← Общие книги

Общие книги · id 10369

أصول الدعوة وطرقها 4 - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (490 стр.). Показаны 456–490 · переход к 461.

стр. 456

الرسالة الحموية، التي تناولها كثير من أهل العلم بالشرح والبيان والتحليل وهي في مسألة باب أسماء الله ﵎ وصفاته، أملاها في قعدة واحدة بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا يدل على فائق علمه ﵀ ﵎. وهناك في الحقيقة أمور كثيرة دقيقة عن شيخ الإسلام وأعماله ﵀ ولكني أرى أن الوقت يضيق عن استقصاء ذلك والحديث عنه، ولعلي فيما ذكرته آنفًًا من كلمات عن شيخ الإسلام ابن تيمية تبين كثيرًا من أعماله ﵀ ﵎. ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب أنتقل بعد ذلك إلى ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ وأبدأ بسيرته الذاتية، وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية: أ- اسمه ونسبه: نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أذكر بعضه هنا، وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان، وهو بهذا يلتقي مع النبي ﵌ عند هذا النسب. ب- مولده ونشأته العلمية ومواهبه: ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سنة ألف ومائة وخمس عشرة من هجرة المصطفى ﵌ وذلك في بلدة "العيينة" على الصحيح، في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم، وقّاد الذهن زكي القلب سريع الحفظ، قرأ على أبيه في الفقه، وكان -رحمه الله تعالى- في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه وجد في طلب العلم، وأدرك وهو في سن مبكرة حظًّا وافرًا من العلم،

стр. 457

حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، وكتبه أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وفهمه الجيد، وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره، ورآه أهلًا للصلاة بالجماعة إمامًا لمعرفته بالأحكام، وزوجه بعد البلوغ مباشرة. ثم من طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام فأذن له، فحج وقصد المدينة النبوية وأقام فيها شهرين، ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة، وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة، بحيث إنه كان يخط كراسًا بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه، ويقول عنه عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: وقد كتب بخط يده كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يزال بعضها موجودًا بالمتحف البريطاني بلندن، وهذه العبارة تفيد أن الشيخ ابن عبد الوهاب ﵀ كما سيتبين لنا بعد ذلك، سلك مسلك السلف الذي سلكه الإمام ابن تيمية ﵀ ﵎. وقال حفيده وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: لما قدم جده سليمان بن علي من الروضة ونزل العيينة كان أفقه من نزل نجد في وقته فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد، منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم وكان المتولي للقضاء في العارض ابنه عبد الوهاب، وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد لحاجتهم إليه في الإفتاء وما يقع بينهم من بيع العقارات، وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته، وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب فظهر شيخنا يعني: محمد بن عبد الوهاب بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم، فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل

стр. 458

بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب، فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها في (الشرح الكبير)، و (المغني)، و (الإنصاف) لما فيهما من مخالفة ما في متن (المنتهى) و (الإقناع). وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ له مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة وتأيد بإجماع سلف الأمة. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وقد أخبر شيخنا -رحمه الله تعالى- أنه كان في ابتداء طلبه العلم وتحصيله في فن الفقه وغيره، لم يتبين له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله من جن أو غائب أو طاغوت أو شجر أو حجر أو غير ذلك، ثم إن الله تعالى جعل له نهمة في مطالعة التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس من الشرك، أنه الشرك الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، فبحث في هذا الأمر مع أهله وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه. جـ- أثر البيئة في توجيه الشيخ علميًّا: من المعلوم أن الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وأود هنا أن أبين ما إذا كان للبيئة أثر في توجيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ من الناحية

стр. 459

العلمية فأقول: لقد أرصد الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه الشيخ من علم، وما عرفه من الحق على يد أبيه، ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما يتعلمه من أبيه ومن ميراث العلماء في واد، والناس أو غالب الناس في واد آخر، والحياة الواقعة، والعمل الجاري من الناس على العموم والغالب كان مخالفًا للهدي النبوي الذي كان عليه النبي ﵌. وقد اصطدم ذلك مع حياة الشيخ العلمية الخاصة التي ورثها من متصل إسناد العدول وحملة العلم النبوي من لدن رسول الله ﵌ إليه اتصالًا متينًا لا يتطرق إليه انقطاع ولا انفصام، ذلك أن البيئة في "نجد" على الخصوص كما هي في سائر البلاد الأخرى على العموم كانت بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءًًا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها، ولا شك أن بيئة هذه عقيدتها مناقضة لعقيدة السلف الصالح مناقضة للإسلام الذي يتربى عليه الشيخ في محضن خاص من المحاضن التي يحفظ الله بها دينه، ويقيم على الناس بها حجته، استمرارًا لرسالة خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- ولا بد أن يخرج الشيخ إلى هذه البيئة ويعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور. والشيخ بين أمرين: إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل: الآخرين فتكون نفسه وقلبه وروحه ميدانًا للمتناقضات وصراعها واختلاط البدعة والوهم بعقيدته السليمة ودينه القيم وحياته الطيبة، وتصبح الجاهلية سائدة في نفسه كالأكثر الغالب من الناس، وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتشرة والبدعة الشائعة والجاهلية الجاثمة الثقيلة، وما أثقلها من كابوس جاثم، إنها حياة أغلبية المجتمع من حوله التي تضغط بقوة على من يحيى بالإسلام ونوره، ولكن قد اختار

стр. 460

الشيخ ﵀ وجزاه خيرًًا أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية، وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله، وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين، وذلك بتأثير البيئة العلمية التي نشأ فيها الشيخ ﵀ ﵎. د- توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم: قال ابن بشر ﵀ ﵎: لما تتحقق للشيخ معرفة التوحيد ونواقضه وما كان قد وقع فيه كثير من الناس من البدع المضلة، صار ينكر هذه الأشياء، واستحسن الناس ما يقول، لكن لم ينتهوا عن ما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون، هنا توجه الشيخ ﵀ للرحلة في طلب العلم للتسلح بسلاح ماض قاطع؛ فإن إنكار الشيخ لهذه الأمور الشائعة جعلته في مواجهة للمعارضة من علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل، فكان كل ذلك يزيد تفكيره وحرصه على تحصيل العلم وإدراك الحق، فلا بد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول، الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة، فليرحل إلى مظانهم في أقطار البلاد الإسلامية، حيث إنهم لا يحصرون في مكان دون آخر ولا زمان دون زمان؛ فإن للعلماء بقايا وفي الزوايا خبايا، وحجة الله قائمة، وذكره محفوظ، وميراث رسول الله ﵌ مضبوط وذلك في الكتب والصدور، يحمله من كل خلف عدوله، ويتوارثه جيل بعد جيل، ورب مُبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

стр. 461

ليرحل الشيخ حينئذ في طلب العلم، والتسلح بسلاحه؛ فإن الطريق إلى الله لا بد من أعداء قاعدين عليه، ولا شك أنهم عندهم من الفصاحة والعلم والحجج؛ ولذلك وجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحًا يقاتل به هؤلاء الشياطين الذين يصدون عن سبيل الله ويقطعون الطريق إليه، كما ذكر ذلك الشيخ ﵀ في بعض رسائله؛ لذلك قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرتحل من بلده "العيينة" يطلب العلم والنصرة وإعداد العدة من النور والحكمة، ولعله يجد ما يساعده على ما عرف من دين الإسلام، والشيخ ﵀ رحل رحلات متعددة، وأنا سأقف بعض الوقفات وأنقل بعض من كلمات الذين ترجموا لهذا العالم الجليل ﵀ وذكروا رحلاته العلمية. من هؤلاء المؤرخ ابن بشر ﵀ حيث قد ذكر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه قال: بأنه رحل في طلب العلم وحج بيت الله الحرام، وقضى حجه وسار بعد ذلك إلى المدينة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم- وقد ذكر المؤرخ ابن بشر ذلك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقال: فلما رأى -هذا كلام ابن بشر- أنه لا يغني القول ولم يتلق الرؤساء الحق بالقبول، تجهز من بلد "العيينة" إلى حج بيت الله الحرام، فلما قضى حجه سار إلى المدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وكلام ابن بشر هذا يفيد أن الشيخ بدأ رحلاته العلمية من العيينة إلى الحجاز، فحج بيت الله الحرام أولا ثم سار إلى "المدينة" ثانية، وعلى ما يظهر من كلام بن غنام وكلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، أن الشيخ ﵀ كان قد حج قبل هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية، حج في طلب العلم قبل أن يرحل ﵀ ﵎ أيضًًا إلى الحج مرة أخرى ليحج ويتعلم، وفي ذلك يقول: ابن غنام ﵀ عن والد الشيخ -يعني والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- أن والد الشيخ قال: وقد تحققت -يقول:

стр. 462

عن ابنه- وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام، وزوجته بعد البلوغ في ذلك العام، ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته ﵊ وأقام فيهما شهرين، ثم رجع بعد ذلك فائزًا بأجر الزيارة والمناسك. ثم ذكر ابن غنام أن الشيخ بعد رجوعه من "المدينة" إلى "العيينة" أخذ في القراءة على والده في الفقه على مذهب الإمام أحمد ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم إلى ما يليه من الأقطار، وزاحم فيه العلماء الكبار، فوطئ الحجاز والبصرة لذلك مرارًا وأتى الإحساء لتلك الأوتار. ويقول الشيخ عبد اللطيف أيضًًا: وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة ورآه أهلًا للإتمام، ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام، وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأقام بها قريبًا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة في الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵀ ثم بعد ذلك رحل يطلب العمل. وعلى هذا يتضح من كلام ابن غنام والشيخ عبد اللطيف أن حجته الأولى كان يدفعه إليها واجب أداء واجب ركن الإسلام وفريضته لما توفرت شروطها ببلوغ الشيخ ألا وهي حج بيت الله الحرام، أما هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر أولا في بداية رحلته العلمية فواضح أنها كانت بعد أن قرر مغادرة العيينة لطلب العلم. وبنحو ما ذكرته هنا ذكره بعض العلماء ومنهم الشيخ مسعود الندوي ﵀ ﵎ حيث قد ذكر في كتابه "محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه"

стр. 463

قال ما نصه: وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام، وكان مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه، وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز، إلى أن قال: حج بيت الله الحرام وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء وانقطع لطلب العلم. وعلى هذا فإن الرحلة الأولى التي ذكرتها أنا الآن في بداية كلامي، عن توجه الشيخ للرحلة، عندما ذكرت أنه توجه إلى المدينة وإلى مكة، وتوجه أولا إلى مكة للحج ثم ذهب بعد الحج إلى "المدينة" يظهر أنها حجة كانت تالية بعد الحجة التي وجه فيها والد الإمام محمد بن عبد الوهاب ليحج بيت الله الحرام لما طلب منه الشيخ ذلك، والشيخ على ما يروي ابن بشر من رحلته العلمية خرج من "المدينة" بعد أن أقام فيها ما شاء الله يطلب العلم إلى نجد، ومن نجد تجهز إلى البصرة يريد الشام، فلما وصل البصرة جلس فيها يقرأ عند عالم من أهل "المجموعة" و"المجموعة" هذه قرية من قرى البصرة في مدرسة فيها. ويذكر حفيد الشيخ وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معرض رده على ابن منصور الذي يفتخر برحلته إلى البصرة والزبير، ويقول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب هكذا يقول: ابن منصور مفتخرًا بذهابه إلى "البصرة" و"الزبير" ومعرضًا بأن ابن عبد الوهاب لم يذهب ولم يرحل لطلب العلم، فقال هذا الرجل وهو ابن منصور: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتخرج على أشياخ في العلم، قال الشيخ عبد الرحمن ردًّا عليه: إن الشيخ أيضًًا سافر إلى البصرة غير مرة، كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء فما الذي يخص ابن منصور بأخذ العلم منها دونه، إذا كان الكل قد سافر إليها، ويقول عبد الرحمن بن حسن: ثم إن شيخنا -رحمه الله تعالى- بعد رحلته إلى البصرة رحل إلى الإحساء، ثم رجع من الإحساء أيضًًا إلى البصرة.

стр. 464

وقال عبد الرحمن بن حسن أيضًًا: إن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدًا الحج فحج ﵀ فلما قضى الحج وقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدًا المدينة مع الحجاج يريد الشام، فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج، فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها، ثم رجع إلى نجد فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد. فكلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ هذا واضح وصريح في أن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدًا الحج، فحج ووقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، ثم خرج من مكة قاصدًا المدينة مع الحجاج ليسافر منها إلى الشام مع حج الشام، ولكن فاته ركب الشام بسبب ما تعرض من لصوص البادية سراق الحجيج، وحين قدم المدينة لم يدركهم، وسواء بقي في المدينة أو لم يبق بها فإنه رجع إلى "نجد" من "المدينة" وقام يدعو أهل "نجد" إلى التوحيد، فلما لا تكون هذه حجة ثالثة أيضًًا؛ حيث كانت الثانية هي بداية رحلاته العلمية على ما أشرت إلى ذلك في توجيه رواية ابن بشر رحم الله ﵎ الجميع. هـ- شيوخه وما أخذه عنهم من فنون العلم وتلاميذه ﵀ ﵎: في الحقيقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بناء على ما ذكرته في رحلاته، كانت له شيوخ كثيرون، وسأذكر هنا بعض شيوخه في البلاد التي أخذ منهم العلم، وأبدأ بديار نجد، وقد ذكرت في ما مضى أن الشيخ تلقى العلم في نشأته العلمية في بلدة العيينة على والده الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة وعلى عمه الشيخ إبراهيم، وهما أخذا عن أبيهما علامة الديار النجدية، ومرجع علمائها الشيخ سليمان بن علي، ولا يستبعد أخذه عن غير والده

стр. 465

وعمه، ولكننا نستطيع تسمية أبيه وعمه؛ لأن هذا أمر متأكد منه، فأبوه الشيخ عبد الوهاب ابن الشيخ سليمان بن علي، وقد ولد في مدينة "العيينة" قاعدة بلدان "نجد" إذ ذاك، وكان والده الشيخ سليمان بن علي هو علامة "نجد" في زمنه، هو قاضي "العيينة" فشب في بيت علم وفضل، واشتغل بالعلم من صغره، فأخذ عن والده وعن غيره من علماء "العيينة" و"نجد" كالشيخ محمد بن ناصر حتى أدرك -لا سيما في الفقه- فإنه فقيه لا كأبيه، ودرس وأفتى وكتب عن بعض المسائل الفقهية كتابات حسنة وولي قضاء "العيينة" فمكث فيها مدة طويلة ﵀ ﵎. وقد ربى ابنه الشيخ محمد تربية علمية، وقد أشرت إلى ذلك، ولا شك أن الأب إذا كان عالمًا ومعلمًا سيعتني بتعليم وتربية أولاده قبل غيرهم. أما الشيخ الثاني الذي أخذ الشيخ بن عبد الوهاب عنه العلم في ديار "نجد" هو: الشيخ إبراهيم بن الشيخ سليمان بن علي وهو عم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ وقد أخذ الشيخ إبراهيم أيضًا عن أبيه وعن غيره من العلماء حتى حصل -خصوصًا في الفقه- وكتب من كتب الفقه شيئًًا كثيرًا بيده، وخطه حسن مضبوط، وقد ولي القضاء في بلدة أشيقر، ولا شك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الترجمة في هذا اللقاء، قد أخذ عن عمه هذا كثيرًا من صنوف العلم. أنتقل بعد ذلك إلى شيوخ الشيخ في بلدان أخرى غير بلده العيينة، فأبدأ بالحجاز، وهنا بعض الناس يشكك في أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتعلم في رحلاته العلمية، وأنه لم يأخذ عن الشيوخ، ولكن في الحقيقة أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن كثير من الأئمة والعلماء والشيوخ، وقد ذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه أخذ عن بعض علماء الحرم الشريف، ويقول الدكتور العثيمين: وتشير

стр. 466

بعض المصادر إلى أنه درس على علماء الحرمين، وهذا يعني: أنه درس في كل من مكة والمدينة، ولكن عدم ذكر المصادر لأي عالم درس محمد بن عبد الوهاب عليه في مكة يرجح أنه لم يدرس فيها مدة تستحق العناية والبحث. وهنا قال الدكتور صالح العبود ﵀: ولكني وجدت في بعض المصادر أن الشيخ أخذ عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وهو مكي، وأذكر هنا من هو الشيخ عبد الله بن سالم البصري، فهو: الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلًا، المكي مولدًا ومدفنًا، الشافعي مسند الحجاز، عمدة المحققين ولد ﵀ سنة ألف وخمسين، وقد تأهل للعلم في مكة ومات فيها، وقد ترجم له العلامة الشيخ عابد السندي الحنفي فقال: وأما إمام الحديث والمقدم في عصره، الشيخ عبد الله بن سالم البصري، فهو إمام عصره، إلى أن قال: جمع في علم الحديث بين الرواية والدراية وبلغ من التحقيق أكمل غاية، وصنف التصانيف الفائقة، وقرأ في المسجد الحرام عدة كتب، من جملتها البخاري ومسلم، والسنن الأربع، وقرأ البخاري أيضًًا بتمامه في جوف الكعبة الشريفة مرتين، وقرأ مسند الإمام أحمد -رحمه الله تعالى جميعه في الروضة الشريفة في ستة وخمسين مجلسًا سنة ألف ومائة وإحدى وثلاثين. وقد ذكرت عن هذا الشيخ لأبين أن الشيخ عبد الله بن سالم البصري أصلًا، المكي مولدًا، الذي درس عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان عالمًا، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب إذن قد درس على أئمة ورموز أهل العلم في عصره ﵀ ﵎ وهذا الشيخ عبد الله بن سالم يعتبر هو الشيخ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب، بعد شيخه الأول: أبيه عبد الوهاب، وشيخه عمه الثاني: إبراهيم ابني الشيخ سليمان بن علي علامة نجد،

стр. 467

وقد ذكرت ترجمتهما وأشرت إليهما قبل قليل. أما شيوخ الشيخ في المدينة النبوية، فكان على رأسهم الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلدة "المجمعة" ووالد إبراهيم مصنف (العذب الفائض شرح ألفية الفرائض) الشيخ محمد بن عبد الوهاب درس على هذا العالم ﵀ ﵎ وكان في المدينة المنورة، حيث كانت المدينة المنورة ملتقى العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، وكان بعض هؤلاء يأتي إليها فيستقر فيها، وكان بعضهم يأتي إليها فيقيم فيها فترة ثم بعد ذلك يغادرها إلى وطنها، وقد ضمت في تلك الفترة بالذات علماء درس عليهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأثر بهم عدد ممن أصبحت لهم أدوار مهمة في بلدانهم. وأيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ أخذ عن الشيخ هذا العالم عبد الله بن إبراهيم وهو شيخه الرابع، أخذ عنه العلموجالسه كثيرًا وصارت بينهما محبة، وكان الشيخ بمحمد بن عبد الوهاب حفيًًّا، وبذل جهدًًا كبيرًا في تثقيفه وتعليمه، وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة، توافق أفكار الشيخ ومبادئه مع تلميذه في عقيدة التوحيد، والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة زائفة، وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن شيخه هذا: كنت عنده يومًًا، فقال لي: تريد أن أريك سلاحًا أعددته للمجمعة، قلت: نعم. فأدخلني منزلًا عنده فيه كتب كثير، وقال: هذا الذي أعددنا لها. وقد ذكرت ذلك في بداية الحديث عن الشيخ ﵀ وقد استفاد الشيخ بن عبد الوهاب من هذا العالم في علم الحديث وأجازه، وقد أجازه أيضًًا الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلمًا وتعليمًا من "صحيح البخاري" بسنده إلى مؤلفه، وصحيح

стр. 468

مسلم بسنده إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، و"سنن الترمذي" بسنده، و"سنن أبي داود" بسنده، و"سنن ابن ماجه" بسنده، و"سنن النسائي الكبرى" و"سنن الدارمي" ومؤلفاته بالسند، وسلسلة العربية بسندها عن أبي أسود الدؤلي، عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- إلى غير ذلك من سائر الكتب التي كان الشيخ ﵀ ﵎ قد كان له سند فيها، فأجاز أيضًًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ فيها. أما الإمام العالم الخامس من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ فهو: الإمام الشيخ العالم الكبير المحدث محمد حياتو بن إبراهيم السندي المدني وهو أحد العلماء المشهورين الربانيين وعظماء المحدثين، ولد في إقليم السند، ونشأ وقرأ العلم على الشيخ محمد نعيم بن محمد أمين السندي من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي، ثم هاجر إلى الحرمين الشريفين فحج، ثم توطن المدينة المنورة، ولازم الشيخ الكبير أبا الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المدني، صاحب الحواشي على دواوين السنة الستة، وأخذ عنه وجلس مجلسه بعد وفاته أربعًا وعشرين سنة، وكان الشيخ محمد حياة السندي من المنكرين للبدع في الدين، وللأعمال الشركية، وقد أخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلم، وتفقه على يديه في هذه العقيدة، والسنة النبوية الصحيحة أيضًًا. يقول ابن بشر ﵀ ﵎: وحكي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقف يومًًا عند الحجرة النبوية، عند أناس يدعون ويستغيثون عند حجرة النبي ﵌ فرآه محمد حياة السندي فأتى إليه، فقال الشيخ -لابن عبد الوهاب طبعًًا- ما تقول: في هؤلاء؟ قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (سورة الأعراف: الآية: ١٣٩) وكان أيضًًا من المعارضين للتعصب للمذاهب

стр. 469

الفقهية، وترك الحديث الصحيح المحكم الذي لم ينسخ للالتزام بالمذهب، وهذا قد نقله عنه كثير من أهل العلم. والشيخ محمد بن حياة الله السندي، ومنهجه السلفي أثر في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا، وكان الشيخ من تلامذته الخواص، ومكث عنده زمنًًا وأخذ عنه علمًًا نبويًّا نافعًا في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله والتخلص من رق التقليد الأعمى والاشتغال بالكتاب والسنة. أما الشيخ السادس من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فهو الشيخ الإمام إسماعيل بن محمد العجلوني الشافعي، وقد ولد بعجلون سنة ألف وسبعة وثمانين هجرية، وأخذ العلم عن الشيخ أبي المواهب مفتي الحنابلة بدمشق، وعن كثير من المشايخ الكبار، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي، والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني وغيرهما، وألف المؤلفات المفيدة، منها: "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" وكانت وفاته بدمشق في شهر الحرام سنة اثنتين وستين ومائة وألف، وقد ذكره من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ عبد القادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقي، في كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل". وقد ثبت أن العجلوني ﵀ رحل إلى الحجاز، وأخذ عن المشايخ بمكة، وقد يكون -كما أشرنا- من قبل أن عبد الوهاب ﵀ ﵎ التقى به وتعلم على يديه إما في مكة أو في المدينة ﵏ ﵎.

стр. 470

أما العالم السابع والشيخ السابع من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب فهو الشيخ علي أفندي بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفي، الداغستاني، وقد ولد في سنة ١١٢٥ هجريًّا وقد أخذ عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما اجتمع به في المدينة المنورة، وأجازه بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بما ثبت في ثبت أبي المواهب. أيضًًا للشيخ علماء وأئمة كثيرون من هؤلاء الشيخ عبد الكريم أفندي الداغستاني، وهو ابن عم الشيخ علي أفندي المتقدم ذكره، وكذلك الشيخ محمد البرهاني، وكذلك الشيخ عثمان بكري نزيل المدينة المنورة، وقد حرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أيديهم علم التوحيد، وهناك مشايخ أخر كثيرون لهذا الإمام العالم الرباني الجليل، وقد حرصت على أن أذكر بعض هؤلاء المشايخ، وأن أذكر كلمة عنهم وأن أترجم لهم وأن أذكر العلوم التي أخذها منهم لأبين للحاقدين والحاسدين والمبغضين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه تعلم العلم على يدي أئمة كبار أهل العلم، فهو إمام عالم جليل مجتهد، رحم الله أئمتنا الذي كانوا ينهجون نهج سلف هذه الأمة الصالحين. وختامًا أصلي وأسلم على سيد الأنبياء والمرسلين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٣ - ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ (٣) سِيرُتُه الذَّاتِيَّةِ الحمد لله، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وبعد: ألتقي بكم في المحاضرة الأخيرة في مادة: "أصول الدعوة وطرقها" وهي بعنوان: "تابع ترجمة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎". وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية: العنصر الأول: تابع سيرته الذاتية، ويشتمل على النقاط التالية: أ- تلاميذه: في نهاية المحاضرة الماضية ذكرت بعضًا من شيوخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما حصله من علوم في رحلاته العلمية المختلفة، ولم آتِ على جميعه، وليس الغرض الاستقصاء، فله مشايخ أيضًا في بلاد البصرة، وقد أخذ عن الكثيرين من أهل العلم، ولكني أود الإيجاز والاقتصار؛ حتى لا أطيل. ولذلك في بداية هذا اللقاء أيضًا أود أن أشير إلى أمر مهم، قد يأتي في ذهن بعض المستمعين ويقول: نلاحظ أنك ترجمتَ للشيخ محمد بن عبد الوهاب ترجمة طويلة وكبيرة، لم تترجمها للإمام أحمد بن حنبل، وهو إمام أعلى قدرًا وشأنًا من ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وأقول بإن هذا حق ولم أغمطه حقه، ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته قائمة بين الناس اليوم، ولها دولة ترعاها وتقوم بها، وقد خالفها كثير من الحاسدين الحاقدين، وهي نفس دعوة الإمام أحمد بن حنبل، وهي نفس دعوة الإمام ابن تيمية -

стр. 471

رحمه الله ﵎. إلى جانب أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الدعوات الإصلاحية في العصر الحاضر، ولقد تحدثت عن الدعوات الكثيرة في هذا العصر، كدعوة أهل الحديث في بلاد الهند، وكدعوة الإخوان وأنصار السنة في مصر، ولم أتحدث عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وانتظرت أن أتحدث عن عقيدته وعن دعوته حينما تأتي ترجمته -إن شاء الله تعالى- وعلى ذلك، فأنا لم أطل في الحديث عنه، ولم أعطه أكثر من غيره. وعلى كل، فهو يستحق الحديث والإطناب -رحم الله ﵎ الجميع. أعود بعد ذلك إلى ذكر تلاميذ الشيخ، وأنا لا أريد أيضًا في هذا المبحث استقصاء كل من أخذ عن الشيخ واستفاد منه أي فائدة، إنما أقصد من أخذ عن الشيخ حتى تخرَّجوا على يديه، واستكملوا العلم النافع في مدرسته السلفية، وصاروا قضاة وعلماء ودعاة، وسأذكر أيضًا بعضهم. وفيما يلي بيان مَن ذكره بعض أهل العلم من تلاميذ الشيخ ﵀ ﵎ وعلى رأسه هؤلاء: الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وقد أخذ عن أبيه، واستكمل فنون العلم، وفاق أقرانه بالمعرفة، والشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد أخذ عن أبيه، فكان آية في العلم أيضًا والمعرفة، ومعرفة فنون العلم. والشيخ أو التلميذ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب ابنه الأكبر الشيخ علي، الذي كان عالمًا جليلًا ورِعًا دَيِّنًا فقيهًا، يُضرب به المثل في بلد الدرعية. ومن تلاميذ الشيخ أيضًا إبراهيم ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو الابن الرابع له، يقول الشيخ عبد الرحمن بن القاسم: ولم أقف له على وفاة، ولكنه موجود سنة ١٢٥١ في مصر، وتوفي بها. هؤلاء التلاميذ الذين ذكرتهم الآن هم أربعة، كانوا من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد حصلوا وأخذوا منه العلم. أما التلميذ الخامس فهو الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن مَعمر، وقد كان عالمًا جليلًا، وتوفي في مكة المكرمة.

стр. 472

والتلميذ السادس هو الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصين الناصري التميمي، الذي أخذ عن الشيخ وعن أبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولًا عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلده "شقراء". ومن تلاميذ الشيخ أيضًا الشيخ سعيد بن حجي، الذي رحل إلى الدرعية، فقرأ على الشيخ، كما أخذ عن ابني الشيخ حسين وعبد الله، وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية. ومن تلاميذ الشيخ أيضًا محمد بن سويلم، الذي ولد في الدرعية ونشأ فيها، وأخذ يتلقى العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله، وغيرهما. ومن تلاميذ الشيخ أيضًا عبد الرحمن بن خميس، الإمام في قصر آل سعود. أما التلميذ العاشر في سياق ذكري لتلاميذ الشيخ فهو الشيخ عبد الرحمن بن نامي، الذي ولد في مدينة العُيَينة ونشأ بها، ثم قرأ على علمائها، وكان ممن استجاب لدعوة الشيخ محمد إلى عقيدة السلف الصالح، فهاجر إليه في الدرعية، وقرأ عليه واستفاد منه، كما قرأ على الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، فأدرك إدراكًا جيدًا، وفي أول عام ألف ومائتين وأربع وثلاثين من الهجرة، أرسل إبراهيم باشا إلى "الأحساء" أمراءَه، فقتلوا حتى أئمة المساجد، وقبضوا على الشيخ عبد الرحمن بن نامي، فأخذوا ماله، ثم قتلوه ضمن من قتلوا ظلمًا وعدوانًا، فانتقل إلى ربه شهيدًا ﵀ ﵎. أما الشيخ الحادي عشر فهو الشيخ محمد بن سلطان العوسجي، الذي ولد في بلدة "ثادق" ونشأ فيها، ثم رحل إلى الدرعية، وشرع في القراءة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ثم على ابنه الشيخ عبد الله، وعلى الشيخ الفقيه حمد

стр. 473

بن ناصر بن معمر، حتى حصل في التوحيد والتفسير والحديث والفقه، وأصول هذه العلوم. والشيخ الثاني عشر أو التلميذ الثاني عشر هو عبد الرحمن بن عبد المحسن أبو حسين. أما التلميذ الثالث عشر فهو الشيخ حسن بن عبد الله بن عِيدان، الذي قدِمَ إلى الدرعية في أوج عزها، وقرأ على الإمام محمد بن عبد الوهاب وعلى غيره من علماء الدرعية، كالشيخ عبد الله ابن الشيخ، والشيخ حمد بن ناصر. أما التلميذ الرابع عشر فهو العالم الشيخ عبد العزيز بن سويلم العريني، الذي ولد في الدرعية، ولَمَّا شبَّ وأخذ مبادئ الكتابة والقراءة، شرع في طلب العلم، فتلقاه الإمام محمد بن عبد الوهاب، وعلمه، ومازال هذا التلميذ مجدًّا في تحصيل العلم على يد الشيخ عبد الوهاب حينما كان حيًّا، وعلى ابنه الشيخ عبد الله، حتى أدركَ وتفقه. أما التلميذ الخامس عشر فهو الشيخ حمد بن راشد، الذي رحل إلى الدرعية لطلب العلم، فأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن غيره من علماء الدرعية، وأدرك في الأصول والفقه ﵀ ﵎. وأما التلميذ السادس عشر فهو ابن ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ وقد أخذ عن الشيخ أيضًا -يعني: عن جَده ﵀ ﵎. وهؤلاء التلاميذ الذي أخذوا مباشرة من الشيخ حتى صاروا أئمة وعلماء، ولا يعني ذلك أنه لم يكن للشيخ غير هؤلاء، وإنما للشيخ علماء ما أكثرهم، وكثرة التلاميذ تدل -كما هو معلوم- على مكانة الأستاذ والشيخ ﵏ ﵎ جميعًا.

стр. 474

ولكني أكتفي عن تلاميذ الشيخ بما ذكرتُ؛ لأنتقل إلى نقطة أخرى تالية في هذا العنصر، وهي نقطة ب- بعنوان: وفاته ﵀ ﵎: في سنة ست ومائتين وألف من هجرة المصطفى ﵌ توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀. قال ابن غنَّام: كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كانت وفاته في يوم الاثنين من آخر الشهر، وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم، وتوفي ﵀ ولم يخلف دينارًا ولا دِرهمًا - سبحان الله- مع هذا العلم الجليل، ومع هؤلاء الأولاد، إلا أنه كان لا شك كل ماله ينفقه في سبيل العلم، والدعوة إليه، والجهاد في سبيل الله ﵎. ولذلك قال عنه مَن ترجموا له بأنه توفي ولم يخلف دينارًا ولا درهمًا، فلم يوزع بين ورثته مالًا، ولم يُقسم، وقد رثاه الشعراء، وأثنى عليه العلماء، قال ابن قاسم عن يوم جنازته: وكان يومًا مشهودًا، وتزاحم الناس على سَريره، وصلوا عليه في بلدة الدرعية، وخرج الناس مع جنازته الكبيرُ والصغيرُ، وهنا أذكر بقول الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز" وتداول الرسائل فيه المسلمون، وهو جدير بذلك ﵀ ﵎. مُؤلفَاتُ الشيخِ، وعقيدتُه، وأثرُ دعوتِهِ في العَالَمِ الإسلَامِيِّ أنتقل بعد ذلك إلى "مؤلفات الشيخ، وعقيدته، وأثر دعوته في العالم الإسلامي". وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية: أ- مؤلفات الشيخ: في الحقيقة لكي أبرز علمَ الشيخ ومكانته وفضله، أود أن أسرد فقط بعضَ مؤلفاته، وإلا الحديث عما في هذه المؤلفات طويل وطويل، عن مكانتها، عن أهميتها،

стр. 475

عن فائدتها، ويكفي أن أشير وأذكر أن كثيرًا من هذه المؤلفات، قد شرحها كثير من أئمة أهل العلم، فإقبال طلبة العلم على شرح كتاب ما، يدل ذلك على مَكانة هذه الكتب، ومكانة مؤلفها ﵀ ﵎ وكتاب (التوحيد) وحدَه هو مؤلف من مؤلفات الشيخ، شُرح شروحًا كثيرةً متعددةً. وإليكم الآن سردٌ لمؤلفات الشيخ ﵀: ١ - كتاب (التوحيد في ما يجب من حق الله على العبيد). ٢ - كتاب (كشف الشبهات). ٣ - كتاب (أصول الإيمان). ٤ - كتاب (فضائل الإسلام). ٥ - كتاب (فضائل القرآن). ٦ - كتاب (السيرة المختصرة). ٧ - كتاب (السيرة المطولة). ٨ - كتاب (مجموع الحديث على أبواب الفقه). ٩ - كتاب (مختصر الإنصاف والشرح الكبير). ١٠ - كتاب (مختصر الصواعق). ١١ - كتاب (مختصر فتح الباري). ١٢ - كتاب (مختصر الهُدَى). ١٣ - كتاب (مختصر العقل والنقل). ١٤ - كتاب (مختصر المِنهاج).

стр. 476

١٥ - كتاب (مختصر الإيمان). ١٦ - كتاب (آداب المشي إلى الصلاة). ولعل المستمع الكريم يلاحظ من ذكري وسردي لمؤلفات الشيخ، أنه ألَّف في أصول العلم وفروعه، في العقائد، والأحكام، والفضائل ﵀ ﵎. أنتقل بعد ذلك إلى أمر مهم، ونقطة ضرورية وصلب هذا الموضوع هي والتي يليها -إن شاء الله تعالى- ب- بعنوان: "منهج الشيخ ﵀ ﵎": منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو منهج السلف الصالح، القائم على اتباع الكتاب والسنة، وعدم الخروج عما جاء به النبي ﵌ يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه عن بيان منهجه: وأما متابعة الرسول ﵌ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتُوزن الأقوالُ والأفعالُ بأقوالِهِ وأفعالِهِ ﷺ فما وافق منها قُبل، وما خالف رُدَّ على فاعله كائنًا مَن كان، فإن شهادة أن محمدًا رسول الله ﵌ تتضمن تصديقه فيما أخبره به، وطاعته، ومتابعته في كل ما أمر به، وقد روى البخاري في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومَن يأبى يا رسول الله؟ ﵌ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)). ويقول أيضًا: فتأمل -رحمك الله- ما كان عليه رسول الله ﵌ وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتَضى بهم من أهل الحديث والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين- لكي تتبع آثارهم.

стр. 477

هذا كلام الشيخ ﵀ في أول أمر من مناهجه، ألا وهو اتباع الكتاب والسنة. ومن منهج الشيخ أيضًا هو أن طلب العلم فريضة على كل ذكر وأنثى، وأنه شفاء للقلوب المريضة كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية: ١٢٣) وأن العلم قبل العمل ومقدم عليه، وهو إمامُه وسائقُه والحاكمُ عليه. ويريد الشيخ بالعلم: العلم بما أمر الله به، والنهي عما نهى الله ﵎ عنه- يعني: معرفة التوحيد والإيمان، معرفة الله، ومعرفة نبيه ﵌ معرفة دين الإسلام بالأدلة والعمل بتلك المعرفة، ومفتاح العلم في ذلك هو الدليل، كما في قوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ (الكهف: من الآية: ١٥) قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فهذه المسألة مِفتاح العلم، وما أكبر فائدتها لمن فَهِمها. ويرى الشيخ أن اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة هدي الرسول ﵌ وما جاء به، فإنه لا سبيلَ إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جِهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى هدي الرسول ﵌ فوقها بكثير، وإذا كانت السعادة معلقة بهديه ﵌ فيجب على كل من أحب نجاة نفسه، أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين، والناس في هذا بَيْن مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فالشيخ لا يريد علمًا غير نافع، ولا علمًا مجردًا عن العمل، ولا يقصد غير ما أمر الله ﵎ به، ونهى عنه رسوله ﵌.

стр. 478

ومن منهج الشيخ في إزالة الشبهات: أن يتبع ما كان عليه السلف الصالح، فمن عادتهم أنهم يزيلون الشبهة بسؤال العلماء، وأن العلماء يجيبون السائل بما يزيل الشبهة، وذلك أنهم ينسبون الكلام إلى رسول الله ﵌ فقط؛ لعمق علمهم، ولا يخفى أن المقصود بالسلف الصالح وبالعلماء هنا أنهم الصحابة والتابعون، فإن هذه القاعدة التي اعتادها السلف الصالح وبينها الشيخ في مؤلفاته، ينبه بها على أنها قاعدة منهجية، يجب على المسلمين أن يتبعوها في سيرة حياتهم، وهي مستنبطة من الآثار الواردة عن الصحابة وعن التابعين، فعليهم أن يرجعوا إلى أهل العلم، وأن يسألوهم؛ حتى تُزال الشبهات، التي يمكن أن تقوم في نفوسهم. ولذلك لما حدث في نفوس بعض الناس إشكالٌ في القدر؛ لبعدهم عن العلم النبوي، اتجهوا إلى صحابة النبي ﵌ يسألونهم كابن عمر، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، ونحوهم، فهؤلاء همُ العلماء. ومن عادة هؤلاء السلف أنهم يبدءون بالأهمِّ فالأهمُّ، والتنبيه على التعليم بالتدريج كما رسم ذلك رسول الله ﵌ حين بعث معاذًا إلى اليمن وقال له: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)) وفي رواية: ((إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فَأَعْلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تُؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم)) ونحو ذلك أيضًا كما جاء في حديث بَعث علي إلى خيبر ليفتحها، والحديث متفق عليه. ولذلك يقول في هذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ مبينًا هذا المنهج في التعليم، والتدرج، والتلقي، والرجوع إلى سلف الأمة الصالحين.

стр. 479

إذا أردت البحث عن هدي الله الذي جاء من عِنده، فإنك تبتدي بالأسهل فالأسهل، وأسهل ما يكون وأهمه القصص التي قص الله علينا عن الأنبياء وأممهم، وأول ما تبدي به من القصص التي قص الله، قصة أبيك آدم وإبليس، وما ذكر الله عنهم، حيث إن آدم ﵇ اعترف بذنبه وتاب منه، وقد تاب الله ﵎ عليه- وأكثر الناس يظنون أن الاعتراف بالذنب مذلة، ويستهزئون بمن أقر بذنبه واعترف وتاب منه، وإبليس -لعنه الله- لما احتج بالقدر ولم يعترف بذنبه، طرده الله ﵎ وأصبح يائسًَا من رحمة الله، فرجوع آدم واعترافه بذنبه أفضل ما فعله، وعلينا أن نقتدي بذلك. ويقول ابن عبد الوهاب أيضًا مبينًا مثل هذه المواقف في البدء بالعلم، والتدرج فيه: ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قَدر فَهمه، فإن كان ممن يقرأ القرآن، أو عرف أنه ذكي، فيُعلم أصل الدين وأدلته، والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد أنه يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلًا متوسطًا في الذِّكر والفَهم، ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم، فيُصرح له بحق الله على العبيد كما ذكر النبي ﵌ لمعاذ. ويبين الشيخ ﵀ أن من أساليب العلماء أنهم يخرجون المسألة للمتعلم بالاستفهام عنها، كما فعل ﵌ مع أصحابه لَمَّا قال لهم في يوم من الأيام بعد صلاة صبح: ((أتدرون ماذا قال ربكم)) وذلك في حديث زيد بن خالد الذي يقول: ((صلى لنا رسول الله ﵌ صلاة الصبح بالحديبية، وذلك على أثر سماء -يعني: مطر- كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟)) فالنبي ﵊ كان من أسلوبه في التعليم أن يسأل أولًا؛ لكي يستحثَّ المستمعَ إلى أن يستمع الجواب، وأن يفهمه.

стр. 480

ومن منهج الشيخ ﵀ أيضًا، أنه كان يحدث الناس بما يعرفون؛ أخذًا بقول علي - رضي الله تعالى عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذبَ اللهُ ورسولُه" وقد ذكر هذا الحديث الإمام البخاري ﵀ في صحيحه. والشيخ ﵀ يبين أن أهم وأنفع شيء هو معرفة قواعد الدين على التفصيل، فإن أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل، مثل مَن يقول: التوحيد زين، والدين حق، فإذا تبين له أن من التوحيد والدين تكفيرُ المشرك وقتاله على ذلك، ترك هذا الأمر؛ لأنه لا يوافق هواه. ويتبين من خلال ما ذكرتُ، أن الشيخ -رحمه الله تعالى- انحصر كلامه في منهجه في التعليم في أمرين: الأول: أن الله ﵎ بعث محمدًا ﵌ لإخلاص الدين، ويجب إذن ألا يجعل العباد مع الله ﵎ شريكًا في أي لون من ألوان العبادة، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولا قبرًا، ولا حجرًا، ولا شجرًا، ولا غير ذلك. الأمر الثاني: وجوب اتباع النبي ﵌ في الاعتقادات والأقوال والأفعال، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: من الآية: ٣١). ويجب -بناءً على هذا- ترك الابتداع في الدين، وترك ما ليس من سنة النبي ﵌ لقوله ﵊: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وفي رواية مسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)) فتُوزن أقوال الناس وأفعالهم الباطنة والظاهرة في عبادة الله تعالى بأقوال الرسول ﵌ فما وافق منها أقوال الرسول ﵊ وأفعاله قُبل، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان.

стр. 481

ويقول الشيخ بعد كلام طويل له في تقرير طلب العلم للسنة والعمل بها، وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل على رسوله ﵌ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك، كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، وكل ما يحتاج الناس إليه، فقد بينه الله ورسوله ﵌ بيانًا شافيًا كافيًا، فكيف أصول الدين والتوحيد والإيمان، ثم إذا عُرف ما بينه ﵌ نُظر في أقوال الناس وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول ﵌ فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهُدى. وأما سبيل الضلال والبدع والجهل، فعكسه أن تبتدع بدعة بآراء الرجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول ﵌ تبعًا لها، وتحرِّف ألفاظه، وتُؤول على وفق ما أصَّلوه، وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ﵌ ولا يتلقون منه الهُدى، ولكن ما وافقه منه قبلوه وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوَّضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني. هذه كلمة يسيرة، ولو شئت أن أطيل لفعلت عن منهج الشيخ ﵀ ﵎ ويظهر من ذكري لمنهج الشيخ ﵀ الاتباع الكامل لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ والحرص على طلب العلم، ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن، واستعمال الوسائل التربوية في مثل ذلك. جـ- والحديث فيها يطول ويطول، ولكني سأجتزِئ قدرَ الإمكان نقطة ج بعنوان: "عقيدة الشيخ في التوحيد": الكلام في التوحيد يكون من مقامين: مقام الخبر: وهو الذي يترتب عليه توحيد المعرفة والإثبات، أي: التوحيد العلمي.

стр. 482

ومقام الطلب: وهو الذي يترتب عليه توحيد القصد والإرادة، أي: التوحيد العملي، والعلم قبل العمل، وهو إمامه وقائده، وبقدر نفع العلم يكون صلاح العمل، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم﴾ (محمد: الآية: ١٩). ولذلك لما ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قول البخاري: "باب العلم قبل القول والعلم" قال الشيخ: بدأ البخاري بالعلم قبل القول والعمل، ولهذا سأذكر هنا موقف الشيخ وعقيدته ﵀ وما ذكره من أنواع التوحيد، فأقول أولًا: "توحيد المعرفة والإثبات": يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريكَ له، وهذا هو توحيد الربوبية، وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات. وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد، هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو التوحيد العلمي الخبري، وهذا التوحيد هو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا لمن لم يعطه حقه، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي، ولا يدبر الأمور إلا هو سبحانه، وهذا حق وقد أقر به الكفار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون﴾ (يونس: الآية: ٣١) ولكنهم كفروا، حيث لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: الآية: ٣).

стр. 483

وتوحيد الربوبية ثابت مشهود، لا يحتاج إلى دليل، بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أنزل الله في محكم كتابه يحتج به على مَن كفر من خلقه، الله كان يسوق الآيات الدالة على توحيد الربوبية؛ لإقامة الحجة على مَن اتخذ مع الله آلهة أخرى، كأنه يريد أن يقول: يا من تعترفون بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المتصرف في هذا الكون، اعبدوه وحده دون سواه. أما توحيد الأسماء والصفات فيقول الشيخ عنه: وأما توحيد الصفات، فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، والكفار أعقلُ ممن أنكر الصفات، ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود، لكن نازعوا في توحيد العبادة، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: الآية: ٥) ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأنهم عرفوا أنها تعني توحيد العبادة. والمتكلمون أضلهم كلامهم عن معرفة الإله، فقالوا: إنه القادر على الاختراع، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقررنا بذلك فهو معنى قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ثم استحوذ عليهم الشيطان، فظنوا أن التوحيدَ لا يتأتى إلا بنفي الصفات، فنفوها، وسموا من أثبتها مجسمًا، ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة، منها: أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات، وأن معنى الإله هو المعبود، فإذا كان هو سبحانه متفردًا به عن جميع المخلوقات، وكان هذا وصفًا صحيحًا، لم يكذب الواصف به، فهذا يدل على الصفات، ويدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة لرب العالمين .

стр. 484

وفي ذلك أيضًا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: من أنكر الصفات فهو معطل، والمعطل شر من المشرك، ولهذا كان السلف يسمون التصانيف في إثبات الصفات "كتب التوحيد"، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: "كتاب التوحيد": ثم ذكر الصفات بابًا بابًا، فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات، فقال أهل السنة: لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات، وتوحيدكم هو التعطيل، ولهذا آل القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎. ومن المعلوم لدى المسلمين، أن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره، فإذا سمى نفسه ووصفها، فذلك هو الفيصل في المسألة، وكذلك رسول الله محمد بن عبد الله ﵌ أعلم بالله الذي أرسله مِن غيره، فيصار إلى ما بينه من أسماء الله وصفاته، ولا يُعدل عنه، هذا مع شهادة العقل الصريح لِمَا ثبت بالنقل الصحيح عن الرسول ﵌ فإن العقل الصريح هو الموافق للرسول ﵌ وهذا هو الميزان مع الكتاب. وبناءً على ذلك، فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يعتقد -كما ذكر هو في بعض أقواله، وقد أشرت إلى بعضها-: أن ما دل عليه القرآن الكريم من الأسماء الحسنى التي سمَّى الله بها نفسه في كتابه، وتعرَّف بها إلى خلقه، يجب أن يثبته الإنسان؛ لأن الله ذكرها في كتابه، وذلك كاسم الله الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر ... إلى آخر ما ورد في القرآن. والله أمرنا بأن ندعوه بها، وأن نترك مَن عارض من الجاهلين الملحدين، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (الأعراف: الآية: ١٨٠). ومن بيان الله في كتابه أن وصف نفسه، فذكر من صفاته الألوهية والربوبية والمُلك، وذلك في أول سورة في المصحف في سورة الفاتحة، وكذلك ذكر ذلك أيضًا

стр. 485

في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ (الناس: من الآية: ١ - ٣). فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد آخَرَ في آخر ما يطرق سمعك من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع، وأن يبذل جهده في البحث عنه، وأن يعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن، ثم في آخره، إلا لِمَا يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفة الله بها، وأنه إلههم الذي لا إله إلا هو، وربهم الذي لا رب سواه، وأنه ملكهم المتصرف فيهم، وهم عبيده، المدبر لهم كما يشاء، الذي له القدرة والسلطان، يخفض ويرفع، ويصل ويقطع، ويعطي ويمنع، لا شريك له، ولا لهم ملك من دونه يهربون إليه إذا دهمهم أمر، ولكن إليه المصير، فهو ملك الناس . وفي سورة الفاتحة معرفة الله على التمام، ونفي النقائص عنه ﵎ وفيها معرفة الإنسان ربه، ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هناك رب فلا بد من مربوب، وإذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا مالك فلا بد من مملوك، وإذا كان عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلا بد من مهدي، وإذا كان هنا منعم فلا بد من منعم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلا بد من غاضب، وإذا كان هنا ضال فلا بد من مضل، فهذه السورة تضمنت الألوهية والربوبية، ونفي النقائص عن رب البرية . أنتقل بعد ذلك إلى كلام أيضًا في تتمة بيان عقيدة الشيخ: ذكرتُ عقيدة الشيخ في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أود أيضًا في إشارة عاجلة سريعة أن أتحدث عن توحيد الألوهية والعبادة عند الشيخ ﵀:

стр. 486

الشيخ في هذا الباب يعتقد أن التوحيد ينبني على أن الله واحد في ألوهيته، لا إله حق إلا هو، وألوهية الله تعالى هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا، علمًا وعملًا، جملةً وتفصيلًا، وحاصل ما يقول الشيخ في تعريف هذا التوحيد: أن التوحيد اسم لفعل العبد المأمور به، فإن كانت أعماله التعبدية كلها لله وحده، فهو موحد، وإن كان فيها شرك للمخلوق، فهو مشرك، فالتوحيد: هو إفراد الله بجميع أنواع العبادة، لا يشركه فيها أحد، ولا يستحق العبادة أحد إلا الله، فعبادة الله خالصة له، لا يستحق شيئًا منها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. ويقول الشيخ -رحمه الله تعالى- في تلخيصه عن ابن تيمية كلامًا جميلًا في ذلك: إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه، لم يجز أن يقال هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي ﵌ كان من أعظم الناس تقريرًا لِمَا يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب كما قالت عائشة ﵂ لَمَّا أخبرها ببرائتها: "والله، لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله" وفي لفظ: "بحمد الله لا بحمدك" فأقرها ﵌ وأبوها على ذلك؛ لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، قال حيان: قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول، قال: ولَّت الحمد أهله. الشاهد من هذا الكلام: أن النبي ﵌ أقر أم المؤمنين عائشة لما قالت: "لا أقوم إلا إلى الله، ولا أحمد إلا الله" وهذا الكلام يذكره الشيخ ابن عبد الوهاب ﵀ ﵎ ليبين كيف يكون التوحيد وهو عند خيار الناس كذلك.

стр. 487

ويعتقد الشيخ أن الله أمر جميع الناس بتوحيد الله في العبادة والإلهية بجميع أنواعها، ونهاهم عن ضد هذا التوحيد، والدليل هو قول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: من الآية: ٣٦) وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: من الآية ٢٣) وهو أعظم ما أمر الله به، وفرض وأوجب سبحانه، كما أن أعظم ما حرم الله ونهى عنه هو ضده وهو الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (الأنعام: من الآية: ١٥٠). قال ابن مسعود ﵁: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﵌ التي عليها خاتَمَهُ فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ " الآية. قال الشيخ ﵀ محمد بن عبد الوهاب- في هذه الآية وما يليها من آيات: فيه عظم شأن الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف، وكذلك الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها اثنتا عشرة مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ (الإسراء: الآية: ٢٢) وفيها قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: من الآية ٢٣) ولحديث معاذ: ((كنت رديفَ النبي ﵌ على حمار فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قلت: يا رسول الله ﵌ أفلا أبشر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا)) أخرجاه في الصحيحين. قال الشيخ معلقًا على هذا الحديث: وفي هذا أن العبادة هي التوحيد، وأن من لم يأتِ به لم يعبد الله، ففيه معنى قول الله تعالى: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُد﴾ (الكافرون: الآية: ٣).

стр. 488

ويقرر الشيخ بأن إفراد الله بالعبادة هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو أصل الدين، وهو الذي خلق الله الثِّقَلينِ -الجن والإنس- من أجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ (الذاريات: الآية: ٥٦) وهو الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وفرض من أجله الجهاد، وشرع له شريعة الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت﴾ (النحل: من الآية: ٣٦). يقول الشيخ ﵀ محمد بن عبد الوهاب: اعلم -رحمك الله-: أن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل التوحيد، فإذا لم يفعله الإنسان ويجتنب الشرك، فهو كافر، وكل أعماله حابطة، ولو كان من أعبد هذه الأمة، يقوم الليل ويصوم النهار، قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (الأنعام: من الآية: ٨٨) وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة، أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزني في أيام الصوم. أما فضل التوحيد، فهو فضل عظيم، وثواب كبير، ويكفر الذنوب، كما روى الترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله ﵌ يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لآتيتك بقرابها مغفرة)) وكما في حديث عتبان: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)). قال الشيخ ﵀: إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: ((فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله)) أنه ترك الشرك، وتركه بالكلية علمًا وعملًا وقولًا باللسان، وأن ترك الشرك باللسان فقط دون العمل، لا ينفع ولا يفيد.

стр. 489

كما أشار الشيخ ﵀ مبينًا فضل التوحيد، في أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (النحل: الآية: ١٢٠) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُون﴾ (المؤمنون: الآية: ٥٩) وكما في حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في عرض الأمم على النبي ﵌ ومنهم أمته: ((وفي أمتي سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب)) وهم الذين حققوا التوحيد بتركهم الاسترقاء، والاكتواء، والتطير، متوكلين على الله تعالى. والشيخ قد بين أهمية التوحيد، وأهمية معرفته في كتابه (التوحيد) وعقد أبوبًا متعددة لذلك، فمَن أتى بهذا التوحيد فوحد الله في ألوهيته وعبادته، فقد وحد الله في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وربوبيته، والشيخ محمد بن عبد الوهاب اجتهد ﵀ في توضيح هذه الحقيقة، ودافع عنها، ونافح عنها، ولقد استفاد الناس كثيرًا منه في هذه المسائل، واستفادوا من كتبه ﵀. ولذلك قبل أن أنهي محاضرتي، أود في نقطة تالية وهي: د- أن أشير إلى أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تبارك تعالى- في العالم الإسلامي: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب له أثر كبير في العالم الإسلامي، فالنهضة القائمة اليوم، والدعوات السلفية الصحيحة القائمة والمنتشرة في هذا الزمان، والتي اتبع الناس فيها منهج الكتاب والسنة وفق فهم سلف هذه الأمة، كانت بسبب دعوة الشيخ في هذا العصر بهذا الشيخ المجدد ﵀ ﵎. فالدعوة قد انتشرت في اليمن، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: أن علماء السنة في اليمن قد بلغهم كل ما قيل في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فبحثوا، وتثبتوا، وتبينوا كما أمر الله تعالى، فظهر لهم الحق، وظهر أن الطاعنين عليه مفترون لا أمانة لهم، وأثنى ﵀ ﵎ الشيخ- رشيد رضا على فحول أئمة علماء اليمن، الذين اتبعوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.

стр. 490

كذلك أيضًا، انتشرت دعوة الشيخ في بُلدان الخليج العربي، فها حكام قطر تعلموا على يد الشيخ وأحفاده، ولذلك وجدنا أن الشيخ أحمد بن حجر بن محمد آل بوطامي قاضي المحكمة الشرعية بقطر ﵀ ألف كتابًا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎. كذلك أيضًا انتشرت هذه الدعوة في بلاد الشام، ومصر، وفارس، والهند، وغير ذلك من بلاد العالم، بل إن في جميع دول العالم حتى في أمريكا واليابان، صدًى طيب لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎. وللأسف الشديد وُجد لهذه الدعوة أعداء -كفانا الله ﵎ شرهم- فالشيخ ﵀ لم يكن مبتدعًا، ولم يأتِ بشيء جديد، وإنما كان باحثًا وداعيًا إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه. وقد أطلت الحديث عنه؛ لأبين لإخواني أن الصحوة المباركة في عالم اليوم، إنما هي بسبب أيضًا دعوة الشيخ، وانتشار أتباعه، وبسبب أيضًا جهد المملكة العربية السعودية التي تتبنى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ وتنشر العلم النافع في مدارسها وجامعاتها من خلال كتب الشيخ، وأبنائه، وأحفاده، وتلامذته -رحم الله ﵎ الجميع. وبهذه الكلمات المباركات -أيها الأخوة الأفاضل- جمعني الله وإياكم على خير، ينتهي هذا المنهج المقرر عليكم في مادة: أصول الدعوة وطرقها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.