← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث (إلمامة بأركان الإيمان) ١ - إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان (١) مذهب السلف في الإيمان مع ذكر أركانه الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: عنوان محاضرة هذا اللقاء "إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان" وهذا الموضوع موضوع مهم ومتجدد، وإن كان الطالب قد درس شيئًا من مفرداته، في علم التوحيد، إلا أنني هنا سأتناوله حسب ما جاء في توصيف، أو مفردات المقرر بذكر ملخص سريع، أو إلمامة تحليلية عن أركان الإيمان، في العناصر التالية: العنصر الأول: مذهب السلف في الإيمان، ويشتمل على النقاط التالية: النقطة الأولى: مذهب السلف في حقيقة الإيمان وأدلته: الإيمان عند السلف: هو اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وسُئِلَ فضيل بن عياض عن الإيمان، فقال: الإيمان عندنا داخله، وخارجه الإقرار باللسان، والقبول بالقلب، والعمل به، وقال عبيد بن عمير الليثي: ليس الإيمان بالتمني، ولكن الإيمان قول يعقل، وعمل يعمل، وهذا كلام في حقيقته في غاية من الوضوح، ويوضحه أكثر -شيخ الإسلام- ابن تيمية ﵀ ﵎ فيقول: كان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، فمن آمن بلسانه وعرف بقلبه، وصدق بعمله فتلك العروة الوثقى، التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله؛ كان في الآخرة من الخاسرين، وهذا معروف عن غير واحد من السلف والخلف، أنهم يجعلون العمل مصدقًا للقول. ومن القائلين بأن الإيمان قول وعمل، الأئمة الثلاثة؛ أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومالك بن أنس وغيرهم، من الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر بن راشد، وغيرهم ﵏ ﵎.

стр. 72

والأدلة على أن الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان كثيرة جدًّا، ومنها قول الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: ١٠٦) ويقول سبحانه: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ (آل عمران: من الآية: ٨٤) فهذه الآية بينت أن الإيمان يكون بالقول، والآية السابقة بينت أيضًا أن الإيمان يكون بالقلب. ومن الأدلة على أن الأعمال أيضًا من الإيمان، إلى جانب اعتقاد القلب، وقول اللسان، تسمية الله ﵎ الصلاة إيمانًا، وذلك في قوله: جلا ذكره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٤٣) أي: وما كان الله ليضيع صلاتكم؛ لأن الآية نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم- وهم على الصلاة إلى بيت المقدس. وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام قول الله ﵎: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ١ - ٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (العنكبوت: من الآية: ١٠) أوردهما ﵀ كدليل على أن العمل من الإيمان، وقال بعد ذلك أفلست تراه ﵎ قد امتحنهم بتصديق القول بالفعل، ولم يكتفِ منهم بالإقرار، دون العمل حتى جعل أحدهما من الآخر، فأي شيء يتبع بعد كتاب الله ﵎ وسنة الرسول ﵌، ومنهاج السلف بعده الذين هم موضع القدوة والإمامة. والحاصل أن أدلة السلف على أن الأعمال ركن في الإيمان، من القرآن الكريم كثيرة جدًّا، ومن أدلة السلف أيضًا على دخول الأعمال في الإيمان، ما جاء في

стр. 73

حديث وفد عبد القيس، الذي قال فيه النبي ﵌: ((أمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم)) قال شارح (الطحاوية) ﵀ ﵎ بعد سوقه لهذا الحديث: ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله، بدون إيمان بالقلب، بما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب؛ فعلم أن هذه مع إيمان القلب، هو الإيمان. وأي: دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فوق هذا الدليل، فإنه فسَّر ﷺ الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود، وبهذا يتضح أن الإيمان عند السلف، أو حقيقة الإيمان عند السلف اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وقد أيدت ذلك خاصة فيما يتعلق بالعمل، وأنه من الإيمان، بأدلة من كتاب الله، وأدلة من هدي رسول الله ﵌. أركان الإيمان ستة: وقد جاءت مجتمعة في حديث جبريل ﵇ لما سأل جبريل النبي ﵌ عن الإيمان؟ فقال له النبي ﵌: ((الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)) هذه هي أركان الإيمان، كما صح بها الخبر عن النبي ﵌. الركن الأول من أركان الإيمان؛ الإيمان بالله العنصر الثاني بعد ذلك في هذا اللقاء بعنوان: الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله ﵎ ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: أ- الإيمان بربوبية الله ﵎ الإيمان بربوبية الله معناه: أن نعتقد أن الله وحده الخالق البارئ المصور الملك المدبر المصرف المحيي المميت، والرب في لغة العرب: هو المربي، المنشأ الموجد، والآيات التي تتحدث عن خلق الله، وبديع صنعه، وتصريفه لأمور الكون كثيرة جدًّا في كتاب الله، يذكر الله بها عباده ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويوجه أنظار المشركين إليه وحده؛ لأنه المستحق لعبادته

стр. 74

دون سواه، ويفتح أبصار الجاحدين، وبصائرهم، وقد استخدم الأنبياء هذا الأسلوب في دعوة أقوامهم. فنوح ﵇ يُذكِّرُ قومه قائلًا: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ (نوح: ١٥ - ٢٠) وإبراهيم يقول لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء: ٧٥ - ٨٢) فهذه الآيات التي جاءت في كتاب الله وقد ذكرها بعض الأنبياء لأممهم؛ يذكرونهم فيها بربوبية الله وأنه المصرف المدبر الخالق، المحيي المميت، وأن كل ما في هذا الكون، إنما هو بتقدير الله وإرادته، وهذا إثبات لتوحيد الربوبية. وقد أطال القرآن في الحديث عن ربوبية الله، والاحتجاج على أهل الجاهلية، المعترفين بالربوبية، المشركين في الألوهية، يعني: أن الله كان يسوق لمشركي مكة الآيات الدالة على ربوبيته، والتي يؤمنون بها كي يلفت أنظارهم إلى أن هذا الرب المالك، المصرف المحيي المميت، هو الذي يجب أن تصرف له العبادة وحده، دون سواه. ومن هنا قال -جل ذكره-: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (النمل: ٥٩ - ٦٠).

стр. 75

ولم تزل بعض الأمم تشرك بالله في ربوبيته، مع وضوح الآيات الدالة على ربوبية الله وعظمته، فالمجوس قالوا: بربوبية النور والظلام، والصابئة قالوا: بربوبية الكواكب، وتأثيرها في العوالم، ومثل هؤلاء أولئك الذين اعتقدوا بأن الأموات يتصرفون في قبورهم في الكون، والحياة، وكل ذلك من الشرك. النقطة الثانية في هذا العنصر، وهي "ب" بعنوان: الإيمان بألوهية الله تعالى، أي: بإفراده بالعبادة؛ لأن الله وحده هو المعبود، ولا يستحق العبادة غيره، وقد جاءت الرسل؛ لدعوة الناس إلى إفراد الله بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) ذلك أن الشرك في العبادة، هو جريمة البشر الكبرى، التي لم تسلم منها أمة من الأمم، وقد كانت بعض الأمم يسلمون لله بالربوبية، كالأمة العربية في الجاهلية، ولكنهم كانوا يجادلون أشد الجدال في استحقاق الله للعبادة دون سواه، ويتعجبون من دعوة الرسول ﵌ لهم إلى عبادة الله دون غيره، وكانوا يقولون -كما ذكر القرآن الكريم عنهم-: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥). والعبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله كثيرة، فدائرة العبادة واسعة رحبة، والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة. والعبادات أنواع: فمنها عبادة القلب، ومنها عبادة اللسان، ومنها عبادة الجوارح، ومنها العبادات المالية. فعبادة القلب: تكون بقصد الله وحده، وقصد النية له، والخوف منه ﵎ وخشيته، وحبه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا بحكمه. وعبادة اللسان: تكون بذكر الله، وتسبيحه وحمده والثناء عليه، وتمجيده، وقراءة القرآن.

стр. 76

وعبادة الجوارح: تكون بالصلاة، والصيام والحج، ونحر الذبائح تقربًا إلى الله، والجهاد في سبيل الله ... وما إلى ذلك. والعبادات المالية: تكون بالزكاة والصدقات، ولها أعني العبادات المالية مدخل كبير في الحج، والأضاحي، والنذور. والشرك في ألوهية الله ﵎ يكون بالتوجه بهذه العبادات، أو بشيء منها لغير الله كالاستعانة بغير الله، أو الذبح لغير الله، أو دعاء غير الله، أو طلب المدد من غير الله ﵎ أو ما يجري عند الناس في مثل هذه الأمور، الباطلة المخالفة لهذا القرآن الكريم، وهذه السنة النبوية المطهرة. ولا شك أن صرف أي لون من ألوان العبادة لغير الله ﵎ شرك بالله وهناك شرك أصغر، وهو ما يكون في الألفاظ، وكيسير الرياء، هذا أيضًا شرك يناقض كمال توحيد الإلوهية، الذي هو إفراد الله ﵎ بجميع ألوان العبادة. النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة "ج" بعنوان: الإيمان بأسماء الله وصفاته: الإيمان الصادق: هو الذي يقوم على المعرفة التامة بالله ﵎ وطريق ذلك الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﵌ فمعرفة صفاته، والتأمل في معانيها، وإثبات الأسماء الدالة عليها، كل ذلك يعمق الإيمان بالله ويؤكده، ويثبته. وقد أخبرنا ربنا في كتابه، بأن له الأسماء الحسنى، وأمرنا أن ندعوه بها فقال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف: من الآية: ١٨٠) وحث الرسول ﵌ على إحصائها؛ فقال في حديثه الصحيح من رواية أبي هريرة وغيره: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)) والمراد بالإحصاء:

стр. 77

حفظها، وفهم معانيها، والعمل بمقتضاها، ويهمنا هنا أن أبين في عجالة سريعة مذهب السلف الصالح ﵏ ﵎ في أسماء الله، وصفاته، فأقول: إن مذهب السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، يقوم على ثلاثة أصول: الأصل الأول: الإيمان بكل الأسماء والصفات التي أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسول الله ﵌ ونفي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﵌. وهذا أمر بدهي، فالمسلم يعلم أن الحق ما قرره العليم الخبير سبحانه، وليس بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﵌ الذي قال الله عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ - ٤). وقبيح بالمرء أن يقول له الرب لي سمع، وبصر ورحمة، ويد؛ فيقول: ليس لك سمع، ولا بصر، ولا رحمة، ولا يد، والسلف يثبتون هذه الصفات إثباتًا من غير تحريف، ولا تمثيل ولا تكييف، ولا تعطيل. الأصل الثاني: تنزيهه -جل وعلا- عن مشابهة صفاته بصفات خلقه، فالله تعالى لا تشبه ذاته ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١) وهذه الآية دلت على الأصل الأول، والثاني؛ لأن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يدل على أن صفاته لا تشبه صفات خلقه، وقوله ﵎: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يدل على أن له سمعًا وبصرًا. وينبغي أن أنبه هنا إلى الذين نفوا صفات الخالق، أو أولوها، وأقول: إنهم في الحقيقة ما عرفوا قدر الله وعظمته، فالله عندما يحدثنا عن صفاته، يجب أن يتبادر إلى ذهن المسلم، أن هذه الصفات هي فوق ما يتصور الواصفون، وأنها كمال لا يعروه نقص.

стр. 78

أما هؤلاء: فإنهم قالوا: المتبادر منها التشبيه؛ ولذلك نؤولها، ونحرفها حتى ننزه الله ﵎ ولو أصنفوا لقالوا: المتبادر منها الكمال، وعدم التشبيه، ثم هم يعتمدون في مقابل النصوص، على المقاييس العقلية فيقولون: نحن ننفي اليد، والوجه؛ لأننا لا نعرف اليد، إلا هذه الجارحة، ولا نعرف إلا هذه الوجوه، والله منزه عن الجارحة، وما يشبهه صفات الخلق، وتحكيم العقل، بتصوراته الخاطئة بنصوص الشرع؛ لا يجوز، ومقاييسهم العقلية هذه ضالة؛ فالله منزه عن مشابهة الخلق، وصفاته كمال يخصّه، ولا يجوز إجراء مقاييس عقلية على رب العزة والجلالة. الأصل الثالث -من أصول مذهب السلف في أسماء الله وصفاته، وهو أيضًا مهم-: عدم التطلع إلى معرفة كيفية صفات الله: ومعرفة الكيف غيب لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٥)، وبما أن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، وصفاته لا يشبهها شيء من صفات الخلق؛ فلا يمكن أن تعرف كيفية ذاته، ولا يمكن أن تعرف كيفية صفاته. والذين انحرفوا في باب الصفات أصل ضلالهم: أنهم بحثوا في الكيفية، فمرة مثلوا صفات الخالق بصفات الخلق، ومرة نفوها وأولوها. والواجب هو التفويض في كيفية الصفات، وكما أننا لا نعلم كيف ذات الله ﵎ كذلك لا نعلم كيفية صفاته، ولا ما هي عليه، فنحن نؤمن بها، وإن لم نعرف كيف، أو كيفية صفاته -تبارك تعالى. وهنا أمر يجب بيانه، وهو أن معنى الصفة معروفة في لغة العرب، ويجب أن نعرف معاني صفات الله ﵎ من الرحمة، والغضب، والسمع والعلم، والبصر.

стр. 79

وقد حدثنا ﵎ عن سعة علمه، وضرب لنا المثال، كما حدثنا عن عظيم قدرته، ولكننا لا نعلم الكيفية، فالتفويض الذي عليه السلف، إنما يكون في كيفية الصفات، لا في معاني الصفات، وبعض الذين يفوضون يظنون أن التفويض يكون في الصفات، وهذا ليس بصواب. وأكتفي في حديثي عن هذا العنصر، بما ذكرت وخاصة فيما يتعلق بالإيمان بأسماء الله ﵎ وصفاته. الركن الثاني من أركان الإيمان؛ الإيمان بالملائكة ننتقل بعد ذلك إلى العنصر الثالث في هذا اللقاء، وهو بعنوان الركن الثاني من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة: ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: النقطة الأولى وهي "أ" الملائكة عالم غيبي، يجب أن نؤمن به، الكون كله ينقسم إلى غيب وشهادة؛ فالغيب ما غاب من الموجودات، عن أعين الناظرين، والشهادة خلاف الغيب، وهو كل ما كان من الموجودات، أمام نظر الإنسان، يشاهده ويراه، أو كان بحيث يدركه بإحدى حواسّه، التي هي السمع والبصر، واللمس، والشم، والذوق، والإنسان بحكم طبيعة الحياة، مقدر له الإيمان بالغيب، مفروض عليه، لا يستطيع التخلص منه بحال اللهم إلا إذا سفه نفسه، وأراد التخلي عن كرامته الآدمية، وعن شرفه الإنساني؛ ليصبح بعد ذلك حيوانًا هابطًا لا خير فيه، أو آلة صماء لا وعي لها ولا إدراك، وذلك؛ لأن الإنسان كائن متحيز، متى وجد في مكان استحال عليه أن يوجد في مكان آخر، مع بقائه في مكانه الذي هو فيه. ومن هنا ستصبح سائر الأمكنة التي تخلو منه، وهو بعيد عنها غيبًا له، وليست بشهادة عنه، ولا بد له من أن يؤمن بها، وبما فيها من أشياء، جواهر وأعراض، متى وجدت أثار تدل على ذلك، أو أخبار صادقة تنبئ به. النقطة الثانية: في هذا العنصر وهي "ب" بعنوان: الأدلة على وجوب الإيمان بالملائكة: الأدلة على وجود وجوب الإيمان بالملائكة كثيرة، وهي أخبار، وآثار والأخبار تنقسم إلى قسمين:

стр. 80

أخبار الله ﵎ وقد أخبر الله عنه في كتابه وكفى بما يخبر الله تعالى به دليلًا، إذ الخالق سبحانه أعلم بما خلق، ومن أخبار الله ﵎ عن الملائكة، ما جاء في قوله -جل ذكره-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: من الآية: ٣٠) فقد تضمن هذا الخبر وجود الملائكة ومخاطبة الله تعالى لهم، ومخاطبتهم له وهو دليل قاطع على وجود الملائكة، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ (الزخرف: من الآية: ١٩) وفي هذا الخبر ينكر تعالى، ويعيب على المشركين دعواهم أن الملائكة إناث؛ حيث قالوا ما ليس لهم بهم علم. فهل يعقل أن يعاب أو ينكر على غير موجود. وقد قال تعالى أيضًا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (النجم: ٢٦) ففي هذا الخبر أن كثيرًا من الملائكة لا تغني شفاعتهم عن أحد شيئًا، وهل يشفع أو لا يشفع غير موجود. وأخيرًا فهل هذه الأخبار الإلهية عن الملائكة -وهي كثيرة جدًا، وكلها تتحدث عن صفاتهم، وأحوالهم، وعبادتهم، وأعمالهم- لا تدل على وجود الملائكة دلالة تكسب اليقين، اللهم بلى. لا شك تدل دلالة واضحة، وتجعل الإنسان على يقين من وجود الملائكة، كما أخبر بذلك رب العالمين. ذكرت قبل قليل أخبار الله ﵎ أما أخبار الرسل عليهم -الصلاة والسلام- عن الملائكة، فهي أيضًا كثيرة جدًّا، ولنكتفي هنا بما تواتر عن خاتم هؤلاء الرسل جميعًا، ألا وهو نبينا محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- فقد صح عنه ﵌ أنه قال: ((لا تدخل الملائكة بيت فيه كلب، ولا صورة)) وقال ﵌: ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) وهذه الأخبار الصحيحة الثابتة عن النبي ﵌ لا شك أننا نؤمن بها، ونسلم بها، بأنها وحي من عند الله ﵎.

стр. 81

أما دلالة الآثار على وجود الملائكة: فهي أيضًا كثيرة جدًّا نكتفي بطرف منها فنقول: هذا القرآن الكريم كتاب الله ﵎ بين أيدينا، سوره العديدة، وآياته الكثيرة، وعلومه ومعارفه، وإعجازه، لا شك أن كل ذلك أثر من آثار الملائكة، إذا تلقاه المُنَزَّلُ عليه ﵌ بواسطة ولم يكن من الله مباشرة، فما هي الواسطة؟ إنها جبريل ﵇ كما أخبر بذلك مرسله، ومنزله، في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥) وهذا ملك الموت الذي يتخطفنا يوميًّا؛ فيأخذ أرواحنا، وينهي بأخذها حياتنا، ويفصلها عن أجسامنا؛ فتعدم الحياة، فهل يشترط للتصديق به رؤيتنا له، وآثار فعله ظاهرة فينا، لا تنكر، اللهم لا، ولو سألنا خالقنا، وقلنا من يتوفانا؟ لكان الجواب: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: ١١). وملك الموت حقًّا هو الذي يقبض أرواح العباد، ولكنه بأمر الله ﵎ ولذلك أيضًا صح نسبة الوفاة إلى رب العزة والجلال . إذن الأدلة على وجود الملائكة -كما ذكرت- كثيرة جدًّا؛ أخبار وآثار والأخبار: هي أخبار رب العالمين، وأخبار الأنبياء والمرسلين، وقد استدللت بخبر النبي ﵌ أما عن الآثار الدالة على وجود الملائكة، فهي كثيرة وقد أشرت إلى بعضها الآن. أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي "ج" بعنوان: المادة التي خلقت منها الملائكة. الملائكة: خلق عظيم، خلقهم الله من النور، وطبعهم على الخير، فهم لا يعرفون الشر، ولا يأمرون به، ولا يأتونه، ولا يفعلونه؛ فلذا هم لربهم مطيعون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يسأمون من عبادة الله، ولا هم عنها يستكبرون، أخبر الرسول ﵌ عن مادة خلقهم، فقال: ((خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لك)).

стр. 82

النقطة التالية في هذا العنصر، وهي نقطة "د" بعنوان: بعض أعمال الملائكة: إن ما يقوم به الملائكة من أعمال لكثير جدًّا، ومختلف متنوع إلى حدٍّ كبير، وهذا بيان مجمل عما جاء في القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، من وظائف الملائكة وأعمالهم، التي أرادها الله تعالى بهم عبادة لهم وطاعة. وأبدأ برئيس الملائكة: ألا وهو جبريل ﵇ ويسمى روح القدس، وصفه الله بالقوة والأمانة، في قوله من سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوير: ١٩ - ٢١) وخص ربه بأشرف وظيفة، وهي السفارة بينه تعالى، وبين رسله ﵈ فكان ينزله الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وصح عن النبي ﵌ أنه رافقه في أعظم رحلة تمت في الوجود، وهي إسراء النبي ﷺ ومعراجه، فرافقه ﵇ من مكة إلى المسجد الأقصى، ومنه إلى سدرة المنتهى بالملكوت الأعلى. ومن الملائكة أيضًا "ميكائيل"، ومن أعماله، أنه موكل بالقطر النازل من السماء. ومن أعمال الملائكة أيضًا، ما يقوم به "إسرافيل" ﵇ ووظيفته التي وكل بها النفخ في الصور، وذلك سيكون لا محالة، كما أخبر الله إن شاء الله في يوم القيامة. ملك الموت: وهو موكل بقبض الأرواح، وله أعوان من الملائكة، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: من الآية: ٦١). ومن أعمال الملائكة أيضًا، ما يقوم به حملة العرش. حملة عرش الرحمن وقد أخبر الله عنه في كتابه، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: من الآية: ٧) وقال سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٧).

стр. 83

وكذلك هناك خزنة للجنة، وخزنة للنار، فخزنة الجنة يكونون فيها، ومع أهلها، ولهم أعمال يسندها رب العزة والجلال إليهم، ورئيسهم رضوان ﵇. وللنار أيضًا ملائكة وهم الزبانية، وهم تسعة عشرة ملكًا، وكلهم الله تعالى بالنار، فهم خزانها، يعذبون فيها أهلها، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (المدثر: ٢٦ - ٣١) ورئيس هؤلاء الخزنة يدع مالكًا. قال تعالى في الحديث عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ (الزخرف: ٧٧ - ٧٨). أيضًا الكرام الكاتبون، وعملهم كتابة أعمال البشر، وإحصائه عليه؛ فعلى يمين كل مكلف ملك يكتب صالح أعماله، وعن يساره مالك يكتب سيئات عمله، قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الانفطار: ١٠ - ١٢). وفي الصحيح أن النبي ﵌ قال: ((إذا قام أحدكم إلى صلاة، فلا يبزق أمامه، فإنه يناجي الله تعالى، ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكًا، ليبزق عن يساره، أو تحت قدمه)). كذلك أيضًا من أعمال الملائكة، حفظ الإنسان من الجن، والشيطان، والعاهات والآفات، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد: من الآية: ١١) قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في تفسير الآية: ملائكة يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه.

стр. 84

وقال مجاهد ﵀: يحفظونه في نومه، ويقظته من الجن، والإنس والهوام. كذلك أيضًا هناك ملك موكل بالرحم؛ لحديث البخاري ومسلم -واللفظ لمسلم-: ((إن الله قد وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربي نطفة، أي ربي علقة، أي ربي مضغة، فإذا أراد الله أن يقضيَ خلقًا، قال: قال الملك: أي ربي ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيُكْتَب كذلك في بطن أمه)). أيضًا هناك ملك للجبال: وهو ملك وكله الله بها، لحديث البخاري ومسلم: ((فنادني ملك الجبال، فسلم عليَّ، فقال: يا محمد، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت ... )) إلى آخر الحديث. أيضًا للملائكة أعمال أخرى، منها أن هناك ملائكة سياحون في الأرض، يبلغون سلام أمة محمد ﵌ للنبي ﵊ لحديث أحمد -وهو صحيح الإسناد -: ((إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)) وهذا ثابت عنه ﵌. وهناك ملائكة تعرج بأرواح العباد بعد الموت، لحديث مسلم: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان فيصعدانها)) قال حماد -راوي الحديث-: فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى ما كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ثم يقول انطلقوا به إلى آخر الأجل، وذكر الكافر عكس ذلك. وهناك ما يعرف بمنكر ونكير، وعملهما سؤال العباد في قبورهم عن الرب تعالى، والدين، والنبي ﵌ أي: يقولان لمن يقبر من ربك؟ وما دينك؟ وما

стр. 85

نبيك؟ وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، عن النبي ﵌ ونحن نؤمن بما صح به الخبر عن النبي ﵌. وإذا تتبعنا الآثار الواردة في أعمال الملائكة، ملاحظين الآيات القرآنية الدالة على الملائكة، وأعمالهم مثل قول الله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (الصافات: ١) ومثل قول الله ﵎: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ (النازعات: ١) أو ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ (المرسلات: ١) لقلنا: في صدق إن الكون كله علويه وسفليه، قد أُنِيْطَ أمر تدبيره بالملائكة. وذلك بإذن الله ﵎. ويضاف إلى ذلك أيضًا أن النبي ﵌ قال: ((أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع أربع أصابع، إلا عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله ﵎). انتقل بعد ذلك إلى النقطة الأخيرة في هذا العنصر: وهي نقطة "هـ" بعنوان: بعض صفات الملائكة: من خلال الأخبار الصادقة، التي هي الدليل الشرعي عند أهل السنة والجماعة؛ تحصلنا على عدد كبير من صفات الملائكة منها: حياؤهم: إن الملائكة تستحي استحياء يليق بحالها؛ إذ قد صح أن النبي ﵌ قال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)) ويعني بذلك الرجل: عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- ففي هذا الخبر الصادق الصحيح، دليل على صفة الحياء للملائكة. أيضًا من صفات الملائكة، أنهم يتأذون مما يتأذى منه الإنسان، وذلك لحديث مسلم: ((من أكل من الثوم والبصل والكرّاث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)) ولحديث الصحيحين أيضًا: ((إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة)) فعدم دخولهم البيت الذي فيه كلب أو صورة؛ كراهية منهم لهما، يعني: كراهية منهم للدخول، وفي هذا دليل على تأذيهم من هذا المكروه.

стр. 86

أيضًا من صفات الملائكة: تنزههم عن الأعراض البشرية، إن الملائكة منزهون عن الأعراض البشرية كالجوع والمرض والأكل والنوم والتعب ... وما إلى ذلك، فقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على ذلك، بدلالة الالتزام؛ إذ أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٠) ولازم ذلك أنهم لا ينامون، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتعبون. ومن صفات الملائكة أيضًا: خوفهم من الرب ﵎ وقد أثبت ذلك ربنا في كتابه، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (النحل: ٤٩ - ٥٠) وقد تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٨) فهذه الآيات أثبتت الخوف، والإشفاق من الملائكة لرب العزة والجلال سبحانه. ومن صفاتهم أيضًا: طاعتهم لله ﵎ لا يعصونه بحال من الأحوال، وذلك لقول الله -جل ذكره-: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: من الآية: ٦). ومن صفاتهم أيضًا: حبهم لمن يحب الله ﵎ حبًّا يليق بحالهم، وحسب ذواتهم، وهذا أمر غيبي عنّا، لا نعلمه، ولكن الدليل الشرعي قد دل على أنهم يحبون، ففي حديث الصحيحين أن النبي ﵌ قال: ((إن الله تعالى إذا أحب عبدًا، نادى جبريل: إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء، إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض)). أيضًا من صفات الملائكة: أنهم يدعون الله ﵎ ويسألونه، كما قال تعالى عنهم: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِْ﴾ (غافر: ٧).

стр. 87

والملائكة أيضًا: تلعن من لعنه الله ﵎ وأنا ذكرت الدعاء هنا؛ لأشفع به اللعن، فهم كما يدعون به رب العزة والجلال فهم أيضًا يلعنون ويبغضون من لعنه الله ﵎ ومصداق ذلك في قول الله -جل ذكره-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ (البقرة: ١٦١ - ١٦٢). وأخيرًا أقول عن صفات الملائكة: إن خلقهم عظيم، وأنهم يتفاوتون تفاوتًا كبيرًا في هذا الخلق، وقد صح الخبر عن النبي ﵌: ((أن لجبريل ﵇ ستمائة جناح)) في حين أن من الملائكة من له جناحان فقط، ودل هذا على التفاوت وعظم التفاوت في خلق الملائكة، فجبريل ﵇ له ستمائة جناح، وبعض الملائكة أخبر الله عنه في كتابه أن له جناحان فقط، وجاء هذا في أول سورة فاطر، في قول الله -جل ذكره-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: ١). هذا شيء مما أخبرنا به رب -العزة والجلال- عن الملائكة. وبالتالي أقول: يجب علينا أن نؤمن بوجودهم، وأن نصدق الله فيما أخبر به عنه سواء كان ذلك في المادة التي خلقوا منها، أو الأعمال التي أوكلها الله إليهم، وكلفهم بها، أو صفات التي وصفهم رب العزة والجلال بها، كأن وصفهم رب العزة والجلال بالحب، والبغض، واللعن، وكثرة العبادة، وعدم السآمة، والملل، وما إلى ذلك. كل هذا حق، ويجب علينا أن نؤمن كما أخبر به الله ﵎ وكما جاء به الخبر عن النبي ﵌. وبهذا ينتهي هذا اللقاء، ألا وهو الحديث عن بعض أركان الإيمان، وقد تناولت فيه حقيقة الإيمان بالله ﵎ والإيمان بملائكة الله -جل ذكره- وصلى اللهم وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله. ٢ - أركان الإيمان (٢) الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: هذه هي المحاضرة السادسة، وعنوانها تابع أركان الإيمان، وتشتمل هذه المحاضرة على عدة عناصر: العنصر الأول: الركن الثالث من أركان الإيمان؛ الإيمان بالكتب، ويشتمل على النقاط التالية: أ- حقيقة الإيمان بالكتب وما عُرف منها: إن معنى الإيمان بالكتب الإلهية الذي هو جزءٌ من عقيدة المؤمن التصديق الجازم بما أوحى الله تعالى من كلامه الخاص إلى من اصطفى من رسله ﵈ فجُمع ودُون فكان صحفًا مطهرةً، وكتبًا قيمة، فما عُرف منها آمن به المؤمن تفصيلًا، وما لم يعرف منه ولم يعرفه المؤمن آمن به إجمالًا.

стр. 88

والمصدر الوحيد الذي يُرجع إليه في معرفة الكتب الإلهية بالتفصيل هو القرآن الكريم؛ إذ هو الكتاب المحفوظ حفظًا لا يتطرق إليه معه الزيادة ولا النقص، ولا التحريف ولا التغيير أو التبديل بحالٍ من الأحوال، وقد ذكر القرآن الكريم من الكتب السابقة صحف إبراهيم، وصحف موسى، وثلاثة كتب هي: التوراة، والإنجيل، والزبور، وقد ذكرها الله في مواضع متفرقة من كتابه، ومن ذلك مثلًا: قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (الفرقان: من الآية: ٣٥) والمراد من لفظ الكتاب في هذه الآية: التوراة. وقوله تعالى في الحديث عن اليهود: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٤٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: ٥٥). وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ﴾ (الحديد: من الآية: ٢٧). وقال -جل ذكره -: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: ١٨، ١٩). فقد جاء في هذه الآيات ذكر ثلاث كتبٍ إلهية مع كلٍّ من صحف إبراهيم وموسى، كما جاء في مواضع أخرى من القرآن ذكر بعض ما جاء فيها من أخبار، وذلك كقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح: من الآية: ٢٩).

стр. 89

فقد نصت هذه الآية القرآنية على أن وصف الرسول محمدٍ ﵌ ووصف أصحابه في كل من التوراة والإنجيل بنفس المعنى الذي حوته هذه الآية القرآنية الكريمة كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ (النجم: ٣٦: ٤١) فقد نصت هذه الآيات من القرآن الكريم على أن في صحف كلٍّ من إبراهيم وموسى الإخبار بأن النفس المذنبة يوم القيامة لا يحملها عنها ذنبها غيرها، وأن الإنسان ليس له من نتائج العمل إلا ما عمل وسعى به لنفسه، كما أن سعي الإنسان سوف يعرفه، ويقف عليه، ويُجزاه كاملًا غير منقوصٍ. فهذه الكتب إذن التي ذُكِرَتْ في القرآن بأسمائها وأسماء أصحابها الذين نزلت عليهم يجب على المؤمن أن يؤمن بها تفصيلًا كما ذكرت مفصلًا، وأن يؤمن بباقي كتب الله تعالى التي لم تُذكر في القرآن مفصلة؛ حيث لم يرد القرآن ذكر أسمائها، ولا أسماء من نزلت عليهم، وإنما ذُكرت مجملة كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية: ٢٥). وكما جاء في قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٣). وتتلخص عقيدة المؤمن في الإيمان بالكتب: بأنه يجب عليه أن يؤمن بكل كتاب أنزله الله تعالى على من اصطفى من رسله لحمل رسالاته وإبلاغها إلى عباده، فما عُرِفَ منها مفصلًا آمن به مفصلًا، وما عَرَفَهُ المؤمن منها مجملًا آمن به مجملًا، ولا يؤمن ببعضٍ ويكفر ببعضٍ تعصبًا وضلالة، كما هو حال اليهود والنصارى الذين آمنوا

стр. 90

بالتوراة المحرفة، والإنجيل المبدل المغير، وكفروا بالقرآن المحفوظ الباقي الذي نزل على نبيِّ الهدى والرحمة -صلوات الله وسلامه عليه. ب- أنتقل إلى النقطة التالية وهي بعنوان: أدلة وجوب الإيمان بالكتب الإلهية: إن الإيمان بالكتب السماوية الإلهية لواجبٌ شرعًا كما هو واجبٌ عقلًا، وهذا بيان ذلك، أما كون الإيمان بالكتب الإلهية واجبًا شرعًا فذلك لأن الله تعالى أمر به أمرًا جازمًا لا يقتضي إلى طاعة الله تعالى فيه وتحريم معصيته؛ إذ قال تعالى في الأمر بالإيمان بكتبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ١٣٦) إن هذه الآية واحدة كافية في الدلالة على وجوب الإيمان بكتب الله تعالى عامة، وبالقرآن الكريم كتاب الإسلام والمسلمين خاصة، وفي تحريم التكذيب به، وعدم التصديق بكل ما جاء فيها ممّا هو وحيٌ من الله وكلامه يعني: أنه لابد أن يؤمن بكل ما جاء فيها، وأن يُصدق بكل ما جاء فيها، وأن ما أنزله الله حقٌّ. وقد أوجب الله في القرآن الكريم الإيمان بالكتب السماوية، فقال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٨٥). ومن السُّنة حديث مسلم عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- والذي جاء فيه سؤال جبريل للرسول ﷺ عن الإيمان، وأن النبي ﵊ أجابه بأن الإيمان هو: ((الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)). هذه بعض أدلة القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة على وجوب الإيمان بما أنزل الله ﵎ على الأنبياء والمرسلين، وأن ما نَزَلَ من عند الله حقٌّ،

стр. 91

وإن كان كما سيأتي وأشير دخل كثيرٌ من التحريف على الكتب السماوية السابقة؛ لأنها لم تُحْفَظْ كما حَفَظَ الله ﵎ آخر كتاب نزل من عنده ألا وهو القرآن الكريم. وأما كون الإيمان به واجبًا عقلًا، فإنه يظهر للمتأمل من حيث حاجة العباد إليها، وإقامة الحجة عليهم بها، فإن الرسول المبلغ عن الله شرائعه وأحكامه يحتاج غالبًا في إثبات رسالته إلى كتاب من الله تقوم به الحجة له على تلك الأمة التي أُرسل إليها حتى يؤمنوا به ويصدقوه ويتبعوه، ويعملوا بما جاءهم به، والتشريع الإلهي نفسه يفتقر إلى كتاب يحويه ويتضمنه، ويُثبت فيه؛ ليبقى بعد وفاة الرسول الذي جاء شرعًا محفوظًا تعمل به الأجيال إلى المدى الذي حدد له بلصقه برسالة أخرى، أو بنسخ بعض ما جاء فيه كما حصل للتوراة والإنجيل، فقد نسخ الله تعالى بالإنجيل بعض أحكام التوراة، ونسخ بالقرآن الكريم الإنجيل والتوراة كليهما، ولولا بقاء الكتاب بعد الرسول لضاع الدين الذي جاء به، أو ضاع الكثير منه، وحينئذٍ يقول الناس: بِمَ نعبد الله؟ وكيف نعبده ولم يكن لدينا من شرائعه ما نعبده به؟ ولهذا أقول: بأن العقل يدل على وجوب الإيمان بأن الله أنزل كتبًا من عنده. جـ- أنتقل إلى النقطة الثالثة في هذا اللقاء، وهي بعنوان: منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى: إن ممّا لا شك فيه عند الدارسين للقرآن الكريم الواقفين على أسراره وعجائبه، العالمين بما حواه من أصول التشريع وقواعده، والمدركين لحقائق العلمية التي أثبتها أن للقرآن الكريم منزلة خاصة بين سائر الكتب الإلهية التي تقدمته في النزول، وتتجلى هذه المنزلة العالية بالقرآن العظيم بإمعان النظر في النقاط التالية: أولًا: كونه ناسخًا لها لفظًا وحكمًا، فلا تقرأ للتعبد، ولا يعمل بما فيها من شرائعَ وأحكامٍ، وذلك لما داخلها من تحريف، وما

стр. 92

أصابها من تضييع ونسيان؛ إذ لم يبق فيها ما يُجزم بصحة نسبته إلى الله تعالى أبدًا، عرف هذه الحقيقة وقررها المنصفون والمحققون من علماء أهل الكتابين معًا. ثانيًا: كان التشريع في الكتب السابقة خاصًّا ببني إسرائيل، وموقوتًا بزمنٍ معينٍ، والدليل على نسخ القرآن للكتب قبله: أمر الله تعالى لنبيِّ القرآن محمد ﵌ أن يحكم بين سائر الناس على اختلاف ما ينتحلون من ديانات بالقرآن الحكيم، وهذا كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (المائدة: من الآية: ٤٨). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: ١٠٥). فالقرآن الكريم كتابٌ عامٌّ شاملٌ دائمٌ إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة فكان التشريع فيها موقوتًا كما ذكرت وأشرت بزمنٍ معينٍ، وقد نُسخت جميعها بكتاب الله ﵎. أيضًا ممّا يُبين منزلة القرآن الكريم بين كتب الله تعالى: أن القرآن الكريم مهيمنٌ على جميع الكتب رقيبٌ عليها شهيد، فما صححه منها وأقره فيها صَحّ وقَرّ، وما أبطله منها ونفاه لكونه دخيلًا عليها ليس منها بَطَلَ وانتفى، كما جاء القرآن الكريم شاهدًا ومصدقًا على هذه الكتب جميعها، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. أيضًا للقرآن الكريم منزلة عاليه تظهر فيما يحمله من التشريع الإلهي الذي جاء لكل الناس في أي مكانٍ كانوا، وفي أي زمانٍ وُجدوا، وذلك لعموم رسالة النبي ﵌ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: ١). وأيضًا: فالله تعهد بنفسه لحفظ كتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩). وقال -جل ذكره-: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١، ٤٢).

стр. 93

فالله حفظ كتابه، وذلك بأن قيض له رجالًا أمناء حفظوه في صدورهم وسطورهم، فلم تقو يد الزمان ولا يد العدوان على أن تزيد فيه حرفًا، ولا أن تنقص منه حرفًا، بخلاف غيره من الكتب، وهي التوراة الذي ضاعت كلها في غزو بختنصر البابلي لمملكة بني إسرائيل، ولم يعثر عليها إلا فيما بعد، ثم لما جُمِعَتْ -والله أعلم- بصحة ما جُمِعَ فيها غيروها، وحرفوها، وبدلوها، أما الإنجيل فيكفي في دلالة على عدم حفظه أنه اليوم توجد خمسة أناجيل بعد أن كان يوم نزوله إنجيلًا واحدًا. وختامًا أقول عن هذا القرآن الكريم، وعن منزلته بين الكتب الأخرى أن هذا الكتاب شمل أصول الهداية البشرية وفروعها، واحتوى على أعظم منهجٍ ربانيٍّ الذي يحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة إذا آمن به، وعمل بما جاء فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥، ١٦). د- ننتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية، وهي بعنوان: إشارة إلى ما في القرآن من الهدى التام والخير العام: وإنني إذ أتحدث عن ذلك بعد ذكري لمنزلة القرآن الكريم بين الكتب السماوية السابقة، إذ أتحدث عن هذا الآن أود أن أبين لعموم الناس لوحة مشرقة عن هذا القرآن الكريم الذي جاء من عند الله ففي القرآن المجيد من الهدي والخير لبني الناس كافة ما لا يوجد اليوم، والله معشار عشره في كتابٍ غيره، ومن ذلك الرحمة بأتم معناها، الرحمة التي تعم الإنسان والجان والحيوان، والكبير والصغير، والكافر والمؤمن، والحي والميت، قال تعالى في إثباتها: ﴿الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان: ١: ٣).

стр. 94

أيضًا في القرآن الكريم شفاءٌ تامٌّ لجميع الأمراض العقلية والنفسية والقلبية، فيه شفاءٌ من الكفر والشرك، فيه شفاءٌ من القلق والاضطراب، فيه شفاءٌ من الحيرة، والخوف، والكبر، والحسد، والكسر، والعجز، والبخل، والشح، والظلم، والخوف، قال تعالى في إثبات هذا الشفاء وتقريره: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الإسراء: من الآية: ٨٢). وأيضًا القرآن الكريم نورٌ كاشف لجميع الظلمات القلبية مبددٌ لسائر الجهالات النفسية، مبينٌ لسائر الحقائق والأسرار الكونية، قال تعالى في تقرير هذا الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء: ١٧٤). والقرآن الكريم اشتمل على المواعظ العظيمة الجليلة التي تدعو إلى كل فضيلة، وتزجر عن كل رذيلة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: من الآية: ٥٧). وقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩). إلى جانب هذا القرآن الكريم فيه من الذكر الإلهي ما تحي به القلوب، وتطيب بتلاوته الأرواح، وتزكو بالعمل به النفوس قال الله ﵎: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (ص: ١). وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). والقرآن الكريم فيه خيرٌ عامٌّ لكل إنسان وجان وحيوان، فما من كائن في هذه الحياة إلا وناله من خيرية القرآن من يوم نزوله إلى يوم رفعه إلى الله وقبضه إليه، اللهم إلا من كان من المطرودين من شياطين الإنس والجن المبلسين من كل خيرٍ، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ (النحل: من الآية: ٣٠) فالقرآن

стр. 95

كله خير، ومن جاء إليه، وعمل به، واستفاد منه كان له من الخير بقدر ما استفاد من كتاب الله ﵎. الركن الرابع من أركان الإيمان؛ الإيمان بالرسل ﵈ - أنتقل بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو عن الركن الرابع من أركان الإيمان، وعنوانه: الإيمان بالرسل ﵈ ويشتمل هذا العنصر على النقاط التالية: أ- تعريف النبي، والرسول، والفرق بينهم: النبي في لغة العرب: مشتقٌ من النبأ، وهو الخبر، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ (النبأ: ١، ٢) وإنما سُمي النبي نبيًّا؛ لأنه مخبِرٌ مخبَر، فهو مخبَرٌ أي: أن الله أخبره وأوحى إليه: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِي الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (التحريم: من الآية: ٣) وهو مخبِرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر: ٤٩). وأما عن تعريف الرسول، فأقول: الإرسال في اللغة التوجيه، فإذا بعثت شخصًا في مهمة فهو رسولك، قال تعالى حاكيًا قول ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: ٣٥). وأود هنا بعد هذا التعريف للنبي والرسول أن أذكر الفرق بين النبي والرسول، فأقول: الشائع عند العلماء أن الرسول أعم من النبي، فالرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، والنبيُّ من أوحي إليه ولم يؤمر بالبلاغ، وعلى ذلك فكل رسولٍ نبيٍّ وليس كل نبيٍّ رسولًا، هذا هو الشائع عند العلماء، والذي ذكروه هؤلاء بعيدٌ لأمور: الأول: أن الله نص على أنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل، وذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ (الحج: من الآية: ٥٢) فإذا كان الفارق بينهما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي البلاغ أيضًا.

стр. 96

الثاني: أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا ينزّل وحيه ليُكتم ويُدفن في صدر واحدٍ من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته. الثالث: قول الرسول ﵌: ((عُرِضَتْ عليّ الأمم فرأيت النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ معه الرجل والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد)) فدل هذا على أن الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم. ولهذا أقول بعد ما أشرت إليه من استدراكات على التعريف الشائع عند العلماء في الفرق بين النبي والرسول أقول: التعريف المختار هو: أن الرسول هو ما أوحي إليه بشرعٍ جديدٍ، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وفي الحقيقة هذا التعريف ليست عليه هذه الاستدراكات السابقة، وهو راجحٌ -إن شاء الله تعالى- واختاره بعض أهل العلم، وهو ما أراه وأذهب إليه. ب- أنتقل بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: وجوب الإيمان بالرسل ﵈: الإيمان بالرسل ضروريٌّ لا يتوقف على نظرٍ، ولا استدلال بالنسبة إلى المؤمنين بالله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي نبأهم وأرسلهم وأخبر عنهم، وأمر بالإيمان بهم وتصديقهم، والإيمان بالله تعالى مستلزمٌ بالإيمان بكل ما أمر الله الإيمان به، كالإيمان بالملائكة -كما سبق ذكره- وبالكتب، وبالرسل، والبعث، والجزاء، والقدر، والقضاء، وبكل غيبٍ أمر الله تعالى بالإيمان به، فيكفي المؤمن دليلًا أن يبلغه خبر الله تعالى وأمره بالإيمان بالرسل؛ فيؤمنُ ويُسَلّمُ مباشرةً. وفي الأمر بالإيمان بالرسل قول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (النساء: من الآية: ١٣٦). وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: ٢٨٥) فلهاتين الآيتين

стр. 97

وغيرهما يؤمن المؤمن برسل الله تعالى، ولا يُفرّق في الإيمان بهم بين رسول ورسول منهم كما فعل اليهود والنصارى؛ حيث أمن اليهود بأنبياء بني إسرائيل فقط، وكفروا بعيسى ابن مريم ومحمدٍ ﵌ والنصارى آمنوا بكافة الأنبياء، وكفروا بخاتمهم وإمامهم محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه. وقد كفر الله تعالى وتوعد بالعذاب المهين ممّن يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، وقد جاء هذا في سورة "النساء" في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١). هذا، ونظرًا لنسخ جميع شرائع الرسل ﵈ بشريعة خاتمهم محمدٍ ﵌ فإنه لم يبق هناك ما يلزم المؤمن إيذاء أولئك الرسل بسوى الإيمان بهم، واعتقاد عصمتهم، وكمالهم، ووجوب تعظيمهم، واحترامهم، أما أن يتبع شيئًا ممّا جاءوا به في رسالتهم ممّا لم يأمر به الله، أو يأمر به النبي ﵌ فلا يلزم المؤمن ذلك، ونحن اليوم نحذر من الرجوع إلى شيءٍ من التوراة أو الإنجيل، أو اتباع أي شريعة نبيٍّ أو رسولٍ سابق على نبينا ﵌ ذلك لأن هذه الشرائع قد نُسخت وغَيْرَهَا أيضًا أتباع هؤلاء الأنبياء وحرفوها وبدلوها، والله أتم علينا نعمته ببعثة النبي الخاتم محمدٍ بن عبد الله ﵌. جـ- ننتقل بعد ذلك إلى النقطة الثالثة من هذا العنصر، وهي بعنوان: وظائف الرسل ﵈: لقد بيّن الله لنا في القرآن الكريم كما بيّن لنا النبي ﷺ في سُنته مهمة الرسل ووظائفهم، وسأحاول هنا أن أُبين شيئًا من ذلك فأقول: أول وظيفة عرفناها من القرآن والسُّنة

стр. 98

للأنبياء والمرسلين هي البلاغ المبين، فالرسل سفراء الله إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى هي إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عباد الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: من الآية: ٦٧). والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم خشية الناس، وهو يبلغهم ما يخالف معتقداتهم، ويأمرهم بما يستنكرونه، وينهاهم عمّا ألفوه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: من الآية: ٣٩). والبلاغ يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها الله من غير نقصانٍ ولا زيادة مثل: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ﴾ (العنكبوت: من الآية: ٤٥) وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ (البقرة: من الآية: ١٥١). فمهمة الرسل إذن الأولى هي: البلاغ الذي جاء من عند الله ومن البلاغ أن يوضح الرسول الوحي الذي أنزل الله لعباده؛ لأنه أقدر من غيره على التعرف على معانيه ومراميه، وأعرف من غيره بمراد الله من وحيه، وفي ذلك يقول الله رسوله ﵌: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: من الآية: ٤٤). والبيان من الرسول للوحي الإلهي قد يكون بالقول، فقد بين الرسول ﵌ أمورًا كثيرًا استشكلها أصحابه، كما بيّن المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: ٨٢) فقد بيّن النبي ﵌ أن المراد من الظلم الوارد في هذه الآية هو الشرك، وكما بيّن الرسول ﵌ الآيات المجملة في الصلاة، والزكاة، والحج وغير ذلك بقوله. وكما يكون البيان بالقول يكون بالفعل، فقد كانت أفعال الرسول ﵌ في الصلاة، والزكاة، والصدقة، والحج وغير ذلك بيانًا لكثيرٍ من النصوص،

стр. 99

وعندما يتولى الناس ويعرضون عن دعوة الرسل، فإن الرسل لا يملكون غير البلاغ، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ (آل عمران: من الآية: ٢٠). الوظيفة الثانية من وظائف الرسل: الدعوة إلى الله تعالى: لا تقف مهمة الرسل عند بيان الحق وإبلاغه، بل عليهم أن يدعوا الناس إلى الأخذ بدعوتهم، والاستجابة لها، وتحقيقها في أنفسهم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وهم في ذلك ينطلقون من منطلقٍ واحدٍ، فهم يقولون للناس: أنتم عباد الله والله ربكم وإلهكم، والله أرسلنا لنعرّفكم كيف تعبدونه، ولأننا رسل الله مبعوثون من عنده؛ فيجب عليكم أن تُطيعونا وتتبعونا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: من الآية: ٣٦). وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس إلى الله جهودًا عظيمًا، وحسبك في هذا أن تقرأ سورة "نوح" لترى الجهد الكبير الذي بذله ﵇ على مدار تسعمائة وخمسين عامًا، فقد دعاهم ليلًا ونهارًا سرًّا وعلانية، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحاول أن يفتح عقولهم، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات، ولكنهم أعرضوا، ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَارًا﴾ (نوح: ٢١). الوظيفة الثالثة من وظائف الأنبياء والمرسلين: التبشير والإنذار: فدعوة الرسل إلى الله تقترن دائمًا بالتبشير والإنذار، ولأن ارتباط الدعوة إلى الله بالتبشير والإنذار وثيق جدًّا؛ فقد قصر القرآن مهمة الرسل عليهم في بعض آياته، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (الأنعام: من الآية: ٤٨) وقد ضرب الرسول ﵌ لنفسه مثلًا في هذا، فقال: ((إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجلٍ أتى قومًا؛ فقال: يا قومي إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من

стр. 100

قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهاليهم فنجوا، وكذبته طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل ما عصاني وكذب بما جئت به من الحق)). وتبشير الرسل وإنذارهم دنيويّ وأخرويّ، فهم في الدنيا يُبشرون الطائعين بالحياة الطيبة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: من الآية: ٩٧). ويعدونهم بالعز، والتمكين، والأمن: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: من الآية: ٥٥). ويخوفون العصاة بالشقاء الدنيويّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤). ويحذرونهم العذاب والهلاك الدنيويّ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (فصلت: ١٣). ويخوفون المجرمين والعصاة عذاب الله في الآخرة: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (النساء: ١٤). ومن يطالع دعوات الرسل يجد أن دعوتهم قد اصطبغت بالتبشير والإنذار، ويبدو أن التبشير والإنذار على النحو الذي جاءت به الرسل هو مفتاح النفس الإنسانية، فالنفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بَصّرَ الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة، فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال، فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال، ونعيم الله المُبشر به نعيمٌ يستعذبه القلب، وتلذه النفوس، ويهيم

стр. 101

به الخيال، اسمع إلى قول الله تعالى يصف نعيم المؤمنين في جنات النعيم: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ (الواقعة: ١٥: ٣٨). وانظر إلى عذاب الكفرة في دار الشقاء، وما سينالهم إذا وقفوا وحشروا بين يد رب العزة والجلال سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: ٤١: ٤٥) إلى غير ذلك من الآيات التي جاء فيها تبشيرٌ، جاء فيه وعدٌ، وجاء فيها أيضًا تخويف وإنذار من رب العزة والجلال، وقد ساق الأنبياء والمرسلون كل ذلك عن الله ﵎. الوظيفة الرابعة من وظائف الأنبياء والمرسلين: إصلاح النفوس وتزكيتها: الله رحيمٌ بعباده، ومن رحمته أن يحيي نفوسهم بوحيه وينيرها بنوره: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (النور: من الآية: ٥٢). والله يخرج الناس بهذا الوحي الإلهي من الظلمات إلى النور، ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإسلام والحق: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: من الآية: ٢٥٧). وقد أرسل الله رسله بهديه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (النور: من الآية: ٥)

стр. 102

وبدون هذا النور تعمى القلوب، فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور، وعماها ضلالها عن الحق، وتركها لما ينفعها، وإقبالها على ما يضرها، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم، وإخراج الناس الرسل من الظلمات إلى النور لا يتحقق إلا بتعليمهم تعاليم ربهم، وتزكية نفوسهم بتعريفهم بربهم وأسمائه وصفاته، وتعريفهم بملائكته وكتبه ورسله، وتعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم. وقد دلت الرسل البشر على السبيل التي توصل إلى محبة الله ﵎ وتعرف به وتدعو إلى عبادته، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢). الوظيفة الخامسة: تقويم الفكر المنحرف، والعقائد الزائفة: كان الناس في أول الخلق على الفطرة السليمة يعبدون الله وحده ولا يشركون به أحدًا، فلما تفرقوا واختلفوا أرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى جادة الصواب، وينتشلونهم من الضلال، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (البقرة: من الآية: ٢١٣) أي: كان الناس أمة واحدة على التوحيد والإيمان وعبادة الله، فاختلفوا فأرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين، وقد كان كل رسولٍ يدعو قومه إلى الصراط المستقيم، ويبينه لهم، ويهديهم إليه، وهذا أمرٌ متفقٌ عليه بين الرسل جميعًا، ثم كل رسولٍ يُقوّم الانحراف الحادث في عصره ومصره، فالانحراف عن الصراط المستقيم لا يحصره ضابط، وهو يتمثل في أشكالٍ مختلفة، وكل رسول كان يعتني بتقويم الانحراف الموجود في عصره، كما اهتم نوح ﵇ بإنكاره على قومه عبادة الأصنام، وكذلك إبراهيم، وصالح ﵇ أنكر على قومه الإفساد في

стр. 103

الأرض واتباع المفسدين، ولوط حارب جريمة اللواط التي انتشرت في قومه، وشعيب قاوم في قومه جريمة التطفيف في المكيال والميزان، وهكذا. الوظيفة السادسة من وظائف الأنبياء والمرسلين: إقامة الحجة: لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى، فالله -جل وعلا- أرسل الرسل وأنزل الكتب كي لا يبقى للناس حجة يحتجون بها أمام الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: من الآية: ١٦٥). ولو لم يرسل الله الرسل إلى الناس لجاءوا يوم القيامة يخاصمون الله -جل وعلا- ويقولون: كيف تعذبنا وتدخلنا النار وأنت لم ترسل إلينا من يبلغنا مرادك منا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه: ١٣٤). وفي يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين، ويأتي لكل أمة برسولها ليشهد عليها بأنه بلغها رسالة ربه، وأقام عليها الحجة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (النساء: ٤١، ٤٢). ولذلك فإن الذين يرفضون إتباع الرسل ويعرضون عن هديهم لا يملكون إلا الاعتراف بظلمهم إذ وقع بهم العذاب في الدنيا، ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ (الأنبياء: ١١: ١٥).

стр. 104

الوظيفة السابعة من وظائف الأنبياء والمرسلين: سياسة الأمة: الذين يستجيبون للرسل يكونون جماعة واحدة، وهؤلاء يحتاجون إلى من يسوسهم ويقودهم ويدبر أمورهم، والرسل يقومون بهذه المهمة في حال حياتهم، فكانوا يحكمون بين الناس بحكم الله، كما قال الله لنبيه ومصطفاه ﵌: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ونادى رب العزة والجلال داود قائلًا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (ص: من الآية: ٢٦). وأنبياء بني إسرائيل كان يسوسون أمتهم بالتوراة، وفي الحديث: ((كانت بني إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبيٌّ)) وقال الله عن التوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (المائدة: من الآية: ٤٤). فالرسل يحكمون بين الناس، ويقودون الأمة في السلم والحرب، ويقومون على رعاية مصالح الناس، هم في كل ذلك عاملين بطاعة الله تعالى، ولن يصل العبد إلى نيل رضوان الله ومحبته إلا بطاعة الله، وطاعة رسوله ﵌. ولذلك أقول: يجب أن يكون شعار المسلم الذي يعلنه دائمًا هو شعار السمع والطاعة، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: من الآية: ٥١) والله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣١). د- النقطة الرابعة في هذا العنصر، وهي بعنوان: ختم النبوات بالنبي الخاتم ﵌: إن الله تعالى قد ختم سائر النبوات بأخر نبوة، وهي نبوة محمدٍ رسول الله ﵌ فلم يبق من مطمعٍ لأحدٍ في أن يدعي النبوة أو يؤتاها بعد نبوة محمدٍ النبي الأمي أبدًا، ومن جَهَل هذه حقيقة، أو تجاهلها تضليلًا وخداعّا وادعى النبوة، فقد كذب على الله وأعظم الفرية عليه وكذّبه في قوله، وكذب نبيه المصطفى ﵌ الذي أخبر أيضًا عن نفسه بأنه خاتم الأنبياء ﵌.

стр. 105

ومن ادعى النبوة والرسالة بعد النبي ﵌ افتضح أمره، ولعنه الناس كما حصل لمسيلمة الكذاب، وكما حصل لأحمد مرزا غلام صاحب القديانية الباطلة الكافرة، والله تعالى قد أخبر في كتابه بختم النبوات بنبوة محمدٍ ﵌ فقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٤٠). وإن الواجب عن كل إنسان في هذا الوجود البشري أن يؤمن بالنبي الخاتم ﵌ وأن يتبع ما جاء به من الحق والهدى، وذلك لأمر الله تعالى بالإيمان به، وباتباع ما جاء به في مثل قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ (التغابن: من الآية: ٨). ولتخصيص الرب ﵎ رحمته -وهي الجنة- بمن أمن بالنبي ﵌ قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٦) لمن هذه الرحمة التي ستكتبها يا رب؟ قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧). وأخيرًا فإن من الأدلة السمعية على ختم النبوة، وأن محمدًا ﵌ هو خاتم الأنبياء والمرسلين ما جاء في رواية الصحيحين عنه ﵌ أنه قال: ((إنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي)).

стр. 106

وقال ﵌: ((إن ليّ أسماء أنا محمدٌ، وأنا أحمدٌ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بيّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي)) صلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين. وبهذا ينتهي هذا اللقاء معكم أيها الإخوة الكرام، وختامًا أُصلى وأُسلم على النبي ﵊ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - أركان الإيمان (٣) الركن الخامس من أركان الإيمان؛ الإيمان باليوم الآخر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد: الإخوة الكرام ألتقي بكم في سلسلة محاضرات أصول الدعوة وطرقها، وعنوان هذه المحاضرة: تابعوا أركان الإيمان، وتشتمل على العناصر التالية: العنصر الأول في الركن الخامس من أركان الإيمان ألا وهو الإيمان باليوم الآخر، ويشتمل على النقاط التالية: أ- المراد باليوم الآخر ووجوب الإيمان به: إن المراد من اليوم الآخر أمران: الأول فناء هذه العوالم كلها، وانتهاء هذه الحياة بكاملها، والثاني إقبال الحياة الآخرة وابتداؤها، فدلَّ لفظُ اليوم الآخر على آخر يومٍ من أيام هذه الحياة، وعلى اليوم الأول والأخير من الحياة الثانية؛ إذ هو يومٌ واحدٌ لا ثاني له فيها ألبتة، فالإيمان باليوم الآخر مقتضٍ للتصديق بأخبار الله تعالى بفناء هذه الحياة الدنيا، وبما يسبقه من أمارات، وما يتم فيه من أهوال واختلاف أحوال، كما هو مقتضٍ كذلك لتصديق الله تعالى في أخباره عن الحياة الآخرة، وما فيها من نعيمٍ وعذابٍ، وما يجري فيها من أمورٍ عظامٍ كبعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم على أعمالهم التي قاموا بها في هذه الحياة الدنيا. وقد يسأل سائل فيقول: هل الفناء ممكن؟ وجوابنا على هذا السؤال أن أقول: نعم، الفناء ممكن؛ لأن العالم ليس أزليًّا أبدًًا، وما لم يكن أزليًّا فهو حادثٌ، وما كان حادثًا فالفناء من صفاته اللازمة له التي لا تنفك عنه بحال، وطروء الفناء على الحادثات مشاهدٌ في هذه الحياة لا يحتاج إلى دليل، إنه قد ثبت بالبراهين العقلية والمادية معًا ثبت حدوث هذا العالم، وإن التغير الجاري والمستمر على العوالم دالٌّ على حدوثها، وإن حدوثها دالٌّ على فنائها.

стр. 107

وهناك دليلٌ آخر وهو أن العالم كل له أجزاء، ونحن نشاهد الفناء يجري في أجزائه باستمرار، فمثلًا الحيوان والنبات يفنى أمامنا، وتحت سمعنا وبصرنا، ونفقد وجودهما باستمرارٍ ودون انقطاعٍ، وهما قطعًا أجزاءٌ من هذا العالم، كما أننا نرى الزلزال من الفينة إلى الفينة يُدمر مدنًا وقرًى كبيرةً، ويغير معالم الأرض في كثير من البلاد في العالم، فظاهرة الفناء إذن لأجزاء هذا العالم دالةٌ على فناء العالم كله؛ إذ ما أمكن الفناء في أجزائه أمكن فناء كله. وبناء على هذا أقول: اليوم الآخر ممكن الوقوع، وهو مرتقبٌ جدًّا وقوعه حقيقة، وهو اليوم الذي لا يأتي بعده يوم من أيام هذه الحياة الدنيا، وذلك لخراب العالم وفنائه، والإيمان باليوم الآخر هو عبارة عن التصديق الجازم بانقلابٍ هائل يتم في الكون، ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى، وهي الدار الآخرة بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث الخلائق، وحشرهم، وحسابهم، ومجازاتهم، هذا الإيمان ليس واجبًا فحسب، بل هو أحد أركان ستة عليها تبنى عقيدة المؤمن، فلا تتم إذن عقيدته إلا به، ولا تصح إلا عليه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: من الآية: ١٧٧) فنصت الآية هنا على أن الإيمان باليوم الآخر ضروري، بل إنه أتى بعد الإيمان بالله ﵎. ولأهمية هذا المعتقد في حياة المؤمن، ولآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه عنى القرآن الكريم به عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله فقد ذكره ربُّنا في كتابه في عشرات السور من القرآن الكريم، وفي مئات الآيات مرة بوصفه والحديث عنه كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ١٣: ١٧). ومرة بتقريره وتأكيد

стр. 108

مجيئه، كقوله تعالى من سورة "الحج": ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج: ٦، ٧). وممّا يؤكد أهمية هذا المعتقد، ويجعله كالصمام لحياة الاستقامة والطُهْرِ والخير، هو ذكره مقرونًا بالإيمان ﵎ وذلك كقوله تعالى من سورة "البقرة": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: من الآية: ٦٢) وكقول الله ﵎: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (الطلاق: من الآية: ٢). إذن عرفنا المراد باليوم الآخر، وأنه يجب الإيمان به، وأهمية الإيمان بهذا اليوم العظيم الذي سيقف فيه العباد بين يدي رب العزة والجلال . ب- أنتقل إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعنوان: الأدلة على البعث والنشور: لقد سلك القرآن الكريم في إثبات الميعاد والحياة الثانية مسالك متعددة، هي غاية في الوضوح والسهولة منها: أن الشيء إذا لم يكن ثم كان وأعدم كانت إعادته أيسر وأهون على من بدأه أول مرة ثم أعدمه وأفناه، فالذي بنى دارًا ثم هدمها، لا يستحيل عليه ولا في حقه إعادة بنائها كما كانت أو خيرًا ممّا كانت، والذي يصنع آلة من الآلات مخترعًا لها لا يستصعب عليها أن يعيدها كما كانت، إذا هو كسرها بإرادته وباختياره ليحولها إلى آلة أفضل منها قبل، وقد ورد هذا المسلك من الاستدلال في سورة "الروم" وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: ٢٧).

стр. 109

وأيضًا من مسالك القرآن الكريم في إقامة الأدلة على البعث والنشور: استدلاله بنوم الإنسان والحيوان واستيقاظهما، فالنوم يُعتبر موتًا مصغرًا، والاستيقاظ يُعتبر حياة مصغرة أيضًا، فكما تتم عملية النوم للإنسان والحيوان وعملية الاستيقاظ لهما، تتم أيضًا عملية الموت والحياة الكاملة لهم، جاء هذا الاستدلال في قول الله تعالى من سورة "الأنعام": ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٦٠) فتأملوا هذه الآية حينما ذكر وفاتنا بالليل، وأنه يعلم ما كسبنا في النهار، أشار رب العزة والجلال إلى أنه كما يُنيمنا بالليل ويبعثنا في النهار يُرجعنا إليه وهذا دليلٌ واضحٌ. وأيضًا من الأدلة: الاستدلال بالأرض الميتة بسبب طبيعتها أو الجدب أو القحط؛ حيث تنعدم فيها الحياة تمامًا، ثم يُنزل الله عليها الغيث أو تسقى بالماء؛ فتعود إليها كما كانت وخيرًا ممّا كانت نماءً وازدهارًا، والذي يوحي الأرض بعد موتها يحيي الإنسان أيضًا إذا مات وتحلل، وفي ذلك يقول -جل ذكره- من سورة "فصلت": ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: ٣٩). وقال تعالى من سورة "الحج": ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ (الحج: ٥، ٦) وكما أشار في الآية السابقة بعد ذكره أنه يُنزل الماء على الأرض الميتة فتهتز وتحيا، فكما يفعل ذلك بهذه الأرض الميتة يُخرج الإنسان بعد ذلك أيضًا من الأرض ويحييه ويبعثه؛ ولذلك أشار بعد قوله: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أيضًا من الأدلة: الاستدلال بالقدرة الكافية التي بها خُلِقَ آدم ﵇ من تراب، وذريته من نطفة على إمكان الميعاد والبعث وتقرير

стр. 110

وقوعهما، قال تعالى من سورة "الحج": ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحج: ٥). ومن الأدلة أيضًا: الاستدلال بالقدرة على خلق العوالم على إمكان إعادة حياة الناس بعد موتهم وفناء أجسامهم، فالذي خلق العالم بكل ما فيه، وأخرجه من حيز العدم إلى الوجود، بل خلق ما هو أعظم وأكبر من الإنسان، أيعجز بعد ذلك أن يوجد هذا الإنسان الضعيف؟! وتأملوا مثلًا في خلق السماوات والأرض، وفي ذلك يقول -جل ذكره-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر: ٥٧). ولذلك رد الله على من استبعد البعث، والنشور، وقام في ذهنه وعقله أن البعث بعيد، ومستحيل، استدل الله بأدلة متعددة على البعث والنشور: منها خلقه لهذه العوالم أول مرة، ومنها أيضًا إنشاؤه لهذه الكائنات، وإخراجها من حيز العدم إلى الوجود، ثم خلق ما هو أكبر من خلق الإنسان، وفي آخر سورة "يس" رد رب العزة والجلال على المنكر المستبعد للبعث والنشور بأدلة -كما أشرت- ومنها: قوله سبحانه: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ (يس: ٨١). وأيضًا من الأدلة: الاستدلال باختلاف سلوك الإنسان في هذه الحياة بالخير والشر، والصلاح والفساد على وجود حياة أخرى يجزى فيها كل عاملٍ بما عمل من خيرٍ
следующие страницы →