Полный текст (490 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ومظهر هذا الخضوع: أن يَصُوغَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَسُلُوكَهُ وَنَشَاطَهُ، ومنه النشاط الاقتصادي على النحو الذي فصله وشرعه الله ﵎ وعلى هذا فإن النظام الاقتصادي في الإسلام يعمل مع غيره من أنظمة الإسلام الأخرى؛ لتسهيل وتيسير السُّبُلِ لِلْإِنْسَانِ؛ لِبُلُوغِ الْغَايَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا -ألا وهي عبادة الله ﵎ وحده؛ فإذا تيسرت هذه العبادة للإنسان زَكَّتْ نَفْسَهُ بِالْقَدْرِ الْمَطْلُوبِ، وَصَارَ أهلًا للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة؛ فَضْلًا عَنْ ظَفَرِهِ بِالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.
إِنَّ فِقْهَ هَذَا الْأَسَاسِ لِلنِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ فِي الْإِسْلَامِ من قِبَلِ المسلم ضروريٌّ جدًّا له؛ لأنه بهذا الفقه سَيَعْرِفُ مَرْكَزَهُ الْحَقِيقِيَّ في الدنيا وعلاقته بها وَغَايَتَهُ في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفسٍ رَضِيَّةٍ جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الإسلامي في مجال النشاط الاقتصادي؛ لَأَنَّ هَذَا كُلُّهُ يَقُومُ عَلَى عَقِيدَةٍ قَامَتْ فِي ذَاتِ الْإِنْسَانِ، تَجْعَلُهُ يَخْضَعُ لِرَبِّ الْعِزَّةِ والجلال، ويندفع -في الوقت ذاته- لتنفيذ التنظيمات والضوابط والتقيد بما جاء من عند الله تعالى، وَبِهَذَا تَظْهَرُ ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة، ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الإنسان من أجله.
ومن معاني العقيدة الإسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي وأساسه هذه الأمور التالية:
أولًا: الاعتقاد الجازم والإيمان بأن الملك لله وحده؛ إن الكون بكل ما فيه -وبدون أي استثناء- مملوك لله تعالى على وجه الحقيقة، فلا شريك لله في ذرةٍ منه؛ لأن الله تعالى هو خالقه، وقد قال ربنا في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (المائدة: من الآية: ١٧) وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (سبأ: ٢٢)
стр. 37
ومن لوازم الملك التام: التصرف التام في المملوك، ولهذا فإن لله وحده حق التصرف المطلق في جميع المخلوقات.
ثانيًا: المال مال الله، والمال: هو ما يتموله الإنسان، ويستفيد منه، ويمكن إحرازه، وكل ما تحت سلطة الإنسان هو مما أعطاه الله إياه، ومما مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعَالَى إياه، فَمَا أُعْطِيتَهُ أَنْتَ -أيها الإنسان- هُوَ من جملة ما في هذا الكون الذي هو كله بيد رب العزة والجلال، وهو كله ملك لله وَأَنَّ اللَّهَ تعالى هو مالكه على الحقيقة، ولذلك أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: من الآية: ٣٣) فما عندك أنت -أيها الإنسان- من مال هو في الحقيقة من الله ﵎ وهذا من لوازم -أو من مقتضيات- العقيدة التي يجب أن يفهمها الإنسان.
ثالثًا: تسخير الله تعالى مَخْلُوقَاتِهِ لِنَفْعِ الْإِنْسَانِ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى -بمحض فضله- سَخَّرَ للإنسان ما خَلَقَهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وهَيَّأَ لها سُبُلَ هَذَا الانْتِفَاعِ بِمَا أَوْدَعُهُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَقْلٍ وَجَوَارِحَ، يَسْتَطِيعُ بِهَا الاهْتِدَاءَ إِلَى سُبُلِ الانْتِفَاعِ بِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى؛ قال ربنا ﵎: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: من الآية: ١٣) وقال جل ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: من الآية: ٢٠) وقال تعالى -ممتنًّا على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له-: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (الملك: ٢٣).
وكما أشرت؛ الملك الحقيقي لله ﵎ ومع هذا فقد أَذِنَ الله -بمحض فضله- للإنسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه، وأضافه الله إليه، وسماه مالكًا له؛ كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ١٨٨)
стр. 38
وقال -جل ذكره-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة﴾ (الأنفال: من الآية: ٢٨) فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للإنسان إضافة ملكٍ واختصاص، وفي الحديث الشريف: ((لَا يَحِلّ مال مسلم إلا بطيبٍ من نفسه)) فهذا الحديث الشريف يضيف المال للإنسان على وجه الملك له، ومع هذا فإن الملك الحقيقي يبقى لله ﵎ لَأَنَّهُ يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيءٍ من الكون؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَأْثِرَ لِوَحْدِهِ بِمُلْكِ شَيْءٍ.
ومعنى ذلك أن إضافة الملك للإنسان هي من قبيل الإضافة التي يمكن أن نقول عنها: إضافة مجازية. أو أن نقول بأن الإنسان فيما يملكه هو وكيل فيه عن مالكه الحقيقي. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَخْضَعَ فِيمَا يَمْلُكُهُ إِلَى جَمِيعِ القيود والتنظيمات التي شَرَعَهَا المالك الحقيقي -وهو الله ﵎ وأنه لا يجوز للإنسان أبدًا أن يخرج عن هذه القيود؛ فإن خرج عنها كان عاصيًا لأمر الله، واستحق العقاب المقرر في الشرع، وَقَدْ يُنْزَعُ مِنْهُ الملك نهائيًّا أو مؤقتًا -كليًّا أو جزئيًّا- وقد أدرك فقهاؤنا ﵏ ﵎ هَذِهِ الْمَعَاني، وأشار بعضهم إليها، وذلك في تفسير الله -جل ذكره-: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيه﴾ (الحديد: من الآية: ٧) حيث قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- في تفسيره: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله. ثم قال -رحمه الله تعالى- وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء؛ فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تُزَالَ عنكم إلى من بعدكم.
خامسًا: استعمال المال في مَرْضَاةِ اللَّهِ تعالى، وكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله؛ لتحقيق الغاية التي خُلِقَ من أجلها، وهي عبادة الله
стр. 39
تعالى؛ لِيَظْفَرَ بالحياة الطيبة في الدار الآخرة، قال الله ﵎: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ (القصص: من الآية: ٧٧) وهذا لا يعني أن يَحْرِمَ الإنسان نفسه من الطيبات المباحة، أَوْ أَنْ يُرْهِقَ جسده بحرمانه مما يحتاج إليه؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: من الآية: ٣٢).
الدُّنْيَا وسيلة لا غاية، والدنيا -بكل ما فيها من متاعٍ وأموال- ليست هي الغاية للإنسان، وإنما هي وسيلة إلى الغاية التي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهِيَ إِعْدَادُ نَفْسِهِ للدَّارِ الْآخِرَةِ، وذلك لا يكون إلا بعبادة الله تعالى؛ فلا يجوز للإنسان أن ينسى هذه الغاية إذا ظَفَرَ بِوَسَائِلَ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، وَلَا يَجْعَلُ الدُّنْيَا -أَوْ شَيْئًا منها- هِيَ غَايَتُهُ؛ فَمَتَاعُ الدُّنْيَا يَمِيلُ إليه المسلم كوسيلةٍ فقط تُسَهِّلُ له بلوغ الغاية التي خلق من أجلها، وينبغي أن يعلم أن سيفارق هذه الوسائل قطعًا، ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته.
إِنَّ إدراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية؛ لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإنسان؛ لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الإنسان هي التي تضبطه من داخله؛ تضبط إرادته وقصده ونظرته وميله؛ فإذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج -أي: النشاط الخارجي للإنسان- وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعاني جميعًا في آياتٍ كثيرة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: من الآية: ٧) وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٦).
وبالتالي نَعْرِفُ أَنَّ الْعَقِيدَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ أَسَاسُ النظام الإسلامي، بهذا الفهم الذي ذكرته الآن، وهو أن المال مال الله ﵎ وأن العبد
стр. 40
مستخلف في هذا المال، وأن الله هو الذي تفضل عليه وسخر له المال وسخر مخلوقاته؛ كي ينتفع بها الإنسان، وبالتالي على الإنسان أن يستخدم المال في مرضاة الله، وأن يجعل الدنيا وسيلة لا غاية، حتى يصل إلى الغاية المطلوبة، ألا وهي رضوان الله وعندئذٍ يتمتع بجنات الخلد التي أعدها الله ﵎ لعباده المتقين.
خصائص النظام الاقتصادي
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان "خَصَائِصُ النِّظَامِ الاقْتِصَادِيِّ وَمَبَادِئُهُ" وَهَذَا الْعُنْصُرُ يَشْتَمِلُ عَلَى النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
أ- خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي: الْمُطَّلِعُ عَلَى نِظَامِ الاقْتِصَادِ فِي الْإِسْلَامِ يَجِدُهُ نِظَامًا فَرِيدًا بَيْنَ النُّظُمِ الاقْتِصَادِيَّةِ، وهناك مبادئ مهمة كثيرة، وخصائص فريدة بهذا النظام، يحسن ذكرها هنا، وهي: أنه نظام مستقل هذا النظام -أعني: النظام الاقتصادي في الإسلام- نظام مستقل عن غيره من النظم، ولا يمكن بحالٍ أن يوصف بوصفٍ غير الإسلام.
وقد أخطأ الذين حاولوا ربط هذا النظام بواحدٍ من النظم الاقتصادية السائدة -كالرأسمالية والاشتراكية- لأن النظام الاقتصادي يختلف عن غيره في الأهداف والوسائل والتشريعات، واللقاء بينه وبين غيره من النظم في بعض الجزئيات لا يجعل منه نظامًا اشتراكيًّا أو رأس ماليٍّ كما يزعم بعض الذين ينظرون إلى ظاهر الأمور نظرةً جزئية سطحية، ويجب أن يُعْلَمَ أن نظامنا الاقتصادي جزء من كل؛ فالاقتصاد في الإسلام يرتبط مع عقيدة الإسلام وخلق الإسلام وتشريعات الإسلام الأخرى، ولا يمكن أن نقيم نظام الإسلام الاقتصادي بعيدًا عن أنظمة الإسلام الأخرى؛ لأن هذا النظام لا يؤدي دوره الأداء الصحيح في إصلاح الجانب المالي عند الأمة ما لم يعمل الإسلام عمله في
стр. 41
إصلاح النفوس، وغرس القيم الفاضلة فيها، وإحاطة المجتمع بسوره الأخلاقي الذي يحكم مسيرة الفرد والمجتمع.
الخاصية الثانية -من خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام-: أنه نظام فطري؛ عندما يتعامل الفرد وفق نظام الإسلام يجد هذا النظام قريبًا إلى فطرته، فلا تجد صدودًا عن التعامل به، فَالْإِنْسَانُ مَفْطُورٌ عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ، وَالْإِسْلَامِ يُبِيحُ الْمِلْكِيَّةَ فِي أَوْسَعِ صوَرِهَا، وكل ما يفعله هو تقييدها بقيود؛ حتى لا تضر الفرد والمجتمع، وكذلك يبيح الإسلام له من العمل ما لا يضر بنفسه أو بغيره من الأفراد أو من المجتمعات، وأنت إذا نظرت في النظام الشيوعي وَجَدْتَهُ نِظَامًا يُصَادِمُ الفطرة الإنسانية؛ حيث يمنع أصحابه من ملكية وسائل الإنتاج، ويحول الشعب إلى عمالٍ عند الدولة، وفي سبيل تحقيق هذا المبدأ استولى على الأراضي والمصانع والمنشآت.
وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مَفْطُورًا عَلَى حُبِّ التَّمَلُّكِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ هُنَاكَ ثَارُوا، فَسَالَتْ دِمَاؤُهُمْ أَنْهَارًا؛ لقد قتل الشيوعيُّونَ في روسيا أكثر من ثلاثين مليونًا من البشر، هذا عدا الذين سَجَنُوهُمْ أو نَفَوْهُمْ، ويصادم النظام الشيوعي الفطرة الإنسانية من جانبٍ آخر؛ فهو يطالب كل عاملٍ في الدولة أن يبذل كل ما يستطيع في سبيل تحقيق الغاية من العمل الذي يقوم به، ولكنه لا يعطيه ما يكافئ جهده، بل يعطيه من المال ما يسد حاجته، والإنسان مفطور على أن يبذل من الجهد بمقدار ما يتوقع من المكافأة؛ فإذا كانت المكافأة محدودة قل الجهد، وَدَفَعَ ذلك الْعُمَّالَ إِلَى التقاعس عن العمل، وبالتالي يقل الإنتاج، وأنت إذا نظرت في نظام الإقطاع وجدته يصادم الفطرة الإنسانية أيضًا؛ فلم يكن يسمح -ولا يمكن أن يُسْمَحَ- في ذلك النظام للإنسان أن ينتقل من مجال عملٍ إلى مجالٍ آخر، فكل عملٍ مقصور على فئةٍ معينة، وهذا يخالف الفطرة الإنسانية، فالمرء قد لا يناسبه عمل معين، ويناسبه غيره.
стр. 42
الخاصية الثالثة: الاعتدال والتوازن: إن مشكلة الأنظمة الاقتصادية التي تختلف عن الإسلام أنها ترى جانبًا واحدًا من الحقيقة، ويخفى عليها بقية الجوانب، والإسلام تَفَرَّدَ؛ لأنه من تنزيل العليم الخبير سبحانه بالرؤية الشاملة لجميع الجوانب، فجاء نظامه الاقتصادي معتدلًا متوازنًا، يتضح هذا للناظر في النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي وضع التشريعات الكثيرة لحماية حرية الملكية الفردية وحرية العمل، ولكنه أهمل إهمالًا كبيرًا رعاية حق المجتمع، فنال الأغنياء والأثرياء في تلك المجتمعات أكثر من حقهم، فَنَشَأَتْ عَنْ ذَلِكَ مَظَالِمُ كثيرة، ووقع الضرر بالآخرين.
وأنت إذا نظرت في النظام الشيوعي وجدت واضعيه يهدفون إلى تحقيق مصلحة المجتمع، وَلَكِنَّهُمْ فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ ظَلَمُوا الْفَرْدَ، وَمَنَعُوهُ مِنْ حُقُوقِهِ فِي الْمِلْكِيَّةِ وَالْعَمَلِ، وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وحده؛ ليضع نظامًا صالحًا لإقامة حياة الأفراد وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لا يُظْلَمُ فِيهِ الْفَرْدُ ولا المجتمع، وهذا ما لا نجده في النظم الأرضية البشرية.
الخاصية الرابعة: تحقيق التراحم والتعاون: إن الإسلام يقيم نظامًا اقتصاديًّا، ينسجم في مساره مع هدف الإسلام في إقامة المجتمع الإسلامي المتراحم المتعاون؛ فالتشريعات الاقتصادية الإسلامية توجه الأغنياء إلى السعي في مصالح الفقراء، وتقديم العون لهم، وسد خُلتِهِمْ، وليس لهم في ذلك مِنَّةٌ، بل هو أمر إلهي رباني، يُعَاقَبُ من حَادَ عَنْهُ؛ فالإسلام يقول لأبنائه: أنتم إخوة فيما بينكم.
ويقول لهم: المال الذي في أيديكم مال الله، وللفقراء حق في أموالكم، ويفرض في سبيل تحقيق هذا فرائض -كالزكاة والخمس من الغنيمة والخراج- ويحبب ويحث على الصدقات والإنفاق، وهذا يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعًا تسوده الألفة والمودة بين أبناء هذا
стр. 43
المجتمع، ويتحقق فيه التواصل، والتراحم، والتعاون، والبر، والمودة، وما إلى ذلك.
وأنت إذا نظرت إلى المجتمع الشيوعي تجد أن أحد أَعْمِدَتِهِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا هُوَ الصِّرَاعُ بَيْنَ طَبَقَاتِ الْمُجْتَمَعِ، هَذَا الصِّرَاعُ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى العداوة والبغضاء وسفك الدماء ونهب الأموال، ومن ينظر في حال الدول الشيوعية يعلم صدق هذا الذي نقوله.
والمجتمعات الرأسمالية لا تخلو من هذا المرض؛ فالفارق هناك بين البشر كبير؛ فئة كبيرة هي التي تملك الثروة، وبقية الأفراد لا يملكون إلا القليل، والأغنياء هناك لا شأن لهم بالفقراء؛ فالمال مالهم، ولا شأن لأحدٍ بهم، وهذا يدعو إلى قطيعة هذه المجتمعات والنفرة فيما بينهما بعكس ما جاء به الإسلام والنظام الاقتصادي.
الخاصية الخامسة -من خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام-: هو أنه نظام يقوم على أخلاق الإسلام وَقِيَمِهِ: لَقَدْ قَامَ النِّظَامُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى إِتَاحَةِ فُرَصِ الْعَمَلِ أَمَامَ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، كَمَا أَبَاحَ التَّمَلُّكَ لَهُمْ عَلَى حَدٍّ سواء، ولكنه لم يترك ذلك فوضى من غير حدودٍ ولا ضوابط؛ لقد عنى الإسلام بغرس الأخلاق الفاضلة والقيم الحميدة التي تُقِيمُ مِنَ الْإِنْسَانِ حَارِسًا عَلَى نَفْسِهِ، تَمْنَعُهُ من التصرفات الخاطئة، ولذلك تجد كثيرًا من المسلمين لا يسرقون، ولا يغشون، ولا يحتكرون، ولا يكذبون في التعامل، مع قدرتهم على هذا كله؛ لخوفهم من الله ﵎ بل ترى النوم قد جفاهم، وملأ القلق نفوسهم إذا دخل شيء من المال في حيازتهم؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوا حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ، وَلَا يَهْدَأُ لَهْمُ بَالٌ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فِيهِ، وتراهم يتخلصون منه، ويبذلونه في مصارفه الشرعية؛ إذا تبين لهم أنه لا يحل لهم.
стр. 44
ولا يكتفي الإسلام بغرس التقوى والخلق القويم في النفس الإنسانية، ولكنه أيضًا يضع الضوابط الشرعية التي تحكم التصرفات العملية، ويأمر الدولة الإسلامية أن تقوم على مراعاة هذه الضوابط والأحكام؛ فهناك مصادر للمال لا يرضاها الإسلام، ولا يجيز لأبنائه التعامل من خلالها؛ كالسرقة والغش والزنا وبيع المحرمات -كالخمر والخنزير- وأكل مال اليتيم، والغلول من الغنيمة، ونحو ذلك.
الشياطين، وانظر إلى المجتمع الرَّأْسِمَالِيِّ البعيد عن هذه الضوابط؛ كيف يقيم الصروح الضخمة التي تُدَمِّرُ القيم والأخلاق، وتؤدي إلى الظلم والاستبداد؟! فالبنوك الربوية التي تَمْحَقُ الكسب تقوم في كل مدينة وقرية، وتستخدم جيوشًا من العمال والموظفين؛ كي تُحَقِّقَ الْكَسْبَ الْحَرَامَ لِفَرِيقٍ مِنَ الْبَشَرِ، والعمارات الشاهقة ترتفع في كثيرٍ من المدن؛ لتتاجر بالأعراض وتتاجر بالأموال، والأموال هناك تُبْذَلُ بِسَخَاءٍ؛ لِإِقَامَةِ الْعُرُوضِ الْفَاجِرَةِ هُنَا وَهُنَاكَ بِاسْمِ الْفَنِّ، فَمُسَابَقَاتُ مَلِكَاتِ الْجَمَالِ والأمثال والأفلام والتمثيليات والمسارح، أغلبها تقوم على الإفساد والظلم.
وانظر إلى إسرافهم في الإنفاق، وكيف يحرقون المحاصيل؛ حتى لا ترخص الأسعار، وانظر كيف يمتصون دماء الشعوب، ويتوزعون بينهم مناطق النفوذ؟! وَكُلُّ هَذِهِ الْأَفْعَالِ إِنَّمَا صَدَرَتْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ لأنهم لا يعرفون الأخلاق، ولا يتمتعون بها، أما الإسلام جاء بتعاليم كريمةٍ شريفة عظيمة وخصائص فريدة أقام من خلالها صروح العدل والكرامة، ولذلك أقول بأن مِنَ الْخَصَائِصِ الْعَظِيمَةِ في الاقتصاد الإسلامي: أنه اقْتِصَادٌ يَقُومُ عَلَى أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ وَقِيَمِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا مَا لَا يَتَوفَّرُ فِي أَيِّ نظامٍ من الأنظمة الأخرى.
ونحن إذا نظرنا إلى ذلك علمنا فضل الإسلام ومكانة الإسلام، وأهمية الحرص على أن نأخذ جميع أنظمتنا من الإسلام الذي جاء من عند الله ﵎ وهذه مبادئ وخصائص -أيها المستمع الكريم- مهمة، يجب أن ننتبه إليها، وأن نفهمها، وأن نعرفها، وأن نتعلمها.
стр. 45
ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى في هذا العنصر، وهي بعنوان "المبادئ العامة في النظام الاقتصادي الإسلامي":
النظام الاقتصادي الإسلامي فيه جملة كبيرة من المبادئ العامة، وهي تقوم أيضًا على أساس الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَعَنْ هَذِهِ الْمَبَادِئِ تَتَفَرَّعُ جُزْئِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ وتنظيمات مختلفة، وَسَأَذْكُرُ هُنَا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- من هذه المبادئ العامة بعضها، وهي: "حرية العمل" و"حق الملكية" و"حق الإرث".
وَسَأَذْكُرُ كلامًا يَسِيرًا حَوْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ المبادئ؛ الأمر الأول -أو المبدأ الأول-: هو حرية العمل: الإسلام يحث على العمل، ويكره العجز والكسل، وأشرف الأعمال وأعظمها قدرًا عند الله ما يقرب إليه من العبادات الخالصة -كالصلاة والأعمال المباحة- إذا اقترنت بها النية الصاحية -كالزراعة والصناعة ونحو ذلك.
وَفِي بَابِ الْكَسْبِ وَالنَّشَاطِ الاقْتِصَادِيِّ يحث الإسلام على العمل، ويبارك العامل، ويثني على جهد وكسبه الحلال، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: من الآية: ١٠) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: ١٥) وفي الحديث الشريف: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَط خَيْرٌ من أن يأكل من عَمِلِ يَدِهِ)) وَالْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَبَذْلِ النَّشَاطِ الاجتماعي والاقتصادي جاء عامًّا مطلقًا، وعلى هذا فإنه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي، ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب، وذلك مثل: التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والإجارة، وسائر ما يباشره الإنسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي؛ لغرض الكسب الحلال.
وَلَا تَنْقُصُ قيمة الإنسان في نظر الإسلام بمباشرة أي عملٍ حلال -وإن عده الناس عملًا بسيطًا أو حقيرًا- لأن قيمة الإنسان في نظر الإسلام في دينه وتقواه، لا في ماله
стр. 46
وغناه، ولا في عمله ومهنته، ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة كما وجدنا بعض الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- يؤجرون أنفسهم لغيرهم؛ للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجرٍ معلوم.
والإسلام قد حث على إعانة الفقير، وَجَعَلَ الْمُعِينَ خَيْرًا من الْمُعَانِ مِنْ جِهَةِ نَوَالِ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وفي هذا يقول ﵌: ((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى)) وهذا يدعو إلى العمل وإلى الكسب المباح، وإلى أن يسعى الإنسان، وأن يبذل قصارى جهده في أن يؤمن له ولمن يعول ما يحتاجون إليه، وهذا من المبادئ العامة التي أتى بها الإسلام.
المبدأ الثاني -من هذه المبادئ-: حق الملكية الفردية؛ من الأمور الْبَدَهِيَّةِ الواضحة التي يعرفها صغار المطلعين على الشريعة الإسلامية أن الإسلام أَقَرَّ لِلْأَفْرَادِ بحق الملكية الفردية، وبهذا الإقرار أمكن للفرد أن يكون مالكًا؛ قال الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ (يس: ٧١) فأثبت الله تعالى هنا للناس الملك؛ لما خلقه الله وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٧٩) فأثبتت هذه الآية الملك للناس، وأضافت المال إليهم إضافة ملكٍ واختصاص، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: من الآية: ١٥٢) وقال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ (الليل: ١٧ - ١٨).
فهذه الآيات الكريمات وأمثالها تضيف المال للإنسان؛ مما يدل دلالة قاطعةً واضحة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، وَفِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تُقَرِّرُ هَذَا الْمَبْدَأَ، ومن ذلك ما قاله ﵌: ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ)) وقد شرعت نظم الإسلام -أو جاءت النظم في الإسلام- قائمة على هذا
стр. 47
الأساس ألا وهو الإقرار بمبدأ حق الملكية الفردية، وَمِنْ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ وَالزَّكَاةُ، وَالْمُهُورُ فِي النِّكَاحِ، والنفقات، وغير ذلك؛ إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث، ولا يمكن تحقيق فرض الزكاة.
والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرق بين مالٍ ومال؛ فسواء كان المال المملوك منقولًا أو عقارًا؛ مأكولًا أو غير مأكول؛ حيوانًا أو نباتًا؛ وسائل إنتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال -موضوع الملكية- لا يهم؛ لأن المال المضاف إلى الفرد إضافة ملكٍ واختصاص، الذي جاءت به النصوص الشرعية -وذكرنا بعضها- لم تقيد المال بصفة معينة، بل جاءت مطلقةً من كل قيد، عدا ما عُرِفَ من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء -كالخمر والخنزير- أو ما كان سبب ملكه حرامًا، وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكًا؛ كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.
وقد رَتَّبَ الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزامًا عامًّا على الكافَّةِ باحترامه -على الكافة أن يحترموه وأن لا يمسوه إلا بوجه حق- كما قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٨) وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: ٢)، وقد سبق أن ذكرت الحديث: ((لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ)) كما قرر الإسلام عقابًا لمن ينقض هذا الالتزام، ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الأمانة والنهي ونحو ذلك؛ سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدودٍ أم تعذير.
وَلَكِنَّ إقرار الإسلام -مع هذا- بحق الملكية الفردية -كَمَا ذَكَرْتُ وَأَشَرْتُ- لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد، وأن موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أن الإسلام -مع إقراره بحق الملكية وحمايته له- فَإِنَّهُ يُنَظِّمُه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته إلى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفينِ بالنسبة لحق الملكية الفردية؛ الأول: الاعتراف به والحماية له، الثاني: التقييد والتنظيم لهذا الحق، وهذا
стр. 48
التقييد يظهر في أمورٍ كثيرة جاءت بها الشريعة الإسلامية؛ فهناك وَضَعَ الإسلام أسبابًا شرعيةً للملكية -كالعمل والسعي أو الميراث أو ما إلى ذلك- أما أن يستولي الإنسان على المال الحرام، أو أن ينفق المال المباح الذي تَمَلَّكه في معصية الله ﵎ فالإسلام يمنع كل ذلك.
المبدأ الثالث -من المبادئ التي أود الحديث عنها هنا-: حق الإرث، وهو من المبادئ المقررة في الشرع الإسلامي؛ فإذا مات شخص، وترك مالًا، وورثه أقرباؤه كان -أو وجب- أن يرثه أقرباؤه على مقتضى ما جاءت به شريعة الإسلام، والإسلام قد أعطى هذه الحقوق للأقرب فالأقرب، ونال المستحقون للميراث سهامًا معينة من تركة الميت، جاء بها الإسلام، وذلك إذا تَوَفَّرَتْ شروط الميراث وأسبابه، وزالت موانعه حسب الشرع الإسلامي، وكما هو مقرر فيه.
وحق الإرث يقوم على أساسٍ من الفطرة والعدل واحترام إرادة المالك، ويدفع الإنسان إلى أن يبذل المزيد من الجهد والنشاط، وهذا النظام أيضًا يحقق ضمانًا اجتماعيًّا لأفراد الأسرة الواحدة، وَيُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.
وأود أن أشير هنا -قبل أن أنتقل من هذه المبادئ- أن هذا المبدأ -ألا وهو حق الإرث- قائم على أساسٍ من العدل؛ فإن الإنسان في حياته يعيل أولاده، ويعيل من هو مكلف بِإِعَالَتِهِمْ -كأمه وأبيه وزوجته- وقد يُلْزَمُ بهذا الإنفاق إلزامًا عن طريق القضاء إذا امتنع عنه، والغالب عدم امتناعه.
فمن العدل إذًا أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم -كأولاده- أو كانوا هم السبب في وجوده -وذلك مثل أبويه- ليستعينوا جميعًا بهذه الأموال بالإنفاق منها على أنفسهم، كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم، وهذا الحق أيضًا -ألا وهو حق الإرث- يقوم على أساس احترام إرادة المالك، وذلك أن الإنسان يرغب رغبةً أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لأقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام إرادته في هذا، وأن تُدْفَعَ أمواله إلى ورثته من بعده، وَقَدْ فَصَّلَ الشَّرْعُ الْإِسْلَامِيّ الحكيم هذا، وَبَيَّنَ حِصَصَ هَؤُلَاءِ الْأَقْرِبَاء من الميراث على نحوٍ دقيق عادل،
стр. 49
ولا شك أن المسلم يسره ويرضيه أن تصير أمواله إلى ورثته من بعده وفقًا لهذا التقسيم الشرعي العادل.
وأيضًا حق الإرث يدفع إلى أمرٍ آخر -ألا وهو بذل المزيد من النشاط والجهد- وهذا أمر واضح؛ لأن الإنسان في حياته لا يعمل لنفسه فقط، وإنما لمن يهمه شأنهم من أفراد أسرته أيضًا، فالإنسان يكد ويتعب ويجتهد في حياته ويعمل؛ ليسد حاجات أهله ومن يعول، وكما أنه يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة، فكذلك يبذل أيضًا جهدًا آخر؛ لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل؛ فإن بقي في قيد الحياة تولى الإنفاق بنفسه عليهم، وإن مات هو تولوا هم بأنفسهم الإنفاق من أمواله التي تركها لهم.
وعلى هذا فإذا مُنِعَ التَّوَارُثُ؛ فإن الإنسان تضعف همته في العمل، ويقل نشاطه الاقتصادي؛ لأنه يعلم أن ثمرة جهده لا ترجع إلى أفراد أسرته الَّذِينَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِهِمْ، ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيرًا من فتور الناس عن العمل، ومن ضعف دوافعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهدٍ ونشاطٍ اقتصادي.
ومبدأ الميراث يحقق في الحقيقة ضمانًا اجتماعيًّا داخل الأسرة؛ لما يوفره من أموالٍ تعود إلى الأحياء منهم إذا مات أحدهم، وترك مالًا؛ فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سد حاجات المحتاجين.
وكذلك الميراث أيضًا: يُفَتِّتُ الثَّرَوَاتِ، وَيَمْنَعُ مِنْ تَكْدِيسِهَ في أيدٍ قليلة؛ لأن تَرِكَةَ الإنسان بعد موته تُقَسَّمُ عَلَى عَدَدٍ غَيْرِ قَلِيلٍ من أقاربه، ولما كان الإنسان غير مخلدٍ في الدنيا، وَعُمْرُهُ فِي الْغَالِبِ قصير، لا يتجاوز بعض عشراتٍ من السنين؛ فإن الثروة التي يجمعها الإنسان في حياته لا بد أن تتفتت بعد زمنٍ قصير، وتفتيت الثروات الكبيرة مما يُرَغِّبُ فِيهِ الْإِسْلَامُ، ويسلك لتحقيقه سبلًا كثيرة هادئة مريحة، لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث؛ فتنظيم الإرث في الإسلام جاء إذًا على غايةٍ من العدل والدقة، مما لا نجد له نظيرًا مطلقًا في أي شرعٍ آخر.
стр. 50
وقد حرصت أن أُفَصِّلُ هذا، وأبينه؛ كي أرد به على من يتعرضون ويقفون أمام أنظمة الإسلام وشرائعه التي جاء بها كتاب الله، وبينها رسول الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه- وبكل ذلك يتضح لنا ويظهر أن نظام الإسلام الاقتصادي أيضًا هو الوحيد -أو هو النظام الفريد- الذي يمكن أن يلبي حاجة الأفراد وحاجة المجتمعات، وهو النظام الوحيد القادر على أن يقيم نظامًا اجتماعيًّا يَتَّسِمُ أَفْرَادُهُ فِيهِ بِالرَّاحَةِ وَالْهُدُوءِ والمودة والصلة والتراحم.
ورأس المال يوزع بينهم بطرقٍ مضبوطة، ومع هذا كله، فالإسلام يعطي لكلٍّ قيمة عمله بقدر ما يعمل ويجتهد، وَيُمَلِّكُهُ بقدر ما يكد، وينصح.
دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء، وهو بعنوان: دور الاقتصاد الإسلامي في العالم" ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- دَوْرُ الاقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ: الاقتصاد الإسلامي هو المنهج الاقتصادي الوحيد الذي يتوافر له التجاوب لدى الشعوب الإسلامية، فالعالم الإسلامي اليوم يصل إلى مِلْيَار ونصف المليار من سكان هذا الكوكب، والإسلام -إن شاء الله تعالى- فِي تَوَسُّعٍ مطَّردٍ بعيد المدى، بل الإسلام اليوم لعله يكون أكثر الأديان نموًّا، فهو من ناحيةٍ يَكْسِبُ كل يومٍ أرضًا جديدة، وقوىً مضافة على امتداد جبهة عريضة في العالم.
وَتَرْتَبِطُ هَذِهِ الْجُمُوعُ الإسلامية التي ذَكَرْتُ إلى عددها قبل قليل، ترتبط بتعاليم الإسلام؛ عقائديًّا، كما ترتبط به سياسيًّا واقتصاديًّا، ومن ثم فإن خير سبيلٍ لتحريك هذه الجموع والحصول على استجابتها السريعة يكون عن طريق الإسلام، وباسم الإسلام.
وإننا لا نذكر أن الثورة البلشيفية سَنَةَ ١٩١٧ مِيلَادِيَّة قد لقيت مقاومة شديدة في المناطق الإسلامية بالاتحاد السوفيتي، والتي تَتَرَكَّزُ فيها أغلبية مسلمة -كمناطق القوقاز، وما إلى ذلك- وأن القادة السوفيت لم يستطيعوا أن ينفذوا إلى هذه المناطق، إلا بعد أن ادعوا أنهم جاءوا لإعمال تعاليم الإسلام من حيث القضاء على الاحتكار والاستغلال، وإقامة المساواة والشورى، وبناء الاقتصاد على أساسٍ جديد، وغير ذلك من الشعارات التي رفعوها.
وبالتالي يَظْهَرُ أن الإسلام له دور كبير في المسلمين، وَيُضَافُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَسَاسَ الاقْتِصَادِ الْإِسْلَامِيّ هو الشريعة الإسلامية، وهي أحكام يؤمن المسلمون بقدسيتها وحرمتها، ووجب تنفيذها بحكم عقيدتهم الدينية، وإيمانهم أن الإسلام دين نزل من السماء على خاتم النبيين ﵌ وأنه لا يقتصر على مجرد العبادة والهداية الروحية، ولكنه -أساسًا- أُسْلُوبٌ لِلْحَياة، فيجدر بنا إذن أن نقيم اقتصادنا على أساس تعاليم الإسلام؛ لنضمن له الفاعلية وقوة التنفيذ، وهو غاية ما يتطلع إليه أَيُّ تنظيم اقتصادي ينشد النجاح والاستقرار.
ومن هنا تبرز -من زاوية أخرى- أهميةُ الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم الإسلامي، وبوصفه للمنهج الاقتصادي الذي تَرْتَبِطُ به عقائديًّا جماهير هذا العالم، وتتوافر له الفاعلية وقوة التنفيذ.
стр. 51
وثمة نقطة أخرى تُحَتِّمُ على المسئولين في العالم الإسلامي إعمال الاقتصاد الإسلامي والتزامه، وهي القضاء على هذا التمزق الذي يعاني منه أفراد الأمة الإسلامية -موزعين بين ضميرهم الديني وقوانينهم الوضعية- فهذه القوانين الوضعية تواجه نفوسًا أبيَّةً لدى المسلمين، وتؤرِّق ضمائِرَهم، وبالتالي تجعلهم قلقين متفرقين متمزقين، ولا يُلَبِّي، وَلا يَقُومُ بدورٍ حقيقيٍ لدى المسلمين إلا ما جاء به النظام الإسلامي.
ومن هنا تبرز -كما ذكرت- أهمية الاقتصاد الإسلامي، ويبرز دوره بالنسبة للعالم الإسلامي -بوصفه المنهج الاقتصادي- الذي يحقق لجماهير هذا العالم الوحدة والتناسق بين حياتهم المادية وحياتهم الروحية.
النقطة التالية تحت هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان "دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم أجمع":
стр. 52
بعد ما ذكرت دور الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم الإسلامي وأهميته، أذكر هنا أيضًا أهمية -أو دور- الاقتصاد الإسلامي بالنسبة للعالم أجمع، وقد أشرت إلى أن العالم الإسلامي يتجاذبه في ذلك اتجاهان؛ الاتجاه الرأسمالي والاتجاه الاشتراكي، ولكلٍ منهما مساوئ، وقد أشرت إلى ذلك قبل قليل، وقد أوضحت فيما مضى أن للإسلام اتجاهًا خاصًّا، وأن له سياسة اقتصادية متميزة، وهي سياسة تجمع بين المصلحتين؛ الخاصة والعامة، وكلاهما لديه أصل.
فهي لا تهدر المصلحة العامة شأن النظم الاقتصادية أو الجماعية، وإنما هي منذ البداية تعتد بالمصلحتين على درجةٍ واحدة، وتحاول دومًا التوفيق بينهما، وهي سياسة تجمع بين المصلحة المادية والحياة الروحية؛ وإذا كانت السياسة الاقتصادية الإسلامية على هذا النحو توفقُ بين كافة المصالح المتعارضة بما يحقق الصالح العام، وَتُقَدِّمُ الحل العملي للمشكلة الاقتصادية، وبالتالي لمشكلة الحرب والسلام؛ فإنه لمن الخير للبشرية كلها أن تأخذ بالإسلام، وأن تعرف دوره في ذلك، وأنه هو الوحيد الذي يلبي لها احتياجاتها، وهو الوحيد الذي يسهم في الاقتصاد وفي حل مشاكل العالم الاقتصاديَّة، ومن هنا تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي ودوره بالنسبة للعالم أجمع.
ولذلك نحن ننادي من خلال ما جاءنا من عند الله العالم كله أن يأخذوا بهذه الأنظمة والتشريعات التي جاءت من عند الله إن أردوا رفعةً ونشاطًا وحيوية وعزة وكرامةً في هذه الحياة الدنيا، قبل أن يلقوا رب العزة والجلال .
وأكتفي بهذا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
٢ - الإسلام عقيدة وشريعة
تعريف العقيدة، وأهميتها، والمناهج في إثباتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
ألتقي بكم -أيها المستمعون الكرام- في المحاضرة الرابعة، وهي بعنوان "الإسلام عقيدة وشريعة" وهذه المحاضرة تشتمل على عدة عناصر:
العنصر الأول: تعريف العقيدة وأهميتها والمناهج في إثباتها: ويشتمل على النقاط التالية:
أ- تعريف العقيدة لغة واصطلاحًا:
العقيدة في اللغة: مأخوذة من مادة "عَقَد"، أعني: من الفعل "عَقَدَ" وهذا الفعل مداره في اللغة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ (المائدة: من الآية: ٨٩) وتعقيد الأيمان إنما يكون بقصد القلب وعزمه -بخلاف لغو اليمين التي تجري على اللسان بدون قصد- والعقود هي أوثق العهود، ومنها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: من الآية: ١) وهذا في الحقيقة يبرز شيئًا من مكانة العقيدة، حينما تؤخذ من هذه المادة، ألا وهو "عَقَدَ" الدالة على اللزوم والتأكد والاستيثاق، ومعنى هذا أنها عقيدة يجب أن تكون ملازمة للإنسان، مستوثقًا منها، وأن يكون قائمًا عليها، قامت في قلبه بيقينٍ واستيثاقٍ وتأكيد.
تعريف العقيدة في الاصطلاح: العقيدة في الاصطلاح: هي الأمور التي تُصَدِّقُ بِهَا النفوس، وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينًا عند أصحابها، لا يمازجها ريب، ولا يخالطها شك، وأصول عقائد الدين التي جاءت من عند الله ﵎ حددها رسول الله ﵌ بقوله: ((الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى)).
стр. 53
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر: وهي: ب- بعنوان "أهمية العقيدة":
لا شك أن العقيدة لها أهمية عظيمة في حياة الإنسان؛ بل في حياة البشرية جمعاء، ويدلنا على ذلك أمور كثيرة، يمكننا أن نوجزها في النقاط التالية:
العقائد: هي الركائز والأسس التي تقوم عليها المبادئ والشرائع، فالبشر أسرى المعتقدات والأفكار؛ فالذين يعتقدون أن الله هو ربهم ومعبودهم، وأن مصيرهم إليه، وأن الدنيا معبر وطريق، يقيمون حياتهم وفق شريعة الله؛ بحيث تهيمن هذه الشريعة على تصرفاتهم وأعمالهم، والذين كفروا بالله، وقالوا بأزلية المادة، أقاموا حياتهم وِفْقَ مُعْتَقَدَاتِهِم، وعملوا لهذه الحياة، وقد قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾.
والذين أَلَّهُوا الأبقار، فَضَّلُوهَا عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَقَدَّمُوا لَهَا الْقَرَابِينَ وَالنذور، وَحَرَّمُوا ذبحها، وأهلكوا أنفسهم في سبيل تقديسها، وقل مثل ذلك في الذين عَبَدُوا النيران والأشجار والأحجار والشمس والقمر، والعقائد في الحقيقة تظهر أهميتها في أنها تستولي على أنفس أصحابها، وتدفعهم لبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل تحقيق ما يعتقدونه، وهم راضون مطمئنون، وهذا يفسر لنا السر في انْتِصَارِ أَصْحَابِ الْعَقَائِدِ، وَعَدَمِ تَنَازُلِهِمْ عَنْ مَبْدَئِهِمْ، على الرغم من الآلام والمصائب التي تعترض طريقهم، وَضَلَالُ الْإِنْسَانِ في معتقده يجر عليه البلاء، ويضل عمله وسعيه، واعتبر في هذا بالذين قدسوا الأصنام؛ كيف أهانوا أنفسهم؟ وكيف ضيعوا أموالهم؟ وكيف سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ عندما حاربهم المسلمون؟ وعندما يقومون لمحاربة دين الله ﵎ فيخسرون بذلك أنفسهم وأهليهم، وفي النهاية يخلدون في النار وبئس المصير.
وأعظم خلافٍ حصل على مدار التاريخ: هو الاختلاف حول قضايا الاعتقاد، ولذلك كانت أعظم مهمات الرسل تصحيح عقائد البشر الزائفة؛ لأن الناس قد عبدوا على مدار التاريخ الأصنام والأوثان والقبور، والله أرسل الأنبياء والمرسلين؛ كَيْ يَرُدُّوا النَّاسَ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمْ الْحَقّ؛ فَنُوح ﵇ نَهَى قومه
стр. 54
عن عبادة الأصنام والأوثان فلم يستجيبوا: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ (نوح: ٢٣)، وإبراهيم ﵇ قال لقومه -مناقشًا إياهم فيما يعبدون-: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (الشعراء: ٧٢ - ٧٤) وقال القرآن للعرب -منكرًا عليهم-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم: ١٩ - ٢٢)، ونسب الضَّالُّونَ الولد إلى الله: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية: ٣٠) والنصاري زعموا في عيسى ما زعموه: ﴿وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (التوبة: من الآية: ٣٠).
ولقد ذكر الله معتقدهم الآثم في أكثر من آية من كتابه، والعرب زعموا أن الملائكة إناث: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ (الزخرف: من الآية: ١٩) وذلك ولا شك إفك كبير: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ (الصافات: ١٤٩ - ١٥٦).
واختلف البشر في صفات ربهم، وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الْقَبَائِحَ، فَالْيَهُودُ -عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ تَتْرَى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ- قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيام، وتَعِبَ في اليوم السابع واستراح، فأكذبهم الحق في مقالتهم أنه تعب وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (ق: ٣٨) ومن افتراءاتهم على الله قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: من الآية: ٦٤) وهذه الخلافات العقائدية تسبب اختلافًا بين الأمم، بل بين أبناء الأمة الواحدة؛ فيتعادون، ويتباغضون، ثم يتقاتلون، ويتناحرون، وما خبر الحروب الدينية التي
стр. 55
قامت بين النصارى عنا ببعيد، وقد أهلكت الحرث والنسل، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (المائدة: من الآية: ١٤).
أما العقيدة الصافية المستقيمة: فإنها تجلب المودة والمحبة بين البشر؛ قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: من الآية: ١٠٣) والعقيدة التي جاء بها الرسل ضرورية للبشر ضرورة الماء والهواء؛ لَأَنَّهَا تُحَرِّرُ الْعَقْلَ مِنَ الْخُرَافَةِ، وَتُفَسِّرُ لِلْإِنْسَانِ لُغْزَ الْحَيَاةِ، وَتَدُلُّه على مصدر وجوده، ومصدر وجود الكون، كَمَا تُعَرِّفُهُ العلاقة التي بينه وبين الله، وبينه وبين الكون وتحدثه عن العوالم الأخرى التي هي من عالم الغيب، وَتُبَصِّرُهُ بِمَصِيرِهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْإِجَابَةِ الشَّافِيَةَ عن هذه القضايا؛ فإنه سيبقى متعبًا قلقًا حائرًا.
والذي ينظر في حال الفلاسفة والمفكرين الذين لم يهتدوا بهدي الله سيشعر بمدى التعب النفسي والإرهاق الفكري الذي عانى منه هؤلاء الرجال جميعًا، وبالتالي فالعقيدة الإسلامية مهمة في حياة الإنسان؛ بها يصلح الإنسان، وتصلح حياته، وتصلح، وتستقيم نظرته في هذه الحياة الدنيا، فيعبد ربًّا واحدًا، ويتوجه إلى إلهٍ واحد، ويعرف أنه خُلِقَ لغاية كريمة، وأن مراده ونهايته إلى رب العزة والجلال -سبحانه- فلا يعيش إلا لله، ولا يصرف همه إلا في مرضاة الله ﵎.
النقطة الثالثة تحت هذا العنصر بعنوان "المناهج في إثبات العقائد": هناك منهجان لمعرفة قضايا الاعتقاد، وانْتَبِهُوا غَايَةَ الانْتِبَاهِ لهذا، الأول: منهج الرسل، وَهَذَا الْمَنْهَجُ يَقِفُ الْعَقْلُ الْإِنْسَانِيُّ فِيهِ عِنْدَ حَدِّ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ ﵎ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَلَقَّى عَنِ اللَّهِ عَقِيدَتَهُ فِي اللَّهِ وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر.
стр. 56
والعقل الإنساني هنا يتدبر وحي الله ويفقهه، ولا يخوض في هذه القضايا بعيدًا عما أوحى الله إليه، وعلى المسلم في هذه الحال أن يتأكد من صدق نسبة النصوص إلى الرسول ﵌ لَأَنّ هذه النصوص -إن كانت صادقة- وجب عليه أن يترك رأيه وهواه، وَيُحَكِّمُ مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ، وهذا المنهج يمكن أن نطلق عليه "المنهج الإيماني القرآني النبوي"، وعمدة هذا المنهج: الأخذ بنصوص الكتاب وصحيح حديث رسول الله ﵌ في مسائل الاعتقاد.
المنهج الثاني: منهج الفلاسفة الذين رفضوا الاحتكام إلى الشرع، وأصروا على أن يضربوا في بَيْدَاءَ شَاسِعَةٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، لَقَدْ غَفَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخُوضَ فِي هَذِهِ الْمَيَادِينِ بنفسه؛ لأنها قضايا غيبية، لا تدخل في نطاق قدرات العقول البشرية.
ولذلك فإن الفلاسفة كانوا أعدى أعداء الرسل، وَقَدْ تَأَثَّرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ بِهُؤَلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ، فاحتكموا إلى الموازين والمقاييس العقلية التي أخذوها من أولئك الْفَلَاسَفَةِ، وَعَارَضُوا بِهَا الشَّرْعَ، وَحَكَّمُوهَا فِي الشَّرْعِ، وردوا بها كثيرًا من الأحكام الشرعية بحجة: أن الأدلة العقلية يقينية، والأدلة الشرعية كثير منها ظنيّ الثبوت، ظني الدلالة، أو ظني الثبوت، وإن كان قطعيَّ الدلالة، أو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت.
فَرَدَّ هَؤُلَاءِ أَحَادِيثَ الْآحَادِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَمُنْهُمْ مَنْ رَدَّهَا فِي الْعَقِيدَةِ وَالْأَحْكَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَأْخُذْ بنصوص الكتاب؛ لِكَوْنِهَا ظَنِّيَّةَ الدلالة، ويمكننا أن نسمي هذا المذهب "المذهب الفلسفية الكلامي"، وهذا فريق من الناس أكثر الناس اختلافًا وتناقضًا، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ الْجَهَابِذَةُ مِنْ مَغَبَّة السَّيْرِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَبَعْضُ سَالِكِيهِ تَرَاجَعَ عَنْه جزئيًّا أو كليًّا بعد أن عرفوا ما فيه من اعوجاج، والطريق الأول: طريق الرسل، وهو طريق سهل قصير مأمون العواقب.
стр. 57
أما هذا فإن سالكيه لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ إلا بعد أن يقتحموا لُجَّةَ البحر الخضم؛ فِمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الشَّكَ أولًا، ومنهم من أوجب النظر، أو القصد إلى النظر، ومنهم الذين نَادَوْا بتعلم الرياضيات، والطبيعيات، ومنهم من قال: نبدأ بالمنطق ثم الطبيعيات والرياضيات، وهي علوم لا يتقنها إلا الخاصة؛ فكيف يتيسر لعوام الناس تعلمها؟
إن الوحي عندنا أساس، والعلم السماوي هو نور العقل، والعلم السماوي يعرفنا بربنا وأنفسنا والكون من حولنا، ولسنا بحاجة إلى مقاييس الفلاسفة وموازين المتكلمين.
قيل لابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: كَيْفَ عَرَفْتَ ربك؟ قال: "عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي" وصدق والله؛ اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا.
وإذا كان العقل يستضيء بنور الوحي؛ فإن الوحي السماوي قد حَوَى الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ الْبَاهِرَةَ، وَأَلْزَمَ الْعَقْلَ بِالنَّظَرِ فِي مَلَكُوت السَّمَوَاتِ والأرض، والتفكير في ذلك في قدرة العقل ومؤنته، وهذا التفكر يؤكد الإيمان ويقويه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩٠ - ١٩١).
أنتقل بعد ذلك إلى النقطة الرابعة وهي:
د- تحت هذا العنصر، وهي بعنوان: "ملاحظات مهمة في المسائل الاعتقادية":
طالما أنني أتحدث هنا عن العقيدة، وَأُبَيِّنُ أَنَّ الْإِسْلَامَ عَقِيدَةٌ وَشَرِيعَةٌ، لا بد أن أتحدث عن العقيدة هنا بشيءٍ من التفصيل؛ فبعد أن بَيَّنْتُ أن المنهج الصحيح الصواب في المسلك الذي يجب أن يَسْلُكَهُ الإنسان هو أن يلتزم بنصوص الكتاب والسنة، وهو مذهب الأنبياء والمرسلين، أود في هذه النقطة أيضًا أن أعطي بعض الملاحظات المهمة التي تتعلق بالمسائل الاعتقادية، وهذه الملاحظات هي كما يلي:
стр. 58
الأول: أنها عقيدة غيبية، وَلَيْسَتْ أُمُورًا مَحْسُوسَةٌ؛ فالله غيب، وكذلك الملائكة، واليوم الآخر، والقدر؛ أما الرسل والكتب فالإيمان بها إنما يكون بالتصديق بنسبتها إلى الله تعالى -أي: أن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب- فهذا غيب، وهناك قضايا هامة أُلْحِقَتْ بِمَسَائِلِ الاعْتِقَاد، وبُحِثَتْ فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ لِأَهَمِّيَّتِهَا، وأمور الإيمان بصورة عامة التي جاءت من عند الله ﵎ كلها أمور غيبية -أعني بذلك: مسائل الإيمان وأركان الإيمان- فالله غيب، والملائكة كذلك، والأنبياء، والمرسلون، واليوم الآخر، والقدر؛ خيره وشره، كل ذلك أركان الإيمان، وهي مسائل غيبية، وهي سمة من سمات هذا الدين.
الثاني من هذه الملاحظات: أن نعرف أن مصدر هذا الغيب هو الوحي السماوي الصادق؛ فالغيب مصدره من رب العزة والجلال ونحن إذا عَلِمْنَا شيئًا من الأمور المستقبلية، أو علم الله بَعْضَ أَنْبِيَائِهِ شيئًا من ذلك، فإنما هذا من الله وحده، وعلم الغيب عند الله وحده دون سواه، قال جل ذكره: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (البقرة: ١ - ٣).
فالإيمان بالغيب أمارة من أمارات الإيمان، بل هي صفة من الصفات الجليلة للمؤمنين، وطالما أنهم يؤمنون بالغيب دَلَّ ذَلِكَ على أنهم لا يعلمونَهُ، ويصدقون به، وأن مصدره هو رَبُّ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ والإيمان بالغيب يقابله: عدم التصديق إلا بالمحسوس -كما هي نظرية الشيوعيين- وقد باء هؤلاء بالخسران لما لم يؤمنوا برب العزة والجلال سبحانه؛ لأنهم لا يشاهدونه، وهذا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عُقُولِهِمْ وَفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
الْمُلَاحَظَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَاتِ: أَنَّ مَسَائِلَ الْعَقَائِدِ يَقِينٌ، وَلَا تَصِحُّ الْعَقِيدَةُ مَعَ الشَّكِّ؛ فالشك ينافي الاعتقاد الصحيح، قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: من الآية: ١٥) وهذا في الحقيقة مدح لهذا الإيمان، مدح لهم؛ لأنهم
стр. 59
آمنوا دون ارتياب، آمنوا بيقين واعتقادٍ سليم، بخلاف حال الذين ذَمَّهُمُ اللَّهُ لِرَيْبِهِمْ وَشَكِّهِمْ، فقال عنهم: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.
الملاحظة الرابعة: العقيدة في الإسلام وحدة متشابكة مترابطة؛ إذا هُدِمَ أصل من أصولها خرج صاحبها من دائرة الإسلام، فالذي يكفر باليوم الآخر أو الجنة أو النار، أو يُكَذِّبُ الرسلَ أو واحدًا منهم، أو يكذب بالملائكة أو بواحدٍ منهم، أو بشيء مما أخبر الله به فهو كافر، وإن آمن بغيره، قال تعالى: -في الذين يكفرون ببعض أصول الاعتقاد-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (النساء: ١٥٠ - ١٥١).
وقد ذَمَّ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ لِكُفْرِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ ﵌ وَفِي هَذَا يَقُولُ -جَلَّ ذكره-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمَْ﴾ (البقرة: من الآية: ٩١).
ومن هنا يظهر لنا خطأ إطلاق اسم الإيمان على الذين يؤمنون بوجود الله من الكفار، ولو لم يعبدوه ويوحدوه، ولو لم يؤمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر؛ فالإيمان بوجود الله وحده لا يكفي، ولا يُطْلَقُ على العبد هذا الاسم إلا إذا أتى بجميع أركان الإيمان؛ فَإِذَا تَرَكَ بَعْضَهَا أَوْ أَنْكَرَ وَاحِدًا مِنْهَا فَقَدْ هَدَمَ بِذَلِكَ إِيمَانَهُ؛ لَأَنَّ الْأَمْرَ -كَمَا ذَكَرْتَ- بأن الإيمان وحدة متشابكة مترابطة.
الملاحظة الخامسة: الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، وانتبه -أيها المستمع الكريم- لهذه الملاحظة الدقيقة، الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، وذلك لأن فرعون جزم بأن الآيات التي جاء بها موسى من عند الله هي من الله ﵎ ولقد ذكر الله ذلك عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: من الآية: ١٤).
стр. 60
وإبليس جازم بصدق الرسل والكتب، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْمَلُوا، ويرضوا، ويسلموا ما قُبِلَ منهم بحال؛ إذًا التصديق فقط لا يكفي وَحْدَهُ، بل لا بد من الاعتقاد الجازم من الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﵌ نبيًّا ورسولًا، ولا بد من الإعلان عن ذلك باللسان، وتصديق ذلك بالعمل -أي: أن يذعن الإنسان وينقاد لله ﵎ فما آمن أبدًا من اعتقد ورفض الخضوع والطاعة لله، كما هو حال الشياطين والمستكبرين.
الْمُلَاحَظَةُ السَّادِسَةُ: كُلُّ مَنْ أَنْكَرَ شيئًا من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة؛ فإنه كافر لا شك في كفره؛ انتبه لهذا: من أنكر شيئًا من أصول الاعتقاد أو من فروعه المعلومة من الدين بالضرورة، فهو كافر لا شك في كفره.
أما الذي يترك عملًا من الأعمال الشرعية الواجبة، أو يفعل شيئًا مما حرمه الله فإنه يكون عَاصِيًا، وَالَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي هُمُ الْخَوَارِجَ، أَمَّا مَنْهَجُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ يُعَدُّ ذنبًا ومعصية تشوه الإيمان وتنقصه، ولكنها لا تزيله وتذهبه.
ولكن الذي يكفر به الإنسان هو إنكار شيء من أصول الاعتقاد الصحيح التي جاءت في كتاب الله، أو على لسان رسول الله ﵌.
معنى الشريعة والأسس التي بنيت عليها
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: معنى الشريعة والأسس التي بُنِيَتْ عليها، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- معنى الشريعة: الشريعة: علم على جميع ما أنزله الله من أحكام، إلا أن بعض العلماء المتأخرين جعلوا الشريعة علمًا على الأحكام العملية دون غيرها.
والاصطلاح الذي وضعه العلماء للأحكام العملية: هو الفقه أو علم الفروع، وَسَنُلِمُّ إِلْمَامَةً سَرِيعَةً بِهَذَا الْعِلْمِ، وَلِذَلِكَ أَقُولُ: إن مدار الفقه في لغة العرب على الفهم والعلم، قال موسى ﵇ في دعائه لربه: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ (طه: ٢٧ - ٢٨)، وقال قوم شعيبٍ -في خطابهم لنبيهم-: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (هود: من الآية: ٩١).
стр. 61
وبعد مجيء الإسلام غَلَبَ اسْمُ الْفِقْهِ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ؛ لِسِيَادَتِهِ وَشَرَفِهِ وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريَّا، والْعُودُ عَلَى الْمِنْدِل، وَقَدْ كَانَ اسم الفقه شاملًا للدين كله؛ فالفقه: فقه الكتاب والسنة، لا فرق في ذلك بين العقائد والعبادات، والأخلاق والمعاملات والأخبار.
يقول ابن عابدين: المراد بالفقهاء: العالمون بأحكام الله تعالى؛ اعتقادًا وعملًا؛ لأن تسمية علم الفروع فقهًا حادثة، ويؤيده قول الحسن البصري: إنما الفقيه الْمُعْرِضُ عَنِ الدُّنْيَا، الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِدِينِهِ، الْمُدَاوِمُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، الْوَرِعُ الْكَافُّ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ، الْعَفِيفُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ، النَّاصِحُ لِجَمَاعَتِهِمْ.
وقد خص المتأخرون علم الفقه بفروع الدين دون أصوله -كما علمت من عبارة ابن عابدين السابقة- وقد عرفوه بقولهم: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. فالتعريف -كما ترى- قَصَرَ الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية -أي: الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ عمل، دون التي تتعلق بالاعتقاد أو الأخلاق.
وَقَدْ عَرَّفْتُ العقيدة، وَذَكَرت المناهج فيها قبل قليل، وبعض الملاحظات عليها، ونحن هنا نتكلم عن علم الشريعة الذي قصره الفقهاء على علم الفقه، ومن هنا صح أن يقال: إن الإسلام عقيدة وشريعة.
أنتقل بعد ذلك إلى نقطة:
ب- من العنصر الثاني، وهي بعنوان: "الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية":
قَامت هذه الشريعة المباركة على أسس كثيرة، استقرأها العلماء من نصوص الكتاب والسنة، وسأكتفي هنا بأبرزها وهي -كما يلي-: اليسر، ورفع الحرج، هذه الصفة بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وَكَوْنُهَا مُيَسَّرَةً، لَا حَرَجَ فِيهَا هُوَ نَتِيجَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ لِسِعَتِهَا وَكَمَالِهَا، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْمَعْلَمِ في أكثر من موضعٍ في كتابه؛ فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٥) وقال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج﴾ (المائدة: من الآية: ٦).
стр. 62
وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من الْمُحَرَّمَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ فَالَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعْمَالُ الْمَالِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أُبِيحَ لَهُ التَّيَمُّمُ، كَمَا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (المائدة: من الآية: ٦) والمريض والمسافر يباح لهما الفطر: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٨٤) وقال -في حق الذي لا يجد قوتًا حلالًا-: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (البقرة: من الآية: ١٧٣).
وقال الرسول ﵌ للمريض لما شكا له مرضه وعدم قدرته على القيام: ((صلِّ قائمًا؛ فإن لم تستطع فقاعدًا؛ فإن لم تستطع فعلى جنبك)) وَكَانَ مِنْ مَعَالِمِ الْيُسْرِ فِي هَذَا الدِّينِ الْمُبَارَكِ أَنْ أَبَاحَ اللَّهُ لَنَا الطَّيِّبَاتِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنَا طعامًا ولا شرابًا إلا إذا كان خبيثًا، وإباحة الطيبات كلها هو مقتضى رفع الله تلك الآصار التي حملتها تلك الأمم من قبلنا؛ فقد وضع الله على الذين هادوا آصارًا وأغلالًا بسبب تمردهم على ربهم، كما قال -جل ذكره-: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (النساء: ١٦٠ - ١٦١).
وقال سبحانه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (الأنعام: ١٤٦) ولكن هذه الشريعة جاءت برفع ذلك كله، وأتت باليسر ورفع الحرج؛ لقد جاء النبي الأمي ﵌ كما أخبر الله في الكتب السابقة، وفي القرآن الكريم، جاء؛ ليرفع عن البشرية الآصار والأغلال التي حملتها عبر الأمم أو عبر القرون السابقة، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٧).
стр. 63
لقد كان الوحي يتنزل، يأخذ النبي ﵌ والمؤمنين معه بمنهج اليسر، وَيُقَوِّمُ مِعْوَجَّ المسلمين في هذا الجانب ويسددهم حين يقوم الانحراف، وَقَدْ فَقِهَ الرسول ﵌ هذا المنهج الذي أراده الله بهذه الأمة، فَقَامَ عَلَى تَحْقِيقِهِ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآخَرِينَ، فَكَانَتْ حياة الرسول ﵌ يسرًا كلها؛ كيف لا؛ وقد وعده الله بأن يكون كذلك؟! ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ (الأعلى: من الآية: ٨).
إن الناظر في سيرة الرسول ﵌ يعجب لذلك اليسر الْمُدْهِشِ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُ بِهِ نَفْسَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَدَعْوَتِهِ وتعامله مع أصحابه وأعدائه: كان ﵌ يصوم من الشهر حتى يقول القائل: لا يُفْطِرُ. ويفطر من الشهر حتى يقول القائل: لا يصوم. وإذا وجد طعامًا أكل، وإذا وجد شرابًا -عسلًا أو غيره- شرب وإلا صبر.
يُدْعَى فيستجيب، ويُسْأَلُ فَيُعْطِي، في كَلَامَاتٍ قَلِيلَةٍ يُعَالِجُ أَمْرَاضًا نفسية اسْتَحْكَمَتْ فِي النفوس، وفي بساطةٍ وسهولة يقيم الحجة على الخصوم، وبالطريقة نفسها كان يقود المجتمع المسلم، ويقود الجيوش.
وكان ﵌ يَرْقُبُ صحبه الكرام؛ فإذا رأى منهم ميلًا إلى التعسير ردهم إلى التيسير، وأرشدهم إلى الأخذ بالرفق، وقد وجههم توجيهًا عامًّا إلى هذا المنهج المبارك؛ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ البخاري ومسلم: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))، ((وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ؛ فَقَالَ: مَا هَذَا الْحَبْلُ؟ قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ؛ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، فقال -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: لا، حلُّوه ليصلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ؛ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ)) وهكذا يرد الرسول ﵌ زوجته إلى اليسر إذا أتعبها طول القيام في صلاة الليل فلا حرج عليها أن تصلي قاعدة.
стр. 64
((وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى زَوْجِهِ عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ وَكَانَتْ تَذْكُرُ مِنْ عِبَادَتِهَا، وَأَنَّهَا لَا تَنَامُ الْلَيْلَ، فَرَدَّهَا الرَّسُولُ ﷺ (إِلَى الْمَنْهَجِ الوسط) قائلًا: مَهْ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ)) إن التشديد على النفوس بالعبادة والطاعة نهج أخذ به المتعبدون أنفسهم في الأمم الخالية، ولم يكن منهجًا موفقًا، ولذلك حذرنا الرسول ﷺ من سلوكه؛ ففي سنن أبي داود: ((لا تشددوا على أنفسكم فَيُشَدَّد عليكم؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالديار ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ الحديد: من الآية: ٢٧)).
الأساس الثاني -من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية-: العدل:
تتطلع الشعوب دَائِمًا إِلَى إِيجَادِ قَوَانِينَ تَتَّصِفُ بِالْعَدْلِ، وتنفي الظلم والجور، وكم يكون مصاب البشر أليمًا عندما يجدون القوانين التي يرجونها لإقرار العدل والإنصاف تُقَنِّنُ الظلم؛ بحيث يكون هو النظام الذي يحكم في رقاب العباد؛ إننا لا نريد بالعدل هنا تطبيق القاعدة القانونية، فجور القاضي وظلم الحاكم في الحكم بخلاف القانون ليس هو المراد هنا، بل المراد هو اتصاف القانون بالعدل.
إن الذين يضعون القوانين البشرية لا يمكنهم أن ينسلخوا من طبائعهم البشرية، وَلِذَلِكَ نَرَاهُمْ يَمِيلُونَ بِالْقَوَانِينِ اتِّجَاهَ الْجِهَةِ الْحَاكِمَةِ، فَتعطيها من المصالح والمنافع ما لا تعطي غيرها، وهي في هذه الحالة تقرر الظلم، وهي تعلم بذلك.
وفي بعض الأحيان تضع القوانين الظالمة بسبب جهلها بالحكم العادل الذي يجب أن تقننه، وقد حدثنا الله تعالى عن طبيعة الإنسان فقال: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (الأحزاب: من الآية: ٧٢) فواضع القوانين البشرية بشر، فيهم ظلم وجهالة، وبسبب ذلك يقررون كثيرًا من القواعد القانونية التي تتصف بالظلم.
стр. 65
القوانين الوضعية اليوم تقر الربا، وَتبيح الزنا واللواط، وتجيز شرب الخمر، وتمنع من قتل القاتل واقتصاص الإنسان ممن اعتدى عليه، ولا تزال هذه القوانين تخص بعض فئات المجتمع بحقوق دون بقية أفراد المجتمع، وفي كثيرٍ من الأحيان يغلو واضع القانون في تقرير العقوبة فيقرر العقوبة العظيمة للذنب الحقير، وقد يحكم بالعقوبة على غير من ارتكب الجرم.
أما الشريعة الإسلامية فليست من وضع البشر، بل هي من عند خالق البشر الذي يتصف بالعدل التام وبالحكمة البالغة، يقول سبحانه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا﴾ (الكهف: من الآية: ٤٩) ويقول -جل ذكره-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء: من الآية: ٤٠)، ويقول -سبحانه-: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: ١١٥) قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.
وقال ابن كثيرٍ ﵀: كل ما أخبر الله به فحق لا مِرْيَةَ فيه، ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فهو باطل؛ فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: من الآية: ١٥٧).
وإذا كان مُنَزِّلُ الشريعة مُتَّصِفًا بالعدل المطلق؛ فَإِنَّ شَرِيعَتِهِ لَا بُدَّ أن تكون كذلك متصفةً بالعدل المطلق، فالأحكام الشرعية هي العدل، والعدل: هو الشريعة الإسلامية؛ فلا تميل القواعد الإسلامية الشرعية إلى جانب الحاكم ضد مصالح المحكوم، ولا تعطي الرجال حقوقًا بحيث تظلم النساء، ولا يمكن أن تخطئ المقدار المناسب للجريمة؛ لأن واضعها يتصف بالعلم المطلق الشامل .
الأساس الثالث -من الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية-: حفظ مصالح العباد:
يقرر علماء الشريعة -بعد استقرائهم لأحكام الشريعة
стр. 66
ونصوصها- أن مقصد الشريعة الإسلامية تحقيق مصالح العباد على الوجه الأكمل؛ يقول ابن تيمية ﵀ ﵎: إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها. ويقول العز بن عبد السلام: والشريعة كلها مصالح؛ إما تدرأ مفاسد، أو تجلب مصالح.
وقد عالج الإسلام صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه -وهم النوع كله- فابتدأ الدعوة إلى إصلاح الاعتقاد الذي هو إصلاح مبدأ التفكير الإنساني الذي يسوقه إلى التفكير الحق في أحوال هذا العالم، ثم عالج الإنسان بتزكية نفسه وتصفية باطنه؛ لأن الباطن محرك الإنسان إلى الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
وقد عالج بعد ذلك إصلاح العمل، وذلك بالتشريعات التي أَنْزَلَهَا، فَتَشْرِيعُ رَبِّ الْعَالَمِينَ رَاعَى -بلا شكٍ- مصالح العباد، والعقيدة الإسلامية والتشريعات الربانية التي جاءت من عند الله ﵎ كلها لمصلحة الإنسان، فهي جاءت؛ كي ترفع بالإنسان، وترتفع به إلى مصاف الكرم والشرف والمنعة والغلبة -كما ذكرت- ثم بعد ذلك يكون مآله إلى جناتٍ ونهر.
الأساس الرابع: التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ حين تَنَزُّلِ التشريع، والتدرج في التشريع نوعان:
الأول: التدرج في تشريع جملة الأحكام، بمعنى: أنها لم تُشْرَعْ كلها مرةً واحدة، وإنما شُرِعَتْ شيئًا فشيئًا؛ ففي ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة فُرِضَتِ الصلاة، وفي السنة الأولى من الهجرة شُرِعَ الأَذَانُ والقتال، كما شرعت أحكام من النكاح -كالصداق والوليمة- وفي السنة الثانية شرع الصوم وصلاة العيدين
стр. 67
ونحر الأضاحي والزكاة، وَحُوِّلَتْ فِيهَا الْقِبْلَةُ، وأحلت الغنائم للمجاهدين، وفي السنة الثالثة كان تشريع أحكام المواريث وأحكام الطلاق، كما شرع الله قصر الصلاة في السفر وفي الخوف، وعقوبة الزنا، وأنزل الله أحكام التيمم والقذف، وكان أخيرًا فرض الحج.
وفي السنة السادسة أيضًا بَيَّنَ اللَّهُ أَحْكَامَ الصلح والإحصار، وفيها حرم الله الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، كما حَرَّمَ بعد ذلك الْحُمْر الإنسيَّة، وذلك في السنة السابعة من الهجرة النبوية، وَشَرَعَ أحكام المزارعة والمساقاة، وحد السرقة واللعان، وَمَنَعَ الكفار من دخول مكة، وفي السنة العاشرة حرم الربا تحريمًا، لا خفاء فيه.
النوع الثاني: التدرج في تشريع الحكم الواحد، فكثير من الأحكام لم تُشْرَعْ كما هي عليه الآن من أول الأمر، بل تَدَرَّجَ الشارع في شرعها، فالصلاة -مثلًا- فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ في أول الأمر، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَأُقِرَّتْ في السفر؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: ((فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثم هاجر الرسول ﵌ فَفُرِضَتْ أَرْبعًا وَتُرِكَتْ صَلَاة السفر على الفريضة الأولى)).
وَلَمْ تُبَيَّنْ أحكام الصلاة جملةً واحدة، بل فصل الله ذلك على فترات، وكذلك الزكاة والصيام والجهاد والخمر؛ لم يحرمها الله مرةً واحدة، ولكنها حُرِّمَتْ على أحوال؛ فقد بين الله أولًا إِثْمَ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَنَّ شُرْبَهَا أعظم من نفعها -إن كان فيها نفع- ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَرَّم تناولها قرب الصلاة، فلا يجوز قربان الصلاة حال السكر، ثم حرمها بعد ذلك تحريمًا قاطعًا.
وكل ذلك تدرج في الأحكام؛ حتى يقبل العباد الأحكام الشرعية، ويقبلوا عليها دون مللٍ أو تدرج، فَلَوْ حرمت الخمر في بادئ الأمر أول مرة أو مرةً واحدة ربما
стр. 68
صعب على الكثير أن يتركها، ولكن هذا التدرج كان مفيدًا للغاية، وهو سمة عظمة من سمات التشريع الإسلامي.
وهذه الأسس التي بنيت عليها الشريعة الإسلامية تجعلنا -يَا أَيُّهَا النَّاسُ- نُقْبِلُ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ وَأَنْ نَعْتَقِدَ وَنَعْلَمَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ أَمْرًا عِلْمِيًّا فَحَسْب، أَوْ عَمَلِيَّةً قَلْبِيَّةً يعتقدها الإنسان بقلبه فقط، وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ وَالْإِيْمَانُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَعَدَّى ذلك إلى عمل وشريعة لا بد أن يقوم بها الإنسان، وبهذه المناسبة أود أن أشير إلى سماحة ويسر وعدل ورحمة الشريعة الإسلامية؛ فالشريعة رحمة كلها، وعدل كلها، ومصلحة كلها.
ولو علم العالم ما في هذه الشريعة من خيرٍ ونفعٍ لهم في العاجل والآجل لأتوا إليها، ولتركوا الاحتكام إلى غيرها، ولأصبحوا جميعًا ينعمون بتحكيم شريعة الله فالله أعلم بما يصلح عباده؛ لأنه هو خالقهم، وقد أنزل عليهم ما يصلحهم، ولذلك أقول: هَلُمُّوا -معشر الناس- إلى شريعة الله ﵎.
التشريع حق لله وحده دون سواه
أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث من عناصر هذا اللقاء، وهو العنصر الأخير، وهو بعنوان "التشريع حق لله وحده دون سواه"، ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- بيان أن المشرع هو الله وحده؛ الله وحده هو الذي يحق له أن يَسُنَّ التشريعات التي يَخْضَعُ لَهَا الْعِبَادُ فِي حَيَاتِهِمُ الْخَاصَّة والعامة، وهذا الحق أمر بَدَهِيٌّ في حس المسلم وتصوره، ذلك أن هذه الأرض التي نعيش عليها جزء من مملكة الله في كونه الواسع، والعباد الذين يدبون فوقها هم من صنعة الله وتكوينه وخلقه، فهو ربهم وإلههم وسيدهم ومن حقه سبحانه أن يُشَرِّعَ لَهم، فَمَا هُمْ إلا عبيده ومماليكه.
ومن ناحية أخرى فإن تشريعه لعباده هو التشريع الذي يصلح عباده، ذلك أنه تشريع محكم كامل؛ لأنه من العليم الخبير الحكيم، فلا تشريع أحسن ولا أكمل ولا
стр. 69
أوفى من تشريع خالق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (يوسف: من الآية: ٤٠) وقال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: من الآية: ٨٨) وقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: من الآية: ٢١).
و ((لما دخل عدي بن حاتم على النبي ﵌ وهو يقرأ الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: من الآية: ٣١) قال: ما عبدناهم، فقال ﵌: ألم يحلوا لكم الحرام، فتحلوه، ويحرموا عليكم الحرام فتحرموه؟! قال: بلى. قال: فبذلك عبدتموهم)).
وقد أمر الله المؤمنين باتباع الشرع الْمُنَزَّلِ، ونهى عن إتباع الشرائع البشر المخالفة لشرع الله؛ قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣).
النقطة التالية في هذا العنصر، وهي:
ب- بعنوان "الإيمان يوجب التحاكم إلى شرع الرحمن"، وهذا يبين -أيها الأخوة الكرام يبين- ارتباط العقيدة بالشريعة، وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْه بالدين، فالدين عقيدة وشريعة، وكلاهما من عند الله .
والإيمان الحق يوجب العمل بشريعة الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ٦٠) وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥)؛ فمن شروط الإيمان أن يحتكم العبد إلى شريعة الرحمن سبحانه.
وبالتالي أقول: الإسلام عقيدة وشريعة، وكان هذا هو موضوع هذا اليوم -أو موضوع هذا اللقاء- في هذه المحاضرة، وقد بدا لي أن أقول: إننا بحاجة إلى عقيدة سليمة صحيحة، كما أشرت إليها في هذا اللقاء، ثم بعد ذلك إلى أن نأخذ بالشريعة الإسلامية، فنطبقها ونعمل بما جاء فيها، وبالتالي نكون قد طبقنا الإسلام والإيمان تطبيقًا عمليًّا، ظهر آثاره على الجوارح، وفي مجتمع الناس.
أسأل الله للجميع التوفيق والسداد، وآخر دعواي أن الحمد لله رب العالمين. وصلاة وسلامًا على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.
стр. 70
الدرس: ٣ إلمامة بأركان الإيمان .
стр. 71
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث
(إلمامة بأركان الإيمان)
١ - إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان (١)
مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان محاضرة هذا اللقاء "إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان" وهذا الموضوع موضوع مهم ومتجدد، وإن كان الطالب قد درس شيئًا من مفرداته، في علم التوحيد، إلا أنني هنا سأتناوله حسب ما جاء في توصيف، أو مفردات المقرر بذكر ملخص سريع، أو إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان، في العناصر التالية:
العنصر الأول: مذهب السلف في الإيمان، ويشتمل على النقاط التالية: النقطة الأولى: مذهب السلف في حقيقة الإيمان وأدلته:
الإيمان عند السلف: هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.
وسُئِلَ فضيل بن عياض عن الإيمان، فقال: الإيمان عندنا داخله، وخارجه الإقرار باللسان، والقبول بالقلب، والعمل به، وقال عبيد بن عمير الليثي: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل، وهذا كلام في حقيقته في غاية من الوضوح، ويوضحه أكثر -شيخ الإسلام- ابن تيمية ﵀ ﵎ فيقول: كان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه، وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى، التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول.
ومن القائلين بأن الإيمان قول وعمل، الأئمة الثلاثة؛ أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس وغيرهم، من الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وغيرهم ﵏ ﵎.
стр. 72
والأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان كثيرة جدًّا، ومنها قول الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: ١٠٦) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (آل عمران: من الآية: ٨٤) فهذه الآية بينت أن الإيمان يكون بالقول، والآية السابقة بينت أيضًا أن الإيمان يكون بالقلب.
ومن الأدلة على أن الأعمال أيضًا من الإيمان، إلى جانب اعتقاد القلب، وقول اللسان، تسمية الله ﵎ الصلاة إيمانًا، وذلك في قوله: جلا ذكره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٤٣) أي: وما كان الله ليضيع صلاتكم؛ لأن الآية نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم- وهم على الصلاة إلى بيت المقدس.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام قول الله ﵎: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ١ - ٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (العنكبوت: من الآية: ١٠) أوردهما ﵀ كدليل على أن العمل من الإيمان، وقال بعد ذلك أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار، دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأي شيء يتبع بعد كتاب الله ﵎ وسنة الرسول ﵌، ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة.
والحاصل أن أدلة السلف على أن الأعمال ركن في الإيمان، من القرآن الكريم كثيرة جدًّا، ومن أدلة السلف أيضًا على دخول الأعمال في الإيمان، ما جاء في
стр. 73
حديث وفد عبد القيس، الذي قال فيه النبي ﵌: ((أمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)) قال شارح (الطحاوية) ﵀ ﵎ بعد سوقه لهذا الحديث: ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله، بدون إيمان بالقلب، بما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب؛ فعلم أن هذه مع إيمان القلب، هو الإيمان.
وأي: دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فوق هذا الدليل، فإنه فسَّر ﷺ الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود، وبهذا يتضح أن الإيمان عند السلف، أو حقيقة الإيمان عند السلف اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وقد أيدت ذلك خاصة فيما يتعلق بالعمل، وأنه من الإيمان، بأدلة من كتاب الله، وأدلة من هدي رسول الله ﵌.
أركان الإيمان ستة: وقد جاءت مجتمعة في حديث جبريل ﵇ لما سأل جبريل النبي ﵌ عن الإيمان؟ فقال له النبي ﵌: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) هذه هي أركان الإيمان، كما صح بها الخبر عن النبي ﵌.
الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله
العنصر الثاني بعد ذلك في هذا اللقاء بعنوان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله ﵎ ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية:
أ- الإيمان بربوبية الله ﵎ الإيمان بربوبية الله معناه: أن نعتقد أن الله وحده الخالق البارئ المصور الملك المدبر المصرف المحيي المميت، والرب في لغة العرب: هو المربي، المنشأ الموجد، والآيات التي تتحدث عن خلق الله، وبديع صنعه، وتصريفه لأمور الكون كثيرة جدًّا في كتاب الله، يذكر الله بها عباده ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويوجه أنظار المشركين إليه وحده؛ لأنه المستحق لعبادته
стр. 74
دون سواه، ويفتح أبصار الجاحدين، وبصائرهم، وقد استخدم الأنبياء هذا الأسلوب في دعوة أقوامهم.
فنوح ﵇ يُذكِّرُ قومه قائلًا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (نوح: ١٥ - ٢٠) وإبراهيم يقول لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء: ٧٥ - ٨٢) فهذه الآيات التي جاءت في كتاب الله وقد ذكرها بعض الأنبياء لأممهم؛ يذكرونهم فيها بربوبية الله وأنه المصرف المدبر الخالق، المحيي المميت، وأن كل ما في هذا الكون، إنما هو بتقدير الله وإرادته، وهذا إثبات لتوحيد الربوبية.
وقد أطال القرآن في الحديث عن ربوبية الله، والاحتجاج على أهل الجاهلية، المعترفين بالربوبية، المشركين في الألوهية، يعني: أن الله كان يسوق لمشركي مكة الآيات الدالة على ربوبيته، والتي يؤمنون بها كي يلفت أنظارهم إلى أن هذا الرب المالك، المصرف المحيي المميت، هو الذي يجب أن تصرف له العبادة وحده، دون سواه. ومن هنا قال -جل ذكره-: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (النمل: ٥٩ - ٦٠).
стр. 75
ولم تزل بعض الأمم تشرك بالله في ربوبيته، مع وضوح الآيات الدالة على ربوبية الله وعظمته، فالمجوس قالوا: بربوبية النور والظلام، والصابئة قالوا: بربوبية الكواكب، وتأثيرها في العوالم، ومثل هؤلاء أولئك الذين اعتقدوا بأن الأموات يتصرفون في قبورهم في الكون، والحياة، وكل ذلك من الشرك.
النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي "ب" بعنوان: الإيمان بألوهية الله تعالى، أي: بإفراده بالعبادة؛ لأن الله وحده هو المعبود، ولا يستحق العبادة غيره، وقد جاءت الرسل؛ لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) ذلك أن الشرك في العبادة، هو جريمة البشر الكبرى، التي لم تسلم منها أمة من الأمم، وقد كانت بعض الأمم يسلمون لله بالربوبية، كالأمة العربية في الجاهلية، ولكنهم كانوا يجادلون أشد الجدال في استحقاق الله للعبادة دون سواه، ويتعجبون من دعوة الرسول ﵌ لهم إلى عبادة الله دون غيره، وكانوا يقولون -كما ذكر القرآن الكريم عنهم-: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥).
والعبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كثيرة، فدائرة العبادة واسعة رحبة، والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة.
والعبادات أنواع: فمنها عبادة القلب، ومنها عبادة اللسان، ومنها عبادة الجوارح، ومنها العبادات المالية.
فعبادة القلب: تكون بقصد الله وحده، وقصد النية له، والخوف منه ﵎ وخشيته، وحبه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا بحكمه.
وعبادة اللسان: تكون بذكر الله، وتسبيحه وحمده والثناء عليه، وتمجيده، وقراءة القرآن.
следующие страницы →