Полный текст (490 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
-[أصول الدعوة وطرقها ٤]-
كود المادة: IDWH٤٠٤٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
الدرس: ١ الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الأول
(الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع)
١ - الدَّعْوَةُ وَصِلَتُهَا بِالْحَيَاةِ
الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وعلى آلِهِ، وأصحابِهِ، ومنِ اهتدَى بهديهِم إلى يَوْمِ الدينِ، وبَعْدُ:
فَأُرحِّبُ بِكمْ -أيُّها الأُخوةُ الكِرامُ- في هذا اللقاءِ الأولِّ في المحاضراتِ التي سأسجلُها لكم -إن شاءَ اللهُ تعالى- في مُقررِ أصولِ الدعوةِ، وهذا المُقررٌ مُهمٌّ للمسلمين؛ لأنَّه يُعطيهمْ فِكرةً واضحةً عن كثيرٍِ من المباحثِ الإسلاميةِ التي يحتاجُ إليها المسلمُ، ثم هي بعدَ ذلك تُوجِّهُهُم -بفضل الله ﵎ إلى أن يسلكوا طريقَ الأنبياءِ والمرسلينََ في الدعوةِ إلى اللهِ ربِّ العالمين، على المنهجِ الذي سَلَكَهُ نبيُّ الهُدى والرحمةِ ﵌.
والمحاضرةُ الأولى التي معنا في هذا اللقاء تحت عُنوانٍ كبيرٍ، ألا وهو: "الدعوةُ وصلتُها بالحياةِ" وهذا العنوان تحته موضوعاتٍ متعددةٍ، وهي ثلاثةٌ إذا أردتُ أن أحصرَها الآن، وسندرسُ -إن شاء الله تعالى- في كل محاضرةٍ موضوعًا منها.
والموضوعُ الأولُ في هذا اللقاء بعنوان: "أَثَرُ الإسلامِ في السياسةِ" وتحته العناصر التالية:
العنصرُ الأولُ: الأحوالٌ السياسيةُ قبل الإسلام، ويشتملُ على النقاط التالية:
أ- تعريفٌ السياسةِ: لغةً واصطلاحًا:
السياسةُ في اللغةِ: جاء في (المصباح المنير): ساسَ زيدٌ الأمرَ يسوسه أي: دبَّره وقامَ بأمرِهِ، وجاء في (لسان العرب): السُّوسُ: الزيادةُ، يقول: ساسُوهم سَوْسًا، والسياسة: القيامُ على الشيء بما يُصلِحُهُ.
هذا هو تعريفُ السياسة في اللغة.
أما تعريفُ السياسةِ اصطلاحًا فلها تعريفاتٌ متعددةٌ؛ وقبلَ أنْ أُعَرِّفَها في الاصطلاحِ، أودُّ أنْ أُشيرَ إلى أنَّ استتبابَ أيِّ أمرٍ من أمورِ أيِّ مجتمعٍ بشريٍّ لا بد فيه من عدلٍ قائمٍ، وقد أشار إلى ذلك ابنُ خلدونَ ﵀ ﵎ في مواضِعَ من مقدمته، ومما ذكرَ ﵀ من قولٍ في هذا:
стр. 3
إنَّ الاجتماعَ الإنسانيَّ ضَروريٌّ، ويعبر الحكماءُ عن هذا بقولهم: الإنسانُ مَدنيٌّ بالطبع، أي: لا بد له من الاجتماعِ الذي هو المَدنيةُ في اصطلاحهم، وهو معنى العُمرانِ ... إلى أن قالَ: ثم إنَّ هذا الاجتماعَ إذا حصلَ للبشر وتم عُمران العالَم بهم، فلا بد من وازعٍ يدفع بعضَهم عن بعضٍ.
وهذا ما أودُّ أن أشيرَ إليه في أنه: لا بد للمجتمعِ البشريِّ من عدلٍ قائمٍ يسودُهم وينطلقون من خلالِهِ، وهذا ولا شكَّ يكون بسلوكِ الصراطِ المستقيم، صراطِ اللهِ الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وقد جاءتْ الشرائعُ الإسلاميةُ ببيانِ هذه الأمور، وتوضيحِها، ودعوةِ الناس إليها.
وبناءً على ذلك، أُذكرُ بعضَ التعريفاتِ لكلمة السياسةِ في الاصطلاح، فقد قيل فيها: بأنها تدبيرُ شُئونِ الدولةِ الإسلاميةِ، التي لم يرِدْ بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة.
وعرفها بعضُهم بأنها: هي تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تُعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استُنبطت بواسطة أُسس سليمة، أقرتْها الشرعية، مثل: المصالح المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، العرف، الاستصحاب، الإباحة الأصلية، وكل ذلك فيما لم يرد فيه نصٌّ.
ب- النقطةُ التاليةُ في هذا العنصر هي بعنوان: "الحياةُ السياسيةُ خارج الجزيرة العربية قبل الإسلام":
وأَضْرِبُ في ذلك بعضَ النماذج، وأبدأ بنموذج الهند والصين قديمًا، فأقول فيما كان من سياسة في الهند: كانت تقوم على اعتبار القوة الإلهية مصدرًا لكل القواعدِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، وكانت ترتكز على قوانين:
стр. 4
"مانو" و"برهما" وتقسِّمُ المجتمعَ إلى طبقاتٍ، وعلى هذا التقسيم يتفاوتُ الأفرادُ في الحقوق والحريات السياسية والمدنية.
أما الصينُ: فكانت تقوم على أساس: أنَّ الإمبراطور يستمد سلطتَه من السماء، فهو يحكم وفقًا للحق الإلهي الذي يُخَوِّلُه سلطةً مطلقةً، فالملكُ في نظرهم: ابنُ السماء، ولكن ظهرت فيما بعد نظرياتٌ واتجاهاتٌ سياسيةٌ حقيقيةٌ على يد الفيلسوف الصيني الشهير: "كنفوشوس" وكذلك: "منشسيوس" وكان لها الأثر الكبير في توجهات الحياة السياسية في الصين قديمًا.
جـ- النقطة التالية تحت هذا العنصر هي بعنوان: "نموذجُ اليونان والرومان السياسي أيضًا":
ويتمثل النموذجُ السياسيُّ الرومانيُّ في أنَّ الفكرَ المثاليَّ المجردَّ طغى على حساب الحركة عندهم، ففشل في إيجاد دولةٍ تعبر عن حقيقة العصر، وآمالِ الشعب؛ أما الرومانُ فقد كان طُغيان الحركة مسيطرًا على الممارسة السياسية، والحركةُ عندهم تعني: القوة، ونشر النفوذ، والسيطرة على المجتمعات الأخرى، وحتى حين تنصَّرت الدولةُ الرومانيةُ على يد الإمبراطور: "قسطنطين" فإنَّ التشريعاتِ والمؤسساتِ لم تتغير هناك، وبقي الأمرُ على ما هو عليه.
د- النقطة الرابعة تحت هذا العنصر وهي: "في بيان السياسة عند العرب قبل الإسلام":
والعربُ قبل الإسلامِ قد وُجد في بعض الممالِكِ عندهم -وخاصة في جنوب الجزيرة العربية- بعضُ القواعد، أو القوانينُ، أو التنظيمُ السياسيُّ في بعض المناطق، ولكن لم يكن للعرب في بلاد الحجاز نوعٌ من الحكومات المعروفة الآن، ولم يكن لهم قضاءٌ يحتكمون إليه، أو جهازُ أمنٍ يُقرُّ النظامَ ويحافظُ عليه، ولا حتى جيشٌ يدرأ عنهم الأخطارَ الخارجيةَ، ولم يكن ثَمَّة سلطة تضرب على أيدي المعتدين، وتُوقِعُ العقاب على المجرمين، وإنما كان الرجلُ المعتدَى عليه يثأر لنفسه بنفسه، وعلى قبيلته بعد ذلك أن تشدَّ أزرَه.
стр. 5
وقد وُجد في مكةَ نوعٌ من الوظائفِ التي لم تكن موجودةً في بلد من البلاد العربية؛ وذلك لمركزها الديني بين البُلدان، ووفود الحُجاج إليها من كل مكان، وقد كانت هذه الوظائفُ متمثلةً -مثلًا- في الحجابة والسقاية والرفادة، وقد اعتبر العرب هذا نوعًا من أنواع السلطات السياسية، ولكنَّ الأقربَ أنها وظائفُ شرفيةٌ، تَطَلَّبْتَها طبيعةُ البلاد، وظروفُ الحجاج، وليست نوعًا من أنواع السلطة السياسية.
ومما يؤكد الفراغَ السياسيَ التي كانت تعيشه بلادُ الحجاز، ما حصل عندما جاء أبرهةُ الأشرمُ؛ لهدمِ الكعبة، فخرج له عبدُ المطلبِ، وسأله أن يردَّ عليه إبلَه، ولم يناقشْهُ في مصير مكةَ وأهلِها، كما أن مكةَ اختلفوا في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة، ولو كان هناك ثَمةُ سلطة سياسية في البلاد لكانت هي المرجعُ في مثل هذه المشكلة.
وقد عَرف العرب مع هذا نوعًا من الممارسات شبه السياسية، مثل: الأحلاف، والجِوار؛ وأحلاف الجاهلية منها ما هو على الخير: كحلف الفضول، الذي تعاقدت فيه بُطونٌ من قريشِ في دار عبدِ الله بنِ جدعانَ، على ألا يجدوا في مكة مظلومًا إلا قاموا معه؛ حتى تُردَّ عليه مظلمتُه، ومنها ما هو على الشر: كتحالف بطونِ قريشٍ على حصار النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وبني هاشم في شِعب أبي طالب.
وكان عندهم أيضًا الجوارُ: والجوار: هو الحمايةُ والمَنعةُ للمستجير، ولم يكن الجوارُ في الجاهلية مقصورًا على الحمايةِ من الظلمِ؛ بل تعدَّى بهم الأمرُ إلى إجارةِ الظالمينَ، وهو ما حرَّمه الإسلامُ، وتوعَّد فاعِلَه بالعذابِ.
ولقد كانت قبائلُ
стр. 6
العربِ قبل الإسلام متفرقةً متناحرةً، كما أخبر المولى عنهم؛ ممتنًّا على رسوله ﷺ بقوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٣).
ونحن نعلم ما كان عليه الحالُ بين الأوسِ والخزرجِ في المدينة، ولم تكن بقيةُ قبائلِ العرب بعيدةً عن هذا الواقِعِ، فقد كانتْ قلوبُهم شتَّى، تثور الحروبُ بينهم لِأتْفَهِ الأسبابِ.
أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ
أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: "أَبْرَزُ المعالم السياسية الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- النقطة الأولى: أبرز التشريعات السياسية للدولة الإسلامية:
بعد أن أشرتُ إلى الأحوال السياسية قبل الإسلام عند غير المسلمين قبل البعثة، وعند عربِ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يحسنُ بنا هنا أن نوردَ بعضَ ما تضمَّنَه وما جاء به الإسلامُ من سياسةٍ فريدةٍ أسعدتْ الأفرادَ والمجتمعاتِ.
وأَبْدأُ بأبرز التشريعاتِ في ذلك فأقول:
بدأت الدولةُ الإسلاميةُ تتخذ طابعَها وتتشكل تشريعاتُها السياسية في شُئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وكان صاحبُ السلطةِ فيها هو رسولُ الله ﵌ وصحابتُه ﵃ هم أعوانُه ووزَراؤُه؛ شئونهم الداخلية والخارجية تحكمها الشريعةُ الإسلاميةُ، وكان من الصحابة -رضوان الله عليهم- الرضا والتسليم، وقد وصفهم ربُّهم- بذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١).
وصحابةُ النبي ﵌ هم ساداتُ المؤمنين، وجاء الشرعُ بما ينظم شئونَ الإنسانِ في كل المجالات، ومن ذلك ما يتعلق بالسياسة في كل مجالاتها الداخلية والخارجية،
стр. 7
يحددُ العلاقةَ بين الراعي والرعية، وبين أفرادِ الرعية مع بعضهم، يحدد لكلٍّ مسئولياته، ويعرفه بواجباته، فجاءتِ النصوصُ الشرعيةُ من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان هذه السياسةِ، ومنها على سبيل المثال:
قولُ الله- ﵎: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) وهذا فيه بيانٌ لطبيعة السلطة في الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ١٢٣) وفي هذا بيان لنوعٍ من العلاقة الخارجية.
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩) وفي هذا حفظٌ للحدود، وإقامةٌ لها؛ كي تُحفظ النفسُ، ويُحفظ المالُ، وكلُّ ذلك في إطار تحقيق الأمن الداخلي للمجتمع.
هذه أبرز التشريعاتِ السياسيةِ للدولةِ الإسلاميةِ؛ وأعني بها: التشريعاتِ عمومًا.
ب- أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعُنوان: ملامحُ السياسة الداخلية للدولة الإسلامية:
لقد كان رسول الله ﵌ يستمدُّ سياستَه الداخلية لهذه الدولة الإسلامية من وحي الله ومن الصعب -في هذا اللقاء السريع- أن أحيطَ بجوانبِ السياسية الداخلية لهذه الدولة في عهد رسول الله ﵌ وتنظيمِها، ولكن يمكن الإشارةُ إلى شيء من هذه السياسة وهذا التنظيم، الذي كان يقوم به النبي ﵌ لتعرف الأمة شيئًا عن السياسةِ الداخليةِ للدولةِ الإسلاميةِ في عهدِها الأولِّ، وما يجب أن تكون عليه الحكوماتُ بعد ذلك:
فمن ملامحِ هذه السياسة: أن النبي ﵌ كان يقوم بمهمة البلاغِ، فكان يتلقى الوحيَ ويبلغه للناس، وكان يدعو الناسَ للإسلام مع الحرص على التأليف بينهم، وكان
стр. 8
يحذِّرُهم ﵌ من الشرك، وكان يتولَّى الفصلَ في المنازعاتِ، وتعيينِ الوُلاةِ، وجمعِ الأموال الزكوية ونحوِها، وإنفاقها في مصارفها.
وكان ﵌ يستشير أصحابَه فيما يستجدُّ له من الأمور، فقد ثبتتْ مُشاورتُه لهم في أمورٍ كثيرةٍ، والمشاورة لم تكن قاصرةً على أمور الحرب، أو الجانب العسكري فحسب؛ بل كانت تتعدى إلى ما وراء ذلك.
وكان ﵌ يستخلفُ على المدينة حين غيابِه، أو يؤمِّر على البعوث والسرايا ونحوها، إذا لم يخرج هو ﵌ كما كان يحرص على توزيع مَهام الدولة توزيعًا دقيقًا، فكان هناك صاحبُ السر، وكان هناك الكتابُ -أعني: كتابَ الوحي- وكتاب الرسائل، وكتاب العُهود، والصلح والمواثيق، وكان هناك صاحبُ الخَتْم، وغير ذلك.
والنبيُّ ﵌ جعل مسئوليةَ حمايةَ البلدِ على كل قادر من أفراد الرعية، فلم يكن هناك جيشٌ محددٌ؛ بل كان ﵌ ينادي الناسَ بالجهاد، ثم يختار منهم مَن يصلح لذلك، مع اعتنائه ﵌ الكامل باختيار من يراه الأصلحَ؛ لخوض غِمار هذه الحروب، والمَهام العسكريةِ.
هذه أبرزُ الملامحِ السياسية الداخلية للدولة الإسلامية في عهد النبي ﵌.
جـ- أَنْتَقِلُ إلى نقطة أخرى تحت هذا العنصر وهي بعنوان: العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية:
تتمثل العلاقةُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية في عهد الرسول ﵌ مع غيرِها بمظاهرَ، منها:
أولًا: الدعوةُ والجهادُ: كانت العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية مع غيرها من الدول مبنيةً على أساس الدعوةِ إلى الله ولم يكن من سياسةِ الدولة
стр. 9
الإسلامية اللجوءُ إلى الحرب إلا بعد عِدة مراحلَ، وكان من السياسة القتالية الإسلامية تحقيقُ الهدف بأدنى حد من الخسائر حتى في صُفوفِ العدوِّ، وذلك بالنهي عن قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال، وعدم قطع الأشجار.
ويدل على ذلك أن رسولَ الله ﵌ كان إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سَرية أوصاهُ في خاصتِه بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغزوا بِسم الله في سَبيلِ اللهِ، قاتلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغْزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وَلِيدًا)) وهذا في الحقيقة مظهرٌ جميلٌ من مظاهر الإسلام، وحرصِه على عدم سَفْكِ الدماء.
وكان القتالُ في الإسلام -كما هو معلوم، وسيأتي حديثٌ لذلك مستقِلٌّ إن شاء الله تعالى- له أهدافٌ يحققها، وكانت من ورائه متطلباتٌ تدعو إليه، وإذا وقَعَ بعد استنفاذ الجَهد في ذلك، كان النبي ﵌ كما جاء في هذا الحديث- يحذرُ من الغدر والخيانة، أو التمثيل بالأعداء، أو قتلِ الأطفال والنساء والشيوخ، وهذا في الحقيقة من عَظَمة دينِ الله ﵎ ونحن نردُّ به على مَن يتهمون الإسلامَ بالإرهابِ، أو العنفِ، أو ما إلى ذلك.
أيضًا من مظاهر العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية إرسالُ الرسلِ والرسائل:
حيث كان النبيُّ ﵌ يبعثُ مع بعضِ صحابتِهِ مِن الرسائل الدعوية إلى المُلوك وغيرهم، ومنها -مثلًا-: كتابه ﵌ إلى هِرقلَ عظيمِ الروم، الذي أرسل به دِحيةَ بنَ خليفةَ الكلبيَّ ﵁ وكتابه أيضًا إلى كسرى عظيمِ فارس، الذي أرسل به عبدَ اللهِ بنَ حُذافةَ السُّهميَّ، وكتابه إلى النجاشي ملك الحبشة، الذي أرسل به
стр. 10
عمروَ بنَ أميةَ الضمريَّ، وكتابه إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، الذي أرسل به حَاطِبَ بنَ أبي بلتعةَ، إلى غير ذلك من الكُتُب التي بعث بها رسول الله ﵌ من الملوك، وغيرهم.
وكان الهدفُ منها دعوةَ هؤلاء الناس إلى الله ﵎ وهذا أيضًا في الحقيقة بيانٌ لوظيفة النبي ﵌ في البلاغ، وأنه كان يتحرَّى بدعوته الناس جميعًا.
وهذا من العلاقات الخارجية في الحقيقة للدولة الإسلامية.
ومن العلاقات أيضًا الخارجية للدولة الإسلامية العهود والمواثيق:
فالعهودُ والمواثيقُ نوعٌ من العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية مع غيرها، فقد كانت تُعقد عهودٌ ومواثيقٌ في عهد النبي ﵌ وما زال المسلمون -إلى يومنا هذا- يحتاجون إلى إجراء هذه العهود، وتِلْكُمُ المواثيقِ مع الدول الأخرى، والبلاد المختلفة.
وقد أجرى النبيُّ ﵌ صلحًا مع كفارِ قريشٍ، وقد سمَّى الحق ﵎ هذا الصلحَ فتحًا، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: ١) رغم أنَّ الناظرَ في بنود هذا الصلح قد يجدُ أنَّ فيه إجحافًا بالإسلام والمسلمين، ولم يرْضَهُ في أول الأمر بعضُ الصحابة، ولكنَّ النبيَّ ﵌ الذي كان يتبع الوحيَ، وكان مؤيدًا بتأييد الله ﵎ له، أجرى هذا الصلحَ وهو يعلم أن لهذا الصلحِ -الذي أجراه- ثمارًا جليلةً عظيمةً، فقد كان صلحُ الحديبية بمثابةِ النصر للدولةِ الإسلاميةِ، وانتشارِ الإسلام بشكلٍ أوسعَ في الجزيرة العربية وما حولها.
ومن أبرز نتائجه:
أن هذا الصلحَ كان مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز اللهُ به رسولَه ﵌ وجندَه، وأيضًا من نتائجه: اعترافُ قريشٍ بمكانة المسلمين كفريق قوي، تُبرَمُ معه المعاهداتُ.
стр. 11
ومن ثماره أيضًا: تَفَرَّغَ الرسولُ ﵌ لمخاطبة قادةِ بعضِ الدول -كما أشرت سابقًا: كقيصر، وكسرى، والنجاشي، وأمراء الأعراب، ودعوة هؤلاء جميعًا إلى الإسلام.
وكان من ثماره: تفرغ الرسول ﵌ لمحاربة اليهودِ، حيث خرج رسولُ الله ﵌ بعد نحوٍ من شهرينِ إلى غَزوةِ خَيبرَ.
وبهذا تتضحُ لنا أبرزُ المعالمِ للسياسةِ الخارجيةِ للدولةِ الإسلاميةِ.
خَصَائِصُ النِّظامِ السياسيِّ في الإسْلامِ
أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء وهو بعنوان: خَصائِصُ النظام السياسي في الإسلام:
وهذا في الحقيقةِ عُنصرٌ مُهِمٌّ؛ لأنه يبين أيضًا مكانةَ هذا الدين، وكيف أن الإسلامَ سارَ بالمسلمين وسلكَ بهم مَسلكًا حسنًا، وأن نظامَه السياسي كغيرِه من الأنظمة هو أحدُ مفرداتِ منظومةِ دينِ الإسلامِ، كالتربية الإسلامية مثلًا، وما إلى ذلك.
وهذه الخصائصُ الخالدةُ التي جاء بها الإسلامُ تُبرِزُ دورَه في أنه دينٌ إلهيٌّ، جاء لِيُقَوِّمَ حياةَ الأفراد والمجتمعاتِ.
لهذا سأذكرُ هنا -إن شاء الله ﵎ أهمَّ خصائصِ النظام السياسي في الإسلام؛ لنعرِفَ أيضًا عظمةَ هذا الدين، الذي جاء به النبيُّ الأمينُ ﵌.
أُولَى خصائصِ النظام السياسي في الإسلام: الربانيةُ:
وهذه الربانيةُ تتمثل في رَبانيةِ المصدر وربانية الوِجهةِ؛ أما ربانيةُ المصدِر: فلها ثمارٌ عديدةٌ، ومعنى ربانية: يعني: أن هذا النظام جاء من عند الرب الخالق -جل في علاه- الالتزامُ بما جاء من عند الله سبحانه له ثمارٌ عديدة، منها:
العِصمةُ من التناقض، وأيضًا: البراءةُ من التحيز والميل لمصلحة طائفة من البشر، أو بلد دون آخر، وأيضًا: الاحترامُ وسهولةُ الانقيادِ، وأيضًا: التحرُّرُ من عُبُودية الإنسانِ للإنسان، والعبوديةُ هي: الذلُّ والخضوعُ والانقيادُ، وقد انحرفتِ الأنظمةُ السياسيةُ الوضعيةٌ بتذليل
стр. 12
الأَتْبَاع للمتبوعين، وانحرفت في جانب آخر من جوانب العبودية وهو أنَّ السادةَ قد يُحرِّمون على أَتْبَاعهم مَا يَشَاءُونَ، وَيُحِلِّلُون لهم ما يشاءون.
أما في الإسلامِ فالمشرعُ هو الله ﵎ فلا ربَّ سواه، ولا عبوديةَ لأحدٍ إلا لَهُ هو.
وهذا معنى رَبانيةِ المصدر.
أما ربانيةُ الوِجهة: فمعناها: أن يبتغي الإنسانُ بعمله ربَّ العزةِ والجلال فالإنسانُ المسلمُ هو الذي تكون أعمالُه كلُّها لله كما قال -جل ذكره-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦١، ١٦٣) هكذا يُعلن الإنسانُ المؤمنُ تَوجُّهَهُ لله في جميعِ أمورهِ، ومن جملتها: منهجه السياسي الذي يسير عليه.
ولعلكم تلاحظون: أن الأمرَ في هذه الآية مُوجَّهٌ للنبي ﵌ أولًا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ وإذا كان إمام الدولة خاتَم الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- الذي يتلقى الوحيَ من ربه، هو أولُ العابدين لله، هو أولُ الخاضعين لله، هو أولُ المستجيبينَ لله، فلا شكَّ أن غيرَه من بابِ أولى، والعملُ بالنظام السياسي الإسلامي أمرٌ يُتعبَّدُ اللهُ ﵎ به.
فالسياسيُّ المسلمُ هو الذي يسيرُ على شَرْعِ الله، مُخلصًا في ذلك نيتَه لله ﵎ ولا شكَّ أنه مأجورٌ عند الله على عملهِ، ويدل على ذلك حديثُ النبي ﵌ الذي يقول فيه: ((سَبْعةٌ يُظلهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ... )) وذكر منهم: ((الإمام العادل)).
وفي المقابل فإن مَن أعرَضَ عن السياسةِ الإسلاميةِ وعَمِلَ بخلافِها، فإنَّه ولا شك معرَّضُ للعقوبة من الله ويدل على ذلك قولُ النبي ﵌: ((ما مِن عبدٍ اسْتَرْعَاهُ اللهُ رَعَيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ، إلَّا لَمْ يَجِدْ رائحةَ الجنةِ)).
стр. 13
الخاصيةُ الثانيةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: الشمولُ:
النظامُ السياسيُّ في الإسلام كما أنه نِظامٌ رَبانيٌّ فهو أيضًا نظامٌ شاملٌ يشملُ الدنيا والآخِرةَ، يشمل جميعَ الأفرادِ والمجتمعاتِ، يلبي حاجاتِ المجتمعاتِ في أي عصرٍ، وفي أي مصرٍ، وفي أي زمانٍ، وفي أي مكانٍ؛ لأن مصدرَه اللهُ ﵎ الخالقُ، وهو القائل في كتابه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية: ٣٨).
فالنظامُ السياسيُّ في الإسلام لم يأتِ قاصرًا على ما يَهُم الحاكم، أو على ما يهم المحكوم؛ بل جاء شاملًا لكل ما يحتاجُه النظامُ من بيانٍ لواجبات الأمير وحقوقِه، وواجبات المأمور وحقوقه، وجاء أيضًا بما يُنظم علاقةَ الدولةِ الإسلاميةِ بغيرِها من الأمم والشعوب، من المسلمين وغير المسلمين، ويدل على هذا الشمول قولُ الحق ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية: ٨٩).
قال ابنُ الجوزيِّ ﵀ ﵎ في تفسير هذه الآية-:
لكل شيء من أمور الدِّينِ إما بالنصِّ عليه، أو بالإحالةِ إلى ما يُوجِبُ العلم، مثل: بيانُ رسول الله ﵌ أو إجماعُ المسلمين؛ وعن أبي ذر -رضي الله ﵎ عنه- قال: "لقد تركنا محمدٌ ﵌ وما يُحرِّكُ طائِرٌ جَناحَيْهِ في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه عِلْمًا".
وهذا في الحقيقة واضحٌ من خلال التشريعاتِ الربانيةِ التي جاءت من عند الله ﵎ لأنه من المعلومِ أن اللهَ أكملَ لنبيه الدينَ، وأتم بذلك علينا نعمتَه، ورضي لنا الإسلامَ دينًا، ولم يقبضْ ربُّ العزة والجلال نبيَّه وحبيبَه ومصطفَاهُ -صلوات الله وسلامه عليه- إليه إلا بعد أن بلغ البلاغَ المبينَ، واللهُ أنْزَلَ عليه في عَرفاتٍ في حَجَّة الوداع قولَه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾ (المائدة: من الآية: ٣).
وهذا يدلُّ بوضوحٍ على أن الإسلامَ لم يدعْ شيئًا يحتاج إليه الفردُ أو الجماعةُ إلا وأتى به، ومن ذلك ما يتعلق بالنظام السياسي
стр. 14
الخاصيةُ الثالثةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام هي: العالميةُ:
النظامُ السياسيُّ في الإسلام له صفةُ العالميةِ؛ لأنه منزلٌ لجميع الناس على حدِّ سواء، وصالحٌ لهم جميعًا بِحَسَبِ طبيعتهمِ الإنسانيةِ، بغض النظر عن الجنسِ أو اللونِ أو اللغةِ، وبصرف النظر عن المكان والزمان، فالدينُ الإسلاميُّ وما جاء به من النُّظُمِ له هذه الخاصيةُ في الزمان والمكان، فعالميةُ الزمانِ تعني: أنها صالحةٌ إلى قيام الساعة، وعالمية المكان تعني: أنها صالحةٌ على أي جزء من أجزاء المعمورة، فهي صالحةٌ للناس جميعِهم على اختلافِ أجناسهِمْ ولغاتِهِمْ.
ولقد جاءتْ الآياتُ والأحاديثُ ببيان هذه الصفةِ، ومن ذلك: قولُ الحق ﵎ في كتابه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٨) وقال اللهُ عن النبي ﵌ وخاطَبَهُ بذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧) صلوات الله وسلامه عليه.
فَبِعثَةُ النبيِّ ﵊ بِعثةٌ عامَّةٌ، بعثةٌ شاملةٌ، ليست محدودةً، ولَا لَقَوْمٍ دونَ قومٍ، كما كان الحالُ عليه الأنبياء السابقين قبل بعثة النبي ﵌ ولذلك نجد أنَّ النبيَّ ﵌ ذكرَ في حديثهِ أنه فُضِّلَ على الأنبياءِ بفضائلَ، كقوله: ((فُضلتُ عَلَى الأنبياءِ بِخَمْسٍ ... )) وفي رواية: ((بِست ... )) وذكر منها ﵌ قوله: ((وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه خَاصةً، وبُعِثْتُ إلى الناس عَامةً)).
ولهذا أخبر النبي ﵌ أن هذا الدينَ سيبلغُ الآفاقَ، وذلك في قوله: ((ليبلغنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنهارُ)) ويعني بهذا: ((الأمر)): الدينَ والوحيَ والتشريعَ الذي بُعثَ به ﵌ وذكر أنَّ اللهَ : ((لا يتركُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَر إلا أدخلَهُ اللهُ هذا الدينَ، بِعِزِّ عَزيزٍ أو بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسلامَ، وذلًّا يُذِلُّ اللهُ بهِ الكُفْرَ)).
стр. 15
ولأنَّ الإسلامَ هو آخرُ الأديانِ ولا دينَ بعده، فلا بد أن يكون صالحًا لكل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعةِ، كما أنَّ بقاءَ المصدرِ الأصليِّ لهذا الدين سليمًا لم يُحرَّفْ دليلٌ قاطِعٌ أيضًا على عالَميةِ هذا الدينِ وأنظمتِه باختلاف أنواعِها.
ويدل على هذه العالميةِ قولُ الحق ﵎: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية: ٨٩) كما يدل على بقاء هذا المصدرِ دونَ تحريفٍ أو تبديلٍ أو تغييرٍ ليلبيَ احتياجاتِ البشر على مدى الأزمانِ والعُصُورِ قولُ الحق ﵎ في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
الخاصيةُ الرابعةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: الوسطيةُ:
جاء الإسلامُ وَسَطًا في عقيدتِه، ووسطًا في شريعتِه، وذلك بين الغُلُوِّ والتقصيرِ، وكذلك أيضًا وسطًا في أنظمتِه، ومن جُملتِها: النظامُ السياسيُ في الإسلام، فلا هو نِظامٌ دِيكْتَاتُوريٌّ مُفْرِطٌ، ولا نظامٌ دِيمُقراطيٌّ مُفَرِّطْ، وهو بهذا خيرُ نظامٍ عَرَفَتْهُ البشريةُ.
وسمةُ الوسطيةِ من السماتِ الجليلةِ العظيمةِ لدين الإسلام ﵎ والدينُ الإسلاميُّ وسطٌ في كلِّ الأمور بين الإفراطِ والتفريطِ، وقد وَصَفَ اللهُ هذه الأمةَ بالوسطيةِ في كتابه، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية: ١٤٣).
والوسطُ هو العدلُ الخِيارُ.
ولهذا، كانتْ هذه الأمةُ وكان هذا الدينُ متميزًا بهذه المَيزةِ الجليلةِ، ألا وهي الوسطيةُ، وبهذا ارتفعَ على جميعِ الأديانِ، وهيمنَ عليها، وهو بحقٍّ دينُ التوسطِ والاعتدالِ، ونحن إذ نُقدِّمُه للبشرية نقدمه بهذه السماتِ والصفاتِ الجليلةِ العظيمةِ الرفيعةِ العاليةِ.
الخاصيةُ الخامسةُ والأخيرةُ من خصائص النظام السياسي في الإسلام: موافقةُ الفِطرةِ:
هذا الدينُ الذي جاء من عند الله يتفقُ مع الفطرةِ البشريةِ، ويوافقُ
стр. 16
قدراتِ الإنسانِ وإمكانياتِه وحاجاتِه، ولذلك يمكن أن نقولَ بأنَّ الدينَ جاء موافقًا للفِطرة الإنسانيةِ، واللهُ قد فَطَرَ عبادَه على الإسلام، فَإِذَنْ الإسلامُ -بِناءً على ذلك- يتفقُ ويوافقُ الفطرةَ؛ قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: من الآية: ٣٠).
ويقولُ الرسولُ ﵌ كما في حديث أبي هريرة: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطرَةِ ... )) والتغييرُ يأتي على الإنسانِ بعدَ ذلك نتيجةَ المجتمع الذي الذي يعيشُ فيه؛ ولذلك قال: ((فأبَواهُ يُهوِّدَانِهِ، أو يُنصرانِهِ، أو يُمجِّسانِهِ)).
وموافقةُ الفطرةِ في المجالِ السياسيِّ الإسلاميِّ يَظهَرُ في أُمورٍ متعددةٍ؛ الإتيان بالأنظمة والتشريعات السياسية الممكنةِ التطبيقِ في واقعِ البشرِ، فالتشريعاتُ والأنظمةُ السياسيةُ ممكنةُ التطبيقِ في واقع البشرِ، كذلك أيضًا مما يُوافقُ الفِطرةَ في المجال السياسي الذي جاء به الإسلامُ هو أنَّ النظر إلى الحاكمِ في الإسلام على أنه بَشرٌ، له حقوقُهُ، وعليه واجِباتُهُ، ويُنظرُ أيضًا إلى المحكوم على أنَّه بشرٌ، له حقوقٌ، وعليه واجباتٌ، وهذا في الحقيقةِ أيضًا مِن سَمَاحةِ وعَدْلِ الإسلامِ.
هُناك خاصيةٌ أخرى من خصائص النظام السياسي في الإسلام، وهو أنه: نِظامٌ أخلاقيٌّ، ويشمل ذلك أمرينِ:
الأمرُ الأولُ: إتيانُهُ بالتشريعاتِ الأخلاقيةِ الفاضلةِ، وحثُّ الناس على الالتزام بها.
ثانيًا: أنَّ الغايةَ في الإسلامِ لا تُبِرِّرُ الوسيلةَ -كما هو الحالُ في كثيرٍ من الأنظمةِ السياسيةِ.
ومن المُلاحظِ: أنَّ الصِّبغةَ الأخلاقيةَ الظاهرةَ مَيْزَةٌ واضحةٌ للنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ عن سائرِ الأنظمةِ السياسيةِ القديمةِ والمعاصرةِ، فالإسلامُ إلى جانبِ أنه أتى بأنظمةٍِ متعددةٍِ راعَى في هذه الأنظمةِ الأخلاقَ الكريمةَ التي جاء بها النبيُّ الأميُّ محمدُ بنُ عبد الله ﵌.
стр. 17
وهذه الخصائصُ تجعل النظامَ السياسيَ في الإسلامِ في أعلى مَراتبِ الأنظمةِ في العَالَمِ كلِّهِ، وبالتالي نحن ندعو المسلمينَ جميعًا إلى أن يلتزموا -أولًا- بالنظامِ السياسيِّ في الإسلامِ، وندعو غيرَ المسلمين إلى أن يقفوا على جَمَالِ الإسلامِ بخصائِصهِ التي جاء بها.
وأَكْتَفَي بهذا، وَصِلِّ اللهمّ وسلِّمْ وبَاركْ على نبينا مُحمدٍِ، وعلى آلِهِ، وصحبِهِ، وسَلَّم.
٢ - أَثَرُ الإسلامِ في الاجتماعِ
نِظامُ المجتمَعِ في الإسلامِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي المحاضرة الثانية في سلسلة هذه المحاضرات، وهي تحت العنوان السابق: "الدعوةُ وصلتُها بالحياة".
وسأتكلمُ في هذه المحاضرة عن الموضوع الثاني تحت هذا العنوان الكبير، وهو: "أثرُ الإسلام في الاجتماع" وتنقسم هذه المحاضرة إلى عناصر متعددة:
العنصر الأول: نظام المجتمع في الإسلام؛ ويشتمل على النقاط التالية:
أ- أهمية النظام للمجتمع:
من الحقائق الثابتة التي أشار إليها العلامة ابنُ خلدون في مقدمته: أن الاجتماع الإنساني ضروري، وهو ما يُعبر عنه بقول بعضهم: الإنسان مدني بالطبع، ومعنى ذلك: أن المجتمع ضروري للإنسان وهو ما يؤيده الواقع، فالإنسان يُولد في المجتمع ويعيش فيه ويموت فيه، وإذا كان المجتمع ضروريًّا للإنسان ولا بد من وجوده، فإن النظام على أيِّ نحوٍ كان ضروريًّا للمجتمع، لا يُتصور وجوده بدونه؛ لأن الأفراد لا يمكنهم العيش بحرية مطلقة داخل المجتمع، وإلا كان في ذلك هلاكُهم أو اضطراب حياتهم، وانقلاب مجتمعهم إلى مجتمع حيوانات كالذي نشاهده في الغابات.
ولهذا كان لا بد من نظام للمجتمع يتضمن الحدود التي يجب أن يقف عندها الجميع، والضوابط العامة التي يجب أن يلتزموا بها في سلوكهم؛ حتى يستطيعوا العيشَ بأمان واستقرار.
стр. 18
وإذا كان لكل مجتمع نظام على نحوٍ ما، فإن هذا النظام لا بد له من أساس وأصول يرتضيها المجتمع، ويقوم عليها نظامه الذي يسير بموجبه، والنظام يكون صالحًا أو فاسدًا تبعًا لصلاح أو فساد أساسه وأصوله التي يقوم عليها؛ لأن الفرعَ يتبع الأصل في الصلاح والفساد، وإذا كان نظام المجتمع قد يكون صالحًا أو فاسدًا فإن صلاحه وفساده ينعكس على أفراده، ويتأثرون به، ويتحمَّلون تَبعاتَه فيسعدون به، أو يشقَون.
وعلى هذا فيجب على مَن يريد الخير لنفسه ولمجتمعه أن يبحث ويتحرى عن الأساس الصالح الذي يقوم عليه نظام المجتمع؛ ويسعى لتثبيت هذا الأساس، وإقامة نظام المجتمع عليه.
والواقع أن الإسلام كفانَا مئونةَ البحث والتحري عن هذا الأساس الذي يقوم عليه النظام الصالح والمجتمع؛ كما كفانا مئونة البحث عن طبيعة هذا النظام الصالح وخصائصه، مما يجعل الأمر سهلًا ميسورًا لبناء مجتمع صالح الذي يسعد به الناس جميعًا.
ب- وبناءً على ما قلتُ، أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: أساس نظام المجتمع في الإسلام؛ لأنه إذا كان المجتمع الصالح لا يسعد إلا إذا كان النظام صالحًا، وقد ذكرتُ أن الإسلام كفانا مئونة ذلك.
فلنتعرف الآن في هذه النقطة على: أساس نظام المجتمع في الإسلام:
إن أساس نظام المجتمع في الإسلام هو العقيدة الإسلامية؛ لأن المطلوب من كل إنسان أن يحمل هذه العقيدة، ليعرف مركزَه في الحياة، وعلاقته بالكون والغرض الذي من أجله خُلق، وهذه العقيدة هي الموجهة لأفكار الإنسان وسلوكه، وسائرِ تصرفاته، ولا يمكنه التخلي عنها في شأن من الشُئون.
وحيث إن الإنسان اجتماعيٌّ بالطبع -كما قلنا- فمنِ البَدهي أن تكون العقيدة الإسلامية هي الموجهة له في بناء هذا المجتمع، أو بكلمة أخرى يجب أن تكون العقيدة الإسلامية
стр. 19
هي الأساس لبناء المجتمع ونظامه؛ حتى يعملَ الأفراد في ضوء عقيدتهم كأفراد وأعضاء في المجتمع، كما يعمل المجتمع كجماعة منظمة في ضوء هذه العقيدة التي يحملها أفرادُه، ويترتب على ذلك أن كل من يحمل هذه العقيدة، ويدين بها ويلتزم بمقتضاها يكون أهلًا للانتماء إلى هذا المجتمع الإسلامي، فيصبح عُضوًا فيه، ويساهم في بقائه وتحقيق أغراضه، والتمتع بمزاياه، وتحمل تبِعاته، مهما كان جنسه، أو نوعه، أو لونه، أو لغته.
والحقيقة أن تقديم الإسلام هذا الأساسَ لإقامة المجتمع البشري كان حدثًا ضخمًا وفريدًا في التاريخ البشري، ما كان الناس يعرفونه ولم يخطر ببالهم؛ فالرومان واليونان والفرس والعرب قبل الإسلام أقاموا مجتمعاتِهم على أساس الجنس، أو القبيلة، أو السلالة، أو الإقليم، وبنَوْا على هذا الأساس أباطيلَ كثيرةً، تولَّد عنها الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان، فلما جاء الإسلامُ بهذا الأساس الجديد لبناء المجتمع ونظامه كان ذلك انقلابًا هائلًا في الحياة البشرية؛ تكريمًا للإنسان، ووضعًا للأمور في نِصابها.
فليس من اللائق بالإنسان بناءُ مجتمعه على أساس الجنس أو القبيلة أو الإقليم كما كانت تفعل المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام؛ ذلك لأن أصل البشر واحد، ولا يمكنه حجبَ هذه الحقيقة لاختلاف الناس بالأنساب والأجناس؛ لأن أجناسهم وشعوبهم المختلفة كالأغصان للشجرة الواحدة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء: من الآية: ١).
وفي الحديث الشريف: يقول النبي ﵌: ((كلكم لآدم، وآدمُ من تراب ... )) وكذلك لا معنى لاتخاذ الإقليم أساسًا للمجتمع البشري؛ لأن الأرض خلقها الله للناس، فهي إقليمهم، وهي وطنهم المشترك، قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ (الرحمن: ١٠).
стр. 20
وأيضًا فإن الجنس والقبيلة والسلالة لا يصلح واحد منها أن يكون أساسًا للمجتمع البشري؛ لأنه بطبيعته ضيق لا يمكنه أن يسعَ الناس جميعًا، فليس بمقدور أحد أن يكون من هذا الشَّعب أو القبيلة أو الجنس بعد أن خلقه الله من غيرها، وإنما الممكن المقدور للإنسان أن يعتنق العقيدة الإسلامية، فيكون من أعضاء المجتمع الإسلامي، ومن يرفض اعتناق هذه العقيدة فإن الإسلام والعقيدة الإسلامية والمجتمع الإسلامي لا يرفض قَبوله فيه إذا رغب هو في الانتماء إليه؛ بشرط إعلان ولائه له، وخضوعه لنظامه عن طريق عقد الذمة، وفي هذه الحالة سيجد غيرُ المسلم مكانًا أمينًا في هذا المجتمع الفكري، ويتمتع بحقوق العامة والخاصة، وبحماية تامة لنفسه وماله وعرضه.
وعلى هذا، فقول البعض: إن إقامة المجتمع على أساس العقيدة الإسلامية بغير اضطهاد غير المسلمين، وإكراههم على تبديل دينهم قولُ باطل هو من قبيل التشويش والتضليل والجهالة؛ لأن الإسلام يقرر: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٦) والفقهاء يقررون قاعدةَ: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".
خَصائِصُ النِّظامِ الاجتماعيِّ في الإسلامِ
أنتقلُ بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذه المحاضرة، وهو بعنوان: خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- المعالم البارزة لخصائص النظام الاجتماعي:
بعد أن بينت أساس النظام الاجتماعي في الإسلام، وما يترتب على هذا الأساس، أود أن أبين هنا خصائص هذا النظام، أو معالمه البارزة، وهذا أمر مهم للغاية، والواقع أن خصائصه مشتقة من أساسه، أو قائمة عليه، وهي كثيرة، أهمها:
مراعاة الأخلاق، والالتزام بمعاني العدالة، والعناية بالأُسرة، وتحديد مركز المرأة في المجتمع، وتحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع.
стр. 21
وسأتكلم -إن شاء الله تعالى- عن هذه الخصائص أو المعالِمِ بشيءٍ من الإيجاز:
أولًا: مراعاة الأخلاق؛ تعلمون جميعًا أن للأخلاق منزلةً رفيعةً في الإسلام، ولها آثار ظاهرة في مختلف أنظمتِه، ومنها النظام الاجتماعي، فهذا النظام يمتاز بحرصِه الشديد على طَهارة المجتمع ونظافته من القبائح والرذائل، فالزنا محرم وعقوبته الجَلد والتغريب، أو الرجم على ما هو معلوم في حالاته.
والقذف -وهو رمي الغير بالزنا- محرم، وعقوبته الجلد؛ لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فَتَأْلَفُهُ، وفي هذا تلويثٌ للمجتمع، وتسهيل لوقوع الفاحشة؛ ولهذا كان عقابه غليظًا، ولكنه عادل، ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة، وبَذاءة اللسان مثل السّباب والشتم محظورةٌ في الإسلام، وعقوبته التعزير.
والقمار بأنواعه محرم في شرع الإسلام، ولا يقره المجتمع الإسلامي، وشهادة الزور من الكبائر، والتجسس، والغَيبة، والنميمة، وكل ما يُوقع العداوةَ والبغضاءَ بين أفراد المجتمع منكراتٌ لا يقبلها النظام الاجتماعي في الإسلام.
والمعاملات يجب أن تقوم على الطُّهر، وحسن النية، والأمانة، فلا يجوز الخداع، والتضليل، والغش، والكذب في أيةِ معاملةٍ بين الناس، والمنكرات لا يجوز إقرارها في المجتمع أبدًا؛ لأنها كالجراثيم، إن بقيت انتشرت وصارت كالوباء؛ ولهذا يشدد الإسلام النَّكيرَ على مَن يظهر هذه المنكرات، أو يتكلم بها إذا جرَّه الشيطان إليها، ويجعل إعلانها والتحدث بها جريمة ثانية.
فقد جاء في الحديث: ((أيها الناس، من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر فهو في سِتر الله، ومن أبدى صفحتَه أقمنَا عليه الحد)).
وفي النظام الاجتماعي الإسلامي جملةٌ من الوسائل الوِقائية التي تقي المجتمع من الأسواء والمنكرات، وتسدُّ المنافذَ والثغراتِ في وجه الشيطان، وهذه الوسائل لازمة، ولا يجوز تجاوزُها، فلا يجوز للمرأة -مثلًا- أن تخلوَ برجل غير زوجها أو من محارمها، وإذا خرجتْ من بيتها فيجب أن يكون لباسُها شرعيًّا.
стр. 22
ومن مظاهر مراعاة الأخلاق في النظام الاجتماعي الإسلامي التوادد والتراحم والتعاطف بين أفراده، فإن الإسلام دعا إليها، وقد شبه رسول الله ﵌ حالَ المؤمنين في التراحم بمثَلٍ عظيم، فقد جاء في الحديث: ((مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتعاطفِهِم وتراحمِهِم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى)) وفي الحديث الآخر: ((الراحمون يرحمُهم الله تعالى، ارحموا مَن في الأرض يَرْحَمْكُم مَن في السماء)).
وفراغ القلب من معاني الرحمة علامةٌ على شِقوة الإنسان، جاء في الحديث: ((لا تُنزع الرحمةُ إلا من شقي)).
والشفقة على الصغار والأولاد من علامات عمارة القلب والرحمة؛ جاء عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((قَبَّلَ رسولُ الله ﷺ الحسنَ بنَ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه- وعنده الأقرعُ بن حابس، فقال الأقرعُ: إن ليَ عشرةً من الوَلَد، ما قبَّلت منهم واحدًا، فقال رسول الله ﵌: مَن لا يَرحم لا يُرحم)).
وفي القرآن الكريم في وصف صحابةِ رسول الله ﵌: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية: ٢٩).
فالتراحمُ بين المؤمنين من الصفات الأصلية فيهم، وتجعل المجتمع الإسلامي كالأُسرة الواحدة، والحق أنَّ مجتمعًا يصل فيه التراحمُ إلى هذا الحد لمجتمعٌ سعيدٌ حقًّا، ومع الرحمة تعاون نظيف على الخير، وأيد كريمة تمتد إلى كل ما هو محتاج؛ لأن الإسلام دعا إلى التعاون، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢).
وهذا التعاونُ المطلوبُ يشمل الأسرةَ، والجيرانَ، والأصحابَ، والرفيقَ في السفر، والمنقطعَ، والغريبَ، واليتيمَ، والمسكينَ، وكلَّ ذي حاجة في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
стр. 23
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: من الآية: ٣٦).
وفي السنة النبوية جملةٌ من الأحاديث في باب التعاون؛ منها: ((مَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَن فرَّج عن مسلم كُربة فرج الله عنه كربةً من كرب يومِ القيامةِ)) وفي الوصية بالجار ما جاء عن النبي ﷺ في قوله: ((ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه)).
والتعاون المطلوب لا يقف عند حد إعانة المحتاجين فقط، وإنما يتجاوزه إلى آفاق واسعة ومجالات مختلفة؛ لأن دائرتَه أعمالُ الخير وهي واسعة جدًّا، فالتعاون على تشييد مسجد، أو فتح مدرسة، أو إنشاء مستشفى، أو بناء قَنطرة، أو طَبْعِ كتابٍ نافعٍ يخدم الإسلام، والتعاون على إزالة منكر، أو فساد، أو ظلم، أو صد عدوان، ونحو ذلك، كلُّه من التعاون المطلوب؛ لأنه تعاونٌ على البر، وتعاون على إزالة الفساد والمنكرات، وبالتالي، إقامة الأخلاق ومراعاتها.
أيضًا من خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام أو معالمه البارزة: الالتزام بمعاني العدالة:
والالتزام بمعاني العدالة من أنواع الأخلاق الفاضلة؛ بل في ذِروتها، وإنما أفردْتُها هنا بالذكر؛ لأهميتها، ولتشعبها، وتعددِ مظاهرها، وبروزها في النظام الاجتماعي الإسلامي.
ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه بالدعوة إليه بصورة عامة أو خاصة؛ فمن الآيات التي تأمر بالعدل بصورة عامة قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٩٠).
ومن الآيات التي أمرت بالعدل في مسائل معينة:
стр. 24
العدل في القول، وذلك كما جاء في قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية: ١٥٢).
والعدل في الكتابة كما جاء في قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٢).
والعدل في الحكم: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية: ٥٨).
ومن هنا كان الحسابُ يوم القيامة -أيضًا- بالعدل؛ لأن اللهَ هو الحَكَمُ العَدْلُ، فلا تُظلم نفس شيئًا، قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (يونس: من الآية: ٥٤) وقال سبحانه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء: من الآية: ٤٧).
وإذا نظرنا إلى هذه الآيات الناهية عن الظلم، تبين لنا أهمية العدل في الإسلام، حتى يمكن أن يُقال دون مبالغة: بأن الإسلام هو دين العدالة في كل شيء.
إن تأكيد الإسلام على معاني العدل، وضرورة الالتزام به والنهي عن الظلم وضرورة تجنبه تترتب عليه نتائج خطيرة، ذلك أن المجتمع الذي يشيع فيه العدل يحس أفراده بالاطمئنان على حقوقهم؛ لأن القانون يكون مع المحق وإن كان ضعيفًا، لا مع المبطل وإن كان قويًّا، وبعكس ذلك، إذا شاع الظلم ونَدُرَ العدل أحس الأفراد بالقلق الدائم على حقوقهم، وزال عنهم الاطمئنان والاستقرار، وكان ذلك إيذانًا بدمار هذا المجتمع.
وقد أشار الرسول الكريم ﵌ إلى أثر التفريط بالعدل، وكيف يؤدي بالأمة إلى الهلاك، وقد جاء في الحديث: ((إنما أُهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ الشريف تركوه، وإذا سرق الضيعف أقاموا عليه الحدَّ، وأيم الله، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعت يدَها)).
стр. 25
وتعليل هلاك الأمم بسبب الظلم أن الظلم كالنار يحس بوطأتها المظلومون، فإذا شاع الظلم وغارت معاني العدل كثر المظلومون الذين لا يرَون في هذا المجتمع حمايةً لهم ولا حفظًا لحقوقهم، وإنما يرون فيه هضمَ حقوقِهم، وهذا يجرهم إلى عدم الاهتمام به، وببقائه وهذا في الحقيقة يؤدي إلى دمار المجتمع وهلاكه، فالعدل والالتزام به يحمي المجتمع وهو دَعامة من الدعامات القوية التي يقوم عليها بناؤه.
أيضًا من المعالم البارزة للنظام الاجتماعي في الإسلام: العناية بالأسرة:
الأسرة هي أساس كيان المجتمع؛ لأن من مجموعها يتكون المجتمع، فهي بالنسبة له كالخلية لبدن الإنسان، ويترتب على ذلك أن الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع؛ ولهذا اعتنى النظام الاجتماعي الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة، تظهر في الأحكام الكثيرة بشأنها، وأكثر هذه الأحكام وردت بها آيات في القرآن الكريم، يتعبد المسلمون بتلاوتها في صلاتهم وفي خارج صلاتهم؛ فضلًا عن الأحاديث النبوية الكريمة الواردة في موضوع الأسرة.
وليس من شأني هنا أن أفصل القول في أحكام الأسرة، فهذا أمر يطول، ولا تتسع له دراستنا، ولا هو مطلوبنا هنا، وإنما يكفينا أن نشير إلى معالم التنظيم الإسلامي في موضوع الأسرة، وأنا أتكلم عن النظام الاجتماعي في الإسلام وهو من صميم النظام الإسلامي، وما أود أن أشير إليه هنا الزواج وإجراءاته، وحقوق الزوجة، وحقوق الزوج، وحقوق الأبوين والأولاد، كل هذه أنظمة جاء بها الإسلام، هي من أبرز معالم النظام الاجتماعي فيه.
أيضًا تحديد مركز المرأة في المجتمع مَيزة رابعة، وخاصية من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي:
فالمرأة في المجتمع حدد الإسلام لها وضعًا بتحديدٍ دقيقٍ ومفصلٍ وصريحٍ، حتى لا تدخل الأهواء في هذه المسألة الخطيرة جدًّا، وحتى تتحقق للمجتمع طهارته ونظافته، وعفته، واستقامته، وتنشأ فيه الأجيال القوية الأمينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته، ويسعد أفراده، وقد تناول
стр. 26
القرآن الكريم بآيات كثيرة شئون المرأة وتحديد مركزها الاجتماعي، وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شك أن معالجة موضوع المرأة في القرآن بآيات كثيرة وفي السنة بأحاديث كثيرة يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الموضوع.
والواقع أن حالة المرأة في المجتمع ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثرات في سَير المجتمع، وفي مدى صلاحه وفساده؛ ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألةَ المرأة كل ما تستحق من عناية وتوضيح، حتى تستبين الأمور، ويعرف الناس المسلكَ السديدَ في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح.
وأنا هنا لا أريد الإحاطة بكل جزئيات الموضوع، وإنما أود أن أذكر نقاطًا بارزةً فيه، على وجه يعطي فكرة جيدة عن مركز المرأة في المجتمع في نظر الإسلام؛ ومن ذلك:
أن المرأة تتمتع بحق الحياة؛ لأنها نفس معصومة كالرجل، ولهذا حرم الإسلام وأدَ البنات، وأوجب القصاص في قتلها عمدًا كما هو الحكم بالنسبة للرجل، والقرآن الكريم لَامَ وشنَّعَ على العرب كثيرًا، وبيَّن سوء منهجهم البشع عندما كانوا يقتلون البنت وهي حية، وهذا يبين شيئًا من مكانة المرأة في الإسلام.
وأيضًا المرأة أهل للتكريم؛ لأنها إنسان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: من الآية: ٧٠).
وأيضًا للمرأة حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة؛ لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية، فهي فيه كالرجل، ومن أسباب اكتساب الأموال الميراث، وقد أثبته الشرع الإسلامي للمرأة بعد أن حَرَمَها منه الجاهليون، قال الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء: ٧) وللمرأة إذن
стр. 27
حق التصرف في أموالها كما تشاء، دون حاجة إلى إذن أحد ما دامتْ عاقلةً رشيدةً.
والمرأة أيضًا لها حق المهر في عقد النكاح؛ قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (النساء: من الآية: ٤) قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ﴾ فإذن هذا حق من حقوقها، وحق النفقة على الزوج، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٣٣) وحق النفقة على أولادها باعتبارها أمًّا.
وللمرأة أيضًا حق تعلم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها، وبشرط الالتزام التام بالآداب الإسلامية اللازمة لها، وأعظم ما ينفعها في ذلك أن تتعلم شريعةَ الإسلام، وما فيها من حلال وحرام، وأن تتعلم كيف تربي أبناءَها، وما إلى ذلك؛ وأما العلوم الدُّنيوية المباحة فإذا شاءت المرأة أن تتعلمَ منها شيئًا فلا بأسَ، ولكن بالشرط الذي أشرت إليه سابقًا وهو الالتزام بالآداب وبالكيفية المناسبة لها، والمحافظة على عفتها وكرامتها.
كما ينبغي عليها في هذا الصدد أن تتعلم ما يلائم طبيعتها، ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الأولاد، ورعاية البيت، فتتعلم فنون الخياطة، والطبخ، وأصول تربية الأولاد، ونحو ذلك.
وأيضًا من خصائص النظام الإسلامي: تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع:
من خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع؛ بمعنى: أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع، وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية: ٢).
ومن أعظم التعاونِ التعاونُ على إصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مَطَالَبًا بإصلاح المجتمع، فمن البَديهي أنه مطالب بعدم إفساده، وعلى هذا لا يجوز إعطاء الرِّشوة
стр. 28
كما لا يجوز أخذها، ولا يجوز إعطاء الربا كما لا يجوز أخذه، جاء في الحديث: ((لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه)) وفي حديث آخر: ((الراشي والمرتشي والرائش بينهما)).
هذه هي أبرز المعالم الواضحة لخصائص النظام الاجتماعي في الإسلام.
ب- أنتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى في هذا اللقاء، وهي بعنوان: ضرورة قيام المجتمع الصالح:
وأنا أتحدث عن النظام الاجتماعي في الإسلام أدعو هنا إلى ضرورة قيام المجتمع الصالح؛ لأن المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الذي خُلق من أجله، وهو عبادة الله وحدَه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: من الآية: ٥٦) والعبادة: اسم جامع لِمَا يحبه الله تعالى من الأقوال، والأفعال، والأحوال الظاهرة والباطنة، وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعلَ المسلم أقوالَه وأفعالَه وتصرفاته وعلاقاته مع الناس على وِفق ما جاءت به الشريعة.
والمسلمُ لا يستطيع أن يصوغ حياتَه هذا الصياغة الإسلامية، إلا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه منظمًا على نحو يَسهُل عليه هذه الصياغة، أي: أن يكون مجتمعًا إسلاميًّا صحيحًا، فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعًا جاهليًّا صِرفًا، أو مجتمعًا مشوبًا بمعاني الجاهلية، فإن المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلامية المطلوبة، أو يتعذر عليه ذلك.
ولهذا يأمر الإسلام بالتحول من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، ما دام عاجزًا عن إزالة جاهليته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ٩٧).
стр. 29
ولهذا يجب على كل مسلم أن يتعهد المجتمعَ الذي يعيش فيه، وأن يزيل المنكرات حالَ ظهورها أو وقوعها، وألا يستهينَ بذلك؛ لأن المنكرات كالجراثيم التي تُؤثر في الجسد قطعًا، وإذا لم تمرض البعض فإنها تضعف مقاومته، فيسهل عليها فيما بعد التغلب عليه.
ولهذا كانت أولى مهمات الدولة الإسلامية إقامة هذا المجتمع الإسلامي الفاضل، وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: ٤١).
وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجيهم، وينجي المجتمعَ من الهلاك الجماعي، أو العقاب الجماعي، أو الضيق، والضنك، والقلق، والشر الذي يصيب المجتمع، وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التفصيل؛ لأهمية الموضوع وخطورته، فأقول:
من سنة الله تعالى: أن المجتمع الذي يشيع فيه المنكرُ، وتُنتهك فيه حرماتُ الله، وينتشر فيه الفسادُ، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتغيير، فإن الله تعالى يَعمُّهم بمِحنٍ غِلاظٍ قاسيةٍ تعم الجميعَ، وتصيب الصالح والطالح، وهذه في الحقيقة سنة مخيفة، وقانون رهيب، يدفع كل فرد لا سيما مَن كان عنده علم وفقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فورًا لتغيير المنكر؛ دفعًا للعذاب والعقاب عن نفسه، وعن مجتمعه.
والدليل على ما نقول من القرآن والسنة: قول الله تعالى في كتابه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال: ٢٥) قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في هذه الآية: "أمَرَ الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم العذاب" فمقصود الآية إذن: واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح.
стр. 30
وقد جاءت السنة النبوية بما جاء به القرآن؛ ففي (صحيح الإمام البخاري) ﵀ ﵎ عن النبي ﵌ أنه قال: ((مثلُ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها، وكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مروا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقَنا، فإن تركوهم وما أرادوا هَلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجوا جميعًا)).
في هذا الحديث دليلٌ على تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة للجماعة كلها عند ظهور المعاصي، وانتشار المنكر، وعدم التغيير، وأنه إذا لم تُغير المنكرات وترجع الأمور إلى حكم الشرع وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران ذلك البلد، ويمكن القول أيضًا: أن في هذا الحديث الشريف دلالة أخرى، وهي: أن الانحراف عن المنهج الصحيح والمسلك السديد يؤدي إلى الهلاك والضرر، ولا ينفع في دفعهما عن الجماعة كون المنحرفين حسنِ النية والقصد؛ لأن الذين أرادوا خرقَ السفينة، إنما أرادوا بخرقها عدم إيذاء مَن فوقهم، فنيتهم حسنة، ولكن لم تغنِ عنهم حسن نيتهم ومقصدهم؛ لأن فعلَهم خروجٌ على النهج السديد في معالجة ما يَهم الجميع.
وجاء عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: ((يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية: ١٠٥) وإني سمعت رسولَ الله ﵌ يقول: إن الناس إذا رأَوا الظالمَ، فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ منه)).
فهذا يدل على أن وقوع الفساد في المجتمع والسكوت عليه وعدم تغييره سببٌ للعقاب الجماعي.
ولذلك أدعو -وأنا أتحدث في هذا المكان- إلى أهمية وضرورة قيام المجتمع الصالح؛ لأن قيام المجتمع الصالح الذي يتعاون فيه الأفراد على البر والمعروف والتقوى ينجيهم جميعًا من الفوضى، ومن عذاب الاستئصال
стр. 31
والهلاك والضيق والضنك، وما إلى ذلك، ويصبح المجتمع بهذا مجتمعًا سليمًا عفيفًا طاهرًا نظيفًا نقيًّا، وهذا ما يريده الإسلام، ويدعو إليه.
وُجُوبُ الاجتماعِ على الكِتابِ والسُّنَّةِ، ونبذُ الاختلافِ والفُرْقَةِ
العنصر الثالث في هذا اللقاء بعنوان: وجوب الاجتماع على الكتاب والسنة، ونبذ الاختلاف والفرقة؛ ويشتمل على العناصر التالية:
أ- الأدلة على وجوب إتباع الكتاب والسنة:
يجب على المؤمنين أن يلتزموا بكتاب الله، وسنة النبي ﵌ وقد أمر الله في كتابه بالاجتماع على كتابه وهدي نبيه ﵌ ومن ذلك: ما جاء في قول الحق ﵎: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣).
وقد وردت آياتٌ كثيرة في كتاب الله بهذا المعنى، وهي تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم الجماعة والائتلاف، وتبين لهم أنَّ الأمةَ الإسلاميةَ أمةٌ واحدةٌ، ولا سبيلَ إلى هذا الاجتماع إلا بإقامة الدين لله وحدَه، وتوحيده، وإتباع هدي النبي ﵌ والبعد عن الشرك بكل أنواعِه وفروعِه وألوانِه، والبعد كذلك عن البدع؛ لأنه لا يوجد في الإسلام: "بِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ أو بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ" وكَيْفَ ذَلِكَ؟! والنبي ﵌ يقولُ ويخبرُ بأن: ((كل بدعة ضلالة ... )).
فالآيةُ التي معنا -وهي قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ - دعوةٌ إلى الاجتماع على كتاب الله وسنة النبي ﵌.
وقد ورد عن السلف في معنى كلمة: "الحبل" الوارد في الآية السابقة أنه هو القرآن، والإخلاص لله وحدَه، والإسلام.
وقد دلت السنة النبوية على ما دل عليه القرآن؛ ففي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﵌ قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تَعبُدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا مَن ولَّاه الله أمرَكم)).
стр. 32
ب- النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي بعنوان: الأدلةُ على ذَمِّ التفرق والاختلاف:
الجماعةُ هي الأصل، وملازمتُها هو الواجبُ والمطلوبُ، أما مفارقة الجماعة فأمر طارئ وحادث، وهو مع ذلك أمر خطير وشنيع، ويؤدي إلى الهلاك والدمار -والعياذ بالله ﵎ لأن التفرق يُضعف الأمة، ويذهب بهيبتها، ولذلك جاءت الآيات الكثيرة تحذِّر منه، وتحمل في ثناياها الوعيدَ الشديدَ لمَن ترك الجماعة وفارقها.
ومن ذلك: ما جاء في قول الله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٥: ١٠٧).
وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: "يوم تبيض وجوه أهلُ السنة، وتسود وجوه أهلُ البدعة".
ولو تأملت هذه الآيةَ مرةً أخرى، ونظرت إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ والخطابُ موجه لجماعة المؤمنين، وفيه تحذير شديد، ونهي كبير عن التفرق والاختلاف بعدَ مَا جاءنا من عند الله وبعد ما جاءتنا البينات الواضحات التي أتى بها النبي ﵌.
وقد بينت الآية أن التفرق والاختلاف مآلُ أصحابه إلى النار وبئس القرار، أما اتِّباع الكتاب والسنة فمآلُ أصحابه إلى الجنة ونعم القرار والمصير؛ والله نهى في آيات كثيرة عن التفرق -أيضًا- والاختلاف، وهذا كما جاء في قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونََ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٥٣).
ولعل الملاحظ من هذه الآية: أن الله ﵎ أفردَ الصراط هنا بالذكر، حينما ذكر الصراطَ ذكره مفردًا، قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ لأن الطريق إلى الله واحد؛
стр. 33
ولأن الصراطَ المستقيمَ صراطٌ واحد يؤدي إلى الله ﵎ وهو اتباع الكتاب والسنة؛ أما السبل الأخرى فهي سُبل منحرفة، سبلُ أهل التفرق والخلاف والشقاق -والعياذ بالله تعالى- والله قد جمع هذه السبلَ؛ لأنها كثيرة، بخلاف الصراط الواحد، ولهذا نهانَا عن سلوك صراطها، أو اتباع منهجها ومسلكها، فقال: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونََ﴾.
ويقول أيضًا : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٩) وهذه -أيضًا- آية مخيفة إذا قرأها الإنسان وتأمل معناها ووقف على حقيقة هذا المعنى، أدرك أن النبي ﵌ بريء من الذين فرقوا دينَهم، واختلفوا فيه، فخرجوا عن كتابه الله وهدي رسول الله ﵌ ولِمَا لا يتبرأ النبي ﵌ من هؤلاء ورب العزة والجلال يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: ١١٥).
وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﵌: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذ في النار)) فالنبي ﵌ هنا يبين حقيقةَ أن: ((يد الله مع الجماعة)) وأن الخارج عن الجماعة شاذٌّ: ((ومن شذ شذ في النار)).
فعلينا إذن معشر أهل الإيمان أن نقيم نظامَ اجتماعِنا على كتاب الله وهدي رسول الله ﵌ وأن ندرك أن النظام الاجتماعي في الإسلام نظامٌ فريدٌ قائمٌ على الحق، قائم على العدل، قائم على الخير؛ لأنه من عند الله ﵎ وعلى المسلمين أن يكونوا أمةً واحدةً على هذا الدين، ضمن هذا النظام الذي جاء به الإسلام من ضمن الأنظمة السديدة التي جاءت من عند الله رب العباد .
وإذا سلك المسلمون هذا الطريقَ فازوا برضوان الله ﵎ وسعدوا في دُنياهم وفي حياتهم، وأصبح مجتمعُهم مجتمعًا نظيفًا قائمًا على العفة، والكرامة، والطُّهر.
أسال الله أن يوفق المسلمين في مجتمعاتهم لكل خير، وأن يقيموا هذه المجتمعاتِ على البر والتقوى والمعروف.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.
стр. 34
الدرس: ٢ أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة .
стр. 35
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني
(أثر الإسلام على الاقتصاد وكون الإسلام عقيدة وشريعة)
١ - أثر الإسلام في الاقتصاد
تعريف الاقتصاد وأساسه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي المحاضرة الثالثة في سلسلة محاضراتنا في مادة طرق الدعوة ومَوْضُوعُ هَذَا اللقَاءِ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْعُنْوَانِ الْكَبِيرِ الَّذِي سَبَقَ أَنْ قُلْتُهُ؛ ألا وهو "الدعوة وصلتها بالحياة"، هذا هو العنوان الكبير للمحاضرات السابقة -الأولى والثانية- وهو -أيضًا- العنوان الكبير لموضوع هذا اللقاء؛ ألا وهو بعنوان "أثر الإسلام في الاقتصاد".
فمحاضرة اليوم عن أثر الإسلام في الاقتصاد، وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: تعريف الاقتصاد وأساسه، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف الاقتصاد الإسلامي: عَرَّفَ الدكتور أحمد محمد صقر الاقتصاد الإسلامي بتعريف كبيرٍ واسع، وَهُوَ دَقِيقٌ أَيْضًا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ قَالَ فِيهِ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ واستغلال الموارد الاقتصادية النادرة؛ لإنتاج أمثال ما يمكن إنتاجه من السلع والخدمات؛ لإشباع الحاجات الإنسانية من متطلباتها المادية، التي تتسم بالوَفْرَةِ والتنوع في ظل إطارٍ معينٍ من القيم الإسلامية والتقاليد والتَّطَلُّعَاتِ الْحَضَارِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ.
وهو أيضًا العلم الذي يبحث في الطريقة التي يوزع بها هذا الناتج الاقتصادي بَيْنَ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْعَمَلِيَّةِ الإِنْتَاجِيَّةِ بِصُوَرةٍ مُبَاشِرَةٍ، وغير المشتركين بصورة مباشرةٍ أيضًا، في ظل الإطار الحضاري نفسه. هذا التعريف في الحقيقة تعريف يشمل أطراف الاقتصاد الإسلامي.
النقطة التالية في هذا الموضوع، وتحت هذا العنصر بعنوان "أساس النظام الإسلامي"، النظام الإسلامي يعتمد على أساسٍ كبير، هَذَا الْأَسَاسُ هُوَ الْعَقِيدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ؛ فَالْعَقِيدَةُ الْإٍسْلَامِيَّةُ هِيَ الْأَسَاسُ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ الإِسْلَامِيّ، وهذه العقيدة تُبَيِّنُ عَلَاقَةَ الإنسان بالكون وبخالق الكون وبالغاية التي من أجلها خُلِقَ الإنسان، وتُفَصِّلُ -في الوقت ذاته- وسائل تحقيق هذه الغاية؛ فالإنسان في ضوء هذه العقيدة الحقَّةِ من مخلوقات الله، بَلْ وَمِنْ أَفْضَل تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ، وأعني بالعبادة: العبادة بمعناها الواسع، وأنه لا يبلغ الإنسان هذه الغاية إلا بالخضوع المطلق لله رب العالمين.
стр. 36
ومظهر هذا الخضوع: أن يَصُوغَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَسُلُوكَهُ وَنَشَاطَهُ، ومنه النشاط الاقتصادي على النحو الذي فصله وشرعه الله ﵎ وعلى هذا فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يعمل مع غيره من أنظمة الإسلام الأخرى؛ لتسهيل وتيسير السُّبُلِ لِلْإِنْسَانِ؛ لِبُلُوغِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا -ألا وهي عبادة الله ﵎ وحده؛ فإذا تيسرت هذه العبادة للإنسان زَكَّتْ نَفْسَهُ بِالْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ، وَصَارَ أهلًا للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة؛ فَضْلًا عَنْ ظَفَرِهِ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.
إِنَّ فِقْهَ هَذَا الْأَسَاسِ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ فِي الْإِسْلَامِ من قِبَلِ المسلم ضروريٌّ جدًّا له؛ لأنه بهذا الفقه سَيَعْرِفُ مَرْكَزَهُ الْحَقِيقِيَّ في الدنيا وعلاقته بها وَغَايَتَهُ في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفسٍ رَضِيَّةٍ جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي؛ لَأَنَّ هَذَا كُلُّهُ يَقُومُ عَلَى عَقِيدَةٍ قَامَتْ فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ، تَجْعَلُهُ يَخْضَعُ لِرَبِّ الْعِزَّةِ والجلال، ويندفع -في الوقت ذاته- لتنفيذ التنظيمات والضوابط والتقيد بما جاء من عند الله تعالى، وَبِهَذَا تَظْهَرُ ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة، ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الإنسان من أجله.
ومن معاني العقيدة الإسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي وأساسه هذه الأمور التالية:
أولًا: الاعتقاد الجازم والإيمان بأن الملك لله وحده؛ إن الكون بكل ما فيه -وبدون أي استثناء- مملوك لله تعالى على وجه الحقيقة، فلا شريك لله في ذرةٍ منه؛ لأن الله تعالى هو خالقه، وقد قال ربنا في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (المائدة: من الآية: ١٧) وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سبأ: ٢٢)
стр. 37
ومن لوازم الملك التام: التصرف التام في المملوك، ولهذا فإن لله وحده حق التصرف المطلق في جميع المخلوقات.
ثانيًا: المال مال الله، والمال: هو ما يتموله الإنسان، ويستفيد منه، ويمكن إحرازه، وكل ما تحت سلطة الإنسان هو مما أعطاه الله إياه، ومما مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى إياه، فَمَا أُعْطِيتَهُ أَنْتَ -أيها الإنسان- هُوَ من جملة ما في هذا الكون الذي هو كله بيد رب العزة والجلال، وهو كله ملك لله وَأَنَّ اللَّهَ تعالى هو مالكه على الحقيقة، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية: ٣٣) فما عندك أنت -أيها الإنسان- من مال هو في الحقيقة من الله ﵎ وهذا من لوازم -أو من مقتضيات- العقيدة التي يجب أن يفهمها الإنسان.
ثالثًا: تسخير الله تعالى مَخْلُوقَاتِهِ لِنَفْعِ الْإِنْسَانِ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى -بمحض فضله- سَخَّرَ للإنسان ما خَلَقَهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وهَيَّأَ لها سُبُلَ هَذَا الانْتِفَاعِ بِمَا أَوْدَعُهُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَقْلٍ وَجَوَارِحَ، يَسْتَطِيعُ بِهَا الاهْتِدَاءَ إِلَى سُبُلِ الانْتِفَاعِ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ قال ربنا ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: من الآية: ١٣) وقال جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: من الآية: ٢٠) وقال تعالى -ممتنًّا على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له-: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: ٢٣).
وكما أشرت؛ الملك الحقيقي لله ﵎ ومع هذا فقد أَذِنَ الله -بمحض فضله- للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه، وأضافه الله إليه، وسماه مالكًا له؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨)
стр. 38
وقال -جل ذكره-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة﴾ (الأنفال: من الآية: ٢٨) فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان إضافة ملكٍ واختصاص، وفي الحديث الشريف: ((لَا يَحِلّ مال مسلم إلا بطيبٍ من نفسه)) فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له، ومع هذا فإن الملك الحقيقي يبقى لله ﵎ لَأَنَّهُ يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيءٍ من الكون؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ لِوَحْدِهِ بِمُلْكِ شَيْءٍ.
ومعنى ذلك أن إضافة الملك للإنسان هي من قبيل الإضافة التي يمكن أن نقول عنها: إضافة مجازية. أو أن نقول بأن الإنسان فيما يملكه هو وكيل فيه عن مالكه الحقيقي. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْضَعَ فِيمَا يَمْلُكُهُ إِلَى جَمِيعِ القيود والتنظيمات التي شَرَعَهَا المالك الحقيقي -وهو الله ﵎ وأنه لا يجوز للإنسان أبدًا أن يخرج عن هذه القيود؛ فإن خرج عنها كان عاصيًا لأمر الله، واستحق العقاب المقرر في الشرع، وَقَدْ يُنْزَعُ مِنْهُ الملك نهائيًّا أو مؤقتًا -كليًّا أو جزئيًّا- وقد أدرك فقهاؤنا ﵏ ﵎ هَذِهِ الْمَعَاني، وأشار بعضهم إليها، وذلك في تفسير الله -جل ذكره-: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ (الحديد: من الآية: ٧) حيث قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله. ثم قال -رحمه الله تعالى- وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء؛ فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تُزَالَ عنكم إلى من بعدكم.
خامسًا: استعمال المال في مَرْضَاةِ اللَّهِ تعالى، وكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله؛ لتحقيق الغاية التي خُلِقَ من أجلها، وهي عبادة الله
стр. 39
تعالى؛ لِيَظْفَرَ بالحياة الطيبة في الدار الآخرة، قال الله ﵎: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية: ٧٧) وهذا لا يعني أن يَحْرِمَ الإنسان نفسه من الطيبات المباحة، أَوْ أَنْ يُرْهِقَ جسده بحرمانه مما يحتاج إليه؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: من الآية: ٣٢).
الدُّنْيَا وسيلة لا غاية، والدنيا -بكل ما فيها من متاعٍ وأموال- ليست هي الغاية للإنسان، وإنما هي وسيلة إلى الغاية التي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهِيَ إِعْدَادُ نَفْسِهِ للدَّارِ الْآخِرَةِ، وذلك لا يكون إلا بعبادة الله تعالى؛ فلا يجوز للإنسان أن ينسى هذه الغاية إذا ظَفَرَ بِوَسَائِلَ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، وَلَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا -أَوْ شَيْئًا منها- هِيَ غَايَتُهُ؛ فَمَتَاعُ الدُّنْيَا يَمِيلُ إليه المسلم كوسيلةٍ فقط تُسَهِّلُ له بلوغ الغاية التي خلق من أجلها، وينبغي أن يعلم أن سيفارق هذه الوسائل قطعًا، ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته.
إِنَّ إدراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية؛ لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإنسان؛ لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الإنسان هي التي تضبطه من داخله؛ تضبط إرادته وقصده ونظرته وميله؛ فإذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج -أي: النشاط الخارجي للإنسان- وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعاني جميعًا في آياتٍ كثيرة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: من الآية: ٧) وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٦).
وبالتالي نَعْرِفُ أَنَّ الْعَقِيدَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ أَسَاسُ النظام الإسلامي، بهذا الفهم الذي ذكرته الآن، وهو أن المال مال الله ﵎ وأن العبد
стр. 40
مستخلف في هذا المال، وأن الله هو الذي تفضل عليه وسخر له المال وسخر مخلوقاته؛ كي ينتفع بها الإنسان، وبالتالي على الإنسان أن يستخدم المال في مرضاة الله، وأن يجعل الدنيا وسيلة لا غاية، حتى يصل إلى الغاية المطلوبة، ألا وهي رضوان الله وعندئذٍ يتمتع بجنات الخلد التي أعدها الله ﵎ لعباده المتقين.
خصائص النظام الاقتصادي
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان "خَصَائِصُ النِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ وَمَبَادِئُهُ" وَهَذَا الْعُنْصُرُ يَشْتَمِلُ عَلَى النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
أ- خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: الْمُطَّلِعُ عَلَى نِظَامِ الاقْتِصَادِ فِي الْإِسْلَامِ يَجِدُهُ نِظَامًا فَرِيدًا بَيْنَ النُّظُمِ الاقْتِصَادِيَّةِ، وهناك مبادئ مهمة كثيرة، وخصائص فريدة بهذا النظام، يحسن ذكرها هنا، وهي: أنه نظام مستقل هذا النظام -أعني: النظام الاقتصادي في الإسلام- نظام مستقل عن غيره من النظم، ولا يمكن بحالٍ أن يوصف بوصفٍ غير الإسلام.
وقد أخطأ الذين حاولوا ربط هذا النظام بواحدٍ من النظم الاقتصادية السائدة -كالرأسمالية والاشتراكية- لأن النظام الاقتصادي يختلف عن غيره في الأهداف والوسائل والتشريعات، واللقاء بينه وبين غيره من النظم في بعض الجزئيات لا يجعل منه نظامًا اشتراكيًّا أو رأس ماليٍّ كما يزعم بعض الذين ينظرون إلى ظاهر الأمور نظرةً جزئية سطحية، ويجب أن يُعْلَمَ أن نظامنا الاقتصادي جزء من كل؛ فالاقتصاد في الإسلام يرتبط مع عقيدة الإسلام وخلق الإسلام وتشريعات الإسلام الأخرى، ولا يمكن أن نقيم نظام الإسلام الاقتصادي بعيدًا عن أنظمة الإسلام الأخرى؛ لأن هذا النظام لا يؤدي دوره الأداء الصحيح في إصلاح الجانب المالي عند الأمة ما لم يعمل الإسلام عمله في
следующие страницы →