Полный текст (3 281 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
هذا كله. قال له باغر: من هو - قال: المنتصر، قد صح عندي أنه على الإيقاع بي وقتلي، وأريد قتله، فكيف ترى نفسك في ذلك - ففكر باغر ساعة ونكس رأسه طويلاً ثم قال: هذا أمر لا يجيء منه شيء. قال: ولم - قال: لا نقتل الابن والأب باقٍ، إذ لا يستوي لكم شيء ويقتلكم أبوه كلكم. قال: فما الرأي - قال: نبدأ بالأب ويكون أمر الصبي أيسر؛ قال: وتفعل هذا ويحك -! قال: نعم، أفعله وأدخل عليه إلى قتله، وادخل أنت في اثري، فإن قتلته وإلا فاقتلني أنت، وضع سيفك علي وقل: أراد أن يقتل مولاه. فعلم بغا حينئذ أنه قاتله، فتمكن له التدبير على المتوكل.
وحدث البحتري الشاعر قال: كنا عند المتوكل مع الندماء، فتذاكرنا أمر السيوف؛ فقال بعض من حضر: يا أمير المؤمنين، وقع عند رجل من أهل البصرة سيف من الهند ليس له نظير. فأمر المتوكل بالكتاب فيه إلى عامل البصرة؛ فاتفق أن اشتري بعشرة آلاف درهم؛ فسر المتوكل بجودته، وانتضي فاستحسنه المتوكل وقال للفتح بن خاقان: اطلب لي غلاماً نثق بنجدته وشجاعته، أدفع إليه هذا السيف ليكون واقفاً به على رأسي كل يوم ما دمت جالساً؛ قال: فلم يستتم المتوكل الكلام حتى دخل باغر التركي المذكور، فدعا به المتوكل، ودفع إليه ذلك السيف، وأمره بما أراد وتقدم بأن يزاد في مرتبته. قال
стр. 37
البحتري: فوالله ما انتضي ذلك السيف ولا أخرج من غمده منذ الوقت الذي دفع إليه إلا في الليلة التي ضربته فيها باغر بذلك السيف.
رجع الحديث:
قال ابن حيان: فلما كانت سنة خمس وأربعمائة طلع النبأ على سليمان أن مجاهداً العامري أقام عليه خليفةً رجلاً يعرف بالفقيه المعيطي، فاستعظم ذلك إلى أن بلغه نجوم عليّ بن حمود الفاطمي بسبتة، فسقط في يديه، وتفرقت الظباء عليه؛ وكان على أجل من الحرش، وأخذ في استدفاع ذلك جهده، فلم يغنه شيئاً، وجاءه عليّ في جموعه بعد أن اجتمع بالمرية مع خيران صاحب المرية وغيره من الفتيان؛ فخرج إليهم سليمان واقتتلوا، فانهزم سليمان وقبض عليه وعلى أخيه وأبيه وسيقوا أسارى إلى عليّ بن حمود. ودخل القصر وخيران يطمع أن يجد هشاماً المؤيد حياً، فلم يوجد، وذكر أنه قتل وعرض عليه قبره. فأمر علي بنبشه، فأخرج الشخص، وشهد أنه هشام، وسليمان يتبرأ من دمه، وما كان في جسده شيء من أثر السلاح، فتوهم فيما الخنق، وأمر عليّ بتجهيزه إلى أهله، وأنذر طبقات الناس للصلاة
стр. 38
عليه؛ فدفن لزيق أبيه الحكم. ثم دعا علي بسليمان وذويه فضرب عنقه بيده، وظهر منه جزع شديد عند ملاحظته السيف، خارت منه قواه، فجثا على ركبتيه، ثم ضربت عنق الشيخ أبيه وعنق عبد الرحمن ابنه، وجعلت الرؤوس الثلاثة في طست، وأخرجت من القصر إلى المحلة ينادي عليها: هذا جزاء من قتل هشاماً المؤيد؛ ثم ردت الرؤوس الثلاثة ونظفت وطيبت؛ وقد كانت جمعت رؤوس رؤساء من البرابرة المقتولين في الوقعة في قفة، وجعل رأس أحمد ابن الدب في أعلاها، وعلقت في آذانهم رقاع بأسمائهم. وكانت في المحلة تحمل من مضرب قائدٍ إلى مضرب سواه. وعجب الناس من اجتماع رؤوس من ضاقت أرض الأندلس برحبها عنها، وشملها شرها وأذاها طراً في قفة ضيقة، والأمر لله.
وحكي أن والد سليمان حين عاين قتل ابنيه بين يديه قال له عليّ: أهكذا يا شيخ قتلتم هشاماً - قال: لا والله ما قتلناه وإنه لحي يرزق! فحينئذ عجل عليّ بقتل الشيخ؛ وكان ﵀ تقياً صالحاً لم يتشبث بشيء من أمر ابنه.
стр. 39
وكان هشام يقول برموز الملاحم وكتب الحدثان، وخامر نفسه من ذكر قائم بسبتة، أول اسمه عين، ما لا شيء يزيله، ولم يزل مرتقباً لظهوره؛ فلذلك ما كاتب عليّ بن حمود لرفع بيته، وبعد صيته؛ فكان منه في أخذه بثأره بعد موته ما كان. فإن كان كذلك، فهشام - على مشهور عجزه - أحد كائدي الأعداء بغيره من منكوبي الملوك بما لا شيء فوقه، فما أدرك فيه بعد هلاكه بوتره واستقاد بدمه وسطا بعدوه؛ انتهى ما لخصته من خبره مع ابن حمود.
فصل: قال ابن حيان: وأما حربه مع المهدي، فإنه لما استوسق الأمر لسليمان حسبما تقدم، وتابعته الباربرة، اجتمعوا لحرب قرطبة، فنزلوا في سفح الجبل بها وبشرقيها، يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول سنة أربعمائة؛ وقد كان واضح الفتى وافاها قبلهم بيومين في أجناده من رجال الثغر، فقلده المهدي أمر الحرب، واحتشد الناس من الكور والبادية، فعسكروا في جموعٍ لم يحصها إلا خالقهم، فتداني الزحفان يوم السبي الثالث عشر من ربيع المؤرخ، فتسرع إليهم أهل قرطبة، وخالفوا واضحاً في تدبير حربهم، فاستجرتهم البرابرة، حتى إذا تمكنوا منهم عطفوا عليهم، فانكشفوا عنهم انكشافاً ما سمع بمثله، وانهزموا إلى منازلهم، وتشعبت الطرق بهم، عاد تضيق مسالك كانوا أعدوها لعدوهم سداداً دونهم، فازدحموا وتناشبوا وقتل بعضهم بعضاً. ووضع البرابرة والنصارى السيوف عليهم؛ فقتل في هذه الوقعة عالم، وأبادوا أمة. وهي وقعة قنتيش المشهورة بالأندلس التي قطع المقال على أنه قتل فيها عشرة آلاف قتيل وأزيد. والله أعلم.
стр. 40
ومال النصارى يومئذ على المنهزمين من المسلمين، فقتلوا منهم في صعيد واحد نيفاً على ثلاثة آلاف رجل. وخرج الأمر عن يد واضح، فلم يثبت أحد ممن كان معه، ولا كر في تلك الوقعة عامي ولا خاصي. وكان أمره عجباً. ونادى واضح بشعاره، فاجتمع إليه رجاله، وثبت إلى أن أجنه الليل واتخذه جملاً، وسارعن قرطبة هارباً إلى الثغر. وانبسط البربر يومئذٍ في أرض قرطبة يقتلون ويأسرون.
قال ابن حيان: وأصيب في تلك الوقعة من المؤدبين خاصة نيف على ستين، أعريت سقائفهم في غداة واحدة منهم، وتعطل صبيانهم لعدمهم. وأصيب فيها زربوط الطنبوري، وأقام الطنبوريون أصحابه عليه مأتماً مشهوداً بعد الحادثة. وهلك في تلك الوقعة أخلاط من الناس. وكان بعض الظرفاء يقول: من كل طبقة أخذت وقعة قنتيش حتى من الباطل؛ فإنها ألصقت بالصميم في قتل قنبوط الملهي، وزربوط المغني ونمطهما، فهيهات أن يخلف الدهر مثلهما.
وكان المهدي، إذ دخل قرطبة منتصف جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة وقتل عبد الرحمن بن أبي عامر، أظهر موت هشام المؤيد في رمضان من العام، وورى الشخص الذي موه به وقسم تراثه. فلما كان غداة الأحد ثاني وقعة قنتيش، أظهر المهدي هشاماً المؤيد رجاء أن يستميل
стр. 41
البرابرة به. لما كانوا يكثرون من الترحم عليه والطلب بدمه؛ فأبرزه للناس وعجبوا من ذلك، فقال له البربر: الله محمود على سلامته، ونحن فلا حاجة لنا في إمامته، ولا نرضى بغير سليمان؛ فلما سمع المهدي ذلك، خرج في الليل عن القصر، وتطمر بقرطبة إلى أن لحق بطليطلة، ودعا الناس إلى القيام بنصرته؛ فجمع له واضح عساكر الإفرنجة وأهل الثغور؛ وجاءهم مع واضح إلى قرطبة، فبرز إليه سليمان، والتقى الجمعان يوم الجمعة في شوال من العام؛ فانهزم سليمان؛ فدخل المهدي قرطبة وبويع له بها، وتردد عليه البربر يحاربونه، فشرع في حفر الخندق حول قرطبة، وألزم أهلها القيام بأمره؛ فاشتدت الكلفة عليهم. ودبر واضح مع الموالي العامريين الغدر بالمهدي، وشغبوا عليه في ذي الحجة من العام، وأخرجوا هشاماً المؤيد من محبسه بالقصر، وأجلسوه للخلافة بالسطح، ونادوا بشعاره، وضربوا عنق المهدي بين يديه، وألقوا جسده من أعلى السطح، ورفعوا رأسه على قناة طيف بها البلد كله، وقطعت يده ورجله. وعاد هشام المؤيد إلى الخلافة، وجددت له البيعة، واستحجب واضحاً الفتى، واستولى على التدبير الأمور، وأرسل برأس المهدي إلى عسكر سليمان على معاودة طاعة هشام، وقد رجا استمالتهم به فأبوا ذلك، وأغلظ سليمان على رسله، وأراد قتلهم
стр. 42
وأظهر الجزع على ابن عمه المهدي، وبكى عليه، وأمر بتنظيف الرأس، وأنفذه إلى طليطلة، إلى ولد المهدي عبيد الله، فأعظم قتل أبيه ودفع بيعة هشام. وكان بعسكر سليمان عبد الرحمن بن متيوه، فلما بلغه مهلك المهدي بن عبد الجبار عدوه، كاتب واضحاً وتوثق له، فهرب إلى قرطبة، فدبر أمر هشام مدةً بعد قتل واضح وعلي بن وداعة، في أخبار طويلة، إلى أن ضعف أمر هشام. ودخل عليه سليمان دولته الأخيرة، ودبر قرطبة، إلى أن وقع له مع علي بن حمود ما وصفناه. انتهى ما لخصته من كلام ابن حيان.
قال أبو الحسن بن بسام: وكان سليمان ممن مدت له في الأدب غابة، كبا دونها أهل الأدب، ورفعت له في الشعر راية مشى تحتها كثير من الشعراء والكتاب؛ غير أن أيام الفتون ألوت بذكره، وأيدي تلك الحرب الزبون طوت بجملة شعره؛ وهو أحد من شرف الشعر باسمه، وتصرف على حكمه؛ مع قعود همم أهل الأندلس يومئذ عن البحث عن مناقب عظمائهم، وزهدهم في الإشادة بمراتب زعمائهم. ولم أظفر له حين نقل هذه النسخة المقررة من هذا المجموع في وقتي المؤرخ إلا بقطعة
стр. 43
عارض بها هارون الرشيد فشعشعت بها الكؤوس، وتهادتها الأنفاس والنفوس. وقد أثبت القطعتين معاً ليرى الفرق، ويعرف الحق. قال هارون الرشيد:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن، وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... - وبه قوين - أعز من سلطاني فقال سليمان المستعين:
عجباً، يهاب الليث حد سناني ... وأهاب لحظ فواتر الأجفان
فأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران
وتملكت نفسي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان
ككواكب الظلماء لحن لناظري ... من فوق أغصان على كثبان
هذي الهلال، وتلك بنت المشتري ... حسناً، وهذي أخت غصن البان
حاكمت فيهن السلو إلى الصبا ... فقضى بسلطان على سلطاني
فأبحن من قلبي الحمى وتركنني ... في عز ملكي كالأسير العاني
لا تعذلوا ملكاً تذلل للهوى ... ذل الهوى عز وملك ثاني
стр. 44
ما ضر أني عبدهن صبابةً ... وبنو الزمان وهن من عبداني
إن لم أطع فيهن سلطان الهوى ... كلفاً بهن فلست من مروان @فصل في ذكر المستظهر بالله أبي المطرف عبد الرحمن
@ابن هشام بن عبد الجبار الناصري، وشرح مقتله،
@وإيراد جملة من اشعاره، مع ما يتعلق بها
@وينخرط في سلكها من مستطرف أخباره
قال أبو الحسن: نقلت من خط أبي مروان بن حيان قال: كان عبد الرحمن هذا لبقاً ذكياً، وأديباً لوذعياً؛ لم يكن في بيته يومئذ أبرع منه منزلة. وكان قد نقلته المخاوف، وتقاذفت به الأسفار، فتحنك وتخرج وتمرن فيها، وكاد يستولي على الأمر لو أن المنايا أنسأته. وكان عاد إلى قرطبة بعد تجواله؛ فدخلها مستخفياً أيام القاسم بن حمود، وقد اضطرب سلطانه بها؛ فشاهد الفتنة الحادثة بين البرابرة وأهلها، وهم فيها بالوثوب، وبث دعاته إلى أهلها. فلم يصح له شيء مما أراده، وأنكر الوزراء المدبرون قرطبة أمره؛ فتجردوا لطلبه وطلب دعاته، فسجنوا
стр. 45
ولم يخرجوا من الحبس إلا يوم جلوس صاحبهم عبد الرحمن للإمارة؛ فبقى مستخفياً، وهو يدب الضراء في الدعاء إلى نفسه، إلى أن أعلقوه بالشوى عند إيقاعها في ذلك الوقت لظهور براعته، وأجمعوا عليه وعلى سليمان بن المرتضى، وعلى محمد بن العراقي. فتقدم في إحضار الخاصة والجند والعامة بالمسجد الجامع لمشاهدة بيعة من يختار من هؤلاء الثلاثة الأمراء للخلافة، فغدا الناس لذلك على طبقاتهم.
قال ابن حيان: وكنت في من حضر المقصورة يومئذٍ، فكان أول من وافى منهم سليمان بن المرتضى، جاء مع عبد الله بن مخامس الوزير في أبهةٍ وشارة دلت على المراد فيه؛ فدخل من باب الوزراء الغربي والسرور بادٍ عليه، فاستقبله أصحابه وقدموه إلى بهو الساباط؛ فأجلس هنالك على مرتبةٍ لا تصلح لأحد سواه، وهو بهج جذلان، لا يشك في تمام الأمر له، وأصحابه يرتقبون مجيء ابني عمه المذكورين - وقد أبطأا - كيما يحصلوهما عنده. فبينما نحن على ذلك، والقلق على القوم باد، إذ غشيتنا ضجة وزعقة هائلة ارتج لها الجامع واضطرب لها من بالمقصورة. فإذا عبد الرحمن بن هشام قد وافى شرقي الجامع، في خلقٍ رجالهما، شاهرين سيفيهما أمامه، لهيجن باسمه؛ فراع الوزراء
стр. 46
ذلك وألقوا للوقت بأيديهم وخذلتهم حيلهم، ودخل المقصورة عبد الرحمن فبويع لوقته. واستدعي سليمان بن المرتضى وجيء به مبهوتاً فقبل يده وهنأه، فأجلسه إلى جنبه، ثم وافى محمد بن العراقي أيضاً فقبل يده وبايعه، ثم عقدت له البيعة، وذلك اليوم الرابع من شهر رمضان سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وكان أحمد بن بردٍ قد تقدم في عقدها باسم سليمان بن المرتضى فبشره وحك اسمه، وكتب اسم عبد الرحمن مكانه فكان ذلك من عجائب الدنيا.
ثم ركب وحمل مع نفسه ابني عمه سليمان وابن العراقي فاحتبسهما عنده وآنسهما؛ وظهرت من عبد الرحمن لوقته عرامة، وكان فتى أي فتىً لو أخطأته المتالف. وكان استقل بما طلبه من السلطان جرأة وصرامةً، وركب أعناق الخطوب وقد اعتاصت فأردته. وكان رفع مقادير مشيخة الوزراء من بقايا مواليه بني مروان، منهم أحمد بن برد وجماعة من الأغمار، كانوا عصابةً يحل بها الفتاء، ويذهب بها العجب، قدمهم على سائر رجاله، فأحقد بهم أهل السياسة، فانقضت دولته سريعاً، منهم أبو عامر بن شهيد فتى الطوائف، كان بقرطبة في رقته وبراعته وظرفه خليعها المنهمك في بطالته، وأعجب الناس تفاوتاً ما بين قوله وفعله، وأحطهم في هوى نفسه، وأهتكهم لعرضه، وأجرأهم على خالقه. ومنهم أبو محمد بن حزم، وعبد الوهاب
стр. 47
ابن عمه، وكلاهما من أكمل فتيان الزمان فهماً ومعرفةً ونفاذاً في العلوم الرفيعة.
وأقر المستظهر يومئذ على مراتب الخدمة طوائف؛ منهم خدمة المدينتين الزهراء والزاهرة، وخدمة كتابة التعقب والمحاسبة، وخدمة الحشم، وخدمة القطع بالناض والطعام، وخدمة مواريث الخاصة، وخدمة الطراز، وخدمة المباني، وخدمة الأسلحة وما يجري مجراها، وخدمة الخزانة للقبض والنفقة، وخدمة الهراية والقبض والدفع، وخدمة الوثائق ورفع كتب المظالم، وخدمة خزانة الطب والحكمة، وخدمة الأنزال والنزائل، وخدمة أحكام السوق.
قال أبو الحسن: ولكل لقبٍ من أصناف هذه الخدمة جماعات سماهم أبو مروان بن حيان في كتابه، ثم قال: وهذا زخرف من التسطير وضع على غير حاصل، ومراتب نصبت لغير طائل، تنافسها طالبوها يومئذ بالأمل فلم يحلوا منها بنائل، ولا قبضوا منها مرتزقاً، ولا نالوا بها مرتفقاً؛ وغرهم بارق الطمع وسط بلدٍ محصور، وعمل مغصوب، وخراب مستول، ومع سلطان فقير، لا يقع بيده درهم
стр. 48
إلا من صبابة مستغل جوف المدينة، أو نهب مغلول ممن تقلقل عنها؛ يقيم منه رمقه، ويفرق جملته على من تكنفه من جنده ودائرته، ويتطرق إلى ما يقبح من ظلم رعيته؛ فلم يلبث الأمر أن تفرى به فسفك دمه، وانحسم الأمل من دولته. وكان قد بادر في الإرسال عن جماعة من وزرائه، فلما حصل جميعهم عنده قبض عليهم وصادرهم على أموال لصدوفهم عنه، وطالبهم نجاح الضاغط يومئذ عنها. وكان قد استرجحه خاصة الناس وذوو الحجى منهم في القبض على هؤلاء الوزراء، واستبطأوا إبادته لهم ورجوا استظهاره على الأمر بإزالتهم، وسلامة تدبيره من اعتراضهم، وكان قد أخرج رسله إلى جماعة الرؤساء بالأندلس يلتمس البيعة، ويستنفر الكافة، ويدعو إلى كرة الدولة؛ فأخفق ما طلبه وعوجل، ولما تقبض الأجوبة رسله، واضمحل أمره، والبقاء لله وحده.
وكان أيضاً مما حرك الناس عليه استهدافه إلى أهل بيته من ولد الناصر، ومبادرته لحبس سليمان بن المرتضى وابن العراقي المذكورين، وتجاوزهما إلى نفر غيرهما، اعتقل بعضاً وطلب بعضاً، حتى شملهم الخوف؛ فبعث الله عليه من جرأة صاحبه بكر بن محمد بن المشاط الرعيني أدنته من حمامه، وسعى إلى أن وثب عليه محمد بن عبد الرحمن المستكفي، وأحس المستظهر بشيء من ذلك فطلبه، فأعجزه؛ ولم يزل السعي عليه حتى قتل.
стр. 49
@ذكر الخبر عن كيفية مقتله
قال ابن حيان: وكان سبب ذلك أن حسن رأيه في ابن عمران - أحد الرهط الذين كان سجنهم - فأخرجه، فقال له بعض أصحابه: إن مشى ابن عمران في غير سجنك باعاً، بتر من عمرك عاماً؛ فعصاه المستظهر فيه لغالب هواه، فحاق به في الثالث رداه؛ وكان ورد عليه قبل إطلاقه بيومين فوارس من البربر، فكرم مثواهم وأنزلهم معه في دار الملك، فاهتاج لذلك الدائرة وقالوا للعامة: نحن الذين قهرنا البرابرة وطردناهم عن قرطبة، وهذا الرجل يسعى في ردهم إلينا، وتمكينهم من نواصينا؛ فهاجوا العامة، فوثبوا عليه بالقصر، وقتل البرابرة حيث وجدوا. ولم يشعر عبد الرحمن إلا والرجالة قد انتشروا على سقف القصر، وسمع المسجونون عنده هتاف الناس فاستغاثوهم، فدقوا الأغلاق دونهم، واختلط بالحرم؛ فعلم عبد الرحمن أنه مقتول. وأحيط به من كل جهة؛ فاستغاث الوزراء: ابن جهور ولمته، فلم يجدوا له مناصاً ولا خلاصاً، ولا يصدقون بنجاة أنفسهم وقد ضهلوا عنه بالحيلة في تخليصهم؛ فأشار عليهم الدائرة الفسقة بتركه، والذهاب عنه؛ فجعل الوزراء يتسللون عنه واحداً بعد واحد إلى أن أفردوه. فنجا عامة من
стр. 50
تعجل القرار من الوزراء وأهل الخدمة على باب الحمام من القصر فاهتدى إليه الدائرة، وأحلوا بمن خرج منه الفاقرة؛ منهم أحمد بن بسيلٍ متقلد المدينة، قتل يومئذ. وجاء عبد الرحمن إلى ذلك الباب يطمع في الخروج؛ فقام الدائرة في وجهه وزرقوه وهم يسبونه؛ فارتد على عقبه، وترجل عن فرسه، وتجرد من ثيابه، حتى بقي في قميصه؛ واستخفى في أبزن الحمام، ففقد شخصه؛ واستخفى البرابرة في الحمام وفي أكناف القصر فبحث عنهم وقتلوا. ولاذ منهم طائفة بالجامع فقتلوا فيه؛ وفضح حريم عبد الرحمن وسبى أكثرهن الدائرة وحملوهن إلى منازلهم علانية، وجرى عليهن ما لم يجر على حرم سلطانٍ في مدة تلك الفتنة.
قال: ولما فقد شخص عبد الرحمن ظهر ابن عمه محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر الساعي عليه في المكان الذي كان متطمراً فيه فهتف الدائرة باسمه، وانتهوا به إلى دار الملك، فإذا هي بلاقع؛ فأجلسوه في مجلسها القبلي مبهوتاً. وقام الدائران الفاسقان محمود وعمير على رأسه بالسيوف مقامها بالأمس على رأس عبد الرحمن ابن عمه وتكاثرت الدائرة والعامة عليه. وافتقد عبد الرحمن المستظهر فوجدوه في ابزن الحمام قد انطوى انطواء الحية في مكان حرجٍ، فأخرج في
стр. 51
قميص مسود بحالٍ قبيحة؛ وجيء به إلى محمد بن عبد الرحمن المستكفي وقد بويع يوم السبت الثالث من ذي قعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة؛ فبطش به بعض الرجالة القائمين على رأسه، فتهلل وجه ابن عمه [القائم عليه] ، وأخذ في تدبير سلطانه. فكانت إمارة المستظهر - إلى أن قتل - سبعة وأربعين يوماً، لم تنتشر له فيها طاعة، ولا التأمت عليه جماعة، ولا تجاوزت دعوته قرطبة. وكان سنه يوم قتل ثلاثاً وعشرين سنة.
وكان على حداثة سنه ذكياً يقظاً لبيباً أديباً حسن الكلام جيد القريحة مليح البلاغة يتصرف فيما شاءه من الخطابة بديهة ورويةً، ويصوغ قطعاً من الشعر مستجادة. وقد اقتضب بحضرة الوزراءة في أيامه عدة رسائل وتوقيعات لم يقصر فيها عن الغاية، يزين ذلك بطهارة أثواب وعفةٍ وبراءة من شرب النبيذ سراً وعلانية. وكان في وقته نسيج وحده، ختم به فضلاء أهل بيته الناصريين، فلم يأت بعده مثله.
وهذه جملة ما وجد له من شعره: من ذلك قصيدة كتب بها إلى مشنف زوج سليمان بن الحكم، أيام خطب بنتها من سليمان المسماة حبيبة فلوته؛ وكان بقلبه من هذه الابنة مكان لنشأتهما معاً في ذلك الأوان؛ يقول فيها:
стр. 52
وجالبة عذراً لتصرف رغبتي ... وتأبى المعالي أن تجيز لها عذرا
يكلفها الأهلون ردي جهالةً ... وهل حسن بالشمس أن تمنع البدرا
وماذا على أم الحبيبة إذ رأت ... جلالة قدري أن أكون لها صهرا
جعلت لها شرطاً علي تعبدي ... وسقت إليها في الهوى مهجتي مهرا
تعلقتها من عبد شمس غريرةً ... محدرةً من صيد آبائها غرا
حمامة عش العبشميين رفرفت ... فطرت إليها من سراتهم صقرا
لقد طال صوم الحب عنك فما الذي ... يضرك منه أن تكوني له فطرا
وإني لأستشفي بمري بداركم ... هدوءاً وأستسقي لساكنها القطرا
وألصق أحشائي ببرد ترابها ... لأطفئ من نار الأسى بكم جمرا
فإن تصرفيني يا ابنة العم تصرفي ... - وعيشك - كفأ مد رغبته سترا
وإني لأرجو أن أطوق مفخري ... بملكي لها وهي التي عظمت فخرا
وإني لطعان إذا الخيل أقبلت ... جرائدها حتى تري جونها شقرا
وإني لأولى الناس من قومها بها ... وأنبههم ذكراً وأرفعهم قدراً
وعندي ما يصبي الحليمة ثيباً ... وينسي الفتاة الخود عذرتها البكرا
جمال وآداب وخلق موطأ ... ولفظ إذا ما شئت أسمعك السحرا وإنه لمحها يوماً وأومأ بالسلام، فلم ترده عليه خجلاً، فكتب إليها:
سلام على من لم يجد بكلامه ... ولم يرني أهلاً لرد سلامه
стр. 53
سلام على الرامي الذي كلما رمى ... أصاب فؤادي عامداً بسهامه
بنفسي حبيب لم يجد لمحبه ... بطيف خيال زائرٍ في منامه
ألم تعلمي يا عذبه الإسم أنني ... فتى فيك مخلوع عذار لجامه
وأني وفي حافظ لأذمتي ... إذا لم يقل غيري بحفظ ذمامه
يبشر ذاك الشعر شعري أنه ... سيوصل حبلي بعد طول انصرامه
وما شك طرفي أن طرفك مسعدي ... ومنقذ قلبي من حبال غرامه
عليك سلام الله من ذي تحيةٍ ... وإن كان هذا زائداً في اجترامه وله فيها أيضاً:
تبسم عن در تنضد في الورس ... وأسفر عن وجه يتيه على الشمس
غزال براه من نور عرشه ... لتقطيع أنفاسي وليس من الإنس
وهبت له ملكي وروحي ومهجتي ... ونفسي ولا شيء أعز من النفس وهو القائل:
طال عمر الليل عندي ... مذ تولعت بصدي
يا غزالاً نقض الو ... د ولم يوف بعهدي
أنسيت العهد إذ بت ... نا على مفرش ورد
واجتمعنا في وشاح ... وانتظمنا نظم عقد
стр. 54
وتعانقنا كغصني ... ن وقدانا كقد
ونجوم الليل تحكي ... ذهباً في لازورد ورفع إليه شاعر ممن هنأه بالخلافة يوم بيعته شعراً له كتبه في رقٍ مبشور، واعتذر من ذلك بهذين البيتين:
الرق مبشور وفيه بشارة ... ببقا الإمام الفاضل المستظهر
ملك أعاد العيش غضاً شخصه ... وكذا يكون به طوال الأدهر فأجزل المستظهر بالله صلته، ووقع على ظهر رقعته بهذه الأبيات:
قبلنا العذر في بشر الكتاب ... لما أحكمت من فصل الخطاب
وجدنا بالجزاء بما لدينا ... على قدر الوجود بلا حساب
فنحن المنعمون إذا قدرنا ... ونحن الغافرون أذى الذئاب
ونحن المطلعون بلا امتراء ... شموس المجد من فلك الثواب ومما قاله - زعموا - يوم وثوب البرابرة عليه بالدائرة التي أمرت بقتله:
يا أيها القمر المنير ... كن نحو شبهك لي سفير
بتحيةٍ أودعتها ... شوقاً بنيات الصدور
стр. 55
انتهى ما وجدناه من أشعار بني أمية من أول المائة الخامسة من الهجرة ابتداءً من تأريخ هذا الديوان. وشرحنا بعض ما تعلق بذلك من خطب، واندرج أثناءه من ذكر حرب.
ونتلوه بذكر من تقدم زمانه، واشتهر إحسانه، وملأ المسامع والمجامع بيانه وسار في المغارب والمشارق ذكره وشانه، وملأ ظهور السباسب وبطون المهارق سماعه وعيانه.
@فصل في ذكر الأديب أبي عمر أحمد بن دراج القسطلي
@وإثبات جملة من نظمه الفائق الدرر، ونثره المعجز الورد والصدر
@واجتلاب ما يتعلق به ويتصل بسببه من خبر
قال ابن بسام: كان أبو عمر القسطلي وقته لسان الجزيرة شاعراً وأولاً حين عد معاصريه من شعرائها المشهور، وآخر حاملي لوائها، وبهجة
стр. 56
أرضها وسمائها، وأسوة كتابها وشعرائها؛ له عقد فخرها المحمول وسهم، وبه بدئ ذكرها الجميل وختم؛ حل اسمه من الأماني محل الأنس، وسار نظمه ونثره في الأقاصي والأداني مسير الشمس؛ وأحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره، وكانت الشام الشام والعراق أدنى خطى ذكره.
وقد أجرى الثعالبي طرفاً من أمره، وأغرب بلمع من شعره، فقال في كتابه المترجم ب - " اليتيمة ": " بلغني أن أبا عمر القسطلي كان عندهم بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام؛ وهو أحد شعرائهم الفحول هنالك. وكان يجيد ما ينظم " انتهى كلام الثعالبي.
وإنما ذكرته أنا؛ وكان من شعراء ابن أبي عامر، لأنه تراخت أيامه، وأغضى عنه حمامه، حتى أخرجته المحن، وسالت به تلك الفتن، الكائنة صدر المائة الخامسة من الهجرة.
وذكره ابن حيان معجباً من أخباره، معرباً عن جلالة مقداره؛ فقال: وأبو عمر القسلطي سباق حلبة الشعراء العامريين، وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين. وكان ممن طوحت به تلك الفتنة الشنعاء، واضطرته إلى النجعة، فاستقرى ملوكها أجمعين، ما بين الجزيرة الخضراء، فسرقسطة من الثغر الأعلى؛ يهز كلا بمديحه
стр. 57
ويستعينهم على نكبته، وليس منهم من يصغي له، ولا يحفظ ما أضيع من حقه، وأرخص من علقه؛ وهو يخبطهم خبط العضاه بمقوله، فيصمون عنه، إلى أن مر بعقوة منذر بن يحيى أمير سرقسطة، فألقى عصا سيره عند من بواه، ورحب به وأوسع قراه؛ فلم يزل عنده، وعند ابنه بعده، مادحاً لهما، مثنياً عليهما، رافعاً من ذكرهما، غير باغٍ بدلاً بجوارهما، إلى أن مضى بسبيله، بعد أن جرت له، ﵀، على إحسانه الباهر، في فتنة البرابر مع أملاك الجزيرة، في طول الاغتراب والنجعة، أخبار شاقة، فيها لذي اللب موعظة بالغة.
وذكره أيضاً أبو عامر بن شهيد فقال: والفرق بين أبي عمر وغيره أن أبا عمر مطبوع النظام، شديد أسر الكلام؛ ثم زاد بما في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والنسب، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طلقه في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يضيق الأنفاس. انتهى كلام ابن شهيد.
قال ابن بسام: وأنا أقول: إن من ذكره لم يوفه حقه، ولا أعطاه وفقه، ولا استوفى تقدمه وسبقه؛ ولو أوفى الأيام، واستنفد القراطيس
стр. 58
والأقلام. وقد أتيت أنا من شعره بما يبهر نيرات الألباب، ويظهر خفيات الأسباب، ومن نثره ما يبهر العقول، ويباهي الغرر والحجول؛ وبسامي التيجان والأكاليل، ويسهل التقليد والتأويل.
@جملة من فصول اقتضبتها من كلامه الطويل،
@فراراً من التطويل
فصل له من رقعة: يا سيدي، ومن أبقاه الله كوكب سعد، في سمء مجد، وطائر يمنٍ، في أفناء أمن، مرجواً لدفع الاسواء، مؤملاً في اللأواء؛ وكنت قد نشأت في معقل من العفا والوفر، محدقاً بسور من الأمن والستر، حتى أرسل إليّ سلطان الفقر، رسولاً من نوب الدهر، يريد استنزالي إليه، وخضوعي بين يديه، فأبيت من ذلك عليه، فغراني بكتائب من النوائب، تسير تحت ألوية المصائب، تبرق بسيوف الرزايا، وتشهر أسنة المنايا، يرمون عن قسي الأوجال، ويضربون طبول الذعر وسوء الحال، بأيد باطشة لا تكل، وبصائر ثابتة لا تمل، فلم يرعني ذلك منهم أن تلقيتهم بمن معي من جنود الصبر، فافتتح معقلي سلطان الفقر وأخذني أسراً، وطلب مني فداءً لا أقوم به قسراً، فأوثقني في قيود الانقياد، وشدني في أغلال الأصفاد، ووكل بل الحيرة والتبلد، وأمرهما ألا يطلقا سبيلي إلا بالفداء، فضاقت بذلك مذاهبي حتى أتى منك رسول يسمى حسن الثناء، فضمن لي عنك فديتي، من
стр. 59
يدي أسرتي، وسيدي أولى من وفى بضمانه، وصدق قول رسوله على لسانه.
وله من أخرى إلى سليمان بن الحكم أمير المؤمنين: حاشا لله أن أستشف الحسي قبل جموحه، وأستكره الدر قبل حفوله، أو أتعامى عن سراج المعذرة، وأرغب عن أدب الله في نظرة إلى ميسرة ولكن:
" ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر "
ما أوضح العذر لي لو أنهم عذروا ... وأجمل الصبر بي لو أنهم صبروا
لكنهم صغروا عن أزمةٍ كبرت ... فما اعتذاري عمن عذره الصغر وقد قلبت لهم ظهر الأمور، وميزت بين المعسور والميسور، فما وجدت أحسن بدءاً، ولا أحمد عوداً، مما أذن الله فيه لعباده الذين أعمرهم أرضه، وسخر لهم بره وبحره، أن يمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه؛ وحيث نتقلب ففي كرمك، وأين نأمن ففي حرمك، [وحيث لا توحشنا دعوتك، ولا تفوتنا نعمتك، من ملكك إلى ملكك] ، ومن يمينك إلى شمالك.
وفي فصل من أخرى: ولعل مقلب القلوب قد قلب قلبك الكريم للأطفال المشردين، الذين دعوك مضطرين، أن تحل عنهم عقل النوى، وتكلهم إلى جبار السما، الذي أمر عباده أن ينتشروا في
стр. 60
أرضه، ويبتغوا من فضله.
وله من أخرى إلى علي بن حمود: حسبك الله يا ابن رسول الله، [وعلى هدىً من الله] ، فيما خفقت إليه راياتك، وصدقت به آياتك، جدير أن يعز بطاعته نصرك، كما شرح بتوفيقه صدرك، ويتمم بتأييده أمرك، بما أوليت أولياءه المؤمنين، وأبليت في عباده الصالحين، المصابين في الأموال والأهلين، أيام تزاحمت إليهم أسباب القضاء بالبأساء والضراء، وأبرقت عليهم آفاق السماء بسيوف الأعداء، تسح بوابل الدماء [وتموج بأسراب السباء] ، فسرعان ما هاموا فلا وزر، وربعوا فلا مستقر، ونادوا ولات حين مناص ولا فوت، إلا من أعفاه الموت؛ فأصبحوا أنفاض الجلاء، وأغراض الفناء، قد جهدوا بالبلاء، وعيوا بالداء العياء، فلئن زلزلت بهم الأرض، لقد سكن بهم عز سلطانك، ولئن تهفت بهم الذعر، لقد اطمأنوا في مهاد أمانك.
وله من أخرى إلى منذر بن يحيى: حياك بتحية الملك، من أحيا بك دعوة الحق، ورداك رداء الإعظام، من أعلى بك لواء الإسلام، مجري الأقدار بإعلاء قدرك، ومصرف الليل والنهار بإعزاز نصرك، ومظهر من أطاعك على من عصاك، ومدمر من عاداك بسيوف من والاك. قد جعل الله أول أسمائك أولى بأعدائك، وأقرب اعتزائك صفواً لأوليائك؛ ثم سما بك حاجب الشمس، نوراً وأنساً لهذا الإنس، ونفس حياةٍ لكل نفس.
стр. 61
ثم أحييت فجرهم يا ابن يحيى ... بسراجين: نور دين ودنيا
وخلفت السحاب ظلاً وجوداً ... فوسعت الإسلام سقياً ورعيا
وتحليت من تجيب سناءً ... كنت فيه للدين والملك محيا ومن كتاب له: وأكرم بها أعراقاً سرت إليك، وأخلاقاً نظمت عليك، وأعباء ملك حملت عاتقيك، وأعنة خيلٍ أسلمت في يديك، [فإليك أهل الدليل، وأرزمت الحمول] ، ومن نداك سقي الغليل، وشفي العليل، وفي ذراك برد المقيل، وقصر الليل الطويل، وبعلاك أمن الخائف وعز الذليل، وبسناك هدي ابن السبيل [سواء السبيل] ، إلى الظل الظليل، والأمل المأمول، فحبل الغريب موصول، وعذر المسيء مقبول، وجفاء الضيف محمول، فكيف بضيفك المجتاب، إليك غول القفر اليباب، وهول البحر ذي العباب، يهدي إليك لباب الألباب، ويتحفك بجواهر الآداب، متضائلاً في أسمال الاغتراب، مكفكفاً من عبرات الاكتئاب، يتسلى بسلام الحجاب، واستلام الأبواب، إلى أن اكرمته برفع الحجاب [فيا روح ثنائه بكم الأحساب] ويا فوح رياضه بديم السحاب، ويا طيب طوبى وحسن مآب [لمن نصرت وآويت، ووصلت وأدنيت؛ ما دعاك حتى لبيت، ولا استسقاك حتى سقيت، ثاني عطفه عن الشكوى إليك، ناكص طرفه
стр. 62
عن الإدلال عليك، علماً بأن الهلال ساع إلى الكمال، وأن البدر مؤدٍ إلى الفجر، وأن انسجام زعيم بابتسام الزهر] .
إلى لاعجٍ في القلب مضطرم ... جاش إليك به بحر من الكلم
ودمع أجفان عين قد شرقن به ... حتى ترقرق بين الرق والقلم
ديناً لذي أسرةٍ دنيا وفيت به ... ورحمة وصلت مني بذي رحم
إذا رددت سيوف الهند عن دمه ... فإنما رفعت عن مهجتي ودمي
وإن ضربت رواقاً دون حرمته ... فإنها ستري مدت على حرمي
لهفي عليه وقد أهوت له نكب ... لا تستقل لها ساق على قدم
فبات يسعر برد الليل من حرق ... ويستشير دموع الصخر من ألم
وما بعيني عن مثواه من وسنٍ ... وما بأني عن شكواه من صمم قال ابن بسام: ونثر أبي عمر، ﵀، دون نظمه الرائق بكثير، فلذلك ما ألمعت منه بالشيء اليسير، وعولت على عارض شعره الهتن العزيز.
стр. 63
@ما أخرجته من قصائد السلطانيات
حكى أبو مروان بن حيان قال: لما استوسق الأمر بقرطبة لسليمان حسبما وصفناه، تعرض لمدحه من كان ثوى بقرطبة يومئذ من بقية الشعراء العامريين رجاءً في ثمد نواله، فصاغوا في مديحه أشعاراً حسنةً استذموا فيها إلى الدين والمروءة، وأنشدها أكثرهم في مجلس حفله علانية فأصغى وهش، ثم غل المديح فما بل ولا رش؛ وتم لذلك تقويض الجماعة عن حضرة قرطبة، وتخلى الكثير منهم عن ولايته، فأمحى لذلك رسم الأدب بها، وغلب عليها العجمة، وانقلب أهلها من الإنسانية المتعارفة إلى العامية الصريحة، وفارقوا الحرية.
وكان ممن شهر امتداحه للخليفة سليمان يومئذ، وحفظ كلامه من تلك الطبقة العلية، كبيرها أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج القسطلي، وقد كان إلى وقته ذلك ثاوياً بقرطبة، يحسب أن سليمان سيجيره من الزمان، وكان النجم أدنى من ذلك إليه. دخل عليه أول مجلسٍ كان له بالقصر فأنشده قصيدته التي أولها:
شهدت لك الأيام أنك عيدها ... لك حن موحشها وآب بعيدها
[وأضاء مظلمها، وأفرخ روعها ... وأطاع عاصيها، ولان شديدها]
стр. 64
وصفت بك الدنيا فشب كبيرها ... في إثر ما قد كان شاب وليدها
ما كان أجمد قبل نوئك بحرها ... فالآن فجر بالندى جلمودها
فارتاح بيتك في أباطح مكةٍ ... لمعاد أيام دنا موعودها
لمواكب صهلت إليك خيولها ... وكتائب هفقت عليك بنودها
شغفاً بدعوتك التي قد طالما ... عمرت تهائمها بها ونجودها
حتى ارتقت من المنازل رتبةً ... عزت بها غر الرجال وصيدها
في قبة الملك التي صنهاجة ... وزناتة أطنابها وعمودها
صدقتك أيام النزال سيوفها ... ضرباً وفي يوم النفار عهودها
يا ساعة مقطوعةً أرحامها ... لا البر شاهدها ولا مشهودها
يوماً أذل كرامه للئامه ... وسطت بأحرار الملوك عبيدها
وتواكلت أبطالها في كربةٍ ... عيت بها ساداتها ومسودها
لا يهتدي سمت النجاة دليلها ... دهشاً ولا وجه السداد سديدها
حتى طلعت لهم بأسعد غرةٍ ... طلعت عليهم في السماء سعودها ومنها:
واستودعوا جنبي شرنبة وقعةً ... هز الجبال الراسيات رعودها
دلفوا إلى شهابء حان حصادها ... وطلى رؤوس الدارعين حصيدها
стр. 65
وشعاب قنتيش وقد حشرت لهم ... أمم بغاة لا يكف عديدها
تركوا بها ظهر الصعيد وقد غدا ... بطناً، وأجساد العداة صعيدها
وكتائب الإفرنج إذ كادتك في ... أشياعها والله عنك بكيدها
بسوابح في لج بحر سوابغ ... فاضت على الأرض الفضاء مدودها
ولقد أضافوا نسرها وغرابها ... وقراهما طاغوتها وعميدها
شلو لأرمنقودها حشدت به ... للزحف ثم إلى الجحيم حشودها
ودنوا لها في آر تحت صوارم ... وريت بعز المسلمين زنودها
من بعدما قصفوا الرماح وأصلتوا ... بيضاً يشايع حدها توحيدها
فكأنما رفعت له صلبانها ... في ظل هبوتها فحان سجودها
وبجانب [الغربي] إذ قدمتها ... شعثاً يبشر بالفتوح شهيدها
ضربوا على الأخدود هام حماته ... حتى عبرن وجسرهن خدودها
في وقعة قامت بعذر سيوفهم ... لو ذاب من حر الجلاد حديدها
ويضيق فيها العذر عن خطيةٍ ... سمراء لم يورق بكفك عودها
стр. 66
فيها رأيت العز حيث تريده ... وسوابغ النعماء حيث تريدها
فاقبل فقد ساقت إليك مهورها ... أكفاء حمدٍ لا يذم حميدها
بدعاً من النظم النفيس تشابهت ... فيها الجواهر درها وفريدها
وليهنها أيام عزٍ كلها ... عيد وأنت لمن أطاعك عيدها ومدحه أيضاً بقصيدة أخرى أولها:
هنيئاً لهذا الملك روح وريحان ... وللدين والدنيا أمان وإيمان
فإن قعيد الخزي قد ثل عرشه ... وإن أمير المؤمنين سليمان
سمي الذي انقاد الأنام لأمره ... فلم يعصه في الأرض إن ولا جان
وقام فقامت للمعالي معالم ... وللخير أسواق وللعدل ميزان
وجدد للإسلام سور خلافةٍ ... عليها من الرحمن نور وبرهان
قريب النبي المصطفى وابن عمه، ... ووارث ما شادت قريش وعدنان
وما ساقت الشورى وأوجبه التقى ... وأورث ذو النورين عمك عثمان
وما حاكمت فيه السيوف وحازه ... إليك وأبو الأملاك جدك مروان ومنها في صفة رجال حربه، وهو من جيد الكلام وحر النظام:
وقد لمعت حوليك منهم أسنة ... تخيل أن الحزن والسهل نيران
стр. 67
أسود هياج ما تزال تراهم ... تطير بهم نحو الكريهة عقبان
وأقمار حربٍ طالعت كأنما ... عمائمهم في موقف الروع تيجان
وكل زناتي كأن حسامه ... وهامة من لاقاه نار وقربان
وأبيض صنهاجٍ كأن سنانه ... شهاب إذا أهوى لقرنٍ وشيطان ومنها في وصف صلحٍ والندب إليه:
وقلت لعاً للعاثرين كأنه ... نشور لقوم حان منهم وقد حانوا
وقد أمن التشريب إخوة يوسف ... وأدركهم لله عفو وغفران
وحنت لداعي الصلح بكر وتغلب ... وشفعت الأرحام عبس وذبيان
وفازت قداح المشتري بسعودها ... وسالم بهرام وأعتب كيوان وله من أخرى في منذر بن يحيى، حين قدم عليه صاعد اللغوي:
علا فحوى ميراث عاد وتبعٍ ... بهمته العليا ونسبته الدينا
فأعرب عن أقوام يعرب واحتبى ... فلم ينس من هود سناءً ولا هديا
ومن حمير رد القنا أحمر الذرى ... ومن سبأ قادت كتائبه السبيا
وما نام عنه عرق قحطان إذ فدى ... عروق الثرى من غلة القحط بالسقيا
стр. 68
وما أسكنت عنه السكون سيادةً ... ولا رضيت طي لراحته طيا
ولا كندت أسيافه ملك كندةٍ ... فيترك في أركان عزتها وهيا
ولا أقعدته عن إجابة صارخٍ ... تجيب ولو حبواً إلى الطعن أو مشيا
وكائن له الأوس من حق أسوةٍ ... بنصب الهدى جهراً وبذل الندى خفيا
هم أورثوه نصر دين محمد ... وحازوا له فخر الندى والقرى وحيا
مناقب أدوها إليه وراثةً ... فكان لها صدراً وكانت له حليا
وصوت ثناء أسمع الله ذكره ... ليسمع منه الصم أو يهدي العميا [ومنها في ورد صاعد الغوي] :
وأهدت له بغداد ديوان علمها ... هدية من والى وتحفة من حيا
فكانت كمن حيا الرياض بزهرها ... وأهدى إلى صنعاء من نسجها وشيا
وحسب رواة العلم أن يتدارسوا ... مآثره حفظاً وآثاره وعيا
إذا لمعت زرق الأسنة حوله ... كإضرام نيران الهموم حواليا
وقد لاذ أبطال الجلاد بعطفه ... كما لاذ أطفال الجلاء بعطفيا
وقد قصرت عنه رماح عداته ... كما قصرت عنهم رياض جناحاً ومنها:
فيالك من ذكرى سناءٍ ورفعةٍ ... إذا وضعوا في الترب أيمن شقيا
стр. 69
وفاحت ليالي الدهر مني ميتا ... فأخزين أياما دفنت بها حيا
وكان ضياعي حسرة وتندما ... إذا لم يفد شيئا ولم يغني شيا
وأصبحت في دار الغنى عن ذوي الغنى ... وعوضت فاستقبلت أسد يوميا
سوى حسرتي عرض ووجه تضعضعا ... لقارعة البلوى وكانا عتاديا
فيا عبرتي سحي لعلي مبلل ... بجريك ما أنزفت من ماء خديا
ويا زفرتي هل في وقودك جذوة ... تنير لنا صبحا ثناه الأسى مسيا
ويا خلتي إن سوف الغوث بالمنى ... ويا غلتي إن أبطأ الغيث بالسقيا
فقوما إلى رب السماء فأسعدا ... تقلب وجهي في السماء وقد حيا
ويا أوجه الأحرار لا تتبدلي ... بظل ابن يحيى بعد ظلاً ولا فيا وله فيه من أخرى:
لبيك، أسمعنا نداك ودوننا ... نوء الكواكب مخوياً أو ممطراً
فسريت في حرم الأهلة مظلماً ... ورفلت في خلع السموم مهجرا
ظعن ألفن القفر في غول الدجى ... وتركن مألوف المعاهد مقفرا
يطلبن لج البحر حيث تقاذفت ... أمواجه، والبر حيث تنكرا
هيم وما يبغين دونك مورداً ... أبداً ولا عن بحر جودك مصدرا
من كل نضو الآل محبوك المنى ... يزجيه نحوك كل محبوك القرا
стр. 70
بدن فدت منا دماء نحورها ... ببقائها في كل أفق منحرا
نحرت بنا صدر الدبور فأنبطت ... قلق المضاجع تحت جوٍ أكدرا
خوص نفحن بنا البرى حتى انثنت ... أشلاؤهن كمثل أنصاف البرى
وصبت إلى نحر الصبا فاستخلصت ... سكن الليالي والنهار المبصرا
نذرت لما ألا تلاقي راحة ... مما تلاقي أو تلاقي منذرا
فلئن صفا ماء الحياة لديك لي ... فبما شرقت إليك بالماء الصرى
ولئن خلعت علي برداً أخضراً ... فلقد لبست إليك عيشاً أغبرا ومنها:
أبني لا تذهب بنفسك حسرة ... عن غول رحلي منجداً أو مغورا
فلئن تركت الليل فوقي داجياً ... فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا
وحللت أرضاً بدلت حصباؤها ... ذهباً يرف لناظري وجوهرا
ولتعلم الأملاك أني بعدها ... ألفيت كل الصيد في جوف الفرا
ورمى علي رداءه من دونهم ... ملك تخير للعلا فتخيرا
ضربوا قداحهم علي ففاز بي ... من كان بالقدح المعلى أجدرا ومنها:
كلا وقد آنست من هود هدىً ... ولقيت يعرب في القيول وحميرا
стр. 71
وأصبت في سبأ مورث ملكها ... يسبي املوك ولا يدب لها الضرا
فكأنما تابعت تبع رافعاً ... أعلامه ملكاً يدين له الورى
والحارث الجفني ممنوع الحمى ... بالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتمٍ ... أيام يقري، موسراً أو معسرا
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجةٍ ... يكسو غلائلها الجياد الضمرا
وعقدت في يمنٍ مواثق ذمةٍ ... مشدودة الأسباب موثقة العرى
وأتيت مجدك وهو يرفع منبراً ... للدين والدنيا ويخفض منبرا
وخططت بين جفانها وجفونها ... حرماً أبت حرماته أن تحفرا
تلك البدور تتابعت وخلفتها ... سعياً فكنت الجوهر المتخيرا قال أبو الحسن: أراه احتذى في هذه الأبيات الأخيرة حذو أبي الطيب في ابن العميد حيث يقول:
من مبلغ الأعراب أني بعدها ... جالست رسطا ليس والإسكندرا
ولقيت بطليموس دارس كتبه ... متبدياً في ملكه متحضرا
ولقيت كل الفاضلين كأنما ... رد الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدماً ... وأتى " فذلك " إذ أتيت مؤخرا
стр. 72
وقوله " خوص نفحن بنا البرى " ... البيت، معنى مشهور، وهو في الشعر كثير، ومنه قول بعض أهل العصر، وهو أبو جعفر بن هريرة التطيلي يصف إبلاً:
كأنصاف البرى وتدق عنها ... شواها دقةً تسع الجلالا وكذلك قوله: " لله أي أهلةٍ " ... البيت، كقول أبي جعفر المذكور:
كل عوجاء كالهلال عليها ... كل ذي تدرإٍ كبدر الكمال وأنشدت لابن بياع السبتي:
وردت بها التنوفة وهي بدر ... فلم أصدر بها إلا هلالا وقوله: " ورمى علي رداءه من دونهم " أشار إلى لفظ الهذلي دون معناه وهو:
ولم ادر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سل عن ماجدٍ محض وذكر الرواة أنه لا تعرف العرب رجلاً مدح من لا يعرفه غير أبي خراش الهذلي هذا، وكان خراش وعمه عروة غزوا فأخذا، وهموا بقتلهما، فنهاهم بنو دارمٍ وأبى بنو هلالٍ إلا قتلهما، فأقبل رجل
стр. 73
من بني دارم فألقى على خراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: انج، فنجا إلى أبيه وأخبره الخبر، فقال الأبيات التي أولها:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض فقلت: لا، قال: من قول أبي خراش: " ولم أدر من ألقى عليه رداءه " ... البيت، قلت له: والمعنى مختلف قال: أما ترى حذو الكلام واحداً -
وقال القسطلي يمدح الوزير أبا الأصبغ عيسى بن سعيد القطاع:
أفي مثلها تنبو أياديك عن مثلي ... وهذي الأماني فيك جامعة الشمل
وقد أمن المقدار ما كنت أتقي ... وأرخصت الأيام ما كنت أستغلي
وأذعن صرف الدهر سمعاً وطاعةً ... لما فهت من قولٍ وأمضيت من فعل
وناديت بالإنعام في الأرض والتقت ... بيمناك أشتات الطرائق والسبل
وهذا مقامي منذ تسع وأربع ... رجائي في قيد وحظي في غل
كأني لم أحلل ذراك ولم أقم ... مناخ المطايا فيه مرتهن الرحل
стр. 74
وأغض عن البرق الذي شيم للحيا ... وأعقد بحبلٍ منك بين الورى حبلي
ولم تصفني خلقاً أرق من الهوى ... ولم تولني نعمى ألذ من الوصل
ولم تثن عني في مواطن جمةً ... سيوفاً حداداً قد سللن على قتلي
ولم أطوسن الإكتهال محاكماً ... إليك خطوباً شيبت مفرق الطفل
وكنت ومفتاح الرغائب ضائع ... ملاذي فهذا بابها ضائع القفل
وإني في أفياء ظلك أشتكي ... شكية موسى إذ تولى إلى الظل وهذا البيت من لفظ القرآن العزيز، وقد أقدمت على مثل هذا جماعة من الشعراء من محدثين وقدماء؛ فمن غال متسور، ومن آخذٍ معتذر؛ قال أبو العلاء المعري:
كنت موسى وافته بنت شعيبٍ ... غير أن ليس فيكما من فقير وأخذه بعض أهل عصرنا، وهو حسان بن المصيصي فقال للمعتمد ابن عباد:
كبنت شعيب إذ زفت لموسى ... ولكن للثراء هنا مزيد ومن آخر من ركب هذا الأسلوب في مكابرة الحقائق، وأضل من ذهب هذا المذهب الغريب، من الاجتراء على الخلق والخالق، المنفتل بقوله:
وقد كان موسى خائفاً مترقباً ... فقيراً وآمنت المخافة والفقرا
стр. 75
وستأتي قصيدته هذه في موضعها، وتنتظم القصة عنه بأجمعها. وفي هذه القصيدة يقول القسطلي:
ولي الندى أصبحت في دولة الندى ... كأني عدو والبخل في دولة البخل
يقتل أخفى اليأس أحيا مطالبي ... ليالي جل الوعد عن رتبة المطل
وأبدي للسع الدبر وجهي منازعاً ... وقد فاز غيري سالماً بجنى النحل وهكذا كقول المتنبي:
ولا بد دون الشهد من ابر النحل ... وقال ابتن سارة الشنتريني:
لها قسمة بين الرواة وبينكم ... فمن قسمة ضيزى ومن قسمةٍ عدل
بأفواههم منها جنى النحل كلما ... رووها وفي أستاهكم إبر النحل ومنها:
أواصل آناء الأصائل بالضحى ... وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي وهذا مما شرحه وأوضحه أبو الطيب بقوله من المنسرح:
لا ناقتي تقبل سالرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشرفها ... زمامها، والشسوع مقودها ومنها:
إذا أحفت الفرسان غر جيادهم ... خصفت برجلي ما تمزق من نعلي
следующие страницы →