← Тараджим

Тараджим · id 1035

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ابن بسام الشنتريني

Полный текст (3 281 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة التحقيق بين ابن بسام في مقدمة كتاب الذخيرة أنه قد جعله أربعة أقسام، على النحو الآتي: ١ - القسم الأول: لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس. ٢ - القسم الثاني: لأهل الجانب الغربي من الأندلس وذكر أهل حضرة إشبيلية وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط. ٣ - القسم الثالث: لأهل الجانب الشرقي من الأندلس. ٤ - القسم الرابع: لمن طرأ على جزيرة الأندلس من شعراء وكتاب، ولبعض مشهوري المعاصرين ممن نجم بإفريقية والشام والعراق. وبين سنتي ١٩٣٩ ١٩٤٢ ظهر القسم الأول من الكتاب، في مجلدين، بعناية لجنة من المحققين ولجنة من المشرفين على التحقيق؛ وفي سنة ١٩٤٥ ظهرت قطعة من القسم الرابع. ثم توقفت اللجنة المضطلعة بتحقيق الكتاب عن متابعة عملها فيما يبدو لظروف وأسباب مختلفة، وكان في ذلك التوقف، خسارة كبيرة لدارسي الأدب الأندلسي وطلابه، لأن الذخيرة أولاً من أهم مصادر ذلك الأدب، ولأنه ليس من السهل ثانياً على كل دارس أن يحصل على أصولها الخطية، ثم لأن تلك الأصول ثالثاً ليست ميسرة للقراءة على نحو مباشر طيع.

стр. 2

لهذا وجدت أن تحقيق الذخيرة على صعوبته أمر ضروري، وأخص منها القسمين الثاني والثالث، وما تبقى من القسم الرابع؛ فهذا هو القدر الذي لم يظهر من الكتاب مطبوعاً حتى اليوم؛ وقد بدأت التحقيق بحسب وفرة الأصول الخطية لكل قسم، وكان القسم الثالث أوفرها حظاً، ويليه في ذلك القسم الثاني، ولهذا عملت في تحقيقهما بهذا الترتيب، مرجئاً النظر في القسم الأول، لأنه قد طبع وتداولته الأيدي منذ زمن؛ ولكن رغبة الدارسين في أن يروا جميع أجزاء الذخيرة محققة بكاملها متناسقة في اكتمالها متجانسة في سماتها العامة المشتركة ألزمتني بإعادة النظر في هذا القسم الأول؛ وهكذا كان. وأبادر لأقرر مخلصاً أن أعضاء اللجنتين اللتين تولتا هذا العم تحقيقاً وإشرافاً قد بذلوا في إخراجه من العناية ما يستحق كل تقدير؛ أقول هذا وأنا قد اطلعت على أصول الذخيرة ووقفت على مدى ما فيها من صعوبة ناشئة عن حال النسخ نفسها، وعما فيها من كثرة الخلافات في القراءة؛ ومن التفاوت الشديد بين ما تثبته نسخة وما تثبته أخرى، ومن تعرض بعض تلك النسخ لتدخل أيد وأقلام أخرى في سياقها غير يد المؤلف وقلمه. فإذا أضيف إلى ذلك أنني على ما بذلت من محاولات ودراسات لم أستطع أن أزيد على الأصول التي اعتمدتها اللجنة السابقة في تحقيق هذا القسم الأول، وجد القارئ أن النص لم يبتعد كثيراً عما جاء عليه في الطبعة السابقة، وإن كنت أقدر أن تفاوت النسخ، سيكون مدعاة في المستقبل إذا تم كشف شيء منها مجالاً لزيادات مفيدة ولقراءات جديدة. ومهما يكن من شيء، فإن عدم توفر أصول جديدة لم يوقف بذل الجهد في اتجاهات أخرى، وأرجو ألا يؤخذ قولي مأخذ الدعوى حين أقول أنني قد منحت هذه الطبعة مميزات كثيرة: فقد صححت عدداً غير قليل من أخطاء القراءة، وعرفت بالأعلام والأماكن حيث كان ذلك ضرورياً، وشرحت لألفاظ التي تتطلب شرحاً وخاصة بعض المصطلحات الأندلسية مثل حنبل

стр. 3

وطولق وقلبق وما أشبه ذلك من ألفاظ غير مألوفة أو معرفة لدى المشارقة، إذ قد يستغرق البحث عن معانيها وقتاً طويلاً لا يتيسر لكل قارئ، كما وفقت إلى تخريج كثير من الشواهد الشعرية التي أدرجها المؤلف في الكتاب، واتبعت نهجاً مختلفاً في تمييز الأصيل من الدخيل في نص الكتاب، وراجعت النص على المصادر التي استمدت من الذخيرة، وعلى سائر المصادر الأندلسية التي طبعت بعد صدور ما طبع منها. أما النسخ التي اعتمدتها فهي أيضاً تنقسم في فئتين مثلما كانت الحال في أصول القسم الثالث، وتضم الفئة الأولى: ١ - نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ١٣٢٤ (ورمزها: ط) ، وعدد أوراقها ١٦٧ ورقة، في كل صفحة منها ٢٩ سطراًن ومسطرتها ٢٣.٥ × ١٦؛ وهي مكتوبة بخط مغربي جميل واضح، ولكنها لا تحمل تاريخاً للنسخ، وهي قريبة الشبه بالنسخة (ط) التي وصفتها في مقدمة القسم الثالث، وإن لم يكن الخط فيهما واحداً بالضرورة؛ وهذا الشبه بين النسختين قد يحمل على القول بأن (ط) تنتمي إلى القرن الحادي عشر، وأقدم التملكات المؤرخة المكتوبة على الورقة الأولى منها تحمل تاريخ أوائل شعبان ١٠١٩ حين دخلت في ملك محمد ابن أحمد بن محمد الشريف الحسني، ثم باعها هذا المالك إلى سيدي محمد بن عبد الملك بن عبد الله في رمضان المعظم سنة ١٠٢١. ٢ - نسخة دار الكتب الملكية بالقاهرة وعدد أوراقها ١٩٧ ورقة، وفي الصفحة الواحدة ٢٥ سطراً، ومسطرتها ٢٥ × ١٣ وقد تم نسخها سنة ١٢٢٩. وهاتان المخطوطتان متشابهتان في حالتي الزيادة والنقص في النص مما يرجح أنهما مأخوذتان عن أصلين متقاربين، وإذا تميزت نسخة دار الكتب القاهرية في بعض القراءات عن (ط) فهذا التميز لا قيمة له في الغالب، وقد تلتقي هذه النسخة مع نسخ الفئة الثانية الآتي وصفها في بعض القراءات، وفي هذا أيضاً ما يجعل قيمتها ثانوية، لأنها لا تتمتع بالزيادات التي تتمنع

стр. 4

بها نسخ الفئة الثانية إلا في موطن واحد، حيث يفترق عن (ط) على نحو لافت للانتباه وذلك في إيراد أبيات زائدة عما هي في (ط) في ترجمة ابن زيدون، واشتراكها مع نسخ الفئة الثانية في إيراد نص دخيل على الذخيرة هو رسالة ابن زيدون لأبي بكر بن مسلم، بل إنها في هذه الرسالة تنفرد عن نسخ الفئة الأخرى ببعض عبارات أدرجتها بين حاصرتين من هذا النوع مشيراً في الحاشية إلى مصدر الزيادة؛ ولقلة الاعتماد على هذه النسخة لم أضع لها رمزاً خاصاً. وأما الفئة الثانية فإنها تضم النسخ الآتية: ١ - نسخة باريس رقم: ٣٣٢١ (ورمزها: س) وتقع في ١٢٥ ورقة، عدد سطور كل صفحة ٢٣ سطراً، ومسطرتها ٢٢ × ١٣ وهي مكتوبة بخط مغربي، وفيها أخطاء وأوهام كثيرة، وليس هناك ما يدل على تاريخ نسخها. ٢ - نسخة المكتبة التيمورية ورمزها (م) ، وتتألف من ٢٢٥ ورقة، في كل صفحة ٢٦ سطراً، ومسطرتها ٢٠ × ١٣ دون تاريخ أيضاً، وخطها مغربي. ٣ - نسخة خاصة كانت في ملك الأستاذ ليفي بروفنسال (ورمزها: ب) ، عدد ورقاتها ١٠٤، وعد الأسطر في كل صفحة ٣٣، ومسطرتها ٢٤ × ١٧، وخطها مغربي مزود ببعض الشكل، إلا أن الخروم فيها كثيرة. وتعد هذه النسخ الثلاث متقاربة لأنها قد تميزت عن الفئة الأولى بزيادات كثيرةن وتجيء هذه الزيادات في ثلاثة أنواع: أولها ورود النصوص المنقولة عن ابن حيان فيها على نحو تفصيلي لا يتوفر في الفئة الأولى من النسخ حيث يرد النص موجزاً بشكل واضح؛ وثانيها: ورود رسائل وأشعار لا يستبعد أن يكون ابن بسام هو الذي زادها؛ وثالثها: كثرة الدخيل فيها مما قام بإضافته شخص (أو أشخاص) بعد عهد المؤلف، وكان أحد الذين زادوا بعض النصوص مطالعاً على مسودات ابن بسام.

стр. 5

وقد كان منهجي في التحقيق قبول أوسع الصور في النسخ وأكثرها تفصيلاً، ولهذا اعتبرت أن كل نص تنفرد به النسخ (ب س م) فإنه لا يميز بإشارة لأن ذلك يعني إثقال الحواشي في كل صفحة بفروق لا تكاد تحصر، فأما إذا كان النص من زيادات (ط) فإنه يوضع بين معقفين على هذه الصورة [] . والعيب في هذه الطريقة أن القارئ لن يتصور مدى ما ينقص النسخة (ط) أو مدى ما تتمتع به النسخ (ب س م) من زيادات ولكن هذا عيب شكلي خالص، إذ أن إقامة نص سليم هو الهدف الأهم والأكثر جدوى. فأما ما أقطع يقيناً بأنه من الدخيل على نص الذخيرة فأني أبقيه في موضعه مميزاً له باختيار حرف طباعي أصغر حجماً من حرف النص الأصلي؛ ولاختياري هذا المنهج وجدت من الضروري أن أرد الرسائل التي أضيفت إلى ترجمة كل من ابن برد والبزلياني إلى مواضعها بعد أن كانت لجنة التحقيق التي قامت بإصدار هذا القسم من قبل قد انتزعتها من موضعها وجعلتها ملحقاً بآخر الكتاب، وقد كان عمل اللجنة في هذه الناحية غير قائم على منهج موحد، فهناك مثلاً زيادات دخيلة في ترجمة ابن زيدون تركت في موضعها، ولم تفرد في ملحق خاص. وقد أهملت لدى مقارنة النسخ قراءات واضحة الخطأ، إذ لا ضرورة لإثقال الحواشي بها؛ وأثبت في المتن أصح القراءات في نظري ووضعت ما يعد في الدرجة الثانية من حيث الصحة أو من حيث احتمال الصحة في الحاشية، وهذا أمر ذاتي اجتهادي لا يمكن تعليله في كل مرة. وكل ما زدته في المتن اجتهاداً من عند نفسي أو اعتماداً على المصادر فقد وضعته بين حاصرتين على هذا الشكل دون أن أشير إلى ذلك في كل مرة، وذلك تمييزاً لهذا النوع من الزيادات عن الزيادات المستمدة من النسخة القاهرية، فإنها مشفوعة دائماً بالإشارة إلى مصدرها. وبما أن الذخيرة عمل ضخم قد يستغرق سنوات فقد وجدت من الخير

стр. 6

الإسراع بعمل فهرست خاص بكل قسم، (وكل قسم يقع في جزءين متسلسلي الترقيم) بدلاً من إرجاء الفهرسة حتى يتم ظهور الأجزاء جميعاً. على أني أرجو أن أخصص جزءاً تاسعاً للاستدراكات العامة والتعليقات وبعض الفهارس الفنية التي تيسر الإفادة من هذا الكتاب القيم؛ كذلك أرجو أن يكون هذا الجزء الأخير مجالاً لدراسة مؤلف الكتاب، ومنزلته الأدبية، وقيمة كتابه من النواحي التاريخية والأدبية والنقدية، وهي دراسة لا يمكن أن تتم على الصورة الشاملة المرضية قبل اكتمال أجزاء الكتاب تحقيقاً ونشراً. وأود في ختام المقدمة أن أتقدم بالشكر إلى الدار العربية للكتاب، التي أخذت على عاتقها بذل كل جهد ممكن لوضع " الذخيرة " في متناول الدارسين والقراء، خدمة منها للتراث العربي بعامة وللتراث المغربي بخاصة، وأن على يقين من أن الدراسات في الأدب الأندلسي ستجد في الذخيرة مجالاً خصباً لا يدانيه في غناه واتساعه أي مصدر آخر، وأن وجود الذخيرة في أيدي الدارسين محققةً، لن يجعل الإفادة منها أمراً جزئياً محدوداً تحول دون اتساع مداه صعوبة النسخ الخطية؛ ولهذا أكاد أسكت صوت الاعتذار عما قد يكون تسرب إلى هذه الطبعة من خطأ أو وهم، بعد أن استفرغت جهد الطاقة. ومن الله أستمد العون، وإليه أبرأ من الزهو والدعوى، وعليه أتوكل وبه أستعين. بيروت في آب (أغسطس) ١٩٧٥. إحسان عباس

стр. 7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو الحسن علي بن بشام الشنتريني الأندلسي، ﵀: أما بعد حمد الله ولي الحمد وأهله، والصلاة على سيدنا محمد خاتم رسله، فإن ثمرة هذا الأدب، العالي الرتب، رسالة تنثر وترسل، وأبيات تنظم وتفصل؛ تنثال تلك انثيال القطار، على صفحات الأزهار، وتتصل هذه اتصال القلائد، على نحور الخرائد؛ وما زال في أفقنا هذا الأندلسي القصي إلى وقتنا هذا من فرسان الفنين، وأئمة النوعين، قوم هم ما هم طيب مكاسر، وصفاء جواهر، وعذوبة موارد ومصادر؛ لعبوا بأطراف الكلام المشقق، لعب الدجى بجفون المؤرق، وحدوا بفنون السحر المنمق، حداء الأعشى ببنات المحلق؛ فصبوا على قوالب النجوم، غرائب المنثور والمنظوم؛ وباهوا غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل: نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاه حكمه؛ ونظم لو سمعه

стр. 8

كثير ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول ما عوى ولا نيح؛ إلا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع إلى قتادة؛ حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أوطن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتاباً محكماً؛ وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القصية، ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد. فغاظني منهم ذلك، وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثماداً مضمحلة؛ مع كثرة أدبائه، ووفور علمائه؛ وقديماً ضيعوا العلم وأهله، ويا رب محسن مات إحسانه قبله؛ وليت شعري من قصر العلم على بعض الزمان، وخص أهل المشرق بالإحسان - وقد كتبت لأرباب هذا الشأن، من أهل الوقت والزمان، محاسن تبهر الألباب، وتسحر الشعراء والكتاب. ولم أعرض لشيء من أشعار

стр. 9

الدولة المروانية، ولا المدائح العامرية؛ إذ كان ابن فرج الجياني قد رأى رأيي في النصفة، وذهب مذهبي من الأنفة؛ فأملى في محاسن أهل زمانه " كتاب الحدائق " معارضاً ل - " كتاب الزهرة " للإصبهاني، فأضربت أنا عما ألف، ولم أعرض لشيء مما صنف. ولا تعديت أهل عصري، ممن شاهدته بعمري، أو لحقه بعض أهل دهري؛ إذ كل مردد ثقيل، وكل متكرر مملول، وقد مجت الأسماع: " يا درا مية بالعلياء فالسند "، وملت الطباع: " لخولة أطلال ببرقة ثهمد "؛ ومحت: " قفا نبك " في يد المتعلمين، ورجعت على ابن حجر بلائمة المتكلفين؛ فأما " أمن أم أوفى "، فعلى آثار من ذهب العفا. أما آن أن يصم صداها، ويسأنم مداها - وكم من نكتة أغفلتها الخطباء، ورب متردم غادرته الشعراء، والإحسان غير محصور، وليس الفضل

стр. 10

على زمن بمقصور؛ وعزيز على الفضل أن ينكر، تقدم به الزمان أو تأخر، ولحى الله قولهم: الفضل للمتقدم، فكم دفن من إحسان، وأخمل من فلان. ولو اقتصر المتأخرون على كتب المتقدمين، لضاع علم كثير، وذهب أدب غزير. وقد أودعت هذا الديوان الذي سميته ب - " كتاب الذخيرة، في محاسن أهل هذه الجزيرة " من عجائب علمهم، وغرائب نثرهم ونظمهم، ما هو أحلى من مناجاة الأحبة، بين التمنع والرقبة، وأشهى من معاطاة العقار، على نغمات المثالث والأزيار؛ لأن أهل هذه الجزيرة - مذ كانوا - رؤساء خطابة، ورؤوس شعر وكتابة، تدفقوا فأنسوا البحور، وأشرقوا فباروا الشموس والبدور؛ وذهب كلامهم بين رقة الهواء، وجزالة الصخرة الصماء، كما قال صاحبهم عبد الجليل ابن وهبون يصف شعره: رقيق كما غنت حمامة أيكة ... وجزل كما شق الهواء عقاب على كونهم بهذا الإقليم، ومصاقبهم لطوائف الروم؛ وعلى أن بلادهم آخر الفتوح الإسلامية، وأقصى خطى المآثر العربية؛ ليس وراءهم وأمامهم إلا البحر المحيط، والروم والقوط؛ فحصاة من هذه حاله ثبير، وثمده بحر مسجور؛ وقد حكى أبو علي البغدادي الوافد على الأندلس في زمان بني مروان قال: لما وصلت القيروان وأنا أعتبر من

стр. 11

أمر به من أهل الأمصار، فأجدهم درجات في الغباوة وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصة ومقايسة. قال أبو علي: فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم، بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان، بهذه الأوطان. قال ابن بسام: فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطى عنهم عند المباحثة والمفاتشة، ويقول لهم: إن علمي علم رواية، وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلت، فلم آل لكم أن صححت. هذا مع إقرار الجميع له يومئذ بسعة العلم وكثرة الروايات، والأخذ عن الثقات؛ ولولا أن كل معنى معترض، يزيح سهمي عن ثغرة الغرض، المقصود في هذا الكتاب، لأوردت في هذا الباب، بعض ما وقع لأهل الأندلس من عجب، وسمع لهم من نادر مستغرب. وسيمر منه في تضاعيف هذا التصنيف ما فيه كفاية، ويربي إن شاء الله على الغاية. ولعل بعض من يتصحفه سيقول: إني أغفلت كثيراً، وذكرت خاملاً وتركت مشهوراً. وعلى رسله، فإنما جمعته بين صعبٍ قد ذل، وغرب قد فل، ونشاط قد قل، وشباب ودع فاستقل؛ من تفاريق كالقرون الخالية، وتعاليق كالأطلال البالية، بخط جهال كخطوط الراح، أو مدارج النمل بين مهاب الرياح؛ ضبطهم تصحيف، ووضعهم تبديل وتحريف؛ أيأس الناس منها طالبها، وأشدهم استرابة بها كاتبها؛ ففتحت أنا

стр. 12

أقفالها، وفضضت قيودها وأغلالها؛ فأضحت غايات تبيين وبيان، ووضحت آيات حسنٍ وإحسان. على أن عامة من ذكرته في هذا الديوان، لم أجد له أخباراً موضوعة، ولا أشعاراً مجموعة، تفسح لي في طريق الاختيار منها، إنما انتقدت ما وجدت، وخالست في ذلك الخمول، ومارست هنالك البحث الطويل، والزمان المستحيل، حتى ضمنت كتابي هذا من أخبار أهل هذا الأفق، ما لعلي سأربي به على أهل الشرق. وما قصدت به - علم الله - الطعن على فاضل، ولا التعصب لقائل على قائل؛ لأن من طلب عيباً وجده، وكل يعمل باقتداره، وبجهد اختياره؛ وما أغفل أكثر مما كتب وحصل؛ والأفكار مزن لا تنضب، ونجوم لا تغرب؛ ومن يحصل ما تثيره القرائح، وتتقاذف به الجوانح - وقد قال أبو تمام: ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب ولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب وهذا الديوان إنما هو لسان منظوم ومنثور، لا ميدان بيان وتفسير. أورد الأخبار والأشعار لا أفك معماها، في شيء من لفظها ولا معناها؛ لكن ربما ألممت ببعض القول، بين ذكر أجريه، ووجه عذر أريه؛ لا سيما أنواع البديع ذي المحاسن، الذي هو قيم الأشعار وقوامها

стр. 13

وبه يعرف تفاضلها وتباينها؛ فلا بد أن نشير إليه، وننبه عليه؛ ونكل الأمر في كل ما نثبته، ونرد الحكم في كل ما نورده، إلى نقد النقدة المعرة، وتمييز الكتبة الشعرة، الذين هم رؤساء الكلام، وصيارفة النثار والنظام؛ فأما من رين على قلبه، وطبع بالجهل على لبه، فقد وضعت عنا وعنه، كلفة الاعتذار منه. وقد كان في وقتي من فرسان هذا الشان، من كان أجدر أن يجري بهذا الميدان، ويعرب عما أعربت فيه عن القوم بأفصح لسان، يثير فيه المعاني من مرابضها، وأشد عارضة يظهر بها الأعراض المقصودة في اجمل معارضها؛ لكني بما أقدمت عليه، وتصديت إليه، كالنسيم دل على الصبح، والسهم ناب عن الرمح؛ ولا أقول إني أغربت، لكن ربما بينت وأعربت؛ ولا أدعي أني اخترعت، ولكني لعلي قد أحسنت حيث اتبعت، وأتقنت ما جمعت، وتألفت عنن الشارد، وأغنيت عن الغائب بالشاهد؛ وتغلغلت بقارئه بين النظم والنثر، تغلغل الماء أثناء النور والزهر؛ وانتقلت من الجد إلى الهزل، انتقال الضحيان من الشمس إلى الظل، واستراحة البهير من الحزن إلى السهل؛ وتخللت ما ضممته من الرسائل والأشعار، بما اتصلت به أو قيلت فيه من الوقائع والأخبار؛ واعتمدت المائة الخامسة من الهجرة فشرحت بعض محتها، وجلوت وجوه فتنها، ولخصت القول بين قبيحها وحسنها؛ وأحصيت علل استيلاء طوائف الروم، على هذا الإقليم، وألمعت الأسباب التي دعت ملوكها

стр. 14

إلى خلعهم، واجتثاث أصلهم وفرعهم؛ وعبرت عن أكثر ذلك، بلفظ يتتبع الهم بين الجونح، ويحل العصم سهل الأباطح؛ وعولت في معظم ذلك على تاريخ أبي مروان بن حيان، فأوردت فصوله ونقلت جمله وتفاصيله؛ فإذا أعوزني كلامه، وعزني سرده ونظامه، عكفت على طللي البائد، وضربت في حديدي البارد؛ على حفظ قد تشعب وحظٍ من الدنيا قد ذهب. ومع أن الشعر لم أرضه مركباً، ولا اتخذته مكسباً، ولا ألفته مثوى ولا منقلباً؛ إنما زرته لماماً، ولمحته تهمماً لا اهتماماً؛ رغبةً بعز نفسي عن ذله، وترفيعاً لموطئ أخمصي عن محله؛ فإذا شعشعت راحه، ودأبت أقداحه، لم أذقه إلا شميماً، ولا كنت إلا على الحديث نديماً؛ وما لي وله، وإنما أكثره خدعة محتال، وخلعة مختال؛ جده تمويه وتخييل، وهزله تدليه وتضليل؛ وحقائق العلوم، أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم؛ وعلى ذلك فقد وعدت أن ألمع في هذا المجموع، بلمع من ذكر البديع؛ وأن أمهد جانباً من أسبابه، وأشرح جملاً من أسمائه وألقابه؛ وإذا ظفرت بمعنى حسن، أو وقفت على لفظ مستحسن؛ ذكرت من سبق إليه، وأشرت إلى من نقص عنه

стр. 15

أو زاد عليه؛ ولست أقول: أخذ هذا من هذا قولاً مطلقاً، فقد تتوارد الخواطر، ويقع الحافر حيث الحافر؛ إذ الشعر ميدان، والشعراء فرسان. وعلم الله تعالى أن هذا الكتاب لم يصدر إلا عن صدر مكلوم الأحناء، وفكر خامد الذكاء، بين دهر متلون تلون الحرباء؛ لانتباذي كان من شنترين قاصية الغرب، مفلول الغرب، مروع السرب؛ بعد أن استنفد الطريف والتلاد، وأتى على الظاهر والباطن النفاد، بتواتر طوائف الروم، علينا في عقر ذلك الإقليم؛ وقد كنا غنينا هنالك بكرم الانتساب، عن سوء الاكتساب، واجتزأنا بمذخور العتاد، عن التقلب في البلاد؛ إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام، ولو ترك القطا ليلاً لنام؛ وحين اشتد الهول هنالك، اقتحمت بمن معي المسالك؛ على مهامه تكذب فيها العين الأذن، وتستشعر فيها المحن: مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه ... ولا حملت فيها الغراب قوادمه حتى خلصت خلوص الزبرقان من سراره، وفزت فوز القدح عند قماره؛ فوصلت حمص بنفسٍ قد تقطعت شعاعاً، وذهب أكثرها التياعاً؛ وليتني عشت منها بالذي فضلا! فتغربت بها سنوات أتبوأ منها

стр. 16

ظل الغمامة، وأعيا بالتحول عنها عي الحمامة؛ ولا أنس إلا الانفراد، ولا تبلغ إلا بفضلة الزاد؛ والأدب بها أقل من الوفاء، حامله أضيع من قمر الشتاء؛ وقيمة كل أحد ما له، وأسوة كل بلد جهاله؛ حسب المرء أن يسلم وفره، وإن ثلم قدره، وأن تكثر فضته وذهبه، وإن قل دينه وحسبه. وهذا الديوان نية لم يفصح عنها قول ولا عمل، وأمنية لم يكن منها حول ولا حول: كامن بين العيان والخبر، كمون النار في الحجر، وجار بين اللسان والقلب، جري الماء في الغصن الرطب؛ إلى أن طلع على أرضها شهاب سعدها وتمكينها، وهبت لها ريح دنياها ودينها، ونفخ فيها روح تأميلها وتأمينها، ملك أملاكها، وجذيل حكاكها، وأسعد نجوم أفلاكها؛ " فلان " ثمال المظلوم، ومال السائل والمحروم؛ ومحيي العلم، ومربع ذويه وحامليه، ومستدعي التأليفات الرائقة فيه؛ جعل الله الدهر أقصى أيامه، والنجوم مراكز أعلامه، والأرض نهبة سيوفه وأقلامه؛ فحامت عليه أطيارها، وأهل إليه حجاجها وزوارها، وانتثرت في يديه شموسها وأقمارها؛ من كل شعث ذي طمرين، مشنوء الأثر والعين، محروم محسود، محلأ عن طريق الماء مطرود؛ قد جعلوا بيوتهم قبوراً، واتخذوا بنات أفكارهم ولداناً وحوراً، وركبوا الحدثان صعباً وذولولاً، وعاهدوا الحرمان ليبلونه صبراً جميلاً ﴿فمنهم من قضى نحبه

стр. 17

ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا﴾ (الأحزاب: ٢٣) . فما هو إلا أن سطع لهم هذا الشهاب، وفتح بينهم وبين روح الله ذلك الباب، حتى نفروا خفافاً وثقالاً، وابتدروا بطاءً وعجالاً؛ ينظرون بعيون لم ترو من ماء وجه كريم، ويصغون بآذان لم تأنس بنغمة صديق حميم؛ قد كانوا يئسوا من هذا النشور ﴿كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾ (الممتحنة: ١٣) فاسألهم أي جانب يمموا، وبأي جناب خيموا، وإلى أي ملك لبابٍ أنجدوا وأتهموا؛ ويا رحمتا لبحور أدب، وصدور رتب، كان نظمني وإياهم ود قديم، ولف هواي بهواهم عهد كريم، لا منسي ولا مذموم؛ قد طال ما عطيتهم أكؤس الخمول، على البكاء والعويل؛ في أيام أوحش من توديع الشباب، وليال انكد من مناقشة الحساب؛ ألا يكونوا قد أخذوا على القضاء عهداً مسؤولاً، ومتعوا بالبقاء ولو قليلاً؛ حتى يروا حظ الأدب كيف نفق، وعز الإسلام كيف اتفق، وشمل الجور كيف تصدع وتفرق؛ ويا حسرتا ألا ينشق عن حاتم ضريحه، ويعاد في جسمه روحه؛ فيرى أن الكرم بعده علم، وأن علو الهمم بغيره بدئ وختم. ولما سمعت صوت المهيب، وتنسمت ريح الفرج القريب، ووجدت لسبيل التأمل مدرجاً، وجعل الله لي من ربقة الخمول مخرجاً؛ طالعت حضرته المقدسة بهذا الكتاب على حكمه، مطرزاً بسمته واسمه؛ مستدلاً بمجده، متوسلاً إليه بكرم عهده؛ ولعلمي أن الأدب ضالة اهتباله، ونتيجة خلاله، وأن أهله على ذكر من إجماله، وبمكان مكين من كماله؛ ولما سئلت أيضاً انتساخ هذا

стр. 18

الديوان، ورأيت شره أهل الزمان، إلى الاقتباس من نوره، بما يلتقطونه من شذوره، أحببت أن يجوب الآفاق، وتسير به الرفاق، وعليه من اسم من له جمع، وإلى جوانبه العلية رفع، طراز به تنفق سوقه، ولا تضيع إن شاء الله حقوقه. وقسمته أربعة أقسام: الأول: لأهل حضرة قرطبة وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس، ويشتمل من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء على جماعةٍ هم: ١ - المستعين بالله أبو أيوب سليمان بن الحكم، وحربه مع المهدي ابن عمه ومقتله. ٢ - والمستظهر بالله أبو المطرف عبد الرحمن بن عبد الجبار الناصري ومقتله. ٣ - والأديب أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي، وإمارة علي ابن حمود ومقتله. ٤ - وأبو حفص بن برد الأكبر ومقتل عيسى بن سعيد القطاع وزير ابن أبي عامر. ٥ - والكاتب أبو المغيرة بن حزم. والفقيه أبو محمد بن حزم الشافعي وخبر الأمير منذر بن يحيى التجيبي. ٧ - والوزير أبو عامر أحمد بن عبد الملك بن شهيد والوزير أبو

стр. 19

الوليد ابن عبدوس، والفقيه أبو العباس بن أبي الربيع، والأديب أبو علي بن عوض، والكاتب أبو بكر بن زياد. ٨ - وذو الوزارتين أبو الوليد بن زيدون وإمارة المستكفي وخبر ولادة. ٩ - والأديب أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط المكفوف، ونصب المرتضى الناصري خليفة بشرق الأندلس ومقتله. ١ - والأديب أبو بكر عبادة بن ماء السماء، وإمارة القاسم بن حمودٍ وتغلب القاضي ابن عباد عليه. ١١ - والوزير أبو حفص بن برد الأصغر. ١٢ - والأديب أبو مروان الطبني ومقتله، وأشعار الطبانية حفدته. ١٣ - والأديب أبو عبد الله محمد بن مسعود الهذلي وابن مسعود البجاني. ١٤ - والشيخ أبو مروان بن حيان، وإمارة بني جهور وخلعهم. ١٥ -.

стр. 20

١٦ - والوزير الكاتب أبو جعفر بن اللمائي. ١٧ - والكاتب أبو عبد الله بن الزلياني. ١٨ - والكاتب أبو جعفر بن عباس. ١٩ - والكاتب أبو حفص بن الشهيد. ٢٠ - والأديب أبو عبد الله بن الحداد، وإمارة بني صمادح وخلعهم. ٢١ - والأديب أبو محمد ابن مالك القرطبي. ٢٢ - والشاعر المنفتل، ومقتل ابن نغريلة اليهودي. ٢٣ - والأديب أبو المطرف عبد الرحمن بن فتوح الإسفيرياني. ٢٤ - والأديب أبو بكر بن ظهار. ٢٥ - والأسعد بن إبراهيم بن بليطة. ٢٦ - والأديب أبو عبد الله محمد بن عبادة بن القزاز. ٢٧ - والأديب أبو عبد الله محمد بن مالك الطغنري من أهل غرناطة؛ وجملة قصائد لغير واحد في تأبين ابن سراج. ٢٨ - والوزير الكاتب أبو مروان بن شماخ. ٢٩ - والفقيه أبو عمر أحمد بن عيسى الإلبيري. ٣٠ - والأديب العالم أبو محمد غانم. ٣١ - والأديب أبو عبد الله بن السراج المالقي. ٣٢ - والأديب أبو القاسم المعروف بالسميسر. ٣٣ - والأديب أبو العباس أحمد بن قاسم المحدث. ٣٤ - والأديب أبو طالبٍ عبد الجبار المعروف بالمتنبي من أهل جزيرة شقرٍ.

стр. 21

والقسم الثاني: لأهل الجانب الغربي من الأندلس، وذكر أهل حضرة إشبيلية، وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط الرومي، وفيه من الأخبار وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء جملة موفورة وهي: ١ - القاضي أبو القاسم بن عبادٍ. ٢ - والمعتضد بالله عباد ابنه. ٣ - والمعتمد على الله محمد بن عباد وكيفية خلعه. ٤ - والوزير الفقيه أبو حفص الهوزني. ٥ - والقاضي أبو الوليد الباجي. ٦ - والوزير أبو عامر بن مسلمة. ٧ - والوزير أبو الوليد بن المعلم. ٨ - والأديب أبو الوليد الملقب بالحبيب. ٩ - والأديب أبو جعفر بن الأبار. ١٠ - والأديب أبو الحسن علي بن حصن. ١١ - والوزير الكاتب أبو عمرو الباجي. ١٢ - والفقيه الأديب أبو الحسن بن الإستجي. ١٣ - وفصل يشتمل على مقطوعات أبيات لجماعة أدباء بعصر المعتضد. ١٤ - والوزير الفقيه أبو العلاء بن زهرز ١٥ - والوزير أبو عبيد البكري. ١٦ - والوزير الخطيب الأديب أبو عمر بن حجاج. ١٧ - وذو الوزارتين أبو بكر بن سليمان المعروف بابن القصيرة، وذكر تغلب ابن ذي النون على قرطبة وعودتها إلى المعتمد.

стр. 22

١٨ - والوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم بن الجد. ١٩ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبد الغفور وأبوه قبله. ٢٠ - والوزير الفقيه أبو أيوب بن أبي أمية. ٢١ - وذو الوزارتين أبو بكر بن عمار ومقتله. ٢٢ - والوزير الكاتب أبو الوليد حسان بن المصيصي. ٢٣ - والوزير الفقيه أبو بكر بن الملح. ٢٤ - والأديب أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسي. ٢٥ -. ٢٦ - والوزير الكاتب أبو بكر بن عبد العزيز. ٢٧ - والوزير الكاتب أبو الحسين بن الجد. ٢٨ - والأديب أبو الحسين غلام البكري. ٢٩ - والكاتب أبو الحسين غلام البكري. ٣٠ - وأبو الحكم وأبو الوليد ابنا حزم. ٣١ - والأديب أبو بكر بن بقي. ٣٢ - والأديب أبو الحسن بن هارون الشنتمري، وكيفية إمارة بني الأفطس، والمتوكل على الله منهم. ٣٣ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن أيمن، والخبر عن فتح مدينة سبتة، والتعريف بأولية أميرها سقوت. ٣٤ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبدون. ٣٥ - والأديب أبو جعفر أحمد بن هريرة الأعمى التطيلي.

стр. 23

٣٦ - والوزير الكاتب أبو بكر بن سعيد المعروف بابن القبطورنه. ٣٧ - والوزير الكاتب أبو بكر بن قزمان. ٣٨ - والوزير أبو زيد بن مقانا الأشبوني. ٣٩ - والشيخ أبو الحسن القرشي الأشبوني. ٤٠ - والأديب أبو عبد الله بن البين. ٤١ - وذو الوزارتين أبو محمد بن هود. ٤٢ - والشيخ الأديب أبو عمر بن فتح البلطيوسي. ٤٣ - والأديب أبو عمر بن كوثر الشنتريني. ٤٤ - والأديب أبو الوليد النحلي. ٤٥ - والوزير الكاتب أبو بكر محمد بن سوار الأشبوني. ٤٦ - والأديب أبو محمد عبد الله بن سارة الشنتريني. والقسم الثالث: ذكرت فيه أهل الجانب الشرقي من الأندلس، ومن نجم من كواكب العصر في أفق ذلك الثغر الأعلى، إلى منتهى كلمة الإسلام هنالك، وفيه من القصص وأسماء الرؤساء وأعيان الكتاب والشعراء طوائف منهم: ١ - مجاهد ومبارك ومظفر من فتيان ابن أبي عامر. ٢ - والوزير الكاتب أبو عبد الرحمن بن طاهر، وتغلب العدو على بلنسية، وعود المسلمين إليها. ٣

стр. 24

٤ - وذو الوزارتين القائد أبو عيسى بم لبون>. ٥ - وحسام الدولة أبو مروان بن رزين. ٦ - والوزير الكاتب أبو محمد بن عبد البر، ومقتل إسماعيل بن المعتضد عباد، وتغلب العدو على بربشتر وفتحها بعد. ٧ - والوزير الكاتب أبو عامر بن التاكرني، وإمارة عبد العزيز ن عامر وابنه ببلنسية. ٨ - والوزير الكاتب أبو المطرف بن الدباغ. ٩ - والأديب أبو الربيع بن مهران السرقسطي، وذكر ابن الكتاني المتطبب. ١٠ - والأديب الأستاذ أبو عبد الله بن خلصة الضرير. ١١ - والأديب أبو مروان بن غصن الحجاري. ١٢ - والأديب أبو عبد الله إدريس بن اليماني. ١٣ - والوزير الكاتب أبو الأصبغ بن أرقم. ١٤ - والوزير الكاتب أبو المطرف بن مثنى. ١٥ - والوزير الكاتب أبو عم بن القلاس. ١٦ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن مسلم. ١٧ - والوزير الكاتب أبو جعفر بن جرج. ١٨ - والوزير الكاتب أبو الفضل بن حسداي. ١٩ - والأديب أبو الربيع القضاعي، وجملة من أخبار هشامٍ المعتد أمير قرطبة يومئذ، ومقتل وزيره الحائك.

стр. 25

٢٠ - والأديب أبو عامر البماري. ٢١ - والأديب أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة. ٢٢ - والأديب أبو حاتم الحجاري. ٢٣ - والأديب أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة. ٢٤ - والأديب أبو جعفر بن الدود بن البلنسي، ورسالة ابن غرسية الشعوبية والرد عليه. ٢٥ - والكاتب أبو جعفر بن أحمد الداني. ٢٦ - والوزير الكاتب أبو الخطاب بن عطيون الطليطلي. ٢٧ - والوزير الكاتب أبو عبد الله بن أبي الخصال. ٢٨ - والأديب أبو بحر بن عبد الصمد، وذكر الشيخ الكاتب عبد الصمد السرقسطي. ٢٩ - والأديب أبو تمام الملقب بالحجام. ٣٠ - والأديب أبو إسحاق بن معلي، وخبر وقعة بطرنة. ٣١ - والأديب أبو عامر ن الأصيلي. ٣٢ - والأديب أبو الفضل جعفر بن محمد بن شرف. ٣٣ - وفصل يشتمل على طوائف مقلين من سكان ذلك الجانب الشرقي. والقسم الرابع: أفردته لمن طرأ على هذه الجزيرة في المدة المؤرخة من أديب شاعر، وأوى إلى ظلها من كاتب ماهر، واتسع فيها مجاله، وحفظت في ملوكها أقواله؛ ووصلت بهم ذكر طائفة من مشهوري أهل

стр. 26

تلك الآفاق، ممن نجم في عصرنا بأفريقية والشام والعراق، فيشتمل منهم على جملة، وهم: ١ - أبو العلاء صاعد اللغوي، وتلخيص التعريف بدولة ابن أبي عامر، من المبدأ إلى الآخر. ٢ - وأبو الفضل بن عبد الواحد البغدادي. ٣ - وسليمان بن محمد الصقلي. ٤ - وأبو الفتح الجرجاني. ٥ - والأديب عبد العزيز السوسي، ولمع من دولة ابن ذي النون ومآل حفيده، وأخذ طليطلة من يديه، ودوران دائرة السوء بها عليه؛ مع ما اندرج في ذلك من خبر، والتف به من قبيح أثر. ٦ - وأخبار أبي عبد الله بن شرف، وغرر أشعاره، وذكر خراب بلده القيروان. ٧ - وأخبار ابن السقاء مدبر الملك الهوري بقرطبة ومقتله. ٨ - وأبو الحسن المكفوف الحصري، وذكر تغلب ابن هود المقتدر على دانية. ٩ - وأخبار عبد الكريم بن فضال الحلواني ١٠ - وأبو العرب الصقلي. ١١ - وأبو عبد الله بن الصباغ الصقلي. ١٢ - وأبو محمد ن حمديس الصقلي.

стр. 27

١٣ - والحكيم أبو محمد المصريز ١٤ - وأبو محمد بن الطلاء المهدوي. ١٥ - وأبو بكر محمد بن الحسن المرادي. ١٦ - والفكيك البغدادي. ١٧ - وأبو زكرياء يحى الزيتوني. ١٨ - وأبو بكر بن العطار اليابسي. ١٩ - وابن القابلة السبتي. ذكر من كان منهم بالمشرق: ٢٠ - الرضي الشريف. ٢١ - أبو القاسم المغربي. ٢٢ - عبد الوهاب المالكي. ٢٣ - أبو عبد الله ابن قاضي ميلة. ٢٤ - أبو الحسن التهامي. ٢٥ - مهيار الديلمي. ٢٦ - أبو منصور الثعالبي. ٢٧ - أبو إسحاق الحصري. ٢٨ - أبو علي بن رشيقٍ، وذكر انحرافه عن القيروان. ٢٩ - أبو الفتيان العسقلاني. ٣٠ - القاضي أبو محمد بن نعمة. ٣١ - جلال الدولة ابن عمار.

стр. 28

٣٢ - المجيد بن الشخباء وإنما ذكرت هؤلاء ائتساء بأبي منصور، في تأليفه المشهور، المترجم ب - " يتيمة الدهر، في محاسن أهل العصر ". وتحريت في الجملة حر النظام، وتخيرت جيد الكلام، وجردت جملة الفصول والأقسام. وإذا مر معنى غريب وتعلق به خبر مشهور، وأمكنني فيه شعر كثير، مددت أطنابه، ووصلت أسبابه؛ وقد أذكر الشاعر الخامل، وأنشد الشعر النازل، لأربٍ يتعلق به، أو لخبرٍ أذكره بسببه؛ وقد أذكر الرجل لنباهة ذكره، لا لجودة شعره؛ وأقدم الآخر لاشتهار إحسانه، مع تأخر زمانه. وبدأت بذكر الكتاب، إذ هم صدور في أهل الآداب، إلا أن يكون له حظ من الرياسة، أو يدعو إلى تقديمه بعض السياسة؛ فأول من ذكرت من أهل قرطبة من كان بها من ملوك قريش في المدة المؤرخة من أهل هذا الشأن ثم من تعلق بسلطانهم، أو دخل في شيءٍ من شانهم؛ وتلوتهم بالكتاب والوزراء، ثم بأعيان الشعراء، ثم بطوائف من المقلين منهم. وكذلك فعلت في كل قسم: بدأت بالملوك، ثم استمر على ما وصفته من الترتيب، وأنتظم على ما شرحت من التبويب، وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل، لا إله سواه.

стр. 29

@ذكر الكتاب والوزراء، وأعيان الأدباء والشعراء، بحضرة قرطبة @وما يصاقبها من بلاد موسطة الأندلس، وتسمية من نشأ من @فرسان هذا الشان، من آخر دولة بني عامرٍ إلى وقتنا، @وإيراد ما انتخبته من نظمهم ونثرهم، مع ما يتعلق @من فنون المعارف المفيدة بذكرهم قال أبو الحسن بن بسام ﵀: وحضرة قرطبة، منذ استفتحت الجزيرة، هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأم القرى، وقرارة أهل الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، وقبة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمرة الخواطر، وبحر درر القرائح؛ ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر؛ وبها انتشأت التأليفات الرائقة، وصنفت التصنيفات الفائقة؛ والسبب في ذلك، وتبريز القوم قديماً وحديثاً هنالك على من سواهم، أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلا على أهل البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر؛ إن مدح ما كثير عنده بكثير، وإن هجا

стр. 30

أجر لسان جرير، وعدا عديا عن مدح ذويه، وأنسى جرولاً العواء في أثر قوافيه وإن تغزل أربى على الساحرات فنوناً، وأزرى بالغانيات مجوناً. وقد وعدت في صدر هذا الكتاب بأن أتخلل أشعار الشعراء، ورسائل الكتاب والوزراء، بما عسى أن يتعلق بأذيالها، ويساير أفياء ظلالها: من أنباء فتن ذلك الزمان البعيد - كان طلقها، المفرق لشمل الأمر في هذه الجزيرة نسقها. ونلمع بنبذ من مشهور وقائعها، ونشير بأسماء طوائف توابعها وزوابعها، الذين استظهروا على شهواتهم بجر ذيولها، وامتروا بطالاتهم من أخلاف أباطيلها، حتى شقوا عصاها، وأداروا بدائرة السوء على الجماعة رحاها؛ ليجمع هذا المجموع بين الشعر والخبر، جمع الروضة بين الماء والزهر، والزمان بين الأصائل والبكر، فإني رأيت أكثر ما ذكر الثعالبي من ذلك في " يتيمته " محذوفاً من أخبار قائليه، مبتوراً من الأسباب التي وصلت به وقيلت فيه؛ فأمل قارئ كتابه منحاه، وأحوجه إلى طلب ما أغفله من ذلك سواه. وسينخرط في سلك ما أوشح به هذا التصنيف، من تلخيص التعريف بأخبار ملوك الجزيرة، وسرد قصصهم المأثورة، ووقائعهم المبيرة

стр. 31

المشهورة، لابن حيان، فصول من غرائبه، وجمل وتفاصيل من عجائبه؛ لأني إذا وجدت من كلامه فصلاً قد أحكمه، أو خبراً قد سرده ونظمه، عولت على ما وصف، ووليته خطة ما سطر وصنف، إقراراً بالفرق، وإعفاءً لنفسي من معارضة من أحرز بأفقنا في وقته قصبات السبق، [وأبرز في زمانه على جميع الخلق] . وأكثر ما يمر في هذا الكتاب، من هذا الباب، فعل تأريخه الكبير عولت، ومن خط يده أكثر ما نقلت؛ وتحريت جهدي اقتضاب ما طول، وتخفيف ما ثقل، وإجمال ما شرح وفصل؛ على أنه لم يخلص إليّ من غمامه إلا قطرة، ولا حصلت في يدي من حسامه إلا إبرة؛ ولذلك ما ارتشفت ثمادي، ونفخت فيما لم أجد من كلامه رمادي، وأنفقت في ذلك من تافه زادي؛ وابتدأت بمن كان في ذلك الأوان، من ملوك بني مروان، من أهل هذا الشان، وارتسم بهذا الفن الذي تصديت لإقامة أوده في هذا الديوان. @فصل في ذكر المستعين بالله أبي أيوب سليمان بن الحكم والأخذ @بطرف مستطرف من أخباره وأشعاره، والسبب الموجب @لقيامه، وما حدث من نادر مستغرب في أيامه. @ [ونقلت بعضه من لفظ الشيخ المذكور بنصه، @وأتيت من الحديث بفصة، واعتمدت الإيجار، @وأتقنت الصدور والإعجاز] . هو سليمان بن الحكم بن سلميان بن عبد الرحمن الناصر لدين الله بن

стр. 32

محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم القرشي. بويع بقرطبة منتصف ربيع الأول سنة أربعمائة بعد وقعة كانت له على أميرها قبله محمد بن عبد الجبار الملقب بالمهدي القائم على الدولة العامرية؛ ثم خلعه المهدي بوقعةٍ كانت له عليه، ثم عاد إليها سليمان ثانيةً في خبرٍ طويل، فملك سليمان قرطبة في دولتيه ست سنين وعشرة أشهر، وكانت كلها - كما وصف ابن حيان شداداً نكدات، صعاباً مشئومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة؛ لم يعدم فيها حيف، ولا فورق فيها خوف؛ ولا تم سرور، ولا فقد محذور؛ مع تغير السيرة، وخرق الهيبة، واشتعال الفتنة، واعتلاء المعصية، وظعن الأمن، وحلول المخافة: دولة كفاها ذماً أن أنشأها شانجه، فقشعها أرمقند، وثبتتها الجلالقة، ومزقتها الإفرنجية؛ ودبرها فاجر شقي، ووزر لها خب دني؛ فتمخضت عن الفاقرة الكبرى، وآلت بمن أتى إلى ما كان أعضل وأدهى، مما طوى بساط الدنيا، وعفى رسمها، وأهلك أهلها.

стр. 33

ولما تمت بيعته نفذت عنه كتب إلى نواحي الجزيرة بخبر فتحه قرطبة، وكانت موشحةً بما توشح به كتب الفتوح الإسلامية على أهل دار الحرب، من وصف حال القهر، وشدة السطوة والاقتدار على الفتك والاستباحة؛ فأفرط في ذلك إرهاباً للناس بذكره، وتخويفاً لهم من مصثله؛ فكان أجلب لنفار القلوب، وقرف الندوب، وبعث الشرود، ونبش الحقود، لما وتر جميعهم بالحادثة في قرطبتهم؛ فاستشعروا بغضه، وانقادوا لكل من عانده ورد أمره، من عبدٍ أو حر، فزعاً إليهم منه، ويأساً من خيرٍِ يجيئهم من برابرته؛ فكان ذلك سبباً في تفريق البلاد وتملك أصحاب الطوائف. قال ابن حيان: وتسمى لوقته من الألقاب السلطانية بالمستعين بالله، وانتقل إلى مدينة الزهراء بجملة جيشه، رجاء أن يحسم عن أهل قرطبة معرتهم، فضاقت الزهراء عنهم، فنزلوا بما يتصل بها من منازل الناس، ونزل ابنا حمودٍ: علي والقاسم، قائدا فرقة المغاربة، بشقندة؛ وامتحن هشام المؤيد بالله مع سليمان عند خوله القصر؛ فقيل إنه قضي عليه، وقيل إنه فر من يديه. وكان هشام - عند ما رآه من اضطراب أمره، وتيقنه من انصرام دولته، بما مني به قديماً وحديثاً، من تمالؤ بني عمه آل الناصر عليه، وقيامهم واحداً بعد واحد في خلعه - صير إلى علي بن حمودٍ ولاية عهده، وأوصى إليه بالخلافة من بعده

стр. 34

وراسله بذلك إلى سبتة، أيام تردده عليها، بمعنى الاستمداد، وجمعه طوائف البرابرة للجهاد؛ وولاه طلب ذحله، واستكتمه السر فيه إلى أوانه، وبلوغ زمانه؛ هائجاً للحفائظ القرشية، ومحركاً للطوائل الطالبية؛ فرماهم يومئذ من علي هذا بثالثة الأثافي، طوى كشحه منها على مستكنةٍ أرجأها لوقتها. ومن الاتفاق الغريب على سليمان أنه لما استوسق له الأمر بعد فراغه من خبر هشام المؤيد، أنفذ عزمه من بين قواد جيوشه في اختيار علي بن حمود المذكور، فقدمه على مدينة سبتة، رأياً ذهل عنه، ونبذها إلى ذد له مكاشح شريك في الدعوى والقرابة؛ فتلقفها علي تلقف الأكياس المقبلين، ودب لمغبونه سليمان من قبلها الضراء دبيب الحنق الموتور، حتى هجم عليه وسلبه ملكه، وحول دولته ومزق عترته؛ وكانت غلطة سليمان التي لم يستقلها هو ولا من بعده؛ وإذا أراد الله شيئاً أمضاه. قال أبو الحسن بن بسام: وذكرت بما اتفق في هذا الخبر، ما حكاه الرواة في حلول الفاقرة أيضاً بالمتوكل جعفر؛ قالوا: لما عزم

стр. 35

بغا الصغير على قتل المتوكل جعفر بتدبير ابنه المنتصر، دعا بباغر، وهو غلام تركي، بعد أن اصطنعه بالصلات، وكان مقداماً أهوج، فقال له: يا باغر، أنت تعلم تقديمي لك، وأني قد صرت عندك في منزلة من لا يعصى له أمر، وأريد أن آمرك بشيء، فعرفني كيف إقدامك عليه؛ قال: قل ما شئت فإني فاعله؛ فقال: إن ابني قد فسد علي، وصح عندي أنه يحاول سفك دمي، وأريد إذا دخل علي غداً أن أضع القلنسوة من رأسي في الأرض، فإذا أنا وضعتها فاقتله؛ قال: نعم؛ فلما دخل ابنه عليه لم يضع القلنسوة من رأسه، وظن أنه نسي، فغمزه بحاجبه، فلم ير العلامة، وانصرف ابنه. فقال له: إني فكرت في أنه ولد وحدث، وأريد أن أستصلحه. فقال له باغر: فإني قد سمعت وأطعت. ثم أمسك عنه مديدة وقال له: إن أخي قد فسد علي، وهو عزم على أن يقتلني وينفرد مكاني، وأحب أن تبادر غداً إذا دخل علي وتقتله؛ قال: نعم؛ وجعل له علامةً، فلما دخل عليه لم ير العلامة، ووقف حتى خرج أخوه. فقال له: يا باغر، هو أخي وعسى أن أستصلحه؛ وههنا امرؤ هو أعظم وأكبر من

стр. 36

هذا كله. قال له باغر: من هو - قال: المنتصر، قد صح عندي أنه على الإيقاع بي وقتلي، وأريد قتله، فكيف ترى نفسك في ذلك - ففكر باغر ساعة ونكس رأسه طويلاً ثم قال: هذا أمر لا يجيء منه شيء. قال: ولم - قال: لا نقتل الابن والأب باقٍ، إذ لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلكم. قال: فما الرأي - قال: نبدأ بالأب ويكون أمر الصبي أيسر؛ قال: وتفعل هذا ويحك -! قال: نعم، أفعله وأدخل عليه إلى قتله، وادخل أنت في اثري، فإن قتلته وإلا فاقتلني أنت، وضع سيفك علي وقل: أراد أن يقتل مولاه. فعلم بغا حينئذ أنه قاتله، فتمكن له التدبير على المتوكل. وحدث البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل مع الندماء، فتذاكرنا أمر السيوف؛ فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير. فأمر المتوكل بالكتاب فيه إلى عامل البصرة؛ فاتفق أن اشتري بعشرة آلاف درهم؛ فسر المتوكل بجودته، وانتضي فاستحسنه المتوكل وقال للفتح بن خاقان: اطلب لي غلاماً نثق بنجدته وشجاعته، أدفع إليه هذا السيف ليكون واقفاً به على رأسي كل يوم ما دمت جالساً؛ قال: فلم يستتم المتوكل الكلام حتى دخل باغر التركي المذكور، فدعا به المتوكل، ودفع إليه ذلك السيف، وأمره بما أراد وتقدم بأن يزاد في مرتبته. قال

стр. 37

البحتري: فوالله ما انتضي ذلك السيف ولا أخرج من غمده منذ الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربته فيها باغر بذلك السيف. رجع الحديث: قال ابن حيان: فلما كانت سنة خمس وأربعمائة طلع النبأ على سليمان أن مجاهداً العامري أقام عليه خليفةً رجلاً يعرف بالفقيه المعيطي، فاستعظم ذلك إلى أن بلغه نجوم عليّ بن حمود الفاطمي بسبتة، فسقط في يديه، وتفرقت الظباء عليه؛ وكان على أجل من الحرش، وأخذ في استدفاع ذلك جهده، فلم يغنه شيئاً، وجاءه عليّ في جموعه بعد أن اجتمع بالمرية مع خيران صاحب المرية وغيره من الفتيان؛ فخرج إليهم سليمان واقتتلوا، فانهزم سليمان وقبض عليه وعلى أخيه وأبيه وسيقوا أسارى إلى عليّ بن حمود. ودخل القصر وخيران يطمع أن يجد هشاماً المؤيد حياً، فلم يوجد، وذكر أنه قتل وعرض عليه قبره. فأمر علي بنبشه، فأخرج الشخص، وشهد أنه هشام، وسليمان يتبرأ من دمه، وما كان في جسده شيء من أثر السلاح، فتوهم فيما الخنق، وأمر عليّ بتجهيزه إلى أهله، وأنذر طبقات الناس للصلاة

стр. 38

عليه؛ فدفن لزيق أبيه الحكم. ثم دعا علي بسليمان وذويه فضرب عنقه بيده، وظهر منه جزع شديد عند ملاحظته السيف، خارت منه قواه، فجثا على ركبتيه، ثم ضربت عنق الشيخ أبيه وعنق عبد الرحمن ابنه، وجعلت الرؤوس الثلاثة في طست، وأخرجت من القصر إلى المحلة ينادي عليها: هذا جزاء من قتل هشاماً المؤيد؛ ثم ردت الرؤوس الثلاثة ونظفت وطيبت؛ وقد كانت جمعت رؤوس رؤساء من البرابرة المقتولين في الوقعة في قفة، وجعل رأس أحمد ابن الدب في أعلاها، وعلقت في آذانهم رقاع بأسمائهم. وكانت في المحلة تحمل من مضرب قائدٍ إلى مضرب سواه. وعجب الناس من اجتماع رؤوس من ضاقت أرض الأندلس برحبها عنها، وشملها شرها وأذاها طراً في قفة ضيقة، والأمر لله. وحكي أن والد سليمان حين عاين قتل ابنيه بين يديه قال له عليّ: أهكذا يا شيخ قتلتم هشاماً - قال: لا والله ما قتلناه وإنه لحي يرزق! فحينئذ عجل عليّ بقتل الشيخ؛ وكان ﵀ تقياً صالحاً لم يتشبث بشيء من أمر ابنه.

стр. 39

وكان هشام يقول برموز الملاحم وكتب الحدثان، وخامر نفسه من ذكر قائم بسبتة، أول اسمه عين، ما لا شيء يزيله، ولم يزل مرتقباً لظهوره؛ فلذلك ما كاتب عليّ بن حمود لرفع بيته، وبعد صيته؛ فكان منه في أخذه بثأره بعد موته ما كان. فإن كان كذلك، فهشام - على مشهور عجزه - أحد كائدي الأعداء بغيره من منكوبي الملوك بما لا شيء فوقه، فما أدرك فيه بعد هلاكه بوتره واستقاد بدمه وسطا بعدوه؛ انتهى ما لخصته من خبره مع ابن حمود. فصل: قال ابن حيان: وأما حربه مع المهدي، فإنه لما استوسق الأمر لسليمان حسبما تقدم، وتابعته الباربرة، اجتمعوا لحرب قرطبة، فنزلوا في سفح الجبل بها وبشرقيها، يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة؛ وقد كان واضح الفتى وافاها قبلهم بيومين في أجناده من رجال الثغر، فقلده المهدي أمر الحرب، واحتشد الناس من الكور والبادية، فعسكروا في جموعٍ لم يحصها إلا خالقهم، فتداني الزحفان يوم السبي الثالث عشر من ربيع المؤرخ، فتسرع إليهم أهل قرطبة، وخالفوا واضحاً في تدبير حربهم، فاستجرتهم البرابرة، حتى إذا تمكنوا منهم عطفوا عليهم، فانكشفوا عنهم انكشافاً ما سمع بمثله، وانهزموا إلى منازلهم، وتشعبت الطرق بهم، عاد تضيق مسالك كانوا أعدوها لعدوهم سداداً دونهم، فازدحموا وتناشبوا وقتل بعضهم بعضاً. ووضع البرابرة والنصارى السيوف عليهم؛ فقتل في هذه الوقعة عالم، وأبادوا أمة. وهي وقعة قنتيش المشهورة بالأندلس التي قطع المقال على أنه قتل فيها عشرة آلاف قتيل وأزيد. والله أعلم.

стр. 40

ومال النصارى يومئذ على المنهزمين من المسلمين، فقتلوا منهم في صعيد واحد نيفاً على ثلاثة آلاف رجل. وخرج الأمر عن يد واضح، فلم يثبت أحد ممن كان معه، ولا كر في تلك الوقعة عامي ولا خاصي. وكان أمره عجباً. ونادى واضح بشعاره، فاجتمع إليه رجاله، وثبت إلى أن أجنه الليل واتخذه جملاً، وسارعن قرطبة هارباً إلى الثغر. وانبسط البربر يومئذٍ في أرض قرطبة يقتلون ويأسرون. قال ابن حيان: وأصيب في تلك الوقعة من المؤدبين خاصة نيف على ستين، أعريت سقائفهم في غداة واحدة منهم، وتعطل صبيانهم لعدمهم. وأصيب فيها زربوط الطنبوري، وأقام الطنبوريون أصحابه عليه مأتماً مشهوداً بعد الحادثة. وهلك في تلك الوقعة أخلاط من الناس. وكان بعض الظرفاء يقول: من كل طبقة أخذت وقعة قنتيش حتى من الباطل؛ فإنها ألصقت بالصميم في قتل قنبوط الملهي، وزربوط المغني ونمطهما، فهيهات أن يخلف الدهر مثلهما. وكان المهدي، إذ دخل قرطبة منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وقتل عبد الرحمن بن أبي عامر، أظهر موت هشام المؤيد في رمضان من العام، وورى الشخص الذي موه به وقسم تراثه. فلما كان غداة الأحد ثاني وقعة قنتيش، أظهر المهدي هشاماً المؤيد رجاء أن يستميل
следующие страницы →