Полный текст (490 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أن يمتحن: يا ميموني، ما قام أحد في الإسلام مقام أحمد بن حنبل، فعجبت من هذا عجبًا شديدًا، وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام، فحكيت له مقالة علي بن المديني، فقال: صدق. إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارًا وأعوانًا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان، ثم أخذ أبو عبيدة يطري أحمد، ويقول أبو عبيدة القاسم بن سلام يقول: لست أعلم في الإسلام مثله، وقال أبو إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، وقال علي بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان. وقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله . ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله.
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط: كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا، وقال يحيى بن معين أيضًا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقته.
هذا بعض كلمات مما قيل في هذا العالم الجليل، وقد أحببت أن أذكر أكثر من هذا، ولكني أكتفي بما ذكرت وقلت، وأردت بهذا أن أنوّه بشأن هذا الإمام العالم الجليل الذي امتحن في الله ﵎ كما سيأتي بيان ذلك، وأن أبين لعموم المستمعين ولطلبة العلم حتى يبلغوا ما وراءهم، بأن الإمام أحمد بن حنبل كان إمامًا في أهل السنة والجماعة يقتدى به، وأنه سلك طريقة سلف هذه الأمة الصالحين، وأن أعيان أئمة أهل العلم أثنوا عليه ﵀ وعليه أقول: لا يلتفت إلى من غمز أو لمز على هذا الإمام الرباني، العالم الجليل ﵀ ﵎.
وصيته ووفاته: عن أبي بكر المروزي قال: نبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، ولا شك أنه كان يواصل، إما لمرضه أو لعدم طعام يأكله ﵀ فقد كان زاهدًا متعففًا، قال: فإذا هو قاعد، فقال -يعني الإمام أحمد- هو الذي قال:
стр. 422
هو ذا يدار به من الجوع فأطعمني شيئًا، قال أبو بكر المروزي: فجئته بأقل من رغيف فأكله، وكان يقوم إلى الحاجة فيستريح، ويقعد من ضعفه؛ حتى إن كنت لأبل الخرقة، فيلقيها على وجهه لترجع إليه نفسه، بحيث إنه أوصى فسمعته يقول عند وصيته -ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته-: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.
هكذا ذكر أبو بكر ﵀ عن وصية الإمام أحمد، ولا شك أنه ذكر أعظم ما فيها، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنة، ودخلت في ثمانٍ، فحمَّ من ليلته، ومات اليوم العاشر.
وقال صالح بن أحمد أيضًا: لما كان أول ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حُمَّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم يتنفس تنفسًا شديدًا، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت علام أفطرت البارحة؟ على ماء الباقلاء، ثم أراد القيام، فقال: خذ بيدي، فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعف، وتوكأ إليه، وكان يختلف إليه غير متطبب كلهم مسلمون، فوصف له مطبب قرعة تشوى، ويسقى ماءها، وجاء جار لنا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
وهنا أقف وقفة عند قول هذا الإمام ﵀ لأبين وأذكر وأوضح أن الإمام أحمد كان معظمًا للسنن والآثار ﵀ ﵎ وهذا شيء جميل من هذا الإمام، هو في مرض موته ﵀ لما رأى جارًا له قد خضب شعره قد فرح بذلك، وقال: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به.
قال ابنه صالح -رحم الله الجميع-: واجتمعت عليه أوجاع ولم يزل عقله ثابتًا، وهذه نعمة من نعم الله على مثل هؤلاء الأئمة ﵏ ﵎ أن الله يحفظ
стр. 423
عليهم عقولهم لما كانوا عليه في الدنيا من تتبع للأثر والحديث واتباع لكتاب الله، وهدي رسول الله ﵌.
فلما كان من يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول لساعتين من النهار توفي ﵀ ﵎، وهذا يدل على أنه ﵀ مات في ربيع الأول، وكان هذا في يوم جمعة.
وقال المروزي: مرض أحمد تسعة أيام، وكان ربما أُذِن للناس فيدخلون عليه أفواجا يسلمون ويرد بيده، وتسامع الناس، وجاءه حاجب بن طاهر فقال: إن الأمير يقرؤك السلام، وهو يشتهي أن يراك، وقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره.
قال أي المروزي: وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر -يعني إلى الناس- يعلمونهم بمرضه، وشأنه وحاله ﵀ والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ، فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادع لي الصبيان بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح رؤوسهم وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست هكذا، يقول ابنه ﵀ فرأيت بوله دمًا عبيطًا، يعني: طريًّا، فقلت للطبيب: هذا الأمر ما هذا؟ فقال: هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه.
واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثَقُل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع.
стр. 424
وروى عبد الله بن إسحاق الخراساني: أخبرنا بنان بن أحمد القصباني: أنه حضر جنازة أحمد، فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطعية، وحذر من حضرها من الرجال بثمانمائة ألف، ومن النساء بستين ألف امرأة، ونظروا في من صلى العصر يومئذٍ في مسجد الرصافة فكانوا نيفا وعشرين ألفًا.
قال موسى بن هارون الحافظ يقال: إن أحمد لما مات مسحت الأمكنة المبسوطة التي وقف الناس للصلاة عليها، فحذر مقادير الناس بالمساحة على التقدير ستمائة ألف أو أكثر، سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة أكثر من ألف ألف.
وهذا يدل على مكانة الإمام ﵀ ﵎ عند المسلمين عمومًا، وعند أهل السنة والأئمة خصوصًا، ويذكرني هذا بقول القائل: بيننا وبينهم الجنائز، وذلك في المبتدعة، فأهل السنة يحضر جنازتهم الكثير والكثير -رحم الله ﵎ هذا الإمام العالم الرباني.
عقيدة الإمام أحمد ومحنته
أنتقل بعد ذلك إلى عقيدته ومحنته.
معلوم: أن الإمام أحمد ﵀ ﵎ كان يكره الكلام، ويحذر منه، ويحذر من المبتدعة، ومن الجلوس إليهم بحال من الأحوال أن حنبل روى عنه، فقال: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح؛ لأنه يؤول أمرهم إلى حيرة، عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض في الجدال والمراء، أدركنا الناس وما يعرفون هذا الكلام، عاقبة الكلام لا تؤول إلى خير.
وللإمام أحمد كلام كثير في التحذير من البدع وأهلها، وأقوال في السنة، ومن نظر في كتاب (السنة) لأبي بكر الخلال رأى فيه علمًا غزيرًا ونقلًا كثيرًا.
стр. 425
ثم قال الإمام الحافظ الذهبي ﵀ ﵎: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق ﵀ ﵎.
كان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ﵎ يقف عند النصوص، ولا يتجاوز ما جاء في القرآن والحديث، فكان متبعًا لسلف هذه الأمة الصالحين، وسأذكر هنا نصًّا من قوله ﵀ ﵎ يبين ذلك بوضوح، قال: هذا مذاهب أهل العلم والأثر، فمن خالف شيئا من ذلك أو عاب قائله فهو مبتدع، وكان قولهم -هنا يذكر الإمام أحمد بن حنبل قول أهل السنة والجماعة في بعض أمهات مسائل الاعتقاد ﵀ ﵎ مما يبين: أنه كان يسلم بما جاء عن السلف الصالح، ولما جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﵌.
يقول: وكان قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص، ومن زعم أن الإيمان قول والأعمال شرائع فهو جهمي، ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ، والزنا والسرقة وقتل النفس والشرك كلها بقضاء وقدر من غير أن يكون لأحد على الله حجة، وهو بهذا يرد على القدرية ﵀ إلى أن قال: والجنة والنار خلقتا ثم خُلِق الخلق لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدًا، إلى أن قال: والله تعالى على العرش، والكرسي موضع قدميه، وقال حنبل بن إسحاق: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى عن النبي ﵌ ((إن الله ينزل إلى سماء الدنيا ... )) إلى آخر الحديث، فقال: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا نرد شيئًا منها، إذا كان أسانيد صحاحًا، ولا نرد على رسول الله ﵌ قولًا، ونعلم أن ما جاء به حق ﵀ ﵎.
стр. 426
وهذه كلمات جليلة من هذا العالم الجليل تبين موقفه ﵀ ﵎ من الاعتقاد الصحيح الذي كان عليه، وهذا الاعتقاد -كما سأذكر فيما بعد- كان متغيرًا عند كثير من الفرق، وقد نال الإمام أحمد أذًى بسبب تمسكه بعقيدة السلف الصالح -كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- بعد قليل وذلك في النقطة التالية.
جـ- المحنة التي جرت له رضي الله تعالى عنه قبل أن أذكر هذه المحنة:
أود أن أذكر بين يدي هذه المحنة كلمات قليلات للإمام الذهبي ﵀ قال فيها: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد قفل باب الفتنة عمر ﵁ وانكسر الباب، قام رءوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذُبِح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل، ثم وقعة صفين، فظهرت الخوارج، وكفرت سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب، وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية المجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين، فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيًّا متكلمًا، له نظر في المعقول، فاستجلب كتب الأوائل، وعرب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبأ ووضع، ورفعت الجهمية والمعتزلة رءوسها، بل والشيعة، فإنهم كانوا كذلك، وآل به الحال -أعني بالمأمون- إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء فلم يُمْهَل، وهلك لعامه وخلى بعده شرًّا وبلاءً في الدين، فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك، حتى نبغ لهم القول بأن كلام الله مخلوق مجعول، وأنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي الرشيد والأمين، فلما ولي المأمون كان منهم، وأظهر المقالة، ولهذا كان المأمون هو أول من امتحن الناس في مسألة القرآن الكريم.
стр. 427
وقد قال أبو الفرج الجوزي ﵀ ﵎ عنه-: خالطه قوم من المعتزلة؛ فحسنوا له القول بخلق القرآن، فكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ، ثم قوي عزمه، وامتحن الناس -يعني بفتنة القول بخلق القرآن.
أما عن المحنة التي حصلت للإمام أحمد ﵀ ﵎ مع المأمون والمعتصم والواثق، فقد تحدث عنها كثير من العلماء، ومنهم الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ وقد ذكر ذلك في (البداية والنهاية).
ومما جاء في ذلك قوله: ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل في أيام المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق؛ بسبب القرآن العظيم وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد، والتهديد بالقتل بسوء العذاب، وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم في ذلك، وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالمًا بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة والأخبار المأثورة، قال ﵎: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ١: ٣) وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (لقمان: ١٧).
وقد ذكر الإمام ابن كثير هذا كمقدمة عن الابتلاء الذي حصل لإمام أهل السنة، وأنه كان يفهم الآيات الواردة في الابتلاء، وكان عاملًا بها ﵀ ﵎.
ثم قال الإمام الحافظ ابن كثير وقد روى الإمام أحمد الْمُمْتَحَنَ في (مسنده) قائلًا فيه: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عاصم بن بهدلة: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: ((سألت رسول الله ﵌: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الله الرجل على حسب دينه،
стр. 428
فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلي على حسب ذلك، وما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)).
ثم ذكر بعد هذا الإمام الحافظ بعضًا من الأحاديث الواردة في ذلك، ثم لخص فتنة ومحنة الإمام أحمد في كلمات، قال فيها: إن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة، فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، ونفي الصفات عن الله .
قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولي هو الخلافة اجتمع به هؤلاء، فحملوه على ذلك، وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم، فكتب إلى نائبه إلى بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين، فلما وصل الكتاب -كما ذكرنا- استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فحملَا على بعير وسيِّرَا إلى الخليفة بعد أن أمر بذلك، وهما مقيدان في محمل على بعير واحد، فلما كان بلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم، يقال له: جابر بن عامر، فسلم على الإمام أحمد، وقال: يا هذا!! إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا -يعني فيجيبوا على كلامك- فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا.
стр. 429
قال أحمد ﵀ وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه، فلما اقترب من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة، جاء خادم، وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول: يعز عليّ يا أبا عبد الله، إن المأمون قد سل سيفًا لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله ﵌ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: سيدي غرّ حلمُك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل.
وبعد قليل جاء منادٍ ينادي بموت المأمون، وكان ذلك في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد ﵀: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد وُلِّي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق، وصلى عليه أحمد ﵀ ﵎ فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، وقيل: نيفًا وثلاثين شهرًا ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، وقد كان أحمد -وهو في السجن- هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، وقد أُحضِر الإمام أحمد عند المعتصم ﵀ ﵎ وأُحضِر أحمد، وكانت عليه قيود، وقد زيد فيها، وقد ذكر هو ذلك -رحمه الله تعالى- فقال: جاءوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلّم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت، وأغلق علي، وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا أنا في أناء فيه ماء وجدته، فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة فلما أصبحت، فإذا أنا على القبلة ولله الحمد، ثم دعيت فأدخلت
стр. 430
على المعتصم فلما نظر إلي -وعنده ابن أبي دؤاد- قال: أليس قد زعمتم أنه حدث السن؟ وهذا شيخ كبير، فلما دنوت منه وسلمت قال لي: ادن!! فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال: اجلس فجلست، وقد أثقلني الحديد، فمكثت ساعة، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول الله ﵌؟ يعني: إلى أي شيء دعا إليه النبي ﵌؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، ثم قلت: يعني الإمام أحمد، فهذا الذي دعا إليه رسول الله ﵌ قال: ثم تكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض لك، ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت: الله أكبر هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن. فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه، فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت: القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر، فسكت، فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين كفرنا وكفرك، ولم يكن هذا من مذهب الإمام أحمد، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت -يعني: قال الإمام أحمد-: كان الله ولا علم، فسكت، فجعلوا يتكلمون من هاهنا، فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله ﵌ أعطوني شيئًا من ذلك أقول به، فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا، فقلت: وهل يقوم الإسلام إلا بهما؟ وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا على الإمام أحمد بقول الله ﵎: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ (الأنبياء: ٢) وبقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء﴾ (الرعد: ١٦) وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقول الله تعالى:
стр. 431
﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٤) فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضالّ مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء، فسلهم فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبي دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني، وناظروه أيضًا في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم، وتغلب حجته عليهم، قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبي دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، ولكن الإمام أحمد بن حنبل تصدى لهم في كل ما كانوا يتكلمون به، ولم يجدوا سبيلًا أو طريقًا إلى إقامة الحجة على الإمام أحمد ﵀ ﵎ وبعد مجادلات طويلة تفوق فيها الإمام ﵀ ﵎ ولم يجد هؤلاء الناس معهم حجة ضربوه -رضي الله تعالى عنه.
وقد قال الإمام أحمد في ذلك كلمات نقلها عنه الحافظ ابن كثير قال: لما لم يكن لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا كافر ضال مضل، وقال إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله، ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء، فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه، واخلعوه، واسحبوه.
قال أحمد: فأُخِذْت، وسحبت، وخلعت، وجيء بالعقابين، -يعني: خشبتين- تربط فيهما الأرجل والسياط، وأنا أنظر، وبدءوا يضربون في الإمام ﵀ أسواطًا، حتى كان يغمى عليه، وكلما غمي أو غمي عليه ﵀ تركوه، فإذا فاق ضربوه ﵀ ﵎ وهناك كلام كثير يضيق الوقت والمقام عن الإشارة إليه ويكفي أن نعلم أن الإمام ﵀ ﵎ قد أوذي في ذلك وضرب ضربًا شديدًا ﵀ ﵎.
стр. 432
وأود هنا أن أنتقل إلى نقطة أخرى أبين فيها موقف الإمام أحمد ﵀ بعد المحنة.
الله أولًا: ثبت الإمام أحمد ولم يقل بقولهم، حتى نصره الله ﵎ عليهم، وهذا الانتصار أيضًا جعل الإمام أحمد، يثبت بعد هذه المحنة ثبوتًا كالجبال ﵀ ﵎.
ولذلك أود في دقائق معدودة أقول فيها: لما ولي المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبّا للسنة وأهلها ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق: لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ولما تولى نيابة بغداد عبد الله بن إسحاق كتب المتوكل إليه: أن يحمل إليه الإمام أحمد، فقال لأحمد في ذلك فقال: إني شيخ كبير وضعيف فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه ليأتينه الإمام وكتب إلى أحمد: إني أحب أن آنس بقربك وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك، وهذا يدل على أن الله يؤيد أئمة أهل الدين مهما وقع عليهم من ظلم سابق، ولهذا سار إليه الإمام أحمد، وهو عليل في بنيه وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الإمام أحمد فرد السلام، وقال له: قد أمكنك الله من عدوك ابن أبي دؤاد، فلم يرد عليه جوابًا، وهذا في الحقيقة حسن أدب ووقار من الإمام أحمد ﵀ ﵎ يعني: لم يشمت في عدوه الذي فعل به ما فعل.
والشاهد: أن الإمام أحمد كرم بين يدي المتوكل تكريمًا شديدًا، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك عنده ليحدث الناس عوضًا عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك، وهو ضعيف، وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج مما يقوم مائة وعشرين درهمًا في كل يوم، والخليفة يحسب أن أحمد يأكل، ولم يكن
стр. 433
أحمد ﵀ يأكل شيئًا من ذلك بالكلية، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلًا من السويق بعد ثمانية أيام، وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له، فامتنع من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل، فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن ردها، لا يمكن ردها على الخليفة، وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة: لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك، فأمسك أبو عبد الله عن ممانعته، ثم أخذ يلوم أهله وعمه ﵀ ﵎.
وهكذا ينتصر الإمام أحمد بن حنبل ﵀ بعد أن ثبت في المحنة، وبعد أن ضرب وحبس وأوذي إيذاءً شديدًا ﵀ إلا أن الله أعز به الدين، ونصر به السنة، ورفع به راية القرآن الكريم، وبالتالي أصبح الإمام أحمد إمام عند أهل السنة والجماعة، ونحن ندعو طلبة العلم إلى أن يستفيدوا من مواقف هذا الإمام الجليل، وأن يصبروا على الدعوة إلى الله ﵎ وهم في ذلك متمسكين بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية وفق فهم سلف أهل الأئمة الصالحين.
وأكتفي بهذا وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 434
الدرس: ١٤ ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب .
стр. 435
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الرابع عشر
(ترجمتا شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب)
١ - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
سيرته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
سبق أن ترجمت للإمامين الإمام الزاهد عمر بن عبد العزيز ﵀ ﵎ والإمام العالم الرباني أحمد بن حنبل رحمه ﵀ ﵎ وفي هذا اللقاء أترجم وأحاول أن أنتهي من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية العنصر الأول: في سيرته الذاتية وتشتمل على النقاط التالية:
أ- اسمه ونسبه ونشأته:
فأقول عن اسمه بأنه هو: شيخ الإسلام وحافظ الأنام المجتهد في الأحكام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي ﵀ ﵎ وفي "تاريخ إربل" وهي بلدة في شمال العراق تقع إلى الشرق من الموصل أنه جده سئل عن اسم تيمية فأجاب أن جده حج وكانت امرأته حاملًا، فلما كان بتيماء -وهي بلدة قريبة من تبوك في شمال المملكة العربية السعودية- رأى جارية حسنة الوجه وقد خرجت من خباء، فلما رجع وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه، قال: يا تيمية يا تيمية يعني: أنها تشبه التي رآها في تيماء، فسمي بها.
وقال ابن النجار: ذكر لنا أن محمدًا هذا يعني: الجد الأعلى لابن تيمية كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها.
وقد ولد شيخ الإسلام ﵀ ﵎ بحران وهي بلدة قرب "الرها" من أرض الجزيرة بين دجلة والفرات، يوم الاثنين عاشر ربيع الأول: سنة إحدى وستين وستمائة وقدم به والده بأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى "دمشق" سنة سبع وستين وستمائة.
стр. 436
ب- شيوخه وتلاميذه:
ذكر الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ ﵎ بعضًا من شيوخ هذا الإمام الحبر العالم الرباني ﵀ فقال: سمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عجلان والشيخ شمس الدين الحنبلي، والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي، والشيخ جمال الدين بن الصيرفي، ومجد الدين بن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنجيب بن المقداد، وابن أبي الخير، وابن علَّان إلى أن قال الإمام ابن كثير ﵀ ﵎ وخلق كثير سمع منهم الحديث.
وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث ولازم السماع بنفسه مدة سنين، وهذا يدل على أن شيخ الإسلام ﵀ طلب الحديث مبكرًا وقرأ الكثير من الكتب ولازم الشيوخ والسماع لمدة سنين حتى أصبح إمامًا في العلم والديانة ﵀ ﵎.
ومن الواجب -أن أذكره هنا- أن أتحدث عن تلامذة شيخ الإسلام الأعلام؛ لأن عنوان هذه النقطة: شيوخه وتلاميذه، وقد أشرت إلى بعض شيوخه ﵀ أما عن تلامذته فقد ذكر صاحب جلاء العينين تراجم طائفة من تلامذة شيخ الإسلام الأعلام الذين كانوا من بعده من أشهر من رجال الإسلام لما خلفوا من الآثار التي طار ذكرها في الأمصار، وانتفع بها أبناء الأعصار؛ لأن شيخ الإسلام ﵀ كتب له الله القبول ورزقه العلم النافع الذي ورثه بعده، وقد تلقى هذا العلم كثير من التلاميذ وكثرة التلاميذ وشهرتهم تدل على أن الأستاذ والمربي والمعلم إمام جليل قدير في الفهم والوعي والعلم.
ومن أشهر تلاميذ شيخ الإسلام الذين ورثوا علومه هو العالم الرباني شيخ الإسلام الثاني: شمس الدين محمد بن قيم الجوزية صاحب الآثار الكثيرة المحررة الذي حبس مع الشيخ في قلعة دمشق ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ. وقد
стр. 437
قال برهان الدين القاضي: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه -يعني: من ابن القيم- وابن القيم ﵀ لا شك أنه حقًّا قد ورث علم شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد وضح فكر شيخ الإسلام، ويعتبر شرح كتبه في الكتب التي ألفها وتركها ﵀ بأسلوب للغاية.
ومن هؤلاء التلاميذ أيضًا: الإمام الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد الذهبي صاحب "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" وصاحب أيضًا كتاب "سير أعلام النبلاء" وهو إمام عالم جليل القدر أيضًا والمكانة ﵀ ﵎ قال عنه العلامة الشيخ تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها، ثم أخذ يخبر عنها أخبار من حضرها، يقول هذا في تلميذ الإمام ابن تيمية ﵀ وهذا التلميذ هو الإمام الحافظ المؤرخ الإمام الذهبي ﵀ صاحب الكتب الكثيرة المفيدة في العلم.
ومن التلاميذ أيضًا الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي ثم الدمشقي ﵀ قال عنه ابن حبيب: انتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير ومن تصانيفه التاريخ المسمى بـ"البداية والنهاية" وأيضًا له كتاب طبقات الشافعية وله أيضًا التفسير العظيم المشهور بـ"تفسير ابن كثير" وغير ذلك من التفاسير وقد كتب الله القبول لهذا التفسير كما كتب أيضًا القبول لغيره من الكتب.
ومن التلاميذ أيضًا الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، عده الذهبي في طبقات الحفاظ وقد عد له ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفًا، وقد توفي ﵀ وعمره أربعون سنة أو أقل.
стр. 438
ومن خلال هذه الأربعين ﵀ كتب هذه الكتب وصنف هذه المصنفات، ولا شك أن الإمام ابن تيمية الذي أترجم له له أثر عظيم في مثل هذا الإمام العالم الذي مات وعمره أربعون سنة أو أقل وقد ترك هذه المصنفات الغالية النفيسة.
ومن تلاميذ شيخ الإسلام أيضًا قاضي القضاة شرف الدين أبو العباس أحمد بن الحسين المشهور بقاضي الجبل، قرأ على الشيخ تقي الدين ابن تيمية عدة تصنيفات في علوم شتى، وأذن له في الإفتاء في شبيبته، قال ذلك الذهبي فيه، وقال عنه أيضًا الذهبي: هو مفتي الفرق سيف المناظرين، وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه وله اختيارات في المذهب.
ومن التلاميذ أيضًا زين الدين عمر الشهير بابن الوردي، له تصانيف في النحو والأدب والتصوف والتاريخ وقد أطنب في ترجمة شيخ الإسلام في تاريخه ومن نظمه:
سبحان من سخر لي حاسدي ... يحدث لي في غيبتي ذكرا
لا أكره الغيبة من حاسد ... يفيدني الشهرة والأجر
ومن التلاميذ أيضًا زين الدين أبو حفص عمر الحراني، ولي نيابة الحكم وقال: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله تعالى، وهذا يدل على ورعه ﵀ ﵎.
ومن التلاميذ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح، قال أبو البقاء السبكي: ما رأت عيناي أفقه منه -يعني: من ابن مفلح رحمه الله تعالى- وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال ابن القيم: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح. وقال ابن كثير: وله مصنفات كثيرة منها على "المقنع" نحو: ثلاثين مجلدًا و"المنتقى" وكتاب "الفروع" ويقع في أربع مجلدات وله كتاب في أصول
стр. 439
الفقه وله أيضًا "الآداب الشرعية" الكبرى والوسطى والصغرى وهو كتاب أيضًا نافع ومفيد للغاية.
هؤلاء بعض تلاميذ شيخ الإسلام ﵀ ﵎ وإلا فالذين انتفعوا بعلمه وكتبه، وما خلفه بعد ذلك من علم ﵀ كثير وكثير وكثير، ولكنها إشارة، وقد ذكرت بعضا من الأعلام الكبار الذين هم تلامذة لشيخ الإسلام والتلاميذ أئمة، فما بالنا بالأستاذ الذي خرج وتعلم على يديه هؤلاء الأئمة. ولا شك أن نبوغ التلميذ يدل ويشير ويرشد إلى نبوغ وفقه وعلو منزلة ومكانة أستاذه رحم الله ﵎ هؤلاء الأئمة الأعلام وجعلنا من الذين يسلكون مسلكهم وينهجون نهجهم في أصول الدين وفروعه.
جـ- زهده وورعه:
ذكر بعض أهل العلم زهدًا رقيقًا وورعًا عظيمًا لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ من ذلك ما قاله ابن فضل الله العمري، قال: كان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى فينفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجته، بل كان إذا لم يقدر -يعني: لم يقدر إلى صرف هذا المال- يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إلى السائل. يعني: إذا لم يكن عنده شيء ينفقه في سبيل الله ﵎ فيدفع إلى السائل ما يلبسه هو. قال: وهذا مشهور عند الناس من حاله.
وحكى من يوثق به، قال: كنت يومًا جالسًا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فجاءه إنسان فسلم عليه، فرآه الشيخ محتاجًا إلى ما يعتم به يعني: إلى عمامة يلبسها، فنزع الشيخ عمامته -من غير أن يسأله الرجل- فقطعها نصفين فاعتم،
стр. 440
ودفع النصف الآخر لذلك الرجل، ولم يستحي أن يفعل ذلك أمام الحاضرين، وهذا من ورعه وإقباله على الله وتقشفه وتقلله من زينة الحياة الدنيا وحرصه على البر والخير والمعروف ﵀ ﵎.
وحدث من يوثق به أن الشيخ كان مارًّا في بعض الأزقة، فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه، فنزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة، ففعل ذلك ﵀ وكونه نزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه يفيد أنه نزع شيئًا من ثيابه الداخلية ولا يمكن أن يفقه الإنسان غير ذلك وهذا في الحقيقة أيضًا دليل على ورع هذا الإمام العالم الرباني ﵀ ﵎.
أنتقل بعد ذلك أيضًا إلى نقطة تالية في هذا العنصر وهي بعنوان: ثناء الأئمة عليه.
لو أردت أن أجمع وأن أستقصي ما قيل في الإمام ابن تيمية ﵀ لجمعت في ذلك مجلدات كبيرة؛ فإن الذين كتبوا عن ابن تيمية كتبوا كلامًا كثيرًا عنه؛ عن شخصه، عن علمه، عن زهده، عن ورعه، عن مكانته، عن ما كان يقوم به من دعوة وجهاد وتضحية وفداء، عن سجنه وما كان فيه ﵀ ﵎ ولذلك سأجتزئ في هذا المقام وأذكر بعضا مما قيل في شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎.
ومن ذلك ما ذكره الإمام الحافظ ابن حجر في "الدرر الكامنة" من كلام عن شيخ الإسلام ﵀ قال فيه: وقرأ بنفسه ونسخ "سنن أبي داود" وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجبًا في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف،
стр. 441
وأقول: والله إنها كلمات جليلة القدر من هذا الإمام العالم الرباني.
أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عندما يذكر أنه صنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار أعجوبة في سرعة الاستحضار وأنه اطلع على مذاهب السلف والمنقول والمعقول، وإلى غير ذلك مما كان عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
في الحقيقة أذكر هنا كلمة قالها الإمام الشوكاني ﵀ بعد ذكره لكلام ابن حجر هذا، فالإمام الشوكاني نقل كلام ابن حجر في كتابه "البدر الطالع" وعقب عليه بقوله: وأقول: أنا لا أعلم بعد ابن حزم مثله، وما أظنه سمح الزمان ما بين عصر الرجلين بمن شابههما أو يقاربهما، ١٨:٥٠هذه كلمة أيضًا من العالم الجليل الإمام الشوكاني ﵀ يقول بأنه لا يعلم بعد ابن حزم مثل: ابن تيمية ﵀ يعني: الزمان لم يجد بعد ابن حزم برجل كابن حزم أو يقارب ابن حزم إلا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وأنا أقول معقبًا على ذلك: رحم الله ابن حزم وغيره من الأئمة، ولكن ابن تيمية فاق ابن حزم بمراحل متعددة ويكفي أنه كان على معتقد صحيح، وكان متبعًا لمنهج سلف هذه الأمة الذي قد خالف شيئًا منه الإمام ابن حزم ﵀ ﵎ ثم قال الشوكاني ﵀ قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضى منه العجب -يعني: من شيخ الإسلام ابن تيمية- إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف التي يوردها منه ولا أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة، وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه، وأما أصول الديانة ومعرفة أقوال المخالفين فكان لا يشق غباره، فيه هدى ﵀ ﵎ يعني: كان يعرف أصول الديانة وكان مستقيمًا على الهدي الرباني الذي جاء من عند الله ﵎.
стр. 442
ثم قال: مع ما كان عليه من الكرم والشجاعة والفراغ عن ملاذ النفس، ولعل فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلد -فتاويه فقط- بل أكثر، وكان قولًا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ثم قال -يعني: الحافظ الذهبي ﵀ ومن خالطه يعني: خالط شيخ الإسلام وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين منه أصحابه وأضداده، وكان أبيض أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت فصيحًا سريع القراءة تعتريه حدة، لكن يقهرها بالحلم. ثم قال الحافظ الذهبي ﵀: ولم أر مثله في ابتهاله واستعانته بالله وكثرة توجهه، وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية، فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشرا من البشر، تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم تزرع له عداوة في النفوس، ولولا ذلك لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم خاضعون لعلومه معترفون بأنه بحر لا ساحل له، وكنز ليس له نظير، ولكن ينقمون عليه أخلاقًا وأفعالًا وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد.
هذه الكلمات -وسأتابع بعد قليل كلام الإمام الحافظ الذهبي- أود أن أقف عندها حتى لا يظن أحد أن الإمام الحافظ الذهبي وهو تلميذ لشيخ الإسلام ابن تيمية يطعن على شيخه وتلميذه الإمام ابن تيمية ﵀ أقول: ليس هذا بصحيح، وإنما هذا هو ما علمه شيخ الإسلام ابن تيمية لطلابه وتلاميذه، علمهم أن لا يقلدوا أحدًا وألا يتابعوا أحدًا على خطئه وعلمهم ﵀ أن كل واحد يخطئ ويصيب، وأن المعصوم من عصمه الله ﵎ ومن هؤلاء أنبياء الله والرسل فالله قد عصمهم في تبليغ الوحي والرسالة، أما غيرهم من آحاد الناس فكل يؤخذ من
стр. 443
قوله ويرد عليه -كما قال إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵀ ﵎.
وهنا قد أشار إلى أن ابن تميمة قد تعتريه حدة في البحث وغضب وصدمة للخصوم، ولعل هذا كان من باب رد الفعل عند هذا الإمام؛ لأنه سجن وبغي عليه وظلم من الناس واتهم بأنه أدخل على الدين ما ليس منه، وأدخل على السلف ما لم يعتقدوه، ولا شك أن هذا كان من الباطل، وشيخ الإسلام كان من أكثر الناس التصاقًا ومعرفة وسيرًا على منهج سلف هذه الأمة الصالحين -كما سأشير إلى ذلك -إن شاء الله تعالى- بعد قليل عند ذكري لمنهجه وعقيدته ﵀ ﵎.
ثم قال الحافظ الذهبي ﵀: وكان محافظًا على الصلاة والصوم معظمًا للشرائع ظاهرًا وباطنًا لا يؤتى من سوء فهم، فإن له الذكاء مفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زاخر، ولا كان متلاعبًا بالدين، ولا ينفرد بمسائل للتشهي، ولا يطلق لسانه بما اتفق، بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن ويناظر أسوة بمن تقدمه من الأئمة فله أجر على خطئه وأجران على إصابته.
هذا في الحقيقة أيضًا يوضح موقف الإمام الذهبي من شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ ومع هذا فقد وقع لشيخ الإسلام مع أهل عصره قلاقل وزلازل وامتحن -رحمه الله تعالى- مرة بعد أخرى في حياته وجرت له فتن عديدة، والناس قسمان في شأنه، فبعض منهم مقصر به عن المقدار الذي يستحقه، بل يرميه بالعظائم، وبعض آخر يبالغ في وصفه ويجاوز به الحد ويتعصب له كما يتعصب أهل القسم الأول عليه، وهذه قاعدة مطردة في كل عالم يتبحر في المعارف العلمية ويفوق أهل عصره ويدين بالكتاب والسنة، فإنه لا بد أن يستنكره
стр. 444
المقصرون، وهذا ما وقع من الذين تكلموا وآذوا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎. هذا يقع ويستنكر المقصرون الذين لم يفقهوا الدين مثل ما جاء به شيخ الإسلام، ويقع له معهم محنة بعد محنة ثم يكون أمره بعد ذلك أعلى، وقوله الأولى، ويصير له بتلك الزلازل لسان صدق في الآخرين ويكون لعلمه حظ لا يكون لغيره، وهكذا حال هذا الإمام، فإنه بعد موته عرف الناس مقداره واتفق الألسن بالثناء عليه، إلا من لا يعتد به وطارت مصنفاته واشتهرت مقالاته.
وهذا كلام صحيح، بل والله إنه عين الحق؛ فأين الذين آذوا شيخ الإسلام وتكلموا عليه، أين هم اليوم في الواقع المعاصر من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وثناء الناس على شيخ الإسلام ابن تيمية. إن ابن تيمية لا تجد مكتبة عامة أو خاصة في الغالب إلا ولابن تيمية ﵀ ﵎ له كتب فيها، فلقد أعلى الله من شأن هذا العالم الجليل الرباني لدفاعه عن عقيدة السلف الصالح، رحم الله ﵎ جميع سلفنا الصالح.
هـ- اعتقاله وسببه ووفاته:
في الحقيقة يعني: طال الحديث عن شيخ الإسلام في ترجمته وكان لا بد من ذلك؛ لأنه أمام يستحق والله؛ لأنه جدد الدين أكثر مما أتكلم عليه، وقد عرف من قبلي -وأنا لا أقول شيئًا من عندي- قد عرف تلاميذه وعرف أهل العلم -من بعد عصر شيخ الإسلام- عرفوا جميعًا من هو ابن تيمية ﵀ ﵎ والآن أتحدث عن اعتقال شيخ الإسلام ﵀ وحاله في المعتقل:
نقل صاحب (الكواكب الدرية) عن شيخه علم الدين أنه في شهر ربيع الأول، سنة ستمائة وثمان وتسعين وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية وكان الشروع فيها من أول الشهر، وكان سببها ترجيح مذهب السلف في الصفات على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أيضًا أمر المنجمين، ثم عقدت له عدة مجالس في المناظر في مصر والشام وحبس في القطرين يعني: في مصر والشام.
ونقل صاحب (جلاء العينين) على الحافظ ابن كثير ﵀ أنه قال: وأكثر ما نالوا منه أي: أعداؤه الحبس مع أنه لا ينقطع في بحث، يعني: لا ينقطع عن العلم ولا عن الكتابة لا بمصر ولا بالشام. ولم يتوجه لهم عليه ما يشين وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه. قيل: ومن جملة أسباب حبسه ﵀ خوفهم أنه
стр. 445
ربما يدعى ويطلب الإمارة، فلقي أعداؤه عليه طريقًا من ذلك، فحسنوا للأمراء حبسه لسد تلك المسالك.
وقد ذكر صاحب (الكواكب الدرية) أن الشيخ لما سجن بمصر بحبس القضاة بحارة الديلم، صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من الزوايا والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى صار السجن يمتلئ منهم، ولما ورد أمر بسجنه بقلعة دمشق أظهر السرور بذلك، وقال: إني كنت منتظرًا ذلك، وهذا فيه خير عظيم.
ونقل عنه وارث علومه العلامة ابن القيم ﵀ الذي حبس بقلعة دمشق معه- نقل عنه في كتابه (الكلم الطيب) أنه قال: ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في مجلسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا إلي فيه من الخير أو نحو هذا، وكان يقول في سجوده وهو محبوس: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، يقول هذا ما شاء الله أن يقول، ثم قال ابن القيم بأن شيخه ابن تيمية قال له ذات مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.
ولما أدخل ووصل إلى القلعة وصار داخل سورها، نظر إليه وقال: فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب -وعلم الله- ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط -مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف- وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا وأسرهم نفسًا تلوح
стр. 446
نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الأرض؛ أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله فننقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
وكان دخوله ﵀ قلعة دمشق آخر مرة سادس شهر شعبان من عام سبعمائة وست وعشرين، وما زال مقيمًا في قاعتها إلى أن كانت وفاته ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة سنة سبعمائة وثمان وعشرين ﵀ ﵎ وقد صلي عليه عقب صلاة الظهر بجامع بني أمية، ولم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة إلا حضر لذلك، حتى غلقت الأسواق بدمشق، غلقها أصحابها ولم يتمكنوا من فتحها، وعطلت معايشها يومئذ وحصل للناس من مصابه أمر شغلهم عن كثير من أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قال بعض من حضر ولم يتخلف فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس، وهذا في الحقيقة تكريم أي تكريم لشيخ الإسلام ابن تيمية.
واتفق جماعة ممن حضر وشاهد الناس والمصلين عليه: أنهم يزيدون على نحو من خمسمائة ألف، وحضرها نساء كثير بحيث حذرن بخمسة عشر ألفًا، قال أهل التاريخ لم يسمع بجنازة تمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل، رحم الله ﵎ الجميع.
стр. 447
منهج ابن تيمية وعقيدته
أنتقل بعد ذلك إلى منهج ابن تيمية وعقيدته، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- بعض قواعد الاستدلال عند ابن تيمية ﵀ ﵎: لقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية قواعد مهمة سلكها وسار عليها وهذه القواعد ضبطت منهج الاستدلال عنده حتى أصبح ﵀ متفقًا في المنهج والاعتقاد مع سلف هذه الأمة الصالحين من صحابة النبي الكريم ﵌ ومن تبعهم بإحسان- وقد ذكر بعض أهل العلم بعض هذه القواعد وهي كما يلي: القاعدة الأولى: جمع النصوص في الباب الواحد، عند دراسة أي مسألة من مسائل العلم يجب أن تجمع أطراف الأدلة في المسألة المرادة لكي تتضح وتكتمل أجزائها، ولعل من أبرز أسباب انحراف المبتعدة في القديم والحديث أنهم يأخذون نصًّا ويدعون نصوصًا أخرى، فالخوارج مثلا: أخذوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد والمرجئة أخذوا نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد؛ ولهذا كان منهج أهل السنة: جمع النصوص كلها وتتبعها في الباب الواحد ليكمل بعضها بعضًا.
ولذلك لما استدل ابن مطهر الرافضي ببعض الآيات التي فيها نسبة الفعل للعبد وهو كان معتزليًّا يقول: بأن العبد يخلق فعل نفسه على منهج المعتزلة، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة، وابن المطهر الرافضي استدل على ذلك بقول الله تعالى أعني على معتقده وهي نسبة الفعل للعبد استدل عليها بقول الله مثلًا: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (النجم: ٣٧) وبقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (النجم: ٣٨) وبقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٣٢) ونحو ذلك من الآيات، قال ابن تيمية ﵀ ردًّا عليه: الجواب من وجوه:
стр. 448
أحدها أن يقال: كل هذا حق وجمهور أهل السنة قائلون بذلك، وهم قائلون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة لا مجازًا وإنما نازع في ذلك طائفة من متكلمة أهل الإثبات كالأشعري ومن اتبعه.
الثاني أن يقال: القرآن مملوء بما يدل على أن أفعال العباد حادثة -بمشيئة الله- وقدرته وخلقه فيجب الإيمان بكل ما في القرآن ولا يجوز أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ (البقرة: ٢٥٣) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: ١٢٥) فهذه الآيات أثبتت خلق الله لأفعال العباد وأنه شاءها وأرادها إرادة كونية قدرية، فاستدلال ابن المطهر الرافضي ببعض الآيات التي فيها نسبة فعل العبد إليه وتركه للآيات الأخرى التي أثبتت إرادة الله ﵎ لكل ما يقع في الكون قول باطل وخروج عن القواعد الصحيحة في الاستدلال، والقاعدة الصحيحة هي: أن تجمع النصوص في الباب الواحد وبالتالي يخرج الإنسان بنتيجة صحيحة، وهذه هذه القاعدة الأولى من قواعد منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى.
القاعدة الثانية: رد المتشابه إلى المحكم: من مآخذ المبتدعة في الاستدلال اتباع المتشابه ورد المحكم كما جاء وصفهم في قول الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٧) وقد تميز الرافضة بهذه الصفة حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بيان حالهم: وهؤلاء الرافضة الذين يدفعون الحق المعلوم يقنيًا بطرق كثيرة علمًا
стр. 449
لا يقبل النقيض بشبه في غاية الضعف هم من أعظم الطوائف الذين في قلوبهم الزيغ الذين يتبعون المتشابه ويدعون المحكم، كالنصارى والجهمية وأمثالهم من أهل البدع والأهواء الذين يدعون النصوص الصحيحة الصريحة التي توجب العلم ويعارضونها بشبه لا تفيد إلا الشك لو تعرض -يعني: هذه الشبه- لم تثبت أمام الحقائق، وهذا في المنقولات سفسطة، كالسفسطة في العقليات وهو القدح فيما علم بالحس والعقل بشبه تعارض ذلك، فمن أراد أن يدفع العلم اليقيني المستقر في القلوب بالشبه فقد سلك مسلك السفسطة.
القاعدة الثالثة في منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ﵀ هي: أن نصوص الشارع كلمات جوامع، فينبغي الاجتهاد في الجزئيات وقد بين ابن تيمية هذه القاعدة فقال: إن الشارع في نصوصه وأحكامه أتى بكلمات جوامع وقضايا كلية وقواعد عامَّة يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلا بد من الاجتهاد في المعنيات ويعني بها الجزئيات، هل تدخل في كلماته الجامعة -يعني: تدخل في نصوص الشرع الجامعة أم لا- وهذا الاجتهاد يسمى تحقيق المناط، وهو مما اتفق عليه الناس كلهم؛ نفاة القياس ومثبتته؛ فإن الله إذا أمر أن يستشهد ذوا عدل فكون الشخص المعين من ذوي العدل لا يعلم بالنص العام، بل باجتهاد خاص، وكذلك إذا أمر أن تؤدى الأمانات إلى أهلها وأن يولى الأمور من يصلح لها، فكون هذا الشخص المعين صالحًا لذلك أو راجحًا لغيره لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل لا يعلم إلا باجتهاد خاص.
وقال أيضًا ﵀ في موضع آخر: القياس إن كان حجة؛ جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجة؛ وجب أن ينص النبي -صلى لله عليه وآله وسلم- على الكليات، وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) وهذا نص في أن
стр. 450
الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره، هذا فقه من فقه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو أنه بين أن أصول الدين وفروعه بينها رب العالمين في كتابه وعلى لسان رسوله ﵌ والله قد أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة. والقرآن والسنة مليئان بما يحتاج إليه العباد ولا يعني: ذلك أن في القرآن الكريم والسنة المطهرة النص على كل جزئية من الجزئيات التي يحتاج إليها الناس ولكن الله ﵎ أتى بالكليات العامة الجامعة والقواعد الكلية التي بينت ووضحت ما يحتاج الناس إليه، أما جزئيات المسائل فعلى أهل الحل والعقد والعلم والمعرفة وعلى الذين تبحروا في العلوم الشرعية أن يجتهدوا بعد ذلك في المسائل الجزئية.
القاعدة الرابعة -من قواعد منهج الاستلال عند شيخ الإسلام ﵀: الموازنة بين المصالح والمفاسد: قال ابن تيمية ﵀ فالأقل ظلمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلمًا فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، يقول: ابن تيمية ﵀ فالأقل ظلمًا ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلمًا، فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين؛ حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين ويدفع شر الشرين. وقال أيضًا: الصواب الذي مصلحته أعظم هو خير وأفضل من الصواب الذي مصلحته أقل، وقال أيضًا: ومما ينبغي أن يعلم: أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح، لا لرفع الفساد بالكلية، فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد.
القاعدة الخامسة: الفتنة من صوارف الاهتداء بالحق، يعني: أن الفتنة سبب من أسباب أن ينصرف الإنسان عن الحق. وفي ذلك يقول: الإمام ابن تيمية ﵀ وذلك أن الله تعالى بعث محمدًا ﵌ بالهدى ودين الحق، فبالهدى يعرف
стр. 451
الحق، وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به، فلا بد من علم الحق، وقصد له، وقدرة عليه، والفتنة تضاد ذلك فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم -يعني: لا يتميز الحق- ويكون فيها من الأهواء والشبهات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قدرة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة، فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده، ولهذا يقال: فتنة عمياء صماء، ويقال: فتن كقطع الليل المظلم ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم.
وهذه القاعدة في الحقيقة قاعدة عظيمة وضحها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ في كثير من كتبه، فالفتنة أعاذني الله وإياكم منها تصد الناس عن الحق والفتن كانت سببًا في تمزيق الأمة الإسلامية إلى فرق وأحزاب وشيع، وإن ما نشاهده اليوم من كثرة الفرق والاختلافات المتعددة في العقائد والمناهج، والله إنها لمن الفتن التي ابتليت بها أمة الإسلام ولذلك نسأل الله أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
القاعدة السادسة -من قواعد منهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهي قاعدة عظيمة، أختم بها هذا اللقاء وهي: العبادة: العبادة مبناها على الاتباع لا على الابتداع، هذه في الحقيقة قاعدة عظيمة جدًا، يقوم الدين كله عليها، ولذلك قال فيها شيخ الإسلام ﵀: العبادات مبناها على أصلين -تأملوا هذا الكلام الجليل.
أحدهما: ألا يعبد إلا الله، لا نعبد من دونه شيئًا؛ لا ملكا ولا نبيا ولا صالحًا ولا شيئا من المخلوقات. فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله وحده دون سواه، فلا يتوجه بها الإنسان لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ولا إلى ولي أو صالح أو غير ذلك من سائر المخلوقات؛ لأن الجميع مخلوق مربوب عند رب
стр. 452
الأرض والسموات هذا هو الأصل الأول: التي تبنى عليه العبادات عند شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم قال:
الأصل الثاني: أن نعبده بما أمرنا به على لسان رسوله ﵌ ولا نعبده ببدع لم يشرعها الله ولا رسوله ﵌ وهذا حق وكلام جميل من شيخ الإسلام ﵀ ﵎ فالذي بين لنا الشرائع التي نزلت لنا من عند الله، والأحكام التي جاءتنا من عند الله إنما هو نبي الهدى الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه- ولهذا يجب علينا أن نتبعه وحده، وأن يكون هو القدوة وحده -صلوات الله وسلامه عليه- والله قد أمرنا في كتابه باتباع نبيه ﵌ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
هذا ملخص لمنهج الاستدلال عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ ومنهج الاستدلال عند شيخ الإسلام وذكري لهذه القواعد التي كانت عنده تبين سلامة المنهج الذي سلكه ﵀ وسار عليه حتى وصل بذلك إلى الاقتداء بسنة سيد الأنبياء والمرسلين -صلوات الله وسلامه عليه- ولهذا أقول كلمة حق في هذا الإمام الجليل ﵀ بأنه كان من أكثر الناس اتباعًا لسلف هذه الأمة الصالحين من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم وسار على طريقتهم إلى يوم الدين.
والسلام عليم ورحمة الله وبركاته.
٢ - تابع ترجمة الإمام ابن تيمية: وترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب
تابع منهج ابن تيمية وعقيدته
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على خير الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عنوان هذا اللقاء: تابع ترجمة الإمام ابن تيمية وترجمة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحم الله الجميع- وهذه المحاضرة تشتمل على العناصر التالية:
العنصر الأول: تابع منهج ابن تيمية وعقيدته، ويشتمل على النقاط التالية:
أ- العقل والنقل عند ابن تيمية:
في اللقاء الماضي تحدثت عن بعض قواعد الاستدلال عند شيخ الإسلام لأبين وأبرز عقيدته ﵀ ﵎ وأنه كان متبعًا لسلف هذه الأمة، وأود -في بداية هذا اللقاء- أن أبين مكانة العقل والنقل عند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقد ذكر ابن تيمية وجود تلازم وتوافق بين الأدلة الشرعية النقلية والأدلة العقلية، وقد بين ذلك في قوله: والقول كلما كان أفسد في الشرع كان أفسد العقل؛ فإن الحق لا يتناقض، والرسل إنما أخبرت بحق، والله فطر عباده على معرفة الحق، والرسل إنما بعثت لتكميل الفطرة لا لتغير الفطرة، قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق﴾ (فصلت: من الآية: ٥٣) فأخبر -
стр. 453
سبحانه- أنه سيريهم الآيات الأفقية والنفسية المبينة؛ لأن القرآن الذي أخبر به عباده حق، فتطابق الدلالة القرآنية، وتصادق أيضًًا العقل مع ذلك أمر مطلوب.
ويقول أيضًًا ﵀: كل من كان إلى الرسول ﵌ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان أقرب؛ كان أقرب إلى كمال التوحيد والإيمان والعقل والعرفان، وكل من كان عنهم أبعد؛ كان عن ذلك أبعد.
ويقول أيضًًا: فما جاء به الرسول ﷺ حق محض، يتصادق عليه صريح المعقول وصحيح المنقول، والأقوال المخالفة لذلك -وإن كان كثير من أصحابه مجتهدين مغفور لهم خطأهم- فلا يملكون نصرها بالأدلة العلمية، ولا الجواب: عما يقدح فيها بالأجوبة العلمية؛ فإن الأدلة العقلية الصحيحة لا تدل إلا على القول الحق، والأجوبة الصحيحة المفسدة لحجة الخصم لا تفسدها إلا إذا كانت باطلة؛ فإن ما هو باطل لا يقوم عليه دليل صحيح، وما هو حق لا يمكن دفعه بحجة صحيحة، ويقول أيضًًا ﵀: فإن الشرع قد جاء بعقوبة غير المكلفين في دفع الفساد في غير موضع، والعقل يقتضي ذلك لحصول مصلحة الناس، فهنا يبين ﵀ وجود تلازم شديد بين العقل والنقل، وأنه لا يمكن أبدًًا أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، وأن الطريق الشرعي يوجب النظر فيما جاء به الرسول ﵌ والاستدلال بأدلة النبي ﵊ وعلى العبد أن يعمل بموجب هذه الأدلة، وهذا الطريق الذي جاء به النبي ﵌ من الشرع هو أيضًًا- متضمن للأدلة العقلية والبراهين اليقينية؛ لأن الرسول ﵌ بين بالبراهين العقلية ما يتوقف السمع عليه، والرسل بينوا للناس العقليات التي يحتاجون إليها، كما ضرب في القرآن من كل مثل:، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله عباده أن يسألوه هدايته.
стр. 454
وبعد هذا التقرير الذي تحدث عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبين فيه وجود تلازم بين العقل والنقل يرد ابن تيمية بعد ذلك على المعتزلة ومن نحى نحوهم، الذين أحدثوا ذلك الانفصام المفتعل بين العقل والنقل وبين ﵀ أن النقل الصريح لا يعارض العقل الصريح أبدًًا، وفي ذلك يقول: وكثير من الناس يفهمون من القرآن ما لا يدل عليه، وهو معنى فاسد ويجعلون ذلك يعارض العقل، وقد بينا في مصنف مفرد "درء تعارض العقل والنقل" -وهو بحمد الله مطبوع عليه تحقيق للدكتور محمد رشاد سالم- ثم يقول: ابن تيمية عن هذا الكتاب: وذكرنا فيه عامة ما يذكرون من العقليات في معارضة الكتاب والسنة، وبينا أن التعارض لا يقع إلا إذا ما كان ما سمي معقولًا فاسدًا، وهذا هو الغالب على كلام أهل البدع، أو أن يكون ما أضيف إلى الشرع ليس منه، إما حديث موضوع وإما فهم فاسد من نص لا يدل عليه، وإما نقل إجماع باطل، وهذه كلمات في غاية من السداد من شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎.
ويطول الحديث أيضًًا عن ذكر كلامه في هذا الباب، وعن ذكر اضطراب أصحاب العقول الذين أعرضوا عن الشرع واستخدموا عقولهم في مواجهة الشرع، كالفلاسفة والمعتزلة وسائر المتكلمين الذين أدخلوا في دين الله ﵎ معقولًا ليس بصحيح يخالف صحيح وصريح ما جاء في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﵌.
ب- عقيدته في أسماء الله وصفاته:
يطول الحديث في ذلك، ولقد تحدثت في المستوى الثالث، والرابع لطلاب الجامعة عن موقف أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، وكان معظم حديثي موضحًا مبينًا من كلمات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولكني هنا أود إكمالًا للبحث وتتميمًا للفائدة أن أشير إلى عقيدته ﵀ في أسماء الله وصفاته.
عقيدة ابن تيمية في أسماء الله وصفاته هي عقيدة سلف هذه الأمة، فهو ﵀ كان يثبت لله ﵎ كل ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو صح به الخبر على لسان رسول الله ﵌ من أسماء الله الحسنى وصفات الله ﵎ العلا.
стр. 455
وقد دافع شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎ عن منهج السلف في سائر كتبه وبين ضلال المتكلمين وفساد ما هم عليهم في هذا الباب العظيم، ألا وهو باب: أسماء الله ﵎ وصفاته، وقد بين ابن تيمية ﵀ أن تأويل الصفات باطل، وأنه لا يجوز، أو أن التفويض في المعنى لا يجوز، وقد رد في ذلك على الفلاسفة والجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم من طوائف المتكلمين الذين انحرفوا عن منهج الحق والصواب في مسألة أسماء الله ﵎ وصفاته.
كان ابن تيمية ﵀ يثبت جميع ما جاء به النص عن الله ﵎ في هذا الباب وإثباته كان إثباتًا بلا تجسيم ولا تشبيه، فكان يعارض ويرد على المشبهة المجسمة، وإن رماه بعض الناس بذلك، فهذا افتراء منهم عليه ﵀ ﵎ فهو من أفضل الناس الذين سلكوا مسلك السلف في هذا الباب، ومن أفضل الناس الذين عرفوا الاعتقاد الصحيح أيضًًا في هذا الباب ﵀ ﵎.
جـ- خلاصة أعماله ﵀:
بعد ذكري الطويل في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية أود أن أذكر كلمة يسيرة عن خلاصة أعماله ﵀ وهذه الخلاصة تحدث عنها كثير من أهل العلم، تحدث عنها الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ ﵎ وغيره، ومما قال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي ﵀ في بعض أعمال ابن تيمية، قال: أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين، يعني: ثمان وتسعين بعد الستمائة، في قعدة بين الظهر والعصر، وهو جواب سؤال ورد من حماة في الصفات وجرى له بسبب ذلك محنة، ونصره الله وأذل أعدائه، وما حصل له بعد ذلك إلى حين وفاته من الأمور والمحن والتنقلات يحتاج إلى عدة مجلدات. هذه كلمة يسيرة من كلمات الإمام ابن عبد الهادي ﵀ عن شيخ الإسلام ابن تيمية، استفدنا منها أنه ألف ما يعرف بالعقيدة الحموية أو
стр. 456
الرسالة الحموية، التي تناولها كثير من أهل العلم بالشرح والبيان والتحليل وهي في مسألة باب أسماء الله ﵎ وصفاته، أملاها في قعدة واحدة بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا يدل على فائق علمه ﵀ ﵎. وهناك في الحقيقة أمور كثيرة دقيقة عن شيخ الإسلام وأعماله ﵀ ولكني أرى أن الوقت يضيق عن استقصاء ذلك والحديث عنه، ولعلي فيما ذكرته آنفًًا من كلمات عن شيخ الإسلام ابن تيمية تبين كثيرًا من أعماله ﵀ ﵎.
ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب
أنتقل بعد ذلك إلى ترجمة شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ وأبدأ بسيرته الذاتية، وهذا العنصر يشتمل على النقاط التالية:
أ- اسمه ونسبه:
نسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب أذكر بعضه هنا، وهو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف، وينتهي نسبه إلى نزار بن معد بن عدنان، وهو بهذا يلتقي مع النبي ﵌ عند هذا النسب.
ب- مولده ونشأته العلمية ومواهبه:
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ سنة ألف ومائة وخمس عشرة من هجرة المصطفى ﵌ وذلك في بلدة "العيينة" على الصحيح، في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهر قلب قبل بلوغه عشر سنين، وكان حاد الفهم، وقّاد الذهن زكي القلب سريع الحفظ، قرأ على أبيه في الفقه، وكان -رحمه الله تعالى- في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه وجد في طلب العلم، وأدرك وهو في سن مبكرة حظًّا وافرًا من العلم،
стр. 457
حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام، وكتبه أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وفهمه الجيد، وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره، ورآه أهلًا للصلاة بالجماعة إمامًا لمعرفته بالأحكام، وزوجه بعد البلوغ مباشرة.
ثم من طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام فأذن له، فحج وقصد المدينة النبوية وأقام فيها شهرين، ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة، وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة، بحيث إنه كان يخط كراسًا بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه، ويقول عنه عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: وقد كتب بخط يده كثيرًا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، لا يزال بعضها موجودًا بالمتحف البريطاني بلندن، وهذه العبارة تفيد أن الشيخ ابن عبد الوهاب ﵀ كما سيتبين لنا بعد ذلك، سلك مسلك السلف الذي سلكه الإمام ابن تيمية ﵀ ﵎.
وقال حفيده وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: لما قدم جده سليمان بن علي من الروضة ونزل العيينة كان أفقه من نزل نجد في وقته فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد، منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم وكان المتولي للقضاء في العارض ابنه عبد الوهاب، وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد لحاجتهم إليه في الإفتاء وما يقع بينهم من بيع العقارات، وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته، وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب فظهر شيخنا يعني: محمد بن عبد الوهاب بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم، فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل
стр. 458
بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب، فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها في (الشرح الكبير)، و (المغني)، و (الإنصاف) لما فيهما من مخالفة ما في متن (المنتهى) و (الإقناع).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات، وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ له مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة وتأيد بإجماع سلف الأمة.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وقد أخبر شيخنا -رحمه الله تعالى- أنه كان في ابتداء طلبه العلم وتحصيله في فن الفقه وغيره، لم يتبين له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله من جن أو غائب أو طاغوت أو شجر أو حجر أو غير ذلك، ثم إن الله تعالى جعل له نهمة في مطالعة التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس من الشرك، أنه الشرك الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، فبحث في هذا الأمر مع أهله وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه.
جـ- أثر البيئة في توجيه الشيخ علميًّا:
من المعلوم أن الإنسان يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، وأود هنا أن أبين ما إذا كان للبيئة أثر في توجيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ﵎ من الناحية
стр. 459
العلمية فأقول: لقد أرصد الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه الشيخ من علم، وما عرفه من الحق على يد أبيه، ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما يتعلمه من أبيه ومن ميراث العلماء في واد، والناس أو غالب الناس في واد آخر، والحياة الواقعة، والعمل الجاري من الناس على العموم والغالب كان مخالفًا للهدي النبوي الذي كان عليه النبي ﵌.
وقد اصطدم ذلك مع حياة الشيخ العلمية الخاصة التي ورثها من متصل إسناد العدول وحملة العلم النبوي من لدن رسول الله ﵌ إليه اتصالًا متينًا لا يتطرق إليه انقطاع ولا انفصام، ذلك أن البيئة في "نجد" على الخصوص كما هي في سائر البلاد الأخرى على العموم كانت بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءًًا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها، ولا شك أن بيئة هذه عقيدتها مناقضة لعقيدة السلف الصالح مناقضة للإسلام الذي يتربى عليه الشيخ في محضن خاص من المحاضن التي يحفظ الله بها دينه، ويقيم على الناس بها حجته، استمرارًا لرسالة خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه- ولا بد أن يخرج الشيخ إلى هذه البيئة ويعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملًا وهو العزيز الغفور.
والشيخ بين أمرين: إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل: الآخرين فتكون نفسه وقلبه وروحه ميدانًا للمتناقضات وصراعها واختلاط البدعة والوهم بعقيدته السليمة ودينه القيم وحياته الطيبة، وتصبح الجاهلية سائدة في نفسه كالأكثر الغالب من الناس، وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتشرة والبدعة الشائعة والجاهلية الجاثمة الثقيلة، وما أثقلها من كابوس جاثم، إنها حياة أغلبية المجتمع من حوله التي تضغط بقوة على من يحيى بالإسلام ونوره، ولكن قد اختار
стр. 460
الشيخ ﵀ وجزاه خيرًًا أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية، وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله، وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين، وذلك بتأثير البيئة العلمية التي نشأ فيها الشيخ ﵀ ﵎.
د- توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم:
قال ابن بشر ﵀ ﵎: لما تتحقق للشيخ معرفة التوحيد ونواقضه وما كان قد وقع فيه كثير من الناس من البدع المضلة، صار ينكر هذه الأشياء، واستحسن الناس ما يقول، لكن لم ينتهوا عن ما فعل الجاهلون ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون، هنا توجه الشيخ ﵀ للرحلة في طلب العلم للتسلح بسلاح ماض قاطع؛ فإن إنكار الشيخ لهذه الأمور الشائعة جعلته في مواجهة للمعارضة من علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل، فكان كل ذلك يزيد تفكيره وحرصه على تحصيل العلم وإدراك الحق، فلا بد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول، الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة، فليرحل إلى مظانهم في أقطار البلاد الإسلامية، حيث إنهم لا يحصرون في مكان دون آخر ولا زمان دون زمان؛ فإن للعلماء بقايا وفي الزوايا خبايا، وحجة الله قائمة، وذكره محفوظ، وميراث رسول الله ﵌ مضبوط وذلك في الكتب والصدور، يحمله من كل خلف عدوله، ويتوارثه جيل بعد جيل، ورب مُبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
следующие страницы →