Полный текст (3 281 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فعاتبه حلالي في اقتحامه عليهم وقال له: الفوت خفت أبا مسعود في بدارك -! أهذا دخول مكتئب بفراق عشيرته -! هو بدخول شامت أشبه! ! كأنك فتحت بلدا وطردت عدوا -! فاعتذر له حبوس، وقال: ما ذاك إلا لرسم الإمارة، وإرهاب الرعية. ثم استوطن حبوس البلد وأورثه عقبه.
قال ابن حيان: وبلغني أن زاوي استوهب علي بن حمود، يوم قتل سليمان بن الحكم رأسه، حنقا على بني مروان المهدى إليهم رأس زيري والده، وأنه أسعفه بذلك، فصار عنده، ونقله من الأندلس معه في ذلك الوقت مفتخرا به على أهل بيته. فإن يكن ذلك حقا فزاوي أكبر من أدرك الثأر المنيم، ورحض العار المقيم. وأخبار هذا الداهية زاوي كثيرة، ونوادر أفعاله مأثورة.
وكان حبوس هذا أحد نابي برابرة الأندلس اللذين يفترون عنهما لم يبق بعده يومئذ، سوى محمد بن عبد الله نظيره، من ترهب لد شذاة. وكان على قسوته يصغي إلى الأدب، وينتمي في العرب، للأثر المقفو في قومه صنهاجة. وكان يؤثر لذلك " كتاب التيجان " لابن دريد في ذكر مناقبهم، ولا يغب سماعه ومطالعته. وكان وقورا حليما، فظا مهيبا، نزر الكلام، قليل الضحك، كثير الفكر
стр. 457
شديد الغضب، غليظ العقاب، شجاعا حسن الفروسية، جبارا متكبرا داهية، واسع الحيلة، كامل الرجولية، له في كل ذلك أخبار مأثورة.
أخبرني أبو الوليد ابن زيدون قال: سأل حبوس يوما محمد بن عبد الله في بعض التقائمها عن سنه بمعراض فقال: ابن كم كنت يوم قتل ابن الخير - فأجابه مسرعا: كنت يوم قتل زيري بن مناد يفعة، وشهدت وقعته مع قومي ابن كذا. فتبسم حبوس، وعجب من حضر من فطنتهما. وإنما أراد حبوس تعيير ابن عبد الله بمقتل ابن الخير سلطان زناتة المصاب في وقعة صنهاجة، فعارضه ابن عبد الله بذكر وقعتهم بجد حبوس زيري بن مناد. فلو كانا في الرعيل الأول من أذكياء العرب ما زاد على ما أتيا به.
وقد أعاد علي ولد ابن عبد الله أيام لقيته بقرطبة عن والده محمد ابن عبد الله بألطف من هذا التعريض، مكتفيا باسم الموضعين عن ذكر اسم الرجلين، فقال: قال حبوس لوالدي يوما: أشهدت يوم تلمسان - فقال له والدي: لا، مشاهدي يوم كرض؛ ويوم تلمسان يوم الخير وزناتة، ويوك كرض يوم زيري وصنهاجة. فلمي يزد أحدهما
стр. 458
على التبسم، وما درى من معهما ما ذهبا إليه؛ انتهى كلام ابن حيان.
قال ابن بسام: ومن مليح التلويح بالمعاريض قول رجل من نمير وقد سايره ابن هبيرة الفزاري فزادت بغلة النميري عليه، فقال له ابن هبيرة: غض من لجامها، فقال: أنها مكتوبة - أعزك الله - فضحك. وإنما أراد ابن هبيرة قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... وأراد النميري قول ابن دارة في فزارة:
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار وكانت فزارة ترمى بإتيان الإبل، ولذلك قال الفرزدق يهجو ابن هبيرة:
[أمير المؤمنين وأنت بر ... حليم لست بالجشع الحريص]
أوليت العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص -
ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص ومن المعاريض: أن رجلا هلاليا بات مع رجل من محارب على بعض المياه، وقد كثر فيه صياح الضفادع، فقال الهلالي: ما تركنا شيوخ محارب ننام الليلة، فقال له المحاربي: إنها أضلت برقعا فجعلت
стр. 459
تطلبه. أراد الهلالي قول القائل:
تجيش بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الآخر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن يزيد برقع وجلال وحضر باب عبد الملك ناس من العرب فيهم تميمي ونميري، فمر عليهم رجل يحمل بازيا، فقال التميمي: ما أحسن هذا البازي! فقال النميري: أجل، وهو يصيد القطا؛ أراد التميمي قول جرير:
أنا البازي المطل على نمير ... أتيح لها من الجو انصبابا وأراد النميري قول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت ومن المعاريض قول معاوية للأحنف بن قيس: ما الشيء الملفف في البجاد - قال: السخينة يا أمير المؤمنين؛ أراد معاوية قول القائل:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بمسن ... أو الشيء الملفف في البجاد
стр. 460
وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر، وفي ذلك يقول شاعر كنانة:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم ومن المعاريض قول النبي ﷺ حين هاجر إلى المدينة مخفيا لشأنه عن قريش، ومعه أبو بكر، فكلما سألهما سائل عن شأنهما قال: نحن باغ وهاد، يريد باغيا وهاد، يريد باغيا للخير، وهاديا إليه.
ومنه: قوله ﵇، حين خرج هو وأبو بكر يتحسسان عن العير، وقد سألا بسبسا فأخبرهما على أن يخبراه بأمرهما، فلما أخبرهما وسألهما، قال ﵇: نحن من ماء، فقال لهما بسبس: ما رأيت كاليوم عجبا، أمن ماء كذا، أم من ماء كذا - يعدد مياه العرب. وقد قال ﵇ لأصحابه، حين أرسلهم إلى بني قريظة أيام الأحزاب: إن رأيتموهم على غير ما أحب فالحنوا لي. فلما انصرفوا قالوا له: يا رسول الله، عضل والقارة، وقد كان هذا القبيلان غدرا، فكنى له بهما أصحابه عن غدر بني قريظة.
ومما يتعلق بباب المعاريض: قوله ﵇ للمرأة: علمي حفصة رقية النملة، وكانت حفصة ﵍ عندما يريدها ﷺ ربما تأبت، فأراد أن يلحن لها برقية النملة، وكانت العرب ترقيها في
стр. 461
الجاهلية، يقول لها: العروس تكتحل وتحتفل، وكل شيء تفتعل، غير تعاصي الرجل.
وشبيه هذا ما فعله معاوية ﵀ حين بلغه أن بعض بناته تمتنع، فدخل عليها، فجعل ينكت بقضيبه وينشد:
من الخفرات البيض أما حرامها ... فصب وأما حلها فذلول ومن المعاريض الخبر المأثور عن كثير وجميل، قال: زار جميل بثينة ورام إيصال شيء إليها فعزه ذلك. فلقي كثيرا وقد ارتحل من عند أبيها، فسأله عن موضع مبيته، فقال: كنت عند أبي بثينة. فقال له: هل إلى إعلامها أني ها هنا سبيل - فقال: هل كان بينكما شيء تعرفه هي - فقال: نعم، آخر عهدي بها بأسفل وادي الدوم، وأصاب عمامتي شيء فغسلته جاريتها. فرجع كثير قبل أن يقوم والد بثينة من مجلسه، فقال: ما رجعك - قال له كثير: أبيات قلتها وأحببت أن تسمعها، قال: هات ما عندك، فأنشده:
وقلت لها: يا عز أرسل صاحبي ... على طول نأي والرسول موكل
[بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل] فقالت بثينة: اخسأ! فقال أبوها: ما لك يا بثينة - قالت: كلب يأتينا
стр. 462
إذا هوم الناس من وراء هذه الرابية.
قال: ودخل محمد بن أمية الشاعر مجلسا فيه قينة تغني فأعجبته، فقال لها: جعلت فداك، أتحسنين أن تغني:
خبريني من الرسول إليك ... واجعليه من لا ينم عليك فقال له: لا، وقدمت قبلك، ولكني أغني في طريقته:
أحمد قال لي ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا وأومأت إلى مخنث كان على رأسها اسمه أحمد.
وقد أرخص الفقهاء في هذه المعاريض، وقال بعض السلف: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
وكان النخعي إذا خرج من عنده أصحابه يقول لهم: قولوا لمن سألكم عني: لا ندري أين هو، فإنكم لا تدرون أين أتحول من الدار.
ومنها قول شريح، ﵀، في شأن عبد الملك، وقد عاده
стр. 463
في علته التي مات منها: تركته يأمر وينهى، فلما استفهم قال: يأمر بالوصية وينهى عن البكاء.
وأهدي علي بن هشام إلى المأمون جاريةً اسمها " صرف " حين أحس بتغيره عليه، وأمرخا أن تكتب إليه بما عسى أن تحس به من ذلك إليه؛ فوقف يوماً بين يديه فسقطت منه رقعة، فأخذها المأمون فإذا فيها: " يا موسى، يا موسى " ليس شيء غير ذلك. فقال المأمون لجلسائه: أيكم يعلم إيماء هذه الرقعة - فكلهم قال: لا أدري. فقال: هذه كتبت من قصري، تخوف هذا الرجل بادرتي، أراد كاتبها قوله تعالى: ﴿يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ ثم حذف إخفاء، وكرر توكيداً. فبحث عن أمر الرقعة فإذا هي لصرف.
ومن مليح فطنة المأمون أيضاً - وله بهذا الباب بعض تعلق - أنه جلس يوماً في بعض مجالس أنسه، وفي المجلس عريب المأمونية، وأحمد ابن محمد بن حمدون الذي كان يهواها، فأومأ إليها بقبلة، فاندفعت تغني بيت النابغة الجعدي:
رمى ضرع نابٍ فاستمر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم فقال المأمون: من أومأ إلى عريب بقبلة - فوجم الحاضرون، فعزم عليهم ليخبروه. فقال أبو عيسى أخوه: لا تظلم الناس؛ من يجترئ
стр. 464
على هذا إلا هذا الفاسق - وأومأ إلى ابن حمدون، فاستفسر المأمون من أين وقع له ذلك، فقال: هي لا تغني حتى تؤمر واندفعت تغني ارتجالاً.
ودخل حارثة بن بدر على زياد وفي وجهه أثر. فقال له زياد: ما هذا الأثر في وجهك - قال: ركبت فرسي الأشقر فجمح بي! فقال: أما إنك لو ركبت فرسك الأشهب ما فعل ذلك! فكنى بالأشقر عن النبيذ، وبالأشهب عن اللبن.
@فصل في ذكر الأديب أبي بكر عبادة بن ماء السماء، وإثبات
@جملة من شعره مع ما يتعلق به من ذكره
قال ابن بسام: [هو عبادة بن عبد الله الأنصاري من ذرية سعد بن عبادة، وقيل له ابنم ماء السماء لجدهم الأول، ولحق بقرطبة الدولة العامرية والحمودية ومدح رجالها] . وكان أبو بكر في ذلك العصر شيخ ؤالصناعة، وإمام
стр. 465
الجمعة، سلك إلى الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت له غرائبه مرحباً وأهلاً. وكانت صنعة التوشيح التي نهج أهل الأندلس طريقتها، ووضعوا حقيقتها، غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة هذا منآدها، وقوم ميلها وسنادها، فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه، ولا أخذت إلا عنه، واشتهر بها اشتهاراً غلب على ذاته، وذهب بكثير من حسناته.
وهي أوزان كثر استعمال أهل الأندلس لها في العزل والنسيب، تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب. وأول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا واخترع طريقتها - فيثما بلغني - محمد بن محمود القبري الضرير. وكان يصنعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويضع عليه الموشحة دون تضمين فيها ولا أغصان. وقيل إن ابن عبد ربه صاحب كتاب " العقد " أول من سبق إلى هذا النوع من الموشحات عندنا. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي فكان أول من أكثر فيها من التضمين في المراكيز، يضمن كل موقف يقف عليه في المركز خاصة. فاستمر على ذلك شعراء عصرنا كمكرم بن سعيد وابني أبي الحسن. ثم نشأ عبادة هذا فأحدث التضفير، وذلك أنه اعتمد مواضع الوقف في الأغصان فيضمنها، كما اعتمد الرمادي مواضع الوقف في المركز.
стр. 466
وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان إذ أكثرها على غير أعاريض أشعار العرب.
وقد أثبت من شعر عبادة في هذا الفصل ومن سائر كلامه، ما يدل على تقدمه وإقدامه.
@جملة من شعره في أوصاف شتى
أخبرني الفقيه أبو بكر بن العربي عن الفقيه أبي عبد الله الحميدي قال، أخبرني الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم أن أبا بكر عبادة كان حياً في صفر سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان البرد المشهور خبره في ذلك الوقت الذي لم ير مثله، فقال عبادة:
يا عبرة أهديت لمعتبر ... عشية الأربعاء من صفر
رسل ملء الأكف من برد ... جلامداً تنهمي على البشر
فيا لها آيةً وموعظةً ... فيها نذير لكل مزدجر
كاد يذيب القلوب منظرها ... ولو أعيرت قساوة الحجر قال أبو عبد الله الحميدي: وذكر أبو عامرٍ ابن شهيد أن عبادة هذا مات
стр. 467
في شوال سنة تسع عشرة بمالقة، ضاعت له مائة مثقال فاغتم عليها وكانت سبب وفاته. فلا أدرى من وهم منهما، وأبو محمد بن حزم أعلم بالتواريخ وأحفظ للتقييد، والله أعلم.
وقال:
لا تشكون إذا عثر ... ت إلى خليط سوء حالك
فيريك ألواناً من ال ... إذلال لم تخطر ببالك
إياك أن تدري يمي ... نك ما يدور على شمالك
واصبر على نوب الزما ... ن وإن رمت بك في المهالك
وإلى الذي أغنى وأق ... نى اضرع وسله صلاح حالك وقال يتغزل:
إذا رمت قطف الورد ساورني الصدغ ... بعقرب سحر في فؤادي له لدغ
غزال بجسمي فترة من جفونه ... وفي أدمعي من لون وجنته صبغ
زيارته أخفى خفاءً من السها ... ودون فراغي من محبته الفرغ وقال:
ما مر يوم علي لم أرك ... إلا وجدت الضمير صورك
стр. 468
ولا مبيتي وأنت لست معي ... إلا مبيت القطاة في الشرك
أما أنا فالبعاد غيرني ... وأنت خوف الرقيب غيرك
يا لعبة صورت لسفك دمي ... غطي بفضل النقاب محجرك وقد رويت هذه الأبيات لابن القطان.
نقلت من خط الوزير أبي عامر بن مسلمة قال: أنشدني أبو بكر عبادة لنفسه.
اجل المدامة فهي خير عروس ... تجلو كروب النفس بالتنفيس
واستغنك اللذات في عهد الصبا ... وأونه لا عطر بعد عروس قال: وأنشدني أيضاً له:
اشرب فعهد الشباب مغتنم ... وفرصة في فواتها ندم
وعاطنيها بكف ذي غيدٍ ... ألحاظه في النفوس تحتكم
كأنها صارم الأمير وقد ... خضب حديه من عداه دم
واحد بتذكاره الكؤوس فما ... يلذ نقلاً سوى ثناه فم وقال أيضاً:
стр. 469
وليلةٍ لسرور كان لها ... بحسن ساق كحسن خلخال
قصيرةٍ أقصر الغرام بها ... كأنها مستهل شوال
ناولني الماس بدرها بيدٍ ... عنابها من طريف أنقال
يعلني ريقة الحياة فم ... قضى بتعطيل كل علال وقال أيضاً:
سقى الله أيامي بقرطبة المنى ... سروراً كري المنتشي من شرابه
وكم مزجت لي الراح بالريق من يدي ... أغر يريني الحسن ملء ثيابه
أوان عذاري لم يرع بمشيبه ... شبابي ولم يوحش مطار غرابه
تعللني فيه الأماني بوعدها ... وهيهات أن أروى بورد سرابه
سل العنم البادي من السجف دانفاً ... لتعذيب قلبي هل دمي من خضابه - وقال أيضاً:
فهل ترى أحسن من أكؤس ... يقبل الثغر عليها اليدا -
يقول للساقي: أغثني بها ... وخذ لجيناً وأعد عسجدا
أغرق فيها الهم لكن طفا ... حبابها من فوقها مزبدا
كأنما شيبها شارب ... أمسكها في كفه سرمدا
стр. 470
وهذا البيت أراه اخترع معناه.
وله من أخرى في القاسم بن حمود:
ما ضيع الله ملكاً أنت راعيه ... ولا أباح ذماراً أنت حاميه
لله درك من مولىً عوارفه ... لم تبق في الأرض إلا من يواليه
تهديه والناس قد ضلوا كواكب من ... آرائه في سماء من معاليه
مكفلاً برضاه همةً أنفاً ... ترمي إلى الغرض الأقصى فتصميه
كانت خلافتنا في الغرب مظلمةً ... كأن أيامنا فيها لياليه
سياسة أبرأت بالرفق في مهل ... داء الخلاف وقد أعيا مداويه
وحكمة خضعت هام الملوك لها ... عزاً فلا حر موجود بواديه
مؤيد جاءت الدنيا إلى يده ... عفواً ولبته من قرب أمانيه
جلت أياديه حتى إن أنفسنا ... وما ملكناه جزء من أياديه وقال يتغزل من قصيدة:
مستجبر لا يطيبه بالرضى ... أحد ولا يجري الوفاء بباله
دارت دوائر صدغه فكأنما ... حامت على تقبيل نقظة بباله
رشأ توحش من ملاقاة الورى ... حتى توحش من لقاء خياله
فلذاك صار خياله لي زائراً ... إذ كنت في الهجران من أشكاله
ولقد هممت به ورمت حرامه ... فحماني الإجلال دون حلاله
وحببته حب الأكارم رغبةً ... في خلقه لا رغبةً في ماله
стр. 471
وهذا ينظر إلى قول المتنبي:
وأغيد يهوى نفسه كل عاقل ... عفيف ويهوى جسمه كل فاسق وقال عبادة في الحاجب ابن أبي عامر:
لنا حاجب حاز المعالي بأسرها ... فأصبح في أخلاقه واحد الخلق
فلا يتغرر منه الجهول ببشره ... فمعظم هول الرعد في أثر البرق قال عبادة: أول شعر قلته أني وقفت على هدف الرمي بعدوة النهر بقرطبة، وثم غلمان من أبناء العبيد ينتضلون، فقلت:
وما راعني إلا سهام رواشق ... إلى هدف بنحوه كل يدي ظبي
أقاموه كي يرموا إليه فلم يكن ... لهم غرض حاشا فؤادي في الرمي وهو القائل في ميمون بن الغانية وكان وسيماً:
قمر المدينة كيف منك خلاص ... أو أين عنك إلى سواك مناص -
ما أنت إلا درة الحسن التي ... قلبي عليها في الهوى غواص
والشادن الأحوى الذي في طرفه ... سحر يصاد بسهمه القناص
أمن جفونك من مغبة ما جنت ... فينا فليس على الملاح قصاص وقال عبادة من قصيدة يمدح ابن حمود:
أبسل عليك الماء حتى يشوبه ... دم والكرى حتى تقض المضاجع
стр. 472
أجم جياداً أدمن الغزو نهكها ... فمنها حسير في الجهاد وظالع
وأغمد سيوفاً تشتكيك جفونها ... كما تشتكي نجل العيون البراقع
وسكن عجاج الركض شيئاً فقلما ... يرى الجو مما هجته وهو ناصع
وآنس قصوراً طال إيحاشها به ... فقد أشفقت مما صنعت المصانع
وهل ضرك الباغي بسهم مكيدة ... وأنت بواقي عصمة الله دارع -
وأي يدٍ قراعك بعدما ... رأينا يد الجبار عنك تقارع - وهذه المعاني كلها متداولة، وألفاظها متناقلة، وإن كان قد تشبث بها معان أخر، فهي أشهر من أن تذكر، منها قول المتنبي:
فقد مل ضوء الصبح مما تغيره ... ومل سواد الليل مما تزاحمه
ومل القنا مما تدق صدوره ... ومل حديد الهند مما تلاطمه وقال عبادة فيه من أخرى:
صلى عليك الله يا ابن رسوله ... ووليه المختص بعد خليله ومنها:
وله من السعد المتاح معدل ... يغني أخا التنجيم عن تعديله وهذا كقول المتنبي:
يقر له بالفضل من لا يوده ... ويقضي له بالسعد من لا ينجم
стр. 473
وأبين منه قول ابن شرف:
ونجوم آمالي طوالع بالمنى ... والسعد يستغني عن التقويم وفيها يقول عبادة:
كم يبعث الباغون رسلهم إلى ... من كتبه من زرقه ونصوله
وزع الإله ببأسه وعقابه ... ما لم يزع بالنص من تنزيله
هذا علي ناصر الدين الذي ... نظمت له غرر السنا بحجوله وهذا البيت الثالث منها كقول المتنبي:
ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسل إلا الخميس العرمرم وكرره في موضع آخر فقال:
ورب جواب عن كتاب بعثته ... وعنوانه للناظرين قتام
حروف هجاء الناس فيه ثلاثة: ... جواد ورمح ذابل وحسام وقال المعري:
ولا قول إلا الضرب والطعن عندنا ... ولا رسل إلا ذابل وحسام ومعنى البيت الرابع منها نظمه من قول الحسن بن أبي الحسن البصري: " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ".
стр. 474
وكان عبادة يظهر التشيع في شعره، من ذلك قوله في يحيى بن حمود:
فها أنا ذا يا ابن النبوة نافث ... من القول أرياً غير ما ينفث الصل
وعندي صريح في ولائك معرق ... تشيعه محض وبيعته بتل
ووالي أبي قيس أباك على العلا ... فخيم في قلب ابن هند له غل وله من أخرى في علي بن حمود الحسني:
أطاعتك القلوب ومن عصي ... وحزب الله حزبك يا علي
فكل من ادعى معك المعالي ... كذوب مثل ما كذب الدعي
أبى لك أن تهاض علاك عهد ... هشامي وجد هاشمي
وما سميت باسم أبيك إلا ... ليحيا بالسمي له السمي
فإن قال الفخور أبي فلان ... فحسبك أن تقول أبي النبي قوله: " عهد هشامي " قد تقدمت الإشارة به، والوجه الذي قاله بسببه، في أخبار الخليفة سليمان، المفتتح باسمه هذا الديوان.
وله من أخرى يرثيه ويهنئ أخاه القاسم بالخلافة:
صلى على الملك الشهيد مليكه ... وسقاه في ظل الجنان الكوثر
مولىً دهته عبيده، وغضنفر ... تركته أيدي العفر وهو معفر
كانت تهيبه الأسود فغاله ... في قصره مستضعف مستحقر
لم يثن عز الملك عنه منونه ... فسمت له من حيث لم يك يحذر
стр. 475
ختلته سراً والقبائل درع ... تحميه لكن المنايا جسر
ولو إنها رامته جهراً لانثنت ... والبيض تقرع والقنا يتكسر ثم خرج إلى المدح فقال:
ما غاب بدر التم إلا ريثما ... جلى الدجى عنا الصباح الأزهر
إن يهو من أفق الخلافة نير ... يهدي السبيل فقد تلاه نير
بالقاسم المأمون أفرخ روعنا ... فالقسم وافٍ والنصيب موفر قوله: " ختلته سراً ".... البيت مع الذي يليه، معنى قد طوي ونشر، كسف رواؤه مما ابتذل، وأسن ماؤه مما عل به ونهل، ومنه قول المهلبي يرثى جعفراً المتوكل:
جاءت منيته والعين هادئة ... هلا أتته المنايا والقنا قصد
فخر فوق سرير الملك منجدلاً ... لم يحمه ملكه لما انقضى الأمد ومنه قول الأسدي أيضاً يرثيه، وألم بهذا المعنى فيه:
هكذا فلتكن منايا الكرام ... بين ناي ومزهر ومدام
بين كأسين أردياه جميعاً ... كأس لذاته وكأس الحمام
لم يزل نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلناً فدب إليه ... في كسور الدجى بحد الحسام وأخذ هذا المعنى عبد الكريم التميمي فقال يرثي صاحب خراج المغرب، وكان تناول فمات بسببه:
стр. 476
سنايا سددت الطرق عنها ولم تدع ... لها من ثنايا شاهق متطلعا
فلما رأت سور المهابة دونها ... عليك ولما لم تجد لك مطمعا
ترقت بأسباب لطاف ولم تكد ... تواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سر الدواء خفيةً ... على حين لم تحذر لداء توقعا وقد أخذ أيضاً هذا المعنى أهل وقتنا وهو أبو محمد عبد المجيد بن عبدون، فقال من قصيدة يرثى بها الوزير أبا المطرف ابن الدباغ الكاتب:
ثارت إليه المنايا من مكانها ... سراً على غفلة الحراس والسمر
أولى لهن وأولى لو هممن به ... والمنع ذو راحة والدفع ذو حذر في أبيات غير هذه هي ثابتة في موضعها من هذا المجموع.
ولله در صريع الغواني فإنه أخذ عليهم ثنايا البديع في هذا المعنى، وإن كان بينهم بعد كما ترى، حيث يقول:
ألم تعجب له أن المنايا ... فتكن به وهن له جنود - وقال أبو الطيب:
تخون المنايا عهده في سليله ... وتنصره بين الفوارس والرجل
стр. 477
@ذكر الخبر عن ولاية القاسم بن حمود قرطبة إلى انقضاء الأمر
@بانقطاع دولته القاضي ابن عباد عليها
قال ابن حيان: بويع القاسم بن حمود بقرطبة صبيحة يوم الأحد، بعد ست ليال من مقتل أخيه علي بها، وأحسن تلقي الناس وأجمل مواعيدهم، وأخرج النداء في أقطار البلاد بأمان الأحمر والأسود وتخلية الناس لشأنهم، وبراءة الذمة ممن تسور على أحد. وقرر الفتية الثلاثة التي فتكت بأخيه فأقروا بجريمتهم، ونفوا عن جميع الناس المواطأة والتدليس، فقتلهم القاسم لوقته، وأطفأ النائرة بولايته. وتنسم الناس روح الرفق، وباشروا ظل الأمن، وأطمأنت بهم الدار. وأمر بإسقاط رسم التقرية، وأظهر البراءة منها، وأقصى السعاة وطردهم، وأقر القاضي والحكام والخدمة على منازلهم. وزاد كلف القاسم في اتخاذ السودان، وقودهم على أعماله، إلى أن ضعف أمره، وتسلط البرابرة عليه حتى احتقروا. فكاتب منذر بن يحيى ابن أخيه علي بالعدوة، وأخوه إدريس بمالقة، فلما قتل أبوهما علي اتفقا لأول وقتهما على ضبط مالقة وشد سلطانها، إلا أنهما أظهرا مبايعة عمهما القاسم، إلى أن انكشف له يحيى من أول سنة عشر وأربعمائة، وانتقل إلى مالقة وجعل أخاه بالعدوة ليقرب هو من أذى عمه القاسم، فحل بالأندلس
стр. 478
لأول وقت جواز يحيى شواظ من نار، وأضرمها سعيراً، واستخف بعمه، وضم الرجال وسعى لتبديد شمل عمه. وشكا القاسم أمره إلى البرابرة فتثاقلوا عنه، وأجبوا التضريب بينهما. ولم يزل أمر يحيى يقوى، وأمر القاسم يضعف، فلم يجد مخرجاً مما وقع فيه إلا الهرب من دار الخلافة والانقلاب إلى عمله بإشبيلية؛ وكان يكثر الندم على ما دخل فيه من سلطانهم إلى أن عيل صبره، ففر من قرطبة إلى عمله بإشبيلية في خمسة فوارس من خاصته، وذلك ليلة السبت لثمان خلت لربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، اتخذ الليل جملاص ولم يعلم بخبره إلا عند الصباح. فضبط البربر قصر قرطبة إلى أن لحق يحيى ابن أخيه بعد خطوب، فبويع يحيى في التاريخ، واجتمع عليه الفريقان: الأندلس والبرابرة من أهل قرطبة وأعمالها خاصة. وكانت أم يحيى لبونة بنت محمد بن الأمير حسن ابن القاسم الملقب بقنون، فعرف يحيى بكرم الولادة لما جاء هاشمي الأبوين، رابع أربعة من أبناء القرشيات من خلائف الإسلام: أولهم جده الأكبر علي بن أبي طالب، وابنه الحسن بن علي، ثم الأمين محمد بن هارون. فعرف يحيى بهذه الفضيلة، وسلك سبيل والده في التحقيق بالفروسية والحب لركض الخيل والخروج للقنص، وتنكب ما سوى ذلك من مذموم أخلاق أبيه ومكروه سيرته، فجانب العصبية وآثر النصفة وطلب السلامة، فطاب خبره. إلا أن العجب والكبر شانا خصاله هذه، إلى أن خلط وتبلد. وتمرست به عفاريت
стр. 479
زناتة، فضيقت عليه التكاليف، حتى أقصر بعدما قصر، وتولى دون أن يعذر، وركب ما عاب مثله على عمه، فصارت عاقبة أمره خسراً.
وأقر يحيى أصحاب الخطط على مراتبهم؛ وحسن رأيه في أحمد بن برد وعول عليه في كتابته، واستخلص من الأندلسيين صحبه: جعفر ابن محمد بن فتح والفقيه الأديب أبا عمر بن موسى بن محمد اليماني الوراق صاحب محمد بن عبد الله النبهاني، وولاه خطة الوزارة فكادت الجبال تنهد لهذه العظيمة، وجمح مركبها به وأبدع في الكبر والخنزوانة. وقدم أيضاً إلى الوزارة محمد بن الفرضي الكاتب، فكان أعدى من الجرب على دولته، وارتقب عقلاء الناس عند ذلك حلول المحنة، فقديماً استعاذوا بالله من وزارة السفلة. ووصل جعفر بن فتح صاحبه الأقدم إبراهيم بن الإفليلي كبير الأدباء بقرطبة بالخليفة يحيى، ورغبه في الإحسان إليه، فذاكره وحدثه ونوه به. وسما في أيامه أبو بكر بن ذكوان وأبو العباس أحمد بن أبي حاتم أخوه، وأنهضهما إلى الوزارة عقب وفاة الشيخ أبي العباس ابن ذكوان. وغرب شأو أبي بكر منهم، فجاء أحوذياً نسيج وحده في فضله وعلمه وعفته. وعدل بروع الظرف بابن عمه أبي العباس إلى الاشتهار بالمجون، فجاء فيه طرفاً ليست وراءه غاية، يصور القلوب برقة ظرفه وحرارة
стр. 480
نادرته، لا يكاد أحد يمكنه من أذنه إلا أخذ بفؤاده رقةً وحلاوةً، ويشوبها ببعض الهزل عند انبعاث النادرة، له في ذلك أخبار مشهورة، من أشهرها ما تفاكه الناس به في تلك الدولة من قطعة له مجونية، نبس بها بديهةً في بعض خلواته، وقد أكثروا عليه تهنئةً بالوزارة فقال:
أنا مشغول بعزفي ... وبضربي للحجاره
إنما يصلح مثلي ... أن يرى راكب جاره
أو يرى في جوف خانٍ ... لابساً نصف غراره
قد نضا عني ثيابي ... حثي الكأس المداره وملحه في الأدب غزيرة شاهدة له بقوة الطبع وخفة الروح. ثم لم يبعد أن أقصر بعد عن الهزل على حين الذكاء، فاعتدلت حاله، وهبت له ريح بعد حينٍ، أحظته عن العلية من نمطه.
قال ابن حيان: ثم فر يحيى بن علي أيضاً عن قرطبة إلى مالقة أمام
стр. 481
البرابرة، وجيء بعمه القاسم بن حمود إلى قرطبة كرته الأخرى التي أعقب ابن أخيه يحيى بن علي، في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، فتكنف سريره أغمار الناس من البرابرة، وخرجوا لقتالهم سنة أربع عشرة على نظام مسرود، فانهزموا وقتلوا قتلاً ذريعاً، فارتحلوا عن قرطبة وحلوا بقلشانة وشذونة وغيرها من الكور. وانتبذت من الهزيمة طائفة من صعاليك القبائل وألفاف البطون، والتفوا بالقاسم يرجون به كرة الدولة، فدعوه إلى الرجوع إلى إبيلية، وكان خلف بها ولده محمد بن القاسم مع وزيره محمد بن خالص، فسار بجماعته تلك يؤمها، وإذا بخبر هزيمته قد سبقه إليها، فخاف أهلها معرة من معه، فوثبوا على ولده وأصحابه وحصروهم بدار الإمارة، وأحاطوا به، ووقع بينهم قتال شديد. فوافى القاسم باب إشبيلية بمن معه، ولاطفهم في القول، وطمع خديعتهم فلم يصغوا إليه، واشتد الأمر على ولده ورجاله، فرضي القاسم من أهل البلد بإسلامهم جميعاً إليه موفورين بماله وأهله، فعاقدوه على ذلك، فخرج ابنه وولده محمد وأهله، ودخل بهم إلى شريش. ولم يدع مع ذلك السعي في الفتنة على ابن أخيه يحيى صاحب الدولة. وكانت آفة القاسم بإشبيلية من قبل ثقته محمد ابن زيري بن دوناس اليفرني، فقدم زعيمهم القاضي محمد بن إسماعيل ابن عباد، وأطعمه في إمارة البلد بعد دفع القاسم عنه، فاغتر بقول ابن عباد وعاقده على ذلك، فأعان أهل إشبيلية على قتال محمد بن القاسم، فلم يك لأصحابه بعد نظام، وخرجوا عن البلد، وملكه أهله. فوثبهم ابن عباد زعيمهم بالغادر محمد بن زيري، فخرج وصفت إشبيلية من البرابرة. وآلت حال القاسم بعد ابن أخيه يحيى إلى أن حاربه بشريش، وحاصره عشرين يوماً، كانت بينهم فيها حروب صعاب، قتل الله فيها من الفريقين أمة. وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمه القاسم، وحمله مقيداً إلى مالقة أسيراً، وقبض على حرته، " أميرة " القرشية وسائر حرمه وولده وأسبابه، بعد نهبٍ
стр. 482
وامتهان لجماعتهم، لم يقدر يحيى على تخليصهم منه لتلظي الحرب. وكان يحيى أولاً في حلف مع محمد ولد عمه القاسم، فدله على إشبيلية حارس لابن عباد، فلما انجلت الحرب وقع يحيى على نكث لعمه القاسم، فقبض على ابنه محمد وقيده وبعث به إلى مالقة، وحينئذ صمد إلى شريش لعمه فبلغ فيه ما وصفناه.
@فصل في ذكر الوزير الكاتب أبي حفص بن برد الأصغر،
@وإيراد جملةٍ من نظمه ونثره، مع ما يتصل
@من قصة وخبرٍ بذكره
قال ابن بسام: كان أبو حفص ابن برد الأصغر في وقته فلك البلاغة الدائر، ومثلها السائر، نفث فيها بسحره، وأقام من أودها بناصع نظمه وبارع نثره، وله إليها طروق، وفي عروقها الصالحات عروق، إذ كان أبو حفص الأكبر - على ما تقدم ذكره - واسطة السلك، وقطب رحى الملك، بالحضرة العظمى قرطبة، وقد تقدم من أخباره المأثورة ورسائله المشهورة في أخبار سليمان، وغيره من ملوك بني أبي عامر وبني مروان، أول ما يشهد أن آل برد جمهور كتابة، ومحور خطابة، وقد فخر أبو حفصٍ هذا بذلك في كتابه الموسوم ب - (سر الأدب وسبك الذهب " من أرجوزة يقول فيها:
стр. 483
يا طالب الدنيا بأقصى الجهد ... إسع بجدٍ منك لا بكد
من شاء خبري فأنا ابن برد ... حد حسامي قطعة من حدي
وأرفع الناس بناءً جدي ... من نظم الألفاظ نظم العقد
ونقد الكلام حق النقد ... وكف بالأقلام أيدي الأسد
به استضاء في الخطوب الربد ... كل إمامٍ وولي عهد @فصول مقتبضة من كتابه المذكور
قال في صدره: أما بعد، فإن الله تعالى - وله الحمد - جعلنا أهل بيت أشرب حب ثناعة الكلام نفوسهم، وشغل بطلب البيان والتبيين قلوبهم، فغذانا بالحبث عن الأصول، على حسب ما وهب الله تعالى لنا من المعرفة، وسهل علينا من الحزونة، حتى عرفنا المقسوم لنا منها فتفقنهاه، وفهمنا المنعم به علينا فأحكمناه، ثم انعطفنا على الفروع فذهبنا مع فنونها، واستكثرنا من عيونها. ثم أنا لما رأينا أن الأصول قد اخترناها زاكية المنابت طيبة المغارس، وأن الفروع قد لويناها لدنة الأفنان عذبة، ترامت بنا آمالنا إلى أن نجتبي من زهرتها ونطعم من ثمرتها، فرأينا أن نمد يداً إلى غرس قد أبرناه، حتى بلغ إناه، فنقطف من خياره، ونتأنق في اختياره. وأصبحنا بعد نرمي أغراض الكلام بأسهم أزرها التسديد، ونعقل مناظم القول بألسن برئ منها التعقيد، ونذيب من المنثور جداول النطاف، ونجمد
стр. 484
من المنظوم جواهر الأصداف. وكان جدي أحمد بن بردٍ ﵀ بطول ممارسته لهذه الصناعة، برخاء اللبب والنهمة في الطلب، ودعة الزمان وإقبال السلطان، ومسافة العمر الممتدة له، قد اقتعد سنامها، ورفع أعلامها، وأصبح إمامها، وزين أيامها، وركب وسط مساقها، وأحرز قصب سباقها.
وفي فصل منه:
فإني وافقت أول معالجتي لهذه الصناعة آخر أيامه، وأوان بتات عمره وانصرامه، خلا أنه - عفا الله عنه - ولما يحل المقدور به، قد كان أقبسني مصابيح من وصاياه فيها، ووطأ لي مراكب من دلائله إليها، وضرب لي صوى من هداياته نحوها، أفاد الله بها نفعاً، وأوسع معها إرشاد. ثم إن الأيام إثر مصابه، وبعد ذهابه، باكرتني صروفها، وشغلتني برقع خروقها، ومكابدة ضيقها، وسوق الأدب قد كسدت، وجمرة السلطان قد همدت، والعي أمضى من البيان، والإساءة أحمد من الإحسان؛ وأقلامنا يومئذ في عطلة، ومحابرنا في عقله، وكتبنا تحت موجدة، وحينئذ قلت:
قرعنا بالكتابة باب حظٍ ... لندخله فزاد لنا انغلاقا
стр. 485
فلم تبلغ بلاغتنا مناها ... ولا مد المداد لنا ارتفاقا
ولا راحت تقرطس بالأماني ... قراطيس أجدناها مساقا
وقلمت المطالب من حداها ... لنا أقلامنا ساقاً فساقا
فلا هطلت على الآداب مزن ... ولا برحت أهلتها محاقا
وعوضنا بما ندريه جهلاً ... لعل السوق مدركة نفاقا فما زلنا مع الخطوب مساجلين، ولصروف الأيام مناضلين فيوم لنا ويوم علينا. حتى إذا أراد الله أن يحيى لهذه الصناعة رسماً، ويعيد لها دولة واسماً، ويرفع سائر العلوم من التخوم إلى النجوم، وفنون الآداب من التراب إلى السحاب، طرف جفن السعد الباهت، وارتد نفس الحد الخافت، ولقي عثرة العلم مقيلها، ودولة الجهل مديلها، ونخوة الباطل مزيلها، ورسوم الغباوة محيلها، وقداح البلاغة مجيلها؛ ورفعت لي سجوف الأماني، عن الملك اليماني، غرة كندة التي تضحك عنها، وهضبة تجيب التي تأوي إليها، أبي الأحوص معن بن محمد، أيده الله كما أيد الحق، وصدقه وعده كما أحيا الصدق، فوصلت به سببي، ولويت بقوى أطنابه طنبي، ورأيت به للحلم جبلاً موطوداً، وللديانة ظلاً ممدوداً، وللتقوى حبلاً مشدوداً، وللعلم بحراً طموحاً، وللأدب روضاً مجوداً
стр. 486
مروحاً. ولم يزل - لا زالت به النعل - منذ اعتصمت بحرمته، واعتزيت إلى خدمته، يقبل عليّ في مجالسه المأنوسة باللحظ واللفظ، ويكسبي بمنازعة الأدب شرف المرتبة والحظ، فأتمرن على تثقيفه وتقويمه، وأتضمر عن رياضته وتعليمه، وتلزني هيبة كماله، وروعة جلاله، إلى شخذ سجايا، وجمع قواي، واجتناب الخطل في إيوانه، والزلل في ميدانه، فلا ترى شيئاً أشبه في التفضل، وبي في التقبل، من قول حبيب:
نرمي بأشباحنا إلى ملكٍ ... نأخذ من ماله ومن أدبه والبلاغة وإن كانت من فنون العلم أرق ما استرق، وألطف ما غرف، وأيسر ما به حاضر، وأقل ما أمل، وأوهن ما خزن، وأدنى ما اقتنى، فله كلف بانتقادها شديد، وصوت في معرفة نقادها بعيد. وقد خلص بيمينه العالية جوهر الكلام من أخباثه، وممر القول من أنكاثه، في غير ما كتابٍ منتم إلى البلاغة، معلم في الكتابة، فجاء بالصواب حاسراً، وبيان الحقيقة سائراً، وفي هذا النقد سقط العشاء بمن سقط على السرحان، وفيه أساء من أحسن بنفسه الظن في ألإحسان.
стр. 487
ومن هذا الباب تولجت إلى صنعة هذا الكتاب ليرى - أيده الله - كيف نبت كلامي على سقيه، ونما ما أودع تربة قبولي من غرسه. فإني ضمنته، في فنون من البلاغة وفصول من اكتابة، سلطانيات وإخوانيات. وكل ما أوردته مما ولدته، وما وضعته مما صنعته، لم أغله لغيري، ولا خنت فيه أمانة سواي؛ إلا أنني طرزته بأبواب من بيوت الشعر المحتوية على الحكم البوالغ، والجارية مجرى الأمثال السوائر، لشعراء مجيدين، وعلماء مفيدين، قد ركبوا من المعاني أوطأها مركباً، ووردوا للألفاظ أعذبها مشرباً، وتخطوا في نظمهم الخشونة إلى اللدونة، والتكلف إلى التلطيف، وخاضوا جسوم الحكم إلى الأرواح، وخرجوا بحسن التخلص من الالتباس إلى الإيضاح، لئلا تباين طبقة منثورة طبقةً منظومة، ولا تبعد مرتبة جامدة من مرتبةٍ ذائبة، وليأتي في ازدواج الليل والنهار، وامتزج الماء بالعقار.
@فصول له في التحميدات
فصل: الحمد لله الذي علا وقهر، وبطن وظهر، وبحكمته قدر وأمر، وبعدله قدم وأخر.
فصل آخر: الحمد لله الذي علم القرآن، خلق الإنسان علمه البيان، المحجوب عن الأبصار، والفائت إحاطة الأفكار، تعالى في
стр. 488
الحجب العلا، واطلع على النجوى، وعلم السر وأخفى، خلق الخلق للفناء، ثم يعيدها للبقاء.
فصل: الحمد لله اللطيف الخبير، العالم بذات الصدور، الذي يطلع على الإصرار، ويعلم خفي الأسرار، ويتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار.
فصل: الحمد لله جالي الكرب السود، وفاتح المبهم المسدود، الذي أقال العشرات، وأدال من الحسرات، وانتاش متن البأساء وأعقب بالنعماء، وأراح من جهد البلاء.
فصل: الحمدل لله واصل الحبل بعد انقطاعه، وملائم الشمل بعد انصداعه، المصبح بنا من ليالي الخطوب، والماحي عنا غياهب الكروب، والناظم لما انتثر من الألفة، والجامع لما انتشر من الكلمة.
فصل: الحمد لله الكائن قبل المكان، والموجود في عدم الزمان، الحي الذي لا يدركه الموت، والدائم الذي لا يلحقه الفوت، والفرد الذي ليس له نظير، والصمد دون وليٍ ولا ظهير، وارث الأرض ومن قطنها، والسماء ومن سكنها، مميت كل حي وباعثه، ومحيي كل ميتٍ ومنشره.
فصل: الحمد لله خالق العوالم على نتافر في الصفات شديد، وتباينٍ
стр. 489
في التركيبات بعيد، فمن صلصالٍ كالفخار، ومن مارجٍ من نار، ومن جواهر روحانيةٍ، وأنوار، وكل عالمٍ منها ناطق بأنه خالق، وشاهد بأنه واحد.
فصل: الحمد لله وإن عثرت الجدود، وهوت السعود، المرجو للإدالة، والمدعو في الإقالة، والقادر على تعجيل الانتصار، والآخذ للإسلام بمنيم الثار.
فصل: أما بعد فما أتيت البصائر من تعليل، ولا الأعداد من تقليل، ولا القلوب من خور، ولا السواعد من قصر، ولا السيوف من كهم، ولا الرماح من جذم، ولا الجياد من لؤم أعراق، ولا الصفوف من سوء اتساق. ولكن النصر تعذر، والوقت المقدور حضر، ولم يكن لتمضي سيوف لم يرد الله مضاءها، ولا لتبقى نفوس لم يرد الله بقاءها. وفي قوله تعالى أحسن التأسي وأجمل التعزي ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله؛ وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (آل عمران: ١٣٩) .
فصل: الحمد لله مؤلف الآراء، وجامع الأهواء، على ما أغمد من
стр. 490
سيف الفتنة، وأطفأ من نار الإحنة، وأصلح الفاسد، وألف الشارد، ونشر الأمن، وأحيا الحق، وجمع الشمل، ووصل الحبل، ورجع الكلمة إلى أجمل نظام، وأنعم على المسلمين أتم إنعام.
فصل: الحمد لله الذي صير أعداءنا وأضدادنا من أعضادنا، والسيوف المسلولة علينا مسلولةً دوننا، والجيوش المجهزة إلينا مجهزة عنا، حمد من لا يستغرب له صنعاً، ولا يرى من آياته بدعاً، ولا يطيق لنعمه عداً، ولا يحسد لآلائه حداً.
@وله فصول في شكر النعم
فصل: إن للنعم عيوناً إذا كحلن بالشكر أرين المنعم عليه السبيل التي يأتي المزيد منها، وتنحدر المواد عليها، والمناهج التي تفضي بها إلى دار إقامتها، وتبليغها مأمنها وملقى عصاها.
فصل: أما بعد، فإن زهر النعمة إذا تفتح بوابل الشكر رأت فيه قرتها العين، وأخذت منه حاجتها النفس.
فصل: نعم حاضن النعمة الشكر، يغذوها فتنمى، ويحرسها فتحتمي
стр. 491
ويلطفها فتلقي عصاها، ويعطفها فتعطي جناها. ولبئس الجار لها الكفر، يطيرها عن موضعها، وينفرها عن مشرعها، ويبقى صاحبها مبلساً من إلباسها، وحشاً من إيناسها.
فصل: من ربى النعمة في حجر الشكر، وأرضها ثدي الحمد، وكفلها بأداء الحق، رأى في شخصها النماء، وتعرف من عمرها البقاء، وأمن عليها التحول والالتواء.
فصل:
- الشكر حرم للمنة، وأمان بيد النعمة.
- إذا أقفل باب النعمة فالشكر مفتاحها.
- الشكر عوذة على العرافة، وتميمة في جيد النعمة.
- من شكر النعمة التحف بها، ومن كفرها عري منها.
- الكفر غراب ينعب على منازل النعم.
- الشكر بيد النعمة أمان، وعلى وجه العارفة صوان.
- مهر النعمة الشكر، وطلاقها الكفر.
@فقر في صف القلم والمداد والكتاب
- الكتاب من حلية الملائكة، قال الله تعالى: ﴿كرماً كاتبين
стр. 492
يعلمون ما تفعلون﴾ (الافطار: ١١ و ١٢) .
- المداد كالبحر، والقلم كالغواص، واللفظ كالجوهر، والقرطاس كالسلك.
- الدواة كالقلب، والقلم كالخاطر، والصحيفة كاللسان.
- العقل أب، والعلم أم، والفكر ابن، والقلم خادم.
- ما أعجب شأن القلم، يشرب ظلمةً ويلفظ نوراً.
- قد يكون قلم الكاتب، أمضى من سنان المحارب.
- القلم سهم تنفذ به المقاتل، وشفرة تطبق بها المفاصل.
- إذا أخذ الكتاب شكتهم للكلام، واخترطوا ظبات الأقلام، فكم من عرشٍ يثل، ودمٍ يطل، وجبار يذل، وجيشٍ يفل.
- لولا القلم ما عبئت كتائب، ولا سريت مقانب، ولا انتضيت سيوف، ولا ازد لفت صفوف.
- على غيث القلمٍ يتفتح زهر الكلم.
- ما أصوغ القلم لحلي الحكم.
- قاتل الله القلم، كيف يفل السنان، وهو يكسر بالأسنان.
- فصاد القلم خدر في أعضاء الخط.
قال ابن بسام: وهذا محلول من قول القائل حيث يقول:
من خط يوماً ببريةٍ فسدت ... أصاب أعضاء خطه خدر - رداءة الخط قذىً في عين القارئ.
стр. 493
@فصول له تنخرط في سلك الأمان
: إن أفضل ما تناجي المسلمون به، ووجهوا بصائرهم إليه، وصححوا نياتهم فيه، ولم يلوهم لاو عنه، ولا لفتهم لافت دونه، ما قرب من رضى الله، وأبعد من سخطه، وعمل فيه بأمره، واحستب فيه خلافة رسوله في أمته، من الإصلاح بين المتحاربين وتحذيرهم في سفك الدماء، وتأريث نار الشحناء، وتوكيد رر الحقود، وإيقاظ عيون الحروب، من فساد الدين، ووهن اليقين، وذهاب الرجال، ونفاذ الأموال، واجتياح النعم، واستنزال النقم. قال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقةٍ أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ (النساء: ١١٤) وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ (الحجرات: ٩) .
فصل: إن الحرب مثكلة للنفوس، متلفة للأموال، للندامة في العواقب، تلذ مباديها للأشرار، وتنجي كلاكل عاقبتها على الأخيار. وقلما يقدح شعلها، ويغلي مرجلها، إلا فراش الشر وذبان الطمع، ممن لا يحفل بعار، ولا يستحيي من فرار، فإن هلك لم يفقد، وإن نجا لم يحمد. ثم ترتكض جماهير الناس وأولو الذكر، والأعاجم أخطاراً، والأحاسن آثاراً، في لججٍ تبعد عنها السواحل، وينوءون بفوادح تهد عنها الكواهل، فأصح
стр. 494
الناس لباً، وأبعدهم نظراً، وأخيرهم أحساباً، من حض على الصلح، ونسب إلى إبراء الجرح، ولم يأل إرشاداً وتبصيراً، ومن سوء العواقب تخويفاً وتحذيراً، وبادر نار الفتنة بالإطفاء، وعصب المتحازبين بالإرخاء، وشوكة الحرب بالخضد، فحقن الدم، وحمى الحرم، وأوطن النعم.
: أما بعد، فقد آن أن توقظوا سواهي العقول، وأن تريحوا عوازب الأحلام، فتسلوا السخائم، وتغمدوا الصوارم، وتعيدوا السهام في كنائها، وتقفوا الأسنة في مراكزها، وتسلموا الخيول في مرابضها، وتعلموا أن الله القادر عليكم الآخذ بنواصيكم أقلها استئصال آثار النعم عليكم، وسطوات أبرزها تحكم أيدي البلاء فيكم، فكم صال بناركم لم يشرككم في قدحها، وشقيٍ بفتنكم ولم يغمس معكم يداً فيها، وموفور سعيتم لذهاب وفره، ومستور أعنتم على انكشاف ستره، فلا العظة تسمعون، ولا على أنفسكم ترعون؛ أما والله لتجرعن الخطبان، ولتقرعن الأسنان، ولتحاولن الأوبة ولا مآب لكم، والتوبة ولا قبول منكم.
: بايع الإمام عبد الله فلان بانشراح صدرٍ، وطيب نفس، ونصاحة جيبٍ، وسلامة غيبٍ، بيعة رضىً واختيار، لا بيعة إكراه وإجبار، على السمع والطاعة، والمؤازرة والنصرة، والوفاء والنصيحة، في السر والعلانية، والجهر والنية، والعمل على موالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، من بعيدٍ وقريب، وغريبٍ ونسيب، ويقسم
стр. 495
على الوفاء به والقيام بشروط بيعته، بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والقائم على كل نفسٍ بما كسبت، ويعطيه على ذلك كله ذمة الله وذمة محمدٍ ورسوله، وذمة الأنبياء والمرسلين، والملائكة والمقربين، وعباد الله الصالحين.
ومتى خلعت ربقةً بخترٍ أو غدر، أو طويت كشحاً على نكث أو حنث، فعليك المشي إلى بيت الله الحرام ببطحاء مكة من مستقرك ثلاثين حجة، نذراً واجباً لا يقبل الله تعالى إلا الوفاء به؛ وكل زوجة لك مهيرة، أو تنكحها إلى ثلاثين سنةً، فطالق تحتك طلاق الحرج ثلاثاً. وكل أمة أو غرة أو عبد لك أو تملكه فأحرار لوجه الله العظيم. مال لك من صامتٍ أو ناطقٍ أو تملكه إلى ثلاثين سنةً غير عشرة دنانير أو قدرها فصدقة على الفقراء والمساكين، وقد برئ الله تعالى منك ورسوله وملائكته. والله بجميع ما انعقد عليك في هذه البيعة شهيد، وكفى به شهيداً، وعلى الأعمال والنيات مثيباً.
: أما بعج، فإن الغلبة لنا والظهور عليك جلباك إلينا على قدمك دون عهد ولا عقد يمنعان من إراقة دمك. ولكنا، بما وهب الله تعالى لنا من الإشراف على سرائر الرياسة، والحفظ لشرائع السياسة، تأملنا من ساس جهتك قبلنا، فوجدنا يد سياسته خرقاء، وعين حزامته عوراء، وقدم مداراته شلاء، لأنه مال عن ترغيبك فلم ترجه، وعن ترهيبك فلم تخشه، فأدتك حاجتك إلى طلاب الطعم الدنية، وقلة مهابتك إلى التهالك على المعاصي الوبية. وقد رأينا أن نظهر فضل سيرتنا فيك
следующие страницы →