائك، وتوعرت علي أرض إخائك، وأراك جلد الضمير على العتاب، غير ناقع الغلة من الجفاء. فليت شعري ما الذي أقسى مهجة ذلك الود، وأذوى زهرة ذلك العهد - عهدي بك وصلتنا تفرق من اسم القطيعة، ومودتنا تسمو عن صفة العتاب ونسبة الجفاء؛ واليوم هي آنس بذلك من الرضيع بالثدي، والخليع بالكأس. وهذه ثغرة إن لم تحرسها المراجعة، وتذك فيها عيون الاستبصار، توجهت منها الحيل على هدم ما بنيناه، ونقض ما اقتنينا، وتلك ناعية الصفاء، والصارخة بموت الإخاء.
لا أستبد - أعزك الله - من الكتاب إليك، وإن زعم أنف القلم، وانزوت أحشاء القرطاس، وأخرس فم الفكر، فلم يبق في أحدها إسعاد لي على مكاتبتك، ولا بشاشة عند محاولة مخاطبتك، لقوارص عتابك، وقوارع ملامك، التي قد أكلت أقلامك، وأعضت كتبك، وأضجرت رسلك. وضميري طاوٍ لم يطعم تجنباً عليك، ونفسي وادعة
стр. 498
لم تجن ذنباً اليك، وعقدي مستحكم لم يمسسه وهن فيك. وأنا الآن على طرفٍ من إخائك معك، فإما أن تدلي بحجةٍ فأتنصل عندك، وإما أن تنبئ بحقيقة فأستديم خلتك، وإما أن تأزم على فأسك فأقطع حبلي منك، كثيراً ما يكون عتاب المتصافيين حيلةً تسبر المودة بها، وتستثار دفائن الأخوة عنها، كما يعرض الذهب على اللهب، وتصفق المدام بالفدام. وقد يخلص الود على العتب خلاص الذهب على السبك. فأما إذا أعيد وأبدي، وردد وولي، فإنه يفسد غرس الإخاء، كما يفسد الزرع توالي الماء.
@فصول في الاستزارة
- اليوم يوم بكت أمطاره، وضحكت أزهاره، وتقنعت شمسه، وتعطر نسيمه، وعندنا بلبل هزج، وساق غنج، وسلافتان: سلافة إخوانٍ، وسلافة دنان؛ قد تشاكلتا في الطباع، وازدوجتا في إثارة السرور؛ فاخرق إلينا سرادق الدجن تجد مرأى لم يحسن إلا لك، ولا يتم إلا بك.
- الزيارة في الليل أخفى، وبالزائر والمزور أحفى، وقد سدل حجابه، ووقع غرابه، وتبرقعت نجومه بغيومه، وتلفعت كواكبه بسحائبه؛ فاهتك إلينا ستره، وخض نحونا بحره؛ ولك الأمان من عين واشٍ تراك، وشخص رقيبٍ يلقاك.
- البدر صنوك، فإن طلعت معه علي ذعر الخافقان، والشمس
стр. 499
تربك، فإن صاحبتها إليّ استراب الثقلان؛ فاجعل ليالي السرار مواقيت الازديار، وأيام الانكساف ساعات الائتلاف.
- لم نلتق منذ عرينا مركب اللهو، وأخلينا ربع الأنس، وقصصنا جناح الطرب، وعبسنا في وجوه اللذات. فإن رأيت أن تخف إلى مجلسٍ نسخت فيه الرياحين بالدواوين، والمجامر بالمحابر، والاطباق بالأوراق، وتنازع المدام بتنازع الكلام، واستماع الأوتار باستماع الأخبار، وسجع البلابل، بسجع الرسائل، كان أشحذ لذهنك، وأصقل لفكرك، وآنس لخاطرك، وأطيب لنفسك، وأفرج لهمك، وأرشد لرأيك.
- نحن من منزل أبي فلان بحيث نلتمس سناك، ونتنسم رياك؛ وقد راعنا اليوم باكفهرار وجهه، وما ذر من كافور ثلجه، فاردعنا له بالستور، وانغمسنا بين جيوب السرور، ورفعنا لبنات الزناد راياتٍ حمراء، وأجرينا لبنات الكروم خيلاً شقراٍ، وأحببنا أن تشهد جيش الشتاء كيف يهزم، وأنفاس البرد كيف تكظم.
@فصل قصار في مدح الإخاء
- بيننا خصائص ودادةٍ، كأنها وشائج ولادة.
стр. 500
- رعيت به السعدان، وأخذت من ريب دهري به الأمان.
- جلى من مطلبي ما أظلم عليّ، وأشعل من همتي ما خمد لدي.
- أمضى لساني، وبل ريقي، وأشاد باسمي، وأعلى قدري.
- ولا والحجر اليماني، والسبع المثاني، لا جعلت سواه قصدي، ولا استكفيت غيره عظم أمري.
- ناصري إذا تكاثرت الخطوب عليّ، ومجيري إذا أثخنت الأيام جانبي.
- هو ذخري المعد، وركني الأشد، وسلاحي الأحد.
- خزانة سر لا إقليد لها، ولا للصوص حيلة فيها.
- آراؤه كالمرائي إذا جليت، والسيوف إذا انتضيت.
يحسن عشرة الجار، ويسيء عشرة الدرهم والدينار.
وله في ضد ذلك:
- خليت عنه يدي، وخلدت قلاه خلدي.
- بيض الأنوق من رفده أمكن، وصفا المشقر من خده ألين.
- منزور النوال، رث الفعال.
- أحاديث وعده لا تعود بنفع، ولا هي من غربٍ ولا نبع.
- مطحلب الوجه، مهراق ماء الحياء، مظلم الخلق، دبوري الريح، مقشعر الوجه.
стр. 501
- طاشت عنده الصنيعة، وضاعت فيه اليد.
- على وجهه من التعبيس قفل ضاع مفتاحه، وليل مات صباحه.
- غنى من الجهل، مفلس من العقل.
- تتضاءل النعم لديه، وتقبح محاسن الإحسان عليه.
- لم ينظم عليه قط خرز ثناء، ولا استحق أن يلبس بزة مديح.
- غربال حديثٍ، إذا وعى سراً قطر منه.
- أجال قدحاً غير قامرٍ، ورمى بسهم غير صائب.
- كبد الزمان عليه قاسية، ونعم الله له ناسية.
- شر بقعةٍ لغرس المودة وبذر الإخاء.
- قصير الوفاء للإخوان، عون عليهم مع الزمان.
- هو كدر الدنيا وسقم الحياة.
- رقدت ملء عيني في فرش القلى له، وشربت زلال ماء العزاء عنه.
- مربٍ لأطفال الإحن، محيٍ لأموات الدمن.
@وهذه جملة أيضاً من شعره في أوصاف شتىً
@النسيب وما يناسبه
قال:
لما بدا في لازور ... دي الحرير وقد بهر
стр. 502
كبرت من فرط الجما ... لو قلت: ما هذا بشر
فأجابني: لا تنكرن ... ثوب السماء على القمر وهذا كقول ابن الرومي:
يا ثوبة الأزرق الذي قد ... فاق العراقي في السناء
كأنه فيه بدر تمٍ ... يشق في زرقه السماء وابن المعتز أيضاً القائل:
وبنفسجي الثوب قت - ... ل محبة من رائه
الآن صرت البدر حي - ... ن لبست ثوب سمائه ورأى ابن بردٍ غلاماً قد بيض على عادة أهل أفقنا في لباس البياض عند الحزن فقال:
أجل جفونك في ذا المنظر الحسن ... ولم على النأي منه حادث الزمن
واعجب لضدين في مرآه قد جمعا: ... شخص السرور عليه لبسة الحزن وفي لباس أهل أفقنا البياض على المتوفي يقول الحلواني:
لئن كان البياض لباس حزنٍ ... بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأني قد حزنت على الشباب
стр. 503
وقد أخذ هذا المعنى بعض أهل عصرنا وهو أبو العباس أحمد بن قاسم المحدث بقرطبة فقال:
قالت وقد نظرت فروعها ... شيب على فودي منتشر:
ما شأن تلك البيض - قلت لها: ... مات الشباب فبيض الشعر وقال ابن برد:
أقبل في ثوب لازوردٍ ... قد أفرغ التبر من عليه
كأنه البدر في سماءٍ ... قد طرز البرق جانبيه وقال أيضاً:
بأبي طائر حسنٍ ... لاقط حب القلوب
كلما اهتز جناح ال - ... صد هزت بالوجيب
يتغنى بلسانٍ ... معربٍ فوق قضيب:
أعطي الملك محب ... فاز مني بنصيب وينظر من هذا بعض النظر قول أبي نواس:
وما أنا إن عمرت أرى جناباً ... وإن ضنت بمبخوس النصيب
مقنعة بثوب الحسن ترعى ... بغير تكلفٍ ثمر القلوب
стр. 504
وقال ابن برد أيضاً:
كيف لا أعشق ظبياً ... سارحاً في ظل ملك -
إنما السمرة فيه ... مزج كافورٍ بمسك وهذا كقول ابن فتوح:
قد قضيبٍ وبدر ديجور ... وثغر در ولحظ يعفور
نازل صبري وأي مصطبرٍ ... يفي بتلك اللواحظ الحور
كأنما نوره وسمرته ... مسك مشوب بذوب كافور وقال ابن برد:
بأبي أنت وأمي ... لم تطبعت بظلمي -
أبداً تأتي بعتبٍ ... دون أن آتي بجرم
بيننا في الحب قربى ... سقم عينيك وجسمي وهذا كقول ابن الرومي:
يا عليلاً جعل العل - ... ة مفتاحاً لسقمي
ليس في الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمي وأخذه محمد بن هانئٍ فقال:
المدنفان من البرية كلها: ... جسمي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة: ... الشمس والقمر المنير وجعفر
стр. 505
وقال ابن برد:
يا كثير الجفاء لي ... ومضيعاً وسائلي
طال حبي ولم تفز ... منك نفسي بطائل
أنت لي هاجر وإن ... كنت في ثوب واصل
أنت أمررت منهلاً ... كان أحلى مناهلي
سوف أبكيك لا ستحا ... لة تلك الشمائل
بجفونٍ قريحةٍ ... ودموعٍ هوامل وقال أيضاً:
يا من بفيه يعبق العنبر ... ومن لماه سكر مسكر
صح الهوى منا ولكنني ... أعجب من بعد لنا يقدر
كأننا في فلكٍ دائرٍ ... فأنت تخفى وأنا أظهر وقال أيضاً:
صب ذكت في فؤاده الحرق ... يغرق في دمعه ويحترق
لدده في دجى صبابته ... وجه بماء الشباب مؤتلق
لما رمته العيون ظالمةً ... وأثرت في جماله الحدق
ألبس سن نسج شعره زرداً ... صيغت له من زمرد حلق وقال في مثله:
стр. 506
هو في الحسن كالجوا ... د بريح الصبا حذي
زين إذ جاء سابقاً ... بعذاري زمرذ وقال أيضاً:
وجه لمصباح السماء مباهي ... يبدي الشباب عليه رشح مياه
رقم العذار غلالتيه بأحرفٍ ... معنى الهوى في طيها متناهي
نادى عليه الحسن حين لقيته: ... هذا المنمنم في طراز الله وهذا كقول المتنبي:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا وقال ابن برد:
أعنبر في فمه فتتا ... أم صارم من لحظه أصلتا -
يا شارباً ألثمني شارباً ... قد هم فيه الآس أن ينبتا
انظر إلى الذاهب من ليلنا ... وامزج بماء الذهب المنبتا كأنه ذهب في البيت الثاني منها إلى معارضة ابن المعتز في قوله:
قد صاد قلبي قمر ... يسحر منه النظر
بوجنةٍ كأنما ... يقدح منها الشرر
стр. 507
وشاربٍ قد هم أو ... نم عليه الشعر
ضعيفة أجفانه ... والقلب منه حجر
كأنما مقلته ... من فعله تعتذر
الحسن فيه كامل ... وفي الورى مختصر وليست يد ابن بردٍ فيه عن مرماه بقاصرةً، ولا صفقته حين جاراه بخاسرةٍ، بل ساواه وزاد. وأجاد ما أراد. ألا ترى قول ابن المعتز على تقدمه: " قدهم أو نم عليه الشعر " لا يكاد يخرج عن لفظ العامة، وابن برد جمع في بيته بين ما بابين من أبواب البديع: فجانس بين الشارب والشارب، وأنبأ أن محبوبه في آخر درجة من المرودة وأول درجة من اللحية، بإشارة عذبة وعبارة حلوة رطبة، دون تطويل، ولا تثقيل - وقول ابن برد: " وامزج بماء الذهب المنبتا " -[يعنى بذلك الفضة، والمنبت مولد ليس من كلام العرب]- ينظر إلى قول الصنوبري:
وليلة كالرفرف المعلم ... محفوفة الظلماء بالأنجم
تعلق الفجر بأرجائها ... تعلق الأشقر بالأدهم
عدلت فيها بين خمرين من ... خمر العناقيد وخمر الفم
стр. 508
تناول الجام يدي من يدٍ ... موشية الراحة والمعصم
شبهت ذوب الراح في جامها ... بذوب دينار على درهم وإن كان الصنوبري أراد غير ما ذهب إليه ابن برد، لأنه أمر محبوبه ان يمزج له مدامة صفراء بماء زلال، والصنوبري شبه ذوب الراح في كأسها بذوب الذهب [وشبه الكأس بالدرهم، فعلم ابن برد الإشارة، وأن الخمر إذا اصفرت شبهت بالذهب] والمنبت إذا ذوب أشبه الماء، فناسب قول الصنوبري على هذه الإشارة. وقد نحا هذا النحو [بعض أهل أفقنا] وهو أبو علي الحسن بن حسان المعروف بالسناط فقال:
أدر كأسيك يا قمر الندي ... فقد نام الخلي عن الشجي
كفى بك والمدامة لي صباحاً ... يفرق عسكر الليل الدجي
فخذ ذهباً ورد له لجيناً ... تكن في النقد أربح صيرفي وقول ابن المعتز " والقلب منه حجر " ... البيت، كقول المؤمل المحاربي:
стр. 509
فما اكترثت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر - وبعده:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فتأتيكم فنعتذر وقال ابن برد:
بخداع عللوه ... وبهجر وصلوه
لم يبالوا يوم صدٍ ... أي وجد حملوه
أخرجوه عن محلٍ ... للتسلي دخلوه
بلغوا فيه الأعادي ... كل شيءٍ أملوه
رب ستر للتصابي ... فوقه قد سدلوه
وسنا نار حميا ... في الدجى قد أشعلوه
كلما سقوه كأساً ... إثر كأس قتلوه
وهلال بشري ... بنجوم كللوه
في بهيم من ظلام ... بسناه حجلوه
نشطوه ثم لما ... لان عظفاً أخجلوه
عذلوه عن وصالي ... حسداً ثم ولوه
إنما حبي فيكم ... مثل ما قد سألوه
стр. 510
وذكرت بهذه القطعة قطعةً على وزنها ورويها، ويتعلق بها خبر من سيء الأخبار وشرها. قالوا: كان الأمين محمد بن هارون يوماً على بركة ماء وقد عضه ببغداد الحصار، وأخذت عليه الأقطار، إذ دخل عليه غلامه كوثر الخادم الوسيم، وكان له من حبه جزء مقسوم، وقد أصابه سهم خرق حجاب قلبه فخر لحينه، فجزع عليه الأمين جزعاً كان دونه الجنون: ثن قال:
قتلوا قرة عيني ... ومن اجلي قتلوه
يا هلال الدجن قل لي ... ما لقومي جهلوه -
طلع البدر نهاراً ... فلذا لم يعرفوه
أخذ الله لقلبي ... من أناسٍ خرقوه! وذكر بعض الرواة أن أبا محمد التيمي زاد في هذه الأبيات فقال:
من رأى الناس له فض ... لاً عليهم حسدوه
مثلما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه وفي غلامه كوثر يقول، وقد نظر إلى طولع البدر، وهو يشرب على الفسطاط:
стр. 511
وصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني وما أراك أراكا
وإذا تنفس النرجس الغض ... توهمته نسيم شذاكا
خدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا ونكهة ذاكا
لأقيمن ما حييت على الشك ... ر لهذا وذاك إذ حكياكا وهو القائل فيه حين يئس من نفسه:
يا كوثري من ملكي إلا الذي ... تراه والجسران والماطر وقال ابن برد:
أسمر في اللون ولكنه ... قد وقف الصبح على الإفتضاح
يا عجبي من شادن أهيف ... يطارد الخيل ويثني الرماح
إذا مشى والجيش قدامه ... صاح عليه حسنه: لا براح وذكرت بهذا المعنى قول محمد بن هانئ وإن لم يكن به فيتطرف المغزى [بنا] إليه:
قمر لهم قد قلدوه صارماً ... ولو انصفوه قلدوه كوكبا
جاءوا به من بعد أن حشدوا له ... من ردفه جيشاً لئلا يغلبا
стр. 512
وكأنما طبعوا له من لحظه ... سيفاً رقيق الشفرتين مشطبا
خالسته نظراً وكان مورداً ... فاحمر حتى كاد أن يتلهبا
هذا طراز ما العيون كتبنه ... لكنه قبل العيون تكتبا
صفة تحير بعضها في بعضها ... حتى غدا التوريد فيها مذهبا وقال ابن برد:
زدتك ذلاً فزدت تيها ... واخطةً ذل من يليها!
ليتك حملت بعض ما بي ... فذقت ما ذقت منك فيها
يا شاعر الحسن بي ترفق ... لا تقتلني به بديها @ومن شعره في سائر الأوصاف
قال:
ويوم تفنن في طيبه ... وجاءت مواقيته بالعجب
تجلى الصباح به عن حياً ... قد أسقى وعن زهر قد شرب
وما زلت أحسب فيه السحا ... ب ونار بوارقها تلتهب
بخاتي توضع في سيرها ... وقد قرعت بسياط الذهب يناسب معنى البيت الثاني منها قول ابن حمديس الصقلي:
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور القاح وقوله: " بخاتي توضع في سيرها " ... البيت، يشبه قول الآخر من أناشيد أبي علي البغدادي:
стр. 513
حتى إذا ما رفع لآل الضحى ... حسبته سلاسلاً من الذهب وقد قال بعض أهل عصرنا وهو أبو بكر ابن بقي فذهب به مذهباً عجيباً، وولد معنى غريباً:
يا لك من برق ومن ديمةٍ ... خلتهما في ليلي العاتم
سوطاً من العسجد تومي به ... كف النجاشي إلى حاتم وقال ابن برد:
رضابك ري لمن قد عطش ... وقربك أنس لمن قد وحش
وكم ليلة جلتها فانجلت ... إلى مدنف زرته فانتعش
وقد فتح الأفق للناظرين ... عن شهلة الصبح هدب الغبش وينظر هذا إلى قول المعري:
وصبح قد فلينا الليل عنه ... كما يلفى عن النار الرماد وقال ابن برد:
عارض أقبل في جنح الدجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجى
أتلفت ريح الصبا لؤلؤه ... فانحنى يوقد عنه السرجا
стр. 514
وكأن الرعد حادي مصعب ... كلما صال عليه وسجا
وكأن البرق كاس سكبت ... في لهاة المزن حتى لهجا
وكأن الجو ميدان وغىً ... رفعت فيه المذاكي رهجا ومعنى البيت الثاني من هذا كقول ابن المعتز، وهو من أحسن ما قيل في الصبح:
والصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجى بسراج وقال تميم بن المعتز:
وكأن الصباح في الأفق بازٍ ... والدجى بين مخلبيه غراب وقال البحتري:
والصبح يلمح من خلال سحابه ... كالماء يلمع من خلال الطحلب وقال ابن برد:
سقاني وجفن الليل يغسل كحله ... بماء الصباح والنسيم رقيق
مداماً كذوب التبر أما نجارها ... فضخم وأما جرمها فدقيق
стр. 515
وقال أيضاً:
وكأن الليل حين لوى ... هارباً والصبح قد لاحا
كلة سوداء حرقها ... عامد أسرج مصباحا وقال أيضاً:
تأمل فقد شق البهار مغلساً ... كمائمه عن زهره الخضل الندي
مداهن تبر في أنامل فضةٍ ... على أذرع مخروطة من زبرجد وقال:
سقى جوف الرصافة مستهل ... تؤلف شمله أيدي الرياح
محل ما مشيت إليه إلا ... مشى في ابتهاجي وارتياحي
كأن ترنم الأطيار فيه ... أغان فوق أوتار فصاح
كأن تثني الأشجار فيه ... نصل عذارى قد شربن سلاف راح
كأن الجدول المنساب نصل ... صقيل المتن هز إلى كفاح
كأن رياضه أبراد وشي ... تعطف فوق أعطاف ملاح وقال:
يا نعمة من عشيٍ غاب حاسده ... وصح فيه اجتماع دون تشتيت
стр. 516
[رحنا إلى النهر والأرواح لاعبة ... بموجه بين إحياء وتمويت]
ولاح في الماء منه منظر حسن ... حبست مني عليه طرف مبهوت
كأنما هو من صافي اللجين وقد ... ذابت على متنه زرق اليواقيت وقال يصف كلف البدر:
والبدر كالمرآة غير صقلها ... عبث العذارى فيه بالأنفاس
والليل ملتبس بضوء صباحه ... مثل التباس النفس بالقرطاس ورأيت ابن برد قد ذكر في كتابه أنه لم يسمع فيه لأحد شيئاً، وابن المعتز القائل في وصف الفرند:
جرى فوق متنه الفرند كأنما ... تنفس فيه القين وهو صقيل قال أبو الحسن: وإذ قد انتهينا إلى ذكر البدر فنلمع بشيء مما قبل فيه من مقطوعات وأبيات لها موقع بهذا الموضع، لمحدثين متقدمين ومعاصرين:
قال ابن المعتز:
انظر إليه كزورق من فضةٍ ... قد أثقلته حمولة من عنبر
стр. 517
وسمع ابن الرومي هذا التشبيه فقال: أنا لم أر قط زورقاً من فضة، وإنما أصف ما شاهدته، وأشبه بما عاينته، قال:
ما أنس لا أنس خبازاً مررت به ... يدحو الرقاقة وشك الملح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفه كرةً ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بقدار رؤيتها في كفه كرةً ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر [وقال المعري:
ولاح هلال مثل نون أجادها ... بذوب النضار الكاتب ابن هلال] وقال:
وكأن الهلال يهوى الثريا ... فهما للوداع معتنقان وقال ابن المعتز:
مثل القلامة قد قدت من الظفر ...
стр. 518
وقال أبو المغيرة ابن حزم:
لما رأيت الهلال منطوياً ... في غرة الفجر قارن الزهره
شبهته والعيان يشهد لي ... بصولجان أوفى لضرب كره وله:
قلبي وقلبك لا محالة واحد ... شهدت بذلك بيننا الألحاظ
فتعال فلنعظ الحسود بوصلنا ... إن الحسود بمثل ذاك يغاظ وله إلى من ودعه، وأودعه من الجوى ما أودعه:
يا من حرمت وصاله أو ما ترى ... هذي النوى قد صعرت لي خدها -
زود جفوني من جمالك نظرةً ... فالله يعلم إن رأيتك بعدما قال ابن برد: ولما مات محمد بن ربيب، صنيعة أبي الأحوص وأبي عتبة، وورد الخبر قرطبة، سألني أبو عامر بن شهيد رثاءه ووصف علته، وكانت العلة الكبرى، فقلت:
سيروح المرء إن لم يغتد ... والمنايا للفتى في مرصد
مات من كنا نراه أبداً ... بارئ النفس عليل الجسد
بحر سقم ماج في أعطافه ... فرمى في جلده بالزبد
كان مثل السيف إلا أنه ... حمل الدهر عليه فصدي
стр. 519
وكأن المرء لم يحم الأذى ... لائذ منها بثنيي زرد
ينثني الإخوان عنه جانباً ... ويفل الدهر قصد العود
وترى المشفق عنها ينزوي ... وترى الآنف منها يفتدي ومن بدائعه العقم، المستنزلة للعصم، وما أرى أبا الحسن تجافى عنها غاضاً منها، لكن قدر أعجله، أو زمن لم يسمح له، ولأمر ما عطل هذا الورق، وأحال على الأيام أن تستنطق، فالحمد لله الذي لم يثكلنا بها، ويسرنا لاكتتابها.
رسالة في السيف والقلم وكتبها إلى الموفق أبي الجيش مجاهد، يقول فيها: أما بعد حمد الله بجميع محامده وىلائه، والصلاة على خاتم أنبيائه، فإن التسابق من جوادين سبقا في حلبة، وقضيبين نسقا في تربة؛ والتحاسد من نجمين أنارا في أفق، وسهمين صارا على نسق؛ والتفاخر من زهرتين تفتحتا من كمامة، وبارقتين توضحتا من غمامة، لأحمد وجوه الحسد، وإن كان مذموماً مع الأبد. وربما امتد أحد الجوادين بخطوة، أو خص أحد القضيبين بربوة، أو كان أحد السهمين أنفذ مصيرا، أو راح أحد النجمين ضوأ تنويرا، أو غدت الزهرتين أندى غضارة، أو أمست إحدى البارقتين أسنى إنارة؛ فالمقصر يرتقب تقدماً، وتقارب الحالتين في المجانسة يشب نار المنافسة، وإن حال بينهما قدح النقاد، وقبح تحاسد الأضداد.
وإن السيف والقلم لما كانا مصباحين يهديان إلى القصد، من بات يسري إلى المجد، وسلمين يلحقان بالكواكب، من ارتقى لساميات المراتب، وطريقين يشرعان نهج الشرف لمن تقوى إليه، ويجمعان شمل الفخر لمن تأشب عليه، ووسيلتين يرشفان العلى فم عاشقها، ويبسطان في وصال المنى يد وامقها، وشفيعين لا يؤخر تشفيعهما، ومجمعين لا يفرق تجميعهما، جررا أذيال الخيلاء تفاخراً، وأشما بأنف الكبرياء تنافراً، وادعى كل واحد منهما أن الفوز لقدحه، وأن الوري لقدحه، وأن الدر من أصدافه، وأن البكر من زفافه، وأن البناء من تشييده، وأن الملاء من تعضيده، وأن كباء الثناء
стр. 520
موقوف على مجامره، وأن خطيب الفخر محبوس على منابره، وأن حلل المآثر من نسيجه، وأن أفراد المفاخر من تزويجه. وحين كشف الجدال قناعه، ومد الخصام ذراعه وهز الإباء من عطفه، وأشم الأنف من أنفه، قاما يتباريان في المقال، ويتساجلان في الخصال، ويصف كل واحد منهما جلال نفسه، ويذكر فضل ما اجتني من غرسه، ويبأى بمنقبة نافرت السها، ومرتبة ريضة خيسها، ورياسة من ذوائب الجوزاء صادها، ونباهة في صهوة العيوق أفادها.
فقال: ها، الله أكبر! أيها المسائل بدءاص يعقل لسانك، ويحير جنانك، وبديهة تملأ سمعك، وتضيق ذرعك. خير الأقوال الحق، وأحمد السجايا الصدق. والأفضل من فضله الله في تنزيله، مقسماً به لرسوله، فقال: ﴿ن. والقلم وما يسطرون﴾ (القلم: ١) ، وقال: ﴿أقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ (العلق: ٤) فجل من مقسم، وعز من قسم، فما تراني، وقد حللت بين جفن الإيمان وناظره، وجلت بين قلب الإنسان وخاطره - لقد أخذت الفضل برمته، وقدت الفخر بأزمته.
فقال السيف: عدنا من ذكر الطبيعة إلى ذكر الشريعة، ومن وصف الخصلة إلى وصف الملة، لا أسر ولكن أعلن، قيمة كل امرئ ما يحسن. إن عاتقاً حمل نجادي لسعيد، وإن عضداً بات وسادي لسديد، وإن فتى اتخذني دليله لمهدي، وإن امرءاً صيرني رسيله لمفدي؛ يشق مني الدجى بمصباح، ويقابل كل باب بمفتاح. أفصح والبطل قد خرس، وأبتسم والأجل قد عبس؛ أقضي فلا أنصف، وأمضي فلا أصرف؛ أزري بالوفاء، وأهتك اللأمة هتك الرداء.
فقال القلم: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، وقبحاً للتحلي بالجور. وتسود ما بيض الصفاء، وتكدر ما أخلص الإخاء، وتوكد أسباب الفتن، وتضرب بقداح الفتن. الحق أبلج، والباطل لجلج، إن فإنها في قدحها لمأمونة الطائر، محسود الباطن والظاهر. أحكم فأعدل، وأشهد فأقبل؛ وترحل عزماتي شرقاً
стр. 521
وغرباً ولا أرحل؛ أعد فأفي، وأستكفى فأكفي، أحلب الغنى من ضروعه، واجتني الندى من فروعه. وهل أنا إلا قطب تدور عليه الدور، وجواد شأوه يدرك الأمل، شفيع كل ملك إلى مطالبه، ووسيلته إلى مكاسبه؛ وشاهد نجواه قبل كل شاهد، ووارد معناه قبل كل وارد.
فقال السيف: يالله! استنت الفصال حتى القرعى، ورب صلف تحت الراعدة؛ لقد تحاول امتداداً بباع قصيرة، وانتفاضاً بجناح كسيرة. أمستعرب والفلس ثمنك، ومستجلب وكل بقعة وطنك - جسم، ودمع بار، تحفى فتنعل برياً، حتى يعود جسمك فيا، إن الملوك لتبارد إلى دركي، ولتتحاسد في ملكي، ولتتوارثني على النسب، ولتغالي في على الحسب؛ فتكللني المرجان، وتنعلني العقيان، وتلحفني بخلل كحلل، وحمائل كخمائل، حتى أبرز براز الهندي يوم الجلاء، والروض غب السماء.
فقال القلم: من ساء سمعاً ساء إجابة. أستعيذ بالله من خطل أرعيت فيه سوامك، وزلل افتتحت به كلامك؛ إن ازدراءك بتمكن وجداني، وبخس أثماني، لنقص في طباعك، وقصر في باعك؛ ألا وإن الذهب معدنه في العفر، وهو أنفس الجواهر، [والنار] مكمنها في الحجر، وهي إحدى العناصر، وإن الماء وهو الحياة، أكثر المعايش وجداناً، وأقلها أثماناً، وقلما تلفى الأعلاق النفيسة، إلا في الأمكنة الخسيسة. وأما التعري، فغنينا بالجمال عن جر الأذيال؛ وهل يصلح الدر حتى يطرح صدفه، أو يبتهج الإغريض حتى يشذب سعفه، أم يتلألأ الصبح حتى تنجلي سدفه - إن الضحاء
стр. 522
للرجال معروف. وإن الخفر على النساء موقوف. ولولا جلاء الصياقل صدأك لأسرعت ذهاباً، وعدت مع التراب تراباً.
فقال السيف: جعجعة رحى لا يتبعها طحن، وجلجلة رعد لا يليها مزن، في وجه مالك تعرف أمرته؛ وجه لئيم، وجسم سقيم، وغرب يفل، ودم يطل، ودموع سجام، كأنهن سخام، ورأس يتقلقل فيه لب، وجوف لم يتخضخض فيه قلب، أوحش من جوف العير، يشهد عليه كثرة الجور بقلة الخير. فهب من نومك، وأفطر من صومك، وتحكم بطرف نظار، في جسم ماء وحلة نار. إن امتضاني جاهل، أوهمته أني سائل، ففر خوفاً أن يغرق، وولي حذراً أن يحترق؛ في بحر زبده الشعل، وبرق سحابه الخلل. لو انتضت والشم كاسفة لم ينظر وقت تجليها، أو السنون مجدبة أيقن بالحيا راعيها. قد خط الفرند في صفحتي أمثال صغار الخيلان، في البيض من صفحات الحسان. أكرع يوم الوغى في لبة البطل، فأعود كالخد كسي صبغ الخجل، كأنما اشتملت بالشقيق، أو شربت ماء العقيق.
فقال القلم: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً. ما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة. إن ماءك السائل الجامد، وإن جرمك الملتهب لبارد، ولن يغرق فيه حتى تكرع في السبسب العطاش، ولن يحترق به حتى يقع في نار الحباحب الفراش، فأقصر عن جفنك من العمى رواقاً، واحلل من خصرك للجهل نطاقاً، يسفر البلاء لك عن قضيب عاج، ولسان سراج، وقدح ورق جلل بالعقيان، وحلة نرجس فوق جسم أقحوان؛ لليل في فوديه لطخ، وللمسك في صدغيه نضخ. أنجلي عن المهارق، انجلاء
стр. 523
الغمام عن الحدائق، وأرقم في بطون الصحف، مالا يرقم الربيع في الروضة الأنف، من منمنم يختال بين مسهم، ومعضد فوق مسرد.
ولما كثر تعارضهما، وطال تراوضهما، وقابل كل واحد منهما بجمعه جمعاً، وقرع بنبعه نبعاً، ولم ينثن أحد الصارمين كهاماً، ولا ارتد أحد العارضين جهاماً، تبادرا إلى السلم يعقدان لواءهما، وإلى المؤالفة يردان ماءها؛ وقالا إن من القبيح أن تتشتت أهواؤنا، وتتفرق آراؤنا، وقد جمعنا الله في المألف الكريم، وأحلنا بمحل غير ذميم، بأعلى يد نالت آمالها، ووافت المطالب في أوطانها، ولم تقابل باباً مغلقاً إلا قرعته، ولا حجاباً مضلعاً إلا رفعته، ولا جداً عاثراً إلا أقالته، ولا أملاً غائراً إلا أسالته - تلك يد الموفق أبي الجيش مولى المعالي ومسترقها، ومستوجب المكارم ومستحقها، العاقد لواء المجد بذوائب السماك، والمطل بفخره على الأفلاك، والمقدم إذا أحجمت الأبطال، والضاحك إذا بكت الآجال، والساري إلى العلياء إذا أدلج الكرام، والمسهد في الآراء إذا هجد الأنام، والطالب ثأر العديم بجوده، والمشفع النيل بمزيده، والمسعف لميعاده، والمخلف لإيعاده، والمجري في ذاويات الهمم ماء، والمطلع في ظلمات الآمال سناء. فإذا قد عدل بيننا بكمه، يوم وغاه ويوم سلمه، فجاوز بك حد المسالمة، وجاوز بي حد المشارسة، ولم يثنك حتى بلغ مناه، ولم يثنني حتى وافق، ولم يقصر بي عن غاية بلغك إليها، ولم يقدمك إلى مرتبة أخرني عنها، فأجمل رداء نرتديه، وأفضل حذاءٍ نحتذيه، وأهدى سبيل نقصده، وأصفى منهل نرده، مؤالفة نجرر ذيلها، ونميل ميلها، ومعاشرة نتجانى ثمارها، ونتعاطى عقارها، وذنوب نخلي أوطانها، ونهدم بنيانها، ودمن نعفي دمنها، ونرد في أجفانها وسنها.
ثن ثقال القلم: إن مما نبرم به عقدنا وننظم عقدنا، ويستظهر به بعضنا على بعض، إن حالت حال، كان للدهر انتقال، أن نخط كتاباً مصيباً، يكون لنا مناباً وعلينا رقيباً، فقد يدب الدهر بعقاربه، بين المرء وأقاربه، ويسعى بالنميمة، بين الفرعين من الأرومة.
فقال السيف: أنت والبيان، وجرياً والميدان. فقال القلم: إن النثر في ذلك مثل
стр. 524
يسير، وإن الشعر في ذلك ذكر خطير، وإن لشدو الحادي، وزاد الرائح والغادي. وأختاره على النثر، تنويهاً بالذكر، فقال:
قد آن للسيف ألا يفضل القلما ... مذ سخرا لفتىً حاز العلى بهما
إن يجتنى المجد غضاً من كمائمه ... فإنما يجتنى من بعض غرسهما
ما جاريا أملاً فوافيا أمداً ... إلا وكانت خصال السبق بينهما
سقاهما الدهر من تشتيته جرعاً ... ولليالي صروف تقطع الرحما
حتى إذا نام طرف الجهل وانتبهت ... عين النهى قرعا سنيهما ندما
راحا بكف أبي الجيش التي خلقت ... غمامة كل حين تمطر النعما
فعاد حلبنهما المنبت منعقداً ... وراح شملهما المنفض ملتئما
يا أيها الملك السامي بهمته ... إلى سماء علاً قد أعيت الهمما
لولا طلابي غريب المدح فيك لما ... وصفت قبل علاك السيف والقلما
وإنما كان تعريضاً كشفت به ... من البلاغة وجهاً كان ملتثما:
أما بعد - جعلك الله من المؤثرين على أنفسهم والموقين شحها، والمنجزين لمواعيدهم والمعطين صدقها - فقد علمت ما سلف لنا في العام الفارط من عتابك، ولبسنا شكته من ملامك، لما كتمتنا صرام النخلة التي هي بأرضنا إحدى الغرائب، وفريدة العجائب، هرباً من أن نلزمك الإسهام في رطبها، وحرصاً على تمام لذة الاستبداد بها، وقلت، وقد سألناك من جناها قليلاً، ورجونا أن تنيلنا منها ولو فتيلاً: لو علمت أن لكم به هذا الكلف، وإليه هذا النزاع، لأمسكته عليكم وجعلت حكم جداده إليكم؛ ولكنها إن شاء الله في العام الآنف غلتكم، عتاد نفيس لكم، وذخر حبيس عليكم.
فأما نحن فرسمنا تلك العدة في سويداوات قلوبنا، ووكلنا بها حفظة خواطرنا؛ وأما أنت فهلت عليها التراب، وأسلمتها إلى يد البلى. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها
стр. 525
وأزينت زينتها، وبلغت غايتها، وأشبع صبغها، وأحكمت الشمس نضجها، دببت إليها بصرامك، ومشيت نحوها الجهر بجرامك، على حين نام السمار، وغفلت الجارة والجار، وأبت بها إيابة الأسد بفريسته، وتحكمت فيها تحكمه في عنيزته.
ولما رأينا على ذلك طلائع الرطب في الأسواق، والجني من بكر النخيل على الأطباق، هزت جوانحنا ذكر العدة، وقلقل أحشاءنا حذر الخيبة، فركضنا الهماليج إلى حرمتك، وجعلنا نشتد طمعاً في لقائك، فلما غشينا الجهة تلقانا فتىً وضاح الجبين، آخذ بالعيون، في وجهه للأدب شاهد، وبين عينيه من الظرف رائد، فقال: بأبي أنتم، وعين الله تكلؤكم حيث كنتم، أراكم ناشدي ضالة أو مستدركي سيب فائت، فاسألوا فربما سقطتم على الخبير، وشاوروا فالمشورة تفتح غلق الأمور. فقلنا له: بآبائنا أنت، إنا لنرجو بيمن لقياك ظفراً بالمطلب، ونجحاً في المذهب. جارك وصديقنا الذي نحن تلقاء منزله، وفي حاشية محله، وعدنا منذ عام بأن يسهم لنا في جنى نخلة لديه، لم تتفقأ تربة هجر عن مثلها، ولا أوت قماري بصرى إلى شكلها، فجئناه لنأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين.
قال الفتى: يا لإخواني في الخيبة، وشركائي في فوت الأمل؛ أنا ساكن المحلة التي منبت هذه النخلة في ساحتها، وقد صرمها منذ خمسة عشر يوماً؛ ولقد كنت قبل صرامها أمنحها نظر العاشق إلى المعشوق، فإذا رأت الطير وهي على سعفها ما أواصل إليها من لحظاتي، وأتابع عليها من زفراتي، رمتني بأفراد من رطبها أحلى من شفاه العذارى. وأنا اليوم أبكي منها ربعاً خالياً، وبعد ثالثة أغدو عنها جالياً.
стр. 526
فما هذا الخيس أبا عبد الله بعهدك، وما هذه الربدة في وجه عدوك، وما هذا الاستئثار على إخوانك المؤثرين لك - إن كنت لم تحضرنا يوم صرامها لنحتكم على قولك فيها، ونأخذ معك بأجزل الأقسام منها، فالعذر لا يضيق عنك، واللوم لا ينبسط إليك. هات مما ذخرته لساعات تفكهك، أسهم لنا فيما اعتدته ليوم نوروزك. لم يكن جناها بنزر فيقتسمه الإهداء، ولا بدون فتطيب عنه النفس. ولا تخش منا ما أفسد به حين قال لهم: " أكلتم تمري وعصيتم أمري "، إذا نحن أكلنا منها فمرنا نناصب عنك أعداءك براً وبحراً، ولا نعص لك أمراً.
جلعنا الله فداك: نحن عصابة نتحلى بأدب، وننتمي إلى حظ غريب وصياغة قريض. وربما لم تصدق في هذا الطريق مضاءنا، ولا قبلت يقيناً غناءنا؛ فأدرنا أن نصف لك شيئاً من كلام العرب في النخل وبدء نباته، والتمر حالاته، فإن سرك ما جئنا به، وراقك ما أفضنا فيه، جعلت جوائزنا تمراً، وكان ذلك لنا أجراً.
نعم، تقول العرب لصغار النخل: الجثيث، والودي، والهراء، والفسيل، والأشاء، والكافور، والضمد، والإغريض. فإذا انعقد سمته السياب، فإذا اخضر قبل أن يشتد سمته الجدال، فإذا عظم فهو البسر، فإذا صارت فيه طرائق فهو المخطم، فإذا تغيرت البسرة إلى الحمرة فهي شقحة، فإذا ظهرت الحمرة فهي الزهو وقد أزهى، فإذا بدت فيه نقطة من الإرطاب قيل وقد وكت، هي بسر موكتة، فإذا أدرك حمل النخلة فهو الإناض، فإذا أتاها التوكيت من قبل ذنبها فهي مذنبة، فإذا بلغ الإرطاب نصفها فهو المجزع والمجرع، لغتان، فإذا بلغ ثلثيها فهي حلقانة، فإذا جرى الإرطاب فيها كلها فهي منسبتة.
стр. 527
فيا أبا عبد الله أمجدنا رطباً، نمجدك خطباً. هذا قليل من كثير، وثماد من بحور، وليس يطيب وصفنا نظماً ونثراً لمناقب هذه النخلة إلا بعد اختيارنا منها، وفوز قداحنا بها. إذا أنت فعلت فكلفنا فيها خاصة ما تكلفه عمرو بن بحر الجاحظ في نخل الدنيا عامة نأتك به، ونربي فيه عليه. ولعلك تحب أن تسمع شيئاً من منظوم الكلام في النخل يذيب من جمودك، ويولد عقيم جودك، فالمنظوم خداع بحسنه، مستميل بطنه. أنشد الأصمعي لأبي الغفار الرياحي:
غدت سلمى تعاتبني وقالت ... رأيتك لا تريغ لنا معاشا
فقلت لها أما تكفيك دهم ... إذا أمحلت كن لنا رياشا
بوارك ما يبالين الليالي ... ضربن لها وللأيام جاشا
إذا ما القاريات طلبن مدت ... بأسباب ننال بها انتعاشا
ترى أمطاءها بالبسر هدلاً ... من الألوان ترتعش ارتعاشا هذا وإنا لنخشى أنك أزيد تمادياً في أمرك، وأعظم شحاً على تمرك، إراغة المعاش ومعالجة الاقتيات. فقال لها: في النخل التي رزقنا الله كفاف من العيش كاف، وبلغة من القوت مقنعة. ثم أعظم من أمرها بدنو طعامها في الجدوب، وصبرها لتصرف الليالي والأيام. وما ترى أرسل هذه الأبيات على ألسنتنا إلا شيطان قد شكا إليك عسرة فأنلته بسرة. فهو يحب إبقاءنا عندك، ودفع متطفلي الإخوان عنك؛ فلعن الله الشيطان وأعاذنا منه، وصلى الله على محمد ولا صدنا عنه، فإنه يقول: " نعمت العمة لكم النخلة "، والخطاب لجميع المسلمين. وأنت قد استوليت على عمة من عماتهم، تستبد بخيرها دونهم، وتمسك معروفها عنهم. ونحن رجال من بني أخيها أتينا نعتقها، فإن أنت سويتنا مع نفسك فيما تدر به عليك، وتملأ منه يديك، وإلا نافرناك إلى السلطان، وألبنا عليك أبناء الزمان، ونستغفر الله ونسأله أن يبدلنا من بخلك نوالاً، وبمطلك إعجالا.
ورسالة سماها بالبديعة في تفضيل أهب الشاء على ما يفترض من الوطاء، يقول فيها: ألهمك الله مراشد الأمور، ومنحك صواب التدبير، وعرفك
стр. 528
من بركة التواضع ما يدخلك في أهله، وقبح إليك من نقيضه الكبر ما يعدل بك عن سبله، وجعل أحب أسباب معايشك إليك، ما عاد قليله بكثير المنفعة عليك. وما دعائي هذا بحق استوجبته بالتسليم لمن إلى الدنيا سبقك، وإلى باكورة التجارب مد يده قبلك، ولكنه عرض لمحاسن الأخلاق عليك، وضراب عن وجه المعاتبة لك، في الهوة التي كانت منك. وإني وإن كان شأو سني أمد، وساعد زمني أشد، وكنت بالأيام أقطن، ولمسائل تجاريبها أفطن، فما احب أن أقتني الخمر بالربا، ولا أن أجزع عن أحمد أخلاق أهل الفتا، فأحتج عليك معنتاً، وأرادك القول مجملا، استطالة بأبهة الكبر عليك، وأنساً إلى مساعدة الجاهلين فيك، على ما عليه اليوم أقوام أساءوا تدبيرهم، وجهلوا مقاديرهم، ورأوا لأنفسهم من الحق ما لم يجعلهم الله له أهلاً، ولا أسلكهم منه حزناً ولا سهلاً. وإن طالت مناقلتنا الكلام، وامتد لنا ميدان الخصام، فلا تحسبني منهم، ولا تنظمني في سلكهم، وانثن من دوحة كلامك على أي غصن شئت، وانعطف من جداول معانيك في أي جزع أحببت.
عبتني - أعزك الله - بارتخاص الأشياء ومقا في الشراء، وقلت: لم تؤثر ذلك إلا اللؤم الخليقة، والهمة الدقيقة، وإلا فالشيء ربما غولي في ثمنه لطول الاستمتاع به، وتعرف نماء فائدته، وربما مالت نفس الحريص إلى الرخيص، فطال بقاؤه معه، وبلغ في التعويض منه أضعاف الذي كان استشنعه، ونامت هناك عين الرأي، واحتجب دونك وجه النظر. وسأفسح للكلام ميداناً، وأنثر عليك من الألفاظ مرجاناً، وأعاطيك من سلاف المعاني أكواساً، وأشمك من روض البيان آساً، وأريك صورة الحسنة في جمالها، وأعطيك الحلية بزمامها، فلعلك أن تكون سلس الرجوع إلى الحق، ملوي ثني العنان عن التمادي في الباطل، فنروح مشكورين: أنت على الاستماع وأنا على الإفهام.
جل ما له عبت، وفيه قلت ورددت، وبه أبدأت وأعدت، [من] إيثاري في الصيف والشتاء، اهب الشاء، ومراوحتي منها في البرد والحر، بين البطن والظهر. وأي بساط منها أدل عل التواضع وأعرب عن القناعة، وأدفأ في السبرة، وألين في المس، وأخف في المحمل، وأمكن للنقلة، وأوفق لمقدار الحاجة، وأجدر بطول المتعة
стр. 529
وأبقى على حدث الدهر، وأغنى عن تكلف التبطين ومراعاة الترفيع، والمحافظ على الطي والنشر - تجد على الابتذال، وتعتق مع الامتهان، ولا تحوجك إلى خياط ينازلك في السوم، ويخجلك أما القوم، تنتح جبينك بعرق الاختلاف إليه، وذل التكرر عليه، وهو تبحبح في دكانه، واشتغل عن سوء مقامك باستطالة محادثة صبيانه. ثم لعل القمل الذي يكون لم يحضرك، فتشمت العدو بنفسك، وتبدي ما كان مستوراً من مالك. هذه بأنفسنا مكتفية، وعن سواها مستغنية، مع صيانة المروءة ووقاية ماء الوجنة. إن قلبتها لبطونها شتوت على وثارة، أو صرفتها لظهورها صفت في لدونة. للعيال فيها - فضلا عنك - على تقادم العهد ووقوع الاستبدال، أكبر عون وأكمل انتفاع، في التمهيد للطفل الصغير، واستعمالها في أبي الخمير في سحرة الليلة القرة. فإن دعتك حاجة نفسك إلى البكور بالغداة، فقد وجدت من ذلك نعم المعين، وإن أدلج إليك ضيف يكرم عليك، لم يكن بحضوره لوقته عندك منفس تقيسه به وتقرنه معه.
وبعد، فإنك لا تتكلف شراءها إلا في وقت تتقرب إلى ربك به، وتستجزل من كريم ثوابه عليه، لأنك تستعملها في أضحيتك التي ترجو بركتها، وتأخذ نسيئة إليها فيها، فتنفلك أجر أخراك، وتعجل لك منفعه دنياك. ثم أن جردتها مع الأعوام فتجرد آخر استئناف منفعة، فهي أيمن قعيد لك، وأغبط كائن معك.
وباب الارتخاص الذي نعيت علي هاهنا، باب قد قامت الدلائل على فضله، وكان له ظهري من نفسه. فغال ولو في درانك عبقر، ورفرف تستر، فلن تبلغ من هذه الفضيلة، ولن تحظى بمثل هذه المزية، مع قلة المؤنة ونزارة الكلفة.
ثم أعلن أنها من معاهد صالحي السلف ورؤساء الحكمة، الذين كانوا بالدنيا أعرف، وعن زخارفها أعزف، جاءت بذلك الأخبار، ونقله الخيار. ولم يجعل الله من هذا الجنس أقرب قربان فدى به ابن خليله، وسماه ذبحاً عظيماً في تنزيله، إلا لسر من فضله سبق في علمه.
فإن قلت: لا ترى صنفاً من الناس أكثر افتراشاً لها من المعلمين، وقد قيل إن الثقل لا يرضى عندهم، فكيف تسلم في حسن الاختيار لهم، واختيار المرء قطعة من عقله، وعيار على نقصه أو فضله - قلت لك: الصوف تجمع أنت وكل ذي معرفة على أنه زي
стр. 530
النساك، ولباس المنقطعين للتعبد، وعمدة الطراز الأول من السلف. فإن قلت: وهاهو في جزيرتك زي رهبان البيع وأرباب الخانات، وهم أضعف الناس أحلاماً وأدناهم طينة، والقائلون بأن الله ثلاثة - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فجملة القول في هذا المعنى أنه لم يحجب الله تعالى وجوه المعاش، التي يصحبها جميل النظر، ويلوح عليها سيما البركة عن جنس من خلفه دون جنس، ولا أبداها إلى صنف وحجبها عن صنف، بل ألهم الكل إلى رشده، وعرفه نهج معرفته، الأشكال والمراتب، واختلفت النحل والمذاهب. كما جعلها لقدرته في سائر الحيوان من الطائر والداخر بين الآنس والشارد في صحصح القفر، كل ختلف مسعاه لنفسه، ووجه تدبيره لشأنه، على ما يسر ما تعود وألهم إليه. والمعلمون نظروا إلى ضعف سبب اكتسابهم، وفكروا في تيسر ما تعود عليهم صناعتهم، فأخذوا بالأقوى والأرفق، واعتمدوا على الأرخص والأوفق، ثم علموا أنهم إن تحاملوا على أنفسهم، وافترشوا ما يزينهم لم يلبث أحدهم أن يقوم عن مجلسه لبعض الأمر أو لقضاء الفرض، فتقوم حرب لعب الصبيان على ساق، وتبلغ بتمزيق ذلك الذي افترشه وغالى فيه بالأيدي والأقدام، والترامي والأزدحام، ما لا تبلغ أنياب كلاب القنص في إهاب العقيرة، فيعود ما يسخن العين، ويوجب الرين. وهذا النوع الذي أنسوا إلى خيره، وآثروه على غيره، لو أقامه الصبيان مقام الطبل، وجعلوه هدفاً للنبل، لم يكن أثرهم فيه إلا أثر الندى في صم الصفا.
وفي اختلاف ألوانه تذكرة للناظر إليه، وعظة لمجيل بصره فيه، فما كان منه أسود ذكر بسواد الشباب، وقميص الفتوة، وطيب زمن الحداثة، فأبكى لفراقه، وقلة المتعة به؛ وما كان أبيض ذكر ببياض المشيب، ونذير الرحلة ورائد الأجل، فجر إلى العبادة وبعث على صالح العمل.
هذه - أبقاك الله - خصال لو قسمت على كل مستعمل لهذا الشأن من رخيص وغال، ودون وعال، لأربت على الكفالة، وجازت مدى الغاية، فعها من ممليها، ودع القوس لباريها، وأسلم أعنة الجياد إلى مجريها. لم آت في معناها بظلمة تحتاج إلى صباحك، ولا جئت بلفظ ذي تهمة يضطر إلى إيضاحك. فإن كنت قد لبست شكة المعارضة، وأوترت قسي المناقضة، ورشت سهام المناقلة، فإلى غيري فاكشف صفحتك
следующие страницы →